← Джавами‘

Джавами‘ · id 7710

دروس للشيخ علي القرني

علي القرني

Полный текст (977 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

صورة من معاناة الصديق في سبيل الدين الصورة الأولى: قال الصديق: لا إله إلا الله، وقد أدرك ماذا تعني لا إله إلا الله، علم أنها تعني أن يسلم النفس كاملة لله ، اسمع إلى ابن كثير في سيرته يوم يقول: عن عائشة ﵂ قالت: لما اجتمع أصحاب النبي ﷺ ، ألح أبو بكر على الرسول ﷺ في الظهور وعدم الاختفاء، فقال ﷺ : يا أبا بكر! إنا قليل، فلم يزل أبو بكر يلح على إظهار النور حتى وافقه ﷺ على ذلك، وظهر رسول الله والمسلمون، وتفرقوا في نواحي المسجد، وقام أبو بكر خطيباً في الناس -فكان أول خطيب دعا إلى الله وإلى رسول الله ﷺ ثار عليه المشركون، وثاروا على المسلمين معه، فضربوا أبا بكر ضرباً شديداً، حتى إن عتبة دنا منه فجعل يضرب وجهه بنعلين مسقوفتين، ثم يجثو على بطن أبي بكر حتى ما يعرف وجهه من أنفه ﵁ وأرضاه. وجاء بنو تيم قوم أبي بكر، وأجلوا عنه المشركين، وقالوا: لئن مات لنقتلن عتبة ثأراً لـ أبي بكر، أما أبو بكر فمغمى عليه لا يتكلم بكلمة، رجع إليه قومه ليكلموه فما تكلم إلا آخر النهار، ترى بما تكلم! قال: ما فعل رسول الله ﷺ ؟! همه الرسول والرسالة، سبه قومه وعذلوه إذ هم مشركون ثم تركوه. أما أمه فقامت تلح عليه أن يطعم شيئاً وهو يقول: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ فتقول: والله يا بني ما لي من علم بصحابك، قال: اذهبي إلى أم جميل فاطمة بنت الخطاب فسليها، خرجت إليها، فقالت: إن ابني يسأل عن محمد، قالت أم جميل: أتحبين أن اذهب معك إلى ابنك -تريد سرية الأمر لئلا تفتن هي به كما فتن هو وغيره- قالت: نعم. فمضت إلى أبي بكر فوجدته صريعاً، فقالت: والله إن قوماً نالوا هذا منك لأهل فسق وكفر، وإني لأرجو أن ينتقم الله لك منهم. ﵏ ورضي عنهم؛ لقد كانوا يأوون إلى ركن شديد، فيقول أبو بكر: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ قالت أم جميل: هذه أمك تسمع -ولم تكن آمنت بعد، وهذا وعي عظيم من فاطمة ﵂ على سرية الدعوة فلا تتكلم أمام مشركة، حتى ولو كانت أم أبي بكر ﵁ وأرضاه- قال: لا عليك يا فاطمة! قالت: إنه سالم صالح بحمد الله، قال: أين هو؟ قالت: في دار ابن أبي الأرقم، قال: فإن لله علي ألا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى آتي رسول الله ﷺ . أحب رسول الله حباً يفوق حب النفس والمال والأهل والولد، وهكذا يجب أن يكون المؤمنون، انتظروا حتى هدأت الرجل وسكن الناس، ثم خرجت أمه وأم جميل يتكأ عليهما، حتى أدخلتاه على رسول الله ﷺ ، فلما رآه ﷺ قبله، وأكب عليه المسلمون، ورق له رسول الله ﷺ رقة شديدة لما يرى منه، فقال أبو بكر: بأبي أنت وأمي ليس بي من بأس إلا ما نال الفاسق من وجهي يا رسول الله، ثم قال: يا رسول الله! هذه أمي برت بولدها وأنت مبارك، فادع الله لها وادعها إلى الله أن يستنقذها من النار، فدعاها ودعا لها رسول الله ﷺ ، فشهدت أن لا إله إلا الله. همه ﵁ أن يستنقذ الناس من النار، والأقربون أولى بالمعروف، والأم أقرب إنسان إليه، فما كان منه إلا أن دعاها فأسلمت، وكان من أعظم البر بأمه أن يدعوها إلى الله جل وعلا. أرأيتم لهذا الموقف يا عباد الله! والله لموقف أبي بكر هذا مع رسول الله في سبيل الحق ساعة، أفضل من عبادة أحدنا عمره كله، يقول بكر بن عبد الله المزني بإسناد صحيح: إن أبا بكر لم يفضل الناس بكثرة صلاة ولا صيام، وإنما فضلهم بشيء وقر في قلبه، إنه الإيمان وكفى به هادياً ودليلاً إلى القلوب، وحادياً إلى جنات النعيم. بشرها دليلها وقالا غداً ترين الطلح والجبالا

стр. 842

دور الصديق في الدعوة إلى الإسلام صورة أخرى: عَلِمَ أبو بكر أن من أول مقتضيات لا إله إلا الله الدعوة إليها، فالدعوة ليست وظيفة محمد ﷺ فقط، بل هي وظيفة الأمة في مجموعها. علم ذلك أبو بكر فخرج من عند نبيه ورسوله محمد ﷺ ، خرج وهمه نصرة هذا الدين ونشره في العالمين، خرج وعمره في الإسلام لا يتجاوز بضعة أيام، وبعد أيام يعود فبم عاد أبو بكر؟ عاد وهو يقود الكتيبة الأولى من كتائب هذه الأمة، خرج صادقاً مبلغاً فعاد وقد أدخل في دين الله ستة من العشرة المبشرين بالجنة فيما بعد. فيا لله! يأتي أبو بكر يوم القيامة وفي صحيفة حسناته ستة من العشرة المبشرين بالجنة، يعود وقد أسلم على يديه عثمان وطلحة الزبير وسعد وعبد الرحمن وأبو عبيدة ﵃ أجمعين. أرأيتم عطاءً للإسلام كهذا العطاء! قد يعيش الإنسان منا ستين عاماً أو سبعين عاماً أو أقل أو أكثر، لكنها والله لا تعدل في ميزان الحق ساعة من ساعات أبي بكر، قد لا يكون الصديق حفظ بضع سور من القرآن في ذلك الوقت، ولم يكن حفظ بضع آيات، وبعضنا يحفظ القرآن، ويحفظ من السنة الكثير، ويستمع إلى عشرات المحاضرات، ويستمع إلى عديد من الأشرطة، ويقرأ عشرات الكتب، وينقضي عمره وما هدى الله على يديه رجلاً واحداً، ما السبب؟ إنه نقص الإيمان، أو نقص الصدق لضعف الإيمان في القلوب. حصان إخلاصنا ما زال يُسمعنا صهيله غير أنا ما امتطيناه فهلا صدقنا الله، وهلا أخلصنا النوايا لله، لتنقاد القلوب لنا كما انقادت لـ أبي بكر وسلفنا، نرجو الله أن يَمنَّ علينا بذلك، فـ ﴿لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم﴾.

стр. 843

دور الصديق في نصرة المستضعفين من المسلمين صور أخرى: تلفت أبو بكر وقد استغرق الإسلام عليه وقته، فوجوده للإسلام، وهويته ورسالته الإسلام، تجرد لله بكل خاطرة في قلبه فلم يستبق في نفسه بقية، استعبدها لله، تلفت فإذا ميدان جديد قد هتك، وإذ بالمستضعفين من المسلمين قد صب عليهم طغاة الكفر وصناديد الشركة وسدنة الوثنية سوء العذاب، حبسوهم، جوعوهم، عطشوهم، عذبوهم ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج:٨]. ويا أيها الأحبة في الله! إن الضلال والجهل والكفر والنفاق بكل زمان لا يمتلك الإقناع والحجة والبرهان، قد يمتلك القوة والبطش لكن أنَّى لقلوب تسلل إليها النور أن تتدثر بالضلال بعد أن تسلل إليها النور، رأى أبو بكر نفوساً مؤمنة أمضها العذاب، وأعيتها المعاناة، وآلمها التعذيب، جروا في الرمضاء، ضربوا بالسياط، البسوا أدرع الحديد، طفروا في الشمس، كووا بالنار. في السيرة لـ ابن كثير يقول ابن عباس: إن كانوا ليضربون أحدهم ويجيعونه ويعطشونه ويسحبونه على وجهه في الرمضاء، حتى ما يقدر أن يستوي جالساً من شدة الضر الذي نزل به، حتى يقولوا له: اللات والعزى إلاهان من دون الله؟ فيقول: نعم. افتداء منهم وقلبه مطمئن بالإيمان، ففي مثل هذا أنزل الله ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦]. الابتلاء سنة من سنن الله في هذا الكون لا تتوقف، ليميز الله الخبيث من الطيب، وهاهو رسول الله ﷺ كما في الصحيح يخبر فيقول: ﴿لقد كان في من كان قبلكم يؤتى بالرجل فتحفر له الحفرة فيوضع فيها، ثم يوضع المنشار على مفرق رأسه، ثم يشق شقين فيمشط بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم وعصب﴾ فالابتلاء سنة ماضية ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢]. أبو بكر يرى هذه المناظر من الابتلاءات فآلمه ما يرى، جمع أمواله وصفى تجاراته مباشرة، وكان من أكثر قريش تجارة، ثم انطلق يشتري الأرقاء، ويعتقهم لوجه الله لا يريد منهم جزاءً ولا شكوراً، كل ذلك حماية لدينهم أن يفتنوا فيه، فينفق من أمواله أربعين ألف دينار في سبيل الله، ليحقق الشعور بالجسد الواحد والبناء الواحد والأمة الواحدة. يسمع أبو بكر ويرى بلالاً يئن تحت وطأة التعذيب، وهو يقول: أحد أحد قد هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه فصاروا يطوفون به شعاب مكة، وهو يقول: أحد أحد، صخور عظيمة في حماء الظهيرة في رمضاء مكة -وأهل مكة أعرف بـ مكة - توضع على صدره ثم يقول له أمية: لا تزال على هذا حتى تموت أو تكفر بمحمد، ولسان حال بلال وهو الثابت يقول: أهفو إلى جنة الفردوس محترقاً بنار شوقي إلى الأفياء والغرف وقد أمر على الدنيا وسادتها من الطغاة مروراً ليس بالجيف أما لسان مقاله: فأحد أحد، لم يظفروا منه بكلمة الكفر ﵁ وأرضاه، يسمعه أبو بكر وهو يقول ذلك، فيقول: لينجينك الواحد الأحد، ويذهب أبو بكر إلى أمية، ويقول: أتبيع بلالاً؟ قال: أبيعه لا خير فيه، فباعه من أبي بكر بعبد أسود لـ أبي بكر، وقيل: بخمس أواق من ذهب، ليعتقه أبو بكر لوجه الله تعالى، ونعم المال الصالح للعبد الصالح. يقول أمية: يا أبا بكر! لو أبيت إلا أوقية واحدة لبعتك بلالاً لا خير فيه، فيقول أبو بكر: [[والله لو أبيت إلا مائة أوقية ذهباً لأعطيتكها]]. إعلاناً من أبي بكر للبشرية كلها، أن له موازين ومعايير ومقاييس غير مقاييس أمية وحزبه من الكفرة، أعتق أبو بكر بلالاً وعامراً وأم عمير وزنيرة و p=١٠٠٠٠٧١> النسية وابنتها وغيرهم كثير، اعتق الله رقبته من النار وبيض الله وجهه يوم تبيض وجوه وتسود وجوه. ويأتي أبوه وهو شيخ كبير ما زال حينها على دين قومه، فيقول: يا بني! أما وقد أبيت إلا أن تضيع مالك فهلا أنفقته على رجال أشداء جلداء ينفعونك ويمنعونك في وقت الشدائد، فيقول: يا أبتي إنما أريد ما أريد، ماذا يريد أبو بكر؟ أيريد السمعة؟! أيريد الرياء؟! أيريد الشهرة؟! والله لو يريدها لوضعها في الأشراف والكبار بمقاييسهم، لكنه يريد وجه الله والدار الآخرة، وشتان بين طالب الدنيا وطالب الآخرة. ويأتي المنافقون: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة:٧٩] ﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة:٥٨] يأتون في كل زمان ليهونوا من شأن أي عمل يقوم به المسلمون الصادقون، فيقولون: إنما أعتق أبو بكر بلالاً ليدٍ كانت لـ بلال عنده، أي: لمعروف كان لـ بلال عنده. وأبو بكر ليس في حياته متسع لمجادلة أصحاب مثل هذا الفكر المظلم العفن النتن، وهذه النظرات القاصرة الخاسرة، تركهم ولم يرد عليهم، ولسان حاله يقول: الله يعلم ما في قلبي، هو عالم السر وأخفى، لا يخفي عليه شيء في الأرض ولا في السماء. وتتنزل الآيات من فوق سبع سماوات من رب العزة والجلال لترد على هؤلاء، ومن على شاكلتهم إلى قيام الساعة كما ذكر ذلك غير واحد من المفسرين، يقول الله جل وعلا: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل:١٩ - ٢١] أي متاع يساوي: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾؟! أي زخرف يساوي: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾؟! أي دنيا تساوي: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾؟! لا الدنيا ولا متاعها ولا زخرفها ولذائذها وزينتها، بل هي بحذافيرها لا تساوي: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾؟! من الذي وعده بالرضى؟ إنه أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين، وديان يوم الدين، وجامع الناس ليوم لا ريب فيه، ولسوف يرضى في يوم يقل فيه من يرضى، ولسوف يرضى في يوم يكثر فيه الفزع: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً﴾ [آل عمران:٣٠].

стр. 844

أعلى درجات التصديق والثقة صورة أخرى: ويسرى برسول الله ﷺ إلى بيت المقدس، ويعرج به إلى السماوات العلى في ليلة، ويعود في الصباح ليخبر الخبر وهو الصادق ﷺ ، ويطير الخبر في مكة، ويسري سريان النار في الهشيم، ويكذب المصطفى ﷺ ، ويضطرب بعض المسلمين لهذا الخبر، ثم يذهبون لـ أبي بكر يريدون أن يزعزعوا عقيدته، يريدون أن يهزوا إيمانه، فيخبرونه الخبر وهم على ثقة أنه لن يصدق رسوله ﷺ بعدها وسيرتد عن دينه. فما موقف هذا الرجل؟ وقف أمامهم كالطود الشامخ ليقول في كلماته الخالدة التي حددت منهج الإيمان في حياته: [[إن كان قال فقد صدق، والله إنه ليأتي بالخبر من السماء في ساعة من ليل أو نهار فأصدقه، أفلا أصدقه الآن]] أو كما قال، وانظروا إلى الوضوح في الرؤية، وإلى الثبات على المبادئ، عاد هؤلاء خائبين خاسرين، واستحق أبو بكر أن يلقب بـ الصديق. أيها الأحبة في الله! لقد علمنا أبو بكر كيفية التعامل مع ما يأتي عن الله وعن رسوله، فلا مجال للرأي بعد ثبوت النقل ولا جدال، بل آمنا وصدقنا وعملنا، سمعنا وأطعنا فوالله ما خرج من بين شفتي رسول الله ﷺ إلا الحق.

стр. 845

دور الصديق وأسرته في الهجرة صورة أخرى: لما أذن رسول الله ﷺ لصحابته بالهجرة إلى المدينة، تجهز أبو بكر يريد أن يكون الأول في كل شيء، يسابق إلى الخيرات، واتجه إلى النبي ﷺ يطلب الإذن بالهجرة، فقال ﷺ له: ﴿لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحباً﴾ يدخره رسول الله ﷺ لحدث ومنزلة لا يتكرر عبر تاريخ الحياة كلها، فقام بإعداد الرواحل، وقام يعلفها من ورق التمر استعداداً للهجرة، وكان من عادة المصطفى ﷺ أن يأتي بيت أبي بكر كل يوم مرتين بكرة وعشياً، قالت عائشة: ﴿وبينما نحن جلوسٌ يوماً في نحر الظهيرة، وإذ برسول الله ﷺ متقنعاً في ساعة لم يكن يأتينا فيها أبداً، فيقول أبو بكر: فداء له أبي وأمي ما جاء إلا لأمر، فدخل رسول الله ﷺ ، فجلس على سرير أبي بكر وقال: اخرج من عندك يا أبا بكر! قال: إنما هم أهلك بأبي أنت وأمي يا رسول الله، قال: فإن الله قد أذن لي بالهجرة، قال أبو بكر وهو يبكي من الفرح: الصحبة يا رسول الله! قال: الصحبة يا أبا بكر! قالت عائشة: والله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحداً يبكي من الفرح، حتى رأيت أبي يبكي يومئذٍ من الفرح﴾ أخرجه البخاري. يا لله! هل يبكي فرحاً بمنصب؟! هل يبكي فرحاً بمال؟! بجاه؟! بوظيفة؟! لا والله الذي لا إله إلا هو إنه ليعلم أن السيوف تنتظره، وأن القلوب الحاقدة تتلهف للقبض عليه، وأن الجوائز العظيمة تعلن للقبض عليه وعلى صاحبه، لكن. فما لجرح إذا أرضاكم ألم. أولئك حزب الله آساد دينه بهم عصب الطاغوت تشقى وتعطب أولئك أنصار النبي ورهطه لهم يتناهى كل فخر وينسب أولئك أقوام إذا ما ذكرتهم جرت عبرات العين حراً تصبب جزى الله خيراً شيخ تيم وجنده فراياته في الخير والبر تضرب

стр. 846

صور وعبر في الطريق إلى الغار وينطلق رسول الله ﷺ مع أبي بكر إلى غار ثور، وفي حديث الهجرة صور أي صور، وعبر أي عبر، حقيقة بالتأمل والوقفات عندها، فهذا الشيخ الجليل أبو بكر قد خرج بكل ما يملك بعد أن أعلن حالات الطوارئ في بيته، واستنفر جميع أفراد أسرته لخدمة الرسالة، وجهز جميع إمكاناته لخدمة المصطفى ﷺ ثم يمضي مع رسول الله ﷺ ، تاركاً الأهل والعشيرة والأولاد والخلان والأصحاب يريد وجه الله والدار الآخرة. ويلقي رسول الله ﷺ مع أبي بكر نظرة على البيت الحرام، نظرة حزن قائلاً كما روى الإمام أحمد والترمذي وصححاه: ﴿والله إنك لأحب أرض الله إلي، وإنك لأحب أرض الله إلى الله، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت﴾ دموعه ﷺ تهراق على وجنتيه، لكنه يعلن للدين إلى قيام الساعة، أن وطن الداعية حيث مصلحة دعوته، فلتهجر الأوطان حتى ولو كانت أحب الأوطان إلى الله وإلى رسول الله، ما دامت تتعارض مع مصلحة الدعوة إلى الله. وفي الطريق إلى الغار -كما في الدلائل للبيهقي -: يرى رسول الله ﷺ من أبي بكر عجبه، يسير أمامه مرة وخلفه مرة، وعن يمينه مرة وعن شماله مرة، فيسأله النبي ﷺ لم هذا الفعل؟ فيقول: يا رسول الله أذكر الطلب فأمشي خلفك، وأتذكر الرصد فأمشي أمامك، وعن يمينك وعن شمالك لا آمن عليك، فيقول النبي ﷺ : ﴿يا أبا بكر! لو كان شيء لأحببت أن يكون بك دوني؟ قال: نعم والذي بعثك بالحق، إن قتلت أنا فإنما أنا رجل واحد، وإن قتلت أنت هلكت الأمة كلها﴾ وضوح في الرؤية وفهم وذكاء وتلك سمات المؤمن. ويصلان إلى الغار، وينزل الصديق الغار قبل رسول الله صلى عليه وسلم يستبرئه، إن كان به أذى وقع عليه دون المصطفى ﷺ ، ثم ينزل رسول الله ﷺ ، ويتوسد وينام قرير العين وهو الطريد الشريد؛ لأنه واثق بنصر الله ، وهنا تبدأ أسرة أبي بكر بأعظم دور تقوم به أسرة في التاريخ، فها هي أسماء وعائشة، شابة وطفلة في بيت أبي بكر تقومان بما يعجز عنه من حملن أعلى الشهادات من نساء المسلمين اليوم، لماذا؟ لأنهما حملتا أعظم شهادة وهي شهادة أن لا إله إلا الله، فتربين عليها وتربين بها.

стр. 847

صور من تضحيات أبناء أبي بكر يأتي أبو جهل إلى أسماء فيقول: أين أبوك يا بنت أبي بكر؟ فتقول: لا أدري بعزة المؤمنة، فيرفع يده فيلطم خدها لطمة طرح منها قرطها من أذنها -لطمه الله بنار تلظى- ولم تخبره رغم ذلك، وتثبت ثبات الرجال الأقوياء، ولم يغنها ذلك عن القيام بدورها مع أختها عائشة تلكم الطفلة التي لم تبلغ الثمان سنوات في تلك اللحظة، قامت أسماء تجهز الطعام وتشق نطاقها لتربط الطعام فتلقب بذات النطاقين، وتربط الطعام وتذهب به إلى المصطفى ﷺ لتوصله إليه وإلى أبيها هناك. فلو كان النساء كمن ذكرنا لفضلت النساء على الرجال وما التأنيث لاسم الشمس عيب وما التذكير فخر للهلال أما عبد الله بن أبي بكر أخو أسماء ذلكم الشاب، فكان يأخذ أخبار قريش في النهار، وكان فطناً ذكياً لبقاً، وفي الليل يوصلها إلى المصطفى ﷺ وإلى أبيه، فهو الإعلامي الصادق الأمين الذي تفتقر إليه الأمة في عصرها الحاضر. أما راعي أبو بكر -حتى راعي أبي بكر كان له دور، وهو عامر ﵁ وأرضاه- فلقد كان يمر بغنمه على المصطفى ﷺ وأبي بكر ليخفي آثار أسماء وعبد الله، ويسقي النبي ﷺ وأبا بكر من لبن الغنم كل ليلة يفعل ذلك. تضحيات ومفاخر خالدات لم تجتمع إلا لآل أبي بكر ﵃. ولذا كان لـ أبي بكر ولآل أبي بكر منزلة أنزلهم إياها صدقهم وتقواهم، روى عن أبي الدرداء بإسناد حسن: ﴿أن رسول الله ﷺ رآه يمشي أمام أبي بكر، فقال: يا أبا الدرداء أتمشي أمام من هو خير منك في الدنيا والآخرة، ما طلعت الشمس ولا غربت على أحد بعد النبيين والمرسلين خير من أبي بكر﴾. تلك المكارم لا صعبان من لبن شيبا بماء فعادا بعد أبوالا النبي ﷺ لا زال في الغار، ووصل المشركون إلى الغار، وأبو بكر يقول: ﴿لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لرآنا، فيقول ﷺ : ما ظنك باثنين الله ثالثهما، لا تحزن إن الله معنا﴾ لقد كان رسول الله ﷺ في حالة من الأمن والطمأنينة لم يصل إليها بشر في الأرض، وهو يرى نفسه بين عدوه لا يحول بينهما إلا التفاتة واحدة، لماذا؟ لأنه واثق بنصر الله، ومن كان الله معه فمن يخاف؟! ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠]. يا أيها الأحبة! إن الذي يتملى حديث الهجرة ويتأمله، يعلم أنها لم تكن مجرد نجاة من عدو أو هروب من محنة لا، بل كانت فاتحة تاريخ جديد، وابتداء وجود للمسلمين، وقاعدة عظيمة آمنة للدعوة، وهي المدينة النبوية. وحين يراجع المرء حدث الهجرة يلاحظ أن الذي اختارهم رسول الله ﷺ لتنفيذ هذا المخطط من الشباب، وليس فيهم إلا كهل واحد هو أبو بكر، لقد كان ﷺ بهذا يمثل القائد الفذ، الذي يختار أقدر العناصر على تأدية الدور المطلوب، فيفجر طاقتها، ويعطيها ما يتناسب مع إمكاناتها، سواء أكانت الطاقات أطفالاً كـ جابر وعائشة، أو رجالاً وفتيات كـ أسماء وعبد الله، ليؤدي كل واحد دوره. ولا يرضى ﷺ لعملية الصحبة بالهجرة، إلا أصحاب السوابق، بل إلا واحد منهم وهو أبو بكر ﵁ وأرضاه، ذلكم الكهل الذي يتصاغر الشباب والرجال أمام همته العظيمة، فهو حارس الطريق، ومهيأ المقيل، ومعد الزاد، ومظلل رسول الله ﷺ حين تلفحه الشمس، يقول عمر: [[والله لليلة من أبي بكر خير من آل عمر]] يقصد ليلة الغار، إذ هو: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة:٤٠] والذي يبكي وقد رأى الطلب وراء النبي ﷺ ويقول: [[أما والله ما على نفسي أبكي ولكن أبكي عليك يا رسول الله]]. إن أية دعوة إلى الله لا بد أن يكون عمادها عنصر الشباب الحي المضحي الذي لا يعرف الخوف والخور والوهن سبيلاً إليه رجالاً كانوا أو نساء، ولقد رأينا الفتاة المسلمة شريكة في البيعة والهجرة والإعداد والائتمان على السر، إن مسئولية إقامة دين الله في الأرض تحتاج إلى تضافر جهود الشباب مع الكهول مع الرجال والنساء والأطفال، من جابر الذي لا يستطيع أن يرمي بحجر لصغره إلى أبي بكر شاب كهول، من عائشة ذات الثمان سنوات إلى أم عمارة تلكم العجوز الفدائية التي لطالما شاركت وذبت عن رسول الله ﷺ ، وكأن باكورة تاريخنا تقول: إن الأمة في مجملها بشيبها وشبابها ورجالها ونسائها وأطفالها كلهم أصحاب رسالة، يساهمون في حملها ونشرها والصبر على الأذى في تبليغها.

стр. 848

رسالة هذه الأمة إننا أمة رسالة ولا شك، وحين نتخلى عنها تتنزل بنا المحن والمصائب والنكبات، ورسالة أمتنا في الحياة هي الدعوة إلى الله على المنهج الصحيح الصادق، والله قد جعل وظيفة الأنبياء هي الدعوة إلى الله، ونحن أمناء الله على رسالته، ونحن مستخلفون لتبليغ منهج الله، ونحن مكلفون بقيادة البشرية وفي ظل عدالتنا يعبد الله، وفي ظل حضارتنا يكرم الإنسان في أرض الله، وكل وضع يجعل قيادة البشرية لغير الأمة المسلمة فهو وضع نشاز طارئ تضج منه الأرض والسماء، ويأثم المسلمون حتى يعيدوا القيادة لهم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]. فأنتم أمة رسالة، بل أنتم شهود الله في أرضه، فأين الشهادة على البشرية؟! أين حملنا لمنهج الدعوة إلى الله؟! أصبحت الدعوة إلى الله وظيفة أفراد قلائل، ليست وظيفة الأمة في مجموعها ومجملها، أصبحت وظيفة عالم أو داعية، أو موظف في الدعوة، فأين نحن من التكليف الرباني: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨]؟ ألست من أتباع محمد ﷺ ؟! ألست ترضى بالسير على خطى محمد ﷺ ؟! إن كنت كذلك فلا بد لك أن يكون لك من دعوته نصيب ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨].

стр. 849

بيان منزلة الصدِّيق صورة أخرى: في الترمذي بسند حسن أن عمر ﵁ قال: ﴿ندب النبي ﷺ للصدقة ذات يوم، فوافق ذلك مال عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوماً من الدهر، قال: فجئت بنصف مالي، فقال ﷺ : ما أبقيت لأهلك؟ قال: أبقيت لهم مثله﴾ وكانوا أهل صدق، لا يعرفون التباهي بغير الحق، ولا يعرفون الالتواء، كانوا أصفياء أتقياء أنقياء ﵃ ﴿ويأتي أبو بكر ﵁ وأرضاه بكل ماله لم يُبْقِ قليلاً ولا كثيراً، فيقول ﷺ : ما أبقيت لأهلك؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله، فيقول عمر: فقلت في نفسي: لا أسابقك في شيء بعد اليوم أبداً﴾ أيقن عمر واقتنع عمر بأن المرتبة الأولى وأن المركز الأول أصبح محجوزاً لـ أبي بكر ﵁ وأرضاه ولا شك، فلينافس فيما بعد ذلك المركز. في الفضائل للإمام أحمد بسند صحيح، قال رسول الله ﷺ : ﴿أتاني جبريل، فأخذ بيدي، فأراني باب الجنة التي تدخل منه أمتي، فقال أبو بكر: وددت يا رسول الله! أني معك حتى أنظر إليه، فقال رسول الله ﷺ : أما إنك يا أبا بكر أول من يدخل الجنة من أمتي﴾. صور عجيبة وحقيقة بالتأمل يا أيها الأحبة، أبو بكر ينفق كل ماله، وعمر نصف ماله، وعثمان ينفق حتى يقول ﷺ : ﴿ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم﴾ وأبو ضمضم لم يجد ما ينفق، فتصدق بعرضه على المسلمين، فسامح كل من سبه وشتمه وآذاه. من منا أيها الأحبة يلقى الله وقد أنفق عشر ماله مرة واحدة في حياته في سبيل الله ومآسي المسلمين في كل مكان، وجراحات المسلمين في كل مكان، شباب المسلمين صاخب باسم الشهوة فلا يجدون من يعينهم على إعفاف أنفسهم، بيوت تصاب بالتخمة وأخرى بجوارها تصاب بالضعف والهزال، مسلم ينام على الحرير وجاره ينام على الكراتين، فأين الشعور بالجسد الواحد يا أيها المسلمون؟! القرآن للصدقة يندبنا، والسنة تندبنا، وحال المجتمع يندبنا، وفيض المال من فضل الله بأيدينا يندبنا، من منا يلقى الله وفي صحيفة عمله أنه تصدق بعشر ماله مرة واحدة في حياته؟! يا أحفاد أبي بكر! ويا أحفاد عمر وعثمان وعلي! سيروا كما ساروا لتجنوا ماجنوا لا يحصد الحب سوى الزراع وتيقظوا فالسيل قد بلغ الزبى يا أيها النومى على الأمطاع واسترجعوا ما فات من أمجادكم ما دمتم في مهلة استرجاع يا خاطب العلياء إن صداقها صعب المنال على قصير الباع صورة أخرى: أخرج البخاري عن أبي الدرداء قال: ﴿كنت جالساً عند رسول الله ﷺ ، إذا أقبل أبي بكر آخذاً طرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته، فلم رآه ﷺ قال: أما صاحبكم فقد غامر -معنى ذلك: أنه وقع في هول وخطر- فأقبل حتى سلم على رسول الله ﷺ ثم قال: يا رسول الله! إن كان بيني وبين عمر شيء فأسرعت إليه -أي: أخطأت عليه- ثم إني ندمت على ما كان مني، فسألته أن يغفر لي، فأبى علي، فتبعته البقيع كله حتى تحرز بداره مني، وأقبلت إليك يا رسول الله، فيقول ﷺ : يغفر الله لك يا أبا بكر! يغفر الله لك يا أبا بكر! ثم ندم عمر حين سأله أن يغفر له فلم يغفر له، فخرج يبحث عنه حتى أتى منزل أبي بكر فسأل، هل ثم أبو بكر؟ فقالوا: لا نعلم، فعلم أنه عند رسول الله ﷺ ، فأقبل إلى رسول الله ﷺ حتى سلم عليه، فجعل وجه النبي ﷺ يتمعر، حتى أشفق أبو بكر أن يكون من رسول الله ﷺ إلى عمر ما يكره، فجثا أبو بكر على ركبتيه وقال: يا رسول الله كنت أظلم، كنت أظلم، مرتين يقول: أنا أظلم له، أنا البادئ بذلك، فيقول ﷺ مبيناً مكانة أبي بكر وفضل أبي بكر: إن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت وقال أبو بكر: صدقت، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي لي فهل أنتم تاركو لي صاحبي﴾. عن ربيعة الأسلمي بسند صحيح كما في الفضائل للإمام أحمد، قال: ﴿كنت أخدم رسول الله ﷺ ، ثم إن رسول الله ﷺ أعطاني أرضاً، وأعطى أبا بكر أرضاً، وجاءت الدنيا فاختلفنا في عذق نخلة، فقلت: هي في نصيبي، وقال أبو بكر: هي في نصيبي، فكان بيني وبينه كلام، فقال أبو بكر كلمة كرهها وندم عليها، ثم قال: يا ربيعة! ردَّ علي مثلها حتى يكون ذلك قصاصاً، قلت: ما أنا بفاعل، قال أبو بكر: لتردنها أو لأستعدين عليك رسول الله ﷺ ، فقلت: ما أنا بفاعل، فانطلق أبو بكر إلى النبي ﷺ ، يقول ربيعة: وانطلقت أتلوه، فجاء أناس من قومي أسلم، فقالوا: رحم الله أبا بكر، بأي شيء يستعدي عليك رسول الله ﷺ وهو الذي قال ما قال، فيقول ربيعة وقد عرف منزلة أبي بكر عند رسول الله ﷺ ، يقول: اسكتوا هذا ثاني اثنين إذ هما في الغار، هذا ذو شيبة المسلمين، لا يلتفت فيراكم تنصروني عليه فيغضب فيأتي رسول الله ﷺ ، فيغضب لغضبه، فيغضب الله لغضبهما فيهلك ربيعة. وانطلق أبو بكر وتبعته، حتى أتى رسول الله ﷺ ، يقول ربيعة: فحدثه الحديث، فرفع رسول الله ﷺ رأسه، وقال: يا ربيعة! مالك وللصديق؟ قلت: يا رسول الله! قال كلمة كرهها وطلب مني أن أقتص، فأبيت، فقال ﷺ : أجل فلا ترد على أبي بكر، ولكن قل: غفر الله لك يا أبا بكر، قال: فقلت: غفر الله لك يا أبا بكر، قال الحسن: فولى أبو بكر يبكي﴾. أيها الأحبة! قفوا وتأملوا كلمة ليست من فاحش القول تزلزل كيان أبي بكر، ويأبى إلا القصاص منه، فيا لله! ماذا يقول الفاحشون؟! ماذا يقول اللعانون؟! ماذا يقول الطعانون؟! ماذا يقول المغتابون؟! ماذا يقول النمامون؟! ماذا يقول الوالغون في أعراض المسلمين؟! ماذا يقول من لم يلغوا في أعراض المسلمين عامة لكنهم ولغوا في أعراض خواص المسلمين وهم العلماء، ثم يَدَّعون أنهم على منهج أبي بكر وعمر وسلف المؤمنين؟! وكل يدعي وصلاً بليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا رويداً على علمائنا أيها الأحبة، رفقاً بورثة الأنبياء، حسن ظن بالعلماء، معرفة لحق العلماء، احتراماً وتوقيراً وتقديراً للعلماء، علماؤنا هم زهرة الدنيا ومشعل نورها في دربنا المتعثر، أنفسنا لأنفس العلماء فداء، وأعراضنا لأعراضهم مطاء. أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا

стр. 850

دروس من صلح الحديبية صورة أخرى: في صلح الحديبية صعب على المسلمين تلكم الشروط التي تدولت في ذلك الصلح، كما أورد ذلك ابن إسحاق في السيرة وكما هو في الصحيح. وكان من هذه الشروط: إن جاء من قبل المشركين مسلماً رد عليهم، عندها قال المسلمون: سبحان الله! كيف يرد إلى المشركين من جاء مسلماً، وبينما هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل يرسف في قيوده، فضرب أبوه وجهه وأخذ بتلابيبه -أبوه سهيل مشرك- وضرب وجهه، وقال: يا محمد! هذا أول من أقاضيك عليه أن ترده، فقال ﷺ : إنا لم نكتب الكتاب بعد، قال: فوالله لا أصالحك على شيء أبداً. فوافق ﷺ على رجوع أبي جندل إلى المشركين، وأبو جندل يصرخ بأعلى صوته، يا معشر المسلمين! أورد إلى المشركين وقد جئت مسلماً، ألا ترون ما لقيت، وقد عذب في ذات الله عذاباً شديداً، فازداد الناس غماً على غم، وهماً على هم، ثم قال ﷺ -كما روي- لـ أبي جندل: ﴿يا أبا جندل اصبر واحتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المسلمين فرجاً ومخرجاً إنا قد أعطيناهم عهد الله ولن نغدر بهم﴾ لم يتحمل عمر الموقف، رأى أن الموقف موقف ذلة، وما أدرك تحت وطأة غضبه أن رسول الله نبي يوحى إليه، وأن ذلك الصلح فتح من الله مبين، لكن العباد يعجلون والله لا يعجل لعجلة العباد، حتى تبلغ الأمور ما أراد، لم يستبن له الأمر فأبى إلا أن يعلن عن نفسه عمر حتى يجد الحق الذي يوجد بهما بكبده. فأتى عمر رسول الله ﷺ ، وقال: ﴿يا رسول الله! ألست نبي الله حقاً؟ قال: بلى. قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: بلى. قال: ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ قال: بلى. قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى. قال: فعلامَ نعطي الدنية في ديننا؟ ونرجع ولما يحكم الله بيننا؟ فقال ﷺ : إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري. قال عمر: أولست كنت تحدثنا أنا نأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى. أفأخبرتك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا، قال: فإنك آتيه ومطوف به﴾ أخرجه البخاري. ثم أتى عمر أبا بكر ﵁، فقال: [[أوليس رسول الله؟ أولسنا بالمسلمين؟ أولسنا على الحق؟ أوليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال أبو بكر الصديق ﵁، وقد استحق أن يكون الصديق، قال: يا عمر! إنه رسول الله وليس يعصي ربه وهو ناصره، الزم غرزه حتى تموت فوالله إنه على الحق، أشهد أنه رسول الله، فيقول عمر: وأنا أشهد أنه رسول الله، يقول عمر: والله ما زلت أتصدق وأصلي وأصوم وأعتق مخافة محاورتي واعتراضي على كلام رسول الله ﷺ ]] وفي صحيح البخاري يقول: [[ولقد عملت والله لذلك أعمالاً]] أي: أعمالاً صالحة عظاماً.

стр. 851

عبر من صلح الحديبية أحبتي في الله: ليس الهدنة أو الصلح عن ضعف كما يظن، بل هي من موطن القوة، بل هي من الند للند، من كانوا يختفون بإسلامهم أصبحوا يفاوضون، حاول كفار قريش أن يثنوهم عن دخول مكة بالإرهاب والتخويف، ثم وجدوا أنفسهم مرغمين مسوقين إلى المفاوضات، إنها لانتصار في حد ذاته، وإنه ليدل على عظمة القيادة النبوية التي هي أسوتنا وقدوتنا التي تسيطر على الموقف، وتواجه كل طارئ بما يناسبه، إنها لتدل على عظمة الصف المسلم الذي بدأ أمام عدوه في أعلى مستوى من الانضباط والطاعة والاستعداد للفداء، وإن حصل ما يحصل من المواقف التي تستثير النفوس، كموقف أبي جندل.

стр. 852

لكي نكون قاعدة صلبة إننا نحن الدعاة إلى الله، ونحن طلبة العلم اليوم مدعوون إلى أخذ أنفسنا بالتربية النبوية، واتهام آرائنا أمام النصوص، مدعوون إلى أن نجاهد أنفسنا حتى نقترب من هذه القدوات السامقة السامية، لنكون قاعدة صلبة منضبطة تحارب حين يحارب وليها الصالح، وتسالم حين يسالم، طاعة في المعروف في اليسر والعسر والمنشط والمكره، عندها نؤهل للدعوة إلى الله، ثم للتمكين في الأرض، ونحقق موعود الله بنصره وتأييده ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٤٠].

стр. 853

مواقف الصديق بعد وفاة المصطفى ﷺ صورة أخرى: في يوم الإثنين من ربيع الأول من العام الحادي عشر للهجرة وفي ضحى ذلك اليوم، فاضت أطهر روح في الدنيا من أشرف جسد، في ضحى ذلك اليوم خرج أكرم إنسان في هذا الوجود من الدنيا كما جاء إليها، لم يترك مالاً ولا متاعاً، وإنما ترك هداية وإيماناً وشريعة خالدة، ما تعاقب الليل والنهار، وترك أمة هي خير الأمم ما تمسكت بنهجه وطريقته، وشاع الخبر في المدينة كأفجع ما يكون الخبر، وأظلمت سماء المدينة، وضجت بالبكاء، وأغلقت القلوب بحزنها، وذرفت العيون بدمعها، وليس لعين لم يفض ماؤها عذر، ضاقت على المسلمين أنفسهم، وتبدلت الأرض فما هي بالأرض التي يعرفون، يقول أنس: [[ما رأيت يوماً كان أحسن من يوم دخل فيه علينا المصطفى ﷺ المدينة، لقد أضاء منها كل شيء، وما رأيت يوماً أظلم من يوم مات فيه المصطفى ﷺ ]]. أما فاطمة ﵂، فكانت تقول: [[أبتاه أجاب رباً دعاه، يا أبتاه إلى جنة الفردوس مأواه، ثم تقول بعد دفنه: يا أنس! أطابت نفوسكم أن تحثوا على رسول الله ﷺ التراب؟!]] فلا والله ما تسمع بعدها إلا النشيج والنحيب، ولسان حال أنس ما طابت والله ولن تطيب، ولكنه امتثال لأمر الحبيب، والله ما دفن حتى أنكرنا أنفسنا. أما الفاروق فأذهله الخبر عن صوابه، فصار يتوعد وينذر ويشهر السيف ويقول: [[ما مات لكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى وليرجعن، وليقطعن أيدي وأرجل رجال زعموا أنه مات]]. ويأتي أبو بكر ﵁ وأرضاه، فيدخل المسجد، فلم يكلم أحداً حتى دخل على عائشة، ميمماً وجهه نحو رسول الله ﷺ ، وهو مسجىً ببرد، فيكشف عن وجهه الشريف، ثم يكب عليه يقبله ويبكي ويقول: [[بأبي أنت وأمي ما أطيبك حياً وما أطيبك ميتاً]]. ثم خرج وعمر يكلم الناس، فقال: [[اجلس يا عمر! فأبى عمر أن يجلس، فأقبل الناس على أبي بكر، فقال أما بعد: من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران:١٤٤]]] يقول ابن عباس: [[والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها منه الناس فلا أسمع بشراً إلا يتلوها]]. أما عمر فيقول كما في صحيح البخاري: [[والله ما أن سمعت أبا بكر يتلوها حتى هويت إلى الأرض ما تقلني قدماي، وعلمت أن رسول الله ﷺ قد مات]] ذلك موقف أبي بكر ﵁ وأرضاه مع نبيه وحبيبه، وذلك موقف الصحابة جميعهم، والله لولا الإيمان الذي رجح بإيمان الأمة ما كان لـ أبي بكر أن يقفه، معذورون صحابة رسول الله ﷺ . إن الخطب جسيم والمصيبة عظيمة، قد كان ﷺ كل شيء لهم في حياتهم، كان حاكمهم وحبيبهم وأباهم وأخاهم وقائدهم ومربيهم ومنقذهم وهاديهم، فقدوا ذلك كله في ساعة من نهار. فليهنأ الصديق إذ اختص بذلك الموقف، ومعه لم يكن يضعف وهو اللين الرقيق البكَّاء الحنون، إنه الإيمان الذي وقر في قلبه فصدقه حياً وميتاً، قال في حياته: [[إن كان قال فقد صدق]] وقال بعد موته بلسان حاله: إن كان مات فقد بلغ وصدق، ولا ننسى موقف الصحابة ووقوفهم عند كتاب الله، يوم سمعوا الآية من فم أبي بكر ﵁، صدقوا وآمنوا وثبتوا وأيقنوا، كيف لا وهم خير القرون، بل هم تربية محمد ﷺ .

стр. 854

بعض وصايا الرسول ﷺ أحبتي في الله: إن مصاب الأمة بفقد النبي ﷺ لا يعدله مصاب، فمن أصابته مصيبة فليتعزَّ بمصيبته في فقد النبي ﷺ ، ووالله ما لنا من عزاء إلا أن نمضي على نهجه وشرعته، فهي حية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولا بد أن نتذكر عند ذكر موته وصاياه جميعها، ونخص منها وصاياه الثمينة الأخيرة، وأعظمها خشيته ﷺ على أمته أن تنصرف عن عبادة الله إلى عبادته هو ﷺ ، أو إلى عبادة غيره، فيقول ﷺ : ﴿لا تتخذوا قبري وثناً يعبد﴾ يريد لنا سلامة العقيدة، وتخرج ثمرة هذه الوصية واقعاً مطبقاً في قول أبي بكر -ولما يدفن الرسول ﷺ بعد-: [[من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت]] فإلى دعاة الأموات من دون الله، وإلى رواد الأرض حيث يرجون منها كشف الكربات، وإلى المستغيثين حتى برسول الله ﷺ نقول: من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. ومن وصاياه ﷺ : ﴿الصلاة الصلاة﴾ فهلا وعينا هذه الوصايا من صاحبها القائل: ﴿كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟! قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى﴾، كان شغله الشاغل ﷺ سلامة الصف الذي لا يمكن أن يسلم إلا بسلامة العقيدة، فلا بد أن يبقى عند الدعاة إلى الله في الأرض هم هاتين القضيتين: سلامة العقيدة يتبعها بالتالي سلامة الصف، ولعل آخر نظرة ألقاها رسول الله ﷺ في فجر يوم وفاته قد أثلجت صدره، وهو يرى أمته صفاً واحداً وراء أبي بكر يصلي بهم، فيتبسم ﷺ ، مشيراً إلى غبطته بوحدة أمته وراء أبي بكر ﵁. وتذهب اللحظات، وما يطلع فجر اليوم الثاني إلا والمسلمون قد جعلوا الصديق خليفة لهم بعد رسول الله ﷺ ، ليكون نموذجاً فريداً من خريجي مدرسة محمد ﷺ ، فيا له من نموذج! ويالها من لحظتين متضادتين! لحظة وداع مؤثرة تمزق الأكباد والقلوب، ولحظة أخرى هي لحظة تولي الصديق أمر الأمة، التي أثلج الله بها صدور المؤمنين يوم ولى عليها خيرها، فله الحمد والمنة أولاً وأخراً وظاهراً وباطناً، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر.

стр. 855

الخطاب الأول لأبي بكر صعد المنبر ليلقي أول خطاب على الأمة، فجالت في نفس الصديق خواطر، وجرت على ذهنه أمور، ذكره المنبر بصاحب المنبر ﷺ ، تذكر حبيبه وتذكر صاحبه وتذكر معلمه، فانصدع باكياً وكفكف دموعه، وأعلن مبدأه العظيم في كلماته القليلة، التي لا تحتاج إلى تعليق، وإنما جدير بكل من ولي من أمر المسلمين شيئاً، جدير بالمدرس في مدرسته، والموظف في وظيفته، والرجل في أهله، وكل من ولي من أمر الأمة قليلاً أو كثيراً أن يتأمل هذا الكلمات، كلمات الصديق التي يقول فيها كما في تاريخ ابن كثير بإسناد صحيح: [[أيها الناس! إني وقد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة والكذب خيانة، الضعيف فيكم قوي حتى آخذ الحق له إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد إلا خذلهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم]] دستور عظيم فما القوي قوي رغم عزته عند الخصومة والصديق قاضيها وما الضعيف ضعيف بعد حجته وإن تخاصم واليها وراعيها

стр. 856

إنفاذ الصديق لجيش أسامة بدأ أبو بكر خلافته بتطبيق ذلك المنهج الذي أخذه من النبي ﷺ ، وبدأ ببعث جيش أسامة، وكان ﷺ قد عقد اللواء لـ أسامة وهو لم يتجاوز الثامنة عشرة، أمر الجيش بالتوجه إلى الشام في وقتٍ ارتدت فيه بعض قبائل العرب، وعظم الخطب، ونجم النفاق، وصار المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية لفقد نبيهم وكثرة عدوهم، فأشار الناس على الصديق ألا يبعث جيش أسامة، وأن يؤجل ذلك، ومن جملة من أشار بذلك عمر، فوثب أبو بكر وثبة الأسد، وأبى أشد الإباء، وقال: [[والذي نفسي بيده لا أحل عقدة عقدها رسول الله، والذي لا إله إلا هو لو ظننت أن الطير تخطفني، وأن السباع من حول المدينة، أو أن الكلاب جرت بأرجل أمهات المؤمنين ما رددت جيشاً وجهه رسول الله، وما حللت لواءً عقده رسول الله، والله لو لم يبق في القرى غيري لأنفذته]] لسان حاله أفأطيع رسول الله حياً وأعصيه ميتاً؟! فيا للحزم ويا للاتباع! أسدٌ يقدم في ذاك الوغى رحمة الله على ذاك الأسد استعرض الجيش، وأمرهم بالخروج رغم الأعداء، ورغم إحاطة الأعداء بموطن الدعوة والرسالة، ومع ذلك يخرج طاعة لله وطاعة لرسوله ﷺ ، ويبلغ من تكريمه لـ أسامة ﵁ أن خرج في توديعه ماشياً وأسامة راكباً، يقول أسامة: [[لتركبن أو لأنزلن -فيعلن أن من تواضع لله رفعه- فيقول أبو بكر: والله لا نزلت ولا أركب، وما عليَّ أن أغبر قدمي هاتين ساعة في سبيل الله]] لقد كان أبو بكر مسدداً رشيداً، فإخراجه لجيش أسامة حقق للأمة مصالح عظيمة، فما مر الجيش على حي من أحياء العرب إلا أرعبهم، وأثبت أن الضعف لم يتسرب إلى الأمة بعد وفاة نبيها. تقول قبائل العرب التي ارتدت: ما أخرج أبو بكر الجيش إلا لقوة ومنعة عنده، اتجه أسامة بجيشه إلى البلقاء، ورجع من هناك بعد سبعين يوماً بعد أن قضى على كل من وقف بوجهه من أعداء الإسلام، رجع مظفراً منصوراً، قد انتقم للمسلمين ولأبيه وأرضى ربه ونبيه والمسلمين، وكل ذلك والله ثمرة للاتباع، أطاع أبو بكر ربه بطاعة رسول الله ﷺ ، فأنزل الله الرعب في قلوب أعداء الله، فكان النصر الأول على الروم يشهد بعظمة الصديق، وسداد رأيه وصلابة موقفه وحزمه، وكل ذلك ثمرة للاتباع. بمثل هذه المواقف ثبت الصديق أركان الدولة، وعزز هيبة المسلمين. لا تعرضن بذكرنا مع ذكره ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد

стр. 857

موقف الصديق من المرتدين وترتد كما قلنا بعض قبائل العرب، بعد أن ظنوا أن شوكة الإسلام انكسرت بموت رسول الله ﷺ ، لكن أبا بكر علم الناس أن الإسلام لا يموت ولا ينتهي، حتى وإن مات رسول الله ﷺ ، ثقل الأمر على الصديق إذ ارتدت قبائل العرب، ففي وقت من الأوقات لم تقم الجمعة إلا في مكة والمدينة، تقول عائشة: [[نزل بأبي ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها لكنه طار بحظها]]، فأعلن الحرب على المرتدين، فقال عمر ﵁ وأرضاه مجتهداً: [[أرفق بهم وتألفهم، كيف تقاتل الناس وقد قال الرسول ﷺ : ﴿أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، فمن قالها عصم مني ماله ودمه إلا بحقه وحسابه على الله﴾ إنهم يشهدون أن لا إله إلا الله يا أبا بكر!]] فغضب أبو بكر ﵁ غضبة لله، وقال قولته الشهيرة: [[ثكلتك أمك يـ ابن الخطاب! أجبار في الجاهلية خوار في الإسلام، رجوت نصرتك فجئتني بخذلانك، إنه قد تم الدين، وانقطع الوحي، والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عقالاً كان يؤدونه لرسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه]]. أيها الأحبة! لقد عامل الصديق مانع الزكاة كالمرتد تماماً، وهذا من فقه أبي بكر ﵁، فإنكار شريعة من شرائع الإسلام كفر وخروج من الإسلام يستحق صاحبه أن يقاتل، انشرح صدر عمر والمؤمنون لهذا الموقف، فمضى ذلكم الجيل الرباني يلاحق المرتدين في أوكارهم، يدك عروشهم ويفل جيوشهم حتى يعودوا للإسلام أو يلقوا مصارعهم كافرين، وكان له ذلك.

стр. 858

صفحة مضيئة من تاريخ الإسلام أحبتي في الله: أرأيتم إلى الحزم والعزم في تنفيذ أوامر الله وأوامر رسول الله ﷺ من الصديق، إنها والله الكلمات الصادقة التي تخرج من القلوب الصادقة كالصواعق على أعداء الله، وكالبلسم على قلوب أولياء الله. والله يا أيها الأحبة إن الإنسان وهو يسمع تلك الكلمات التي سمعتموها من أبي بكر آنفا ليذكره ذلك بصفحة مضيئة من تاريخنا أيضاً، ومن صحابي آخر ألا وهو خالد ﵁ كما في تاريخ ابن كثير، يوم يقول ماهان أحد قادة الروم: قد علمنا ما أخرجكم من بلادكم أيها العرب إلا الجوع، فهلموا نعطي كل واحد منكم عشرة دنانير وارجعوا، فإذا كان كل عام بعثنا لكم مثل ذلك. فقال خالد بعزة المؤمن الذي يثق بنصر الله، والذي أرعب الناس بذلك الدين الذي يحمله في قلبه، قال: [[لا والذي نفس خالد بيده، ما خرجنا لذلك، غير أننا قوم نشرب الدم، وبلغنا أن هنا دم ما أطيب من دم الروم فجئنا لذلك، ولن نرجع حتى نشرب من دمائكم]]، أو كما قال، فألقى الله الرعب في قلوبهم؛ فنصر الله خالداً عليهم. خالد الذي يحاصر بلدة من البلدان أشهراً، فتستعصي عليه هذه المدينة، فيكتب رسالة لقائدها من قلب صادق تخرج الكلمات منه صواعق وقذائف، يقول لذلك القائد الرومي -وهو قائد بلدة قنسرين: [[من خالد بن الوليد إلى قائد الروم في بلدة قنسرين، أما بعد: فأين تذهبون منا، ووالله لو صعدتم إلى السماء لأصعدنا الله إليكم أو لأمطركم علينا]]، فما كان من ذلك الرجل إلا أن رعب وفزع، وألقى الله الرعب في قلبه، فقال: اخرجوا وافتحوا أبواب المدينة لا طاقة لنا بهؤلاء. خالد معركة اليرموك، يقابله فيها الروم وعددهم مائتان وأربعون ألفاً في مقابل أربعون ألفاً مع خالد، ربع مليون نصراني قريبون من قياداتهم ومن مصادر تموينهم ومن كل شيء، وأربعون ألفاً من المسلمين بينهم وبين أرض الخلافة صحار شاسعة يبيد فيها البيد ويضيع فيها الذكي والبليد. يقال لـ خالد في هذه الظروف الحرجة الحالكة القاسية: ما أكثر الروم! فيقول خالد مغضباً: [[اسكت بل ما أقلهم، إنما يكثر الروم بنصر الله ويقلون بخذلانه، وددت أن الروم أضعفوا لنا العدد، وأن الأشقر برء من وجعه]] والأشقر هو فرسه فقد كان قد أصيب بوجع في حافره، فما أصبح يمشي كما ينبغي، أصبح يضلع وهو يمشي، الله أكبر يا أيها الأحبة! إن الإنسان ليقف أمام هذه، فيقول: قد وقعت هذه؟ نقول: والله لولا النقل الصحيح لما صدقنا ذلك. في عالم القوة المادية المزمن ربع مليون نصراني لا يساوون ضلعاً في رجل فرس خالد ﵁، لماذا؟ لأنه عَلِمَ عِلْمَ يقين أن الله سينصره، ووالله لا نصر لنا في حياتنا إلا بتطبيق منهج الله في كل صغيرة وكبيرة في حياتنا، حتى نرى الله يسير أحداث الكون بقدرته لصالح تحقيق أهداف المؤمنين التي تتمثل في هدف واحد وهو تحقيق العبودية لله في الأرض وحده لا شريك له. انظروا كيف تصبح كلمات أولياء الله قدراً يجري في هذا الكون لا يثبت أمامها شيء بإذن الله، ينطقون بالكلمة فيطوع الله لها كل شيء، فتبلغ مبلغاً عظيماً لا يقدره إلا الله جل وعلا. أحبتي في الله: إن الدين الذي قاتل به خالد وأصحابه رضوان الله عليهم محفوظ غض طري بين أيدينا نقاتل به مدى الحياة متى ما شئنا فننصر: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩].

стр. 859

عوامل انتصار المسلمين في نظر أعدائهم أيها الأحبة في الله! هكذا كان أصحاب رسول الله ﷺ لا يثبت لهم العدو طواف ناقة عند اللقاء، ونحن تحت ضغط الحياة المادية قد نعتبر هذا الكلام خيالاً، لكن حتى الأعداء قد شهدوا بذلك. ها هو هرقل وهو على إنطاكية كما في تاريخ ابن كثير يقول لجنده وقد قدمت الروم منهزمة: ويلكم! أخبروني عن هؤلاء القوم الذين يقاتلونكم أليسوا بشراً مثلكم؟ قالوا: بلى. قال: فأنتم أكثر أم هم؟ قالوا: بل نحن أكثر منهم أضعافاً في كل موقف، قال: فما بالكم تنهزمون؟ فقال شيخ من عظمائهم: أأصدقك؟ قال: نعم. قال: لأنهم يقومون الليل، ويصومون النهار، ويوفون بالعهد، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويتناصفون فيما بينهم، أما نحن فنشرب الخمر، ونزني، ونرتكب الحرام، وننقض العهد، ونغصب، ونظلم، ونأمر بالسخط، وننهى عما يرضي الله، ونفسد في الأرض، قال هرقل: لقد صدقتني ولقد أتانا منهم ما لا طاقة لنا به. هكذا كان الجيل الأول من أمة الإسلام، العبرة عندهم بقوة العقيدة لا بكثرة العدد ولا العدة، إذ لا قيمة للسلاح في يد الجبان. شهد الأنام بفضلهم حتى العدى والفضل ما شهدت به الأعداء إنهم منهم: عباد ليل إذا جن الظلام بهم كم عابد دمعه في الخد أجراه وأسد غاب إذا نادى الجهاد بهم هبوا إلى الموت يستجدوهن رؤياه فما حالنا أيها الإخوة في الله! نسأل الله أن يَمُنَّ علينا بنعمة منه توقظ قلوبنا، مع الكفار استسلام وضعف وذلة وهزيمة، وبيننا أسود أشاوس، أشداء جلداء. أسد علي وفي الحروب نعامة فتخاء تنفر من صفير الصافر فيا لله للمسلمين! يا لله للمسلمين! يا لله للمسلمين! ألم يبق أوس آخرون وخزرج ألم يبق للإسلام جيش عرمرم فغاية ما نبلي من الجهد أننا نسب طواغيت اليهود ونشتم إذا اتسموا باللؤم والغدر فالذي يفاوضهم منا أخس وألئم فيا أمة الإسلام إن شئت عزة فإن كتاب الله هاد مقوم وليس لكم شيء سواه يعزكم ويحفظكم من كل سوء ويعصم ومع ما نحن فيه أيها الأحبة! إلا أن هناك بشائر عظيمة، ومع ما نحن فيه فإنا نقول: اشتدي أزمة تنفرجي قد آذن ليلك بالبلج في قمة الظلام يولد النور، ولا تزال طائفة على الحق منصورة حتى يأتي أمر الله وهي على ذلك، وإني لأرجو الله أن نكون من أهل هذه الطائفة. وإن عرف التاريخ أوساً وخزرجاً فلله أوس قادمون وخزرج

стр. 860

وفاة الصديق ﵁ صورة أخرى: وحلت سكرات الموت بـ أبي بكر ﵁ وأرضاه، وقد عهد بالخلافة إلى عمر ﵁ وأرضاه، قائلاً واضعاً دستوراً معيناً: [[إن عدل فذاك ظني فيه وعلمي به، وإن بدل فلكل امرئ ما اكتسب والخير أردت ولا أعلم الغيب: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٧]]]. جاءته السكرة ﵁ بعد أن قدم للرسالة والرسول والأمة ما قدم، حتى قال فيه المصطفى ﷺ كما روى الترمذي وقال: حسن غريب: ﴿ما من صاحب يد إلا وقد كافأناه عليها، إلا أبا بكر فإن له عند الله يداً يكافئه بها يوم القيامة﴾. ثم يقول أبو بكر وهو في السكرات لابنته عائشة كما في كتاب الخلفاء للذهبي: [[أما إنا قد ولينا أمر المسلمين فلم نأكل درهماً ولا ديناراً، ولكنا أكلنا خشن طعامهم في بطوننا، ولبسنا خشن ثيابهم على ظهورنا، وليس عندنا شيء من فيء المسلمين، فانظروا ما زاد من مالي، فابعثوا به إلى الخليفة من بعدي]] فما تركة من كانت ميزانية الأمة تحت يديه؟ خلف عبداً حبشياً، وبعيراً كان يسقي عليه، وعباءة لا تساوي خمسة دراهم، بعثت بها عائشة إلى عمر، فلما جاءته بكى عمر حتى سالت دموعه، ونشج وهو يقول: [[رحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده، فيقول الصحابة: يا عمر! ردها على عياله فهم أحوج لها، قال عمر: والذي بعث محمداً بالحق نبياً لم يكن ليخرجها عند الموت، وأردها على أهله بعد الموت، ولكن أهله أهلي وعياله عيالي]] أو كما قال ﵁ وأرضاه. وهكذا أسلم الروح أبو بكر إلى بارئها، فأسكت فم لطالما جلجل بذكر الله، ودعا إلى الله، وأغمضت عينان لطالما سهرتا وبكتا من خشية الله، واستراحة يدان لطالما دافعتا وجاهدتا مع رسول الله، ودّع الصديق الأمة بعد أن جعل من نفسه مثلاً للداعية والمجاهد والعابد والزاهد والخليفة والوالي، جاهد في الله حق جهاده طيلة أيام رسول الله، ثبت مع النبي ﷺ في أحلك المواقف، في أحد والأحزاب وحنين وجميع المشاهد، ولما لحق الرسول ﷺ بالرفيق الأعلى، يوم وسد الأمر إليه لم يحد عن منهج رسول الله ﷺ قدر أُنملة. فحقق في سنتين ونيف ما لا يفعل في مئات السنين، والبشر لا تقاس بأعمارها، لكن بهممها وأعمالها، وهكذا طويت صفحة مشرقة في تاريخ الإسلام، فرضي الله عمن خطها وأرضاه، وجزاه الله خير ما جزى خليفة عن رعيته، بل عن أمته المسلمة إلى يوم القيامة، قد حفظ الله به الدين، وأعز به الحق المبين، ونصر به الإسلام والمسلمين. أيها المسلمون! أولئك آباؤنا وهاهم أجدادنا فمن نحن؟ أبواب أجدادنا منقوشة ذهباً وهاهياكلنا قد أصبحت خشباً من زمزم قد سقينا الناس قاطبة وبعضنا اليوم من أعدائنا شرباً إني أبشر هذا الكون أجمعه أنّا صحونا لنبني للعلا عجباً بفتية طهر القرآن أنفسهم كالأسد تزأر في غاباتها غضباً عافوا حياة الخنا والرجس فاغتسلوا بتوبة لا ترى في صفهم جنباً أنتم كهم، ومن يشابه أَبَهُ فما ظلم. فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكرام فلاح لا أريد أن أطيل الحديث بحياة أبي بكر ﵁، وإن كانت حياته جديرة بأن نطيل فيها الحديث، لكن لعل هذه الإشارات كافية في مثل هذا الحين.

стр. 861

وقفات مع الخليفة عمر بن الخطاب ونريد أيها المسلمون أن نقف مع صور قلائل من حياة قمة أخرى ألا وهو عمر ﵁ وأرضاه، وقفة عظة وتدبر؛ علَّ الله أن يوقظ قلوباً غافلة عن منهج أبي بكر وعمر والصالحين من أمة محمد ﷺ . روى الإمام أحمد بإسناد حسن في الفضائل: أن أم عبد الله بنت حنتمة كانت تستعد للهجرة إلى الحبشة فراراً بدينها أن تفتن فيه، وإذ بـ عمر يقف عليها وهو لا يزال مشركاً، ويقول في رقة لم تعهد منه: [[إنهم طلاق يا أم عبد الله قالت: نعم، لنخرجن في أرض الله آذيتمونا وقهرتمونا لعل الله أن يجعل لنا فرجاً، فقال عمر في رقة لم أكن أراها منه: صحبكم الله، ثم انصرف وقد أحزنه خروجنا]]. فجاء زوجها، فقالت: يا أبا عبد الله! لو رأيت عمر الآن ورقته وحزنه علينا لطمعت في إسلامه، فقال زوجها: لا يسلم هذا حتى يسلم حمار آل الخطاب، لما يرى من غلظة عمر وقسوته على المسلمين.

стр. 862

إسلام عمر القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، يهدي الله لنوره من يشاء، فلا يأس ولا تواني ولا استعجال ولا قنوط، فهاهو الذي قيل عنه: لا يسلم حتى يسلم حمار آل الخطاب، يسلم بفضل الله، ويعلن إسلامه في وقت كانوا يخفون إسلامهم، ويقول كما يقول لابنه عبد الله بإسناد حسن: [[أيُّ قريش أنقل للحديث؟ -يريد أن ينتقل خبر إسلامه- قيل له: جميل بن معمر -وكان جميل هذا وكالة أنباء- غدا عليه وعبد الله يتبعه ينظر ماذا يفعل، فقال لـ جميل: أما علمت أني قد أسلمت ودخلت في دين محمد، قال: فوالله ما راجعه جميل، وإنما قام يجر رجليه مسرعاً وعمر يتبعه]]. حتى إذا قام على باب المسجد صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش! ألا إن عمر قد صبأ، قال: فيقول عمر من خلفه: كذب ولكني شهدت أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، قال: فثاروا عليه فما برح يقاتلهم ويقاتلونه في المسجد حتى قامت الشمس على رءوسهم، فتعب وضعف وأرهق، وهو يقول بعزة المؤمن وهم وقوف على رأسه وهو جالس: افعلوا ما بدا لكم، فأحلف بالله أن لو كنا ثلاثمائة لتركتموها لنا أو لتركناها لكم. فيا لله! من كان يقال فيه: إنه لن يسلم حتى يسلم حمار أهله يصبح اليوم يتحدى الكفر، ويعلن إسلامه في وقت لا زال الناس يخفون إسلامهم خوف الفتنة، إنه أمر الله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً﴾ [الأحزاب:٣٨]. أخي لا تيأسن والله خالقنا بالصبر في محكم التنزيل أوصانا .

стр. 863

عمر بعد الإسلام ولعلي أقف على صورة أو صورتين وأدع الباقي لتكملته في محاضرة أخرى، يقول صهيب: [[لما أسلم عمر ظهر الإسلام ودعونا له علانية وجلسنا حول البيت وطفنا]] فرضي الله عن عمر. قال رسول الله ﷺ كما في الصحيحين: ﴿والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكاً فجاً إلا سلك فجاً غير فجك﴾. هو الوقاف عند كتاب الله، هو المجاهد المجالد مع المصطفى ﷺ ، هو الشديد في الحق، ثم هو المستشار لـ أبي بكر ﵁، ثم هو من ولي الخلافة بعد أبي بكر؛ فنشر دين الله في الأرض وعدل وفتح الله على يديه فتوحات عظيمة، أزيلت في عهده دول، شَرَّق الإسلام في عهده وغَرَّب، لم يكد يمضي وقت حتى صار الإسلام بلغ غالب الأرض، فامتدت دولة الإسلام من الشرق إلى الغرب، واهتزت عروش كسرى وقيصر، بل وسقطت على يدي عمر فرضي الله عن عمر. يا من يرى عمراً تكسوه بردته والزيت أدم له والكوخ مأواه يهتز كسرى على كرسيه فرقاً من خوفه وملوك الروم تخشاه ونظرة أيها الأحبة يجيلها المرء اليوم على الحاضر بعد تذكر هذا الماضي، وهذه الصورة المضيئة، فلا يملك إلا أن يقول: إني أرى ناراً أعد هشيمها وثقابها لكنها لم توقد عام وآخر مقبل ومودع لم نعتبر وكأننا لم نشهد ولقد تشابهت السنون كأنني ما عشت عمري غير عام مفرد ما حيلة العصفور قصوا ريشه ورموه في قفص وقالوا غرد أين الذي نظم الجيوش من الذي نظم الكلام قلائداً من عسجد قد كان همهم الفتوح وهمنا أن نغتدي أو نرتوي أو نرتدي ومع هذا فإننا متفائلون؛ لأن العاقبة للمتقين، والضربات توقظ النائمين، وظننا بالله حسن. وإنا لندعو الله حتى كأنما نرى بجميل الظن ما الله صانع يقول ابن مسعود ﵁ كما روى ذلك الإمام أحمد في الفضائل بسند حسن: [[لقد أحببت عمر حباً حتى لقد خفت الله جل وعلا، والله لو أني أعلم أن كلباً يحبه عمر لأحببته، ولوددت أني كنت خادماً لـ عمر حتى أموت، ولقد وجد فقده كل شيء حتى العضى]] إن إسلامه كان فتحاً، وهجرته كانت نصراً، وسلطانه كان رحمة، فرضي الله عنه ورحمه، ولي ولكم موعد مع صور أخرى من حياة هذا العلم وغيره من صحابة رسول الله ﷺ .

стр. 864

التأسي والاقتداء بأعلام الأمة هذه صور موجزة من أحداث حياة علمين جليلين من أعلام هذه الأمة هي غيضٌ من فيض وقطر من بحر، والصور ذات العبر من حياتهما والله الذي لا إله إلا هو لا يمكن إدراكها في مثل هذه العجالة من الزمان، ولا يستطيع والله لتنفيذها من البيان، لأنا أقل وأذل من أن أقف على كل صورة لهذين العلمين. لكني أقول: ما هي المناهج التي خرجت مثل هذه النماذج؟ وما هي الثقافة التي نهلوا منها؟ وما هي التربية والتوجيه الذي جعلهم يقومون بهذا الدور؟ إن المناهج التعليمية والتربوية والثقافية التي خرجت هؤلاء لا زالت بين أيدينا، وتحت أسماعنا وأبصارنا، ما أجدرنا نحن المسلمين رجالاً ونساء شيباً وشباباً أن نقف على هذه المناهج وقفة الضنين على الثروة الرائعة، والظمآن على الماء البارد، لنعد وننهل ونقذف ونتذكر ونذكر. ما أجدرنا أن نقف على صور هؤلاء العظماء لنتخذها نبراساً نسير على ضوئه بتربية أنفسنا وأبنائنا، وتنشئة جيل مؤمن بالله ورسوله، ويؤمن بصلاحية هذا الدين وهذا المنهج لكل زمان ومكان، جيل يضحي بكل شيء في سبيل سيادة دينه، لا يثنيه عن هذه الغاية الشريفة بلاء ولا إيذاء ولا طمع ولا إغراء، لسنا نريد الوقوف على هذه الصور لتكون حصيلة علمية نتشدق بها في المحافل والنوادي، ونتفيهق بها في المساجد لنحظى بالثناء وننتزع من السامعين مظاهر الإعجاب. لا والله: إننا نريد أن تكون هذه الأحداث الصادقة من تاريخنا مدرسة نتخرج منها كما تخرج أولئك السادة الأولون، لنكون مثلاً صادقة لهم في إيمانهم وعلمهم وعملهم وأخلاقهم وسلوكهم وقياداتهم حتى يعتز بنا الإسلام كما اعتز بهم، وما ذلك على الله بعزيز. وإنا لنرجو الله حتى كأنما نرى بجميل الظن ما الله صانع والخير في هذه الأمة أولها وآخرها. اللهم يا من لا تراه العيون، ولا تخالطه الظنون، ولا يصفه الواصفون، يا من دبر الظهور، وقدر الأمور، وعلم هواجس الصدور، يا من عز فارتفع وذل كل شيء له فخضع، وجهك أكرم الوجوه، وجاهك أعظم الجاه، وعطيتك أعظم العطية، تجيب المضطر وتكشف الضر وتغفر الذنب وتقبل التوب لا إله إلا أنت، يا من أظهر الجميل، وستر القبيح، يا حسن التجاوز، يا واسع المغفرة، يا عظيم المن، يا كريم الصفح، يا سامع كل نجوى، يا منتهى كل شكوى، يا رافع كل بلوى، يا من عليه يتوكل المتوكلون، يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام، نسألك أن ترحم هذه الأمة رحمة عامة، تعز فيها أولياءك وتذل أعداءك، وتجعل كلمتك العليا وكلمة الذين كفروا السفلى. اللهم إنك تعلم أن هذه القلوب قد اجتمعت على محبتك، والتقت على طاعتك، وتوحدت على دعوتك، وتعاهدت على نصرة شريعتك، اللهم أدم ودها واهدها واهدِ بها ويسر الهدى لها، اللهم ولِّ عليها خيارها. اللهم احفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا وعن أيماننا وعن شمائلنا، ومن فوقنا ونعوذ بك اللهم أن نغتال من تحتنا. اللهم اجعلنا أغنى خلقك بك، وأفقر عبادك إليك، وهب لنا غنىً لا يطغينا، وصحة لا تلهينا، وأغننا اللهم عمن أغنيته عنا، واجعل آخر كلامنا من الدنيا لا إله إلا الله. صورة تظهر فهل لها من معتبر يهدى بها من حيرة الخذلان لم آت فيها من جديد محدث غير اختيار اللفظ يا إخواني فإذا أسأت فذاك من كسبي وإن أحسنت ذا فضل من المنان يا رب لا تجعل جزائي سمعة تسري على البلدان والأكوان أهدي صلاتي والسلام جميعه لأحب خلق الله في الأكوان سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 865

أختاه هل تريدين السعادة إن المرأة المسلمة التي تبحث عن السعادة الحقيقية، الجامعة لسعادة الدنيا والآخرة؛ عليها أن تعلم أن السعادة ليست هي تلك التي يدعيها ثعالب المسلمين من المنافقين والعلمانيين، ولا التي يروج لها دعاة الغرب والحاقدون، من النصارى واليهود المتهتكين، ولكنها في طاعة الله ورسوله ﷺ ، والتزام هديه وأوامره والانزجار بزواجره ونهيه.

стр. 866

أنواع السعادة إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، شهادة عبده وابن عبده وابن أمته ومن لا غنى به طرفة عين عن رحمته، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليماً كثيراً. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وأسأل الله الذي جمعنا وإياكم في هذه الروضة أن يجعلنا ممن تتنزل عليه الرحمة، وتغشاه السكينة، وتحفُّه الملائكة، ويذكره الله فيمن عنده. اللهم إنا نسألك ألا تصرفنا -رجالنا والنساء- من هذا المسجد إلا وقد غفرت لنا ما تقدم من ذنوبنا، اللهم لا تعذب جمعاً الْتقى فيك ولك، اللهم لا تعذب ألسنة تخبر عنك، اللهم لا تعذب أعيناً ترجو لذة النظر إلى وجهك، اللهم لا تعذب قلوباً تشتاق إلى لقائك. ما أجمل أن تلتقي الأسر المسلمة على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ما أجمل أن نتذاكر الله جميعاً ليعم النفع للرجل والمرأة، والصغير والكبير، والذكر والأنثى! إنها لَنعمة عظيمة كان ﷺ يفعلها، وذاك من هديِه، وخير الهدي هديُه ﷺ . وعذراً لكم أيها الرجال! سيكون الخطاب هذه المرة من بين مرات كثيرة وكثيرة -لطالما خوطبتم أنتم- للنساء، فعذراً وعفواً، وما يُقال للرجل يُقال للمرأة، وما يُقال للمرأة يُقال للرجل إلا فيما اختص به كل جنس عن جنس آخر، والذي خصَّه به شرعنا المطهر الذي أُنِزَل على محمد ﷺ . أيتها الأخوات أيتها الأمهات! هل تُردْن السعادة؟ هل تُردْن السكينة؟ هل تُردْن الأمن والطمأنينة؟ هل تُردْن ذلك في الدنيا والآخرة؟ أم تُردْنها في وقت غير وقت من هذه الأوقات؟

стр. 867

السعادة الدنيوية إنني لأقول لَكنَّ: إن السعادة سعادتان: دنيوية مؤقَّتة بعمر قصير محدود: من طلبها مجردة وحدها فسينسى ذلك في غمسة واحدة يُغمسها في جهنم، يُؤتَى بأَنعَم أهل الدنيا من أهل النار فيغمس في النار غمسة، ثم يقال له: هل مرَّ بك خير قط؟ هل مرَّ بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب! فينسى كل نعيم ولذة في الحياة بغمسة واحدة يُغمسها في النار، نعوذ بالله من النار.

стр. 868

السعادة الأخروية أما السعادة الثانية: فهي سعادةٌ أخروية دائمة لا انقطاع لها أبداً: وهذه هي المطلوبة، فلو حصل للإنسان في حياته ما حصل من التعاسة والشقاء لم يكن بعد ذلك نادماً أبداً؛ لأن غمسة واحدة في الجنة تُنسيه تلك الآلام، وتُنسيه ذلك الشقاء وتلك التعاسة. ويا أيها الأحبة! إن سعادة الدنيا مقرونة بسعادة الآخرة، وإنما السعادة الكاملة في الدنيا والآخرة للمؤمنين والمؤمنات، للصالحين والصالحات، للطيبين والطيبات، للقانتين والقانتات، للعابدين والعابدات، للمتقين والمتقيات؛ اسمع إلى ربك يوم يقول سبحانه وبحمده: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً من ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧] فالسعادة كلها في طاعة الله، والسعادة كلها في السير على منهج الله وعلى طريقة محمد بن عبد الله صلى وسلم عليه الله، يقول الله جل وعلا: ﴿وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧١] والشقاوة كلها في معصية الله، والتعاسة كلها في منهجٍ غير منهج الله وغير منهج محمد ﷺ : ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُّبِيناً﴾ [الأحزاب:٣٦]. فيا أيتها الأخوات المسلمات! هل تُردْن السعادة؟ إن كنتن كذلك، وما أظنكن إلا كذلك. فلتسمعن مني النصيحة والعتاب من مخلصٍ في نصحِكن يرجو لَكُنْ حُسن الثواب يخشى على هذه الوجوه من الحميم من العذاب أخواتنا لا تغضبن فالحق أولى أن يُجاب أيتها الأخت المسلمة! بصوتِ المحب المشفق، وكلام الناصح المنذر، أدعوكِ وأدعو الكل وأدعو نفسي إلى تقوى الله ، وأن نقدم لأنفسنا أعمالاً صالحة تُبيض وجوهنا يوم أن نلقى الله ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩]، ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أكفر تم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون َ﴾ [آل عمران:١٠٦ - ١٠٧] تبيضُّ وجوهنا يوم أن نلقى الله: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً﴾ [آل عمران:٣٠] ألا هل تُردْن النجاة؟ إن النجاة لفي تقوى الله -جل وعلا- لا غير: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر:٦١].

стр. 869

مكانة المرأة في الجاهلية ثم إني أدعوكِ أخرى -يا أخت الإسلام- إلى أن تحمدي الله الذي أنعم عليك بنعمة الإيمان، ونعمة القرآن، وكرَّمكِ، وطهَّركِ، ورفع منزلتك أيَّ رفعة، ولم تُرفَع منزلة المرأة تحت أي مظلة مثلما رُفعَت تحت مظلة: (لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ ليس هذا فحسب؛ بل أنزل الله فيك وفي أخواتك سورةً كاملة في قرآنه باسم (سورة النساء)، وسورة أخرى باسم (سورة مريم)، وسورةً ثالثة باسم (سورة المجادلة). ليس هذا فحسب؛ بل خصَّك بأحكام عديدة في كتابه الكريم، في حين كانت المرأة قبل هذا الدين سلعة رخيصة سلعة ممتهنه كسقط المتاع، عار على وليها، وعار على أهلها، وعار على مجتمعها الذي تعيش فيه؛ ولذلك تعامل أحياناً كالحشرة، بل تُفضَّل البهائم عليها. لم تنالِ عِزَّكِ إلا في وسط هذا الدين يا أَمَة الله؛ فاستمسكي به، واسمعي إلى قول الله يوم يحكي ماضياً لابد أن تتذكريه؛ فتحمدي الله أولاً وأخراً وظاهراً وباطناً على ما أنتِ فيه: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ [النحل:٥٨ - ٥٩] بشر أحدهم! لا إله إلا الله، إنه ليئدُها ويقتلها ويدفنها حية أحياناً، فاسمعي يا أمة الله. يُذكر أن صحابياً اسمه عبد الله بن مغفل -رضى الله عنه وأرضاه- كان إذا جلس عند رسول الله ﷺ ظهر على وجهه حزن وكآبة -حزن عظيم وكآبة عظيمة- فسأله النبي ﷺ عن سبب حزنه ذلك الذي لا ينقطع أبداً. فقال: يا رسول الله! كنت في الجاهلية، وخرجت من عند زوجي وهي حامل، وذهبت في سفرٍ طويل لم أعُدْ إلا بعد سنوات، وجئت وإذا بها قد أنجبت لي طفلة تلعب بين الصبيان كأجمل ما يكون الأطفال، قال: فأخذتها، وقلت لأمها: زيِّنيها زيِّنيها! وهي تعلم أني سأئدها وأقتلها، فقامت أمها تزينها وبها من الهمِّ ما بها، زينتها وتقول لأبيها: يا رجل! لا تضيِّع الأمانة، يا رجل! لا تضيِّع الأمانة، قال: ثم أخذتها كأجمل ما يكون الأطفال براءة وجمالاً، فخرجت بها إلى شِعْب من الشعاب، قال: وبقيت في ذلك الشعب أبحث عن بئر أعرفها هناك، فجئت إلى بئر طوية دوية، ليس فيها قطرة ماء، قال: فوقفت على شفير البئر، أنظر إلى تلك الصغيرة، فيرقُّ قلبي لما بها من البراءة وليس لها من ذنب، ثم أتذكر نكاحها وسفاحها؛ فيقسو قلبي عليها، بين هاتين العاطفتين أعيش، قال: ثم استجمعت قواي، فأخذتها، فنكبتها على رأسها في وسط تلك البئر. قال: وبقيت أنتظر هل ماتت؟ وإذا بها تقول: يا أبتاه! ضيعت الأمانة، يا أبتاه! ضيعت الأمانة. ترددها وترددها حتى انقطع صوتها؛ فوالله يا رسول الله! ما ذكرت تلك الحادثة إلا وعلاني الحزن والهم، وتمنيت أن لو كنت نسياً منسياً لو كان ذلك في الإسلام، ثم نظر إلى النبي ﷺ فإذا دموعه تهراق على لحيته ﷺ ، وإذ به يقول -فيما رُوي- ﴿يا عبد الله! والله لو كنت مقيماً الحد على رجل فَعَل فعلاً في الجاهلية لأقمته عليك، لكن الإسلام يَجبُّ ما قبله﴾ أو كما قال ﷺ .

стр. 870

وصايا للمرأة المسلمة

стр. 871

العمل بطاعة الله سبحانه ألا فاحمدي الله -يا أخت الإسلام- الذي هداك لهذا الدين، وشرَّفكِ وأكرمكِ ورفع قدركِ بهذا الدين يوم ضلَّ غيرُك من نساء العالمين، ثم استمسكي بحبل الله جل وعلا، واعتصمي بدين الله ؛ فإنه الركن إن خانتكِ أركان، ثم أنقذي نفسك من النار، يا أَمَة الله! والله لستِ خيراً من فاطمة الزهراء بنت رسول الله ﷺ ، وقد قال لها أبوها يوماً من الأيام كما في صحيح مسلم: ﴿يا فاطمة بنت محمد! أنقذي نفسك من النار، لا أُغني عنكِ من الله شيئاً، يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار لا أُغني عنكِ من الله شيئاً﴾ وهذا إخطار لكِ -أمة الله- وإنذار منه ﷺ ، يوم عُرضت عليه النار فرأى أكثرها النساء. ألا فاعلمي أنكِ عرضة لعذاب الله إن لم تخضعي لأوامر الله إن لم تطيعي الله إن لم تقفي عند أوامره وحدوده وتجتنبي نواهيَه. ألا فأنقذي نفسك من النار، واعملي بطاعة الله، ولا تجعلي لكِ رقيباً غير الله -جل وعلا- الذي ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة:٧]. إنك -والله- لأعجز من أن تطيقي عذاب النار، إن الجبال لو سُيِّرت في النار لذابت من شدة حرِّها؛ فأين أنتِ -أيتها الضعيفة- من الجبال الشمِّ الراسيات ﴿قل مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [النساء:٧٧]، لا مهرب من الله إلا إليه، ولا ملجأ منه إلا إليه الكل راجع إليه الكل مسئول بين يديه الكل موقوف بين يديه، الكل سيُسأل عن الصغير والكبير والنقير والقطمير: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر:٩٢] فماذا عسى يكون الجواب؟! ماذا عسى يكون الجواب يا أخا الإسلام ويا أخت الإسلام؟! ألا فأعدي وأعدَّ للسؤال جواباً، ثم أعدي للجواب صواباً. أطيعي الله يا أمة الله! وأطيعي رسوله ﷺ ، خذي من أوامر الله ما استطعتِ، واجتنبي نواهيَه، وقفي عند حدوده، وتمسكي بدين الله.

стр. 872

الشعور بالمسئولية ثم تمسكي بحيائك -والحياء من الإيمان- ما استطعتِ إلى ذلك سبيلا؛ فإنكِ إمَّا قدوة اليوم، وإما قدوة الغد، وكلٌ سيُسأل؛ فماذا سيكون الجواب؟ أنت راعية في بيتك أَمَة الله، وأنت راعية إن كنتِ معلمة في مدرسة، ومسئولة عن رعيتك أيّاً كانت تلك الرعية -يا أَمَة الله- ألا فلتكوني قدوة حسنة في تربية الجيل، ألا ولتقومي بهذه المسئولية؛ فإن الله سائلكِ عمَّن استرعيت ماذا فعلتِ؟ أَقُمتِ بالأمانة فيهم أم ضيعت الأمانة؛ ليكون لك مثل أجور من اتبعك إن عملت بالحق لا يُنقَص من أجورهم شيء، وإياك ثم إياك! أن تكوني قدوة السوء للأخرى؛ فتأتين يوم القيامة تحملين أوزارك وأوزار من أضللت كاملة، ألا ساء ما تزرين. ألم تسمعي لقول النبي ﷺ : ﴿كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته﴾ ثم خصَّك -أيتها المرأة- فقال: ﴿المرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها﴾ وفي الحديث الصحيح الآخر: ﴿وما من راعٍ استرعاه الله رعية فبات غاشّاً لهم إلا حرَّم الله عليه رائحة الجنة﴾. أنت راعية في مدرستك في بيتك؛ فاللهَ اللهَ لا يأتي يوم القيامة ولكل ابن من أبنائك عليكِ مظلمة، ولكل بنت من بناتك عليكِ مظلمة؛ لم تأمريهم ولم تنهيهم، ولم تربيهم على قال الله وقال رسول الله ﷺ . إياكِ أن يأتي يوم القيامة، ولكل طالبة -إن كنت معلمة- عليكِ مظلمة؛ لأنكِ لم تربيهم على قال الله وقال رسوله ﷺ ، عندها التعامل بالحسنات والسيئات، يأخذون حسناتكِ، ثم تحملين من سيئاتهم، ثم تُطرَحين في النار، أجارَكِ الله من النار ومن غضب الجبار وكل مسلمة ومسلم. اسمعي يوم يقف الناس في عرصات القيامة، يوم يقول الله -كما في الأثر-: ﴿وعزتي وجلالي! لا تنصرفون اليوم ولأحد عند أحد مظلمة، وعزتي وجلالي! لا يجاوز هذا الجسر اليوم ظالم﴾ [[يؤخذ بِيَدِ العبد ويؤخذ بِيدِ الأَمَة يوم القيامة -كما يقول ابن مسعود - فيُنادَى على رءوس الخلائق: هذا فلان أو فلانة من كان عليه حق فليأتِ إلى حقِّه، فتفرح المرأة أن يكون لها حق على أبيها أو أخيها أو زوجها أو أمها. ] ﴿فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءلُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١]، ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧]. فاللهَ اللهَ لا يكون أبناؤك وبناتك خُصماءكِ عند الله فتهلكي، أجاركِ الله من الهلاك يا أَمَة الله! يا أيتها الأخت المسلمة.

стр. 873

الاقتداء بالمرأة الصالحة هل تريدين السعادة؟ اقتدي بالصالحات تفوزي في الحياة وفي الممات، واعملي صالحاً ثم اخلصي العمل لله -جل وعلا- تتخلصي، وبلغي العلم إن كنتِ تعلمين شيئاً، بلِّغيه لأنكِ ستُسألين عنه بين يدَي الله ماذا عملتِ في ذلك العلم، وإن لم تكوني قد تعلَّمت من العلم شيئاً، فعليكِ أن تتعلمي ما يجب عليكِ؛ لتعبدي الله على بصيرة وعلى هدى؛ فهذا واجب وفرض عين لا يسقط عن أي إنسان كائناً من كان. يا أمة الله! إن الإنسان ليَأْلَم يوم يسمع عن عجائز في البيوت لا يُجِدْن قراءة الفاتحة، بل لا يعرفن كيف يصلين، بل لا يعرفن بعض أحكام النساء. أحد الرجال -كما يذكر أحد الدعاة إلى الله- يعود إلى أهله في البيت في يوم من الأيام، ويُجلس أسرته ليربيهم، ويعرف ماذا وراء هذه الأسرة؟ فجلس معهم، وقال لأمه العجوز اقرئي لي الفاتحة، يريد أن يعرف هل هي تعرف قراءة الفاتحة التي لا تتم الصلاة إلا بها أم لا؟ قالت: وما الفاتحة يا بني؟ قال: إذا كبرتِ ماذا تقولين في صلاتكِ؟ قالت: أقول: لا جريت كتاباً، ولا حسبت حساباً، فلا تعذبني يوم العذاب. عمرها سبعون سنة، وأنا أقول: ربما أنه يخرج من بيتها من يذهب إلى المتوسطة، وقد حفظ من القرآن ما حفظ، ويخرج من بيتها ويذهب إلى الثانوية، وقد حفظ ما حفظ، وتخرج من بيتها المعلمة وقد حفظت من كتاب الله ما حفظت، لكننا تعلمنا العلم لا لنعمل به، ولكن لتنال شهادة، حاشاكِ -أختي المسلمة- أن يكون هذا ديدنك، إنكِ مسئولة عن هذا ﴿لن تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به؟﴾ فماذا سيكون الجواب يا أمهات المستقبل! ويا معلمات الجيل! ويا مربيات الأمة! اقتدي بالصالحات -كما قلت- وتشبهي بهم، واعملي بما عملوا به، وامشي على أثرهم ليلحقك الله بهن.

стр. 874

نماذج من النساء الصالحات

стр. 875

موقف سارة زوج الخليل ﵇ من طاغية مصر ها هي سارة زوج الخليل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، اعتصمت بالله ، والْتجأت إلى الله ، وحفظت الله في الرخاء فحفظها الله في الشدة، أُخذت من بيتها بالقوة من قِبَل زبانية طاغية مصر آنذاك، وقام إليها يريد فعل الفاحشة بها. امرأة ضعيفة لكنها عزيزة قوية يوم تستمسك بحبل العزيز القوي سبحانه وبحمده. قامت وتوضأت وقامت لتصلي، واتصلت بربها -سبحانه وبحمده- مباشرة، لا وسائط بين أحدٍ وبين الله قائلة: "اللهم إن كنت تعلم أني آمنت بك وبرسولك، وأحصنت فرجي إلا على زوجي؛ فلا تسلط عليَّ هذا الكافر، اللهم اكفنيه بما شئت"، فجَمُد الكافر هذا مكانه لا يستطيع أن يتحرك منه شيء، يوم لجأت إلى الله وقد حفظته في وقت الرخاء، فحفظها الله في وقت الشدة، جمُدَ في مكانه ولم يتحرك ولم يتزحزح، ثم يُطلق بعد ذلك، فيمدُّ يدَه مرة أخرى على زوج الخليل، فتتجمد أعضاؤه مرة أخرى، ويبقى على ما كان عليه في المرة الأولى، ثم يمد الثالثة، ثم يمد الرابعة، ثم في الأخيرة يقول لهم: ما جئتموني إلا بشيطان، أرجعوها إلى إبراهيم، وأخدموها هاجر. لم ترجع سليمة محفوظة بحفظ الله فقط؛ بل رجعت ومعها مملوكة لها وهي هاجر عليها رضوان الله، رجعت إلى إبراهيم ﵇ وهي محفوظة بحفظ الله؛ لأن الله قد قال: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُه﴾ [الطلاق:٢ - ٣] وقد قال رسوله ﷺ : ﴿احفظ الله يحفظك﴾. فالعز في كنف العزيز ومن عبد العبيد أذلَّه الله فهلاَّ ائتسيتنَّ بها أيتها المسلمات! هلَّا لجأتُنَّ إلى الله وتركتنَّ ما يُبعدكنَّ عن الله، وعكفتُنَّ على كتاب الله وسنة رسول الله محمد بن عبد الله ﷺ ، فتعلمتُنَّ كتاب الله وعلمتنه وبلغتنه فكنتنَّ فيمن قال فيهم رسول الله ﷺ : ﴿خيركم من تعلم القرآن وعلمه﴾.

стр. 876

بعض مواقف فاطمة بنت رسول الله ﷺ ليس هذا فحسب، هل كانت أسوتكِ -أختي المسلمة- فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، تلك التي تربَّت في بيت النبوة، وذاقت ما ذاقه ذاك البيت من أذى في سبيل الله ، ترى أباها ﷺ وهو يقوم بالدعوة يقف صفاً واحداً، والبشرية كلها صفٌّ ضده. تراه وهو يصلي، فيقول أحدهم: أيكم يُمهل هذا المرائي حتى يسجد، فيأخذ سَلى جَزور بني فلان، فيضعه على ظهره ﷺ ؟ رأت المنظر وهي طفلةٌ صغيرة تتربى على "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، يسجد أبوها، والسَّلى -والفرث والدم- على ظهره ﷺ ولم يجد نصيراً له في تلك اللحظة بعد الله إلا ابنته فاطمة، وهي جارية صغيرة لتمتد إليه وتأخذه من على ظهره، وتدعو عليهم وتسبهم وتشتمهم، عاشت حياة رسول الله ﷺ أيام كان في مكة، ويوم هاجر إلى المدينة، ويوم استقرَّ هناك. انظر إليها في تمسُّكها بدينها، وتمسكها بعفتها وحيائها وصبرها العظيم، تلك المرأة التي تزوجت بـ علي ﵁ وأرضاه، فما حملت معها الجواهر ولا الفساتين، وما دخلت القصور ولا الدُّور، وإنما دخلت بيتاً من طين. أما جهازها -يا أمة الله- فهو وسادة محشوة بليف، وسقاء وجرتين، ورَحَى تطحن الحبَّ عليها، وهي سيدة نساء العالمين ﵂ وأرضاها ما ضرَّها ذلك وما أنقص من قدرها ذلك. انظر إليها يوم يتحدث عنها زوجها في آخر حياته، يتحدث عنها علي ﵁ وأرضاه- فيقول: [[كانت بنت رسول الله ﷺ -وكانت أكرم أهله عليه- جرت بالرحى تطحن الحب حتى أثَّر الجر في يدها، واستقت بالقربة حتى أثَّر الحبل في نحرِها ﵂ وأرضاها، وقَمَّت البيت حتى تغيَّرت هيئتها ﵂ وأرضاها، وأوقدت النار حتى تغيرت هيئتها، وأصابها من ذلك ضرٌ أيَّما ضر]]. اسمعي إليها يوم تقول -يوماً من الأيام-: [[خيرٌ للنساء ألا يَرَيْنَ الرجال، ولا يراهنَّ الرجال]]. بضعة منه ﷺ أخذت من علمه وفقهه وحكمته ﷺ . انظري إليها يوم تَقمُّ البيت، وتوقد النار، وتجرُّ بالرَّحى، وتطحن الحب، وتصبر، ولم تتشكي، أو تسخط من قضاء الله ، ثم فوق ذلك تُربي أبناءها تربيةً عظيمة؛ تُربيهم على كتاب الله، وعلى سنة رسوله ﷺ ، وألَّا يُراقبوا أحداً غير الله ، فمن كان من أبنائها؟ كان الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة رضى الله عنهم أجمعين. هي بنت مَنْ؟ هي أمُّ مَنْ؟ هي زوج مَنْ؟ من ذا يساوي في الأنام علاها أمَّا أبوها فهو أكرم مرسل جبريل بالتوحيد قد رباها وعليٌّ زوج لا تسل عنه سوى سيف غدا بيمينه تيَّاها طلبت من رسول الله ﷺ أن يخدمها مملوكة من المماليك؛ فما كان منه ﷺ إلا أن قال: ﴿لا والله! ما دام على الصفة فقير يحتاج إلى لقمة أو إلى كسرة﴾ أو كما قال ﷺ ، فذهبت إلى بيتها وقد تعبت من أعمال البيت، وجاء النبي ﷺ إليها ليدخل بيتها وهي وزوجها في فراش واحد، ثم قال لهما ﷺ : ﴿أولا أدلكما على خير لكما من خادم﴾ من الذي قال هذا؟ إنه من لا ينطق عن الهوى. ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٤]، قال: ﴿إذا أويتما إلى فراشكما فَسَبِّحا ثلاثاً وثلاثين، واحمدا ثلاثاً وثلاثين، وكبِّرا أربعاً وثلاثين؛ فذلكما خير لكما من خادم﴾. هل فعلنا ذلك يا أيها الأحبة؟ بل هل علمنا نساءنا أن يذكروا هذا الذكر قبل أن يناموا؟ إنه من المعين على خدمة البيت. يقول علي: [[والله ما تركته من بعد ذلك اليوم حتى لقيت الله -جل وعلا- قالوا: حتى ولا ليلة صفين قال: ولا ليلة صفين]] في وسط المعركة وفي وسط ما حصل ما نسيه ﵁ وأرضاه. إني أقول لكنَّ أيتها الأخوات: عليكنَّ بهذا فذلكنَّ خيرٌ لكنَّ من خادم هل تعلمين يا أَمَةَ الله! أن في بيوت المسلمين -الآن- سبعمائة وخمسين ألف خادم في هذه الجزيرة، ما بين مسلمة وبوذية ونصرانية ومجوسية، تولَّى هؤلاء، فماذا تولوا؟ تولوا تربية فلذات الأكباد، والله إن هذا لأعظمُ الغش، وأعظم ما تغشين به أطفالك ومجتمعك وأُمتك وبلادك - الجزيرة - التي لا يجوز دخول كافر إليها أبداً. يا أيها الأحبة! عليكم بهذا الدعاء فذلكما خير لكما من خادم، اذكري فاطمة يا أيتها الأخت المؤمنة! ثم اذكري ما عليه بعض أخواتك في الرغبة الملحة من النظر إلى الرجال، والحديث مع الرجال، والاختلاط بهم، وتشبههن بالكافرات في لباسهن ومشيتهن. وبالله يا أختي المسلمة! أنت قمَّة، وأنت فضيلة، وأنت طهر قمة بالقرآن فضيلة بالإيمان طهر بتمسكك بهذا الدين؛ فكيف تتشبه القمة بالسافلة؟ وكيف تتشبه الفضيلة بالرذيلة؟ وكيف يتشبه الطهر بالنجس؟ يعيش المرء ما استحيا بخيرٍ ويبقى العود ما بقيَ اللِّحاء فلا والله ما في العيش خيرٌ ولا الدنيا إذا ذهب الحياء إني لأذكركِ مرات ومرات بتلك المؤمنة الطاهرة التي يذكرها أهل السِيَر، بأنها قد قُتل لها ولد في إحدى الغزوات مع رسول الله ﷺ ، فجاءت تبحث عن ولدها بين القتلى وهي متنقبة ومتحجبة، فقيل لها: كيف تبحثين عنه وأنت متنقبة ومتحجبة قد لا تعرفينه؟! فأجابت إجابة المؤمنة، إجابة من أطاعت الله: [[لأَن أفقد -والله- ولدي خيرٌ من أن أفقد حيائي وديني! إن الله خاطب رسوله قائلاً: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٩] والله ما أنا بخير من أمهات المؤمنين ولا من نساء المؤمنين ولا من بناته ﷺ ]]. فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكرام فلاح

стр. 877

بنت من بنات الأنصار واستجابتها لأمر رسول الله وهاهو رسول الله ﷺ يرسل رجلاً لخطبة بنت من بنات الأنصار له، ويأتي ويقول: رسول الله يطلب ابنتكم لي -وكان رجلاً فقيراً ودميماً- فما كان من الرجل إلا أن تردد، وما كان من الأم بعد ذلك إلا أن ترددت؛ فما كان من هذه المرأة التي تربت على الإيمان إلا أن خرجت، وقالت: أترُدَّان أمر رسول الله ﷺ ؟ أين تذهبان من قول الله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُّبِيناً﴾ [الأحزاب:٣٦] ادفعوني إليه فإن الله لا يضيعني. أرأيتم -يا أيتها الأخوات- الاستجابة لله إذا قضى أمراً هو أو رسوله ﷺ فهلا كانت هذه أُسوة لكِ.

стр. 878

سمية أول شهيدة في الإسلام سمية: تعتنق الإسلام، وتُضَرب وتُؤذَى، يريدون أن يردُّوها عن دينها، وما نقموا منها إلا أن آمنت بالله الذي لا إله إلا هو فأبَتْ؛ لأنها علمت أنها على الحق؛ فماذا كان منها؟ تقدم إليها الشقي بحربته ليطعنها في موطن عِفّتها، ولسانُ حالها يقول: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه:٨٤] فكانت أول شهيدة في الإسلام بإذن الله سبحانه وبحمده.

стр. 879

موقف آسية بنت مزاحم مع فرعون ومن قبل هؤلاء: امرأة فرعون آسية التي آمنت في وسط بيت من يقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] لم يصدها جبروته، ولم يصدها قوته، ولم يصدها طغيانه. لما تبين إسلامها طلب فرعون منها أن ترجع عن دينها، فأَبَتْ وأنَّى لمسلم يعرف هذا الدين ثم يعود عنه وينكص على أعقابه؛ فماذا كان منه؟ أوْتدَ رجليها، وأوْتدَ يديها بأربعة أوتاد، ثم ربطها وألقاها في الشمس، ومنع عنها الطعام والشراب، وضربها ضرباً مبرحاً، وآذاها ووكَّل من يؤذيها، فقالت؛ ماذا قالت؟ وإلى من لجأت؟ لجأت إلى فاطر السماوات والأرض: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم:١١] روي أنها لما قالت ذلك رُفعت دونها الحُجُبُ حتى رأت بيتها في الجنة من دُرة بيضاء مُجوَّفة، فضحكت وهي تُعذَّب حتى قالوا: هذه مجنونة، تُعذَّب وتضحك؟! يقول الضحَّاك: [[فأمر فرعون بعد ذلك بحجر يُلقى عليها، وهي في أوتادها؛ فما وصل الحجر إليها حتى أخذ الله روحها قبل ذلك، فصارت مثلاً للذين آمنوا]]. أرأيتم -يا أيها الأحبة ويا أيتها الأخوات- كيف تكون المؤمنة متعلقة بالله فيحفظها سبحانه وبحمده؟

стр. 880

امرأة تموت وهي ساجدة لله قد تقولون: هؤلاء في عصر مضى، فسأذكر لكم نموذجاً من هذا العصر. عجوز جالست النساء وهي تخشى الله ، وتعلم أن هذا اللسان لطالما أردى الكثير من الناس في حفرةٍ من حفر النار، وأوقعهم في أعراض المسلمين -وأعراض المسلمين حفرةٍ من حفر النار- ما كان من هذه المرأة يوم أن جالستهم؛ فلم تجد فائدة إلا أن اعتزلت بيتها؛ فهي تذكر الله آناء الليل وأطراف النهار، وتقرأ القرآن، واعتزلت النساء ولم تجلس معهن، وكان لها ولد بارٌ بها، وفي ليلةٍ من الليالي، قد كانت تقوم أكثر ليلها يوم أصبح قيامنا وقيام أهل بيتنا -إلا من رحم الله- على التمثيليات والمسلسلات، ونسأل الله أن يعصم قلوبنا أن نلقى الله على ذلك. يا أيها الأحبة! كانت تقوم ليلها، وفي ليلةٍ من الليالي، وإذا بها تنادي ابنها في ثلث الليل الآخر، وتقول: يا بني! ها أنا على وضع سجودي لا يتحرك مني عضو واحد. فما كان منه إلا أن أخذها وذهب بها إلى المستشفى، وهو بارٌ بها، يريد أن تعود إلى صحتها، نورٌ في البيت تذكر الله ليلاً ونهاراً، وذهب بها إلى الأطباء، وفعلوا ما فعلوا، وأنَّى لبشر أن ينجي من قدر؟ وأنَّى لِحَذَرٍ أن ينجي من قدَر، سألته بالله أن يعيدها إلى بيتها، فأخذها وذهب بها إلى البيت، ووضَّأها، ثم قالت: أعِدني على وضع السجود كما كنت على سجادتي في آخر الليل، وإذا بها بعد فترة ليست بالطويلة تنادي ابنها، وتقول: يا بني! أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. لتلقى الله وهي ساجدة؛ يغسلونها وهي ساجدة؛ ويكفنونها وهي ساجدة؛ ويذهبون ليصلوا عليها وهي ساجدة، تُحمل إلى المقبرة وهي ساجدة، وتدخل القبر وهي ساجدة، ومن مات على شيءٍ بُعث عليه، تُبعث بإذن الله ساجدة. يا أيها الأحبة رجالاً ونساءً! امرأة تقوم من الليل ما تقوم، وبعضنا لا يقوم من ليله ولو لساعة أو لنصف ساعة أو لدقائق أو لركعتين أو ثلاث يرجو بها رحمة الله، يرجو بها نفحة من نفحات الله . إني أقول: تشبهوا بهذه العجوز وقد منحكم الله ما لم يمنحها من الصحة والقوة.
следующие страницы →