← Джавами‘

Джавами‘ · id 7710

دروس للشيخ علي القرني

علي القرني

Полный текст (977 стр.). Показаны 946–977 · переход к 951.

стр. 946

معتق نفسه بالصلوات أما آخر فيغدو إلى المسجد ليُصلي مع جماعة المسلمين فيعد الله له في الجنة نزلاً كلما غدا أو راح، ما خطا خطوة إلا كُتِبَ له بها حسنة، ولا رفع أخرى إلا وَرُفِعَ عنه سيئة، ما جلس من مجلس إلا وملك موكل به يقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، حتى تقام الصلاة، فما بالك إذا كان يقرأ القرآن. ها هو ثابت بن عامر بن عبد الله بن الزبير يقول أبناؤه: كان كثيراً ما يقول: اللهم إني أسألك الميتة الحسنة. قالوا: وما الميتة الحسنة يا أبتاه؟! قال: أن يتوفاني الله وأنا ساجد، وتحل به سكرات الموت قبل صلاة المغرب، ويسمع نداء: الله أكبر، الله أكبر، حي على الصلاة، حي على الفلاح فماذا كان منه؟ قال: أقعدوني واحملوني إلى المسجد، قالوا: قد عذرك الله، مريض في سكرات الموت. قال: أسمع حي على الصلاة حي على الفلاح ثم لا أجيب، فحملوه على أكتافهم وأوصلوه إلى المسجد، فصلى معهم صلاة المغرب حتى الركعة الأخيرة، فسجد فكانت السجدة الأخيرة: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧]. وها هو حاتم الأصم عليه رحمة الله فاتته صلاة العصر يوماً من الأيام جماعةً مع المسلمين، فذهب أهل المسجد يعزونه في جماعةٍ فاتته. كانوا يُعزِّي بعضهم بعضاً إذا فاتته جماعة، دخلوا عليه في بيته وهم قلة، فعزوه فبكى، قالوا: ما يُبكيك؟ قال: أبكي لأنها فاتتني جماعة فعزاني بعض أهل المدينة، ووالله! لو مات أحد أبنائي لعزاني أهل المدينة كلهم، ووالله! لموت أبنائي جميعاً أهون علي من فوات هذه الجماعة. هكذا كان سلفنا الكرام. وهذا سعيد بن المسيب وهو في سكرات الموت وكان بنياته الصغار حواليه يبكين، فيقول لهن: "أَحْسِنَّ الظن بالله، فوالله! ما فاتتني تكبيرة الإحرام في المسجد ستين سنة". هكذا كانوا -أيها الأحبة- فأي الغاديين أنت؟ وكل يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها.

стр. 947

الاستهزاء بالدين وذاك غادٍ يغدو لإهلاك نفسه، فيُسلط لسانه وسنانه، ويسلط قلمه في النيل من المسلمين؛ بالسخرية بهم، والاستهزاء بدين الله، وبعباد الله، وبشعائر الله؛ ليرتكب أعظم جريمة ألا وهي الدعوة إلى الظلام، فيكون عليه وزره ووزر من أضله إلى يوم القيامة، وفوق ذلك يبوء بالكفر الذي يقوده إلى النار. في غزوة تبوك، يوم اتجه المسلمون مع قائدهم ﷺ إلى تبوك من المدينة حوالي ألف كيلو متر في صحارٍ في وقتٍ حار، وبلغ بهم الجهد مبلغه، حتى إن أحدهم في ليلة من الليالي قام يبول فسمع صوت جلد تحت بوله، فما كان إلا أن نفضه من البول ثم أشعل النار ووضعه فيها وأكله من شدة ما يلاقي من الجوع، وتأتي ثلة منهم ليسخروا برسول الله وبأصحابه فيقولون: ما رأينا كقرائنا هؤلاء! أرغب بطوناً، ولا أجبن عند اللقاء، يعنون رسول الله ﷺ وأصحابه، ويأتي الكلام من الله إلى رسوله، ويسري الخبر بينهم، فيلحقون بالنبي ﷺ ويقولون: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة:٦٥]، فيقول النبي ﷺ بكلام الله: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦]. يغدو أحدهم فيكتب كلاماً يسب فيه الإله ، يقول: لم يبق من كتب السماء كتاب مات الإله وعاشت الأنصاب جلَّ الله ، ثم يستهزئ ويسخر ويظن أنه لن يقف بين يدي الله جلَّ وعلا، لكن: إذا عيَّر الطائي بالبخل مادر وعير قساً بالفهاهة باقل وقال السها للشمس أنت كليلة وقال الدجى للصبح وجهك حائل فيا موت زر إن الحياة ذميمة ويا نفس جدي إن دهرك هازل

стр. 948

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر آخر يغدو ليُعتق نفسه، فيدعو الناس إلى توحيد الله، وإلى ما فيه الخير بقلمه وبلسانه، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؛ لأنه من أمة الأمر والنهي، وأنتم يا أهل هذه القرية البعيدة عن صخب المدينة، وعما يحدث في المدنية من الفساد! إنكم لتغبطون على قريتكم هذه بين هذه الجبال، وإنكم لتغبطون على مثل هذا الاجتماع، فالله الله! لا تسكتوا على منكر، الله الله! سلطوا ألسنتكم في الأمر بالمعروف، كونوا جبهة ضد كل مفسد، فوالله! لا يمكن أن تسعد هذه البلدة ولا تسعد أي بلدة من بلاد الدنيا إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقال الله وقال رسوله ﷺ ، فلنأمر بالمعروف في بيوتنا وفي شوارعنا، ولننه عن المنكر أياً كان المنكر؛ لأن الله رتب النجاة للذين ينهون عن السوء: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف:١٦٥]. يوم تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؛ فيستجيب لك واحد يكون لك مثل أجره لا ينقص من أجره شئ، ثم إن الله يهدي بك الضال فيكون لك من الأجور الشيء الكثير: ﴿لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم﴾. أتريد رحمة الله يا عبد الله؟ اسمع ما قال الله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة:٧١] أسأل الله أن يرحمنا وإياكم برحمته، فأي الغاديين أنت؟ وكلٌّ يغدو؛ فبائعٌ نفسه فمعتقها أو موبقها.

стр. 949

موبقات ومعتقات من المصائب والحاجات

стр. 950

الصبر عند المصائب وذاك غادٍ في دنياه، ويصاب بمصيبة فيوبق نفسه ويهلكها، فيتسخط من قضاء الله وقدره، ويعترض على قدر الله، ما علم أن المصائب ترفع الدرجات لمن احتسبها عند الله ، وما علم أن الله مع الصابرين، يصاب في دنياه فيكسر دينه: وكل كسر لعل الله جابره وما لكسر قناة الدين جبران يقول عند الصدمة الأولى يوم يصاب في حبيب أو قريب أو في نفسه: لم يا رب؟ يعترض على قضاء الله وقدره يشق الجيب، ويلطم الخد، ويدعو بالويل، وبالثبور وبعظائم الأمور على نفسه، والملائكة في تلك اللحظة تقول: آمين آمين، فالمصيبة مصيبتان لا هو احتسب هذه، وإنما أصبحت مصيبته بفقد حبيبه، ومصيبته الأخرى: بضياع الأجر في تلك اللحظة، والمحروم من حُرِمَ الثواب. وأنا أسأل سؤالاً يا أيها الأحبة: هل سيعود ميت إن مات؟ والله! ما سمعنا أن ميتاً مات فعاد، لكنه ذهب ونحن على الأثر، إن للموت أخذة تسبق اللمح بالبصر. هاهو أحد السلف -شابٌ من شباب السلف- كانت له زوجة صالحة، وكان له أولاد، ثم حلَّت به سكرات الموت التي لابد أن يعاني كل واحد منا هذه السكرات، ونسأل الله أن يهونها علينا وعلى كل مسلم، في تلك اللحظات التي يذعن فيها الإنسان ويخضع، ويذل لله أياً كان، هذا الرجل مات فوجدت عليه زوجته وجداً عظيماً، ووجد عليه أولاده وحزنوا حزناً عظيماً؛ فأقسمت زوجته لتبكين عليه عاماً كاملاً. وهذا ليس من عمل الإسلام، هذا جزعٌ وتسخط واعتراض على قضاء الله وقدره، فأخذت أولادها، وأخذت خيمةً لها، وذهبت ونصبتها عند قبره، وبقيت عاماً كاملاً تبكي، وأولاده الصغار حول قبره، فما خرج إليهم فكلَّمهم بكلمة، ما خرج إلى زوجته وقال: أحسنت، أو قال: اذهبي ووالله! لو خرج لقال: لا إله إلا الله، أو الحمد لله، أو سبحان الله؛ لأنه لا ينفعه في القبر إلا مثل هذه الكلمات، والله! لو كلَّم أبناءه بكلمة واحدة لسكن الناس كلهم المقابر ليُكلموا أحبابهم وأخواتهم وأصحابهم وأولادهم، فما منا واحد إلا وله في القبر عزيز أي عزيز؛ لكن قد حيل بينهم وبين ما يشتهون. بقيت سنة كاملة وفي آخر السنة طوت خيمتها، وأخذت أولادها، وجاءت راجعة مع الغروب إلى بيتها، لم تجد جدوى من جلوسها سنة كاملة. وإذ بهاتف يهتف بها ويقول: هل وجدوا ما فقدوا؟ وإذ بهاتف آخر يرد ويقول: ما وجدوا ما فقدوا؛ بل يئسوا فانقلبوا. ووالله! لن يرجع ميت -يا أيها الأحبة- فما على الإنسان إلا أن يحتسب في تلك اللحظات. إن رسول الله ﷺ يفقد ابنه إبراهيم الصغير فلذة كبده، فماذا كان منه ﷺ ؟ دمعت عينه، وتأثر قلبه؛ لكنه ﷺ ما قال إلا ما يرضي ربه، وهو الأسوة والقدوة، قال: ﴿العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون﴾. ها هي إحدى بناته ﷺ كانت في يوم من الأيام لها ولد في النزع الأخير من سكرات الموت، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ رجلاً، وقالت: أخبره أن ابني في النزع لِيَحْضُرَه، فأخبره فقال: ﴿مرها فلتصبر ولتحستب، فإن لله ما أخذ وله ما أبقى وكل شئ عنده بأجل مسمى﴾.

стр. 951

عبر وعظات على الصبر يعقوب ﵇ يفقد حبيبه وابنه وفلذة كبده يوسف ﵇ مدة أربعين عاماً، فيصبر ولا يشكو إلى أحدٍ وإنما يشكو إلى الله: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٨٦]. أما الآخر؛ فيغدو ليعتق نفسه، يصاب بالمصيبة فيحتسبها عند الله -كما سمعتم من هذا الذي ذكرت الآن- فيعوضه الله ويبشره: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٥ - ١٥٧]. في صحيح البخاري أن رسول الله ﷺ قال: ﴿يقول الله : ما لعبدي المؤمن عندي من جزاء إذا قبضت صفيه وخليله من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة﴾ ويا له من جزاء! ما لا عين رأيت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وعند الترمذي: ﴿أن الله يقول للملائكة: قبضتم روح ابن عبدي المؤمن؟ -وهو أعلم قبضتم ثمرة فؤاده؟ قالوا: نعم. قال: فماذا قال؟ قالوا: حمدك واسترجع -قال الحمد لله، إنا لله وإنا إليه راجعون- قال الله: ابنوا له بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد﴾ ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٥ - ١٥٦]. ذكر الذهبي وابن كثير عليهما رحمة الله أن عروة بن الزبير أحد علماء المدينة، الذي كان يقطع يومه صائماً غالباً، ويقطع ليله قائماً، ويختم القرآن في كل أربع ليال مرة، أخذ ابنه وسافر في يومٍ من الأيام، وأصابته الآكلة في رجل قدمه. -وهو ما يسمى الآن بالسرطان- فجاءوا به إلى الأطباء فقالوا: نقطعها من القدم. قال: لكني أنتظر وأصبر وأحتسب، فصعدت الآكلة إلى الساق، فقالوا نقطعها من الركبة. قال: لكني أنتظر وأصبر وأحتسب. فدخلت إلى الفخذ فقالوا: يخشى عليك. قال: الله المستعان! سلمت أمري لله، فافعلوا ما شئتم. فجاء الأطباء، وتجمعوا بمناشيرهم وجاءوا ليس لديهم مخدراً كما لدينا الآن، ما عندهم إلا كأس الخمر، فجاءوا له بكأس خمر، وقالوا له: اشرب هذا عله أن يذهب عقلك فلا تحس بألم القطع. فصاح وقال: عقل منحنيه ربي أذهبه بكأس من الخمر؟! لا والله! لكن إذا أنا توضأت، ووقفت بين يدي الله وقمت لأصلي، وسَبَحَتُ مع آيات الله البينات، فافعلوا برجلي ما شئتم. فتوضأ ووقف بين يدي الله، وجمعوا مناشيرهم، وسَبَحَ مع آيات الله البينات، وقاموا يقطعون في رجله بالمناشير، وإذا بالدماء تنزف، وإذ به يخر مغشياً عليه، وفي تلك اللحظة كان ابنه محمد وراء ناقة من النوق يطاردها فرفسته فأماتته. مصيبتان في آن واحد أفاق من غيبوبته، فقالوا له: أحسن الله عزاءك في ابنك محمد، وأحسن الله عزاءك في رجلك. فقال: الحمد لله رب العالمين، أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً، إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم يا رب! إن كنت أخذت فقد أعطيت، أعطيتني أربعة من الولد وأخذت واحداً فلك الحمد أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً، وأعطيتني أربعة من الأطراف فأخذت واحداً فلك الحمد أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً. صبر وأي صبر: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٥]. سمع به الوليد فطلب أن يأتي إليه، فذهب إليه في قصره، ودخل على الوليد وجلس عند الوليد وبه من الهم ما به؛ لكنه فوض أمره إلى الله جل وعلا، فجاء طفل صغير من أطفال الوليد وقال: ما أصاب عروة ما أصابه، إلا بذنب أصابه، فقال: لا والله! والله ما مديت كفي لريبة ولا حملتني نحو فاحشة رجلي ولا دلني سمعي ولا بصري لها ولا قادني فكري إليها ولا عقلي وأعلم أني لم تصبني مصيبة من الله إلا قد أصابت فتىً قبلي لعله يتسلى به، فخرجوا يبحثون، فإذا هم برجلٍ أعمى يتلمس الطريق بجانب قصر الخليفة، فأدخلوه ويوم أدخلوه على الخليفة قال: ما خبرك؟ قال أنا رجل من بني عبس، والله! ما كان في بني عبس رجل أغنى مني، كانت عندي أموال كثيرة، وكان عندي أولاد كثر، كان عندي من الإبل والبقر والغنم والدراهم والذهب والفضة ما يعلمه الله جلَّ وعلا. ثم عزب لي قطيع من الإبل، فخرجت أبحث عن هذا القطيع أتلمس، قال: ثم عُدتُ بعد ثلاث أيام وقد رجعت بالقطيع، فإذا سيل قد جاء على الوادي بعدي فلم يبق لي ولداً ولا أماً ولا أختاً ولا بنتاً ولا ابناً ولا مالاً. فإذا الديار خرابٌ بلقع ليس بها داعٍ ولا مجيب قال: فوقفت وإذا أنا بطفلٍ صغيرُ معلَّق بشجرة -طفلٍ صغير من أطفاله لم يبق سواه- قال: فتقدمت إليه وأخذته وضممته على صدري وأنتحب، قال: وإذا بأحد الجمال يند ويهرب، قال: قلت: ضيعت كل شيء من أجلك لأرجعن بك، فترك ابنه الصغير قال وبينما أنا أطارد الجمل، وإذا بصوت الطفل الصغير يصرخ، فإذا ذئب قد أخذه وسحبه من أمامي. مصيبة أي مصيبة!! قال: فبقيت وراء الإبل لم يبق لي إلا الإبل، أريد أن أستعيد هذا الجمل، قال: فذهبت وراءه أطارده، وإذ به يرفسني فيعمي عيني، فإذا أنا في الصحراء لا أهل ولا مال ولا صديق ولا صاحب ولا أنيس إلا الله الذي لا إله إلا هو، وجئتك ووالله ما جئتك يا وليد شاكياً! ولكن جئتك ليعلم الناس أن لله عباداً يرضون ويسلمون بقضاء الله وقدره إذا قدر: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٥ - ١٥٦]. ها هو أبو ذؤيب الهذلي يموت له ثمانية أبناء في يوم واحد بالطاعون؛ فيحمد الله، ويقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، ويصبر ثم يقول بعض أبيات من الشعر هي عظة وعبرة يقول: ولقد حرصت بأن أُدافع عنهم وإذا المنية أقبلت لا تُدْفَعُ وإذا المنية أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمة لا تنفع وتجلدي للشامتين أُريهم أني لريب الدهر لا أتضعضع فأي الغاديين أنت؟ فكلٌّ يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها.

стр. 952

الظلم وخيم العاقبة وذاك غاد يغدو ليهلك نفسه بظلم عباد الله جلَّ وعلا، يظلمهم بلسانه، ويظلمهم بيده، ويظلمهم بأي نوعٍ من أنواع الظلم، ناسياً قول الله : ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم:٤٢] متناسياً أن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، يرفعها الله فوق الغمام، ويقول سبحانه: ﴿وعزتي وجلالي! لأنصرنك ولو بعد حين﴾. هاهو سعيد بن زيد أحد العشرة المبشرين بالجنة، تأتي امرأة فتذهب إلى أحد خلفاء بني أمية وتقول: إن سعيد بن زيد غصبني أرضي وأخذها، وما كان لـ سعيد أن يأخذها، فيأتي به الخليفة، ويقول: أغصبتها أرضها يا سعيد؟! فتدمع عيناه، ويقول: والله ما غصبتها أرضها، ووالله لن أغصبها أرضها؛ لأني سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: ﴿من ظلم قيد شبرٍ من الأرض طُوِّقَهُ يوم القيامة من سبع أراضين﴾ يصبحُ طوق له من سبع أراضين يحمله يوم القيامة. ثم قال: فلتأخذ أرضي إلى أرضها، وبئري إلى بئرها، ونخلي إلى نخلها؛ فإن كانت صادقة فذاك، وإن كانت كاذبة فأعمى الله بصرها وأرداها في أرضها. وتصعد الدعوة إلى الله جلَّ وعلا -الذي ينصر المظلوم من الظالم، وتخرج هذه المرأة، وبعد فترة تُصاب بالعمى، ثم تذهب لتتخبط في أرضها التي أخذتها بالزور والجور، ثم تسقط في البئر مُتردية ميتة، نسأل الله أن يُحِسن لنا ولكم الختام. وهاهم البرامكة وزراء الرشيد الذين كان منهم ما كان، كانوا في نعمةٍ من الله؛ لكنهم ما صانوا نعمة الله، تكبروا وتجبروا وظلموا عباد الله ، وظنوا أنهم في بُعدٍ عن قبضة الله ، ويسلط الله عليهم الخليفة فيقتل منهم من يقتل، ويدخل السجن منهم من يدخل، ويضرب أحدهم ألف سوط ثم يُدخله السجن وهو من كبارهم. فيأتي أحد أبنائه يزوره، فيقول: أبتاه! بعد العز أصبحت في القيد؟ كانت قصورهم مطلية بالذهب والفضة، أين الذهب والفضة يا أبتاه؟ قال: ألا تدري يا بني؟ قال: لا. قال: دعوة مظلوم سرت في جوف الليل نمنا عنها وليس الله عنها بنائم: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم:٤٢].

стр. 953

ظلم الحيوان ألا وإن من أعظم الظلم ظلم الحيوانات، بعض الناس جبان، شجاعته سلَّطها على العجماوات، على الحيوانات والدواب التي سخَّرها الله له. شجاع على القطط وجريء على الكلاب!! ها هو رجل أعرفه في منطقة الجنوب، وفي يوم من الأيام تردد حمار على مزرعة له، فيدخل كل يوم في هذه المزرعة ويأكل منها ما يأكل، فطرده في اليوم الأول، ثم طرده في اليوم الثاني، ثم طرده في اليوم الثالث، ولما آذاه كثيراً أخذه في ليلة من الليالي ثم ربطه في سيارته حياً ثم سحبه على الإسفلت إلى منطقة بعيدة حتى تمزق قطعة قطعة. ظلم وأي ظلم! ويرجع إلى بيته ويأتي وفي البيت بعوض، فقام بمبيد حشري عنده يرشه في الغرفة حتى امتلأت بهذا الغاز، ثم جاء ليضيء المصباح فما كان من المصباح إلا أن أصدر شرارة فإذ بالغرفة تصبح عليه ناراً فيحترق بالنار، ثم يبقي يومين أو ثلاثة ليلقى الله، نسأل الله أن يحسن لنا وله الختام. فالبهائم تشكو إلى الله . يدخل النبي ﷺ حائط رجل من الأنصار، فيجد بعيراً هناك يجرجر ويأتي إلى النبي ﷺ ودموعه تذرف، يعرف أنه ﷺ ما أرسل إلا رحمة للعالمين، فيقول ﷺ : ﴿أين صاحب هذا البعير؟ فيخرج فتى من الأنصار، ويقول: أنا يا رسول الله! فيقول: أما تتقى الله في هذه البهيمة تجيعها وتتعبها، إنها شكت إليَّ ما تجده منك﴾ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] ﷺ ، ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم:٤٢].

стр. 954

دعوة المظلوم مستجابة هاهو رجل كان يُكاري على بغلٍ له بين دمشق والزبدان كما يروي ابن كثير، وجاء يوماً من الأيام قاطع طريق فركب معه وذهبا في الطريق، وبينما هو في الطريق قال: اسلك هذه الطريق فهي أيسر وأقرب، قال: أنا منذ فترة وأنا أسلك هذا الطريق وأعرفها. قال: هذا أقرب وأيسر. فصدقه وذهب معه، فجاء إلى وادٍ سحيق وإذ بهذا الوادي فيه جثث القتلى كثير، وإذا به يأتي بالناس إلى هناك فيذبحهم ثم يسرق ما معهم، ظلم وأي ظلم! جاء بهذا الرجل وأراد أن يقتله فهرب الرجل، فلحق به وأمسك به، قال: يا أخي! خذ كل ما أملك، خذ بغلتي، وخذ ثيابي، وخذ دراهمي، وخذ كل ما تريد ودعني أرجع. قال: لابد من قتلك، قال: إن كان لابد فدعني أصلي ركعتين أودع بهما الدنيا. يلجأ إلى الله -جل وعلا- قال: فقمت أصلي، وهو قائم عليَّ بالحربة يريد أن يقتلني، قال: فضيعت القرآن وأنا أرى الحربة فوق رأسي، فوالله! ما استحضرت آية من القرآن إلا أنني تذكرت قول الله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل:٦٢] قال: فكررتها وإذ بفارس من فم الوادي يخرج على فرس ومعه حربة فينطلق حتى يضربه بالحربة فيرديه قتيلاً، قال: فتعلقت بثيابه، وقلت له: أسألك بالله من أنت؟ قال: أنا من جنود الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء. دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب. دخل طاوس -عليه رحمة الله- على هشام بن عبد الملك ينصحه ويعظه ويحذره الظلم، ويقول له: اتق الله يا هشام! ولا تنس يوم الأذان. قال: وما يوم الأذان يا طاوس؟! قال: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف:٤٤] فأغمي عليه. إن رسول الله ﷺ يقول كما في الحديث القدسي: ﴿يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا﴾. وآخر يغدو ليعتق نفسه فلا يظلم أحداً، إن تكلم فبالعدل، وإن حكم فبالعدل، وإن خاصم فبالعدل، وإن عاهد فبالعدل، والمقسطون العادلون يوم القيامة على منابر من نور على يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فأي الغاديين أنت؟ فكلٌّ يغدو فبائعٌ نفسه فمعتقها أو موبقها.

стр. 955

معتقات وموبقات اجتماعية

стр. 956

صلة الأرحام وذاك يغدو ليقطع رحمه، فيوبق نفسه وتحل به اللعنة، يقول الله : ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٢ - ٢٣] ﴿إن الله لما خلق الرحم تعلقت بالعرش، وقالت: يا رب! هذا مقام العائذ بك من القطيعة. قال: ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى. فمن وصل رحمه وصله الله، ومن قطع رحمه قطعه الله﴾.

стр. 957

عقوق الوالدين يغدو بعض الناس ليعق اللذين هما السبب في وجوده بعد الله جلَّ وعلا، والله يقول: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [الإسراء:٢٣]. واليوم نسمع -يا أيها الأحبة- ويا ليت الإنسان أحياناً لا يسمع، غيِّر اسم الأب، وأهينت الأم في كثيرٍ من البيوت يوم ضاعت تقوى الله جلَّ وعلا، فما تسمع في بعض البيوت إلا تسمية نتنة نتن الجيف، يقول لأبيه: شيبة النحس ويقول لأمه: عجوز الشؤم أراحنا الله منهما، إن هذه الكلمات لتنطلق من أولاد على والديهم. فلا إله إلا الله! إن رضا الله في رضا الوالدين، وإن سخط الله في سخط الوالدين. إن رسول الله ﷺ قال: ﴿ألا أُنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: الإشراك بالله، ثم عقوق الوالدين﴾ من أكبر الكبائر عقوق الوالدين، دعوة الوالدين غنيمة من الله ، دعوة الوالدين مستجابة لا تُرَدَّ، فكم من دعوة والد أوبقت دنيا الولد وأخراه! وكم من دعوة والد أسعدت دنيا الولد وأخراه! يقول أبان بن عياش خرجت من عند أنس بن مالك بـ البصرة ومررت على السوق؛ فإذا أنا بجنازةٍ يحملها أربعة نفر ووراءهم امرأة، فقلت: ميت يموت من المسلمين لا يتبع جنازته إلا أربعة نفر! والله! لأشهدن هذه الجنازة، قال: فتقدمت ثم ذهبت وراءهم وحضرت الجنازة، فلما دفنوا هذه الجنازة قلت لهم: ما حالتكم مع هذه الجنازة لم يحضرها إلا أربعة؟ أين المسلمون؟ قالوا: استأجرتنا تلك المرأة لدفن هذا الرجل، فسلها ما لديها. قال: فذهبت وتلمست الطريق وراءها حتى وصلت لبيتها، ثم تركتها وعدت لها بعد فترة ودخلت عليها، وقلت لها: أحسن الله عزاءك، لله ما أخذ وله ما أبقى، وكل شيء عنده بأجلٍ مُسَمَّى، ما خبرك وما خبر الجنازة التي دفنتموها في ذلك اليوم؟ قالت: إن هذا ابني، كان مُسِرفاً على نفسه، مرتكباً للموبقات والمعاصي والسيئات، كثير العقوق لي، ويوم حلّت به سكرات الموت، قال: يا أماه! أتريدين لي السعادة؟ قالت: إي والله! والأم والأب ينسى كل زلة من ولده في تلك اللحظات، قال: فإذا أصبحت في السكرات الأخيرة فلقنيني شهادة أن لا إله إلا الله، ثم ضعي قدمك على خدي وقولي هذا جزاء من عصى الله، ثم ارفعي يديك إلى الله وقولي: اللهم إني أمسيت راضية عن ابني فارض عنه، ولا تخبرين أحداً بموتى فإنهم يعلمون عصياني ولن يشهدوا جنازتي. قال: ففعلتي؟ قالت: إي والله! لقد فعلت ما قال، قال: فما الخبر؟ فتبسمت وقالت: والله! رأيته البارحة في المنام وهو يقول: يا أماه! قدمت على رب رحيم كريم غير غضبان عليَّ ولا ساخط بدعوتك. رضا الله في رضا الوالدين، وسخط الله في سخط الوالدين.

стр. 958

صور من عقوق الوالدين هاهو شاب اسمه منازل رمز للعقوق عند العرب، ينهمك في المعاصي فيتقدم إليه أبوه فينصحه، ويقول له: اتق الله فيتقدم إلى أبيه فيلطمه، ويالله! ابن يضرب أباه، فحلف بالله ليحجن إلى البيت الحرام، وليدعون عليه وهو متعلق بأستار الكعبة، فذهب ووصل إلى الكعبة وتعلق بأستار الكعبة فكان يقول: يا من إليه أتى الحجاج قد قطعوا أرض المهامةً من قربٍ ومن بعد هذا منازل لا يرتد عن عققي فخذ بحقي يا رحمن من ولدي وشل منه بحول منك جانبه يا من تقدس لم يولد ولم يلد وتصعد الدعوة إلى الله جلَّ وعلا، فييبس شق ولده الأيمن فيصبح يابساً بهذه الدعوة من هذا الأب. وهاهو آخر: يحكى لي بائع مجوهرات ويذكر أنه في رمضان في سنة من السنوات: تقدم إليّ رجل وأمه وزوجته وابنه الصغير، قال: دخلوا عليّ في المحل، قال: فوقفت الأم متحجبة على استحياء وابن ابنها معها تمسك به، قال: وتقدمت الزوجة وزوجها فأخذوا من الذهب بمقدار عشرين ألف ريال، قال: ثم تقدمت الأم من هناك فأخذت خاتماً بمائة ريال، وجاء يُحاسب صاحب المجوهرات وهو يعرف أنه أخذ بعشرين ألفاً، قال: كم حسابك؟ قال: عشرين ألفاً ومائة ريال؛ قال: وما هذه المائة؟ قال: أمك أخذت خاتماً بمائة. فغضب وأرغى وأزبد وتقدم إليها وأخذ الخاتم من يدها، وقال: العجائز ليس لهن ذهب وليس لهن زينة، فما كان من هذه الأم إلا أن ذرفت دموعها وتغصصت بجرعها، وما كان منها إلا أن خرجت بابنه تحمله بين يديها إلى السيارة، وركبت السيارة بها من الهم ما لا يعلمه إلا الله. يقول صاحب المجوهرات وأنا أعرفه: والله! لقد بكيت أنا مما رأيت من الموقف، قال: فقالت زوجته: إن أمك هي التي تمسك بابننا وهى التي تخدمنا فما لك لا تعطيها هذا الخاتم، لن تمسك بابني بعد ذلك ولن تخدمني، فذهب إليها بالخاتم، وقال لها: خذي يا أماه! قالت: والله ما لبست ذهباً ما حييت، والله ما عرفت الذهب ما حييت أبداً، كنت أريدها لأفرح به معكم، فرأيت أن الأم لا داعي لها أن تلبس الزينة. أرأيتم عقوقاً مثل هذا العقوق -أيها الأحبة-. إن هذا في غياب تقوى الله وفى غياب التربية الإسلامية في البيوت.

стр. 959

دعوة الوالدين مستجابة وهاهي قصة أخرى لتعلموا أن دعوة الوالدين مستجابة، فسلطوها فيما ينفع الأبناء في دنياهم وأخراهم. داعية من الدعاة إلى الله يذكر عن أبيه، يقول: كان أبي في سن الشباب وَجَدُّهُ كان رجلاً صالحاً، قال: وأنا في سن الشباب فُتِحَ القبول في السلك العسكري في المملكة قبل فترة طويلة، قال: وكان عندي غنم كنت أرعاها، فقلت: لأذهبن مع الناس لأُسجل في العسكرية، فقال لأبيه: أُريد أن تأذن لي أن أذهب، فماذا كان منه؟ ما كان منه إلا أن قال: أنا لا أستطيع فيك يا بنى، أما أن آذن لك فوالله لا آذن لك، أما إن ذهبت فوالله الذي لا إله إلا هو فما لي إلا سهم أوجهه إلى الله في منتصف الليل ولعل الله لا يرده. فذهب الرجل وخاف أن يذهب ويترك والده وبقي فترة ثم أغراه ذهاب الناس إلى هناك واستلام الرواتب وأغرته الدنيا، فترك غنمه مع غنم جيرانه وذهب، وقال: لا تخبروه عني إلا في الغد، فذهب وترك والده ولم يستأذنه ولم يخف من ذلك السهم الذي قال له. وفي اليوم الثاني: يُخبر أبوه بأنه قد ذهب مع مجموعة ليُسجل في العسكرية بـ الطائف قال: فدعا عليه أبوه، وبينما هم في منتصف الطريق وإذ بالولد يعمى ولا يبصر شيئاً، فأخذوه وتقدموا به إلى الطائف وجاءوا إلى هناك فقالوا: هذا لا يصلح للعسكرية، هذا أعمى أعيدوه لوالده، فأخذوه وذهبوا به إلى والده، ولا يدرى والده ماذا حدث له. وعندما دخلوا من الباب سمعه والده وعرف صوته وهو في فناء البيت لم يدخل بعد، قال: يا بُني! هل أصاب السهم أم لم يصب؟ قال: إي والله! إني لأدخل عليك أعمى مقاداً، فدخلوا به عليه فتأثر الأب تأثراً عظيماً، وندم أن دعا على ولده بهذه الدعوة، وبقى ليلته تلك في حزن لا يعلمه إلا الله، فقام يتوضأ ويصلي ويدعو الله أن يرد عليه بصره. يقول: ومن حزنه على ولده يتقدم إلى عين ولده وهو نائم فيلحسها بلسانه، ثم يرجع فيصلي ويدعو الله، ثم يرجع مرة أخرى فيلحس عينه بلسانه وهكذا يرددها، يقول: والله! ما طلع الفجر إلا ورد الله عليّ بصري. فهذه دعوة الوالدين. وأنا لا أدعو الوالدين إلى أن يدعوا على أولادهم، وإنما أدعوهم أن يدعوا لأولادهم بالفلاح والسعادة، فإن فلاحهم وسعادتهم قد تدركك ولو بعد موتك، أسأل الله أن يوفقنا وإياكم لصلة الأرحام، وأن يجنبنا وإياكم العقوق، إنه وليّ ذلك والقادر عليه. عبد الله بن عمر يرى طائفاً يطوف بالكعبة وهو يحمل أمه على كتفيه، ويقول: يا بن عمر! أتراني أوفيت أمي حقها؟ والله! إنها لعلى ظهري من كذا إلى الآن. قال: لا والله! ما أوفيتها طلقة من طلقات الولادة. العقوق دَين، وبروا تُبروا. أسأل الله أن يوفقنا وإياكم إلى صلة الأرحام وأن يجنبنا العقوق. وهاهو غادٍ آخر يغدو ليبر والديه ويصل رحمه، فيصله الله ويبره ويوفقه ويسدده ويدخله الجنة بإذنه سبحانه، شعاره: ﴿ليس الواصل بالمكافئ، وإنما الواصل من إذا قطعته رحمه وصلها﴾.

стр. 960

صلة النبي ﷺ لأخته من الرضاع هاهي الشيماء بنت الحارث أخت رسول الله ﷺ من الرضاع؛ أرضعته وإياها حليمة السعدية في بادية بنى سعد، وبعد أربعين سنة من الفراق بين الأخ وأخته، حيث افترقا وهما صغيران، سمعت به أنه انتصر ﷺ وانتصرت دعوته وهو بـ المدينة، فانتقلت من بادية بني سعد في الطائف تقطع الفيافي والقفار والصحاري التي يبيد فيها البيد، ويضيع فيها الذكي والبليد، حتى جاءت إلى المصطفى ﷺ هناك، وبينا هي هناك والنبي ﷺ في وسط جيشه؛ يدبر شئون الأمة ويصرف الجيوش، جاءت إلى أحد الصحابة تستأذنه لتدخل على رسول الله ﷺ ، فقالت: أنا الشيماء بنت الحارث أرضعتني أنا ورسول الله ﷺ حليمة السعدية فاستأذنوه لأدخل عليه، فأخبروا النبي الله ﷺ وكان جالساً في شئون الأمة يصرفها، قالوا: فذرفت عيناه الدموع ﷺ ، تذكر الوشيجة والعلاقة، وتذكر رضعات كانت بينه وبينها قبل أربعين عاماً، قالوا: ذهب إليها يستقبلها ويعانقها عناق الأخ لأخته بعد فراق أربعين عاماً، ويسألها ما حالها: كيف حالك يا شيماء؟ مرحباً بك يا شيماء! يقولون: ويظللها ﷺ من الشمس، ويجلسها في مكانه ليعلم الناس كيف يصلون أرحامهم ﷺ وجلست معه وسألها عن رَبْعِها وعن أهلها وعن أخواتها، وما كان منه ﷺ بعد ذلك إلا أن قال لها: يا شيماء! إن شئت أن تعيشي معي فأختي الحياة حياتي والموت موتي، وإن شئت أن ترجعي لأهلك فذلك لك. قالت: بل أرجع لأهلي، فقام ﷺ فجهزها بقطيع من الإبل، وبأرزاق معها؛ لِيُعَلِّمَ الناس صلة الأرحام لتعود إلى بادية بني سعد. فأين الذين قطعوا عماتهم؟! وأين الذين قطعوا خالاتهم؟! وأين الذين قطعوا أمهاتهم؟! ما حال هؤلاء يوم يقفون بين يدي الله ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٢ - ٢٣]. فأي الغاديين أنت؟ وكل يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها.

стр. 961

شهادة الزور وغاد آخر يغدو ليهلك نفسه، فيشهد شهادة الزور يوم أصبحت شهادة الزور قرضة في بعض القرى، اشهد لي زوراً أشهد لك زوراً. يقترض بعضهم من الآخر النار وبئس القرار. ﴿ما يبرح شاهد الزور مكانه حتى تجب له النار﴾ كما قال ﷺ . أما الآخر: فيغدو فيعتق نفسه فيشهد شهادة الحق فيكون له الأجر، وياله من أجر! الجنة بإذن ربه. فأي الغاديين أنت؟ وكل يغدو فبائع النفس فمعتقها أو موبقها.

стр. 962

الرزق الحرام والآخر يغدو ليهلك نفسه في البحث عن الرزق الحرام، لم يُوفَّق للحلال مطلقاً، فمطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، بيعه حرام، وشراؤه حرام، وماله حرام في حرام، يتغذى بالحرام من أخمص قدميه إلى رأسه. إن تصدق لم يقبل الله منه صدقته، وإن خلف ماله وراء ظهره كان زاداً له إلى النار، يقول النبي ﷺ : ﴿يأتي على الناس زمان لا يُبالي المرء أخذ ماله من حلال أم من حرام﴾، ويقول: ﴿إن الرجل ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل منه أربعين يوما﴾. ومن أعظم الحرام؛ الربا: ﴿الربا بضع وسبعون شعبة، أدناها: مثل أن ينكح الرجل أمه﴾ ﴿درهم ربا أشد من ست وثلاثين زنية﴾. والربا عم ودخل غالب البيوت إلا ما رحم الله، أسأل الله أن يجيرنا وإياكم من الربا، وغُيِّر بغير اسمه، وتناسى الذين تعاملوا به قول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٢٧٨] نسوا قول الله: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٩]. تداوله الذين يُريدون إيباق أنفسهم، والله! لو لم يكن في أكل الحرام إلا أنه لا ترفع لصاحبه دعوة لكفى بذلك زاجراً عنه. وآخر يغدو ليعتق نفسه، فيبحث عن لقمة الحلال، ووالله! إن لقمة الحلال نادرة، لكنها هنيئة مريئة ميسرة؛ فمطعمه حلال، ومشربه حلال، ويغذى بالحلال، ودعوته أحرى أن تُجاب من رب الأرض والسماء. هاهو أبو بكر ﵁ وأرضاه- ما كان يأكل إلا حلالاً؛ وكان أحياناً يسأل إذا شك في الطعام، وجاءه غلامه يوماً من الأيام، فقدَّم له طعاماً فأكل منه لقمتين، فقال الغلام: لم تسألني اليوم يا أبا بكر إن هذا من كهانة كنت قد تكهنتها في الجاهلية، فصادفني صاحبها فأعطاني هذا الطعام، فعلم أنه طعام محرم، فوضع أصبعه في فمه يريد أن يخرجه، كادت روحه أن تخرج وما خرج هذا الطعام، قالوا: يا أبا بكر رحمك الله! تقتل نفسك للقمتين لا تعلم أنها محرمة؟! عفا الله عنك، إن كنت مُريداً إخراجها فاشرب ماء، فشرب ماء ثم أدخل يده مرة أخرى، كادت روحه أن تخرج وخرجت اللقمتين، قالوا: عفا الله عنك. قال: والله! لو لم تخرج إلا وروحي معها لأخرجتها؛ لأني سمعت حبيبي ﷺ يقول: ﴿أيما لحم نبت من سحت فالنار أولى به﴾.

стр. 963

معتقات وموبقات سببها اللسان وهناك غادٍ آخر يغدو ليهلك نفسه؛ فيسلط لسانه على عباد الله؛ يغتابهم ويتهمهم، ناسياً قول الله : ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات:١٢]، وقوله ﷺ : ﴿لما عرج بي مررت على أقوام لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يقعون في أعراض الناس ويأكلون لحومهم﴾. المغتابون الذين همهم فلان وفلان، ونسوا عيوب أنفسهم ولو اشتغلوا بإصلاح أنفسهم لكان أحرى وأولى، يهدي حسناته إلى الناس. الحسن البصري -عليه رحمة الله- سمع أن رجلاً اغتابه، فما كان منه إلا أن فتش في بيته عن هدية له، فما وجد سوى طبق من رُطَب، فأخذه وقال لخادمه: اذهب إليه، وقل له: سمع الحسن أنك أهديت إليه حسناتك فما وجد لك مكافأة إلا طبق التمر ولو عدت لعدنا، والله! لولا أني أخشى أن يُعْصَى الله لتمنيت ألاَّ يبقى أحد في الدنيا إلا اغتابني؛ لأنه يهدي إليّ حسناته وهو لا يشعر. كثير من الناس يُصلون ويعملون الصالحات، وفى جلسة واحدة يمحقون ذاك العمل كله بالوقوع في عرض هذا، والوقوع في عرض هذا، فإياك واللسان: احفظ لسانك أيها الإنسان لا يلدغنك إنه ثعبان احفظ لسانك واحترز من لفظه فالمرء يسلم باللسان ويعطب أما الآخر: فيغدو فيدافع عن أعراض المسلمين، ويرد عنهم في المجالس، وكلامه ذكر الله أو كلام مباح، فيرد الله عن وجهه النار يوم القيامة. فأي الغاديين أنت؟! وكل يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها.

стр. 964

النميمة غاد آخر يغدو ليهلك نفسه بالإفساد بين الناس بالنميمة والوشاية؛ ناسياً قول النبي ﷺ : ﴿لا يدخل الجنة نمام﴾. أما الآخر: فيغدو للإصلاح بين الناس فأجره على الله أكرم الأكرمين سبحانه وبحمده.

стр. 965

الغناء الماجن وذاك يغدو ليهلك نفسه، ويقسي قلبه، بسماع الغناء الماجن الذي حرمه الله -جلَّ وعلا- وقال فيه المصطفى ﷺ : ﴿ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف﴾ فيشتري الغِناء ويشتري الخَنَا والفجور بماله، ثم يدخلها إلى بيته لينشر الرذيلة فيه ليصبح أهل البيت بآذان لا تسمع، وقلوب لا تفقه، وأعين لا تبصر، بهائم في مسلاخ بشر: ﴿ما من راع استرعاه الله رعية فبات غاشاً لهم إلا حرم الله عليه رائحة الجنة﴾. وآخر يغدو لسماع آيات الله تقرع قلبه، فيلين قلبه، وتدمع عينه، ويطيع ربه، ويدِّخر الله له غناء ليس كهذا الغناء الماجن، غناء الحور العين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر، كلمات الأغاني هي الآتية: نحن الخالدات فلا يمتن نحن المقيمات فلا يظعن نحن الراضيات فلا يسخطن نحن الناعمات فلا يبأسن نحن الحور الحسان أزواج قوم كرام طوبى لمن كان لنا وكنا له ثم يرسل الله ريحاً على ذوائب أغصان أشجار الجنة، فتهزها فتحدث منها صفير صوت كل طير في الجنة، لو قضى الله الموت على أهل الجنة طرباً لماتوا طرباً، ولكن خلود ولا موت: قال ابن عباس ويرسل ربنا ريحاً تهز ذوائب الأغصان فتثير أصواتاً تلذ لمسمع الإنسان كالنغمات بالأوزان يا خيبة الآذان لا تتبدلي بلذاذة الأوتار والعيدان خابت أذن استبدلت كلام الله بأغنية، خابت أذن استبدلت ما أعده الله لها من الغناء في الجنة بهذا الغناء الماجن. فأي الغاديين أنت؟ فكل يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها. فيا من غدا لإعتاق نفسه جد واجتهد، واغتنم زمن الصبا، وسل الله الثبات حتى الممات، وأكثر من قول: يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك. ويا من غدا لإهلاك نفسه وإيباقها وأمهله الله؛ عُد إلى الله وتب إليه، بادر في فكاك رقبتك من النار فأنت في زمن الإمكان.

стр. 966

سعة رحمة الله عُد إلى الله تجد الله تواباً رحيماً، إن الله يقول: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١] وهو القائل سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [آل عمران:١٣٥ - ١٣٦]، وهو القائل: ﴿يا بن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالى، يا بن أدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، يا بن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تُشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة﴾. سبحان من يعفو ونهفو دائماً ولا يزل مهما هفا العبد عفا يعطي الذي يُخطي ولا يمنعه جلاله عن العطا لذي الخطا ﴿يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها﴾ ﴿يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً؛ فاستغفروني أغفر لكم﴾. اللهم اغفر لنا، اللهم ارحمنا، اللهم تب علينا، اللهم يا من رحمته وسعت كل شيء ارحمنا برحمتك. الله رحيم، والله كريم، وسبقت رحمته غضبه. ها هو سبيٌ يأتي إلى الرسول ﷺ ، وبين السبي امرأة ضيعت ولدها، تبحث عنه يميناً وشمالاً حتى وجدته، فضمته إلى صدرها ضمة الأم لابنها الذي أضاعته، والرسول ﷺ يراقبها، فيقول لأصحابه: ﴿أترونها طارحة ولدها في النار؟ قالوا: لا والله! وهى تستطيع ألا تطرحه. قال: لله أرحم بعباده من هذه بولدها﴾. فيا من رحمته وسعت كل شيء! ارحمنا برحمتك. هاهو رجل من بنى إسرائيل مُوحِّد لم يشرك بالله شيئاً، ارتكب الموبقات؛ سرق وزنا وغش وارتكب السيئات، وحلت به سكرات الموت، ساعة الموت الذي يُذعن فيها الجبارون، ويذعن فيها المتكبرون، فجمع أبنائه في ساعةٍ لا ينفع فيها مال ولا ولد، وقال لهم: أي أب كنت لكم؟ قالوا: خير أب. قال: فوالله! ما عملت خيراً غير أني موحد لم أشرك بالله ، فإذا أنا مت فأضرموا النار ثم ضعوني فيها حتى أصبح رماداً، ثم اسحقوني، ثم ذروني مع الريح؛ فلأن لقيت الله ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين. ومات الرجل، ونفذوا وصيته، حرقوه وسحقوه وذروه مع الريح، فتفرق على الجبال والسهول والوهاد والأشجار والأحجار، لكن الذي بدأه أول مرة أعاده، قال الله له: كن فكان كما كان. قال: يا عبدي! ما حملك على ما صنعت؟! أما تعلم أني أغفر الذنب وأستر العيب؟! قال: يا رب! خشيتك وخفت ذنوبي. قال: فأشهدكم -يا ملائكتي- أني قد غفرت له وأدخلته الجنة. يا من رحمته وسعت كل شيء! ارحمنا برحمتك.

стр. 967

قصة آبق عاد إلى الله أخيراً هذا نموذج لغادٍ غدا في إيباق نفسه ثم أمهله الله فغدا لإعتاق نفسه، وهي قصة لعل فيها عبرة. رجل عمره ما بين الثلاثين إلى الأربعين، عربد وأفسد، وصدَّ وندَّ عن الله ، يقول عن نفسه: ما كنت أنام ليلةً من الليالي إلا على شربة خمر أو زنا، قال: ويشاء الله وأتزوج بامرأة، فأزداد في عنادي وطغياني، أترك الحلال في البيت، وأذهب أطلب الحرام في خارج البيت، قال: وجئت ليلةً من الليالي بعد أن ولدت لي هذه الزوجة بنتاً وأصبح عمرها خمس سنوات، قال: جئت في ليلة من الليالي فتواعدت مع أصحابي على أن نشرب الخمر في مكان معين، ويشاء الله لي أن أبتعد عن هؤلاء وأتأخر عن الموعد بدقائق، فجئت فإذا هم قد ذهبوا، ذهبت يميناً وذهبت شمالاً أبحث عنهم، ما تركت مكاناً إلا وبحثت عنهم فيه، لا حباً فيهم ولكن كيف أنام ليلةً بلا زنا ولا شرب خمر. لا إله إلا الله! يوم يصد الإنسان ويند عن الله . قال: ثم ذهبت إلى صديق سوء آخر عنده من الأفلام الخليعة ما يستحي إبليس أن ينظر إليها، قال: فذهبت إليه وأخذت منه فيلماً خليعاً، ورجعت إلى بيتي في الساعة الثانية ليلاً. لا إله إلا الله! الساعة هذه في الثلث الأخير من الليل، يتنزل فيها الرب سبحانه وبحمده نزولاً يليق بجلاله، يقول: ﴿هل من داعٍ فأستجيب له؟ هل من مستغفرٍ فأغفر له؟ هل من تائبٍ فأتوب عليه؟﴾ ثلث الأوابين ثلث التوابين. قال: دخلت بيتى -والناس على قسمين ما بين عبد وقف بين يدي الله دموعه تهراق على خده من خشية الله، وما بين أُناسٍ يرضعون المعاصي في تلك اللحظة وأنا واحد منهم- قال: فدخلت فنظرت لزوجتي وابنتي فإذا هما نائمتان، فدخلت في مكان فيه هذا الجهاز الخبيث الذي لطالما دمر كثيراً من البيوت، جهاز الفيديو وما يستتبع هذا الجهاز من أفلام تعلمونها يا أيها الأحبة. يذكر أحد المشايخ في الأسبوع الماضي أنه في مكة وفي بلد الله الحرام ستة عشر فيلماً جنسياً يستحي إبليس أن ينظر إليه، سجلت في وسط مكة وتباع في وسط مكة! أين تقوى الله؟! في حرم الله نبارز الله؟! والله! لنحن عند الله لا نساوي شيئاً، متى ما تركنا أمره يدمرنا ولا يبالي سبحانه وبحمده. قال: وأدخلت هذا الشريط في هذا الجهاز وأغلقت الباب، وقمت أنظر في مناظر -أكرم الله هذه الوجوه عن تلك المناظر- قال: وإذ بالباب يفتح، فدهشت وخفت وذعرت، وإذا بها ابنتي الصغيرة التي عمرها خمس سنوات تدخل عليّ من الباب، تُحدُّ فيّ النظرات وتقول: عيب عليك يا والدي! اتق الله. عيب عليك يا والدي! اتق الله. قال: تجمدت مكاني، وبقيت أُفكر في هذه الكلمات، من علمها وأنطقها إلا رب الأرباب سبحانه وبحمده. قال: بقيت أفتش في نفسي؛ من أين جاءت هذه الكلمات؟ فقلت: لعلَّ أُمها لقنتها هذه الكلمات. قال: وذهبت وإذا بأمها نائمة. قال: فخرجت أهيم على وجهي وأنا أتذكر قولها: عيب عليك يا والدي! اتق الله. قال: وبينما أنا في حيرتي واضطرابي ودهشتي وإذا بهذا المنادي ينادى: الله أكبر الله أكبر! نداء صلاة الفجر الذي حرمه كثير من المحرومين الغافلين. قال: فاتجهت إلى المسجد مباشرة، ودخلت دورات المياه، واغتسلت وتوضأت ودخلت مع المسلمين أُصلي، قال: ويوم سجدت مع الإمام انفجرت في البكاء، لا شعورياً، بدأت أبكي، تذكرت فضائحي، وتذكرت جرائمي، وتذكرت قدومي على الله، آلمتني الكبيرة، ولسعتني الفاحشة، قال: وبعد أن انتهت الصلاة وإذا برجلٍ بجانبي يقول: ما بك؟ قال: سبع سنوات ما سجدت فيها لله سجدة، بأي وجه ألاقي ربي؟ سبع سنوات ما سجدت فيها لله سجدة بأي وجه ألاقي ربى؟ وبقي مكانه يتذكر ما كان منه من صدود ومن هرب عن الله وأين المهرب منه إلا إليه. قال: ويحين وقت الدوام، وأذهب للدوام من المسجد وأدخل إلى دائرتي التي أعمل فيها، وفيها رجل صالح لطالما ذكرني بالله ولا أسمع له، قال: ويوم دخلت عليه، قال: أهلاً بك، والله! إن بوجهك شيئاً غير الوجه الذي أعرفه منك سابقاً، فما الذي حصل؟ قال: كان من أمري كذا وكذا، وأخبره بقصته في تلك الليلة، ثم استأذنه ليذهب وينام، فنزل من عنده وقد أذن له، فنزل إلى المسجد ليصلي في مسجد الإدارة التي يعمل فيها، قال: وجئت لوقت صلاة الظهر -زميله الذي يعمل معه- قال: ويوم دخلت المسجد فإذا به أمامي يصلى، ولما رآني ذرف الدموع واعتنقني، قلت له: لِمَ لم تذهب لبيتك لتنام؟ قال: إن بي شوقاً عظيماً إلى الصلاة، سبع سنوات ما ركعت فيها لله ركعة بأي وجه ألاقي ربى؟ ثم تواعدا على أن يلتقيا في الليل. وذهب إلى بيته وذهب هذا إلى بيته، ويوم دخل على أهله في البيت، وإذ بزوجته تصرخ في وجهه، وتقول: ابنتك ماتت منذ لحظات، فما كان منه إلا أن انهار وبدأ يردد: عيب عليك يا والدي! اتق الله. عيب عليك يا والدي! اتق الله. يرددها ويذكر أنها ذكرته بالله ، فيأتي زميله بعد أن اتصل به وأخبره الخبر، فجاء إليه، وقال: احمد الله الذي أرسل إليك ابنتك قبل أن تموت؛ لتذكرك بالله ولم يرسل لك ملك الموت ليقبض روحك. ثم غسلوها وكفنوها وصلوا عليها، ثم ذهبوا بها إلى المقبرة، ويوم وصلوا إلى المقبرة قال زميله: خذ ابنتك وضعها في لحدها، يريد أن يربيه ليعلم أن المصير إلى هذا المكان. فأخذ ابنته بين يديه، دموعه تسيل على كفنها: وليس الذي يجري من العين ماؤها ولكنها روحٌ تسيل فتقطر فأدخلها في لحدها، وقال كلاماً أبكى جميع من حضر الدفن، قال: أنا -والله- ما أدفن ابنتي، ولكني أدفن النور الذي أراني النور. هذه البنت أرتني نور الهداية بعد طول ضلالة وغواية، فأسأل الله أن يجمعه بها في جنات ونهر. فيا أيها الحبيب! عُد إلى الله، وأعتق نفسك من النار، إذا رأيت صدوداً وقسوة في قلبك فتذكر ليلةً من الليالي وأنت بين أهلك سعيداً، وتذكر ليلة من الليالي وأنت على فراشك الوثير، ثم تذكر الأخرى وأنت تفترش التراب: تالله لو عاش الفتى في دهره ألفاً من الأعوام مالك أمره مُتلذذاً فيها بكل لذيذة مُتنعما فيها بنعمى عصره ما كان ذلك كله في أن يفي بمبيت أول ليلة في قبره يا من يرى مد البعوض جناحها في ظلمة الليل البهيم الأَلْيَلِ ويرى نياط عروقها في نحرها والمخ في تلك العظام النُحَّلِ اغفر لعبدٍ تاب من زلاته ما كان منه في الزمان الأول اللهم اهدنا واهد بنا ويسر الهدى لنا. اللهم إنا نشهدك بهذه الساعة المباركة أنا تبنا إليك وأنبنا ربنا إليك. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

стр. 968

عمر بن الخطاب ﵁ لفضيلة الشيخ / علي عبد الخالق القرني بسم الله الرحمن الرحيم (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تسائلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا) (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما) أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. عباد الله إن هذا الدين لما نزل وعلمه النبي ﷺ للناس وَرَبَّى عليه من رَبَّى من الناس أخرج لنا أفذاذا ورجالا عرفهم التاريخ وتكلم عنهم الناس مسلمهم وكافرهم خلف هذا الدين رجالا حملوا لواءه وحكموه في العالمين وصاروا قدوات ومنارات يهتدي بها من بعدهم وإن من الحق؛ من حق هؤلاء علينا أن نعرف سيرهم ونبلو أخبارهم أولا: لنعرف عظمة هذا الدين الذي أخرج لنا هؤلاء الرجال

стр. 969

وثانيا: لأننا نقتدي بسلفنا ونقتدي بأئمتنا وهؤلاء الأئمة الأعلام هؤلاء منارات يهتدي بها في دجى الظلمات ونعلم أيضا بأن هذه النماذج يمكن أن تتكرر بدرجات أقل ولا شك إذا ما وجدت البيئه الإسلامية والتربية التي تثقل النفوس وتهذبها فتغرس العقيدة وتثقل النفوس وتخلقها بأخلاق النبوة ولا شك أن شخصية [عمر بن الخطاب] ﵁ شخصية مثالية من الشخصيات العظيمة التي مرت في تاريخنا الغني الذي غفل عنه الكثيرون وإن استرجاع سير مثل هذه الشخصية يذكر الغافلين منا الذين خدعهم الغرب والشرق بسير عظماء عندهم لو نظر الناظر لعرف أن واحدهم لا يخلو من انتهازية أو فسق وشرب خمر ونساء أو ظلم وبغي وجور ويبقى أعلام الإسلام لا يوجد لهم مثيل إن عمر ﵁ كان في الجاهلية يعبد الأصنام وكان يئد بنته ويفعل الأفاعيل وظلم الناس وظلم المسلمين حتى قال [سعيد بن زيد] لقد رأيتني وإن عمر لموثقي وأخته على الإسلام ولكنه أسلم وشاء الله أن ينتقل عمر من ضلال الجاهلية إلى نور الإسلام فتغيرت الشخصية وانقلبت تمام الانقلاب وكان لذلك بادرة وما سيأتي من الأحاديث الصحيحة والحسنة في سيرة هذا الرجل تدل على جوانب من عظمته لقد كان المسلمون يستبعدون إسلام عمر حتى قالت [أم عبد الله بنت أبي حفنة] والله إنه لنترحل إلى أرض الحبشة أقبل عمر حتى وقف عليّ وهو على شركه قالت وكنا نلقى منه البلاء أذى لنا وشرا علينا فقالت فقال عمر لما رآهم يتأهبون للجلاء عن <مكة> إنه الانطلاق يا أم عبد الله قالت قلت نعم والله لنخرجن في أرض الله آذيتمونا وقهرتمونا حتى يجعل الله لنا مخرجا قالت فقال صحبكم الله ورأيت له رقة لم أكن أراها ثم انصرف وقد أحزنه فيما أرى خروجنا قالت فجاء [عامر] وهو مسلم من حاجاتنا تلك التي ذهب بها فقلت له يا أبا عبد الله لو رأيت عمر آنفا ورقته وحزنه علينا

стр. 970

قال أطمعت في إسلامه قالت قلت نعم قال لا يسلم الذي رأيت حتى يسلم حمار الخطاب هل يسلم الحمار قالها يأسا لما كان يرى من غلظته وقسوته على الإسلام ولكن ولكن الله أيها الأخوة إذا أراد أن يهدي هدى ولو كان الرجل أقسى الناس قلبا وأبعدهم عن الله وهذا درس للدعاة إلى الله أن لا ييأسوا من الناس ولو كان من يرون أمامهم من أغلظ الناس قلبا لكن الله إذا أموراد بعبد خيرا هيأه له ووفقه له ويسر الأسباب إليه وهكذا حقا فلما أسلم عمر ونطق بالشهادتين كان إسلامه فتحا ولم يكن إسلامه سرا بل إنه قد جاء في الحديث الحسن أنه لما أسلم قال أي قريش أنقل للحديث قيل له [جميل بن معمر الجمحى] قال فغدى عليه عمر قال [عبد الله] وغدوت أتبع أثره أنظر ما يفعل وأنا غلام أعقل كل ما رأيت حتى جاءه فقال أما علمت يا جميل أني قد أسلمت ودخلت في دين محمد ﷺ قال فوالله ما راجعه حتى قام يجر رجليه واتبعه عمر واتبعته أنا حتى إذا قام على باب المسجد -جميل المشرك الإذاعة-وقف على باب المسجد صرخ بأعلى صوته يا معشر قريش وهم في أنديتهم حول الكعبة ألا إن عمر قد صبأ قال يقول عمر من خلفه كذبت ولكن قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله.

стр. 971

فأعلنها صراحة أمامهم هذه العزة التي دخلت قلبه فأورثته هذه الصراحة وهذه الجرأة على الكفرة إعلان المبادئ قال وساروا إليه فما برح يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس على رؤوسهم قال وقد تعب وأرهق فقعد وقاموا على رأسه وهو يقول افعلوا ما بدا لكم فأحلف أن لو كنا ثلاث مائة رجل لقد تركناها لكم أو تركتموها لنا قال فبينما هم على ذلك إذ أقبل شيخ من قريش وهو [العاص بن وائل] فصرفهم عنه وإلا كانوا قتلوه لما أسلم عمر أعز الله به المسلمين وأذل الله به المشركين وطاف المسلمون حول الكعبة لما أسلم عمر علانية جماعة لما أسلم عمر فأعز الله به الدين أراد الله بعمر خيرا ففقهه في دينه وعلمه وهو العليم حتى قال النبي ﷺ في علم عمر وفقهه وفضله أحاديث جمعها العلماء فمن ذلك أربعة ساقها [الزهري] في نسق واحد قد وردت في سياقات صحيحة قال: قال رسول الله ﷺ "رأيت لعمر أربعة رؤيا رأيت كأني أوتيت بإناء فيه لبن فشربته حتى رأيت الري يخرج من أناملي ثم ناولت فضلي ما بقي في الإناء عمر قالوا يا رسول الله فما أولتها قال العلم ورأيت كأن أمتي عليهم القمص إلي الثدي وإلى الركب وإلى الكعب كل بحسب علمه وإيمانه ومر عمر يسحب قميصا سابغا من طوله قالوا يا رسول الله ما أولت ذلك قال الدين قال ودخلت الجنة فرأيت فيها قصرا أو دارا فقلت لمن هذا قالوا لرجل من قريش فرجوت أن أكون أنا هو فقيل لعمر بن الخطاب فأردت أن أدخل فذكرت غيرتك يا أبا حفص فبكى عمر وقال يا رسول الله أويغار عليك ورأيت كأني وردت بئرا فورده [ابن أبي قحافة] فنزع ذنوبا أو ذنوبين ونزعه فيه ضعف والله يغفر له ثم وردها عمر فاستحالت الدلو في يده غربا فاستقى فأروى الظمأة وضرب الناس بعطن فلم أرى أحدا من الناس أو قال عبقريا يفري فريه"

стр. 972

قال العلماء هذا تأويل خلافة الشيخين فإن [أبا بكر] استخلف سنة أو سنتين فكانت خلافته قصيرة وكان منشغلا عن الفتوحات بحروب الردة فلما جاء عمر صارت خلافته أطول ففتح الله في عهده من الفتوحات وأدخل الله من الناس في عهده في الإسلام ما لا يحصى من الخلق كثرة فنشر العدل في تلكم البلاد بعد أن أسس [الصديق] قاعدتها فأعاد القاعدة وأبلى بلاء حسنا فمهد الطريق لعمر فجاء عمر فولى الولاة وفتح الفتوحات وأتى للمسلمين بالخير من عند الله وقال النبي ﵊ إن الله جعل الحق على قلب عمر ولسانه هذا الهادي المهدي الذي علمه الله وهداه وبالعلم يهتدي الإنسان للحق والصواب فلابد من الاعتناء بالعلم والبحث عنه يا أيها المسلمون وإن فى اكتساب العلم هدى وإن العلم يهدي صاحبه في الظلمات ويكشف له عندما يحتار ويوقظه من المحرمات ويجنبه الشبهات هذا العلم فتعلموا هذا الدين يهديكم به الله فلما جعل الله الحق على لسان عمر وقلبه وافق ربه في آيات نزلت من القرآن على ما قال عمر كما قال فيما ثبت في الصحيحين وافقت ربي في ثلاث قلت يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى نصلي وراءه نصلي عنده فنزلت (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) وقلت يا رسول الله يدخل على نسائك البر والفاجر فلو أمرتهن أن يحتجبن فنزلت آية الحجاب واجتمع نساء النبي ﷺ في الغيرة حصل منهن كلام اشتدت وطأته على النبي ﷺ فقلت يقول عمر فقلت وهو يعظ أمهات المؤمنين وينذرهن فقلت عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن فنزلت كذلك تأملوا يا عباد الله آية تنزل على كلام عمر يلهم الله عمر أن يقول كلاما فتنزل الآية بألفاظ عمر تنزل الآية بألفاظ عمر وتصبح قرأنا يتلى إلى يوم القيامة

стр. 973

وافق عمر ربه في أمور أخرى كذلك كما ورد في أسارى بدر وهكذا كان عمر ﵁ مهيبا هيبة تفتقدها كثير من شخصيات المسلمين اليوم نزع الله منهم الهيبة فلا يهابون ونزع الله من قلوبهم خوفه فصاروا يخافون من الناس كان عمر شخصية رفيعة يهابه الناس فيرتعدون منه ومن ذلك ما حصل لما استأذن على رسول الله ﷺ وعنده جواري قد علت أصواتهن على صوته فأذن له ﵊ فبادرن الحجاب فبادرن الحجاب هربن فذهبن فدخل عمر ورسول الله ﷺ يضحك "فقال أضحك الله سنك يا رسول الله بأبي أنت وأمي ما الخبر علام تضحك قال عجبت لجوارٍ كنّ عندي فلما سمعن حسك بادرن فذهبن فأقبل عمر عليهن من وراء حجاب فقال أي عدوات أنفسهن والله لرسول الله ﷺ كنتن أحق أن تهبن منه فقال رسول الله ﷺ دعهن دعهن عنك يا عمر فوالله إن لقيك الشيطان في فج قط إلا اخذ فجا غير فجك "هذا الرجل المهيب هذا الرجل العظيم الشديد في دين الله كما قال النبي ﵊ عن أصحابه "أرأف أمتي بأمتي أبو بكر وأشدهم بأمر الله عمر" هذا الرجل الشديد المهيب لما تولى الخلافة ظهرت المعاني التي كانت مخبوءة في نفسه معاني الشفقة والعطف والإحسان والرحمة في الإسلام؛ والرحمة لقد كان رحيما في عهد النبي ﵊ لكن لما ولي الخلافة ظهرت رحمته أكثر هذا الرجل الذي جمع في شخصيته بين الهيبة والرحمة بين الشدة في دين الله والرقة حتى كان يبكي عندما يتلو القرآن ويمرض من قراءة الكتاب العزيز أحيانا فيعاد من مرضه الذي حصل بسبب تأثره بالقرآن ليست الهيبة يا أيها الناس أن يكون الإنسان صلبا فظا غليظ القلب ليست الهيبة أن يكون متعجرفا قاسيا وإنما الهيبة في مكانها محمودة هذا الرجل الذي شهد التاريخ بفضله، ورحمته برعيته هذه هي القيادة المثلى التي خلفها النبي ﷺ بعده من أصحابه أمثلة عندما يرى الإنسان حاله ويرى المسلمون واقعهم يشتاقون لخلافة مثل خلافة عمر ويتوقون لقيادة مثل قيادة عمر الذي كان يخرج ليتفقد رعيته

стр. 974

قال [أسلم] خرجت مع عمر بن الخطاب ﵁ إلى السوق فلحقت عمر امرأة فقالت يا أمير المؤمنين هلك زوجي وترك صبية صغار والله ما يمزجون قراعا ولا لهم ذرع وضرع وخشيت أن تأكلهم الضبع وأنا بنت [خفاف ابن إيماء الغفاري] هذا الصحابي الجليل وقد شهد أبي الحديبية مع النبي ﷺ فوقف معها عمر ولم يمض ثم قال مرحبا بنسب قريب ثم انصرف إلى بعير ظهير كان مربوطا في الدار فحمل عليه جرارتين ملأهما طعاما وحمل بينهما نفقة وثيابا ثم ناولها بخطامه؛ البعير وما عليه ثم قال اقتاديه فلن يفنى حتى يأتيكما الله بخير فقال رجل يا أمير المؤمنين أكثرت لها قال عمر ثكلتك أمك والله إني لأرى أبا هذه وأخاها قد حاصرا حصنا زمانا فافتتحاه ثم أصبحنا نستفيء سهمانهما فيه لا ينسى لأصحاب الفضل فضلهم هذه امرأة أبوها وأخوها من كبار المجاهدين بسبب قتالهم غنم المسلمون وأكلوا هذا الرجل هو الذي كان يخرج في الليل يعس على رعيته قال [أسلم] خرجنا مع عمر بن الخطاب إلى <حرة واقم> وهي الحرة الشرقية <للمدينة> حتى إذا كنا بسرار مرتفع من الأرض إذا نار فقال يا أسلم إني لأرى ها هنا ركب قصر بهم الليل والبرد انطلق بنا فخرجنا نهرول حتى دنونا منهم فإذا بامرأة معها صبيان صغار وقدر منصوبة علىنار وصبيانها يتضاغون يصيحون ويبكون فقال عمر السلام عليكم يا أصحاب الضوء وكره أن يقول يا أصحاب النار هم يوقدون نارا وعمر ينظر إلى القدر قال السلام عليكم يا أهل الضوء فقالت وعليك السلام فقال أدنو .. ؟ فقالت أدن بخير أو دع؛ فدنى فقال ماذا بكم قالت قصر بنا الليل والبرد قال فماذا لهؤلاء الصبية يتضاغون قالت الجوع قال فأي شيء في هذه القدر قالت ماء أسكتهم به حتى يناموا والله بيننا وبين عمر تقول المرأة والله بيننا وبين عمر فقال أي رحمك الله وما يدري عمر بكم المرأة تقول الله بيننا وبين عمر نحن في الصحراء وحدنا لا نجد طعاما عمر يقول وهي لا تدري من هو

стр. 975

يقول لها أي رحمك الله وما يدري عمر بكم وأنتم في هذه البقعة النائية قالت يتولى عمر أمرنا ثم يغفل عنا قال فأقبل عليّ فقال انطلق بنا فخرجنا نهرول حتى أتينا دار الدقيق دار اتخذها عمر خاصة لتخزين الدقيق فأخرج عدلا من دقيق وكبة من شحم فقال احمله عليّ فقلت أنا أحمله عنك قال أنت تحمل عني وزري يوم القيامة لا أم لك فحملته عليه الخليفة يحمل على ظهره أمام الناس يمشي بين الناس على ظهره من المدينة إلى الحرة الشرقية إلى المكان النائي الذي فيه المرأة ويهرول من أجل الأولاد فانطلق وانطلقت معه إليهم إليها نهرول فألقى ذلك عندها وأخرج من الدقيق شيئا فجعل يقول لها دري عليّ وأنا أحرك لك وجعل ينفخ تحت القدر الخليفة منبطح على الأرض صدره في التراب ينفخ على الحطب حتى يشتعل ثم أنزلها فقال أبغينى شيئا أسكب فيه فأتته بصحفة فأفرغها فيه ثم جعل يقول لها أطعميهم وأنا أصفح لهم فلم يزل حتى شبعوا وترك عندها فضل ذلك بقية الكيس وقام وقمت معه فجعلت تقول جزاك الله خيرا كنت أولى بهذا الأمر من أمير المؤمنين أنت أولى بالخلافة من أمير المؤمنين فيقول قولي خيرا إذا جئت أمير المؤمنين وحدثيني هناك إن شاء الله ثم تنحى ناحية عنها فابتعد ثم استقبلها ينظر إلى مكانها من بعيد فضرب ضربة فقلنا له إن لنا شأنا غير هذا ولا يكلمنى يقول لابد أن تكون الوقفة لهدف وعمر لا يتكلم حتى رأى الصبية يصطرعون ثم ناموا وهدئوا فقال يا أسلم إن الجوع أسهرهم وأبكاهم فأحببت أن لا أنصرف حتى أرى ما أحب هذا عمر هذا عمر في الرعية هذا عمر في تفقده للمساكين وعقده هذا عمر ورحمته وإشفاقه بالرغم مما عنده من الشدة في دين الله والهيبة التي كان يهابه بها الأقرباء والبعداء اللهم ارحم عمر واغفر له وأعلي شأنه وارفع درجته في المهديين اللهم إنا نسألك أن تجعلنا ممن يحب نبيك محمدا ﷺ وأصحابه وممن يقتدي بنبيك ﷺ وأصحابه واغفر لنا أجمعين وتب علينا يا أرحم الرحمين أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 976

الخطبة الثانية الحمد لله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له لم يتخذ صاحبة ولا ولدا لقد كانت وفاة عمر فاجعة فجع بها القريب والبعيد كان عمر هو الباب الذي يدرء عن المسلمين الفتن فلما كسر الباب باغتيال عمر دخلت الفتن على المسلمين من كل جانب عن [عود بن مالك الأشجعي] أنه قال رأيت في المنام كأن الناس قد جمعوا فكأني برجل قد صرعهم فوقهم بثلاثة أذرع أطول من الجميع قال قلت من هذا قالوا عمر بن الخطاب قال؛ قلت: لما؟ قال: إنه لا تلومه في الله لومة لائم وإنه خليفة مستخلف وشهيد مستشهد قال فأتيت أبا بكر فقصصتها عليه قال فأرسل إلى عمر يبشره فقال لي اقصص رؤياك فلما بلغت إلى خليفة قال زجرني عمر ونهرني قال تقول هذا وأبو بكر حي قال فسكت فلما ولي عمر كان بعد في الشام مررت به وهو على المنبر فدعاني فقال لي اقصص رؤياك قال فلما بلغت لا يخاف في الله لومة لائم قال إني لأرجو أن يجعلني الله منهم وأما خليفة مستخلف فقد والله استخلفني فأسأله أن يعينني على ما ولاني قال فلما بلغت وشهيد مستشهد قال وأنّى الشهادة وأنا في جزيرة العرب وحولي يغزون ويغزون ثم قال عمر مستدركا يأتي الله بها أنّى شاء يأتي الله بها أنى شاء ورأى عمر في منامه أن ديكا نقره ثلاث نقرات، وفعلا حصل نقاش بين عمر وكان لا يدخل الأعاجم إلى جزيرة العرب والفرس فدخل بعضهم متسترين بالإسلام وكان من سياسة عمر أن لا يدخلهم دخلوا فأقاموا فكان منهم الحاقد الفارسي المجوسي [أبو لؤلؤة] الذي قال لعمر متوعدا لأصنعن لك رحى يتحدث بها الناس فقال عمر توعدني العبد وبعد أيام اختبأ له وراء باب المسجد في الظلام في صلاة الفجر فلما سجد عمر قفز عليه فطعنه في كتفه وخاصرته فقال عمر قتلني الكلب ثم صمت ثم سمع الناس قراءة [ابن عوف]

стр. 977

وصار العلج في الناس في صفوف المصلين ينحر يمينا وشمالا فقتل فيها ستة من الصحابة وحمل عمر مطعونا وجعلوا يشربونه اللبن فيخرج من الجرح فعلموا أن الأمر قد انتهى أوصى عمر ووعظ الناس وذكرهم بالله وانتقل إلى الرفيق الأعلى في قصة مشهودة عظيمة جدا أخرجها الإمام البخاري في صحيحه كانت وفاة عمر شديدة الوطأة على القريب والبعيد قال [ابن المسيب بن رافع] سار إلينا [عبد الله بن مسعود] سبعا من المدينة سبعة أيام إلينا في مكانه فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إن غلام المغيرة [أبا لؤلؤة] قتل أمير المؤمنين عمر قال فضج الناس وصاحوا واشتد بكاؤهم هذا الخليفة الذي كان يرعاهم فيسوسهم بأمر الله قال ثم قال ابن مسعود إنا اجتمعنا أصحاب محمد ﷺ أصحاب محمد ﷺ فأمرنا علينا [عثمان بن عفان] فأخبرهم الخبر والنتيجة. قال عبد الله بن مسعود لقد أحببت عمر حبا حتى لقد خفت الله من شدة حب عمر خفت الله ولو أني أعلم أن كلبا يحبه عمر لأحببته ولوددت أني كنت خادما لعمر حتى أموت ولقد وجد فقده كل شيء حتى العضاة -شجرة الشوك- إن إسلامه كان فتحا وإن هجرته كانت نصرا وإن سلطانه كان رحمة ذلكم عمر ومناقبه كثيرة جدا وهذا شيء قليل منها والمقصود أيها الأخوة أن لهؤلاء حق علينا في معرفة سيرهم وإن هؤلاء من أراد فليقتد بهم وإن في تذكر هؤلاء سبب لحنين المسلم إلى أيام الخلافة ورغبته في عدل كعدل عمر وقد طبق الأرض اليوم الظلم والجور فنسأل الله أن يعيد للإسلام عزه وأن يقيم الخلافة في أرجاء الأرض اللهم ردنا إلى الإسلام ردا جميلا اللهم اجعلنا ممن أقاموا الشريعة وعملوا بها اللهم اجعل بلدنا هذا آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين في تحكيم شرعك يا رب العالمين اللهم ارفع الظلم عن المظلومين اللهم انصر من نصر الدين واخذل من خذل الدين.