Полный текст (977 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
من آثار الإيمان: العزة
ومن آثار الإيمان على حياة الناس: أنه يُكسب العزة التي تجعل الإنسان يمشي نحو هدفه مرفوع القامة والهامة، لا يحني رأسه لمخلوق، ولا يطأطئ رقبته لجبروت أو طغيان أو مال أو جاه، فهو سيد في الكون هذا وعبد لله وحده.
لا غرو إذا رأينا مؤمناً أعرابياً مثل ربعي بن عامر حين باشرت قلبه بشاشة الإيمان، وأضاءت فكره آيات القرآن، يقف أمام رستم في سلطانه وإيوانه غير مكترث له ولا عابئ به، حتى إذا سأله رستم: من أنتم وما الذي جاء بكم؟
زعق في الإيوان وأجاب إجابة في عزة مؤمنة خلدها التاريخ فقال: [[نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلي سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام]].
عزة وأي عزة! إنها لا توجد إلاّ في ظلال الإيمان.
أمَّة الصحراء يا شعب الخلود من سواكم حل أغلال الورى
أي داعٍ قبلكم في ذا الوجود صاح لا كسرى هنا لا قيصرا
من سواكم في قديم أو حديث أطلع القرآن صبحاً للرشاد
هاتفاً في مسمع الكون العظيم ليس غير الله رباً للعباد
فكِّروا في عصركم وانتبهوا طالما كنتم جَمَالاً للعُصُر
وابعثوا الصحراء عزماً وابعثوا مرة أخرى بها روح عمر
هاهو آخر قد آمن بالله حقاً، فأكسبه ذلك الإيمان عزة، جعل يتكلم في هشام بن عبد الملك الخليفة كلاماً غليظاً جافياً، فأمر هشام بإحضاره، فلما وقف بين يديه جعل يتكلم، فقال هشام له: وتتكلم أيضاً في مجلسي؟! فقال: يقول الله جل وعلا: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا﴾ [النحل:١١١] أفنجادل الله جدالاً ولا نكلمك يا هشام؟!
فما كان من هشام إلا أن قال: قل ما شئت، ثم انصرف راشداً، فقال ما شاء وانصرف راشداً بعزة المؤمن: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٨].
إن العزّة أثر إيماني يُظهر صاحبه الحق، لا يخشى دون الله أحداً، ليس هذا فحسب، وهاكم مثلاً آخر.
ذلكم الشيخ سعيد الحلبي عالم الشام في عصره، كان في درس من دروسه ماداً رجله في مسجد من مساجد الشام، فدخل إبراهيم باشا ابن محمد علي باشا والي مصر آنذاك، فقام الناس كلهم إلاّ هذا الشيخ، وبقي مادّاً رجله في حلقته يلقي قال الله وقال رسوله ﷺ ، فتأثر ذلك الطاغية، وأثَّر ذلك في نفسه إذ لم يقم له هذا الشيخ، فقال في نفسه: لآتينه من باب لطالما أُتي طلبة العلم من هذا الباب.
فذهب وأضمر له ما أضمر، وأحضر ألف ليرة ذهبية -في وقت الشيخ قد لا يجد فيه ليرة واحدة- وقال لأحد جنوده: اذهب إلى الشيخ وأعطه هذه، فأخذ هذا الجندي ذلك المبلغ، وذهب به إلى الشيخ ولا زال مادّاً رجله في حلقته يدرس قال الله وقال رسوله ﷺ ، ويكتسب العزة من خلال قال الله وقال رسوله.
فجاء إليه وقال: إن إبراهيم باشا يقول: خذ هذه الألف الليرة الذهبية.
فما كان منه إلا أن نظر إليه بعزة المؤمن، وتبسم تبسم المغضب، وقال: ردها له، وقل له: إن الذي يمد رجليه لا يمد يديه.
أنا أقول: ربما يكون الشيخ في تلك اللحظة لا يملك ليرة ذهبية واحدة، لكن كنز الإيمان أعظم وأغلى من أن يباع بألف ليرة أو بليرة أو بأقل أو بأكثر، وهكذا يكون المؤمنون: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٨].
وإن نسيت -أيها الأحبة- فلا أنسى سيداً ﵀ وتجاوز عني وعنه، الذي اعتزَّ بإيمانه، فصدع بكلمة الحق بلا استحياء ولا خجل، فحكم عليه بالقتل.
وطلبوا منه أن يقدم استرحاماً حتى يخفف عنه الحكم، ولكنه أبى ﵀ وقال قولته الشهيرة: إن كنت حوكمت بحق فأنا أرضى بالحق، وإن كنت حوكمت بباطل فأنا أكبر من أن أسترحم الباطل، إن إصبعي السبابة التي تشهد لله بالوحدانية مرات في اليوم لترفض أن تكتب كلمة واحدة تقر بها حكم طاغية.
ماذا كان سيفعل سيد لولا الإيمان؟ يا للعزة! ويا للثبات! ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٨].
стр. 912
من آثار الإيمان: سعة الرزق وانشراح القلب وتوكله
ومن آثار الإيمان: سعة الرزق لأهل الإيمان والبركة فيه.
المؤمن -أيها الأحبة- لا يذهب منه ريال في شراء ما يغضب الله جلا وعلا، لا يذهب منه ريال في شراء دخان، وما في حكم الدخان من الخبائث، ولا يذهب منه ريال في شراء فيلم مفسد أو مجلة أو جريدة مفسدة؛ لأنه يعلم أنه مسئول أمام الله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، فيصون رزقه عن الربا، وعن الغش، وعن الحِيَل، وعن المكر والخداع، ويجند رزقه فيما يرضي الله جل وعلا، فيرزقه الله ويبارك الله له: ﴿وَمَن يَتَّقِِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣].
ومن آثار الإيمان: صدق التوكل على الله، وتفويض الأمور إلى الله جل وعلا، والاعتماد عليه في السعي في هذه الحياة، واستمداد العون منه في الشدة والرخاء؛ فالمؤمنون يجدون في توكلهم على الله راحة نفسية، وطمأنينة قلبية، إن أصابهم خير حمدوا الله جل وعلا وشكروه، وإن أصابتهم شدة صبروا وشكروا، ولسان حالهم ومقالهم: ﴿قُل لَّن يُّصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾ [التوبة:٥١ - ٥٢].
هاهو خالد بن الوليد المؤمن الحق بإذن الله يُقَدَّم له في يوم من الأيام سم من قِبَل طاغية من الطغاة، ويقول له هذا الكافر: إن كنتم صادقين في التوكل على الله جل وعلا واللجوء إليه، والثقة به، فاشرب هذه القارورة من السم.
فما كان من خالد ﵁ إلا أن أخذها وقال: [[باسم الله، توكلت على الله، ثقة بالله ]] ثم شربه، فلم يصبه إلا العافية: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٣] نعم أجر العاملين: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل:٤٢].
ومن آثار الإيمان: انشراح الصدر، وطمأنينة القلب: ﴿أَفَمَن شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ من رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللهِ﴾ [الزمر:٢٢]، المؤمن منشرح الصدر، مطمئن القلب، قد آمن بالله ربَّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً، فذاق حلاوة الإيمان، فانشرح صدره.
هاهو أحد المؤمنين يقول -وقد انشرح صدره للإيمان فتلذذ بهذه العبادات التي هي من الإيمان-: والله لولا قيام الليل ما أحببت البقاء في هذه الدنيا، ووالله إن أهل الليل في ليلهم مع الله ألذ من أهل اللهو في لهوهم، والله إنه لتمر بالقلب ساعات يرقص فيها طرباً بذكر الله حتى أقول: إن كان أهل الجنة في مثل ما أنا فيه إنهم لفي نعيم عظيم.
تلذذوا بالإيمان، وذاقوا حلاوة الإيمان فانشرحت صدورهم.
والآخر يقول: والله لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من السعادة لجالدونا عليها بالسيوف.
والعكس بالعكس؛ من نقص إيمانه كانت حياته ضنكاً، وكان صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصَّعد في السماء، وصدق الله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤].
стр. 913
من آثار الإيمان على الحياة بعمومها
ومن آثار الإيمان على الحياة بعمومها: نجاة سفينة الأمة، ووصولها لبر الأمان نتيجة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو من الإيمان، بل هو عماد من أعمدة الإيمان.
فالحياة كلها سفينة تمخر عباب البحر، لا تكاد تسكن حتى تضطرب، ولن يكتب الله السلامة لها فوق الموج المضطرب حتى يكون كل شخص منها على حذر مما يفعل، ويقظة لما يريد.
والمجتمع كالسفينة يركب ظهرها البَرُّ والفاجر، والمتيقظ والغافل، وطالب العلم والجاهل، هذا يصلح وذاك يحرق ويفسد، والمؤمن بإيمانه هو الصالح المصلح، يجاهد بأمره ونهيه وإصلاحه، فإن تحطمت السفينة بعد ذلك فشتان بين غريق وغريق؛ غريق في جهنم، وغريق في الجنة شهيد بإذنه ربه.
ومن آثار الإيمان: حفظ الجوارح، وتذليلها لطاعة الله، وانقيادها لأوامر الله.
حفظ القلب من الشهوات والشبهات، وحفظ اللسان من الغيبة والنميمة والوقوع في أعراض المسلمين والإفساد، وحفظ السمع إلا من كتاب الله، وذكر الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وما أباحه الله، وحفظ البصر من إطلاقه فيما حرَّم الله؛ ليجد بعد ذلك حلاوة إيمانه إلى أن يلقى الله، وحفظ البطن فلا يدخله إلا ما أحله الله، والله طيب لا يقبل إلا طيباً، فالمؤمن بإيمانه يحفظ جوارحه، والله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين.
ومن آثار الإيمان على الحياة: آثاره على المجالس، حيث يجعلها رياضاً من رياض الجنة، ملائكة تحفُّ، ورحمة تتنزل، وسكينة تغشى، ورب رحيم كريم يقول: انصرفوا مغفوراً لكم، قد بدلت سيئاتكم حسنات، فيا لله ما أعظمها من مجالس! وما أعظم جالسيها ومرتاديها، جعلنا الله وإياكم من أهلها!
стр. 914
الإيمان واللحظة الأخيرة
ومن آثاره على الحياة: آثاره في تلك اللحظة الأخيرة، في تلك اللحظة الحاسمة، في لحظة الموت العصيبة المريرة التي لا يثبت فيها إلا المؤمنون، يوم يعتقل اللسان، ولو لم يعتقل لصاح الميت من شدة ما يلاقي من السكرات حتى تندك جدران الغرفة التي هو فيها، يوم يخدر الجسم، ولو لم يخدر لما مات أحد على فراشه، ولما مات إلا في شعب الجبال ورءوسها؛ من شدة ما يلاقي من السكرات.
اللحظة التي صورها من عاناها بأبي هو وأمي ﷺ يوم يغمى عليه ويصحو، ويقول: ﴿لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات﴾، لحظة عاناها رسول الله ﷺ ، وعاناها صحابة رسول الله ﷺ ووصفها أحدهم وهو عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه فقال وهو في اللحظات الأولى من لحظات السكرات، ولا زال لسانه لم يعتقل، ولا زال جسمه لم يخدر: [[والله لكأن على كتفي جبل رضوى، وكأن في جوفي شوكة عوسج، وكأن روحي تخرج من ثقب إبرة، وكأن السماء أطبقت على الأرض وأنا بينهما]].
في هذه اللحظات المريرة العصيبة يأتي أثر الإيمان واليقين، فيلهمك الله النطق بالشهادتين: ﴿من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلاّ الله دخل الجنة﴾.
في تلك اللحظات يأتي المؤمنون فيسعدون بتلك اللحظات؛ لأنهم يعلمون أنها آخر عناء وتعب، وآخر نَصَب ووصب، ليس هذا فحسب، بل تستقبلهم الملائكة، بل تبشرهم الملائكة، فلا خوف ولا حزن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت:٣٠ - ٣١].
هاهو عمر بن عبد العزيز عليه رحمة الله في سكرات الموت يقول: مرحباً بالوجوه ليست بوجوه جن ولا إنس، ثم يطلب ممن حوله أن يخرجوا، وإذا به يقول: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣] ليلقى الله على ذلك.
وأحدهم بلغت به سكرات الموت مبلغاً فيقولون له: قل: لا إله إلا الله -وهو من الصالحين ولا يزكى على الله- فكان يقول: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس:٦ - ٢٧] ليلقى الله على تلك الحال: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يشاء﴾ [إبراهيم:٢٧].
ومؤذن لطالما رفع الأذان من على المنائر كل يوم خمس مرات يختمها بلا إله إلا الله، وهو في منطقة الجنوب، وفي تلك اللحظات الأخيرة من حياته يغمى عليه إغماءة مستمرة، فما كان يفيق إلا في وقت الصلاة، فإذا جاء وقت الصلاة قام وأذن حتى يقول: لا إله إلا الله، ثم يعود إلى إغمائه، وفي مرة من المرات، يفيق من إغمائه ويقول: يا بني -وابنه معه- أحان وقت الصلاة؟ قال: نعم، فقال: الله أكبر، الله أكبر حتى ختمها بلا إله إلا الله، ليلقى الله على تلك الحال: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآَخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧].
وفي المقابل تجد الذين لا إيمان لهم في تلك اللحظات، الذين لم ينضبط سلوكهم قد ضيق الله عليهم، وعسَّر أمورهم، وأوغر صدورهم، ثم لا يُلْهمون الشهادة ليختموا بها حياتهم، فيا لها من سوء خاتمة!
هاهو شاب في سكرات الموت، يقولون له: قل: لا إله إلا الله -ولطالما دنَّس فمه بشرب الدخان- فيقول: أعطوني دخاناً، فيقولون: قل: لا إله إلا الله، فيقول: أعطوني دخاناً، أعطوني دخاناً، فيقولون: قل: لا إله إلا الله عله أن يختم لك بها، قال: أنا بريء منها، أعطوني دخاناً، ليلقى الله على تلك الحال، نسأل الله حسن الخاتمة.
وشاب أخر -كما ذكر الشيخ سلمان -: كان صادّاً نادّاً عن الله جل وعلا، وحلَّت به سكرات الموت التي لابد أن تحل بي وبك، لا أدري أقريب أم بعيد؟ ونسأل الله أن يحسن لنا ولكم الختام، جاء جلاسه وقالوا: قل: لا إله إلا الله، فيتكلم بكل كلمة ولا يقول لا إله إلا الله، ثم يقول في الأخير: أعطوني مصحفاً، ففرحوا واستبشروا وقالوا: لعله يقرأ آية من كتاب الله، فَيُختم له بها، فأخذ المصحف ورفعه بيده، وقال: أشهدكم أني قد كفرت برب هذا المصحف، ثم يلقى الله على ذلك، نسأل الله أن يحسن لنا ولكم الختام: ﴿وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧].
стр. 915
من آثار الإيمان بعد الموت
ومن آثار الإيمان: السكينة والثبات في القبر يوم تطرح وحيداً فريداً لا أنيس ولا صاحب ولا قريب ولا حبيب ولا خليل، يوم تكون مع أهلك في ليلة تفترش الوثير، وتشرب النمير، وإذ بك في ليلة أخرى تفترش التراب مرتهناً بعملك، فيا لذلك ويا لحسرتك إن كنت محسناً تريد الزيادة، وتعض أصابع الندم على ما فرطت، وإن كنت مسيئاً ندمت على التفريط، وأنَّى لك بالندم أن ينفعك في تلك اللحظة؟
وأنت على هذه الحال -يا أيها المؤمن- تأتيك نعمة الإيمان فيثبتك الله ويلهمك الإجابة على الأسئلة الثلاثة: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ ثم بعدها يُفتح لك باب إلى الجنة؛ لتنعم من رَوحِها وطيبها، جعلنا الله وإياكم من سكانها.
أحد الشباب يأتيني في يوم جمعة ويقول: يا شيخ! رأيت أخي الذي مات قبل فترة في المنام، وأحببت أن أذكِّرك بهذا لتذكِّر الناس بمثل هذه الرؤيا، قال: فقلت لأخي لما رأيته في المنام: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي ورحمني فله الحمد والمنَّة أولاً وآخراً، وظاهراً وباطناً، قلت: فبم توصينا؟ قال: أوصيكم بتقوى الله، وألا تناموا ليلة من الليالي إلا وقد تعبت أقدامكم من الوقوف بين يدي الله، واحمرَّت أعينكم بكاءً من خشية الله؛ فو الله ما نفعنا هنا بعد رحمة الله إلا تلك الأعمال.
وتأتي آثار الإيمان يوم القيامة، يوم يبعثر ما في القبور، ويُحصَّل ما في الصدور، يوم تبيض وجوه وتسودُّ وجوه: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً﴾ [آل عمران:٣٠] ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهُ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ منْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧] يوم يسأل كل إنسان عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به، يوم يجمع الله الخلائق وأنت منهم، علويّهم والسفلي، أولهم والآخر، ذكرهم والأنثى، حفاة عراة، قلقين فزعين، قد دنت الشمس منهم قدر ميل، قد بلغ العرق منهم الحناجر، ثم يقول الله: ﴿يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك، فيقول الله: أخرج بعث النار من ذريتك، قال: يا رب! وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون﴾.
يومها يشيب الصغير، وتذهل كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد، عندها تجد المؤمنين تحت ظل الرحمن يوم لا ظل إلا ظله، آمنين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، اللهم اجعلنا منهم يا رب العالمين!
ثم تظهر آثار الإيمان عند الميزان: يوم تعرض السجلات سجلاً سِجلاً، وصفحة صفحة، وكلمة كلمة، ولحظة لحظة، ويوماً يوماً لا تغادر صغيرة ولا كبيرة، يوم ينادى على رءوس الخلائق لقد سعد فلان ابن فلان سعادة لا يشقى بعدها أبداً.
وتظهر آثار الإيمان يوم يعبر على الصراط والناس يتساقطون في النار تساقط الفراش على الشهاب.
وتظهر آثار الإيمان يوم يقول الله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ [الزخرف:٧٠] فإلى ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر: ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُم من قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧].
فيا بائعاً هذا ببخس معجل كأنك لا تدري بلى سوف تعلمُ
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظمُ
هذه بعض آثار الإيمان على الحياة، هي غيض من فيض، وقطر من بحر، فإن كنت تريد الآخرة فالطريق الإيمان، وإن كنت تريد الدنيا فالطريق الإيمان، وإن كنت تريد الله والدار الآخرة والدنيا معاً فالطريق الإيمان.
عار أيما عار -يا عبد الله- أن تعيش عشرين عاماً أو خمسين أو أقل أو أكثر بلا إيمان، ثم تستقبل الآخرة بلا بطاقة لا إله إلا الله، ولا جواز: ﴿ادْخلُوُا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ [الزخرف:٧٠]
فيا ساهياً في غمرة الجهل والهوى صريع الأماني عن قليل ستندم
أَفِقْ قد دنا الموت الذي ليس بعده سوى جنة أو حر نار تَضَّرم
وتشهد أعضاء المسيء بما جنى كذاك على فِيهِ المهيمن يختم
فحيَّ على جنات عدن فإنها منازلنا الأولى وفيها المخيَّم
وحيَّ على روضاتها وخيامها وحيَّ على عيشٍ بها ليس يُسْأَم
اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى، وباسمك الأعظم الذي إذا دُعيت به أجبت، وإذا سُئلت به أعطيت، أن ترزقنا إيماناً نجد حلاوته، وقلوباً خاشعة، وألسنة ذاكرة، وأعيناً من خشيتك مدرارة.
اللهم حبِّب إلينا الإيمان وزيِّنه في قلوبنا، وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين.
اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهوِّن به علينا مصائب الدنيا.
اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يُعَزُّ فيه أهل طاعتك، ويُذلُّ فيه أهل معصيتك، ويُؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء!
اللهم انفعنا بما قلنا، اللهم انفعنا بما سمعنا، اللهم واجعله حجَّة لنا، اللَّهم احفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا وعن أيماننا وعن شمائلنا ومن فوقنا ونعوذ بك اللهم أن نغتال من تحتنا.
اللهم أنت ملاذنا، اللهم أنت ملجؤنا، اللهم أنت حسبنا فلا تَكِلْنا إلى أنفسنا طرفة عين، أنت حسبنا ونعم الوكيل.
اللهم كما جمعتني بأحبتي في هذه الروضة في هذه الليلة على ذكرك، فاجمعني بهم إخواناً على سُرُرٍ متقابلين.
هذه محاضرتي عليكم ألقيت، فلعلها موقظة الوسنان.
لم آتِ فيها من جديد مُحْدَثٍ غير اختيار اللفظ يا إخواني
فإذا أسأت فذاك من كسبي وإن أحسنت ذا فضل من المنان
وأهدي صلاتي والسلام جميعه لأحب خلق الله بالأكوان
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت.
وأعتذر كذلك عن الإجابة على الأسئلة، ولعل فيما ذُكِر خير، وأسأل الله أن ينفعنا وإياكم بالقليل، وأن يبارك لنا فيه، وأن يجمعنا بكم مرات ومرات ومرات، ثم يجمعنا في دار:
قصورها ذهب والمسك طينتها والزعفران حشيش نابت فيها
стр. 916
الرقابة لمن
إن رقابة المخلوقين تسقط وتزول، وتبقى رقابة الله الكاملة المطلقة، وإن العلم البشري قاصر ولا يكمل إلاَّ علم العليم الخبير؛ وهذا يستلزم مراقبة الله ظاهراً وباطناً.
وإن شهادة الله تعالى والنبي ﷺ والملائكة والكتب والأرض والخلق والجوارح على العبد يوم القيامة لمما يدعو إلى المبادرة بالأعمال الصالحات قبل حلول الآجال وبقاء الحسرات.
стр. 917
التقرب إلى الله بالأعمال قبل فوات الأوان
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، شهادة عبده وابن عبده، وابن أمته، ومن لا غنى له طرفة عين عن رحمته.
وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعينًا عميًا، وآذانًا صمًّا، وقلوبًا غُلْفًا، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليمًا كثيرًا.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد:
عباد الله! أوصيكم ونفسي بتقوى الله -جلَّ وعلا- وأن نُقِّدم لأنفسنا أعمالاً تُبيض وجوهنا يوم نلقى الله: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩] ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً﴾ [آل عمران:٣٠] ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾ [النحل:١١١] ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢].
يوم يُبَعثر ما في القبور، ويُحَصَّل ما في الصدور؛ يوم ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً﴾ [النساء:٤٢] ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً﴾ [الفرقان:٢٧ - ٢٨] يوم الحاقة يوم الطَّامة يوم القارعة يوم الزلزلة يوم الصاخة ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧].
стр. 918
رقابة الله الكاملة ورقابة البشر الناقصة
ثم اعلموا -يا عباد الله- أن رقابة البشر على البشر قاصرة؛ بل رقابة المخلوقات على بعضها قاصرة، فالبشر يغفل ويسهو وينام، ويمرض، ويسافر، ويموت.
إذًا فلتسقط رقابة المخلوقين، ولتسقط رقابة الكائنات جميعها، وتبقى الرقابة الكاملة؛ والرقابة المطلقة، ألا وهي: رقابة الله -جلَّ وعلا-.
باري البرايا مُنشئ الخلائق مبدعهم بلا مثال سابق
حيٌ وقيوم فلا ينام وجلَّ أن يشبههُ الأنام
فإنه العلي في دنّوه وإنه القريب جلَّ في علوه
стр. 919
علم الله المطلق
لا إله إلا الله! علم البشر علم قاصر ضعيف قليل؛ فما وراء هذه الجدران نجهل منه الكثير ولا نعلمه؛ بل لا نعلم أنفسنا التي بين جنبينا، لكن الله يعلم ذلك، ويعلم ما هو أعلى من ذلك، فما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض، ولا رطب، ولا يابس إلا في كتاب مبين، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، يعلم ما تُسِرهُ الآن في سريرتك، ومَن بجوارك لا يعلم ذلك؛ يعلم ما ينطوي عليه قلبك بعد مائة عام، وأنت لا تعلم ما ينطوي عليه قلبك بعد دقائق أو ساعات.
إنه العلم الكامل المطلق، علم الله السميع العليم الخبير ﴿يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ [النحل:١٩]، ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩] يعلم ويسمع ويرى دبيب النملة السوداء على الصخرة السوداء، في الليلة الظلماء، لا إله إلا هو!
هو الذي يرى دبيب الذَّر في الظلمات فوق صمِّ الصَّخر
وسامع للجهر والإخفات بسمعه الواسع للأصوات
وعلمه بما بدا وما خفي أحاط علمًا بالجليِّ والخفي
﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [المجادلة:٧].
стр. 920
مؤامرة تحت جدار الكعبة
رجلان من قريش يجلسان في جوف الليل تحت جدار الكعبة قد هدأت الجفون، ونامت العيون.
أرخى الليل سدوله، واختلط ظلامه، وغارت نجومه، وشاع سكونه، قاما يتذاكران، ويخططان، ويدبران، وظنا أن الحي القيوم لا يعلم كثيرًا مما يعملون، استخفوا من الناس ولم يستخفوا من الله الذي يعلم ما يبيتون مما لا يرضى من القول، تذاكرا مُصَابِهم في بدر؛ فقال صفوان وهو أحدهم: والله ما في العيش بعد قتلى بدر خير، فقال عمير: صدقت، والله! لولا دَينٌ عليّ ليس له قضاء وعيال أخشى عليهم الضيعة لركبت إلى محمد حتى أقتله -صلى الله على نبينا محمد-
اغتنم صفوان ذلك الانفعال وذلك التأثر، وقال: عليَّ دَيْنُك، وعيالك عيالي لا يسعني شيء ويعجز عنهم، قال عمير: فاكتم شأني وشأنك -لا يعلم بذلك أحد- قال صفوان: أفعل.
فقام عمير وشحذ سيفه، وسمَّه، وانطلق به يغذ السير إلى المدينة ووصل إلى هناك، وعمر بن الخطاب ﵁ في نفر من المسلمين، أناخ عمير على باب مسجد رسول الله ﷺ متوشحًا سيفه، فقال عمر -وهو يعرفه-: عدو الله! والله ما جاء إلا لشر.
ودخل عمر على رسول الله ﷺ وأخبره بخبره، فقال النبي ﷺ : أدخله عليّ، فأخذ عمر بحمائل سيفه فلببه بها -جعلها له كالقلادة- ثم دخل به على النبي ﷺ فلما رآه النبي ﷺ قال لـ عمر: أرسله يا عمر، ثم قال: ما جاء بك يا عمير؟ وكان له ابن أسير عند رسول الله ﷺ ، قال: جئت لهذا الأسير فأحسنوا به.
قال ﷺ : فما بال السيف في عنقك؟ قال: قبَّحها الله من سيوف! وهل أغنت عنا شيئًا؟
فقال ﷺ وقد جاءه الوحي بما يضمره عمير -: اصدقني يا عمير! ما الذي جاء بك؟ قال: ما جئت إلا لذاك.
فقال ﷺ : بل قعدت مع صفوان في الحجر في ليلة كذا، وقلت له كذا، وقال لك كذا، وتعهد لك بدَينك وعيالك، والله حائل بيني وبينك.
قال عمير: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله ﷺ ، هذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، والله إني لأعلم أنه ما أتاك به الآن إلا الله، فالحمد لله الذي ساقني هذا المساق، والحمد لله الذي هداني للإسلام.
جاء ليقتل النور، ويطفئ النور، فرجع وهو شعلة نور، اقتبسه من صاحب النور ﷺ .
عباد الله! سمعتم المؤامرة تحاك تحت جدار الكعبة في ظلمة الليل لا يعلم بها أحد حتى رسول الله ﷺ ؛ لأنه لا يعلم الغيب، حُبكت المؤامرة سرًا، من الذي أعلنها؟ من الذي سمعهما وهما يخططان، ويدبران، ويمكران عند باب الكعبة؟ إنه الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء!
كم تآمر المتآمرون في ظلام الليل؟!
كم من عدو للإسلام جلس يٌخطط لضرب الإسلام وحده أو مع غيره سرًا؟! ويظن أنه يتصرف كما يشاء؛ متناسيًا أن الذي لا يخفى عليه شيء يسمع ما يقولون، ويبطل كيدهم فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين.
стр. 921
أيها العبد المؤمن! لا تحزن
يا أيها العبد المؤمن: إذا لقيت عنتًا ومشقة، وسخرية واستهزاء، فلا تحزن ولا تأس، إن الله يعلم ما يقال لك قبل أن يقال لك، وإليه يرد كل شيء، لا إله إلا هو.
يا أيها المؤمن: إذا جُعلت الأصابع في الآذان، واستُغشيت الثياب، وزاد الإصرار والاستكبار، وكثر الطعن، وضاقت نفسك، فلا تأس ولا تحزن؛ إن الله يعلم ويسمع ما تقول، وما يقال لك: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير﴾ [الشورى:١١] ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩].
يا أيها الشاب الذي وضع قدمه على أول طريق الهداية فسمع رجلاً يسخر منه، وآخر يهزأ به، وثالثًا يقاطعه؛ اثبت ولا تأس، واعلم علم يقين أنك بين يدي الله، يسمع ما تقول، ويسمع ما يُقال لك، وسيجزي كل امرئ بما فعل ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ [سبأ:٣].
стр. 922
أيها العاصي! تذكر رقابة الله
يا مرتكب المعاصي مختفيًا عن أعين الخلق: أين الله؟! أين الله؟!
ما أنت -والله- إلا أحد رجلين؛ إن كنت ظننت أن الله لا يراك فقد كفرت، وإن كنت تعلم أنه يراك فكيف تجترئ عليه، وتجعله أهون الناظرين إليك ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء:١٠٨].
يدخل بعض الناس غابة ملتفة أشجارها لا تكاد ترى الشمس معها، ثم يقول: لو عملت المعصية -الآن- من يراني؟ فيسمع هاتفًا بصوت يملأ الغابة ويقول: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] بلى والله!
يا منتهكًا حرمات الله في الظلمات في الخلوات في الفلوات، بعيدًا عن أعين المخلوقات: أين الله؟!
هل سألت نفسك هذا
السؤال
في الصحيح من حديث ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿لأعلمن أقوامًا من أمتي يوم القيامة يأتون بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاء، يجعلها الله هباءً منثورًا، قال ثوبان: صِفْهُم لنا؟! جلِّهم لنا؟! ألاَّ نكون منهم يا رسول الله؟ قال: أما إنهم إخوانكم، ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، لكنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها﴾.
إلى من يملأ عينه وأذنه ويضيع وقته، حتى في ثلث الليل الآخر، يملأ ذلك بمعاصي الله؛ أين الله؟!
فقد روى الثقات عن خير الملا بأنه وعلا
في ثلث الليل الأخير ينزل يقول هل من تائب فيُقْبِل
هل من مسيء طالب للمغفرة يجد كريمًا قابلاً للمعذرة
يمنُّ بالخيرات والفضائل ويستر العيب ويعطي السائل
فنسأله من فضله.
إن الله لا يخفي عليه شيء، فهلا اتقيته يا عبد الله!
стр. 923
صور من المراقبة
يعسُّ عمر ﵁ ليلة من الليالي، ويتتبع أحوال الأمة، وتعب واتكأ على جدار، فإذا بامرأة تقول لابنتها: امذقي اللبن بالماء ليكثر عند البيع، فقالت البنت: إن عمر أمر مناديه أن ينادي: ألا يشاب اللبن بالماء، فقالت الأم: يا ابنتي قومي إنكِ بموضع لا يراكِ فيه عمر ولا مناديه، فقالت البنت المستشعرة لرقابة الله: يا أماه! أين الله؟ والله ما كنت لأطيعه في الملا وأعصيه في الخلا.
ويمر عمر مرة أخرى بامرأة أخرى تغيب عنها زوجها منذ شهور في الجهاد في سبيل الله قد تغيبت في ظلمات ثلاث: في ظلمة الغربة والبعد عن زوجها، وفي ظلمة الليل، وفي ظلمة قعر بيتها، وإذا بها تنشد وتقول وتحكي مأساتها:
تطاول هذا الليل وازورَّ جانبه وأرَّقني ألا حبيب ألاعبه
فو الله لولا الله لا رب غيره لحُرِّك من هذا السرير جوانبه
من الذي راقبته في ظلام الليل، وفي بُعْد عن زوجها، وفي هدأة العيون؛ والله ما راقبت إلا الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
أنْعِم بها من مراقبة، وأنْعِم بها من امرأة!
وأعرابية أخرى يراودها رجل على نفسها -كما أورد ابن رجب - ثم قال لها: لا يرانا أحد إلا الكواكب.
فقالت: وأين مكوكبها يا رجل؟! حالها: أين الله يا رجل؟ أتستخفي من الناس ولا تستخفي من الله وهو معك، إذ تبيت ما لا يرضى من القول!
стр. 924
ثمرة المراقبة قصة وعبرة
أخيرًا! اسمع لهذا الحدث ولم يقع في هذا الزمن، وإنما وقع في زمن مضى؛ لتعرف ثمرة مراقبة الله واستشعار ذلك الأمر.
رجل اسمه نوح بن مريم كان ذا نعمة ومال وثراء وجاه، وفوق ذلك صاحب دين وخلق، وكان له ابنة ذات منصب وجمال، وفوق ذلك صاحبة دين وخلق، وكان معه عبد اسمه مبارك لا يملك من الدنيا قليلاً ولا كثيرًا، ولكنه يملك الدين والخلق -ومن ملكهما فقد ملك كل شيء- أرسله سيده إلى بساتين له، وقال له: اذهب إلى تلك البساتين، واحفظ ثمرها، وقم على خدمتها إلى أن آتيك، فمضى الرجل، وبقي في البساتين لمدة شهرين، وجاءه سيده، ليستجم في بساتينه؛ وليستريح في تلك البساتين.
جلس تحت شجرة وقال: يا مبارك! ائتني بقطف من عنب، فجاءه بقطف، فإذا هو حامض، فقال: ائتني بقطف آخر إن هذا حامض، فأتاه بآخر فإذا هو حامض، فقال: ائتني بآخر إن هذا حامض، فجاءه بالثالث فإذا هو حامض، وكاد أن يستولي عليه الغضب، وقال: يا مبارك! أطلب منك قطف عنب قد نضج، وتأتيني بقطف لم ينضج، ألا تعرف حلوه من حامضه؟ قال: والله! ما أرسلتني لآكله، وإنما أرسلتني لأحفظه، وأقوم على خدمته، والذي لا إله إلا هو! ما ذقت منه عنبة واحدة، والذي لا إله إلا هو! ما راقبتك ولا راقبت أحدًا من الكائنات، ولكني راقبت الذي لا يخفى عليه شئ في الأرض ولا في السَّماء.
فأعجب به، وأُعْجِب بورعه، وقال: الآن أستشيرك -والمؤمنون نصحة، والمنافقون غششة، والمستشار مؤتمن- تقدم لابنتي فلان وفلان من أصحاب الثراء والمال والجاه، فمن ترى أن أزوج هذه البنت؟
فقال مبارك: لقد كان أهل الجاهلية يزوجون للأصل والحسب والنسب، واليهود يزوجون للمال، والنصارى للجمال، وعلى عهد رسول الله ﷺ يزوجون للدين والخلق، وعلى عهدنا هذا للمال والجاه، والمرء مع من أحب، ومن تشبَّه بقوم فهو منهم.
أي نصيحة وأي مشورة! نظر وقدَّر وفكَّر، وتملى ونظر فما وجد خيرًا من مبارك، قال: أنت حرُ لوجه الله، فأعتقه أولاً، ثم قال: لقد قلبت النظر، ورأيت أنك خير من يتزوج بهذه البنت، قال: اعرض عليها، فذهب فعرض على البنت، وقال لها: إني قلبت ونظرت وحصل كذا وكذا، ورأيت أن تتزوجي بـ مبارك، قالت: أترضاه لي؟ قال: نعم.
قالت: فإني أرضاه مراقبة للذي لا يخفي عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
فكان الزواج المبارك من مبارك، فما الثمرة وما النتيجة؟ حملت هذه المرأة وولدت طفلاً أسمياه عبد الله، لعل الكل يعرف هذا الرجل، إنه عبد الله بن المبارك المحدث الزاهد العابد الذي ما من إنسان قلَّب صفحة من كتب التاريخ إلا ووجده حيًا بسيرته وذِكْره الطيب، إن ذلك ثمرة مراقبة الله في كل شيء.
стр. 925
مراقبة الله ظاهراً وباطناً
أما والله لو راقبنا الله حق المراقبة؛ لصلحت الحال واستقامت الأمور.
فيا أيها المؤمن: إن عين الله تلاحقك أينما ذهبت، وفي أي مكان حللت؛ في ظلام الليل وراء الجدران وراء الحيطان في الخلوات في الفلوات، ولو كنت في داخل صخور صم.
هل علمت ذلك واستشعرت ذلك فاتقيت الله ظاهرًا وباطنًا، فكان ظاهرك خيرًا من باطنك، بل باطنك خيرًا من ظاهرك؟
إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل عليّ رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما تخفيه عنه يغيب
عباد الله: اتقوا الله فيما تقولون، واتقوا الله فيما تفعلون وتذرون، واتقوا الله في جوارحكم، واتقوا الله في مطعمكم ومشربكم، فلا تدخلوا أجوافكم إلا حلالاً؛ فإن أجوافكم تصبر على الجوع، لكنها لا تصبر على النار، اتقوا الله في ألسنتكم، واتقوا الله في بيوتكم، وأبنائكم، وخَدَمِكم، وأنفسكم، وليلكم ونهاركم، واتقوا الله حيثما كنتم: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٨١].
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 926
الشهود يوم القيامة
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
стр. 927
شهادة الله تعالى
عباد الله: اعلموا علم يقين أن الله هو الرقيب، وأنه الحسيب، وأنه لا ملجأ منه إلا إليه، ولا مهرب منه إلا إليه، فهو الشهيد وكفى به شهيداً، ومن حكمته سبحانه وبحمده أن جعل علينا شهوداً آخرين لإقامة الحجة حتى لا يكون للناس حجة، وتعدد الشهود علينا وكفى بالله شهيداً.
стр. 928
شهادة النبي ﷺ
ومن هؤلاء الشهود رسول الله ﷺ ، يقول الله : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة:١٤٣] ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً * يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً﴾ [النساء:٤١ - ٤٢] فرسول الله ﷺ سيشهد على الأمم، وعلى هذه الأمة.
стр. 929
شهادة الملائكة
والملائكة -أيضًا- سيشهدون، وكفى بالله شهيدًا، قال الله : ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار:١٠ - ١٢].
ويقول جلَّ وعلا: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٧ - ١٨].
فالملائكة أيضًا ستشهد.
стр. 930
شهادة الكتاب والسجلات
والكتاب سيشهد، والسجلات ستفتح بين يدي الله فترى الصغير والكبير، والنقير والقطمير، تنظر في صفحة اليوم الثامن من هذا الشهر، فإذا هي لا تٌغادر صغيرة ولا كبيرة ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٩] ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ [الإسراء:١٣ - ١٤].
стр. 931
شهادة الأرض
والأرض التي ذللها الله لنا ستشهد بما عُمل على ظهرها من خير أو شر: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الأرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة:١ - ٤] ستحدث بما عمل على ظهرها من خير أو شر؛ بل إن هذه الأرض تحمل عاطفة؛ فإذا مات المؤمن بكاه موضع سجوده، وبكاه ممشاه إلى الصلاة، وبكاه مصعد عمله إلى السماء.
وأما الذين أجرموا وكفروا ونافقوا فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين.
стр. 932
شهادة الخلق
والخلق -أيضًا- سيشهدون، وكفى بالله شهيدًا.
لطالما تفكه الإنسان بين هؤلاء الخلق بالوقوع في أعراض المسلمين، وبذكر ما ستره الله عليه؛ وما علم أن الخلق يشهدون.
في الصحيح: ﴿أن جنازةً مرت على رسول الله ﷺ وهو في نفر من أصحابه، فيثني عليها الناس خيرًا، فيقول ﷺ : وجبت.
وتمر أخرى فيثني عليها الناس سوءًا، فيقول ﷺ : وجبت.
فيتساءل الصحابة، فيقول ﷺ : أثنيتم على الأولى بخير فوجبت لها الجنة، وعلى الثانية بسوء فوجبت لها النار، أنتم شهداء الله في أرضه، أنتم شهداء الله في أرضه﴾.
стр. 933
شهادة الجوارح
وسيشهد ما هو أقرب من هذا؛ ستشهد الجوارح، فأيدٍ تشهد، وأرجل تشهد، وألسن تشهد، وجوارح تشهد: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس:٦٥] ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت:١٩ - ٢٤].
стр. 934
وقفة محاسبة
فاتقوا الله يا عباد الله! واجعلوا هؤلاء الشهود جميعهم لكم لا عليكم، وبادروا أنفسكم وأعماركم بالأعمال الصالحات قبل حلول الآجال وبقاء الحسرات:
أيا من يدَّعي الفهم إلى كم يا أخا الوهم
تعبي الذنب بالذنب وتخطئ الخطأ الجم
أما بان لك العيب أما أنذرك الشيب
وما في نصحه ريب ولا سمعك قد صم
أما نادى بك الموت أما أسمعك الصوت
أما تخشى من الفوت فتحطاط وتهتم
فكم تسدر في السهو وتختال من الزهو
وتنصب إلى اللهو كأن الموت ما عم
وحتى ما تجافيك وإبطاؤك لافيك
طباع جمعت فيك عيوب شملها انضم
أتسعى في هوى النفس وتحتال على الفلس
وتنسى ظلمة الرَّمس ولا تذكر ما تم
ستذري الدم لا الدمع إذا عاينت لا جمع
يقي في عرصة الجمع ولا خال ولا عم
كأني بك تنحط إلى اللحد وتنغط
وقد أسلمك الرهط إلى أضيق من سم
هناك الجسم ممدود ليستأكله الدود
إلى أن ينخر العود ويمسي العظم قد رم
فبادر أيها الغمر لما يحلو به المر
فقد كاد يهي العمر وما أقلعت عن ذم
وزود نفسك الخير ودع ما يعقب الضير
وهيئ مركب السير وخفف لجَّة اليمَّ
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
اللهم يا من لا تراه العيون، ولا تخالطه الظنون!
يا من دبَّر الدهور، وقدَّر الأمور، وعلم هواجس الصدور!
يا من عليه يتوكل المتوكلون! أَقِلْ العثرة، واغفر الزلة، وجُدْ بحلمك على من لم يرجُ غيرك ولا قصد سواك.
اللهم هب لنا فرجًا قريبًا، وصبرًا جميلاً، وكن لنا ولا تكن علينا، وامكر لنا ولا تمكر بنا، وتولَّ أمرنا، لا إله إلا أنت.
أنت حسبنا.
اللهم لا تجعل بيننا وبينك في رزقنا أحدًا سواك، اللهم اجعلنا أغنى خلقك بك، وأفقر عبادك إليك، وهب لنا غنىً لا يطغينا، وصحةً لا تلهينا، واغننا اللهم عمن أغنيته عنا.
اللهم أصلح من في صلاحه صلاح للإسلام والمسلمين، وأهلك من في هلاكه صلاح للإسلام والمسلمين.
اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله بنفسه، واجعل تدبيره تدميره، يا حي يا قيوم، يا قوى يا عزيز.
اللهم خلقت أنفسنا وأنت تتوفاها، فزكها أنت خير من زكَّاها، أنت وليها ومولاها، لك مماتها ومحياها.
اللهم إنا عبيدك، بنو عبيدك، بنو إمائك، في حاجة إلى رحمتك، وأنت غني عن عذابنا، اللهم فجازنا بالإحسان إحسانًا، وبالإساءة عفوًا وغفرانًا، اللهم آنس وحشتنا في القبور، وآمن فزعنا يوم البعث والنشور، واغفر لنا ولجميع موتى المسلمين يا أرحم الراحمين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 935
أي الغادين أنت
إن كل إنسان في هذه الدنيا لابد له من طريق يسلكه إما إلى خير وإما إلى شر، فعلى المسلم أن ينظر أي الغادين هو، فإن كان من الغادين إلى الخير والصلاح فليحمد الله، وأما إن كان غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، وعليه أن يتوب قبل أن يحال بينه وبينها.
стр. 936
النهاية الكبرى
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وأسأل الله الذي جمعنا وإياكم في هذا المسجد أن يجمعنا وإياكم في هذه الحياة على الإيمان، ثم يجمعنا بكم أخرى سرمدية أبدية في جناتٍ ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
أيها الإخوة في الله! أوصيكم ونفسي بتقوى الله ، وأن نقدم لأنفسنا أعمالاً صالحة تُبيَّض وجوهنا يوم نلقى الله : ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران:١٠٦ - ١٠٧].
الأمر جد وهو غير مزاح فاعمل لنفسك صالحاً يا صاح
كيف البقاء مع اختلاف طبائع وكرور ليل دائم وصباح
تجري بنا الدنيا على خطر كما تجري عليه سفينة الملاح
تجري بنا في لج بحر ما له من ساحل أبداً ولا ضحضاح
فاقضوا مآربكم عُجالى إنما أعماركم سفراً من الأسفار
وتراكضوا خيل الشباب وحاذروا أن تُسترد فإنهن عوار
стр. 937
شدة خوف الصحابة الكرام من الموت
في الصحيح عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أَطَّت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وفيه ملك ساجد أو راكع، والله لو تعلمون ما أعلم؛ لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، ولما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله﴾ وفي رواية المنذري ﴿ولحثوتم على رءوسكم التراب﴾ يوم روى هذا الحديث أبو ذر ﵁ بكى وأبكى، وقال [[وددت -والله- أني شجرة تعضد]] ويقول عبد الله بن عمرو بن العاص: [[والله لو تعلمون حق العلم ما تلذذتم بلذيذة، ولقام أحدكم بين يدي ربه حتى ينكسر صلبه، ولصاح حتى ينقطع صوته]] فلا إله إلا الله!
الموت آت والنفوس نفائس والمستغر بما لديه الأحمق
الموت باب وكل الناس سيدخلون من هذا الباب وما من باب إلا وبعده دار.
لا دار للمرء بعد الموت يسكنها إلا التي كان قبل الموت يبنيها
فإن بناها بخير طاب مسكنه وإن بناها بشرٍ خاب بانيها
الموت باب وكل الناس داخله يا ليت شعري بعد الموت ما الدار
الدار دار نعيم إن عملت بما يُرضي الإله وإن فرطت فالنار
стр. 938
الموت صرخات وزفرات
فلا إله إلا الله كتب الموت على كل شيء واختص نفسه سبحانه بالبقاء ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧].
في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿إذا وضعت الجنازة واحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدموني قدموني! وإن كانت غير ذلك قالت -بصرخات تقض المضاجع-: يا ويلها أين تذهبون بها، لما ترى من العذاب، فيسمع صوتها كل شيء إلا الثقلين الإنس والجن﴾ وتفزع البهائم فزعاً يلاحظه من يتابع سير البهائم بلا سبب، فلعل ذلك مما تسمعه ولا نسمعه نحن من صرخات المفرطين التي تقض المضاجع.
أما والله لو حملنا جنازةً من الجنائز ثم سمعنا تلك الصرخات -يا ويلها أين تذهبون بها- لصعقنا، ولما تدافنا، ولما حملنا جنازة أبداً، ولقد خشي هذا رسول الله ﷺ علينا كما في الصحيح يوم يقول: ﴿والله لولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع﴾ وها هو ﷺ كما في المسند من حديث البراء يرى أُناساً مجتمعين فيسأل عن سبب اجتماعهم؟ فقيل: على قبرٍ يحفرونه، على ذاك المصير الذي لابُدَّ لكل واحد منا أن يسكنه؛ كبر أم صغر، عزَّ أم ذل، فذهب رسول الله ﷺ فزعاً مسرعاً حتى انتهى إلى القبر، فجثى على ركبتيه ثم بكى طويلاً، ثم رفع رأسه، فإذا دموعه تتحدر على لحيته قائلاً: ﴿أي إخواني! لمثل هذا فأعدوا﴾.
إلى كم ذا التراخي والتمادي وحادي الموت بالأرواح حادي
فلو كُنَّا جماداً لاتعظنا ولكنا أشد من الجماد
تُنادينا المنية كل وقت وما نصغي إلى قول المنادي
وأنفاس النفوس إلى انتقاصٍ ولكن الذنوب إلى ازدياد
إذا ما الزرع قارنه اصفرار فليس دواؤه غير الحصاد
كأنك بالمشيب وقد تبدَّى وبالأخرى مُناديها يُنادي
وقالوا قد قضى فاقرأ عليه سلامكمُ إلى يوم التنادي
стр. 939
الحكمة من خلق الإنسان
أحبتي في الله! لماذا خُلقنا؟ ومن أين؟ وإلى أين؟ وما الهدف؟ وما الغاية؟ وما الحكمة من هذا الخلق؟
إن لكل شئ حكمة وضعها الله ؛ عرفها من عرفها، وجهلها من جهلها، الشمس من حكمها أنها تضيء للبشر، والمطر ينبت الأرض، والحيوانات لتركب ولتؤكل وزينة، ويخلق ما لا تعلمون ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ [النحل:٧].
كل شئ في الوجود لحكمة من أصغر ذرة إلى أكبر مجرة.
فما الحكمة من خلقك أيها الإنسان؟!
ألتذبح الحيوانات لتأكلها؟
ألتلبس أبهى اللباس؟
ألتسكن أحسن الدور والقصور؟
ألتنكح أجمل الزوجات لتتمتع بهن؟
ألتنام على الوثير ولتتنعم؟
ألتركب أفخم السيارات؟
لا والذي رفع السماء بلا عمد! ما خُلِقْنَا إلا لعبادة الله الواحد الأحد القائل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٧] والقائل سبحانه: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦].
стр. 940
القرآن كتاب هداية ونور
لقد جعل الله لنا طريقاً مستقيماً، فقال سبحانه: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣] ليس هذا فحسب؛ بل أرسل إلينا رسولاً هو خاتم الرسل ﷺ ، صاحب اللواء يوم العرض، وأول من تنشق عنه الأرض، فجاء ﷺ بأعظم معجزة عرفتها الأمم، ألا وهي القرآن، من استنار بنوره قاده إلى الجنة، ومن جعله خلف ظهره ساقه إلى النار.
من التمس الهداية فيه هداه الله، ومن التمس الهدي في غيره أضله الله وأهانه: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج:١٨].
فما حالنا مع هذا القرآن؟! وما حال أبنائنا مع هذا القرآن؟ مع كلام الله جلّ وعلا، هل علَّمناه أبناءنا؟ هل دفعناهم إلى المساجد ليتعلموا كلام رب العزة والجلال؟
إن كُنَّا كذلك فأبشروا بالعزة والنصر في الحياة، والسعادة يوم تلقون الله .
وإن كُنَّا غير ذلك فإنَّ من جعله خلف ظهره ساقه إلى النار، نسأل الله العافية من النار.
جاء ﷺ بالقرآن ليقطع الطريق على كل مبتدع وكذاب وأفاك ومُدعٍ للنبوة من بعده ﷺ ، فلا نبي بعده؛ فخلَّد الله دعوته، وخلَّد الله رسالته، وجاء المدعون للنبوة في عهده ومن بعده فما جعل الله لدعوتهم أثراً؛ لأنها دعوة باطل، والباطل ساعة والحق إلى قيام الساعة.
جاء المدعون للنبوة من بعده فاندحروا بالقرآن، جاء مسيلمة فبم لُقِّب؟ لقب بالكذاب إلى اليوم وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وجاء الأسود العنسي فباد هؤلاء وسادت رسالته ﷺ بالحق، فما على وجه الأرض أحد يقول: أشهد أن مسيلمة رسول الله، لكن على وجه الأرض ألف مليون مسلم في الجملة كلهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﷺ ، بل فوق ذلك أجرى أحد العلماء دراسة على خطوط الطول والعرض على الأرض، فأثبت أنه ما من دقيقةٍ تمر الآن إلا ومئذنة على وجه الأرض يسمع عليها "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله": ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧] فلا إله إلا الله!
أيد الله رسوله بالقرآن، وبما يزيد على مئات المعجزات الظاهرات القاهرات.
стр. 941
اقتربت الساعة فالعمل العمل
ها هو الإمام أحمد في مسنده يروي: ﴿أن راعياً خرج بغنمه إلى الفلاة في يومٍ من الأيام، وجاء ذئبٌ فعدى على شاةٍ، فانقضَّ عليه الراعي وأمسك بالشاة وأخذها من فم الذئب، فما كان من الذئب إلا أن تأخر وأقعى على ذنبه، وتكلم كلام الإنس وقال: أما تتقي الله تأخذ رزقاً ساقه الله إليّ، فقال الراعي: يا عجبي! ذئبٌ يتكلم، قال الذئب: وأعجب من ذلك محمد بشر يُخبرك بأنباء من سبق، فما كان من هذا الراعي إلا أن أخذ غنمه وانطلق بها إلى مسجد المصطفى ﷺ ، ليدخل إلى المصطفى ﷺ ويخبره الخبر، فيُنادي النبي ﷺ : الصلاة جامعة -لاجتماع الناس- فيجتمع الناس، فيقول ﷺ : لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الإنس﴾ ولقد كلمت السباع الإنس على عهد محمد ﷺ ، الذي قال: ﴿بعثت أنا والساعة كهاتين﴾ وأشار بإصبعيه ﷺ ، فماذا يقول من كان بعده بأربعة عشر قرناً، نسأل الله أن يحسن الحال.
ليس هذا فحسب، فقد روى البخاري ومسلم عن رسول الله ﷺ : ﴿أن أهل مكة سألوه آية على قدرة الله ليؤمنوا كما ادعوا، فسأل ربه آية، فانفلق القمر فلقتين، فلقة على جبل وفلقة على جبل آخر، فقالوا سحر أعيننا محمد -واستكبروا وصدوا وندوا- وقال المنصف منهم: نذهب إلى أهل البوادي فنسألهم هل رأوا ما رأينا، فذهبوا إلى البادية وسألوهم، قالوا: إي والله! قد انفلق فلقتين في تلك الليلة، فقالوا مصدين ومعرضين: سحرٌ عمَّ البادية والحاضرة، فأنزل الله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر:١ - ٢]﴾.
وها هو ﷺ كما في صحيح مسلم لا يمر على شجرة قبل أن يبعث إلا وقالت: السلام عليك يا رسول الله! ولا يمر على حجرٍ إلا قال: السلام عليك يا رسول الله! جماد آمن برسول الله ﷺ ، وبشرٌ صدوا وندوا عنه ﷺ ، ولذا يقول ﷺ بعد أن أصبح بـ المدينة: ﴿والله! إني لأعرف حجراً بـ مكة كان يسلّم عليَّ قبل أن أُبعث﴾.
ليس هذا فحسب؛ فقد روى مسلم عن جابر بن عبد الله رضى الله عنه: ﴿أن رسول الله ﷺ خرج يوماً من الأيام في فلاة ليقضي حاجته، قال: فتبعته بماءٍ له، قال: وإذا به يأتي إلى واد على شاطئيه شجرتان، قال: فلم يجد ما يستتر به، فذهب إلى إحدى الشجر وأمسك بأغصانها، وقال: انقادي بإذن الله، قال: فوالله! لقد انقادت وراءه كما ينقاد البعير المخشوش -الذي في أنفه رباط يسحب به- ثم ذهب إلى الثانية فوضع يده عليها وقال: انقادي بإذن الله.
فانقادت معه، حتى جاءت وأصبح بينها فقال: التئما عليَّ بإذن الله.
فالتأما عليه حتى لا يرى ﷺ وهو يقضي حاجته، قال: ثم ذهبت مولياً لئلا يبتعد المصطفى ﷺ إذا رآني وإذ به ينتهي من قضاء حاجته، ثم يقول للشجرة الأولى: ارجعي فترجع بأمر الله إلى مكانها، وترجع الثانية إلى مكانها﴾ آيات ومعجزات ظاهرات بينات، لكن -يا أيها الأحبة- صدق قوم بذلك وآمنوا، فأطاعوا الله ورسوله، فكان لهم ما قاله الله جلَّ وعلا: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيماً﴾ [النساء:٦٩ - ٧٠].
وصنف آخر! كذَّب وصد واستكبر بعقل جامد، وقلب فارغ، ساه لاه لا يفقه، عين لا تبصر، وأذن لا تسمع، بهيمة في مسلاخ بشر، عصى الله وتعدى حدوده؛ فكان له ما قال الله جلَّ وعلا: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء:١٤].
ها أنت -أخي الحبيب- رأيت صنفين لا ثالث لهما، وسمعت بغاديين لا ثالث لهما، غاد غدا لإعتاق نفسه من النار فهو الفائز، أسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يغدو ويروح في طاعة الله جلَّ وعلا.
وغادٍ آخر غدا ليوبق نفسه ويهلكها بالفسق والفجور فهو الخاسر، فأيَّ الغاديين أنت؟ فكلٌّ يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها.
стр. 942
موبقات ومعتقات
حدد موقعك، واعرف مصيرك، فأنت أحد غاديين لا محالة.
стр. 943
غادٍ مهلك نفسه بالشرك
فغادٍ يغدو من بيته ليهلك نفسه بالإشراك بالله، إن تكلم فلا تسمع منه إلا نتن الألفاظ الشِرْكِيَّة، تفوح من فمه وتغدو وتروح.
مِن هذه الألفاظ: استعانته بالجن يقول: خذوه وافعلوا به واركبوه!! مع أنه قد كان قبلها قليلاً يُردد في صلاته: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] فأين العبادة وأين الاستعانة بالله ؟!
إن أصيب بمصيبة -ليرفع الله درجته- في حبيب له مرض أو في قريب له أو في نفسه هو؛ لم يذهب ولم يلجأ إلى الله ويطلب الأسباب الشرعية، بل يذهب إلى السحرة والدجالين والمشعوذين، فيبيع دينه ودنياه ناسياً قول الله جل وعلا: ﴿إنه مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢] وينسى قول المصطفى ﷺ : ﴿من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمدٍ ﷺ ﴾.
يغدو فيحلف بكل شئ إلا بالله الذي لا إله إلا هو، بالطلاق يحلف وبالحرام يحلف وبالذمة يحلف وبالحياة يحلف وبالنبي يحلف؛ لكنه لا يحلف بالله الذي لا إله إلا هو، ناسياً قوله ﷺ أو متناسياً: ﴿من كان حالفاً فليلحف بالله أو ليصمت﴾ ﴿من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك﴾ ﴿ومن حُلِفَ له بالله فليرض ومن لم يرض فليس من الله﴾.
وها هو -كما في الصحيح- رجل من بني إسرائيل احتاج إلى مائة دينار، فذهب إلي رجلٍ آخر، وقال له: أريد أن تقرضني مائة دينار؟ قال: هل لك من شهيد؟ قال: والله ما لي من شهيد إلا الله.
قال: فكفى بالله شهيداً، قال: هل لك من كفيل؟ قال: ما لي من كفيل إلا الله.
قال: كفى بالله كفيلاً، أعطاه المائة الدينار، ورضى بالله كفيلاً وشاهداً، وما كان من هذا الرجل إلا أن تواعد هو وإياه على أن يلتقيا بعد مدةٍ معلومة، فأخذ المائة الدينار وانتقل إلى بلده وعبر البحر، وكان بلده في الشاطئ الثاني وجمع المائة الدينار يريد أن يفي بوعده جزاء لمن أقرضه، وجاء إلى البحر ينتظر سفينة لعلها توصله، فلم يجد سفينة من السفن ولم يجد مركباً من المراكب، وهو يريد أن يوصلها في وقتها، فماذا فعل؟
أخذ عوداً من الحطب ثم حفره ثم وضع المائة الدينار فيه ثم أغلقه، ثم رفع يديه إلى الله ، وقال: اللهم يا رب! إني استقرضته فأقرضني، ورضي بك كفيلاً، ورضي بك شاهداً، ولم أجد ما أوصل له هذه الدراهم، اللهم فبلغه هذه الدراهم والدنانير ثم رمى بها في البحر، وتأتي رياح الله تسوقها إلى الشاطئ الثاني، ذاك ينتظر آية من مجيء هذه الدراهم وآية من مجيء الرجل وظن أنه قد غدر به، فكان يقول: حسبي الله ونعم الوكيل! وإذ بهذه الخشبة على الأمواج تأتي إلى طرف البحر، قال: إذاً آخذ هذا العود من خشب لعلي أرجع به لنحتطبه ولنشعل به نار خيراً من أن أرجع بلا شيء.
أخذه وذهب إلى بيته وجاء ليكسر العود وإذ بهذه المائة الدينار في وسطه، فقال: لا إله إلا الله! من رضي بالله كفاه الله، فهل رضينا بالله جلَّ وعلا.
стр. 944
غادٍ معتق نفسه
وذاك غادٍ آخر يغدو؛ لإعتاق نفسه؛ إن تكلم فبذكر الله، وإن استعان استعان بالله، وإن سأل فبالله، وإن أُصيب بمصيبةٍ لجأ إلى الله، ثم طلب الأسباب الشرعية لا الأسباب الشركية، إن حَلَفَ فبالله، وإن حُلِفَ له بالله رضي، فهو غادٍ في حفظ الله وعائدٌ في عناية الله.
فأي الغاديين أنت؟ فكلٌ يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها.
وغاد آخر يغدو فيقدم مراد الله على شهواته وعاداته، ويقدم مراد الله وأوامره على لذاته وعاداته وتقاليده، فالحكم حكم الله، والأمر أمر الله، والنهي نهي الله، والسعادة لا تكون إلا من الله، ووالله! لن يسعد إنسانٌ حتى يُقدٍّم أوامر الله على كل هوىً في نفسه، وعلى كل حكم، وعلى كل أمر وعلى كل نهي، وعند ذلك يكون له الأجر الجزيل والخير العظيم من الله.
وفي الأثر: ﴿أن الله يقول: وعزتي وجلالي! ما من عبدٍ آثر هواي على هواه إلا أقللت همومه، وجمعت له ضيعته، ونزعت الفقر من قلبه، وجعلت الغنى بين عينيه، واتجرت له من وراء كل تاجر﴾.
وآخر يٌقدِّم ويغدو؛ فيقدم شهوات نفسه ولذائذها وعاداتها وتقاليدها على مراد الله جلَّ وعلا، فتجده يعبد هواه، فما فما وافق عادته وشهوته وهواه فهو الحق في رأيه فيعمل به، وما خالفها فهو الباطل فيعرض عنه؛ حتى لو كان كتاب الله وسنة رسوله ﷺ : ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية:٢٣] يريد الدين موافقاً لشهواته، ورغباته، ويريد أن يخضع له كل شيء، فيقبل أي حكم ويرفض أي حكم ما دام أنه لا يتفق مع شهوته: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٧] ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:٤٥] وفي الأثر: ﴿أن الله يقول: وعزتي وجلالي ما من عبد آثر هواه على هواي إلا كَثَّرت همومه، وفرقت عليه ضيعته، ونزعت الغنى من قلبه، وجعلت الفقر بين عينيه، ثم لا أبالي في أي أودية النار هلك﴾.
فأي الغاديين أنت؟
فكلٌ يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها.
стр. 945
من إيباق النفس ترك الصلاة
وغادٍ آخر يغدو فيترك الصلاة ويتبع الشهوات؛ فيوبق نفسه كأنه لم يسمع قولَ ربِّ العزة والجلال: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ [مريم:٥٩]، كأنه لم يسمع قول الله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٤ - ٥] كأنه لم يسمع الذين لم يصلوا يوم أصبحوا في النار، يوم يقول الله لهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر:٤٢ - ٤٣].
الصلاة ركن هام، وفرض فرضه الله لأهميته من فوق سبع سماوات، أُسري بالنبي ﷺ إلى بيت المقدس، ثم عُرج به إلى السماوات العُلا؛ لتفرض عليه من فوق سبع سماوات، أمانة عظيمة ويل لمن ضيعها، فمن تركها فقد كفر بنص حديث رسول الله ﷺ يوم يقول: ﴿العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، من تركها فقد كفر﴾ ويترتب على ذلك: ألاَّ يزوج؛ لأنه كافر، وإن كان متزوجاً بطل نكاحه، ولا يغسل إذا مات، ولا يكفن ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يرث ولا يورث ولا يجوز الاستغفار له بعد موته، فلا يجوز أن نقول: اللهم ارحمه، اللهم اغفر له؛ لأن الله يقول: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة:١١٣] وأسأل الله ألا يكون فينا من يترك الصلاة، يترك الصلة بينه وبين ربه، لكن قد نجد فينا الكسول الذي لا يصليها مع المسلمين وإنما يصليها في بيته، نقول لهذا: قد فَوَّتَّ على نفسك أجراً عظيماً، وارتكبت إثماً مبيناً، إن رب العزة والجلال يقول: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة:٤٣] وهو القائل: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧].
تقول عائشة رضى الله عنها وهى تصف هيئة النبي ﷺ في بيته: [[كان يكون في خدمة أهله؛ يخصف نعله، ويعجن العجين أحياناً ﷺ ، فإذا سمع: الله أكبر؛ فكأنه لا يعرفنا ولا نعرفه]] سمع نداء الله فلبى نداء الله ﷺ .
هو القائل ﷺ في رؤياه -ورؤيا الأنبياء حق ووحي- كما روى البخاري عن سمرة بن جندب يقول: ﴿أتاني الليلة آتيان، فانطلقا بي حتى جئنا على رجل مضطجع ممدود، وآخر قائمٌ عليه بصخرةٍ يثلغ رأسه ويتدهده الحجر، قال: ثم يصح رأسه فيعود كما كان، ثم يفعل به مثل ما فعل في المرة الأولى، قال ﷺ : فقلت: ما هذا؟ قالوا: هذا لرجل يقرأ القرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة﴾ لا إله إلا الله! أيُّ جسدٍ يطيق مثل هذا العذاب؟
وَرُوِيَ كما أخرج الحاكم عن ابن عباس: ﴿ثلاثة لعنهم الله: رجل أم قوماً هم له كارهون، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، ورجلٌ سمع حي على الصلاة حي على الفلاح ثم لم يجبه﴾ يقول أبو هريرة ﵁ وأرضاه: [[لأن تمتلئ أذن ابن آدم رصاصاً مذاباً خير له من أن يسمع حي على الصلاة حي على الفلاح ثم لم يجب]] ويقول ﷺ : ﴿أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء والفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً.
ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيؤم الناس، ثم أنطلق برجال معهم حزم من حطب لأحرق عليهم بيوتهم بالنار﴾ وفي رواية: ﴿ولولا ما فيها من النساء والذرية لفعلت ذلك﴾ أو كما قال ﷺ ، هذا غادٍ.
стр. 946
معتق نفسه بالصلوات
أما آخر فيغدو إلى المسجد ليُصلي مع جماعة المسلمين فيعد الله له في الجنة نزلاً كلما غدا أو راح، ما خطا خطوة إلا كُتِبَ له بها حسنة، ولا رفع أخرى إلا وَرُفِعَ عنه سيئة، ما جلس من مجلس إلا وملك موكل به يقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، حتى تقام الصلاة، فما بالك إذا كان يقرأ القرآن.
ها هو ثابت بن عامر بن عبد الله بن الزبير يقول أبناؤه: كان كثيراً ما يقول: اللهم إني أسألك الميتة الحسنة.
قالوا: وما الميتة الحسنة يا أبتاه؟! قال: أن يتوفاني الله وأنا ساجد، وتحل به سكرات الموت قبل صلاة المغرب، ويسمع نداء: الله أكبر، الله أكبر، حي على الصلاة، حي على الفلاح فماذا كان منه؟ قال: أقعدوني واحملوني إلى المسجد، قالوا: قد عذرك الله، مريض في سكرات الموت.
قال: أسمع حي على الصلاة حي على الفلاح ثم لا أجيب، فحملوه على أكتافهم وأوصلوه إلى المسجد، فصلى معهم صلاة المغرب حتى الركعة الأخيرة، فسجد فكانت السجدة الأخيرة: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧].
وها هو حاتم الأصم عليه رحمة الله فاتته صلاة العصر يوماً من الأيام جماعةً مع المسلمين، فذهب أهل المسجد يعزونه في جماعةٍ فاتته.
كانوا يُعزِّي بعضهم بعضاً إذا فاتته جماعة، دخلوا عليه في بيته وهم قلة، فعزوه فبكى، قالوا: ما يُبكيك؟ قال: أبكي لأنها فاتتني جماعة فعزاني بعض أهل المدينة، ووالله! لو مات أحد أبنائي لعزاني أهل المدينة كلهم، ووالله! لموت أبنائي جميعاً أهون علي من فوات هذه الجماعة.
هكذا كان سلفنا الكرام.
وهذا سعيد بن المسيب وهو في سكرات الموت وكان بنياته الصغار حواليه يبكين، فيقول لهن: "أَحْسِنَّ الظن بالله، فوالله! ما فاتتني تكبيرة الإحرام في المسجد ستين سنة".
هكذا كانوا -أيها الأحبة- فأي الغاديين أنت؟ وكل يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها.
стр. 947
الاستهزاء بالدين
وذاك غادٍ يغدو لإهلاك نفسه، فيُسلط لسانه وسنانه، ويسلط قلمه في النيل من المسلمين؛ بالسخرية بهم، والاستهزاء بدين الله، وبعباد الله، وبشعائر الله؛ ليرتكب أعظم جريمة ألا وهي الدعوة إلى الظلام، فيكون عليه وزره ووزر من أضله إلى يوم القيامة، وفوق ذلك يبوء بالكفر الذي يقوده إلى النار.
في غزوة تبوك، يوم اتجه المسلمون مع قائدهم ﷺ إلى تبوك من المدينة حوالي ألف كيلو متر في صحارٍ في وقتٍ حار، وبلغ بهم الجهد مبلغه، حتى إن أحدهم في ليلة من الليالي قام يبول فسمع صوت جلد تحت بوله، فما كان إلا أن نفضه من البول ثم أشعل النار ووضعه فيها وأكله من شدة ما يلاقي من الجوع، وتأتي ثلة منهم ليسخروا برسول الله وبأصحابه فيقولون: ما رأينا كقرائنا هؤلاء! أرغب بطوناً، ولا أجبن عند اللقاء، يعنون رسول الله ﷺ وأصحابه، ويأتي الكلام من الله إلى رسوله، ويسري الخبر بينهم، فيلحقون بالنبي ﷺ ويقولون: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة:٦٥]، فيقول النبي ﷺ بكلام الله: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦].
يغدو أحدهم فيكتب كلاماً يسب فيه الإله ، يقول:
لم يبق من كتب السماء كتاب مات الإله وعاشت الأنصاب
جلَّ الله ، ثم يستهزئ ويسخر ويظن أنه لن يقف بين يدي الله جلَّ وعلا، لكن:
إذا عيَّر الطائي بالبخل مادر وعير قساً بالفهاهة باقل
وقال السها للشمس أنت كليلة وقال الدجى للصبح وجهك حائل
فيا موت زر إن الحياة ذميمة ويا نفس جدي إن دهرك هازل
стр. 948
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
آخر يغدو ليُعتق نفسه، فيدعو الناس إلى توحيد الله، وإلى ما فيه الخير بقلمه وبلسانه، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؛ لأنه من أمة الأمر والنهي، وأنتم يا أهل هذه القرية البعيدة عن صخب المدينة، وعما يحدث في المدنية من الفساد! إنكم لتغبطون على قريتكم هذه بين هذه الجبال، وإنكم لتغبطون على مثل هذا الاجتماع، فالله الله! لا تسكتوا على منكر، الله الله! سلطوا ألسنتكم في الأمر بالمعروف، كونوا جبهة ضد كل مفسد، فوالله! لا يمكن أن تسعد هذه البلدة ولا تسعد أي بلدة من بلاد الدنيا إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقال الله وقال رسوله ﷺ ، فلنأمر بالمعروف في بيوتنا وفي شوارعنا، ولننه عن المنكر أياً كان المنكر؛ لأن الله رتب النجاة للذين ينهون عن السوء: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف:١٦٥].
يوم تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؛ فيستجيب لك واحد يكون لك مثل أجره لا ينقص من أجره شئ، ثم إن الله يهدي بك الضال فيكون لك من الأجور الشيء الكثير: ﴿لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم﴾.
أتريد رحمة الله يا عبد الله؟ اسمع ما قال الله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة:٧١] أسأل الله أن يرحمنا وإياكم برحمته، فأي الغاديين أنت؟ وكلٌّ يغدو؛ فبائعٌ نفسه فمعتقها أو موبقها.
стр. 949
موبقات ومعتقات من المصائب والحاجات
стр. 950
الصبر عند المصائب
وذاك غادٍ في دنياه، ويصاب بمصيبة فيوبق نفسه ويهلكها، فيتسخط من قضاء الله وقدره، ويعترض على قدر الله، ما علم أن المصائب ترفع الدرجات لمن احتسبها عند الله ، وما علم أن الله مع الصابرين، يصاب في دنياه فيكسر دينه:
وكل كسر لعل الله جابره وما لكسر قناة الدين جبران
يقول عند الصدمة الأولى يوم يصاب في حبيب أو قريب أو في نفسه: لم يا رب؟ يعترض على قضاء الله وقدره يشق الجيب، ويلطم الخد، ويدعو بالويل، وبالثبور وبعظائم الأمور على نفسه، والملائكة في تلك اللحظة تقول: آمين آمين، فالمصيبة مصيبتان لا هو احتسب هذه، وإنما أصبحت مصيبته بفقد حبيبه، ومصيبته الأخرى: بضياع الأجر في تلك اللحظة، والمحروم من حُرِمَ الثواب.
وأنا أسأل سؤالاً يا أيها الأحبة: هل سيعود ميت إن مات؟
والله! ما سمعنا أن ميتاً مات فعاد، لكنه ذهب ونحن على الأثر، إن للموت أخذة تسبق اللمح بالبصر.
هاهو أحد السلف -شابٌ من شباب السلف- كانت له زوجة صالحة، وكان له أولاد، ثم حلَّت به سكرات الموت التي لابد أن يعاني كل واحد منا هذه السكرات، ونسأل الله أن يهونها علينا وعلى كل مسلم، في تلك اللحظات التي يذعن فيها الإنسان ويخضع، ويذل لله أياً كان، هذا الرجل مات فوجدت عليه زوجته وجداً عظيماً، ووجد عليه أولاده وحزنوا حزناً عظيماً؛ فأقسمت زوجته لتبكين عليه عاماً كاملاً.
وهذا ليس من عمل الإسلام، هذا جزعٌ وتسخط واعتراض على قضاء الله وقدره، فأخذت أولادها، وأخذت خيمةً لها، وذهبت ونصبتها عند قبره، وبقيت عاماً كاملاً تبكي، وأولاده الصغار حول قبره، فما خرج إليهم فكلَّمهم بكلمة، ما خرج إلى زوجته وقال: أحسنت، أو قال: اذهبي ووالله! لو خرج لقال: لا إله إلا الله، أو الحمد لله، أو سبحان الله؛ لأنه لا ينفعه في القبر إلا مثل هذه الكلمات، والله! لو كلَّم أبناءه بكلمة واحدة لسكن الناس كلهم المقابر ليُكلموا أحبابهم وأخواتهم وأصحابهم وأولادهم، فما منا واحد إلا وله في القبر عزيز أي عزيز؛ لكن قد حيل بينهم وبين ما يشتهون.
بقيت سنة كاملة وفي آخر السنة طوت خيمتها، وأخذت أولادها، وجاءت راجعة مع الغروب إلى بيتها، لم تجد جدوى من جلوسها سنة كاملة.
وإذ بهاتف يهتف بها ويقول: هل وجدوا ما فقدوا؟ وإذ بهاتف آخر يرد ويقول: ما وجدوا ما فقدوا؛ بل يئسوا فانقلبوا.
ووالله! لن يرجع ميت -يا أيها الأحبة- فما على الإنسان إلا أن يحتسب في تلك اللحظات.
إن رسول الله ﷺ يفقد ابنه إبراهيم الصغير فلذة كبده، فماذا كان منه ﷺ ؟ دمعت عينه، وتأثر قلبه؛ لكنه ﷺ ما قال إلا ما يرضي ربه، وهو الأسوة والقدوة، قال: ﴿العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون﴾.
ها هي إحدى بناته ﷺ كانت في يوم من الأيام لها ولد في النزع الأخير من سكرات الموت، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ رجلاً، وقالت: أخبره أن ابني في النزع لِيَحْضُرَه، فأخبره فقال: ﴿مرها فلتصبر ولتحستب، فإن لله ما أخذ وله ما أبقى وكل شئ عنده بأجل مسمى﴾.
следующие страницы →