Полный текст (623 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
قضاء حوائج الزوجة ومساعدتها ببعض الأعمال
فالزوجة بشر تتعب وتمرض، فعلى الزوج أن يراعي ذلك فيقوم بمساعدتها، وقضاء حوائجها، والقيام ببعض أعمال المنزل عنها، فالرسول ﷺ كان يقوم على خدمة أهله بنفسه (يخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويكنس الدار، حتى إذا أذَّن المؤذن كأنه لا يعرفنا) ، كما تقول عائشة.
إذاً: فالتواضع والبساطة مع شريكة العمر من أسباب السعادة، والمرأة في البيت ليست هملاً أو متاعاً، بل هي إنسان كالرجل تشاركه وتشاطره الأفراح والأتراح، فعلى الزوج أن يقف مع زوجه ويعينها.
واسمع لهذه المرأة وهي تمدح زوجها الوفي المخلص فتقول: (زوجي لما عناني كاف، ولما أسقمني شاف، عرقه كالمسك، ولا يمل طول العهد، إذا غضبت لطف، وإذا مرضت عطف، أنيسي حين أفرد، صفوحاً حين أحقد، إذا دخل الدار دخل بساماً، وإذا خرج خرج ضحاكاً، ما غضب علي مرةً وما حقد، يأكل ما وجد، ويدرك ما قصد، ويفي بما وعد، ولا يأسَ على ما فقد، أديب أريب، حسيب نسيب، كسوب خجول، لا كسول ولا ملول، إذا طلبت منه أعطاني، وإن سكت عنه ابتداني، وإذا رأى مني خيراً ذكر ذلك ونشر، أو رأى تقصيراً ستر ذلك وغفر!) .
فهنيئاً لهذه المرأة بزوجها!
стр. 107
مراعاة شعورها ونفسيتها
عن عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ : (إني لأعلم إذا كنت عني راضيةً وإذا كنت علي غضبى، قلت: ومن أين تعرف ذلك؟ قال: أما إذا كنت عني راضيةً فإنك تقولين: لا ورب محمد، وإذا كنت غضبى تقولين: لا ورب إبراهيم، قالت: أجل والله يا رسول الله! ما أهجر إلا اسمك) رواه البخاري ومسلم.
وهذا الحديث يبين لنا كيف كان ﷺ بدقة ملاحظته، ومراعاة شعور نفسية زوجه، حتى عرف عنها هذا الأمر.
فإذا استقر الزوجان؛ استقر حال كل منهما، وعرف كل منهما ما يغضب الآخر وما يرضيه، وأسباب كل ذلك، فقد تمكنا بإذن الله من توطيد أسس الحياة الزوجية، والسير بها في الدروب الآمنة المفروشة بالورود والرياحين، وأمكنهما -أيضاً- تجنيب أسرتهما مسالك العسر ومواطن الزلل والنكد.
ونلحظ في هذا الحديث دقة عناية رسول الله ﷺ بمشاعر عائشة ﵂ حتى صار يعلم رضاها وغضبها من مجرد حلفها.
والزوج الذكي يحرص على احترام نفسية زوجته فيغض الطرف، ولا يكثر العتاب إلا في التجاوزات الشرعية فلا بد أن يأخذ على يدها فيها، أما ما عداها فالكمال عزيز، وبعض الخصال جبلة في المرأة يصعب تغييرها؛ فاصبر واحتسب ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠] .
стр. 108
الحذر من شتمها أو ضربها والإساءة إليها
قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم:٢١] وقال الله آمراً الزوج بحسن عشرة زوجه: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩] .
وكلمة العشرة هنا: مشتقة من المعايشة والمخالطة، والمعروف كلمة جامعة شاملة لكل خير.
وقد بلغ النبي ﷺ أن أزواجاً يضربون زوجاتهم فقال: (ما أولئك من خياركم، خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهله) .
وقال ﷺ : (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم) أخرجه أبو داود في سننه، وأحمد في مسنده، وهو صحيح كما في صحيح الجامع.
فإن احتجت لشيء من الضرب أومن تأديب المرأة، فبحقه الشرعي: (فاهجروهن في المضاجع، واضربوهن ضرباً غير مبرح) كما قال ﷺ ، والحديث عند الترمذي والنسائي.
وروي عن شريح أنه قال:
رأيت رجالاً يضربون نساءهم فشلت يميني حين أضرب زينبا
وزينب شمس والنساء كواكب إذا طلعت لم تبق منهن كوكبا
стр. 109
التوسيع على الزوجة في المطعم والملبس والنفقة
قال الله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق:٦] .
وقال ﷺ : (فاتقوا الله في النساء! فإنكم أخذتموهن بكلمة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله -إلى أن قال ﷺ ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف) أخرجه مسلم في صحيحه.
وقال ﷺ : (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول) متفق عليه.
وقال ﷺ : (إنك إن شاء الله لن تنفق نفقةً إلا أجرت، حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك) متفق عليه.
فالتوسيع عليها في بعض المباحات أمر مطلوب، وانظر لرسول الله ﷺ فقد كان إذا هويت زوجته شيئاً لا محذور فيه تابعها عليه -أي: وافقها- فعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: (دخل الحبشة المسجد يلعبون، فقال ﷺ : يا حميراء! أتحبين أن تنظري إليهم؟ فقلت: نعم.
فقام بالباب وجئته فوضعت ذقني على عاتقه فأسندت وجهي على خده، قالت: ومن قولهم يومئذ أبا القاسم طيباً، فقال رسول الله ﷺ : حسبك، فقلت: يا رسول الله! لا تعجل، فقام لي ثم قال: حسبك، فقلت: لا تعجل يا رسول الله! قالت: وما لي حب النظر إليهم، ولكني أحببت أن يبلغ النساء مقامه لي ومكاني منه) أخرجه النسائي في عشرة النساء، وصححه الحافظ ابن حجر في الفتح، وتابعه أيضاً على تصحيحه الشيخ الألباني في آداب الزفاف، وأصل الحديث في الصحيحين.
وأخرج النسائي أيضاً في السنن الكبرى أنه قال ﷺ : (أفضل دينار دينار ينفقه الرجل على عياله) إلى آخر الحديث.
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب العيال أن ابن عائشة قال: حدثت أن أيوباً كان يقول لأصحابه كثيراً: تعاهدوا أولادكم وأهليكم بالبر والمعروف، ولا تدعوهم تطمع أبصارهم إلى أيدي الناس.
قال: وكان له زنبيل يغدو به إلى السوق في كل يوم؛ فيشتري فيه الفواكه والحوائج لأهله وعياله.
هكذا كانوا في التوسيع على الزوجة وأولادهم في المطعم والملبس والنفقة.
стр. 110
عدم التساهل مع الزوجة فيما يغضب الله
قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٨-٧٩] .
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦] .
وقال جل وعلا: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء:٣٤] .
وبعض الرجال -وللأسف- تنازل عن هذه القوامة، وضعف أمام إغراءات المرأة، وأمثلة ذلك: تبرج زوجته أو بناته في المناسبات والأفراح، ولبس الملابس الضيقة والمفتوحة والبنطلونات، وغير ذلك مما نسمعه ويتناقله الناس.
وأيضاً من ذلك: خروج نسائه إلى الأسواق بدون محرم فتخاطب البائع وتجادله، وربما تكسرت بكلماتها، وقد يحدث هذا والزوج الضعيف موجود! وأيضاً من ذلك: إدخال الأجهزة والأفلام والمجلات وغير ذلك من وسائل الإعلام الهابطة لبيته بدون أن يحرك ساكناً أو أن يفعل تجاه ذلك شيئاً! وغير ذلك من المحرمات التي استهان بها كثير من الأزواج فغلبته نساؤه عليها؛ وكل ذلك مما جعل حياته جحيماً، والدليل (فمن أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس) فلا زوجته ولا أولاده ولا هو راض حتى عن نفسه، فهو في غم وهم.
وانتبهوا -واسمع أيها الزوج واسمعي أيتها الزوجة- لهذه الكلمة، أقول: كل خلاف يجري بين الزوجين كبر الخلاف أم صغر؛ إنما هو بسبب معصية الله تعالى قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠] .
واسمع لرسول الله ﷺ كيف كان يتعامل مع أزواجه، ففي صحيح مسلم عن عائشة قالت: (دخل رسول الله ﷺ وأنا متسترة بقرام فيه صورة؛ فتلون وجهه، ثم تناول الستر فهتكه ثم قال: إن من أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله) .
فيا سبحان الله! كم من صورة وكم من تمثال في بيوت المسلمين اليوم! وقد أخبر النبي ﷺ فقال: (لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة) كما في حديث أبي طلحة عند مسلم، والبيت إن لم تدخله الملائكة دخلته الشياطين.
ثم نعرف بعد ذلك سبب كثرة المشاكل في كثير من البيوت فقد عشعش الشيطان في هذا البيت؛ بسبب كثرة الصور والمشاكل ووسائل الإعلام المفسدة في البيت؛ فلم يعد هناك وجود للملائكة، ولم يكن هناك تطهير لهذا البيت فلا شك حلت المشاكل والهم والغم بين الزوجين.
والنبي ﷺ يقول -أيضاً-: (كلكم راع ومسئول عن رعيته إلى قوله: والرجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيته) .
واسمع لهذا الحديث فإنه مخيف مرعب! قال ﷺ : (ما من عبد يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته، إلا حرم الله عليه الجنة) .
أليس من الغش إدخال وسائل الإعلام، والأفلام، والمجلات الهابطة، أو حتى السماح بدخولها؟! والله إن لم يكن من الغش فما ندري ما هو الغش!! أليس من الغش عدم مراقبة الزوج للباس زوجه وبناته وأولاده عند الخروج للمناسبات والأسواق؟! إن لم يكن هذا من الغش فلا ندري والله ما هو الغش!! وأيضاً في الحديث السابق الذي ذكرناه عن صفية (أن النبي ﷺ انطلق إلى زينب، فقال لها: إن صفية قد أعيا بها بعيرها فما عليك أن تعطيها بعيرك؟! قالت زينب: أتعمد إلى بعيري فتعطيه اليهودية؛ فهجرها الرسول ﷺ ثلاثة أشهر فلم يقرب بيتها، وعطلت زينب نفسها، وعطلت بيتها، وعمدت إلى السرير فأسندته إلى مؤخرة البيت، وأيست أن يأتيها الرسول ﷺ ، فبينما هي ذات يوم إذا بوجس رسول الله ﷺ -أي بخياله- فدخل البيت فوضع السرير موضعه، فقالت زينب: يا رسول الله! جاريتي فلانة قد طهرت من حيضتها اليوم هي لك، فدخل الرسول ﷺ عليها ورضي عنها) .
وفي حديث -أيضاً- أخرجه مسلم في صحيحه رواه عبد الله بن مسعود في حديث: (لعن الله الواشمة والمستوشمة، والمتنمصة، والمتفلجة إلى آخر الحديث، قال في آخره: فقالت امرأة: إني أرى من ذلك شيئاً على امرأتك -تقصد عبد الله بن مسعود - قال: اذهبي وانظري، فدخلت على امرأة عبد الله فلم تر شيئاً، فجاءت إليه فقالت: لم أر شيئاً، قال: أما لو كان ذلك لم نجامعها) .
أي: لم نصاحبها، ولم نجتمع نحن وهي، بل كنا نطلقها ونفارقها.
هكذا كانوا رضوان الله تعالى عليهم، لم يكونوا يرضون عن فعل المرأة إن كان فعلها يغضب الله ، ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾ [طه:٨١] .
стр. 111
السعادة تكتمل بالتعاون بين الزوجين
اعلم أيها الأخ الحبيب! وأنا أخاطب فيك الرجولة والعقل والحكمة والتروي وحسن الخلق، إن السعادة مفتاحها بيدك فلا تضيعه، وأنت القادر على أن تجعل حياتك نعيماً أو أن تجعلها جحيماً، متى؟! إذا علمت أن التعامل مع الزوجة فن.
ويا أيتها المرأة، إني أعلم أنك سوف تحرصين على سماع هذا الموضوع وهو خاص بالرجل، وكما أسلفنا كل ممنوع مرغوب، وستعلمين كيف نخاطب الرجل بمثل هذه الكلمات، فإذا حرصت وسمعت هذه الكلمات؛ فإني أذكرك أيضاً أن لهذا الدرس بقيةً وجزءاً لا يتجزأ عنه، فكما حرصت وسمعت هذا فاحرصي واسمعي البقية حتى تتكامل سعادتك، فإن السعادة لا تتكامل للبيت إلا بالتعاون وقيام كل من الزوجين بحقوقه تجاه الآخر.
وكما أن التعامل معكِ فن فإن التعامل مع زوجك فن آخر تسمعينه في درس بعنوان: (السحر الحلال) .
أسأل الله أن ينفع بها كل زوجين، وأن يوفق بيوت المسلمين، وأن يحفظ بيوتهم، وأن يحفظ أحوال المسلمين مع أزواجهم.
اللهم يا حي يا قيوم مُنَّ على بيوت المسلمين بعيشة هنية راضية ترضيك يا حي يا قيوم.
اللهم وفق المسلمين لكل ما تحبه وترضاه، اللهم من أرادهم بسوء فأشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا حي يا قيوم، أنت ولي ذلك والقادر عليه.
وسبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.
وصل اللهم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 112
السحر الحلال
السحر الحلال هو ذاك التعامل المهذب من تلك الزوجة، بما أودعه الله فيها من عذوبة اللفظ، وجميل العبارة، والأنوثة الجذابة، وقد أتى الشيخ حفظه الله هنا بكلمات جمعت أطراف الحديث، وألبسته أجمل حلة.
стр. 113
إشارات قبل البدء
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد أيها الأحبة في الله! فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
موضوع هذا اللقاء هو: (السحر الحلال) ، وهو بقية لدرس سابق كان بعنوان: (فن التعامل مع الزوجة) .
стр. 114
سبب طرح الموضوع
وقد أسلفت في ذلك الدرس أن التعامل مع الزوجة فن يجهله كثيرٌ من الرجال، وأقول اليوم -أيضاً-: إن التعامل مع الزوج فن يجهله كثيرٌ من النساء، وأقول للزوجين: لو أن أحداً منكما كان ملاكاً بحسن خلقه ولطفه ومعاملته؛ فإن ذلك لا يكفي، فلا بد من قيام كل منكما بحق الآخر، فإن الحياة شركة بينكما.
تحملان العبء روحاً ويداً والتقى نعم التقى زاد الطريق
نفحة تثمر في النفس الرضا تجعل الأيام كالغصن الوريق
فإذا الدنيا شراع هادئ والمنى تسبح في بحر طليق
أنتما في رحلة العمر معاً تبنيان العش كالروض الأنيق
ومن هنا كان لكل منكما حديث، حديث من قلب محب يتمنى أن يرى السعادة ترفرف على كل بيت مسلم، ويعلم الله أن هذه المحاولة عصارة اطلاع ومشاورات ووقفات وتأملات في بيت النبوة.
أسأل الله بلطفه ومنه وكرمه أن يجمع بين كل زوجين، وأن يبارك لهما في حياتهما، وأن يرزقهما الصلاح والفلاح والأنس والمحبة.
وكم أفرحتني وأسرتني تلك النتائج والآثار للدرس الماضي، فقد كثرت الاتصالات والأحاديث والأخبار، وما كنت أحسب أن تؤتي ثمارها بهذه السرعة، ولكنه فضل الله، فلله الحمد والشكر.
стр. 115
إلى من تبحث عن السعادة
أما هذا الدرس فهو رسالة إلى كل زوجة مسلمة تريد السعادة في حياتها الزوجية، وتبحث عن علاج ناجع لكل مشاكلها.
فلا يكفي أن تسمع المرأة هذا الحديث مرةً أو مرتين، بل لتسمعه كلما أرادت رأب الصدع الذي وقع في العلاقات الزوجية، لخطأ أو تعجل من أحد الزوجين أو كليهما.
فيا أيتها المباركة! اسمعيه مرةً ومرتين وثلاثاً، واحتفظي به للحاجة، بل وأرشدي إليه كل زوجة تشعرين أنها بحاجته، ولا أدعي فيه الكمال فهو كغيره من جهد البشر، فيه الزيادة والنقصان، والصواب والخطأ، بيد أني حرصت على نهله من بيت النبوة مستقرئاً الأحداث بينه ﷺ وبين أزواجه، فحسبي أني اجتهدت، فما كان فيه من صواب فمن الله وحده لا شريك له، وما كان فيه من خطأ فمن نفسي الضعيفة والشيطان، والله ورسوله منه بريئان.
стр. 116
المقصود بالسحر الحلال
والمقصود بالسحر هنا: الاستعارة، وإلا فإن حقيقة السحر: عزائم ورقى وعقد تؤثر في القلوب والأبدان، فيمرض ويقتل ويفرق بين المرء وزوجه أعاذنا الله وإياكم منه، وهذا النوع لا يوجد فيه حلال بل هو حرام وكبيرة من الكبائر، وصاحبه يكفر ويقتل ولا يستتاب.
وأما قصدنا هنا: فهو المدح، ومنه قوله ﷺ (إن من البيان لسحراً) والحديث أخرجه مالك وأحمد والبخاري عن ابن عمر.
فيجوز أن يكون في معرض المدح؛ لأنه تستمال به القلوب ويرضى به الساخط ويستنزل به الصعب، كما جاء في لسان العرب.
ولا أظن يختلف اثنان فيما تفعله المرأة في قلوب الرجال، فهي بما وهبها الله من جمال ورقة ونعومة وعذوبة ألفاظ قد استمالت كثيراً من قلوب الرجال؛ حتى طارت ألبابهم وعقولهم.
ومن هذا قول الكميت:
وقاد إليها الحب فانقاد صعبه بحب من السحر الحلال المحبب
وهل يشك أحد في أن المرأة فتنة؟! فقد أخرج البخاري ومسلم من حديث أسامة عن النبي ﷺ قال: (ما تركت بعدي فتنةً أضر على الرجال من النساء) .
والله يقول: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران:١٤] .
فجعلهن في أول الشهوات المحببة للناس، فكيف لو استغلت المرأة فتنتها في الحلال، فكانت عوناً لزوجها؟ فإن (الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة) ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء:٣٤] .
стр. 117
وصايا من أمهات إلى بناتهن ليلة الزفاف
وخلاصة الدرس في هاتين الوصيتين من أُمَّين فاضلتين عاقلتين.
فيا أيتها الزوجة المخلصة! اسمعي لهذه الوصايا الثمينة فأنت أحوج ما تكونين لها، فأصغي سمعك وأوعي قلبك، فإن العاقل من أضاف إلى عقله عقول الآخرين.
стр. 118
الوصية الأولى
كانت أمامة بنت الحارث تَغلبية من فضليات النساء في العرب، ولها حكم مشهورة في الأخلاق والمواعظ، لما تزوج الحارث بن عمرو ملك كندة ابنتها أم إياس بنت عوف، وأرادوا أن يحملوها إلى زوجها، أوصتها أمها في ليلة الزفاف إلى زوجها بوصية قيمة قالت فيها: أي بنية! إن الوصية لو كانت تترك لفضل أدب، أو لتقدم حسب؛ لرويت ذلك عنك ولأبعدته منك، ولكنها تذكرة للعاقل ومنبهة للغافل.
أي بنية! لو استغنت امرأة عن زوج بفضل مال أبيها لكنت أغنى الناس عن ذلك، ولكنا للرجال خلقنا كما خلقوا لنا.
أي بنية! إنك قد فارقت الحمى الذي منه خرجت، والعش الذي فيه درجت، إلى وكر لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه، أصبح بملكه عليك مليكاً، فكوني له أمةً يكن لك عبداً وشيكاً، واحفظي عني خلالاً عشراً يكن لك ذكراً وذخراً: أما الأولى والثانية: فالصحبة بالقناعة، والمعاشرة بحسن السمع والطاعة، فإن في القناعة راحة القلب، وفي حسن المعاشرة مرضاة الرب.
وأما الثالثة والرابعة: فالمعاهدة لموضع عينيه، والتفقد لموضع أنفه، فلا تقع عيناه منك على قبيح، ولا يشم منك إلا أطيب ريح، واعلمي -يا بنية- أن الكحل أحسن الحسن الموجود، والماء أطيب المفقود.
والخامسة والسادسة: التعاهد لوقت طعامه، والتفقد لحين منامه، فإن حرارة الجوع ملهبةً، وتنغيص حاله مكربة.
وأما السابعة والثامنة: فالاحتفاظ ببيته وماله، والرعاية لحشمه وعياله، فإن حفظ المال أصل التقدير، والرعاية للحشم والعيال من حسن التدبير.
وأما التاسعة والعاشرة: فلا تفشين له سراً، ولا تعصين له أمراً، فإنك إن أفشيت سره لم تأمني غدره، وإن عصيت أمره أوغرت صدره.
واتقي مع ذلك كله الفرح إذا كان ترحاً، والاكتئاب إذا كان فرحاً، فإن الأولى من التقصير والثانية من التكدير، وأشد ما تكونين له إعظاماً، أشد ما يكون لك إكراماً، وأشد ما تكونين له موافقةً، أطول ما يكون لك مرافقةً.
واعلمي -يا بنية- أنك لا تقدرين على ذلك حتى تؤثري رضاه على رضاك، وتقدمي هواه على هواك فيما أحببت أو كرهت.
والله يضع لك الخير وأستودعك الله.
стр. 119
الوصية الثانية
هي وصية أم ممزوجة بالفرحة والدموع، نصحت فيها ابنتها المقبلة على حياتها الجديدة قائلةً: يا بنيتي! أنت مقبلة على حياة جديدة، حياة لا مكان فيها لأمك أو لأبيك، أو لأحد من إخوتك، فتصبحين صاحبةً لرجل لا يريد أن يشاركه فيك أحد، حتى لو كان من لحمك ودمك.
كوني له زوجةً وأماً.
اجعليه يشعر أنك كل شيء في حياته، وكل شيء في دنياه.
اذكري دائماً أن الرجل -أي رجل- طفل كبير أقل كلمة حلوة تسعده.
لا تجعليه يشعر أنه بزواجه منك قد حرمك من أهلك وأسرتك، إن هذا الشعور نفسه قد ينتابه هو، فهو أيضاً قد ترك بيت والديه وترك أسرته من أجلك، ولكن الفرق بينك وبينه هو الفرق بين المرأة والرجل، المرأة تحن دائماً إلى أسرتها، وإلى بيتها الذي ولدت فيه ونشأت وكبرت وتعلمت، ولكن لابد لها أن تعوّد نفسها على هذه الحياة الجديدة.
لابد لها أن تكيف حياتها مع الرجل الذي أصبح لها زوجاً وراعياً وأباً لأطفالها.
هذه هي دنياك الجديدة هذا هو حاضرك ومستقبلك هذه هي أسرتك التي شاركتما أنت وزوجك في صنعها، أما أبواك فهما ماض.
إني لا أطلب منك أن تنسي أباك وأمك وإخوتك، لأنهم لن ينسوك أبداً يا حبيبتي، وكيف تنسى الأم فلذة كبدها؟! ولكن أطلب منك أن تحبي زوجك وتعيشي له، وتسعدي بحياتك معه.
هاتان الوصيتان الجميلتان -كما أسلفت- من أمين فاضلتين عاقلتين.
هكذا يغرس أرباب الحجا في حياة النشء غرس الأوفيا
ويا ليت أن الأمهات يحرصن على وصية بناتهن بمثل هذه الوصايا الجميلة، خاصةً إذا كانت البنت قد أقبلت على بيت زواجها وعلى الأنس بزوجها، فإنها بحاجة إلى مثل هذه الوصايا.
فإذا الدنيا شراع هادئ والمنى تسبح في بحر طليق
أنتما في رحلة العمر معاً تبنيان العش كالروض الأنيق
стр. 120
من أساليب السحر الحلال
стр. 121
استقبال الزوج والبشاشة في وجهه
خرج الرجل من عمله متعباً مرهقاً، فقد قضى يوماً شاقاً مليئاً بصخب المراجعين، ومشاكل العمل وكثرة المعاملات، وزاد الزحام في الشوارع تعبه تعباً، ثم فتح باب بيته يريد الهدوء والراحة والسكن النفسي في مملكته الخاصة، فتح الباب فإذا الساحرة أمامه، دخل ليجد السعادة مع زوجته وأطفاله، فإذا زوجته بجمالها تستقبله وقد ارتسمت ابتسامة جميلة على محياها، وإذا هي تطبع قُبلةً حانيةً على خده مهللةً مرحبةً، فوقع السحر ونسي هموم يومه وذهب التعب والإرهاق، يلتفت يمنةً ويسرةً فإذا البيت جميل ونظيف، وإذا الطعام الشهي قد أعد، وإذا بأطفاله كالورود بجمال لباسهم، وإذا بالروائح الزكية تفوح من أركان البيت، فيا لها من سعادة وأنس ورحابة كل ذلك بفضل الله ثم بفضل تلك اللمسات الساحرة من يدي تلك الزوجة الغالية التي تعدل الدنيا وما فيها.
وانظري لزوجة أبي مسلم الخولاني واستقبالها له: فقد كان أبو مسلم الخولاني إذا انصرف من المسجد إلى منزله كبر على باب منزله فتكبر زوجته، فإذا كان في صحن داره كبر فتجيبه امرأته، فإذا بلغ إلى باب بيته كبر فتجيبه امرأته، فانصرف ذات ليلة فكبر عند باب داره فلم يجبه أحد، فلما كان في الصحن كبر فلم يجبه أحد، فلما كان في بيته كبر فلم يجبه أحد، وكان إذا دخل بيته -وهو الشاهد- أخذت امرأته رداءه ونعليه ثم أتته بطعام.
قال: فدخل فإذا البيت ليس فيه سراج، وإذا امرأته جالسة منكسة تنكت بعود معها، فقال لها: ما لك؟ فقالت: أنت لك منزلة من معاوية وليس لنا خادم، فلو سألته فأخدمنا -أي جعل لنا خادماً- وأعطاك، فقال: اللهم من أفسد علي امرأتي فأعم بصره -وقد كان معروفاً بإجابة الدعاء-.
قال: وقد جاءتها امرأة قبل ذلك فقالت لها: زوجك له منزلة عند معاوية، فلو قلت له أن يسأل معاوية أن يخدمه ويعطيه، قال: فبينا تلك المرأة جالسة في بيتها إذ أنكرت بصرها فقالت: ما لسراجكم أطفئ؟! قالوا: لا، فعرفت ذنبها؛ فأقبلت إلى بيت أبي مسلم تبكي تسأله أن يدعو الله لها يرد عليها بصرها، قال: فرحمها أبو مسلم فدعا الله لها فرد عليها بصرها.
والشاهد أقول: انظري أيتها الأخت الصالحة! كان إذا دخل إلى بيته استقبلته زوجه فأخذت رداءه ونعليه ثم أتته بالطعام.
إذاً فالزوجة الذكية هي التي تعرف كيف تكسب قلب زوجها، وأن تكون دائماً زوجةً جديدةً في حياته، فالكلمة الحلوة زينة، والبسمة المشرقة جمال، والرائحة الطيبة بهجة، والفستان الأنيق واللمسات اللطيفة للشعر والاختيار الموفق لبعض الحلي البسيط المنسجم مع لون البشرة والثوب، والنظافة المستمرة طهارة وعبادة، فأنت حورية الدنيا، وسيدة القصور في جنات النعيم بإذن الله.
تعلمي -أيتها الزوجة! - من القرآن أخلاق الحور، وتسابقي معهن إلى قلب زوجك، واجعلي دنياه جنةً، البسي له الحرير وضعي له العطور وغني له كما تغني الحور:
لزوجة مطيعه عينك عنها راضيه
وطفلة صغيره محفوفة بالعافيه
وغرفة نظيفه نفسك فيها هانيه
ولقمة لذيذه من يد أغلى طاهيه
خير من الساعات في ظل القصور العاليه
تعقبها عقوبة يُصلى بنار حاميه
- صورة بدون تعليق: دخل الزوج إلى بيته، فوجد في المدخل الرئيسي ألعاب وملابس الأطفال مرميةً يمنةً ويسرةً، قابله الأطفال بملابس متسخة وروائح كريهة، وقابلته الزوجة بتكشير وتذمر من الأطفال، وصراخ وشكوى وتبرم وضيق، ووجه عابس غاضب.
وجد البيت فوضى، إزعاج وقذارة وهم وغم، أراد وجبة الغداء وبعد زعيق وصراخ أعدت الغداء، ذهب الرجل إلى غرفته ليأخذ قسطاً من الراحة بعد التعب من الدوام، وجد الغرفة مبعثرةً والسرير غير مرتب وعليه بقايا من بسكويت الأطفال، وربما وجد رضاعة أحد الأطفال على الوسادة، وفرشة الغرفة متسخة، فقد سال عليها حليب أحد الأطفال، فتمنى لو أنه عاد من حيث أتى!!! وبدون تعليق!!
стр. 122
التجمل والتزين له
إن المرأة بأنوثتها ونعومتها فقط قادرة على كسب قلب الرجل والتأثير فيه، فكيف إذا أضيف إليه التزين والتحلي؟ عندها وقع السحر فأصبح الرجل أسيراً كسيراً.
فعن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ : (ما تركت بعدي فتنةً هي أضر على الرجال من النساء) .
فسماها ﷺ فتنةً.
فيا أيتها الزوجة! إنك تشتكين كثرة خروج زوجك وعدم جلوسه معك، وتشتكين سوء أخلاقه وتصرفاته، وربما أوجع قلبك بكثرة ذكره للنساء والزواج من أخرى، وربما اشتكيت من عدم حبه لك أو عدم قضائه حوائجك، أو اشتكيت من تغيره فلم يعد ذلك الزوج الذي عرفتيه أيام الزواج الأولى، أو غير ذلك من المشاكل.
فأقول لك أيتها المباركة: فقط انظري إلى حالك وهيئتك داخل البيت، فمع مرور الأيام والشهور والسنين تركت ذلك السلاح الذي كنت تستعملينه معه، لم يعد يرى ذلك الجمال وتلك الزينة، لم يعد يسمع تلك الكلمات الرقيقة والهمسات الحانية، فهو لا يرى سوى التبذل، ولبس الثياب البالية، والشعر المنفوش، والوجه العبوس، ولا يسمع سوى صراخ الأطفال والسب والشتائم وكثرة الطلبات ورنين الهاتف وكثرة التشكي! فما هذه الأسنان التي فيها بقايا البيض والبقل والمكسرات؟ وما هذه الحموضة التي تنبعث من العنق ساعة الاعتناق؟ حتى إذا أصابه الاختناق وأراد الافتراق ونادى بالطلاق، ذهبت تبحثين عن مشعوذ أو ساحر ليعيد لك الوفاق؟!! وأنت أنت عندك السحر الحلال، ولكن لا تشعرين، أو أنك تهملين! قال الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:١٨] أي: المرأة قد جبلت من صغرها على حب التزين والتحلي، فهي فطرة عند المرأة.
أصبح كثير من الأزواج اليوم -واسمعي أيتها الصالحة- لا يرى جمال زوجته إلا عند خروجها للمناسبات والعزائم، فيراها في أبهى صورة وأجمل حُلة، وإذا حدثها ضحكت، وقالت: أنت لست غريباً! حجة شيطانية، ووسوسة إبليسية، كانت سبباً في هدم بيوت كثيرة! إذاً: فعلاج المشاكل كلها بيدك أيتها الساحرة، فأنت تملكين السحر الحلال الذي قد يكون سبباً لدخولك في الجنة! فهل تعقل النساء أنه لا حق عندها أعظم من حق زوجها إلا حق ربها ؟! فليتنبه لهذا نساء زماننا! قال ابن الجوزي في صيد الخاطر: ومن الناس من يستهين بهذه الأشياء، فيرى المرأة متبذلةً تقول: هذا أبو أولادي، ويتبذل هو؛ فيرى كل واحد من الآخر ما لا يشتهي، فينفر القلب وتبقى المعاشرة بغير محبة.
стр. 123
وقفات مع التجمل والتزين
الوقفة الأولى: إنفاق الأموال في الزينة طلباً لإطراء النساء: أقف هذه الوقفة وأرجو ألا يسمعها الرجال؛ فهي سر للنساء فقط فأقول: إن أكثر ما تصرفه المرأة من المال اليوم؛ إنما هو لشراء أدوات الزينة من العطورات، ومستحضرات التجميل إلى آخره، وأكثر ما نشاهده في الأسواق هو محلات الخياطة النسائية، ومعارض الملابس النسائية؛ مما يدل على كثرة الإقبال عليها، وأغلب أوقات المرأة ينصرف في الوقوف أمام المرآة والاهتمام بشكلها، كل ذلك يصرف ويضيع، والمصيبة أن الزوج ليس له من هذا نصيب! فلمن إذاً؟! لا يهمها كثيراً إعجاب زوجها، إنما المهم إعجاب صديقاتها ومعارفها، فهي تباهي وتفاخر لانتزاع عبارات الإطراء والإعجاب من أفواه النساء! إذاً فالدافع لتجمل أكثر النساء اليوم هو حب الظهور والبروز، وامرأة تصرف جهدها ووقتها ومالها واهتمامها في مطلب كهذا لا شك أن لديها سفهاً وشعوراً بالنقص.
على أن هذه النزعة تختلف من امرأة إلى أخرى، فالنساء لسن سواءً، وغالب من تعمد إلى تلك الأساليب، وإلى تطبيق أحدث الموضات على نفسها، الغالب أن يكون عندها نقص فيما حباها الله به من الجمال، فتبالغ بل وتفرط في أمور الزينة للتعويض عن ذلك النقص.
الوقفة الثانية: ضوابط الزينة: إن لهذه الزينة ضوابط وحدوداً يجب أن تراعى، فعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (لعن الله الواشمات والمستوشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات لخلق الله) .
فاحذري! سخط الله ولعنته، فهذه الأعمال محرمة، وإذا كان التجمل والتزين فيه تشبه بالكفار أو تشبه بالرجال أو كان لباس شهرة، فكل ذلك محرم، فعن النبي ﷺ قال: (من لبس ثوب شهرة ألبسه الله إياه يوم القيامة ثم ألهب في النار) أخرجه أبو داود في سننه وهو صحيح.
أو كان التزين للأجانب، أو للخروج إلى الأسواق، أو غير ذلك، فهو كذلك محرم، مغضب لله تعالى.
- ولا أنسى أن أقول: إن أجمل وسائل الزينة السواك، وكثرة المضمضة، والعبادة، فإن كثرة العبادة لها نور وجمال في الوجه، قال تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ [الفتح:٢٩] ، وقال ﷺ : (الصلاة نور) ، نور حسي ومعنوي، وأما الحسي فنور الوجه وجماله.
стр. 124
المرح والمزاح واللطف مع الزوج
وهذا أسلوب آخر من أساليب السحر الحلال؛ وذلك لأني أسمع الكثير من الشباب عند البحث عن الزوجة، فإنهم يجمعون على قولهم: أريدها مرحةً! فإنها بكلماتها الرقيقة، وبسماتها العذبة، تملأ أركان البيت سعادةً، وبحركاتها الخفيفة وألعابها الجديدة، تبدد الروتين والملل في حياتها الزوجية.
فتذكروا جيداً تلك الكلمات الغالية من قدوتنا وحبيبنا ﷺ عندما قال لـ جابر ﵁: (هلا بكراً تلاعبها وتلاعبك، وتضاحكها وتضاحكك!) فهي بتوددها لزوجها، والاقتراب منه، والقعود إلى جنبه وملاطفته، تأسر عين زوجها، وتملك قلبه ولبه فلا ينظر إلى غيرها.
- فن التعامل مع الزوج: اسمعي لهذا الموقف من أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: (وجد رسول الله ﷺ على صفية -أي غضب على صفية - فقالت صفية لـ عائشة: هل لك إلى أن ترضين رسول الله ﷺ عني وأجعل لك يومي؟! قالت عائشة: قلت: نعم! فأخذت خماراً لها مصبوغاً بزعفران فرششته بالماء، ثم تقول: اختمرت به فدخلت عليه بيومها -أي في يوم صفية - فجلست إلى جنبه فقال: إليك يا عائشة فليس هذا بيومك، فقلت: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء! ثم أخبرته خبري) .
أخرجه ابن ماجة في سننه، وقال الألباني في الإرواء: رجاله ثقات رجال مسلم غير سمية وهي مقبولة عند الحافظ ابن حجر.
أرأيت يا ابنة التوحيد إلى فن التعامل مع الزوج؟! استفيدي من معلمة الرجال والأجيال عائشة ﵂، تجملاً وتطيباً، واقتراباً للزوج وتكسراً له؛ فتملكين القلب وتأسرين النفس، فسبحان من أودع هذا السحر في المرأة! ولذلك كانت الدعوات الأولى في أول لقاء، وأول نظرة ولمسة: (اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه) .
ومن شرها: مزاج نكد، ونفسية متعكرة، وشكاية، وتبرم وضيق، وهم وغم، وانطواء ووسوسة، وعبوس وتكشير، نعوذ بالله من شرها! ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ [الفرقان:٧٤] .
стр. 125
الاعتراف بجميل الزوج وشكره
وقد قال ﷺ : (يا معشر النساء! تصدقن؛ فإني رأيتكن أكثر أهل النار، فقالت امرأة: بم يا رسول الله؟ قال ﷺ : تكثرن اللعن وتكفرن العشير، قالت: وما كفرانه؟ قال: لو أحسنت إلى إحداهن الدهر، ثم رأت منك شيئاً قالت: ما رأيت منك خيراً قط!) أخرجه البخاري في صحيحه.
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (لا ينظر الله ﵎ إلى امرأة لا تشكر زوجها وهي لا تستغني عنه) أخرجه النسائي والبزار في إسنادين أحدهما رواته رواة الصحيح، وقال الحاكم بعد أن ذكره في المستدرك: صحيح الإسناد.
وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: (لو كان من قدمه إلى مفرق رأسه قرحة تنبجس بالقيح والصديد ثم استقبلته فلحسته ما أدت حقه) أخرجه الإمام أحمد في المسند والنسائي بإسناد جيد.
ورواه ابن أبي شيبة في المصنف والبزار وابن حبان والحاكم عن أبي سعيد بلفظ آخر أن النبي ﷺ قال: (حق الزوج على زوجته لو كانت به قرحة فلحستها أو انتشر منخراه صديداً أو دماً ثم ابتلعته ما أدت حقه) قال المنذري في الترغيب: رواه البزار بإسناد جيدورواته مشهورون.
فيا أيتها الزوجة المسلمة! اتقي الله، وأدي الأمانة التي أنت مسئولة عنها، وهي طاعة الزوج والإحسان إليه، والاعتراف بجميله وشكره.
وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها، ولا تجد حلاوة الإيمان حتى تؤدي حق زوجها ولو سألها نفسها وهي على ظهر قتب) أخرجه الإمام أحمد وابن ماجة وابن حبان.
فيا أيتها المباركة! كلمات شكر وثناء، عذبة الألفاظ، رقيقة المعاني؛ سحر تفعل في الرجال الأفاعيل.
стр. 126
الاعتذار والرجوع إليه عند الخطأ
إن المرأة بشر، وهي عرضة للتقصير في حق زوجها مهما حرصت، فكيف هي إذا أهملت أو غفلت عن هذا الحق؟! ولذلك فمن أعظم الأساليب التي تعوض بها المرأة هذا التقصير: الاعتذار للزوج، والرجوع إليه عند الخطأ.
وإني على يقين أن أحلى كلمة يسمعها الرجل من زوجته هي عندما تعتذر إليه مهما كان الخطأ.
وهذا ليس إذلالاً للمرأة كما تتصوره بعض النساء، ولا تكبراً من الرجل كما يصوره الشيطان وأعوانه، إذاً فلماذا؟! لأن نفس الرجل جبلت على محبة المرأة والفتنة بكلماتها، وإن كلمة التأسف، والاعتذار من الزوجة لزوجها، لها سحر عجيب وتأثير غريب، مجرد كلمات طيبات، وفجأةً ينقلب الغضب إلى رضا، والعبوس إلى ابتهاج، فيصبح الأسد حملاً وديعاً وتتحول الحمرة من حمرة غضب إلى حمرة خجل! مسكين أنت أيها الرجل! كل ذلك سببه السحر الحلال الذي أنعم الله به على المرأة المسلمة.
فعن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: (نساؤكم من أهل الجنة الودود الولود العئود على زوجها، التي إذا غضب جاءت حتى تضع يدها في يد زوجها وتقول: لا أذوق غمضاً حتى ترضى!) أخرجه النسائي وغيره، وله شاهد أيضاً من حديث أنس أخرجه الطبراني في الصغير وهو حسن بمجموعهما كما في الصحيحة للألباني.
قال المناوي في فيض القدير: فمن اتصفت بهذه الأوصاف منهن، فهي خليقة بكونها من أهل الجنة، وقلما نرى فيهن من هذه صفاتها.
اهـ.
فأين أنت أيتها الصالحة لتكوني من أهل الجنة؟! لماذا تحرمين نفسك أن تكوني من أهل الجنة؟! اسمعي أيتها المباركة! نعيم في الدنيا بالسعادة الزوجية، ونعيم في الآخرة بأن تكوني من أهل الجنة، فقط اتصفي بهذه الصفات: الودود المتحببة إلى زوجها، الولود كثيرة الأولاد، العئود المعتذرة الراجعة لزوجها عند التقصير.
أيتها الحانية! إنها كلمات: فقط استعيذي بالله من الشيطان، وجاهدي النفس الأمارة بالسوء، وجاهدي ذلك الكبر الذي قد يحصل في النفس عند الغضب والخلاف، ثم ضعي يدك في يد زوجك وعندها يقع السحر فتصفو الحياة، وهكذا عند كل خلاف، وعند كل غضب، فالعلاج بيدك.
وإياك إياك من تفريق الشمل ونكادة العيش، فالبيت السعيد ليس الذي خلا من المشاكل، بل الذي عرف كيفية علاجها والتعامل معها.
стр. 127
معاشرته بحسن السمع والطاعة
بشرط أن تكون هذه المعاشرة طاعةً في غير معصية الله ، وهذا نوع آخر من أنواع السحر الذي تملكه المرأة لكسب قلب زوجها، بل وفوق ذلك كسب رضا ربها، فطاعته من قمة العبادات إذ هي مقرونة بالصلاة والصيام.
عن عبد الرحمن بن عوف قال: إن النبي ﷺ قال: (إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي الجنة من أي أبواب الجنة شئت) .
ما أعظم هذا الفضل أيتها المرأة! وروى البزار والطبراني أن امرأةً جاءت إلى الرسول ﷺ فقالت: (أنا وافدة النساء إليك، هذا الجهاد كتبه الله تعالى على الرجال فإن أصيبوا أثيبوا -أي: أجروا- وإن قتلوا كانوا أحياء عند ربهم يرزقون، ونحن معشر النساء نقوم عليهم، فما لنا من ذلك الأجر؟ فقال ﷺ : أبلغي من لقيت من النساء أن طاعة الزوج والاعتراف بحقه يعدل ذلك) يعدل ماذا؟! يعدل أجر الجهاد في سبيل الله! (وقليل منكن من يفعله) .
ولا شك أن من طاعته أن تلبي طلبه إذا دعاها إلى الفراش، وكم نسمع من المشاكل في مثل هذا الباب، فإن أعظم غايات الزواج أن يعف الرجل نفسه فلا يقع في الحرام، فإذا دعاها وامتنعت ذهبت هذه الغاية، وكان الرجل معرَّضاً للوقوع في الحرام.
فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فلم تأته فبات غضبان عليها؛ لعنتها الملائكة حتى تصبح) متفق عليه.
إذاً: فتمنعها في الفراش من أغلظ المحرمات، فإن فعلت ذلك تقلبت في لعنة الله وملائكته والعياذ بالله! وقال ﷺ : (والذي نفسي بيده! ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى عليه؛ إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها حتى يرضى عنها) أي: زوجها.
وقال ﷺ : (إذا دعا الرجل زوجته لحاجته، فلتأته وإن كانت على تنور) .
وفي الحديث قال ﷺ : (وإن سألها نفسها وهي على ظهر قتب لا تمنعه نفسها) .
إذاً: فيا أيتها المرأة، لا يجوز للزوجة أن تمنع نفسها عن زوجها ولا يحل لها ذلك باتفاق المسلمين، بل يجب عليها أن تطيعه إذا طلبها إلى الفراش وذلك فرض واجب عليها، فاحذري أيتها الصالحة من غضب الجبار.
ثم أيضاً: قبول الأعمال متوقف على طاعة الزوج: فعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (اثنان لا تجاوز صلاتهما رءوسهما: عبد أبق من مواليه حتى يرجع، وامرأة عصت زوجها حتى ترجع) رواه الطبراني بإسناد جيد والحاكم وله شواهد.
وعن ابن أبي أوفى في حديث قال ﷺ : (والذي نفسي بيده! لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها) أخرجه ابن ماجة وابن حبان والطبراني وإسناده جيد.
ومن طاعته: الحرص على إرضائه مهما كان الأمر، فعن أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راض، دخلت الجنة!) أخرجه ابن ماجة والترمذي وحسنه الحاكم وقال عنه: صحيح الإسناد.
ما أسهل دخولكِ الجنة أيتها المرأة! فمتى تعقلين وتنتبهين لمثل هذه الأمور؟! والمرأة تملك وسائل الإرضاء: جمالها عذوبة ألفاظها رقتها كل ذلك من نعم الله عليها، وستسأل عن شكرها واستعمالها في حقها، هل استعملتْها في حقها أم لا؟ ثم إليك سراً من أسرار الرجال، وأعتذر للرجال فقد فضحت أسرارهم في مثل هذا اليوم! إليك سراً من أسرار الرجال أيتها المرأة: الرجل سريع الغضب سريع الرضا، وخاصةً أمام المرأة، فأين سحرك الحلال؟!!
стр. 128
قبول الأعمال متوقف على طاعة الزوج
فعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (اثنان لا تجاوز صلاتهما رءوسهما: عبد أبق من مواليه حتى يرجع، وامرأة عصت زوجها حتى ترجع) رواه الطبراني بإسناد جيد والحاكم وله شواهد.
وعن ابن أبي أوفى في حديث قال ﷺ : (والذي نفسي بيده! لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها) أخرجه ابن ماجة وابن حبان والطبراني وإسناده جيد.
ومن طاعته: الحرص على إرضائه مهما كان الأمر، فعن أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راض، دخلت الجنة!) أخرجه ابن ماجة والترمذي وحسنه الحاكم وقال عنه: صحيح الإسناد.
ما أسهل دخولكِ الجنة أيتها المرأة! فمتى تعقلين وتنتبهين لمثل هذه الأمور؟! والمرأة تملك وسائل الإرضاء: جمالها عذوبة ألفاظها رقتها كل ذلك من نعم الله عليها، وستسأل عن شكرها واستعمالها في حقها، هل استعملتْها في حقها أم لا؟ ثم إليك سراً من أسرار الرجال، وأعتذر للرجال فقد فضحت أسرارهم في مثل هذا اليوم! إليك سراً من أسرار الرجال أيتها المرأة: الرجل سريع الغضب سريع الرضا، وخاصةً أمام المرأة، فأين سحرك الحلال؟!!
стр. 129
خدمة الزوج والقيام على شئونه
فالزوجة الصالحة تتقرب إلى الله جل وعلا بخدمة زوجها، وبعض النساء قد حباها الله حسن تصرف، وعقل وتدبير؛ حتى أنها تقوم ببعض الأعمال الخاصة بزوجها نيابةً عنه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
فلماذا لا تحرص الزوجة على خدمة زوجها، وهو جنتها ونارها؟! كما في حديث حصين بن محصن: (أن امرأة أتت النبي ﷺ في حاجة ففرغت من حاجتها فقال لها النبي ﷺ : أذات زوج أنت؟ قالت: نعم.
قال: كيف أنت له؟ قالت: ما آلوه إلا ما عجزت عنه -أي لا أقصر في طاعته وخدمته- قال: فانظري أين أنت منه، فإنما هو جنتك ونارك) أخرجه أحمد في المسند وابن أبي شيبة وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وقال المنذري في الترغيب: رواه أحمد والنسائي بإسنادين جيدين.
قال المناوي في شرح هذا الحديث: (انظري أين أنت منه) أي: في أي منزلة أنت منه، أقريبة من مودته، مسعفة له عند شدته، ملبية لدعوته، أم متباعدة من مرامه، كافرة لعشرته وإنعامه.
(فإنما هو جنتك ونارك) أي: هو سبب لدخولك الجنة برضاه عنك، وسبب لدخولك النار بسخطه عليك، فأحسني عشرته، ولا تخالفي أمره فيما ليس بمعصية.
اهـ.
وأيضاً أذكر هذا المثال من حال نساء الصحابة، وكيف كن يخدمن أزواجهن: فعن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: (تزوجني الزبير وما له في الأرض من مال، ولا مملوك ولا شيء غير ناضح وفرسه، فكنت أعلف فرسه، وأستقي الماء وأخرز غربه -أي أخيط دلوه- وأعجن، ولم أكن أحسن أخبز، وكان يخبز لي جارات من الأنصار، وكن نسوة صدق، وكنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله ﷺ على رأسي، وهي مني على ثلثي فرسخ، فجئت يوماً والنوى على رأسي فلقيت رسول الله ﷺ ومعه نفر من الأنصار، فدعاني ثم قال: إخ إخ -كلمة تقال للبعير ليبرك- ليحملني خلفه، فاستحييت أن أسير مع الرجال وذكرت الزبير وغيرته وكان أغير الناس، فعرف رسول الله ﷺ أني قد استحييت فمضى، فجئت الزبير فقلت: لقيني رسول الله ﷺ وعلى رأسي النوى ومعه نفر من أصحابه، فأناخ لأركب فاستحييت منه وعرفت غيرتك، فقال: والله لحملك النوى كان أشد علي من ركوبك معه، قالت: حتى أرسل إلي أبو بكر بعد ذلك بخادم يكفيني سياسة الفرس، فكأنما أعتقني) .
انظري لـ أسماء ﵂ أيتها الصالحة، ما اشتكت كثرة الخدمة لزوجها مع شدة ما كانت تفعله، وما تبرمت وما تضايقت، ومع ذلك انظري أيضاً لـ أسماء وهي تراعي خاطر زوجها وشعوره، عرفت نفسية الزوج، فالزوجة من خلال حياتها مع زوجها تعرف نفسية زوجها، وتعرف كيف تتصرف مع زوجها فتقدر له حقه حق القدر.
اليوم البيوت مليئة بالخادمات وبالسائقين، وربما الأطفال أيضاً يجلس عندهم في الصباح، وكثير من مشاغل البيت يقوم فيها الكثير من الخدم والحشم، والمرأة لا تدري ماذا تفعل! ولذلك كثر وقت الفراغ لدى المرأة، فلما كثر وقت الفراغ كثرت الهموم والمشاكل والوساوس، وبالتالي كثرت المشاكل بين الزوجين، فانظري -أيتها المرأة الصالحة- إلى حال هذه المرأة الصالحة وكيف كانت تقوم بخدمة زوجها وبيتها.
стр. 130
الوظيفة ما لها وما عليها
فإياك أن تكون الوظيفة سبباً لزعزعة الأسرة، والكلام هنا يطول ولكن أكتفي بما يناسب الموضوع وأترك بقيته في موضوع آخر، أسأل الله أن ييسره بعنوان: (أخطار تهدد المرأة) .
وعمل المرأة بالشروط التالية: ١/ أن يكون مباحاً.
٢/ أن يناسب المرأة.
٣/ أن لا تختلط بالرجال.
٤/ أن تلتزم بحجابها الشرعي.
٥/ أن تراقب الله فيه.
٦/ وهو أهمها: ألا يؤثر العمل سلبياً على مهمتها الأولى.
ومهمة المرأة الأولى هي القيام ببيتها وزجها وأولادها.
والذي يهمنا هنا هو الأخير، هل تستطيع المرأة حقاً الجمع بين الزوج والأولاد وبيتها وبين الوظيفة؟! الأمر يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال والأمكنة والأزمان، ولسنا نستطيع أن نذكر ضابطاً تفصيلياً فيه.
يقول سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى: إن عمل المرأة بعيداً عن الرجال إن كان فيه مضيعة للأولاد وتقصير بحق الزوج من غير اضطرار شرعي لذلك يكون محرماً، لأن ذلك خروج عن الوظيفة الطبيعية للمرأة، وتعطيل للمهمة الخطيرة التي عليها القيام بها، مما ينتج عنه سوء بناء الأجيال وتفكك عرى الأسرة التي تقوم على التعاون والتكامل والتضامن، ومساهمة كل من الزوجين بما هيأ الله له من الأسباب التي تساعد على قيام حياة مستقرة آمنة مطمئنة، يعرف فيها كل فرد واجبه أولاً وحقه ثانياً.
اهـ.
فعلى المرأة أن تراجع نفسها، وتراقب ربها، وتتقي الله في حق زوجها وأطفالها، وإن اضطرها ذلك لترك العمل فليس كثيراً، فمن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، هذا ما أستطيع قوله هنا والموضوع فيه أخذ ورد.
ولكن قبل ترك هذا العنصر إليك هذه الصورة: - النساء والمأساة: نهارها بالمدرسة، أطفالها عند الخادمة، طعامهم تعده الخادمة، وربما تطبخ بالليل غداء النهار، في الظهر متعبة جداً، وفي العصر نائمة وربما في زيارة، تحضير للدروس في الليل واهتمام بالرءوس، ثم هي متعبة فترمي بنفسها على فراشها جثةً هامدة، وزوجها المسكين ينظر إليها بعين الشفقة والرحمة، واللوم والعتاب، فلا يملك إلا أن يتجرع الهم وعليه بالصبر، ولا ينسى الصوم؛ فإنه له وجاء، والفتن في كل مكان، ففي الأسواق، والمحلات، والتلفاز، ووسائل الإعلام نساء، ومن فوقه ومن تحته نساء وعن يمينه وعن شماله نساء، والنبي ﷺ يقول: (ما تركت بعدي فتنةً هي أضر على الرجال من النساء) .
وإياك إياك مجرد التفكير في التعدد؛ فستغضب عليك النساء، إذاً فما العمل؟! عليك بقراءة القرآن لكن احذر أن تمر بسورة النساء!!
стр. 131
إعانته على طاعة الله وحثه على فعل الخيرات
وإليك أيتها الصالحة هذه الوصية فأقول: كل خلاف يجري بين الزوجين؛ إنما هو بمعصية الله، فاحذري المعاصي وطهري بيتك من كل ما يغضب الله، واسمعي قول الله : ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠] .
فما أعظم نتائج السحر الحلال، وتأثيره يوم أن تكون بجمالها ورقتها وأنوثتها، وعذوبة ألفاظها وحسن تعاملها؛ سبباً في صلاح زوجها وإعانته على طاعة الله، وحثه على الأعمال الصالحة، وإلا فاحذري! فإن من أعطاك هذه النعم قادرٌ على إزالتها (بكن فيكون) فكوني شاكرةً لهذه النعم، وتذكري قول الحق: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧] .
تذكري وانظري إلى من حولك من النساء، كم من البيوت هدمت بسبب كثرة المعاصي اللاتي يقعن فيها أو اللاتي امتلأت البيوت بها، فانتبهي رعاك الله! - جمعتنا الطاعة وفرقتنا المعصية: واسمعي أيتها الغالية، قالت: كنا معاً في أطيب حال وأهنأ بال، كُنَّا زوجين سعيدين متعاونين على طاعة الله، وعندنا القناعة والرضا، طفلتنا مصباح الدار، ضحكاتها تفتق الزهور، إنها ريحانة تهتز، فإذا جن علينا الليل ونامت الصغيرة قمت معه نسبح الله، يؤمني ويرتل القرآن ترتيلاً، وتصلي معنا الدموع في سكينة وخشوع، وكأني أسمعها وهي تفيض قائلةً: أنا إيمان فلان وفلانة! وذات يوم أردنا أن تكثر الفلوس؛ اقترحت على زوجي أن نشتري أسهماً ربويةً لتكثر منها الأموال فندخرها للعيال، فوضعنا فيها كل ما نملك حتى حلي الشبكة! ثم انخفضت أسهم السوق، وأحسسنا بالهلكة فأصبح الريال قرشاً، وشربنا من الهموم كأساً، وكثرت علينا الديون والتبعات، وعلمنا أن الله يمحق الربا ويربي الصدقات، وفي ليلة حزينة خوت فيها الخزينة؛ تشاجرت مع زوجي فطلبت منه الطلاق، فصاح: أنت طالق أنت طالق! فبكيت وبكت الصغيرة، وعبر الدموع الجارية، تذكرت جيداً يوم أن: جمعتنا الطاعة وفرقتنا المعصية.
إذاً: فيا أيتها الزوجة! لا يختلف اثنان على أن المعصية تجلب الهم والغم، وتولد الشقاء والتعاسة، وتجلب سواداً في الوجه وقسوةً في القلب، وتتبدل السعادة إلى شقاء والحب إلى كره إلى غير ذلك.
قال أحد السلف: إني لأعصي الله فأرى ذلك في خلق امرأتي ودابتي.
وقال ابن القيم: وللمعاصي من الآثار القبيحة المذمومة المضرة بالقلب والبدن، في الدنيا والآخرة، ما لا يعلمه إلا الله.
ومن المعاصي التي انتشرت وكانت سبباً في شقاء كثير من البيوت: أولاً: ترك الصلاة وتأخيرها عن وقتها وخاصةً من المرأة.
ثانياً: امتلأت البيوت بوسائل الإعلام الفاسدة: التلفاز، الفيديو، وربما الدش.
ثالثاً: مشاهدة الأفلام واستماع الأغاني، وشراء وقراءة المجلات الماجنة.
رابعاً: دخول السائق والخادمة إلى المنزل بلا ضرورة.
خامساً: الخروج إلى الأسواق بملابس الزينة وبدون محرم.
سادساً: الأزياء الفاضحة، والتشبه بالكافرين، وغيرها من الآثام والمعاصي.
اعلمي أيتها الزوجة! أن دور الزوجة في تقوى زوجها المسلم، وثباته على دينه، وعطائه لدعوته دور هام وخطير، وإنا نعلم أن عدداً غير قليل من الشباب الدعاة المتحمسين الباذلين، بردت حماستهم، وقل بذلهم بعد زواجهم، حتى إن بعض الإخوة وصف الزواج بمقبرة الدعاة! وعلى هذا فإن دورك -أيتها الأخت المتزوجة- في زيادة إيمان زوجك أو نقصانه دور فعَّال، فاحرصي دائماً على تذكير زوجك بالإشارة اللطيفة، والتوجيه غير المباشر بصلاة الجماعة، وصيام النافلة وفعل الخير والصدقة، وكوني عوناً له على ذلك ولا تكوني عامل صرف وتثبيط، حدثيه عن جاركما الذي يحرص على صلاة الفجر في جماعة في المسجد دون أن تقولي له لماذا لا تفعل مثله! اكتفي بتلك الإشارات غير المباشرة، أخبريه عن زوج صديقتك فلانة وحرصه على صيام الإثنين والخميس دون أن تطلبي منه الصيام، استعملي سحرك للتأثير عليه؛ فإنك قادرة على ذلك.
وكم شكى الكثير من النساء حالهن مع أزواجهن، ولكن تغيرت أحوالهن لما عرفن: كيف يتعاملن مع أزواجهن.
стр. 132
أساليب أخرى من السحر الحلال
ثم إليك أيتها الساحرة بعض أساليب السحر الحلال، ولكن على عجل لضيق الوقت: ١/ أن تتصرف -أي المرأة- حسب رغبته، فلا تخرج المرأة من بيت زوجها إلا بإذنه، ولا تُدخل للبيت أحداً إلا من يرضى له الزوج، وألا تصوم تطوعاً إلا بإذنه، وألا تنفق من ماله إلا بإذنه أو برضاه، وأيضاً لا تنفق من مالها إلا بعد مشاورته ورضاه.
٢/ أن تكون حافظةً لمال زوجها، فلا ترهقه بكثرة طلباتها.
٣/ أن تتعرف على كل ما يفرحه فتكثر منه وكل ما يغضبه فتحاول الإقلال منه.
٤/ أن تنتقي ألطف الكلام وأحلاه عند التحدث والجلوس معه.
٥/ أن تكون حريصةً على إشعاره بالحب والاحترام والتقدير له.
٦/ أن تراعي أقاربه وأهله وتقديرهم وخاصةً والديه وإخوانه وأخواته.
٧/ ألا تخرج المرأة من بيت زوجها إلا بإذنه، وألا تدخل البيت أحداً إلا من يرضى له الزوج.
٨/ أن لا تصوم تطوعاً وزوجها حاضرٌ إلا بإذنه.
٩/ أن لا تنفق من ماله إلاَّ بإذنه أو برضاه.
والأحاديث في الأمور الآنفة الذكر كثيرة لا يتسع المجال لذكرها.
стр. 133
قصص ومواقف سريعة
стр. 134
تحرص على إرضاء زوجها من ليلة زفافها
اجتمع ذات مرة الشعبي وشريح القاضي، فنصح شريح الشعبي أن يتزوج من نساء بني تميم.
فقال شريح: يا شعبي! عليك بنساء بني تميم؛ فإني رأيت لهن عقولاً! قال الشعبي: وما رأيت من عقولهن؟ فحكى له شريح أنه مر ذات مرة بامرأة عجوز على باب دار، وبجوارها جارية جميلة، فطلب منهما أن تسقياه.
فقالت الجارية لـ شريح: أي الشراب أحب إليك؟ قال شريح: ما تيسر.
قالت العجوز: ويحك يا جارية! ائتيه بلبن؛ فإني أظن الرجل غريباً.
ثم سأل شريح العجوز عن الجارية، وعلم اسمها واسم أبيها وعرف أنها غير متزوجة، فتقدم إلى أهلها وطلب منهم فزوجوه منها.
قال شريح: فلو رأيتني يا شعبي وقد أقبل نساؤهم يهدينها حتى أدخلت علي، فقلت: إن من السنة إذا دخلت المرأة على زوجها أن يقوم فيصلي ركعتين فيسأل الله من خيرها ويعوذ بالله من شرها، فصليت وسلمت فإذا هي من خلفي تصلي بصلاتي، فلما قضيت صلاتي أتتني جواريها فأخذن ثيابي وألبسنني ملحفةً قد صبغت في عطر العصفر، فلما خلا البيت دنوت منها فمددت يدي إلى ناحيتها فقالت: على رسلك أبا أمية كما أنت، ثم قالت خطبةً: الحمد لله أحمده وأستعينه وأصلي على محمد وآله، إني امرأة غريبة لا علم لي بأخلاقك فبين لي ما تحب فآتيه، وما تكره فأزدجر عنه، وقالت: إنه قد كان لك في قومك منكح وفي قومي مثل ذلك، ولكن إذا قضى الله أمراً كان، وقد ملكت فاصنع ما أمرك الله به، إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولك! قال شريح: فأحوجتني والله يا شعبي إلى الخطبة في ذلك الموضع، فقلت: الحمد لله أحمده وأستعينه وأصلي على النبي وآله وسلم.
أما بعد: فإنك قد قلت كلاماً إن تثبتي عليه يكن ذلك حظك، وإن تدعيه يكن حجةً عليك، أحب كذا وأكره كذا، ونحن جميع فلا تفرقي، وما رأيت من حسنة فانشريها، وما رأيت من سيئة فاستريها.
قالت: كيف محبتك لزيارة الأهل؟ قلت: ما أحب أن يملني أصهاري.
قالت: فمن تحب من جيرانك أن يدخل دارك آذن لهم، ومن تكرهه أكره؟! قلت: بنو فلان قوم صالحون، وبنو فلان قوم سوء.
ثم ذكر شريح للشعبي أنه مكث مع زوجته لا يرى منها إلا ما يحب حولاً كاملاً! وفي نهاية الحول زارته امرأة عجوز هي قريبة زوجته وهي التي قامت بتربيتها في صغرها.
قالت العجوز: السلام عليك يا أبا أمية.
قال شريح: وعليك السلام، من أنت؟ قالت العجوز: أنا فلانة ختنك.
قال شريح: قربك الله.
قالت العجوز: كيف رأيت زوجتك؟ قال شريح: خير زوجة.
قالت العجوز: يا أبا أمية، إن المرأة لا تكون أسوأ منها في حالتين: إذا ولدت غلاماً أو حظيت عند زوجها، فإن رابك ريب فعليك بالسوط، فوالله ما حاز الرجال في بيوتهم شراً من المرأة المدللة.
قال شريح: أما والله لقد أدبت فأحسنت الأدب، وروضت فأحسنت الرياضة.
قالت العجوز: أتحب أن يزورك ختانك؟ قال شريح: متى شاءوا.
فقال شريح: فكانت تلك العجوز تأتيه في رأس كل حول فتوصيه تلك الوصية.
ثم ذكر شريح للشعبي أنه لم يجد من تلك الزوجة ما يغضبه لمدة عشرين سنة، إلا مرةً واحدةً فقط وكان هو المخطئ والسبب في الخطأ الذي أغضبه، وذلك أنه كان إمام الحي يصلي بالناس، فأخذ المؤذن في إقامة صلاة الفجر، فشعر شريح بعقرب تدب وتتحرك فأخذ إناءً فأكفأه عليها، وقال شريح لزوجته زينب: يا زينب! لا تتحركي حتى آتي، فالتزمت زينب المرأة المطيعة لزوجها كلامه، ولم تتحرك كما قال لها، وكان ذلك سبباً في أن خرجت العقرب من تحت الإناء ولدغتها في إصبعها! لك أن تتصوري -أيتها المرأة- وتتأملي مثل هذا الموقف الجميل! خذي العبر والدروس من هذه القصة وانظري فيها؛ فإنك تملكين كثيراً من وسائل ترويض الزوج.
стр. 135
قدرة المرأة على ترويض زوجها
اسمعي -أيضاً- لهذا الموقف الأخير والجميل، يحكى أن امرأةً كانت تعيش في خلاف تام مع زوجها، فذهبت ذات يوم إلى صديقة لها، وشرحت لها حالها مع زوجها، عندئذ نصحتها الصديقة أن تذهب إلى حكيم عله يستطيع أن يذهب عن بيتها تلك الخلافات.
فذهبت المرأة إلى الحكيم وعرضت عليه مشكلتها، ووعدها الرجل أن يساعدها ولكن على شرط: أن تحضر له ثلاث شعرات من جسم أسد! وخرجت المرأة من عنده وهي تفكر في وسيلة تحضر بها ثلاث شعرات من جسم الأسد، فأخذت حملاً وغدت إلى الغابة وعندما هجم عليها الأسد رمت بالحمل فأخذ يلتهمه وانصرف عنها، وأخذت المرأة تفعل هذا الفعل كل يوم، حتى ألفها الأسد وأصبح يتقرب منها في ود.
وذات يوم ركبت المرأة على ظهر الأسد، فوجدت نفسها قادرةً على ثلاث شعرات من لبدته فأخذتها على الفور وذهبت بها إلى الحكيم، فلما رأى الحكيم الشعرات الثلاث، قال لها: إذا كنت استطعت أن تروضي الأسد، أفلا تستطيعين أن تروضي زوجك؟!! فأقول لنساء المسلمين اليوم: إن بمقدورك أن تروضي زوجك كيف شئت، ومتى ذلك؟! إذا أحسنت استعمال السحر الحلال الذي وهبه الله إياك.
стр. 136
نصيحة أخيرة
وأخيراً: ليعلم كل من الزوجين أن الحياة الزوجية فن جميل قل من يعرفه، بل هي عبادة لله .
فليتق الله كل واحد منهما في الآخر، فإن السعادة الزوجية يبنيها كل منكما، فتأملا الأساليب الآنفة الذكر، وكررا سماعها وتعاهدا على المعاشرة بحلوها ومرها، فأنتِ بسحرك الحلال، وأنتِ بفن التعامل وحسن الخلق، وإلا فقد تتعرض الأسرة إلى هزات عنيفة، كثيراً ما تؤدي إلى زعزعة أركانها وتشريد أطفالها.
أسأل الله أن يجمع بين قلبي كل زوجين على خير، وأن يبارك لهما في حياتهما، وأن يسعدهما في الدنيا والآخرة، هو ولي ذلك والقادر عليه.
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 137
يا سامعاً لكل شكوى !
في هذه الدنيا مصائب ورزايا، ومحن وبلايا آلام تضيق بها النفوس، ومزعجات تورث الخوف والجزع كم في الدنيا من عين باكية، وكم فيها من قلب حزين، وكم فيها من الضعفاء والمعدومين قلوبهم تشتعل ودموعهم تسيل هذا يشكو علة وسقماً، وذاك حاجة وفقراً، وآخر هماً وقلقاً!! عزيز قد ذل، وغني افتقر، وصحيح مرض وكل له هموم وآلام، فإلى من يشكون؟ وأيديهم إلى من يمدون؟ إلى رب الأرض والسماوات، مجيب الدعوات، ومقيل العثرات، علام السر والنجوى، وسامع كل أنة وشكوى.
стр. 138
الافتقار إلى الله والاعتماد عليه
الحمد لله الذي يُطْعِمُ ولا يُطْعَم، منَّ علينا فهدانا، وأطعمنا وسقانا.
الحمد لله الذي أطعم من الطعام، وسقى من الشراب، وكسا من العري، وهدى من الضلالة، وبصّر من العمى، وفضّل على كثير ممن خلق تفضيلا.
الحمد لله رب العالمين، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد: فيا أيها الأحبة في الله! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وللعام (١٤١٧هـ) وفي هذا الجامع المبارك جامع الملك فهد، في مدينة بريدة، نلتقي بهذه الوجوه الطيبة المباركة، وفي مجلس من مجالس الذكر.
يا سامعا لكل شكوى
يا خالق الأكوان! أنت المرتجى وإليك وحدك ترتقي صلواتي
يا خالقي! ماذا أقول وأنت تعـ ـلمني وتعلم حاجتي وشكاتي
يا خالقي! ماذا أقول وأنت مطـ ـلع على شكواي والأناتِ
اللهم يا موضع كل شكوى! ويا سامع كل نجوى! ويا شاهد كل بلوى! يا عالم كل خفية! ويا كاشف كل بلية! يا من يملك حوائج السائلين، ويعلم ضمائر الصامتين! ندعوك دعاء من اشتدت فاقته، وضعفت قوته، وقلّت حيلته، دعاء الغرباء المضطرين، الذين لا يجدون لكشف ما هم فيه إلا أنت، يا أرحم الراحمين! اكشف ما بنا وبالمسلمين من ضعف وفتور وذل وهوان.
يا سامعاً لكل شكوى! أعن المساكين والمستضعفين، وارحم النساء الثكالى والأطفال اليتامى وذا الشيبة الكبير، إنك على كل شيء قدير.
معاشر الإخوة والأخوات! إن في تقلب الدهر عجائب، وفي تغير الأحوال مواعظ، توالت العقبات وتكاثرت النكبات، وطغت الماديات على كثير من الخلق فتنكروا لربهم، ووهنت صلتهم به، اعتمدوا على الأسباب المادية البحتة، فسادت موجات القلق والاضطراب والضعف والهوان، وعمّ الهلع والخوف من المستقبل، بل وعلى المستقبل.
تخلوا عن ربهم فتخلى الله عنهم، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥] .
جميع الخلق مفتقرون إلى الله في كل شئونهم وأحوالهم، وفي كل كبيرة وصغيرة، وفي هذا العصر تعلق الناس بالناس، وشكا الناس إلى الناس، ولا بأس أن يستعان بالناس فيما يقدرون عليه، لكن أن يكون المعتمد عليهم والسؤال إليهم والتعلق بهم فهذا هو الهلاك بعينه، فإن من تعلق بشيء وُكِل إليه.
نعتمد على أنفسنا وذكائنا بكل غرور وعجب وصلف، أما أن نسأل الله العون والتوفيق، ونلح عليه بالدعاء، ونحرص على دوام الصلة بالله في كل الأشياء وفي الشدة والرخاء، فهذا آخر ما يفكر به بعض الناس.
فقيرا جئت بابك يا إلهي ولست إلى عبادك بالفقير
غني عنهم بيقين قلبي وأطمع منك في الفضل الكبير
إلهي ما سألت سواك عونا فحسبي العون من رب قدير
إلهي ما سألت سواك عفوا فحسبي العفو من رب غفور
إلهي ما سألت سواك هديا فحسبي الهدي من رب بصير
إذا لم أستعن بك يا إلهي فمن عوني سواك ومن مجيري؟
стр. 139
الفرار إلى الله
أيها الأخ! إن الفرار إلى الله واللجوء إليه في كل حال، وفي كل كرب وهمّ، هو السبيل للتخلص من ضعفنا وفتورنا وذلّنا وهواننا.
إن في هذه الدنيا مصائب ورزايا ومحناً وبلايا آلام تضيق بها النفوس، ومزعجات تورث الخوف والجزع، كم في الدنيا من عين باكية، وكم فيها من قلب حزين، وكم فيها من الضعفاء والمعدومين قلوبهم تشتعل ودموعهم تسيل هذا يشكو علة وسقماً، وذاك حاجة وفقراً، وآخر هماً وقلقاً!! عزيزُ قد ذلَّ، وغنيٌ افتقر، وصحيحٌ مَرِض رجل يتبرم من زوجه وولده، وآخر يشكو ويئن من ظلم سيده، وثالث كسدت وبارت تجارته.
شاب أو فتاة يبحث عن عروس، وطالب يشكو كثرة الامتحانات والدروس هذا مسحور وذاك مدين، وآخر ابتلي بالإدمان والتدخين، ورابع أصابه الخوف ووسوسة الشياطين.
تلك هي الدنيا، تُضحِك وتُبكي، وتجمع وتشتت شدة ورخاء، وسراء وضراء، وصدق الله العظيم: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد:٢٣] .
стр. 140
الشكوى والتضرع إلى الله وحده
أيها الأخ! السؤال الذي يجب أن يكون: هؤلاء إلى من يشكون؟ وأيديهم إلى من يمدون؟ يجيبك واقع الحال: على بشر مثلهم يترددون، وللعبيد يتملقون، يسألون ويلحون، وفي المديح والثناء يتقلبون، وربما على السحرة والكهنة يتهافتون.
نعم والله! تؤلمنا شكاوي المستضعفين، وزفرات المساكين، وصرخات المنكوبين، وتدمع أعيننا -يعلم الله! - لآهات المتوجعين وأنات المظلومين، وانكسار الملذوعين.
لكن أليس إلى الله وحده المشتكى؟ أين الإيمان بالله؟ أين التوكل على الله؟ أين الثقة واليقين بالله؟
وإذا عرتك بلية فاصبر لها صبر الكريم فإنه بك أرحم
وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم
ألم نسمع عن أناس كانوا يشكون إلى الله حتى انقطاع شسع نعلهم؟؟ نعم.
حتى سير النعل كانوا يسألون الله، بل كانوا يسألون الله الملح.
يا أصحاب الحاجات! أيها المرضى! أيها المدينون! أيها المكروب والمظلوم! أيها المعسر والمهموم! أيها الفقير والمحروم! يا من يبحث عن السعادة الزوجية! يا من يشكو العقم ويبحث عن الذرية! يا من يريد التوفيق في الدراسة والوظيفة! يا من يهتم لأمر المسلمين! يا كل محتاج! يا من ضاقت عليه الأرض بما رحبت! لماذا لا نشكو إلى الله أمرنا، وهو القائل: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] ؟! لماذا لا نرفع أكف الضراعة إلى الله؛ وهو القائل: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي﴾ [البقرة:١٨٦] ؟! لماذا ضعف الصلة بالله وقلة الاعتماد على الله، وهو القائل: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان:٧٧] ؟! أيها المؤمنون! أيها المسلمون! يا أصحاب الحاجات! ألم نقرأ في القرآن قول الحق : (فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [الأنعام:٤٢] لماذا؟ ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ [الأنعام:٤٢] ؟! فأين نحن من الشكوى والتضرع إلى الله؟ أين نحن من الإلحاح على الله؟ سبحان الله! ألسنا بحاجة إلى ربنا؟ أنعتمد على قوتنا وحولنا؟ والله ثم والله! لا حول لنا ولا قوة إلا بالله! والله لا شفاء إلا بيد الله، ولا كاشف للبلوى إلا الله، ولا توفيق ولا فلاح، ولا سعادة ولا نجاح إلا من الله.
العجيب والغريب -أيها الأخ! - أن كل مسلم يعلم هذا، ويعترف بهذا، بل ويقسم على هذا، فلماذا إذاً تتعلق القلوب بالضعفاء والعاجزين؟ ولماذا نشكوا إلى الناس ونلجأ للمخلوقين؟
سلَّ الله ربك ما عنده ولا تسأل الناس ما عندهم
ولا تبتغِ من سواه الغنى وكنْ عبده لا تكنْ عبدهم
فيا من إذا بُليت سلاك أحبابك، وهجرك أصحابك! يا من نزلت به نازلة، أو حلّت به كارثة! يا من بُليت بمصيبة أو بلاء! ارفع يديك إلى السماء، وأكثر الدمع والبكاء، وألح على الله بالدعاء، وقل: يا سامعاً لكل شكوى! إذا استعنت فاستعن بالله، وإذا سألت فاسأل الله، وقل: يا سامعاً لكل شكوى! توكل على الله وحده، وأعلن بصدق أنك عبده، واسجد لله بخشوع، وردد بصوت مسموع: يا سامعا لكل شكوى!
أنت الملاذ إذا ما أزمة شملت وأنت ملجأ من ضاقت به الحيل
أنت المنادى به في كل حادثة أنت الإله وأنت الذخر والأمل
أنت الرجاء لمن سدت مذاهبه أنت الدليل لمن ضّلَّتْ به السبل
إنا قصدناك والآمال واقعة عليك والكل ملهوف ومبتهل
стр. 141
الأنبياء والدعاء
إن الأنبياء والرسل وهم خير الخلق وأحب الناس إلى الله، نزل بهم البلاء واشتد بهم الكرب، فماذا فعلوا؟! وإلى من لجأوا؟ أخي الحبيب! أختصر لك الإجابة: إنه التضرع والدعاء، والافتقار إلى رب الأرض والسماء، إنها الشكاية إلى الله وحسن الصلة بالله.
стр. 142
نماذج من الاستجابة لدعاء الأنبياء
هذا نوح ﵇ يشكو أمره إلى الله ويلجأ إلى مولاه، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ * وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنْ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ [الصافات:٧٥-٧٦] .
كانت المناداة كانت المناجاة؛ فكانت الإجابة من الرحمن الرحيم.
وقال: ﴿وَنُوحاً إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنْ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنبياء:٧٦] وقال عزّ من قائل: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ [القمر:١٠-١١] .
هذا أيوب ﵇ ابتلاه الله بالمرض ثمانية عشر عاماً، حتى إن الناس ملوا زيارته لطول المدة، فلم يبق معه إلا رجلان من إخوانه يزورانه، لكنه لم ييأس ﵇، بل صبر واحتسب، وأثنى الله عليه فقال: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٤٤] .
أواب، أي: رجاع منيب إلى ربه، ظل على صلته بربه، وثقته به ورضاه بما قسم له، توجه إلى ربه بالشكوى؛ ليرفع عنه الضر والبلوى.
قال تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِي الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣] فماذا كانت النتيجة؟ قال الحق العليم البصير بعباده، الرحمن الرحيم: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:٨٤] .
هذا يونس ﵇ رفع الشكاية إلى الله فلم ينادِ ولم يناجِ إلا الله، قال تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧] فماذا كانت النتيجة؟ ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء:٨٨] .
وزكريا ﵇ قال الحق عنه: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء:٨٩] الذين يشكون العقم وقلة الولد: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء:٨٩] فماذا كانت النتيجة؟ ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠] .
إذاً: لماذا استجاب الله دعاءهم؟ لأنهم كانوا يسارعون في الخيرات كانوا لا يملون الدعاء، بل كان القلب متصلاً متعلقاً بالله؛ لذلك قال الله عنهم: ﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠] خاشعين متذللين معترفين بالتقصير، فالشكاية تخرج من القلب قبل اللسان.
يعقوب ﵇ قال: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٨٦] انظروا إلى اليقين، انظروا إلى المعرفة برب العالمين: ﴿وَأَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٨٦] فاستجاب الله دعاءه وشكواه، ورد عليه يوسف وأخاه.
وهذا يوسف ﵇ ابتلاه الله بكيد النساء، فلجأ إلى الله وشكا إليه ودعاه، فقال: ﴿وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِينَ * فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف:٣٣-٣٤] .
وأخبر الله عن نبينا محمد ﵌ وأصحابه فقال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ [الأنفال:٩] استغاثة لجاءة وشكوى إلى الله، صلة بالله ، ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال:٩] .
وهكذا أيها الحبيب! إننا حين نستعرض حياة الرسل جميعاً، كما قصها علينا القرآن الكريم، نرى أن الابتلاء والامتحان كان مادتها وماءها، وأن الصبر وحسن الصلة بالله ودوام الالتجاء وكثرة الدعاء وحلاوة الشكوى كان قوامها.
وما أشرنا إليه كان نماذج من الاستجابة للدعاء، ومن نظر في كتب السير والتفاسير، وقف على شدة البلاء الذي أصاب الأنبياء، وعلم أن الاستجابة جاءت بعد إلحاح ودعاء، واستغاثة ونداء.
إنها آيات بينات، وبراهين واضحات، تقول بل وتعلن: أن من توكل واعتمد على الله وأحسن الصلة بمولاه، استجاب الله دعاه وحفظه ورعاه، فإن لم يكن ذلك في الدنيا، كان في الآخرة، ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [القصص:٦٠] .
إنها صفحات من الابتلاء والصبر، معروضة للبشرية لتسجل: أن لا اعتماد إلا على الله، وأن لا فارج للهمِّ ولا كاشف للبلوى إلا الله.
стр. 143
الدعاء طريق الاستعلاء
هذا هو طريق الاستعلاء، أن ننظر إلى السماء وأن نلح بالدعاء؛ لأن الشكوى إلى الله تشعرك بالقوة والسعادة، وأنك تأوي إلى ركن شديد، أما الشكوى إلى الناس والنظر إلى ما في أيدي الناس، فيشعرك بالضعف والذل والإهانة والتبعية.
يا أهل التوحيد! أليس هذا أصلاً من أصول التوحيد؟ إن من أصول التوحيد أن تتعلق القلوب بخالقها في وقت الشدة والرخاء والخوف والأمن والمرض والصحة، بل وفي كل حال وزمان.
وإن ما نراه اليوم من تعلق القلوب بالمخلوقين، وبالأسباب وحدها دون اللجأ إلى الله، لهو والله نذير خطر لتزعزع عقيدة التوحيد في النفوس.
أيها الأخ! إن الشكوى إلى الله، والتضرع إلى الله، وإظهار الحاجة إليه، والاعتراف بالافتقار إليه، من أعظم عرى الإيمان وثوابت التوحيد، وبرهان ذلك الدعاء والإلحاح في السؤال، والثقة واليقين بالله في كل حال.
стр. 144
الأدعية النبوية عند المرض
ولقد زخرت كتب السنة بأنواع من الدعاء تجعل المسلم على صلة بربه، وفي حرز من عدوه يقضى أمره ويكفى همه، في كل مناسبة دعاء في اليقظة والمنام، والحركة والسكون قياماً وقعودا وعلى الجنوب ابتهال وتضرع في كل ما أهمَّ العبد، وهل إلى غير الله مفر؟ أم هل إلى غيره ملاذ؟ ففي المرض -مثلاً- الأدعية كثيرة والأحاديث مستفيضة، وإليك على سبيل المثال ما أخرج البخاري ومسلم من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: (أن رسول الله ﷺ كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح عليه بيده رجاء بركتها) .
وأخرج البخاري ومسلم -أيضاً- من حديث عائشة أنها قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا اشتكى منا إنسان مسحه بيمينه ثم قال: أذهب الباس رب الناس، واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقما) أي: لا يترك سقما.
وفي صحيح مسلم وسنن أبي داود وسنن الترمذي عن عثمان بن أبي العاص ﵁: (أنه شكا إلى رسول الله ﷺ وجعاً يجده في جسده منذ أسلم، فقال له ﵌ انظروا إلى رسول الله إلى قدوتنا وحبيبنا يربي أصحابه على الاعتماد واللجاءة إلى الله-: ضع يدك على الذي تألم من جسدك) الإرشاد أولاً إلى الله، التعلق أولاً بالله، لم يرشده أولاً لطبيب حاذق ولا بأس بهذا، لكن التعلق بالله أولاً (ضع يدك على الذي تألم من جسدك، وقل: باسم الله، باسم الله، باسم الله، ثم يقول سبعاً: أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر) .
وفي رواية: (امسحه بيمينك سبع مرات) وفي رواية قال عثمان: [فقلت ذلك فأذهب الله ما كان بي فلم أزل آمر بها أهلي وغيرهم] .
سبحان الله! اسمعوا لحسن الصلة بالله والتوكل على الله: [فلم أزل آمر بها أهلي وغيرهم] .
أيها المريض! اعلم أن من أعظم أسباب الشفاء، التداوي بالرقى الشرعية من القرآن والأدعية النبوية؛ ولها أثراً عجيباً في شفاء المريض وزوال علته، لكنها تريد قلباً صادقا وذلاً وخضوعاً لله رددها أنت بلسانك فرقيتك لنفسك أفضل وأنجع، فأنت المريض، وأنت صاحب الحاجة، وأنت المضطر، وليست النائحة الثكلى مثل النائحة المستأجرة، وما حك جلدك مثل ظفرك.
فتوكل على الله بصدق، وألح عليه بدون ملل، وأظهر ضعفك وعجزك وحالك وفقرك إليه، وستجد النتيجة العجيبة إن شاء الله، ثقةً بالله.
فإلى كل مريض مهما كان مرضه أقول: أخي الحبيب شفاك الله وعافاك! اعلم أن الأمراض من جملة ما يبتلي الله به عباده، والله لا يقضي شيئا إلا وفيه الخير والرحمة لعباده، وربما كان مرضك لحكمة خفيت عليك أو خفيت على عقلك البشري الضعيف: ﴿وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦] .
стр. 145
الفوائد والحكم من الأمراض والأسقام
أيها المحب شفاك الله! هل علمت أن للأمراض والأسقام فوائد وحكماً؟ أشار ابن القيم إلى أنه أحصاها فزادت على مائة فائدة، وانظر كتاب شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، صفحة [٥٢٥] .
следующие страницы →