← Джавами‘

Джавами‘ · id 7711

دروس للشيخ إبراهيم الدويش

إبراهيم الدويش

Полный текст (623 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الكلمة الثالثة: الإخلاص لله في العلم والتعليم معاشر طلاب العلم! معاشر الأساتذة والمعلمين! لماذا لا نرى بركة علمنا تعلماً وتعليماً؟! إننا نرى كثرة الأساتذة والمعلمين والمعلمات، وربما كان في المدرسة الواحدة عدد كبير ممن يشار إليه بالبنان بعلمه وصلاحه، ولكن لا ترى أثراً يذكر لهؤلاء إلا ما شاء الله، وربما كان طلابهم أشد غفلة وبعداً عن الله ، وأنا هنا لا أبرئ الطلاب فربما كانوا سبب ذلك، ولكن لنتهم أنفسنا معاشر الأساتذة والمعلمين والمعلمات! ولنرجع إلى أنفسنا ومقاصدها في التحمل والأداء، أو في التعلم والتعليم. إننا نجد في تراجم السلف وسيرهم رضوان الله عليهم: أن الصالح إذا نزل ديراً أصلح الله به أهل ذلك الدير، فأين أثر الصالحين اليوم في مدارسهم؟! وأين أثرهم في مساجدهم وأحيائهم وبلدانهم؟! بل أين أثرهم في أمتهم جمعاء؟ أخرج أبو داود وابن ماجة وأحمد وغيرهم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﵌: (من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة) يعني: ريحها. والحديث صحيح بشواهده. ما رأيكم معاشر الإخوة؟! أترون أنا طلبنا العلم من أجل الدنيا ومن أجل الوظيفة والتكسب وأكل العيش؟ أم أنا طلبناه من أجل نشره والدعوة إلى الله وإصلاح الناس؟ كلٌ أعلم بحاله، ولكن لنتذكر أننا سنقف بين يدي من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. فقد أخرج ابن المبارك في الزهد والطبراني في الكبير عن عبد الله بن عكيم قال: [سمعت ابن مسعود بدأ باليمين قبل الحديث فقال: والله! إن ما منكم من أحد إلا سيخلو به ربه كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر، ثم يقول: يا بن آدم! ما غرّك بي؟ يا بن آدم! ما غرّك بي؟ يا بن آدم! ما غرّك بي؟! ما عملت فيما علمت؟ يا بن آدم! ماذا أجبت المرسلين؟!] . فيا أيها الأخ الحبيب! ويا أيتها الأخت! هل أعددنا لمثل هذا السؤال جواباً؟

стр. 177

الإخلاص طريق الخلاص يا طالب العلم! التزم التخلص من كل ما يشوب نيتك في صدق الطلب، كحب الظهور، والتفوق على الأقران، وجعله سلماً لأغراض أو أعراض من جاه أو مال أو تعظيم أو سمعة أو طلب محمدة أو صرف وجوه الناس إليك، فإن هذه وأمثالها إذا شابت النية أفسدتها وذهبت بركة العلم. فعن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تتعلموا العلم لتباهوا به العلماء، ولا لتماروا به السفهاء، ولا لتحتازوا به المجالس، فمن فعل ذلك فالنار النار!) أخرجه ابن ماجة وابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك، وقال البوصيري في الزوائد: هذا إسناد رجاله ثقات على شرط مسلم، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وللحديث شواهد. وعند مسلم من حديث أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (أول الناس يقضى فيه يوم القيامة ثلاثة، وذكر منهم: ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، فقال: ما عملت فيها؟ قال: تعلّمت فيك العلم وعلّمته وقرأت القرآن، قال: كذبت، ولكن ليقال: هو قارئ فقد قيل، ثم أُمِر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار) . وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً﴾ [الإسراء:١٨-١٩] .

стр. 178

أثر الغفلة عن الإخلاص لله في التعلم والتعليم معاشر طلاب العلم! معاشر الأساتذة والمعلمين والمعلمات! إني أهمس إليكم ونفسي بهذا الأثر، فلنقف معه يرعاكم الله. يؤثر عن عمر بن ذر أنه قال لوالده: [يا أبت! مالك إذا وعظت الناس أخذهم البكاء، وإذا وعظهم غيرك لا يبكون؟ فقال: يا بني! ليست النائحة الثكلى مثل النائحة المستأجرة] . ورحم الله ابن القيم يوم قال: كلام المتقدمين قليلٌ كثير البركة، وكلام المتأخرين كثيرٌ قليل البركة. فماذا لو رآنا نحن متأخري هذا الزمن والله المستعان؟! إذاً: فالسر في قلة البركة في العلم، والتعلم اليوم وعدم التأثر والتأثير هو الغفلة عن الإخلاص لله في الطلب الغفلة عن الإخلاص لله في التعليم والتدريس. فيا أيها المدرسون والمدرسات! ويا طلاب العلم! لنطهر نفوسنا، وننقِ قلوبنا، لا من أجل أن ننتفع بالعلم فقط، بل ومن أجل أن ينفع الله بعلمنا ويفتح لنا القلوب. أسأل الله تعالى أن يصلح قلوبنا، وأن يجعل عملنا خالصاً صواباً، ونعوذ بالله من حظوظ أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.

стр. 179

الكلمة الرابعة: إنما يخشى الله من عباده العلماءُ نقل القرطبي أن الربيع بن أنس قال: من لم يخش الله تعالى فليس بعالم. وقال مجاهد: [إنما العالم من خشي الله ] . ونقل ابن كثير عن ابن مسعود أنه قال: [ليس العلم عن كثرة الحديث، ولكن العلم عن كثرة الخشية] . وقال ابن سعدي: فكل من كان بالله أعلم كان أكثر له خشية، وأوجبت له خشية الله الانكفاف عن المعاصي والاستعداد للقاء من يخشاه، وهذا دليل على فضيلة العلم، فإنه داع إلى خشية الله، وأهل خشيته هم أهل كرامته، كما قال تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة:٨] . انتهى كلامه. قالت امرأة للشعبي: أيها العالم! أفتني. فقال: إنما العالم من خاف الله. فيا طلاب العلم! ويا أيها المعلمون والمعلمات! كل علم لا يقود صاحبه إلى خشية الله يُخشى على صاحبه، فالزم خشية الله في السر والعلن، فإن أصل العلم خشية الله تعالى. ألم يأن للمعلمين والمعلمات أن تمتلئ قلوبهم هيبةً وخوفاً من الله؟! ألم يأن لطلاب العلم أن تنضبط ألسنتهم خشيةً وخوفاً من الله؟! ألم يأن لنا جميعاً أن يثمر العلم في القلب خشيةً وخشوعاً لله؟! فإن لم يثمر العلم خشيةً وخشوعاً لله، فإنا نعوذ بالله من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع. فكلما كان طالب العلم أورع؛ كان علمه أنفع. فيا طالب العلم! ويا أيها المعلم! ويا أيتها المعلمة! إصلاح النفس والخوف من الله، وقوة الصلة به من أهم الأمور التي ينبغي أن يقوم بها من أراد العلم تعلماً وتعليماً، فللنفس شهوات ورغبات إن لم تضبط بالتقوى ومراقبة الله فلن تذعن للخير؛ [فالعلم الخشية] كما قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه.

стр. 180

الكلمة الخامسة: العلم والتربية متلازمان يا طالب العلم! لماذا نتحمل العلم إلا من أجل أن نرقق قلوبنا ونربي نفوسنا؟ إن تعلم مسائل العقيدة والأحكام لأجل صحة العمل ومعرفة الحلال والحرام إن تعلم مسائل العقيدة والأحكام لأجل بذل المال وكثرة الصيام إن تعلم مسائل العقيدة والأحكام لأجل القيام والناس نيام إن تعلم مسائل العقيدة والأحكام لأجل الصلة والبر وبذل السلام، ومن أجل إمساك اللسان عن بذاء الكلام إن تعلم مسائل العقيدة والأحكام لأجل نشر الحب والإخاء والوئام.

стр. 181

التربية أولاً يا طالب العلم! إن طلب العلم ليس غاية لذاته مع فضله، بل هو وسيلة للعمل وتربية النفس وحسن الصلة بالله، وإلا ما معنى قول الرسول ﵌: (اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع) ؟! وما معنى أن يُسأل المرء عن علمه: ماذا عمل به؟! فاسأل نفسك -يا رعاك الله! - هل نفعك علمك أم لا؟! هل عملت بعلمك أم لا؟! وانظر إلى قلبك ولسانك فأنت أعلم بحالك. قيل لـ مالك: ما تقول في طلب العلم؟ قال: حسن جميل، ولكن انظر الذي يلزمك من حين تصبح إلى أن تمسي فالزمه. كان ﷺ يؤصل العقيدة ويدعو إلى التوحيد ثلاث عشر سنة، لكنه كان موصولاً بربه ليل نهار، يراقب الله في حركاته وسكناته، يذكره في غدواته وروحاته، كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، كان شديد الخشية لمولاه، كان يبكي حتى تتبلل لحيته من الدموع، كان حليماً يحب العفو والصفح، كان متواضعاً يسمع الكبير والصغير والغني والفقير، كان أجود الناس في البذل والعطاء باختصار: (كان خلقه القرآن) بأبي هو وأمي ﵌. كل ذلك وهو يؤصل العقيدة ويدعو إلى التوحيد، فأين نحن من ذلك أيها المحب؟!

стр. 182

أثر الرقائق في الرُّقي بنفوس أصحابها يا طالب العلم! لا تغفل عن الرقائق والمواعظ فإن القلب يصدأ. فهذا محمد بن عبادة المعافري يحدث أنه وصحبه كانوا عند أبي شريح المعافري ﵀، فكثرت المسائل فقال: قد درنت -أي: وسخت- قلوبكم، فقوموا إلى خالد بن حميد المهري، استقلوا -أي: استبدلوا- قلوبكم، وتعلموا هذه الرغائب والرقائق، فإنها تجدد العبادة، وتورث الزهادة، وتجر الصداقة، وأقلوا المسائل؛ فإنها في غير ما نزل تقسي القلب وتورث العداوة. وإليك هذا الضابط الجميل في هذه المسألة: قال ابن الجوزي: فالصواب العكوف على العلم مع تلذيع النفس بأسباب المرققات تلذيعاً لا يقدح في كمال التشاغل بالعلم. فيا طالب العلم! أين أنت ورقة القلب، وانحدار الدمع، وطيب المناجاة، والشكاية إلى الله؟! ورحم الله سفيان الثوري يوم قال: إنما يطلب الحديث ليتقى به الله. فاحرص على تزكية النفس وتربيتها، فقد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها.

стр. 183

الكلمة السادسة: العلم أعمال وسرائر، وليس أقوالاً ومظاهر اسمع لـ ابن الجوزي وهو يقول في صيد الخاطر كلاماً نفيساً جميلاً: إن للخلوة تأثيرات تبين في الجلوة، كم من مؤمن بالله يحترمه عند الخلوات فيترك ما يشتهي حذراً من عقابه، أو رجاء لثوابه، أو إجلالاً له، فيكون بذلك الفعل كأنه طرح عوداً هندياً على مجمر فيفوح طيبه فيستنشقه الخلائق ولا يدرون أين هو، وعلى قدر المجاهدة في ترك ما يهوى تقوى محبته، أو على قدر مقدار زيادة دفع ذلك المحبوب المتروك يزيد الطيب ويتفاوت تفاوت العود، فترى عيون الخلق تعظم هذا الشخص، وألسنتهم تمدحه ولا يعرفون لم، ولا يقدرون على وصفه لبعدهم عن حقيقة معرفته، وقد تمتد هذه الأراييح بعد الموت على قدرها، فمنهم من يذكر بالخير مدة مديدة ثم يُنسى، ومنهم من يذكر مائة سنة ثم يخفى ذكره وقبره، ومنهم أعلام يبقى ذكرهم أبداً، وعلى عكس هذا من هاب الخلق ولم يحترم خلوته بالحق، فإنه على قدر مبارزته بالذنوب، وعلى مقادير تلك الذنوب يفوح منه ريح الكراهة فتمقته القلوب، فإن قلّ مقدار ما جنى قلّ ذكر الألسن له بالخير، وبقي مجرد تعظيمه، وإن كثر كان قصارى الأمر سكوت الناس عنه لا يمدحونه ولا يذمونه، ورب خالٍ بذنب كان سبب وقوعه في هوة شقوة في عيش الدنيا والآخرة، وكأنه قيل له: ابق بما آثرت، فيبقى أبداً في التخبيط، فانظروا إخواني إلى المعاصي أثرت وعثرت. قال أبو الدرداء ﵁: [إن العبد ليخلو بمعصية الله تعالى فيلقي الله بغضه في قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر] . فتلمحوا ما سطرته واعرفوا ما ذكرته، ولا تهملوا خلواتكم ولا سرائركم، فإن الأعمال بالنية والجزاء على مقدار الإخلاص. انتهى كلامه من صيد الخاطر رحمه الله تعالى. فيا أيها المعلمون والمعلمات! ويا طلاب وطالبات العلم! الله الله في السرائر وإصلاح الباطن، (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) . كما في حديث أبي هريرة عند مسلم. إننا نحرص على أشكالنا ومظاهرنا كثيراً، ونغفل عن الاهتمام بقلوبنا، وصلاح القلب هو ثمرة العلم والتعلم. فهل حصلنا على هذه الثمرة؟ هل حصلنا على صلاح القلب وهل نسعى له؟! نرجو ذلك.

стр. 184

الكلمة السابعة: من علامات العلم النافع ونواقضه تساءل مع نفسك عن حظك من علامات العلم النافع، ومنها: - العمل به. - كراهية التزكية والمدح، والتكبر على الخلق. - تكاثر تواضعك كلما ازددت علماً. - الهرب من حب الترؤس، والشهرة، والدنيا. - هجر دعوى العلم. - إساءة الظن بالنفس وإحسانه بالناس تنزهاً عن الوقوع بهم، وقد كان عبد الله بن المبارك إذا ذكر أخلاق من سلف ينشد: لا تعرضن بذكرهم مع ذكرنا ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد والنواقض منها: - إفشاء السر. - نقل الكلام من قوم إلى آخرين. - الصلف واللسانة. - كثرة المزاح. - الدخول في حديث بين اثنين. - الحقد. - الحسد. - سوء الظن. - مجالسة المبتدعة. - نقل الخطى إلى المحارم. فاحذر هذه الآثام وأخواتها، واقصر خطاك عن جميع المحرمات والمحارم، فإن فعلت وإلا فاعلم أنك رقيق الديانة، خفيف لعاب، مغتاب نمام، فأنى لك أن تكون طالب علم يشار إليك بالبنان منعماً بالعلم والعمل؟! سدد الله الخطى، ومنح الجميع التقوى، وحسن العمل في الآخرة والأولى. انتهى من كلام العلامة بكر أبو زيد في رسالته الجميلة حلية طالب العلم.

стр. 185

الكلمة الثامنة: المجاهدة والصبر سلاح المتعلم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩] . قال ابن سعدي: على أن من جدّ واجتهد في طلب العلم الشرعي؛ فإنه يحصل له من الهداية والمعونة على تحصيل مطلوبه أمور إلهية خارجة عن مدرك اجتهاده، وتيسر له أمر العلم، فإن طلب العلم الشرعي من الجهاد في سبيل الله، بل هو أحد نوعي الجهاد الذي لا يقوم به إلا خواص الخلق؛ وهو الجهاد بالقول واللسان للكفار والمنافقين، والجهاد على تعليم أمور الدين، وعلى رد نزاع المخالفين للحق ولو كانوا مسلمين، فلا بد لطالب العلم من مجاهدة النفس والصبر والمصابرة. انتهى كلامه ﵀. فبقدر ما تتعنى تنال ما تتمنى، ومن طلب شيئاً وَجَدَّ وَجَد، ومن قرع الباب ولجَّ وَلَج، ويقول الشاعر: أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ومدمن القرع للأبواب أن يلجا فلا بد من الجد والملازمة، وثني الركب، وسهر الليالي لطلب العلم. بجِدي لا بجَدي كل مجدي فهل جَد بلا جِد بمُجْدي فكم عبد يقوم مقام حر وكم حر يقوم مقام عبد ولا بد لطالب العلم من المواظبة على الدرس والتكرار في أول الليل وآخره، فإن ما بين العشائين وقت السحر، ووقت السحر وقت مبارك. بقدر الكد يكتسب المعالي ومن طلب العلا سهر الليالي تروم العزّ ثم تنام ليلاً يغوص البحر من طلب اللآلي علو القدر بالهمم العوالي وعز المرء في سهر الليالي تركت النوم ربي في الليالي لأجل رضاك يا مولى الموالي! وذكر ابن فضيل عن أبيه أنه قال: كنا نجلس أنا وابن شبرمة والحارث العكلي والمغيرة والقعقاع بن يزيد بالليل نتذاكر الفقه، فربما لم نقم حتى نسمع النداء لصلاة الفجر. وما أحسن ما قال الأصبهاني في محاضرات الأدباء: ما لزم أحد الدعة إلا ذل، وحب الهوينى يكسب الذل، وحب الكفاية مفتاح العجز. انتهى كلامه.

стр. 186

الكلمة التاسعة: كيف نكسب العلم ؟ ذكر النووي في كتابه بستان العارفين قال: قال الشافعي رضي الله تعالى عنه: من أحب أن يفتح الله قلبه ويرزقه العلم فعليه بالخلوة، وقلة الأكل، وترك مخالطة السفهاء، وبغض أهل العلم الذين ليس معهم إنصاف ولا أدب. انتهى كلامه. قلت: أما الخلوة فللاطلاع والنظر في الأصول، وتقييد الفوائد والشوارد. وأما قلة الأكل فنشكو إلى الله حالنا، فكم من معصية جلبها الشبع وفضول الطعام. وفي المسند عند أحمد والترمذي وغيرهما: (ما ملأ ابن آدم وعاءٌ شراً من بطنه) الحديث. وقال الترمذي: حسن صحيح. وقد قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف:٣١] قال بعض العلماء: جمع الله بهذه الكلمات الطب كله. وأما ترك مخالطة السفهاء؛ فلأنهم لصوص الأوقات وأهل الفراغ. قال ابن الجوزي: (فصل: أهل الفراغ بلاء) : قال: أعوذ بالله من صحبة البطالين، لقد رأيت خلقاً كثيراً يجرون معي فيما اعتاده الناس من كثرة الزيارة، ويُسمون ذلك التردد خدمةً، ويطلبون الجلوس، ويجرون فيه أحاديث الناس وما لا يعني وما يتخلله غيبة، وهذا يفعله في زماننا كثير من الناس إلى أن قال: فلما رأيت أن الزمان أشرف شيء، والواجب انتهاؤه بفعل الخير، كرهت ذلك وبقيت منهم بين أمرين: إن أنكرت عليهم وقعت وحشة لموضع قطع المألوف، وإن تقبلته منهم ضاع الزمان -تنبه إلى العلاج- فصرت أدافع اللقاء جهدي، فإذا غلب قصرت في الكلام لأتعجل الفراق، ثم أعددت أعمالاً تمنع من المحادثة لأوقات لقائهم لئلا يمضي الزمان فارغاً، فجعلت من المستعد للقائهم قطع الكاغد وبري الأقلام وحزم الدفاتر، فإن هذه الأشياء لا بد منها ولا تحتاج إلى فكر وحضور قلب، فأرصدتها لأوقات زيارتهم؛ لئلا يضيع شيء من وقتي، نسأل الله أن يعرفنا شرف أوقات العمر، وأن يوفقنا لاغتنامه إلى آخر كلامه النفيس الجميل هناك. وأما بغض أهل العلم الذين ليس معهم إنصاف ولا أدب، فإني لأعجب كيف كانوا من أهل العلم وليس معهم إنصاف ولا أدب؟! وأي علم هذا الذي لم يؤدب صاحبه؟! إنما العلم العمل إنما العلم خشية الله. قال أحمد بن حفص السعدي شيخ ابن عدي: سمعت أحمد بن حنبل يقول: لم يعبر الجسر إلى خراسان مثل إسحاق وإن كان يخالفنا في أشياء، فإن الناس لم يزل يخالف بعضهم بعضاً. وجاء رجل إلى أحمد بن حنبل فقال له: نكتب عن محمد بن منصور الطوسي، قال: إذا لم تكتب عن محمد بن منصور فعمن يكون ذلك؟ فعمن يكون ذلك؟! -كررها مراراً ﵀ فقال له الرجل: إنه يتكلم فيك! قال أحمد: رجل صالح ابتلي فينا فما نعمل؟! هكذا العلم؛ إنصاف وأدب حتى مع من يخالفنا.

стр. 187

الكلمة العاشرة: بالصبر واليقين تنال إمامة الدين قال ابن القيم في مدارج السالكين: سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤] . قال ابن القيم الوجه الحادي والثلاثون بعد المائة -أي: في مفتاح دار السعادة، أي: في فضل العلم-: أنه لو لم يكن من فوائد العلم إلا أنه يثمر اليقين الذي هو أعظم حياة القلب، وبه طمأنينته وقوته ونشاطه وسائر لوازم الحياة إلى أن قال: وقيل: إذا استكمل العبد حقيقة اليقين صار البلاء عنده نعمة، والمحنة منحة، فالعلم أول درجات اليقين إلى آخر كلامه ﵀. فيا كل معلم ومتعلم! الله الله في اليقين بالله، فإن ضعف اليقين بالله آفة أهلكت الكثير من الصالحين فضلاً عن عامة المسلمين. ورد عن عطاء الخراساني أنه كان لا يقوم من مجلسه حتى يقول: اللهم هب لنا يقيناً بك حتى تهون علينا مصيبات الدنيا، وحتى نعلم أنه لا يصيبنا إلا ما كُتب لنا، ولا يأتينا من هذا الرزق إلا ما قسمت. انتهى كلامه. وحقيقة اليقين: الصبر والثقة بموعود الله . واسمع أيها الحبيب! في سر الضعف والفتور الذي أصاب كثيراً من المسلمين اليوم: قال لقمان لابنه: يا بني! العمل لا يستطاع إلا باليقين، ومن يضعف يقينه يضعف عمله. إذاً: فلعل ضعف اليقين عندنا هو السر في قلة العمل والفتور والكسل. اللهم نسألك يقين الصادقين، وصدق الموقنين، ونسألك قوة في دين، وحزماً في لين، وإيماناً في يقين، اللهم إنا نسألك يقيناً تهون به علينا مصائب الدنيا، اللهم احفظنا بحفظك يا أرحم الراحمين!

стр. 188

الكلمة الحادية عشرة: الشبهات والشهوات خطر على العلم وأهله ومن نظر للواقع علم حقيقة الحال، فمن نجى من الشهوة وقع في الشبهة، والقليل من وفقه الله للاعتصام بالكتاب والسنة. قال ابن القيم في المدارج: والقلب يتوارده جيشان من الباطل، جيش شهوات الغي، وجيش شبهات الباطل، فأيما قلب صغى إليها وركن إليها شربها وامتلأ بها، فينضح لسانه وجوارحه بموجبها، فإن أشرب شبهات الباطل تفجرت على لسانه الشكوك والشبهات والإيرادات، فيظن الجاهل أن ذلك لسعة علمه، وإنما ذلك من عدم علمه ويقينه، وقال لي شيخ الإسلام ﵁ وقد جعلت أورد عليه إيراداً بعد إيراد: لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل الإسفنجة، فيتشربها فلا ينضح إلا بها، ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة تمر الشبهات بظاهرها ولا تستقر فيها، فيراها بصفائه ويدفعها بصلابته، وإلا فإذا أشربت قلبك كل شبهة تمر عليها صار مقراً للشبهات. أو كما قال. قال ابن القيم: فما أعلم أني انتفعت بوصية في دفع الشبهات كانتفاعي بذلك، وسُميت الشبهة شبهة؛ لاشتباه الحق بالباطل فيها، فإنها تُلبسُ ثوب الحق على جسم الباطل، وأكثر الناس أصحاب حسن ظاهر، فينظر الناظر فيما ألبسته من اللباس فيعتقد صحتها، وأما صاحب العلم واليقين فإنه لا يغتر بذلك، بل يجاوز نظره إلى باطنها وما تحت لباسها، فينكشف له حقيقتها إلى أن قال: وكم قد قتل هذا الاغترار من خلق لا يحصيهم إلا الله. انتهى كلامه. فتنبه يا طالب العلم! للشبهات، فإن لها بهرجاً براقاً سرعان ما يتشربها القلب الضعيف، حتى يعتقدها فيدافع وينافح عنها، نسأل الله أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه.

стр. 189

الكلمة الثانية عشرة: العقيدة والسيرة صفاء للظاهر والسريرة كيف يسمي طالب العلم نفسه طالباً وهو لم يتمكن من معرفة العقيدة وغاياتها وأهدافها، بل وتحقيق ثمارها؟! فما معنى أنك صاحب عقيدة؟ وما معنى أنك صاحب غاية وهدف؟ وهل سألت نفسك يوماً من الأيام: لماذا تطلب العلم؟ وهل أنت على استعداد للإجابة يوم تسأل (وعن علمه ماذا عمل به) ؟ قال الدكتور ناصر العقل في كتابه مقدمات في الأهواء: إن قاعدة: ﴿أَن اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [النحل:٣٦] تعني: تحقيق التوحيد والعقيدة السليمة، وطاعة الله والتزام شرعه، وقاعدة: ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦] تعني: تجنب الأهواء والافتراق والبدع وما تئول إليه من الشرك والكفر والظلم والفسق والإعراض عن دين الله، وكل الدين جملة وتفصيلاً يدور على هاتين القاعدتين، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَن اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦] . يا طالب العلم! كيف يسمي طالب العلم نفسه طالباً وهو لا يعرف كيف كانت سيرة نبيه ﵌ وما فيها من الفضل والرحمة والهدى؟! إن أهل العلم من سلفنا رضوان الله تعالى عليهم كانوا يحفظون سيرته عن ظهر قلب ويعتبرونها من أجل القربات، فهذا ابن القيم كتب زاد المعاد في هدي خير العباد وهو من أفضل كتب السيرة كتبه وهو في طريقه للحج. وانظر إليه وهو يقول في المقدمة: هذه كلمات يسيرة لا يستغني عن معرفتها من له أدنى همة إلى معرفة نبيه ﷺ وسيرته وهديه، اقتضاها الخاطر المكدود على عجره وبجره، مع البضاعة المزجاة التي لا تنفتح لها أبواب السدد، ولا يتنافس فيها المتنافسون، مع تعليقها في حال السفر لا الإقامة، والقلب بكل واد منه شعبة، والهمة قد تفرقت شذر مذر، والكتاب مفقود -إذاً فهو يمليها أو يكتبها من قلبه وعلمه ﵀ ومن يفتح باب العلم لمذاكرته معدوم غير موجود -يعني: الطلبة- إلى آخر كلامه هناك. فيا طالب العلم! خشية الله والعلم النافع بتكرار النظر في سيرة سيد البشر: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ﴾ [التوبة:١٠٩] .

стр. 190

الكلمة الثالثة عشرة: فن طلب العلم طلب العلم فن قد لا يتقنه الجميع، فاحفظ وصايا أهل الخبرة والتجربة من سلفنا الصالح ﵏. ينبغي لطالب العلم أن يستغرق جميع أوقاته، فإذا ملَّ من علم يشتغل بعلم آخر. وكان ابن عباس ﵁ إذا ملَّ من الكلام يقول: [هاتوا ديوان الشعراء] . وكان محمد بن الحسن إذا مل من نوع ينظر في نوع آخر، وكان يضع عنده الماء ويزيل نومه بالماء. ووقت تحصيل العلم من المهد إلى اللحد، وأفضل أوقاته شرخ الشباب -أي: أوله- ووقت السحر، وما بين العشائين. وورد عن الخطيب البغدادي أنه قال: أجود أوقات الحفظ الأسحار، ثم نصف النهار، ثم الغداة، وحفظ الليل أحسن من حفظ النهار، ووقت الجوع أنفع من وقت الشبع. انتهى كلامه. وقال إسماعيل بن أبي أويس: [إذا هممت أن تحفظ شيئاً فنم، ثم قم عند السحر فأسرج وانظر فيه فإنك لا تنساه بعد إن شاء الله] انتهى كلامه. وكان الشافعي يقسم الليل ثلاثة أجزاء: ثلث للعلم، وثلث للعبادة، وثلث للنوم. وقال ابن سعدي ﵀: يتعين البداءة بالأهم من العلوم الشرعية وما يعين عليها من علوم العربية، وتفصيل هذه الجملة كثير معروف، يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص إلى آخر كلامه. وقيل: حفظ المتون يشد المتون. وقيل: من حفظ المتون حاز الفنون. وقيل: من لم يكن علمه في صدره صعب عليه استحضاره. إلى آخر وصايا سلفنا رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.

стр. 191

الكلمة الرابعة عشرة: قف وتأمل قبل أن يقال: فلان مات !! وقفت يوماً من الأيام مع آية في كتاب الله، فخفق قلبي واقشعر بدني وأنا أتأمل معناها. يقول الحق : ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [الكهف:١٠٣-١٠٤] . فيا طالب العلم! اسأل نفسك بصدق: هل أنت راضٍ عن نفسك؟! وهل ما تقدمه هو لله حقيقة أم للنفس وحظوظها نصيب؟! هل غيرتك لله أم أن للحسد والغيرة نصيباً؟! إنك سعيد في الدارين إن كان قولك وفعلك وحبك وبغضك خالصاً لله، إنك سعيدٌ كل السعادة في سراء كنت أو ضراء، أصابتك منحة أو محنة، أياً كان حالك فأنت سعيد ما دمت تطلب العلم لله بحق، وتعمل لله بصدق، وتحب في الله وتبغض في الله. إنني أعيذك ونفسي أيها الحبيب! أن نكون ممن ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً. قال رجل لـ أبي عبد الرحمن زهير بن نعيم: يا أبا عبد الرحمن! توصي بشيء؟! قال: نعم. احذر أن يأخذك الله وأنت على غفلة.

стр. 192

الكلمة الخامسة عشرة: الابتلاء امتحان لأهل العلم قال ابن الجوزي كلاماً نفيساً في صيد الخاطر: (فصل: محك الحوادث) : سبحان المتصرف في خلقه بالاغتراب والإذلال ليبلو صبرهم، ويظهر جواهرهم في الابتلاء، هذا آدم ﷺ تسجد له الملائكة ثم بعد قليل يخرج من الجنة، وهذا نوح ﵇ يضرب حتى يغشى عليه، ثم بعد قليل ينجو في السفينة ويهلك أعداؤه، وهذا الخليل ﵇ يلقى في النار ثم بعد قليل يخرج إلى السلامة، وهذا الذبيح يضطجع مستسلماً ثم يسلم ويبقى المدح، وهذا يعقوب ﵇ يذهب بصره بالفراق ثم يعود بالوصول، وهذا الكليم ﵇ يشتغل بالرعي ثم يرقى إلى التكليم، وهذا نبينا محمد ﷺ يقال له بالأمس اليتيم، ويقلب في عجائب يلاقيها من الأعداء تارة، ومن مكائد الفقر أخرى، وهو أثبت من جبل حراء، ثم لما تم مراده من الفتح، وبلغ الغرض من أكبر الملوك وأهل الأرض نزل به ضيف النقلة فقال: وا كرباه! فمن تلمح بحر الدنيا، وعلم كيف تتلقى الأمواج، وكيف يصبر على مدافعة الأيام، لم يستهول نزول بلاء، ولم يفرح بعاجل رخاء. انتهى كلامه ﵀. والله يقول: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد:٣١] .

стр. 193

الكلمة السادسة عشرة: التواضع ثمرة العلم النافع قال وكيع: لا يكون الرجل عالماً حتى يحدث عمن هو فوقه، وعمن هو مثله، وعمن هو دونه. تواضع وخذ العلم النافع من الجميع ولا تتكبر، فرب مسألة يفتح الله بها على طويلب علم لم يفتح بها على عالم من العلماء الأفذاذ، فما تحلى طالب العلم بحلية أجمل ولا أحسن من التواضع. قال الفضيل بن عياض: [ما من أحد أحب الرئاسة إلا حسد وبغى، وتتبع عيوب الناس، وكره أن يذكر أحد بخير] . وقال أبو نعيم: والله ما هلك مَن هلك إلا بحب الرئاسة. فينبغي لطالب العلم ألا يستنكف أن يستفيد ما لا يعلمه ممن هو دونه منصباً أو نسباً أو سناً، بل يكون حريصاً على الفائدة حيث كانت، والحكمة ضالة المؤمن يلتقطها حيث وجدها. قال سعيد بن جبير: [لا يزال الرجل عالماً ما تعلم، فإذا ترك التعلم وظن أنه قد استغنى واكتفى بما عنده، فهو أجهل ما يكون] . وكان جماعة من السلف يستفيدون من طلبتهم ما ليس عندهم: قال الحميدي وهو تلميذ للشافعي: صحبت الشافعي من مكة إلى مصر فكنت أستفيد منه المسائل وكان يستفيد مني الحديث. وقال أحمد بن حنبل: قال لنا الشافعي: أنتم أعلم بالحديث مني، فإذا صح عندكم الحديث فقولوا لنا حتى نأخذ به. وقد روى جماعة من الصحابة عن التابعين. وأبلغ من ذلك كله قراءة رسول الله ﷺ على أُبي رضي الله تعالى عنه وقال له: (أمرني الله أن أقرأ عليك ﴿لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة:١] ) كما عند مسلم في صحيحه. قالوا: ومن فوائده: ألا يمتنع الفاضل من الأخذ عن المفضول. إن التواضع من خصال المتقي وبه التقي إلى المعالي يرتقي ومن العجائب عجب من هو جاهل في حاله أهو السعيد أم الشقي قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: [تغفلون عن أفضل العبادة، تغفلون عن أفضل العبادة؛ التواضع] . وكان ابن المبارك يكتب عمن هو دونه، فقيل له -أي: كأنه أُنكر عليه- فقال ﵀: لعل الكلمة التي فيها نجاتي لم تقع إلي. وقال إبراهيم بن الأشعث: سألت الفضيل بن عياض عن التواضع فقال: [أن تخضع للحق وتنقاد له ممن سمعته، ولو كان أجهل الناس لزمك أن تقبله منه] .

стр. 194

الكلمة السابعة عشرة: يا طالب العلم! إياك والحسد يا طالب العلم! إياك والحسد؛ فإنه اعتراض على قدر الله. ألم تسمع لقول الله : ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء:٥٤] ؟ والحسد إحراق للنفس وتعطيل لها، فلا هم لها إلا تتبع الزلات، وتصيد العيوب، والاشتغال بالمحسود، وقد يتعدى إلى أذى المحسود والكيد له، وهذا من أشنع الظلم الذي نهى الله عنه. أخرج الحاكم وغيره من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (سيصيب أمتي داء الأمم، قالوا: يا نبي الله! وما داء الأمم؟ قال: الأشر والبطر، والتكاثر والتنافس في الدنيا، والتباغض والتحاسد، حتى يكون البغي ثم الهرج) صححه الحاكم ووافقه الذهبي، وجوّد إسناده الحافظ العراقي كما في تخريج الإحياء. قال ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم: وقد يبتلى بعض المنتسبين إلى العلم وغيرهم بنوع من الحسد لمن هداه الله لعلم نافع أو عمل صالح، وهو في هذا الموضع من أخلاق المغضوب عليهم. واسمع لهذا الكلام الجميل النفيس: قال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى: ومن أهم ما يتعين على أهل العلم معلمين أو متعلمين، السعي في جمع كلمتهم وتأليف القلوب على ذلك، وحسم أسباب الشر والعداوة والبغضاء بينهم، وأن يجعلوا هذا الأمر نصب أعينهم يسعون له بكل طريق؛ لأن المطلوب واحد، والقصد واحد، والمصلحة مشتركة، فيحققون هذا الأمر بمحبة كل من كان من أهل العلم، ومن له قدم فيه واشتغال أو نصح، ولا يدعون الأغراض الضارة تملكهم وتمنعهم من هذا المقصود الجليل، فيحب بعضهم بعضاً، ويذب بعضهم عن بعض، ويبذلون النصيحة لمن رأوه منحرفاً عن الآخر، ويبرهنون على أن النزاع في الأمور الجزئية التي تدعوا إلى ضد المحبة والائتلاف لا تقدم على الأمور الكلية التي فيها جمع الكلمة، ولا يدعون أعداء العلم من العوام وغيرهم يتمكنون من إفساد ذات بينهم وتفريق كلمتهم، فإن في تحقيق هذا المقصد الجليل والقيام به من المنافع ما لا يعد ولا يحصى، ولو لم يكن فيه إلا أن هذا هو الدين الذي حث عليه الشارع بكل طريق لكفى إلى أن قال ﵀: وإذا كان كل طائفة منهم منزوية عن الأخرى منحرفة عنها، انقطعت الفائدة وحلّ محلها ضدها من حصول البغضاء والتعصب والتفتيش من كل منهما عن عيوب الطائفة الأخرى وأغلاطها، والتوسل به للقدح، وكل هذا مناف للدين والعقل ولما عليه السلف الصالح، حيث يظنه الجاهل من الدين إلى آخر كلامه النفيس الجميل هناك في الفتاوى السعدية. اسمع لهذه الكلمة العجيبة؛ حيث يقول الأوزاعي: إذا أراد الله بقوم شراً فتح عليهم الجدل ومنعهم العمل. وقال ابن يحيى الوشاء في كتابه الظرف والظرفاء: على أنه لا بد للحاسد وإن لم يجد سبيلاً إلى وهن ولا سبباً إلى طعن أن يحتال لذلك بحسب ما ركب عليه طبعه وتضمنه صدره، حتى يخلص إلى غفلة أو يصل إلى زلة، فيتشبث بالمعنى الحقير، ويتسبب بالحرف الصغير إلى ذكر المثالب وتغطية المناقب، إذ من طبع أهل الحسد وأرباب المعاندة والنكد تغطية محاسن من حسدوه، وإظهار مساوئ من عاندوه، ثم ذكر هذه الأبيات: عين الحسود عليك الدهر حارسة تبدي المساوئ والإحسان تخفيه يلقاك بالبشر يبديه مكاشرة والقلب مضطغن فيه الذي فيه إن الحسود بلا جرم عداوته فليس يقبل عذراً في تجنيه فيا طالب العلم! الله الله فتوحيد الصف ووضع الكف بالكف، وإياك إياك والحسد فإنه يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، وإن وجدت شيئاً منه في نفسك فاستعذ بالله منه، وجاهد نفسك واستعن بالله، وادع للمحسود أن يبارك الله له فيما آتاه، واطلب الله أن يزيدك ويزيده من فضله فإنه هو الرزاق ذو القوة المتين، وتذكر أن (من دعا لأخيه بظهر الغيب قال له الملك الموكل به: ولك مثله) كما في صحيح مسلم. نعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن شر حاسد إذا حسد.

стр. 195

الكلمة الثامنة عشرة: طريقنا للقلوب قال بعض الدعاة: طالب العلم بشوش، طلق المحيا، بادي الثنايا، يكاد يذوب رقة وخلقاً، أما الفظاظة والغلظة فمن أخلاق جفاة الأعراب وجنود البربر ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] . وذكر ابن القيم أسباب انشراح الصدر وقال: ومنها: العلم؛ فإنه يشرح الصدر ويوسعه حتى يكون أوسع من الدنيا، والجهل يورثه الضيق والحصر والحبس، فكلما اتسع علم العبد انشرح صدره واتسع، وليس هذا لكل علم بل للعلم الموروث عن الرسول ﷺ ، وهو العلم النافع، فأهله أشرح الناس صدراً، وأوسعهم قلوباً، وأحسنهم أخلاقاً، وأطيبهم عيشا. انتهى كلامه من زاد المعاد. تعلّم فإن العلم زين لأهله وفضل وعنوان لكل المحامد وكن مستفيداً كل يوم زيادة من العلم وسبح في بحار الفوائد تفقه فإن الفقه أفضل قائد إلى البر والتقوى وأعدل قاصد هو العلم الهادي إلى سنن الهدى هو الحصن ينجي من جميع الشدائد فإن فقيهاً واحداً متورعاً أشد على الشيطان من ألف عابد

стр. 196

الكلمة التاسعة عشرة: وقبل الختام العمل بالعلم قال ابن الجوزي في صيد الخاطر: الله الله في العمل بالعلم، فإنه الأصل الأكبر، والمسكين كل المسكين من ضاع عمره في علم لم يعمل به، ففاتته لذات الدنيا وخيرات الآخرة، فقدم مفلساً مع قوة الحجة عليه. ونقل ابن عبد البر في الجامع قول أُبي بن كعب: [تعلموا العلم واعملوا به، ولا تتعلموه لتتجملوا به، فإنه يوشك إن طال بكم زمان أن يتجمل بالعلم كما يتجمل الرجل بثوبه] والله المستعان. ويروى عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: [العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل] . وقال ابن القيم: سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: إذا لم تجد للعمل حلاوة في قلبك وانشراحاً فاتهمه، فإن الرب تعالى شكور -يعني: أنه لا بد أن يثيب العامل على عمله في الدنيا من حلاوة يجدها في قلبه، وقوة انشراح، وقرة عين، فحيث لم يجد ذلك فعمله مدخول-. انتهى كلامه. إذاً: فمجرد العلم يبقى حجة عليك، فإذا عملت به أصبح حجة لك، فالأعمال تشفع لصاحبها عند الله، وتذكر به إذا وقع في الشدائد. وتذكر قول الحق عن ذي النون: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات:١٤٣-١٤٤] . فيا طالب العلم! الله الله في العمل بالعلم، تجمع خيري الدنيا والآخرة. وقال الشيخ السعدي رحمه الله تعالى: وكان السلف يستعينون بالعمل على العلم، فإن عمل به استقر ودام، ونما وكثرت بركته، وإن ترك العمل به ذهب أو عدمت بركته، فروح العلم وحياته وقوامه إنما هو بالقيام به عملاً وتخلقاً وتعليماً ونصحاً، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! وقال أيضاً: فمن شح بعلمه مات علمه بموته، وربما نسيه وهو حي، كما أن من بث علمه كان حياة ثانية، وحفظاً لما علمه، وجزاه الله من جنس عمله.

стр. 197

الكلمة العشرون: دعاء اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم. اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن عين لا تدمع، ومن نفس لا تشبع. اللهم يا معلم آدم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، ويا مؤتي لقمان الحكمة آتنا الحكمة وفصل الخطاب. ربنا زدنا علماً ووفقنا لما تحبه وترضاه. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله بنفسه، اللهم أشغله بنفسه، اللهم اجعل كيده في نحره، اللهم اجعل تدبيره تدميراً عليه يا حي يا قيوم، اللهم اكفناهم بما شئت. اللهم لا حول لنا ولا قوة إلا بك يا حي يا قيوم. اللهم وفق أولياء أمورنا لما تحبه وترضاه، ووفقهم لما فيه خير الإسلام والمسلمين، اللهم ارزقهم البطانة الصالحة الناصحة. اللهم أرنا وأرهم الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 198

الأسئلة

стр. 199

حكم الإعراض عن الدعوة خوف الرياء السؤال ما رأيك فيمن يعرض عن الوعظ والإرشاد في بيوت الله مع أن الله أعطاه علماً يؤهله لأن يدعو وينصح الناس ويذكرهم، لكنه يعرض ادعاء للورع، وأنه لم يحن وقت ذلك بعد، فهل يكون ممن كتم علماً ويعاقب على ذلك؟! وجزاكم الله خيراً. الجواب هذا مما ابتلي به كثير من طلبة العلم وللأسف في مثل هذا الزمن، الورع البارد أو الورع الكاذب، فتجد أن طالب العلم قد تعدى مرحلة الجامعة ولديه حصيلة طيبة من العلم درسها في خضم سنوات، وربما أنه ما زال طالباً للعلم بثنيه ركبه عند العلماء وفي حلقات العلم، ومع ذلك تجد أنه لا يعمل بعلمه ولا يقوم بالعمل بعلمه، وكلما حُدِّث أو طلب منه أمر تجده يبادر بالاعتذار مظهراً التواضع أو الورع لنا. ونحن نقول لهذا وأمثاله: إن لم تعمل بعلمك الآن فمتى أيها المحب؟! والنبي ﷺ يقول: (بلغوا عني ولو آية) ولا شك أنك تعلم خيراً كثيراً، فنحن نقول لكل إنسان يعلم شيئاً: بلغ هذا العلم بقدر ما عندك، لا نطلب منك فوق طاقتك ولا نطلب منك ما لا تطيق، إنما الذي نطلبه أيها المحب! أن تبلغ ما لديك بقدر ما تستطيع. إذاً: لا حجة لك، وأخشى والله عليك أن تقدم على الله ولك علم بلا عمل، والله أعلم بحالك. مع الأسف أصبح الورع والتواضع شماعة يعلق عليها كثير من طلبة العلم كسلهم وفتورهم وقعودهم عن العمل وربما خوفهم وغير ذلك، وهذه مصيبة. ونقول لأمثال هؤلاء: الله أعلم بحالكم، وإن تظاهرتم لنا بالورع والتواضع.

стр. 200

علاج الكسل في طلب العلم السؤال بعض طلبة العلم يبدأ في الطلب وحفظ المتون ثم يصيبه الكسل فيترك الحفظ والطلب، فهل من علاج لذلك؟ الجواب العلاج الاستعانة بالله وترك المعاصي والذنوب: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠] . ووالله! ما ظهر ضعفنا إلا بسبب كثرة ذنوبنا ومعاصينا وضعف الصلة بالله ، وهذا الجانب ينقص كثيراً من الصالحين وللأسف! فالله الله في تقوية الصلة بالله، الله الله في أن يراقب الإنسان ربه . أيها الأخ الحبيب! كم نضعف؟! وانظر إلى واقعنا وحالنا وحال كثير من الصالحين فضلاً عن عامة المسلمين، انظرهم والطاعات والنوافل وطهارة القلب وطهارة اللسان -والله المستعان- ولا نشكو إلا إلى الله . انظر إلى قيام الليل، كم تلك الليالي التي وقفتها أنت في ظلمة ليل تناجي فيها ربك، وتشكو فيها إلى الله حالك، وحال الأمة الإسلامية وضعفها؟! إننا بأمس الحاجة إلى أن نقوي صلتنا بالله إننا نشكو ربما إلى البشر كثيراً ويلجأ الإنسان منا في مواقف ضعف وعجز كثيراً إلى الناس، وننسى -وللأسف- أن نشكو عجزنا وضعفنا وحالنا إلى الله . لنرفع أكف الضراعة، ولنجعل بيننا وبين الله أسراراً، وليكن بيننا وبين ربنا خلوات، لنحسن الصلة بالله صياماً وقياماً وذكراً وطهارة قلب وسلامة صدر، وسنجد أن كلماتنا لها قبول، وأن أثرنا في المجتمع له ما له في نفوس الناس. بعد ذلك انظر إلى نفسك وحفظ المتون، انظر إلى نفسك وتدبر آيات الله انظر إلى نفسك وكثرة العلم وكثرة النفع، والله أعلم.

стр. 201

طريقة التعامل مع القرآن السؤال القرآن الكريم من أفضل العلوم، فكيف تنصحنا بطريقة التعامل مع كتاب الله حفظاً ومراجعةً وعملا؟ وكيف يربي الواحد منا نفسه ويرغبها على حب العلم وطلبه؟ الجواب أظن أننا مما ذكرنا ضمن الدرس شيئاً كثيراً من هذا. أما القرآن -فكما أسلفت- فنشكو إلى الله حالنا معه، فربما مر بطالب العلم اليوم واليومان والثلاثة ولم يفتح كتاب الله ، ونقرأ في سير السلف والعلماء رضوان الله تعالى عليهم أجمعين أن الإنسان منهم له ورد في كل يوم وليلة، وربما كان هذا الورد أن يختم القرآن في ليلة ولا نتعجب. وقد كنا والله نتعجب ونقول: لا يستطيع الإنسان أن يختم القرآن في ليلة، وسألنا ووجدنا كثيراً من الصالحين أنهم يستطيعون أن يختموا القرآن فعلا، وإن كان يصاحبه عدم التدبر والخشوع، هذا حق، ولكنهم يختمونه. المهم: أنه كان لكثير من السلف ورد وحزب من كتاب الله ربما كان حزبه هذا هو القرآن كاملاً. فما هو حزبنا نحن وما هو وردنا أيها الأحبة! في اليوم والليلة؟! كما أسلفت ربما يمر على الواحد منا اليوم واليومان والثلاثة وربما الأسبوع ولم يقرأ فيها كتاب الله ، والله المستعان.

стр. 202

الطريقة الناجحة لطلب العلم السؤال هل يكتفى بمطالعة الكتب فقط، على سبيل المثال: كتب ابن القيم والماوردي وابن رجب وغيرهم من العلماء، دون ثني الركب عند العلماء، أم هما متلازمان؟! الجواب أقول: هما متلازمان، ولا بد من الاستفادة من العلماء وطلبة العلم، ولا بد من ثني الركب، فإن حضور حلقات العلم وثني الركب عند العلماء فيه خير كثير وفيه فوائد جمة، ولو لم يكن فيه من الفوائد إلا أن من جلس أمامك من العلماء أو طلبة العلم أو غيرهم، إنما جاء لك بخلاصة وقته وبخلاصة عمره، فتح الكتب ونظر في الصفحات وقلب وقضى على كثير من وقته من أجل أن يحضر لك مادة علمية تسمعها وتستفيد منها. أقول: لو لم يكن لحضور مثل هذه الحلقات إلا أن تستفيد من هذه العصارة التي قضى ذلك العالم أو طالب العلم وقته ليجمع لك مثل هذه المادة، هذا لوحده كاف، فضلاَ عن تعويد النفس الصبر، فضلاً عن فضل مجالس الذكر، فضلاً عن مجالسة الصالحين، وخذ وعدد من فوائد حضور حلقات العلم. ولا يمكن أن يعتمد الإنسان على الكتاب فحسب، فمن كان شيخه كتابه كان خطؤه أكثر من صوابه، فلا يكفي أن تتعلم من الكتب، إنما لا بد أن تستشير وأن ترجع وأن تثني الركب عند العلماء وعند طلبة العلم.

стр. 203

علامات الإخلاص السؤال ما هي علامات الإخلاص التي تظهر وتعرف على طالب العلم؟ الجواب الإخلاص أمر قلبي، والإنسان الصالح يحرص أن يخلص عمله لله ، وألا يكون فيه مراءاة للناس ولا حظاً من حظوظ النفس. وإذا حرص على ذلك، فلا بأس أن يظهر العمل للناس أحياناً، خاصة إن كان من أصحاب القدوة أو من أهل القدوة وممن ينظر إليهم ليس من أجل أن يحمده الناس وإنما لأنه قدوة. وليس كل عمل لا يظهر للناس أخلص صاحبه، كما أنه -أيضاً- ليس كل عمل أظهره صاحبه للناس إنما هو منافق ومراءٍ فيه، وإنما الإخلاص يعرف صاحبه متى حققه. وعلى الإنسان أن يراقب ربه وأن يلحظ نفسه في مثل هذا الباب، والله المستعان! . وصلى الله على نبينا محمد. ذ

стр. 204

الفائزون في رمضان إن من نعم الله على العباد، الإنعام عليهم بشهر رمضان الذي يتزود فيه الإنسان من أعمال الخير، والذي ينقسم فيه الناس إلى فائز وخاسر، والفائز إنما يكون فوزه بكثرة أعمال الخير من الإنفاق في الخير والدعوة إلى الله، والإكثار من النوافل والسنن الرواتب، أما الخاسر فهو من يمر عليه رمضان مرور الكرام.

стр. 205

تهنئة لمن فاز وعزاء لمن خسر إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. هذه ليلة الإثنين الموافق للثامن والعشرين من الشهر التاسع شهر رمضان المبارك للعام (١٤١٥هـ) ، وفي هذا المكان الطيب المبارك في مدينة الرس، نلتقي بهذه الوجوه في هذا المجلس، وعنوان هذا الموضوع: (الفائزون في رمضان) . يومٌ أو يومان ثم تعلن النتائج، وتوزع الجوائز، فيفرح الفائزون برمضان، سبق قومٌ ففازوا، وتخلف آخرون فخابوا، بعد غدٍ يفوز المحسنون، ويخسر المبطلون. غداً توفى النفوس ما كسبت ويحصد الزارعون ما زرعوا إن أحسنوا أحسنوا لأنفسهم وإن أساءوا فبئس ما صنعوا من هذا الفائز منا فنهنيه؟ ومن هذا الخاسر فنعزيه؟ أيها الفائز برمضان! هنيئاً لك، أيها الخاسر! جبر الله مصيبتك، بعد غدٍ تعلن أسماء الفائزين برمضان في مصليات الأعياد، يوم رجعوا إلى بيوتهم كيوم ولدتهم أمهاتهم، اللهم اجعلنا من الفائزين برمضان. ولعلكم أيها الأخيار! تتساءلون عن هؤلاء الفائزين برمضان، من هم؟ وما صفاتهم؟ وما أعمالهم؟ تعالوا لنحلق اليوم وإياكم إلى عالم الفائزين برمضان، إلى عالم الحب والإخاء، عالم المجتهدين والمتهجدين والمستغفرين، عالم الرقة والخشوع، والذلة والخضوع، عالم الحرص والاستزادة، والتمرغ في أنواع العبادة. كأني بك تقول: هذه صفاتٌ عرفناها في سلفنا الصالح، فنعم العالم عالمهم، ونعم الصفات صفاتهم، فأقول: إي والله فأنا معك؛ ولكن عالمنا اليوم هم فئةٌ من أهل زماننا، وأحباءٌ لنا، فبهم تفرح قلوبنا، وبالنظر إلى وجوههم تكتحل عيوننا، وبمجالستهم تأنس نفوسنا، وبالحديث معهم تحلو ساعاتنا، إنهم من آبائنا وإخواننا، وهم من أمهاتنا وأخواتنا، إنهم التالون لكتاب الله، الراكعون الساجدون، المتأثرون الباكون، المتصدقون المنفقون، المتحدثون الناصحون، العاملون المخلصون، ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦] . من قال أيها الأحبة: إن أعمال الخير والبر وقفٌ على السلف فقط؟ من قال: إن الرقة والبكاء حكرٌ على بشر الحافي، ومالك بن دينار، ورابعة العدوية رحمة الله عليهم أجمعين؟ من قال: إن المتصدقين هم فقط أبو بكر وعمر، وعائشة وفاطمة ﵃ أجمعين؟ انظروا لبيوت الله! هذه الأيام صلاةٌ وقيام، وركوعٌ وسجود وإطعامٌ للطعام، وبذلٌ وإحسان، وتذكيٌر بأطيب الكلام، وتدبرٌ وترتيلٌ، وأزيزٌ وخنين، عندها تذكرت قول النبي صلى الله عليه آله وسلم في ذلك الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الطهارة من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ أتى المقبرة فقال: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أنا قد رأينا إخواننا، قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد، فقالوا: كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله؟ فقال: أرأيت لو أن رجلاً له خيلٌ غرٌ محجلة بين ظهري خيل دهم بهم ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: فإنهم يأتون غراً محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض -أي قائدهم- ألا ليذادن رجالٌ عن حوضي كما يذاد البعير الضال، أناديهم: ألا هلم، فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً، بعداً بعداً) . اللهم اجعلنا من إخوان نبيك الذين ذكرهم في هذا الحديث، اللهم اجعلنا ممن يرد حوضه، ويشرب منها شربةً هنيةً لانظمأ بعدها أبداً.

стр. 206

صور ومواقف للفائزين في رمضان أيها الأحبة! إن الذي دعاني لمثل هذا الحديث مواقف وصور رأيتها بأم عيني هذه الأيام، وما لم أر أكثر، ومالا نعلمه لا يحصر، فأسوقها إليكم لأسباب منها:

стр. 207

أسباب ذكر هذه الصور والمواقف لأعطر الأسماع، ولنعلم أن لصالحي زماننا سيرٌ ومواقف. ومنها: تنبيه الأمة لعلو الهمة، وقوة الإرادة، وصدق العزيمة. ومنها: ذكر الفضل لأهل الفضل والإحسان، فحرامٌ أن يبخس حقهم أو ينقص قدرهم ومنها: تنبيهٌ وتذكيرٌ لإخواني معلمي الخير، وصناع الحياة ألا يبخس حق المحسنين، فمن العدل أن نقول للمحسن أحسنت، كما نقول للمسيء أسأت. ثم -أيضاً- من واجبنا أن نتلمس الخير في صفوف الناس، فينشر ويشهر، فهو نسمة الصباح الذي ننتظره، وبريق الأمل الذي نرجوه، بمثل هذا تكسب النفوس، فالتعامل مع النفوس فن يجب أن نتعلمه، لماذا ننسى خير الخيرين، وصلاة العابدين، وصدقة المنفقين، وبكاء المخبتين؟ لماذا نغفل عن جهد العاملين، وتضحية المصلحين، وصدق المخلصين، ودمعة التائبين؟ لماذا لا نذكر صلاح المؤمنات، وقيام القانتات، وصدق الصادقات، وصبر الصابرات؟ لماذا لا نتحدث عن عطاء المتصدقات، وعفاف الحافظات، ودعاء الذاكرات، وبكاء الخاشعات؟ لماذا ننسى الحديث عن هؤلاء وما أعد الله لهم من الأجر والثواب، وقد أعلن الرحيم الرحمن ذلك في القرآن، فقال جل وعز وهو الكريم المنان: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٣٥] نسأل الله أن نكون منهم. أيها الأحبة! هذه الصور وهذه المواقف، وقفت عليها بأم عيني، فإلى هذه الصور:

стр. 208

الهمة العالية للصلاة والقيام الصورة الأولى: في صلاة التراويح والقيام: كنت في طريقي لأحد المساجد لصلاة التراويح، وقبل الأذان بدقائق مررت بمسجد آخر، ورأيت ذلك الرجل الكبير يتكأ على عكازتين، ويدب على الأرض بمهل شديد، يسحب قدميه فتخط في الأرض خطاً، كان واضحاً أن المرض قد أنهكه، وأن التعب بلغ منه مبلغه، ومع ذلك خرج، لماذا؟ كل ذلك من أجل صلاة الجماعة، ومن أجل صلاة التراويح، فذكرت عندها قول ابن مسعود رضي الله تعالى عنه عند مسلم وفيه: (ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين، حتى يقام في الصف) . ولا أنسى تلك العجوز محدودبة الظهر، متقاربة الخطى، متسارعة الأنفاس، وهي تزحف إلى المسجد زحفاً، والعجب أنها صلت واقفة، ورفضت الجلوس. إيه أيتها النفوس! أليس لك بهذا معتبر؟! فما ملكت نفسي إلا ودمعةٌ تسيل على الخد، وأنا أردد: اللهم أعنها، اللهم يسر عليها، اللهم تقبل منها، اللهم إن لم يكن هؤلاء من الفائزين برمضان، فمن؟! نحن الكسالى؟! نحن الشباب أصحاب السواعد الفتية؟ أين أنت يا بن العشرين؟! أين أنت يا بن الثلاثين والأربعين من هؤلاء؟! هذه صورة، وما أكثر صور تلك الآباء والأمهات الذين نعجب من حرصهم، على الرغم من الأيدي المرتعشة، والأقدام المهتزة، والعظام الواهنة، والله إن الإنسان ليحتقر نفسه وعمله، وهو يرى هؤلاء الكبار من رجال ونساء، وكيف يتحاملون على أنفسهم على عجز وثقل، ومرض ولأواء، وقد عذرهم الله، ومع ذلك قلوبهم متعلقة بالمساجد، فهم إن شاء الله (في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله) كما في حديث السبعة. ربما أصاب الإنسان منا التعب والإرهاق في صلاة التراويح أو القيام، فإذا شاهد حال هؤلاء الآباء ونشاطهم على ما هم فيه، كأنما نشط من عقال. أفلا تسجل مواقفهم، وتسطر لتعيها الأجيال؟ اللهم تقبل منهم، واجعلهم من الفائزين برمضان.

стр. 209

رمضان والإنفاق الصورة الثانية: رجلٌ وسع الله عليه بماله، وحسن سمته، ودماثة خلقه، فهو ينفق إنفاق من لا يخشى الفقر، بحثت عنه عصراً من رمضان، توجهت إلى محلاته فلم أجده، سألت عنه فلم أجد جواباً، غير أن أحد العاملين قال: ربما وجدته في الجامع، دخلت الجامع فوجدت العجب، وجدت الموائد ممدودةً بالطول والعرض، حتى أنك لا تجد مكاناً لموضع قدميك، وفيها ما لذ وطاب من أنواع المأكولات والمشروبات، بحثت عن صاحبي فوجدته يصول ويجول، لحظاتٌ قبل الغروب، فإذا بمئات العمالة تتوافد على الجامع من كل صوب ألفاً أو يزيدون، قلت: سبحان الله! في الوقت الذي انشغل أهل الأموال ببيعهم وشرائهم، فعصر رمضان موسمٌ تجاريٌ لا يعوض، أما هذا الرجل فهو في تجارة أخرى، تجارة مع الله، فلم يكفه أن دفع المال لتفطير الصائمين، بل وقف بنفسه وعمل بيده، ولم يعتذر يوم أن دعي للإنفاق في مشروع ثان، بل وفي مشروع ثالث، وربما في رابع وخامس وعاشر، مما لا نعلمه ولكن الله يعلمه. عندها ذكرت حديث أبي كبشة عمرو بن سعد الأنماري، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (ثلاثةٌ أقسم عليهن، وأحدثكم حديثاً فاحفظوه؛ ما نقص مال عبد من صدقة) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. حدثت صاحبي والأنس والبشر على محياه -يعلم الله- ما فقدت الابتسامة على وجهه يوماً من الأيام، الجميع يشهد له بالفضل والإحسان، والورع وحسن الخلق وكثرة العبادة، هكذا نحسبه ولا نزكي على الله أحداً، خرجت من الجامع بصعوبة بالغة لكثرة المتوافدين من الصائمين والمساكين، خرجت وأنا أردد عند الغروب: اللهم تقبل منه، اللهم وسع عليه بماله وولده، اللهم بارك له وزده، وأعطه ولا تحرمه. فإن لم يكن هذا من الفائزين برمضان فمن أيها الأحبة؟! هل هم أولئك الذين يكنزون الأموال، ويقبضون أيديهم؟! عندها ذكرت قول الحبيب ﷺ لـ أسماء بنت أبي بكر: (لا توكي فيوكي الله عليك) -أي: لا تمنعي ما في يديك فيقطع الله عليك مادة الرزق، وذكرت قول الملكين اللذين ينزلان في كل صباح (فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً) كما في الحديث المتفق عليه، وذكرت قول الحق كما في الحديث القدسي: (أنفق يا بن آدم ينفق عليك) وهو متفق عليه، فقلت في نفسي: الموفق من وفقه الله، مع علمي أن هناك من تذهب نفسه حسرات أن لو كان يملك لينفق ويتصدق، ولكنه لا يجد أو يجد القليل القليل فينفقه، مع أنه أحوج الناس إليه. وبعضهم يسمع هذه الفضائل فلا يجد ما يتصدق به سوى الدمعة تسيل على الخدين أن لو كان ذا مال فيتصدق، عندها ذكرت قول الحق : ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ﴾ [التوبة:٩١-٩٢] اللهم اجعلنا وإياهم من الفائزين برمضان، ومن عتقائك من النار برحمتك يا رحيم يا رحمن.

стр. 210

الخشوع والبكاء في صلاة التراويح والقيام الصورة الثالثة: تصلي التراويح والقيام، فتسمع آيات القرآن، وتسمع الخنين والبكاء ينبعث في جنبات المسجد، فيسجد المصلون فإذا بأزيز كأزيز المرجل ينبعث من الصدور، غلبهم خوف الله وخشيته، فوجلت القلوب، وذرفت العيون، عندها ذكرت قول الرسول ﷺ : (لا يلج النار رجلٌ بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. في صلاة القيام وفي ثلث الليل الأخير يركعون، ويسجدون، ويدعون ويتضرعون، يبكون ويتأثرون، منكسرةً قلوبهم، دامعةً عيونهم، شاحبةً وجوههم، هجروا الفراش ولذة النوم، من أجل أي شيء؟ طلباً لمرضاة الله، طلباً لرحمة الله ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٦-١٧] . القانتون المخبتون لربهم الناطقون بأصدق الأقوال يحيون ليلهم بطاعة ربهم بتلاوة وتضرع وسؤال وعيونهم تجري بفيض دموعهم مثل انهمار الوابل الهطال بوجوههم أثر السجود لربهم وبها أشعة نوره المتلالي إن لم يكن هؤلاء من الفائزين برمضان، فمن؟! الذين ينامون، أو يذهبون ويجيئون؟ أم أولئك الذين يلعبون ويلهون؟! اللهم لا تحرمنا أجر الصيام والقيام، واجعلنا ممن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً، اللهم اجعلنا من الفائزين المقبولين يا رحمن يا رحيم.

стр. 211

النساء وحالهن في رمضان الصورة الرابعة رأينا وسمعنا حرص بعض النساء على الصدقة، ورمضان الخير يشهد للنساء بحسن السخاء، والبذل والعطاء، سمعت عن تلك التي جمعت رواتبها فتصدقت بها دفعةً واحدةً، وسمعت عن تلك التي كفلت يتيماً، وأعطت مسكيناً، ووزعت شريطاً، وفطرت صائماً، حتى قلت في نفسي: ماذا بقي لها؟ فأجابت بلسان حالها تقول: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [القصص:٦٠] فذكرت قول الرسول ﷺ : (يا معشر النساء! تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار) . فقلت: أبشرن أيتها الصالحات، فإن هذا لمن أكثرت السب واللعن، ونسيت نعمة الله عليها، أما أنت فإني أحسبك إن شاء الله من الفائزين برمضان. ثلة فتيات عرفت فيهن الخير كله، الهاجس في نفوسهن إصلاح الأُخريات ودعوتهن، يسألن وبكثرة عن المواضيع، والعناصر، والمسائل الرمضانية المناسبة للطرح في مثل هذا الشهر، يسألن وبإلحاح عن المناسب من الأشرطة والرسائل للإهداء والتوزيع، ولما انتهت المكافأة الشهرية اقترضن حتى لا ينقطع هذا الخير. يا سبحان الله! تركن اللباس والموديلات وآخر الصيحات وأدوات الزينة، لا لعدم الرغبة فهي جبلة المرأة، بل لأن همّ الإصلاح والغيرة على الدين كان أكبر، ولسان حالهن يقول: رمضان فرصة لا تعوض، فالقلوب منكسرة، والشياطين مصفدة، والإيمان يزيد. وعلمت أنهن يجتمعن لقراءة القرآن، وبحث بعض مسائل الصيام، ويحرصن على النوافل والسنن الرواتب، وصلاة القيام، ويقمن ببر الوالدين وصلة الأرحام، وخدمة الأهل والإخوان وإعداد الطعام، هذا كله بعد صلاة الفرض في وقتها، والقيام بحق زوجها، فنالت رضا ربها وفازت في شهرها، فهنيئاً لها، ثم هنيئاً لها. الحياة يبنيها صناع، كل منهم يؤثر في جانب منها، ومن جد وجد، وإما أنا وإما الفاسق، فإن الفاسق يصنع الحياة على طريقته، وكلٌ منا له موهبةٌ يحبها فيحب أن ينميها، ويبرع فيها ويبتكر لها، لكي يستطيع أن يجمع الناس حوله في تخصصه ومهارته.

стр. 212

الدعوة إلى الله وأهميتها في رمضان الصورة الخامسة: في رمضان هذا العام رأيت إقبال الشباب والفتيات من صناع الحياة، ودُلَّال الخير، ودعاة الهدى، وكلٌ منهم على خير، هؤلاء يصولون ويجولون من حي إلى حي، ومن مسجد إلى مسجد لإرشاد الناس وتذكيرهم، حرموا أنفسهم لذة العبادة خلف إمام واحد، تذهب أنفسهم حسرات لختم القرآن مرات ومرات، لكن هيهات هيهات، فالوقت ينصرف في البحث والاطلاع في تفسير آية، أو شرح حديث، أو بحث مسألة، فلسان حالهم يقول: رمضان فرصةٌ للتوبة، وموسمٌ للإقبال على الله والندم على ما فات، فكم من ضال فرح بكلمته؟ أو جاهل اهتدى بعبارته؟ أو تائب نور الله به بصيرته؟! وهؤلاء قاموا على تفطير العمالة في مسجدهم، حرموا أنفسهم فرحة الإفطار مع أهلهم وأزواجهم، ضاعت اللغات، وتلاشت الجنسيات، لا كفيلٌ ولا مكفول ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠] إخوةٌ في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم. وقل ساعدي يا نفس بالصبر ساعة فعند اللقاء بالكد يصبح زائلا فما هي إلا ساعة ثم تنقضي ويصبح ذو الأحزان فرحان جاذلا وأولئك يجمعون المال لشراء الأشرطة والرسائل والمطويات، وتوزيعها على المصلين والمصليات، وآخرون حملوا الطعام والأرزاق، وقطعوا الفيافي والمسافات، وهم صيامٌ تحت حرارة الشمس المحرقة، والرمال الملتهبة، ليقفوا مع المحتاجين والمساكين والأرامل واليتامى، فيطعموا الطعام، ويلبسوا اللباس، مع كلمة طيبة، وشريط نافع. من كان حين تصيب الشمس جبهته أو الغبار يخاف الشين والشعثا ويألف الظل كي تبقى بشاشته فسوف يسكن يوماً راغماً جدثا في ظل مقفرة غبراء مظلمة يطيل تحت الثرى في غيها اللبثا تجهزي بجهاز تبلغين به يا نفس قبل الردى لم تخلقي عبثا أما حراس الفضيلة وأعداء الرذيلة رجال الحسبة الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر. فحدث ولا حرج! فنحن في صلاة وقيام وتدبر وقرآن، أما هم ففي معظم الأيام تبرجٌ وسفور، ومشكلاتٌ ومعاكسات، ومنكراتٌ وسيئات، وكأني بهم والألم يعصر قلوبهم على ليالي رمضان، ولكن أبشر أيها الأخ الحبيب! فأنت على خير عظيم. إن لم تكن للحق أنت فمن يكون والناس في محراب لذات الدنايا عاكفونا أيها الأخ الحبيب! أبشر فأنت على خير، ولن يضيع الله جهدك أبداً، فإن شاء الله أنت من الفائزين برمضان. ذكرت حينها بعد هذه الصور حديث أبي ذر ﵁ عند ابن حبان في صحيحه أن النبي ﷺ قال: (ليس من نفس ابن آدم إلا عليها صدقةٌ في كل يوم طلعت فيه الشمس، قيل: يا رسول الله ومن أين لنا صدقة نتصدق بها؟ قال: إن أبواب الخير لكثيرة، التسبيح والتحميد، والتكبير والتهليل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتميط الأذى عن الطريق، وتسمع الأصم، وتهدي الأعمى، وتدل المستدل على حاجته، وتسعى بشدة ساقيك مع اللهفان المستغيث، وتحمل بشدة ذراعيك مع الضعيف، فهذا كله صدقة منك على نفسك) . فأبواب الخير كثيرة، فلله در شبابنا وفتياتنا، فلسان حالهم يردد في كل لحظة: أنا مسلمٌ، أنا مسلمةٌ، فلم لا أكون محور حق، ومركز إشعاع، ومشعل هداية؟ عندها قلت: إن لم يكن أمثال هؤلاء من الفائزين برمضان، فمن إذاً؟ ذلك الذي لا يفكر إلا في نفسه ووظيفته وماله وولده؟ ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠] .

стр. 213

وقفة مع حال الناس في العشر الأواخر الصورة السادسة: في العشر الأواخر، وفي صلاة القيام في آخر الليل، وفي جلسة الاستراحة، أنظر للمصلين وأحوالهم، هذا يقرأ القرآن، وهذا لسانه يلهج بالذكر والاستغفار، وذاك رفع يديه بالدعاء وعلامات الانكسار والتذلل على محياه، ورابعٌ قد سالت دموعه على خديه، وخامسٌ يركع ويسجد، وسادسٌ يغالب النوم، هجر فراشه، وحرم عينيه. أرواحهم خشعت لله في أدب قلوبهم من جلال الله في وجل نجواهم ربنا جئناك طائعة نفوسنا وعصينا خادع الأمل إذا سجى الليل قاموه وأعينهم من خشية الله مثل الجائد الهطل هم الرجال فلا يلهيهم لعب عن الصلاة ولا أكذوبة الكسل رياح الأسحار تحمل أنين المذنبين، وأنفاس المحبين، وقصص التائبين.

стр. 214

وقفة مع غافل عن الله الصورة السابعة: شابٌ في زاوية من المسجد، وقد عرفته بفسقه وشدة غفلته، وضع وجهه بين يديه، والدمع يسيل على خديه، وقد أجهش بالبكاء، لعله تلطخ بمعصية، أو تذكر ما سلف من الذنوب والمعاصي. أثار التذكر أحزانه فثار وأبدى لنا شانه وقام وستر الدجى مسبل فأسبل بالدمع أجفانه وبكى ذنوباً له قد مضت فأبكى عداه وخلانه ومن لم يكن قلبه جمرة فهذا لعمرك قد كان هو ومن ذا أحق بها من جهول تحقق لله عصيانه وأخلق في اللهو جثمانه كما أخلق الذنب إيمانه فلولا تفضل من فضله عرفناه قدماً وعرفانه لعنى -أي ظهر- على وجهه آية تكون على الخزي عنوانه شدني إليه شدة مناجاته لربه، علم أن له رباً يغفر الذنب فاستغفره، سارع يقرع الباب لعلمه أن الله سريع الحساب، فذل وانكسر لغافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، تمنيت لو ضممته فقلت له: هنيئاً لك بالتوبة والاستغفار، هنيئاً لك بعينيك اللتين ذرفت الدموع من خشية الله، هنيئاً لك بصيامك وقيامك، وأسأله وهو صاحب الفضل والمن أن يلحقك بركاب الفائزين برمضان. تمنيت لو ذكرته قول الحق : ﴿قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] . يا رب عبدك قد أتاك وقد أساء وقد هفا يكفيه منه حياؤه من سوء ما قد أسلفا حمل الذنوب على الذنوب الموبقات وأسرفا وقد استجار بذيل عفوك من عقابك ملحفا يا رب فاعف وعافه فلأنت أولى من عفا

стр. 215

حال بعض النساء مع صلاة القيام الصورة الثامنة: حريصةٌ على صغارها، فهي معهم ترقبهم وتلحظهم، تعلم هذا، وتوجه ذاك، ومع هذا فقلبها يهفو لصلاة التراويح مع المسلمين، لكن هيهات هيهات فتصلي في بيتها، تريد أن تخشع، أن يرق قلبها، أن تشعر بلذة المناجاة لربها، لكن الأصوات والضحكات، والتعلق بثوبها من صغارها، حرمها كل ذلك، فما ملكت سوى الدمعات والعبرات على ليالي رمضان، ثم جاءت العشر الأخيرة، فإذا بها تهدهد صبيانها، وتخادع صغارها، حتى ناموا، ثم قامت فانسلت بهدوء وحذر، فجهزت سحورها، ورتبت أمورها، ثم توضأت وتلحفت بجلبابها، ثم سارت إلى مسجد حيها والظلام يلفها، فركعت وسجدت، وقامت فبكت وخشعت، وربما تذكرت صغارها، فخافت عليهم ووجلت، فلا تدري قلبها لصلاتها أو على صغارها، فرجعت وصلت في بيتها بجوار صغارها، وهي تسمع صوت الإمام يردد: ﴿أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون:٦١] فانخرطت في البكاء أن لو كانت من السابقين. فقلت لها: أبشري أيتها الصالحة! فأنت على خير، لكن احرصي وأخلصي واحتسبي الأجر على الله، ولن يخيب ظنك وهو أعلم بحالك، ثم إني أهمس إليك بهذا الحديث المتفق عليه: (من ابتلي من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن، كن له ستراً من النار) . فأسأل الله اللطيف المنان أن يجعلك من الفائزين برمضان، فإن لم تكوني أنت فمن؟ تلك الولاجة الخراجة، الجوالة في الأسواق، التي لم ترع حق ولد ولا تلد عن تلك السافرة الساهرة أمام الأفلام والمسلسلات العاهرة؟ فكم بين مشغول بطاعة ربه وآخر بالذنب الثقيل مقيد فهذا سعيد بالجنان منعم وذاك شقي في الجحيم مخلد كأني بنفسي في القيامة واقف وقد فاض دمعي والمفاصل ترعد
следующие страницы →