Полный текст (623 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
النساء وحالهن في رمضان
الصورة الرابعة رأينا وسمعنا حرص بعض النساء على الصدقة، ورمضان الخير يشهد للنساء بحسن السخاء، والبذل والعطاء، سمعت عن تلك التي جمعت رواتبها فتصدقت بها دفعةً واحدةً، وسمعت عن تلك التي كفلت يتيماً، وأعطت مسكيناً، ووزعت شريطاً، وفطرت صائماً، حتى قلت في نفسي: ماذا بقي لها؟ فأجابت بلسان حالها تقول: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [القصص:٦٠] فذكرت قول الرسول ﷺ : (يا معشر النساء! تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار) .
فقلت: أبشرن أيتها الصالحات، فإن هذا لمن أكثرت السب واللعن، ونسيت نعمة الله عليها، أما أنت فإني أحسبك إن شاء الله من الفائزين برمضان.
ثلة فتيات عرفت فيهن الخير كله، الهاجس في نفوسهن إصلاح الأُخريات ودعوتهن، يسألن وبكثرة عن المواضيع، والعناصر، والمسائل الرمضانية المناسبة للطرح في مثل هذا الشهر، يسألن وبإلحاح عن المناسب من الأشرطة والرسائل للإهداء والتوزيع، ولما انتهت المكافأة الشهرية اقترضن حتى لا ينقطع هذا الخير.
يا سبحان الله! تركن اللباس والموديلات وآخر الصيحات وأدوات الزينة، لا لعدم الرغبة فهي جبلة المرأة، بل لأن همّ الإصلاح والغيرة على الدين كان أكبر، ولسان حالهن يقول: رمضان فرصة لا تعوض، فالقلوب منكسرة، والشياطين مصفدة، والإيمان يزيد.
وعلمت أنهن يجتمعن لقراءة القرآن، وبحث بعض مسائل الصيام، ويحرصن على النوافل والسنن الرواتب، وصلاة القيام، ويقمن ببر الوالدين وصلة الأرحام، وخدمة الأهل والإخوان وإعداد الطعام، هذا كله بعد صلاة الفرض في وقتها، والقيام بحق زوجها، فنالت رضا ربها وفازت في شهرها، فهنيئاً لها، ثم هنيئاً لها.
الحياة يبنيها صناع، كل منهم يؤثر في جانب منها، ومن جد وجد، وإما أنا وإما الفاسق، فإن الفاسق يصنع الحياة على طريقته، وكلٌ منا له موهبةٌ يحبها فيحب أن ينميها، ويبرع فيها ويبتكر لها، لكي يستطيع أن يجمع الناس حوله في تخصصه ومهارته.
стр. 212
الدعوة إلى الله وأهميتها في رمضان
الصورة الخامسة: في رمضان هذا العام رأيت إقبال الشباب والفتيات من صناع الحياة، ودُلَّال الخير، ودعاة الهدى، وكلٌ منهم على خير، هؤلاء يصولون ويجولون من حي إلى حي، ومن مسجد إلى مسجد لإرشاد الناس وتذكيرهم، حرموا أنفسهم لذة العبادة خلف إمام واحد، تذهب أنفسهم حسرات لختم القرآن مرات ومرات، لكن هيهات هيهات، فالوقت ينصرف في البحث والاطلاع في تفسير آية، أو شرح حديث، أو بحث مسألة، فلسان حالهم يقول: رمضان فرصةٌ للتوبة، وموسمٌ للإقبال على الله والندم على ما فات، فكم من ضال فرح بكلمته؟ أو جاهل اهتدى بعبارته؟ أو تائب نور الله به بصيرته؟! وهؤلاء قاموا على تفطير العمالة في مسجدهم، حرموا أنفسهم فرحة الإفطار مع أهلهم وأزواجهم، ضاعت اللغات، وتلاشت الجنسيات، لا كفيلٌ ولا مكفول ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠] إخوةٌ في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم.
وقل ساعدي يا نفس بالصبر ساعة فعند اللقاء بالكد يصبح زائلا
فما هي إلا ساعة ثم تنقضي ويصبح ذو الأحزان فرحان جاذلا
وأولئك يجمعون المال لشراء الأشرطة والرسائل والمطويات، وتوزيعها على المصلين والمصليات، وآخرون حملوا الطعام والأرزاق، وقطعوا الفيافي والمسافات، وهم صيامٌ تحت حرارة الشمس المحرقة، والرمال الملتهبة، ليقفوا مع المحتاجين والمساكين والأرامل واليتامى، فيطعموا الطعام، ويلبسوا اللباس، مع كلمة طيبة، وشريط نافع.
من كان حين تصيب الشمس جبهته أو الغبار يخاف الشين والشعثا
ويألف الظل كي تبقى بشاشته فسوف يسكن يوماً راغماً جدثا
في ظل مقفرة غبراء مظلمة يطيل تحت الثرى في غيها اللبثا
تجهزي بجهاز تبلغين به يا نفس قبل الردى لم تخلقي عبثا
أما حراس الفضيلة وأعداء الرذيلة رجال الحسبة الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر.
فحدث ولا حرج! فنحن في صلاة وقيام وتدبر وقرآن، أما هم ففي معظم الأيام تبرجٌ وسفور، ومشكلاتٌ ومعاكسات، ومنكراتٌ وسيئات، وكأني بهم والألم يعصر قلوبهم على ليالي رمضان، ولكن أبشر أيها الأخ الحبيب! فأنت على خير عظيم.
إن لم تكن للحق أنت فمن يكون والناس في محراب لذات الدنايا عاكفونا
أيها الأخ الحبيب! أبشر فأنت على خير، ولن يضيع الله جهدك أبداً، فإن شاء الله أنت من الفائزين برمضان.
ذكرت حينها بعد هذه الصور حديث أبي ذر ﵁ عند ابن حبان في صحيحه أن النبي ﷺ قال: (ليس من نفس ابن آدم إلا عليها صدقةٌ في كل يوم طلعت فيه الشمس، قيل: يا رسول الله ومن أين لنا صدقة نتصدق بها؟ قال: إن أبواب الخير لكثيرة، التسبيح والتحميد، والتكبير والتهليل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتميط الأذى عن الطريق، وتسمع الأصم، وتهدي الأعمى، وتدل المستدل على حاجته، وتسعى بشدة ساقيك مع اللهفان المستغيث، وتحمل بشدة ذراعيك مع الضعيف، فهذا كله صدقة منك على نفسك) .
فأبواب الخير كثيرة، فلله در شبابنا وفتياتنا، فلسان حالهم يردد في كل لحظة: أنا مسلمٌ، أنا مسلمةٌ، فلم لا أكون محور حق، ومركز إشعاع، ومشعل هداية؟ عندها قلت: إن لم يكن أمثال هؤلاء من الفائزين برمضان، فمن إذاً؟ ذلك الذي لا يفكر إلا في نفسه ووظيفته وماله وولده؟ ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠] .
стр. 213
وقفة مع حال الناس في العشر الأواخر
الصورة السادسة: في العشر الأواخر، وفي صلاة القيام في آخر الليل، وفي جلسة الاستراحة، أنظر للمصلين وأحوالهم، هذا يقرأ القرآن، وهذا لسانه يلهج بالذكر والاستغفار، وذاك رفع يديه بالدعاء وعلامات الانكسار والتذلل على محياه، ورابعٌ قد سالت دموعه على خديه، وخامسٌ يركع ويسجد، وسادسٌ يغالب النوم، هجر فراشه، وحرم عينيه.
أرواحهم خشعت لله في أدب قلوبهم من جلال الله في وجل
نجواهم ربنا جئناك طائعة نفوسنا وعصينا خادع الأمل
إذا سجى الليل قاموه وأعينهم من خشية الله مثل الجائد الهطل
هم الرجال فلا يلهيهم لعب عن الصلاة ولا أكذوبة الكسل
رياح الأسحار تحمل أنين المذنبين، وأنفاس المحبين، وقصص التائبين.
стр. 214
وقفة مع غافل عن الله
الصورة السابعة: شابٌ في زاوية من المسجد، وقد عرفته بفسقه وشدة غفلته، وضع وجهه بين يديه، والدمع يسيل على خديه، وقد أجهش بالبكاء، لعله تلطخ بمعصية، أو تذكر ما سلف من الذنوب والمعاصي.
أثار التذكر أحزانه فثار وأبدى لنا شانه
وقام وستر الدجى مسبل فأسبل بالدمع أجفانه
وبكى ذنوباً له قد مضت فأبكى عداه وخلانه
ومن لم يكن قلبه جمرة فهذا لعمرك قد كان هو
ومن ذا أحق بها من جهول تحقق لله عصيانه
وأخلق في اللهو جثمانه كما أخلق الذنب إيمانه
فلولا تفضل من فضله عرفناه قدماً وعرفانه
لعنى -أي ظهر- على وجهه آية تكون على الخزي عنوانه
شدني إليه شدة مناجاته لربه، علم أن له رباً يغفر الذنب فاستغفره، سارع يقرع الباب لعلمه أن الله سريع الحساب، فذل وانكسر لغافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، تمنيت لو ضممته فقلت له: هنيئاً لك بالتوبة والاستغفار، هنيئاً لك بعينيك اللتين ذرفت الدموع من خشية الله، هنيئاً لك بصيامك وقيامك، وأسأله وهو صاحب الفضل والمن أن يلحقك بركاب الفائزين برمضان.
تمنيت لو ذكرته قول الحق : ﴿قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] .
يا رب عبدك قد أتاك وقد أساء وقد هفا
يكفيه منه حياؤه من سوء ما قد أسلفا
حمل الذنوب على الذنوب الموبقات وأسرفا
وقد استجار بذيل عفوك من عقابك ملحفا
يا رب فاعف وعافه فلأنت أولى من عفا
стр. 215
حال بعض النساء مع صلاة القيام
الصورة الثامنة: حريصةٌ على صغارها، فهي معهم ترقبهم وتلحظهم، تعلم هذا، وتوجه ذاك، ومع هذا فقلبها يهفو لصلاة التراويح مع المسلمين، لكن هيهات هيهات فتصلي في بيتها، تريد أن تخشع، أن يرق قلبها، أن تشعر بلذة المناجاة لربها، لكن الأصوات والضحكات، والتعلق بثوبها من صغارها، حرمها كل ذلك، فما ملكت سوى الدمعات والعبرات على ليالي رمضان، ثم جاءت العشر الأخيرة، فإذا بها تهدهد صبيانها، وتخادع صغارها، حتى ناموا، ثم قامت فانسلت بهدوء وحذر، فجهزت سحورها، ورتبت أمورها، ثم توضأت وتلحفت بجلبابها، ثم سارت إلى مسجد حيها والظلام يلفها، فركعت وسجدت، وقامت فبكت وخشعت، وربما تذكرت صغارها، فخافت عليهم ووجلت، فلا تدري قلبها لصلاتها أو على صغارها، فرجعت وصلت في بيتها بجوار صغارها، وهي تسمع صوت الإمام يردد: ﴿أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون:٦١] فانخرطت في البكاء أن لو كانت من السابقين.
فقلت لها: أبشري أيتها الصالحة! فأنت على خير، لكن احرصي وأخلصي واحتسبي الأجر على الله، ولن يخيب ظنك وهو أعلم بحالك، ثم إني أهمس إليك بهذا الحديث المتفق عليه: (من ابتلي من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن، كن له ستراً من النار) .
فأسأل الله اللطيف المنان أن يجعلك من الفائزين برمضان، فإن لم تكوني أنت فمن؟ تلك الولاجة الخراجة، الجوالة في الأسواق، التي لم ترع حق ولد ولا تلد عن تلك السافرة الساهرة أمام الأفلام والمسلسلات العاهرة؟
فكم بين مشغول بطاعة ربه وآخر بالذنب الثقيل مقيد
فهذا سعيد بالجنان منعم وذاك شقي في الجحيم مخلد
كأني بنفسي في القيامة واقف وقد فاض دمعي والمفاصل ترعد
стр. 216
المرأة الصالحة ووفاؤها وإخلاصها
الصورة التاسعة: ثناءٌ لتلك المرأة الصالحة التي عرفت فضائل هذا الشهر، فحرصت على استغلال ساعاته، فهي محافظةٌ على الصلوات في أوقاتها، جالسةٌ بعد الصلوات في مصلاها تقرأ القرآن، وقد تنتقل إلى الذكر والتسبيح، والتحميد والتهليل والتكبير، وتقديرٌ لها يوم أن كانت خلف كل عمل صالح في بيتها، فهي خلف أولادها وإخوانها بالمحافظة على الصلوات، فتوقظ هذا، وتنبه ذاك، وهي خلفهم بدفعهم وتشجيعهم لقراءة القرآن، وصلاة القيام، واستغلال رمضان، تلهب الحماس، وتقوي العزائم، بالكلمة الطيبة تارة، وبالشريط النافع وبالهدية المشجعة تارةً أخرى.
ووفاء لتلك الزوجة الوفية يوم أن كانت لزوجها حقاً وفية، أصبحت وجه سعد على زوجها، أنارت جنبات بيتها، فهي وراء زوجها بالتذكير والتنبيه إن نام أو غفل، وهي معينةٌ له إن ذكر، فلا تقطع عليه ساعات الطاعة في الشهر بكثرة طلباتها، ولا تعرضه لفتن المتبرجات السافرات في شهر الفضل والإحسان، وفي أعظم الأيام العشر الأواخر بكثرة دخولها وخروجها للأسواق، وهي وفيةٌ لزوجها يوم أن قالت: إن الذكر، وقراءة القرآن، واستغلال رمضان، لا يجتمعان أبداً في بيت مع ملاهي الشيطان، فقم وتوكل على الله وطهر البيت لتحل علينا ملائكة الرحمن، ويرحل مردة الجان، وما هي إلا عزيمة وإرادة، وخوفٌ وتوبة، ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه.
إعجابٌ وإكبارٌ لك أيتها الصالحة! وأنت في المدرسة والعمل، فها أنت قد حرصت كل الحرص على إتقان العمل وإخلاصه لله ليتم صومك، فأنت تخافين من خيانة الأمانة التي وكلها الله لك، فكلنا إعجابٌ وإكبارٌ يوم أن جاءت بناتنا وأخواتنا ليحدثن أنك تكلمت عن فضائل هذا الشهر، وكيفية استغلاله والحرص عليه، وأنك قمت بوضع مسابقة رمضانية لتفقيه الطالبات بأحكام الصيام، وأنك أهديت لكل واحدة منهن شريطاً لتعليم آداب الصيام وأحكامه، وأنك ما تفتئين تذكرين بثمرة الصيام وسره العظيم، تقوى الله ومراقبته في السر والعلن، وأنها العبادة الوحيدة التي خصها الله لنفسه، لأنها عبادة خفية بينك وبينه، فلا أحدٌ يعلم عن حقيقة صومك.
إنك أيتها المخلصة! لا تتصورين عظيم فرحتي وأنا أسمع هذه الكلمات، إعجابٌ أسطره لك أيتها المعلمة! وأنا أرى أختي وابنتي وقد حرصن على رمضان، وعلى الصلاة والقيام وكثرة الأعمال، فيحضرني قول رسول الله ﷺ : (الدال على الخير كفاعله) وقوله ﷺ : (ولئن يهدي الله بك رجلاً واحداً، خيرٌ لك من حمر النعم) وقوله ﷺ : (من سن في الإسلام سنةً حسنةً كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة) فما أملك إلا أن أرفع يدي إلى السماء قائلاً: اللهم لا تحرم تلك المعلمة أجر تلك الأعمال.
فتتوارد الأدعية لك أنت أيتها الصادقة! وتفيض تلك الدمعة لحسن رعايتك للأمانة، وحملك هم إصلاح الأُخريات فشكر الله سعيك، وبارك فيك، وأجزل الأجر والمثوبة لك، فأنت أهلٌ لذلك.
فأبشري بالقبول بإذن الله، قبول الصيام والقيام، والعتق من النيران ودخول الجنان والفوز برمضان، كل ذلك بفضل ورحمة من الكريم المنان، ثم بفضل ما فعلت وقدمت ابتغاء وجه الله، وهكذا فلتكن المرأة المسلمة في رمضان.
стр. 217
الحزن على انتهاء رمضان
الصورة العاشرة والأخيرة: رأيته وسلمت عليه، وفجأةً أجهش بالبكاء، وفاضت عيناه بالدمع، أوجست في نفسي خيفة، قلت: ابتلي بموت قريب، أو حبيب له أصيب، فقال بصوت كئيب: جبر الله مصيبتك بخروج رمضان.
انكسر قلبه، وهطل دمعه، وانتحب صوته، فقلت: يا سبحان الله! لكل محب حبيب، ورمضان حبيب الصالحين.
يا شهر رمضان ترفق، دموع المحبين تدفق، قلوبهم من ألم الفراق تشقق.
بين الجوانح في الأعماق سكناه فكيف أنسى ومن في الناس ينساه
في كل عام لنا لقيا محببة يهتز كل كياني حين ألقاه
بالعين والقلب بالآذان أرقبه وكيف لا وأنا بالروح أحياه
ألقاه شهراً ولكن في نهايته يمضي كطيف خيال قد لمحناه
في موسم الطهر في رمضان الخير تجمعنا محبة الله لا مال ولا جاه
من كل ذي خشية لله ذي ولع في الخير تعرفه دوماً بسيماه
قد قدروا موسم الخيرات فاستبقوا والاستباق هنا المحمود عقباه
صاموه قاموه إيماناً ومحتسباً أحيوه طوعاً وما في الخير إكراه
فالأذن سامعة والعين دامعة والروح خاشعة والقلب أواه
وكلهم بات بالقرآن مندمجاً كأنه الدم يسري في خلاياه
فوداعاً يا رمضان! وإلى أن نلقاك في عام قادم إن شاء الله، اللهم تقبل منا رمضان، واجعلنا من الفائزين برمضان.
هذه صورٌ ومواقف للفائزين برمضان، ولعلها تكفي لضيق الوقت، وخشية الإملال، وإنما هي على سبيل المثال، والحصر يصعب، وهي غيضٌ من فيض، فمحبو الخير كثر، وأبواب الخير كثيرة، ولكنها مشاهد ومواقف لبعض الصالحين والصالحات ذكرناها لأسباب سبقت.
فيا باغي الخير أقبل! فرمضان فرصةٌ قد لا تتكرر، وموسمٌ قد لا يعوض، فالبدار البدار قبل فجأة موت أو مصيبة مرض، وعندها لا ينفع الندم ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١] .
أيها الأحبة! السعيد من أدرك رمضان فغُفر له ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣-١٣٤] .
стр. 218
أمور تعين على الفوز بالحسنات في رمضان
وقبل الختام أذكر لكم أموراً تعينكم على الفوز برمضان، واستغلال أيامه ولياليه، أعددها لكم تعداداً بدون تعليق للذكرى ﴿فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥] .
أولاً: المجاهدة: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩] .
تريد الهداية؟ تريدين الهداية؟ نريد الاستقامة؟ لنجاهد هذه النفس، لنقبل على الأسباب، فإن أقبلنا، أقبل الله علينا.
ثانياً: الهمة والعزيمة: قال ابن الجوزي: من علامة كمال العقل علو الهمة، والراضي بالدون دنيء.
ولم أر في عيوب الناس عيباً كنقص القادرين على التمام
ثالثاً: معرفة فضائل الشهر ومزاياه: فإن من عرف شيئاً اهتم به، وحرص عليه، ولو لم يكن فيه سوى ليلة القدر التي هي خيرٌ من ألف شهر لكفى.
رابعاً: قلة أيامه، وسرعة ذهابه: وصدق الله يوم أن قال: ﴿أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:١٨٤] .
بالأمس القريب نهنئ بعضنا بعضاً بدخول الشهر، واليوم نعزي بعضنا بعضاً بخروجه، وهكذا هي الأيام، فالبدار البدار، انتبه للعمر أيها الحبيب!.
الصالحون تسابقوا للخيرات، وفازوا بالحسنات، وأنت أيها المسكين! ما زلت أسيراً للشهوات وعبداً للذات، وصدق الله يوم أن قال: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر:٣٢] .
خامساً: تذكر الموت، والحذر من فجاءته: فقد لا تدرك رمضاناً آخر، فانتبه لنفسك.
هذه مناجاة متهجد، ونفثات صدر، وأشجان قلب، وخلجات نفس، وكلمات ناصح، ودمعات محب، وهي حديث أُنس، وصدقة قائم، ومشاعر صائم، بل هي والله آهات متوجعٌ، وأنات مذنب، وزفرات مقصر.
سبحانك خالقي، فأنا تائبٌ إليك فاقبل توبتي، واستجب دعائي، وارحم شبابي، وأقل لي عثرتي، وارحم طول عبرتي، ولا تفضحني بالذي قد كان مني.
اللهم لا تفضحني بالذي قد كان مني، اللهم استر علي عيوبي يا حي يا قيوم، اللهم ارحمنا برحمتك، اللهم اجعلنا من الفائزين برمضان، اللهم اجعلنا ممن قام رمضان إيماناً واحتساباً فغفرت له ما تقدم من ذنبه، اللهم اجعلنا ممن صام رمضان إيماناً واحتساباً فغفرت له ما تقدم من ذنبه، اللهم اجعلنا ممن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً فغفرت له ما تقدم من ذنبه، اللهم اجعلنا من الفائزين برمضان.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 219
رمضان والرحيل المر
رحل رمضان ويا لها من أيام، ولكن يا ترى ما هو الفرق بين حالنا في رمضان وحالنا بعد رمضان؟ كل يسأل نفسه: كيف حالك أيتها النفس بعد رمضان؟! فالعاقل اللبيب من جعل رمضان مدرسة لبقية الشهور بالاستمرار والمداومة على الطاعات والواجبات، ولو كانت قليلة؛ فقليل دائم خير من كثير منقطع.
стр. 220
ألم الفراق
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: فيا أيها الأحبة في الله! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هذه ليلة الثلاثاء الموافق للسادس عشر من شهر شوال للعام (١٤١٦هـ) وفي هذا الجامع المبارك في مدينة الرس، ومع هذا الموضوع والذي هو بعنوان: (رمضان والرحيل المر) .
وها هو نصف شهر -أيها الأحبة- يمضي بعد رحيلك أيها الحبيب رمضان، ويا لها من أيام مرة المذاق! ليسأل كل إنسان منا نفسه: كيف حالكِ أيتها النفس بعد رمضان؟! أيها الإخوة والأخوات! لقد تعمدت تأخير هذا الموضوع إلى هذه الأيام؛ لنقارن بين حالنا في رمضان وحالنا بعد رمضان، رغم أنه لم يمض عليه سوى أيام.
إيه أيتها النفس! كنت قبل أيام في صلاة وقيام، وتلاوة وصيام، وذكر ودعاء، وصدقة وإحسان، وصلة للأرحام، قبل أيام كنا نشعر برقة القلوب واتصالها بعلام الغيوب، كانت تتلى علينا آيات القرآن؛ فتخشع القلوب وتدمع العيون، فنزداد إيماناً وخشوعاً وإخباتاً لله ، ذقنا حلاوة الإيمان، وعرفنا حقيقة الصيام، ذقنا لذة الدمعة، وحلاوة المناجاة في السحر كنا نصلي صلاة من جعلت قرة عينه في الصلاة، وكنا نصوم صيام من ذاق حلاوته وعرف طعمه، وكنا ننفق نفقة من لا يخشى الفقر، كنا وكنا مما كنا نفعله في هذا الشهر المبارك العظيم الذي رحل عنا.
وهكذا نتقلب في أعمال الخير وأبوابه، حتى قال قائلنا: يا ليتني مت على هذه الحال؛ لما يشعر به من حلاوة الإيمان ولذة الطاعة.
فتذكرت حينها قول ابن مسعود رضي الله تعالى عنه لما بكى في مرض موته، فسئل: ما الذي يبكيك؟ فقال ﵁: [إنما أبكي؛ لأنه أصابني في حال فترة -أي الموت- ولم يصبني في حال اجتهاد] كما في مجمع الزوائد للهيثمي.
стр. 221
تقصير النفس وتفريطها بعد رمضان
وهكذا مضت الأيام ورحل رمضان، ثم ماذا؟ رحلت يا رمضان! ولم يمض على رحيلك سوى ليالي وأيام، ولربما رجع تارك الصلاة لتركه، وآكل الربا لأكله، وسامع الغناء لسماعه، ومشاهد الفحش لفحشه، وشارب الدخان لشربه.
رحلت يا رمضان! ولم يمض على رحيلك سوى ليالي وأيام، ولربما نسينا لذة الصيام، فلا الست من شوال ولا الخميس والاثنين ولا الثلاثة الأيام.
رحلت يا رمضان! ولم يمض على رحيلك سوى ليالي وأيام، ولربما لم نذق فيها طعم القيام.
سبحان الله! أين ذلك الخشوع، وتلك الدموع في السجود والركوع؟ أين ذلك التسبيح والاستغفار؟ وأين تلك المناجاة لله الواحد القهار؟ رحلت يا رمضان! ولم يمض على رحيلك سوى ليالي وأيام، ولربما هجرنا القرآن، وقد كنا نقرأ بعد الفجر وبعد الظهر وبعد العصر وفي الليل والنهار، وها هو نصف شهر مضى فكم قرأنا فيه من القرآن؟
خليلي شهر الصوم زُمَّت مطاياه وسارت وفود العاشقين بمسراه
فيا شهر لا تبعد لك الخير كله وأنت ربيع الوصل يا طيب مرعاه
نشرق بدموع الفراق أيها الأحبة! فلا نستطيع أن نبث المشاعر والآلام والأحزان، لما نجده من فقد لذة الطاعة، وحلاوة الإيمان، هكذا حال الدنيا اجتماع وافتراق، ومن منا لا تؤلمه لحظات الفراق ودموع العناق؟! رمضان أيها الصديق! أيها الجليس الصالح! أيها الحبيب!
أحس بجرحي يا صديقي كأنه يدب إلى أعماق قلبي ويوغل
ونفسي أمام المغريات قوية ولكنها عند الأحبة تسهل
كأن فؤادي لو تأملت ما به بما فيه من شتى المشاعر معمل
رمضان كيف ترحل عنا وقد كنت خير جليس لنا؟! بفضل ربنا كنت عوناً لنا، ونحن بين قارئ وصائم ومنفق وقائم، وباكٍ ودامع، وداعٍ وخاشع.
رمضان فيك المساجد تعمر، والآيات تذكر، والقلوب تجبر، والذنوب تغفر، كنت للمتقين روضةً وأنساً، وللغافلين قيداً وحبساً، كيف ترحل عنا وقد ألفناك وعشقناك وأحببناك؟! رمضان ألا تسمع لأنين العاشقين وآهات المحبين؟!
اسمع أنين العاشقين إن استطعت له سماعا
راح الحبيب فشيعته مدامع ذرفت سراعا
لو كلف الجبل الأصم فراق إلف ما استطاعا
стр. 222
كلمات مضيئة في رحيل رمضان
قال ابن رجب في وداع رمضان، واسمعوا لقلوب السلف رضوان الله تعالى عليهم كيف كانت تتخرق لفراق هذا الشهر: يا شهر رمضان ترفق، دموع المحبين تدفق، قلوبهم من ألم الفراق تشقق، عسى وقفة الوداع تطفئ من نار الشوق ما أحرق، عسى ساعة توبة وإقلاع ترقع من الصيام ما تخرق، عسى منقطع عن ركب المقبولين يلحق، عسى أسير الأوزار يطلق، عسى من استوجب النار يعتق،
عسى وعسى من قبل يوم التفرق إلى كل ما نرجو من الخير نرتقي
فيجبر مكسور ويقبل تائب ويعتق خطاء ويسعد من شقي
انتهى كلامه ﵀.
رحلت يا رمضان! والرحيل مر على الصالحين، فابكوا عليه بالأحزان وودعوه، وأجروا لأجل فراقه الدموع وشيعوه.
دع البكاء على الأطلال والدار واذكر لمن بان من خل ومن جار
وذر الدموع نحيباً وابك من أسف على فراق ليال ذات أنوار
على ليال لشهر الصوم ما جُعلت إلا لتمحيص آثام وأوزار
يا لائمي في البكاء زدني به كلفاً واسمع غريب أحاديث وأخبار
ما كان أحسننا والشمل مجتمع منا المصلي ومنا القانت القاري
стр. 223
أحوال الناس بعد رمضان
الناس بعد رمضان فريقان: فائزون وخاسرون، فيا ليت شعري من هذا الفائز منا فنهنيه؟ ومن هذا الخاسر فنعزيه؟!
стр. 224
حال الصالحين الفائزين
رحل رمضان ورحيله مر على الجميع، الفائزين والخاسرين، الرحيل مر على الفائزين؛ لأنهم فقدوا أياماً ممتعة، وليالي جميلة، نهارها صدقة وصيام، وليلها قراءة وقيام، نسيمها الذكر والدعاء، وطيبها الدموع والبكاء، شعروا بمرارة الفراق؛ فأرسلوا العبرات والآهات، كيف لا وهو شهر الرحمات، وتكفير السيئات، وإقالة العثرات؟! كيف لا والدعاء فيه مسموع، والضر مدفوع، والخير مجموع؟! كيف لا نبكي على رحيله ونحن لا نعلم أمن المقبولين نحن أم من المطرودين؟! كيف لا نبكي على رحيله -أيها الأحبة- ونحن لا ندري أيعود ونحن في الوجود أم في اللحود؟! الفائزون من خشية ربهم مشفقون! نعم.
هم فائزون ولكنهم من خشية ربهم مشفقون ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون:٦٠] على رغم أنهم في نهاره في صيام وقراءة قرآن وإطعام وإحسان، وفي ليله سجود وركوع وبكاء وخشوع، وفي الغروب والأسحار تسبيح وتهليل وذكر واستغفار.
الفائزون شمروا عن سواعد الجد؛ فاجتهدوا واستغفروا وأنابوا ورجعوا، ما تركوا باباً من أبواب الخير إلا ولجوه، ولكن مع ذلك كله، قلوبهم وجلة خائفة بعد رمضان؛ أقبلت أعمالهم أم لا؟ أكانت خالصةً لله أم لا؟ أكانت على الوجه الذي ينبغي أم لا؟ كان السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم يحملون همّ قبول العمل أكثر من همّ القيام بالعمل نفسه، قال عبد العزيز بن أبي رواد: أدركتهم يجتهدون في العمل الصالح، فإذا فعلوا وقع عليهم الهم! أيقبل منهم أم لا؟ لا يغفلون عن رمضان، فإذا فعلوا وانتهوا يقع عليهم الهمّ أيقبل منهم أم لا؟ وقال علي رضي الله تعالى عنه: [كونوا لقبول العمل أشد اهتماماً منكم بالعمل، ألم تسمعوا لقول الحق : ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧]] .
وقال مالك بن دينار: [الخوف على العمل ألا يتقبل أشد من العمل] .
وروي عن علي رضي الله تعالى عنه أنه كان ينادي في آخر رمضان: [يا ليت شعري من هذا المقبول فنهنيه؟ ومن هذا المحروم فنعزيه؟] .
وعن ابن مسعود أنه قال: [من هذا المقبول منا فنهنيه؟ ومن هذا المحروم منا فنعزيه؟] .
أيها المقبول هنيئاً لك! أيها المردود جبر الله مصيبتك!
ليت شعري من فيه يقبل منا فيهنى يا خيبة المردود
من تولى عنه بغير قبول أرغم الله أنفه بخزي شديد
فيا ليت شعري -أيها الأحبة- بعد هذه الأيام مَن مِنا أشغله هذا الهاجس وقد مضى نصف شهر على رحيل رمضان؟ من منا أشغله هاجس هل قبلت أعماله أم لا؟ هل نحن من الفائزين في رمضان أم لا؟! من منا لسانه يلهج بالدعاء أن يقبل الله منه رمضان؟! إننا نقرأ ونسمع أن سلفنا الصالح كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يقبل الله منهم رمضان، ونحن لم يمض على رحيله سوى أيام فهل دعونا أم لا؟ أم أننا نسينا رمضان وغفلنا عنه وكأننا أزحنا حملاً ثقيلاً كان جاثماً على صدورنا؟! نعم.
رحل رمضان، لكن ماذا استفدنا من رمضان؟ وأين آثاره على نفوسنا وسلوكنا وأقوالنا وأفعالنا؟ هكذا حال الصالحين العاملين، فهم في رمضان صيام وقيام، وتقلب في أعمال البر والإحسان، وبعد رمضان محاسبة للنفس، وتقدير للربح والخسران، وخوف من عدم قبول الأعمال، لذا فألسنتهم تلهج بالدعاء والإلحاح بأن يقبل الله منهم رمضان.
стр. 225
حال المفرطين الخاسرين
أما المفرطون -نعوذ بالله من حالهم- فهم نوعان: أناس قصروا فلم يعملوا إلا القليل، نعم.
صلوا التراويح والقيام سراعاً، فهم لم يقوموا إلا القليل، ولم يقرءوا من القرآن إلا القليل، ولم يقدموا من الصلوات إلا القليل، الصلوات المفروضة تشكو من تخريقها ونقرها، والصيام يئن من تجريحه وتضييعه، والقرآن يشكو من هجره ونثره، والصدقة ربما يتبعها مَنٌّ وأذى، الألسن يابسة من ذكر الله، غافلة عن الدعاء والاستغفار، فهم في صراع مع الشهوات حتى في رمضان، لكن فطرة الخير تجذبهم، فتغلبهم تارةً ويغلبونها تارات، فهم يصلون التراويح، لكن قلوبهم معلقة بالرياضة، ومشاهدة المباريات، ورمضان هذا العام يشهد بمثل ذلك.
سبحان الله! حتى في رمضان، حتى في العشر الأواخر وهي أفضل الأيام! سبحان الله! كيف أصبحت الرياضة تعبد من دون الله؟! -لا حول ولا قوة إلا بالله- هم يقرءون القرآن في النهار، لكنهم يصارعون النوم بعد ليالي من السهر والتعب والإرهاق من الدورات الرياضية والجلسات الفضائية، أما الصلاة: فصلاة الظهر ﵍، وربما العصر بل وربما الفجر؛ كل ذلك بسبب التعب والإرهاق -كما يقولون- فهؤلاء لم ينتبهوا إلا والحبيب يرحل عنهم؛ فتجرعوا مرارة الرحيل، بكاء وندماً، حزنوا، ولكن بعد ماذا؟ بعد فوات الأوان، بعد أن انقضت أفضل الأيام.
أما النوع الثاني من المفرطين فهم الخاسرون -نعوذ بالله من الخسران- فهناك من لم يقم رمضان، ولم يقرأ القرآن، وربما لم يصم في رمضان، فنهاره ليل وليله ويل، لا الأواخر عرفوها ولا ليلة القدر قدروها، فمتى يصلح من لا يصلح في رمضان؟! متى يصح من كان من داء الجهالة والغفلة مَرْضان؟! متى يزرع من فرط في وقت البذار، فلم يحصد غير الندم والخسار؟! مساكين هؤلاء! فاتهم رمضان وفاتهم خير رمضان؛ فأصابهم الحرمان وحلت عليهم الخيبة والخسران، قلوب خلت من التقوى فهي خراب بلقع، لا صيام ينفع ولا قيام يشفع، قلوب كالحجارة أو أشد قسوة، حالها في رمضان كحال أهل الشقوة، لا الشاب منهم ينتهي عن الصبوة، ولا الشيخ ينزجر فيلحق بالصفوة.
أيها الخاسر! رحل رمضان وهو يشهد عليك بالخسران؛ فأصبح لك خصماً يوم القيامة! رحل رمضان وهو يشهد عليك بهجر القرآن؛ فيا ويل من جعل خصمه القرآن وشهر رمضان! فيا من فرط في عمره وأضاعه! كيف ترجو الشفاعة؟ أتعتذر برحمة الله؟ أتقول لنا: إن الله غفور رحيم؟ نعم.
لكن ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:٥٦] العاملين بالأسباب الخائفين المشفقين.
سئل ابن عباس عن رجل يصوم النهار ويقوم الليل ولا يشهد الجمعة والجماعات، فقال رضي الله تعالى عنه: [هو في النار] .
وفي صحيح ابن حبان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ صعد المنبر، فقال: (آمين آمين آمين قيل: يا رسول الله! إنك صعدت المنبر فقلت: آمين.
آمين.
آمين.
قال: إن جبريل أتاني فقال: من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له؛ فدخل النار فأبعده الله -فكم هم أولئك المبعدين عن رحمة الله؟ - قل: آمين.
فقلت: آمين) إلى آخر الحديث.
فيا أيها الخاسر! نعم.
رحل رمضان وربما خسرت خسارةً عظيمة، ولكن الحمد لله، فما زال الباب مفتوحاً والخير مفسوحاً، وقبل غرغرة الروح، ابكِ على نفسك وأكثر النوح، وقل لها:
ترحل الشهر وا لهفاه وانصرما واختص بالفوز في الجنات من خدما
وأصبح الغافل المسكين منكسراً مثلي فيا ويحه يا عظم ما حرما
من فاته الزرع في وقت البذار فما تراه يحصد إلا الهم والندما
طوبى لمن كانت التقوى بضاعته في شهره وبحبل الله معتصما
стр. 226
توجيهات ونصائح بعد رحيل رمضان
يا من بليت بالتفريط في صلاة الجماعة! ها هو نصف شهر يمضي بعد رحيل رمضان، فما هو حالك والصلاة؟
стр. 227
توجيه لمن فرط في صلاة الجماعة
يا من بليت بالتفريط في صلاة الجماعة! ها هو نصف شهر يمضي بعد رحيل رمضان، فما هو حالك والصلاة؟ يا من بليت بالتفريط في صلاة الجماعة وبالإفراط في المعاصي والشهوات! شهر كامل وأنت تحافظ على صلاة الجماعة مع المسلمين، تركع مع الراكعين وتسجد مع الساجدين، فما هو شعورك وأنت ترى المصلين عن يمينك ويسارك؟ إنهم بشر مثلك، اسأل نفسك، يحرصون على صلاة الجماعة كل الشهور وأنت لا.
لماذا؟ جاهدوا أنفسهم وتغلبوا عليها وأنت لا.
لماذا؟ يتقدمون وأنت تتأخر.
لماذا؟! والله لا أشك أنك تحب الله كما يحبون، وترغب في الجنة كما يرغبون، فلماذا يتقدمون وأنت تتأخر؟! ويواظبون وأنت تهمل؟! حدثنا عن الراحة والسعادة يوم وطئت قدماك عتبة المسجد، حدثنا عن اللذة والحلاوة يوم سجدت مع الساجدين، وركعت مع الراكعين، تسلم عليهم ويسلمون عليك، تحدثهم ويحدثونك.
إن الله لم يعذر المجاهد في سبيله في ترك الجماعة وهو في ساحة الجهاد يقاتل العدو، فقال الله : ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ [النساء:١٠٢] والرسول ﷺ لم يعذر الأعمى فبيته بعيد، وبينه وبين المسجد واد فيه سباع وهوام، وليس له قائد يقوده إلى المسجد، كل هذه الظروف ولم يعذره ﷺ ؛ لأنه يسمع النداء (أجب! فإني لا أجد لك عذراً) .
فيا أيها المفرط في صلاة الجماعة! هل تجد لك عذراً بعد هذا؟ نعوذ بالله من العجز والكسل والخمول.
إذاً: فلتكن هذه الأيام، وليكن نصف الشهر هذا فرصةً وانطلاقةً للمحافظة على الصلاة والجماعة، وكل شيء يهون إلا ترك الصلاة، فهو كفر وضلال والعياذ بالله.
стр. 228
توجيه لمن ابتلي ببعض الذنوب
يا من بليت ببعض الذنوب! إياك إياك بعد رمضان أن تعود، شهر كامل وأنت تجاهد النفس وتصبرها، وتجمع الحسنات وتحسبها، فهل بعد هذا تراك تنقضها؟ فالله يقول: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً﴾ [النحل:٩٢] .
فيا من أعتقه مولاه من النار! إياك أن تعود إلى الأوزار، أيبعدك مولاك من النار وأنت تتقرب منها؟ وينقذك منها وأنت توقع نفسك فيها ولا تحيد عنها؟!
стр. 229
توجيه لمن ابتلي بالتدخين
يا من بليت بالتدخين! شهر كامل وأنت تفارقه ساعات طويلة، وإذا حدثناك عن أخطاره وحكمه قلت: لم أستطع تركه، فمن أين لك هذه الإرادة وهذه العزيمة في رمضان وقد صبرت عنه حوالي اثنتي عشرة ساعة أو أكثر؟ إذن فاعلم أن رمضان فرصة للإقلاع عنه.
وقد جاءني أحد الإخوة في آخر رمضان، يبشرني بتركه للتدخين، فقلت: أخشى عليك من العودة، قال: لا.
فأنا تركته بعزيمتي وإرادتي، قلت: ابتعد عن أسبابه وأهله، قال: والله إني أرى المدخن يدخن وكأني لم أر الدخان في حياتي، فأنا تركته برغبتي وإرادتي إلى غير رجعة إن شاء الله، قلت: الحمد لله، وكنت أعلم أن خلفه زوجةً صالحةً تذكره، تارةً بالكلمة الطيبة، وتارةً بالكتاب والشريط، وتارةً بتخويفه بالله.
فيا كل مدخن ومبتلى! رمضان فرصة، ونصف الشهر هذا فرصة لمقارنة الحال، ولكنها الهزيمة النفسية، والهمة الدنية؛ يوم يهزمك عود سيجارة.
قيل لبعض العباد: من شر الناس؟ قال: من لا يبالي أن يراه الناس مسيئاً.
وربما أيها المدخن! أشعلت سيجارتك أمام الناس؛ فرأوك مسيئاً.
أيها المدخن! إن أصبع السبابة الذي يشهد لله بالوحدانية في الصلاة ليرفض أن يمسك بعود سيجارة يعصي بها الله.
أيها المدخن! أيها الحبيب! هل تعلم أن التدخين مفتاح لكل شر وفجور؟ لا تقل: لا.
فإن من رآك تدخن تجاسر عليك في كل بلاء وفتنة، وربما يدعوك للواط والزنا، والمخدرات والربا، إلا من عصم الله، أسأل الله أن يحفظك ويرعاك من كل سوء.
أيها الحبيب! اسأل نفسك: ما الفرق بين من بيده عود سواك، ومن بيده عود هلاك؟! أجب بكل صراحة، أجب واترك الهوى، واعلم أن هذه الأيام فرصة لا تعوض لترك هذا البلاء، وخاصةً أنك نجحت في رمضان، فاستعن بالله وتوكل عليه، وكن صاحب همة عالية وعزيمة صادقة.
стр. 230
توجيه لمن ترك قيام الليل
أيها المسلم! شهر كامل وأنت في ركوع وسجود، تصلي في الليلة ساعات لا تمل ولا تكل، ثم بعد رمضان تتغير أحوالنا وتنقلب صلاتنا -سبحان الله- أنعجز أن نصلي ساعةً أو نصف ساعة، وقد كنا نصلي الثلاث والأربع الساعات في رمضان؟ أيها الصالح! لست غريباً عن قيام الليل، فقد ذقت حلاوة الدمعة عند السحر في رمضان، ولذة المناجاة، وحلاوة السجود، ورأيت بنفسك كيف استطعت أن تروض نفسك ذلك الترويض العجيب في رمضان، همة وعزيمة وإصرار -فيا سبحان الله- أين هذا في غير رمضان؟ إنك قادر! فقد حاولت ونجحت، بل وشعرت بالأثر العجيب والأنس الغريب وأنت تناجي الحبيب، فما الذي دهاك وأنت تذكِّر الغافلين أن رب رمضان رب غيره من الشهور؟ فلماذا تركت قيام الليل؟ عاهد نفسك أيها الحبيب! ألا تترك قيام الليل ليلةً واحدةً، وإن حدثتك بالتعب والإرهاق، فذكرها بلذة وحلاوة القيام في رمضان.
стр. 231
توجيه لمن هجر القرآن
أيها المسلم! شهر كامل وأنت تقرأ وتبكر للصلاة، فتقرأ قبلها وبعدها وتحرص على ختمه مرات.
نعم.
خرج رمضان، والقرآن هو القرآن، والأجر هو الأجر، والرب هو الرب، فما الذي حدث للنفوس أيها الأحبة؟! هجر غريب عجيب لقراءة القرآن وختمه! ربما قرأ الإنسان منا في يومه أكثر من خمسة أجزاء في رمضان، ويجلس الساعات، أفلا نستطيع أن نجلس ثلث ساعة في اليوم الواحد لقراءة جزء واحد، فنختم القرآن كل شهر مرةً على الأقل؟! إنها ثلث ساعة في غير رمضان، فإذا ثقل ذلك فتذكر الساعات التي تقرأها في رمضان.
أي شهر قد تولى يا عباد الله عنا
حق أن نبكي عليه بدماء لو عقلنا
كيف لا نبكي لشهر مر بالغفلة عنا
ثم لا نعلم أنا قد قبلنا أو طردنا
ليت شعري من هو المحروم المطرود منا
ومن المقبول ممن صام منا فيهنى
كان هذا الشهر نوراً بيننا يزهر حسنا
فاجعل اللهم عقباه لنا نوراً وحسنى
اللهم آمين.
стр. 232
توجيه لمن ترك الدعاء
أيها المسلم! شهر كامل وأنت تدعو وتلح على الله بالدعاء، مرات بالسجود، ومرات عند السحر والغروب لماذا؟ تسأل الله رضاه والجنة، وتعوذ به من سخطه والنار، فهل ضمنت الجنة يوم تركت الدعاء بعد رمضان؟! وتسأله العفو والغفران عن الذنوب والتقصير، فهل ضمنت الغفران؟! أم انتهت الغفلة والتقصير يوم تركت الدعاء بعد رمضان؟! أيها الأحبة! إن من ندعوه في رمضان هو من ندعوه في غير رمضان، وإن من نسأله في رمضان هو الذي نسأله في غير رمضان، فما الذي حدث؟! ولماذا نتوقف ونفتر عن الدعاء؟ نعم.
رمضان وقت إجابة للدعاء، لكن أدبار الصلوات، وعند الغروب، وآخر الليل، وساعة الجمعة، وفي السجود، وبين الأذانين، كلها أوقات إجابة، بل ودعاء المظلوم، والمسافر، والوالد لولده، والأخ لأخيه بظهر الغيب، كلها لا ترد بفضل الله، فما الذي جرى؟ ما الذي دهانا؟ والمدعو هو المدعو، والحاجات هي الحاجات، والمسلمون بأمس الحاجة لدعواتك الصادقة التي لا تنقطع في كل مكان.
كيف يقطع العبد صلته بالله واستعانته بمولاه، وهو يعلم أن لا حول ولا قوة له إلا بالله؟ كيف يفتر العبد عن الدعاء وهو أفضل العبادة، وربه يقول: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي﴾ [البقرة:١٨٦] ولم يقل في رمضان فقط، بل في رمضان وغيره.
стр. 233
توجيه لمن ترك الصيام
أما الصيام أيها الأحبة! الصيام وما أدراك ما الصيام، العبادة التي اختصها الله لنفسه فقال: (إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) فلا يعلم جزاء الصائمين إلا الله، وإن غفر لهم ما تقدم من الذنوب، وإن اختصوا بالدخول للجنة من باب الريان، وإن باعد الله بينهم وبين النار سبعين خريفاً، وإن جاء الصيام شفيعاً لأصحابه يوم القيامة، فإن هذه وغيرها من ثمرات الصيام، أما جزاء الصائمين فلا يعلمه إلا الله.
قال ابن حجر: المراد بقوله وأنا أجزي به، أي أني أنفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته.
انتهى كلامه ﵀.
وقال المناوي: (وأنا أجزي به) إشارة إلى عظم الجزاء عليه وكثرة الثواب؛ لأن الكريم إذا أخبر بأنه يعطي العطاء بلا واسطة، اقتضى سرعة العطاء وشرفه.
انتهى كلامه ﵀.
كل هذه الفضائل للصوم وهي أخروية، فما بالك بثمراته وفوائده الدنيوية، ومع ذلك فإن بعض الناس وخاصةً من الصالحين والصالحات لا يعرف الصيام إلا في رمضان، يعتذر لنفسه تارةً بالعمل، وتارةً بالتعب، وتارةً بشدة الحر، فإذا برمضان الآخر أتى، وهكذا تذهب الأيام وتفنى الأعمار.
أخي الحبيب! صُمْتَ شهراً كاملاً متتابعاً، فهل تعجز عن صيام ثلاثة أيام من كل شهر، أو يومي الإثنين والخميس؟! فاتق الله وكن حازماً مع نفسك عارفاً حيلها.
إن بعض الناس كلما هم أن يسمو إلى المعالي ختم الشيطان على قلبه: عليك ليل طويل فارقد، وكلما سعى في إقالة عثرته والارتقاء بهمته عاجلته جيوش التسويف والبطالة والتمني وعثَّرته، ونادته نفسه الأمارة بالسوء: أنت أكبر أم الواقع؟! قال ابن القيم -اسمع إلى هذه الكلمة الجميلة-: والنفس كلما وسعت عليها، ضيقت على القلب حتى تصير معيشته ضنكاً، وكلما ضيقت عليها وسعت على القلب حتى ينشرح وينفسح.
انتهى كلامه ﵀.
ورمضان يشهد بهذا، وما كنا نشعر به من رقة القلب واتصاله بالله .
стр. 234
توجيه للمرأة المسلمة
أما أنت أيتها المرأة! فالكلام للرجال وهو لك أيضاً، وإن كنت أعجب من حرصك في رمضان على التراويح، وقراءة القرآن، وقيام الليل، أسأل الله أن يقبل منا ومنكِ! ولكني أقول: ما بالنا إذا طلبنا منك هذه الأمور في غير رمضان اعتذرت بالأولاد، وأعمال المنزل، وغيرها من الأعذار؟ مع أن كل هذه الأعذار لم تتغير في رمضان، فالأولاد هم الأولاد، وأعمال المنزل هي أعمال المنزل، بل ربما أكثر في رمضان، فما الذي يجعلك تحرصين على القيام، وقراءة القرآن، والصلاة في وقتها، والصيام في رمضان، وينقطع كل هذا في غير رمضان؟! وتتعذرين بكثرة الأعذار إذا طلبنا منك ذلك في غير رمضان.
стр. 235
توجيه للمجتمع بالمداومة على الأعمال
هذا حال النساء، وحال الرجال -كما أسلفت- في هذه الأيام القصيرة التي مضت بعد رحيل رمضان، فما هو سر نشاطنا في رمضان؟ وما هو سر فتورنا وربما انقطاعنا في غيره أيها الأحبة؟! سألت هذا السؤال واستنطقت الأفواه لمعرفة السر، قالوا: رمضان له شعور غريب ولذة خاصة.
قلت: لماذا له هذا الشعور وهذه اللذة؟ قالوا: لأن الناس من حولك كلهم صائمون، وقائمون، ومتصدقون، وقارئون، ومستغفرون.
قلت: أحسنتم.
إذاً: فالسر صلاح المجتمع من حولنا، والمجتمع هو نحن، هؤلاء الأفراد، أنا وزوجتي وأولادي وأبي وأمي وإخواني وأخواتي، فلماذا لا يصلح هؤلاء الأفراد؟ لماذا لا نربي في أنفسهم استمرار الطاعة ومراقبة الله؟ لماذا لا نشجعهم على صيام التطوع وصلاة الليل وقراءة القرآن؟ فنصوم البيض -مثلاً- ونجتمع على الإفطار، ونوقظ بعضنا ونجتمع على القيام ولو لوقت يسير، ونخصص ساعات نجلس فيها لقراءة القرآن، وهكذا في سائر الأعمال، عندها ألا تشعرون أن السنة أصبحت كلها رمضان؟ وأن المجتمع يشجع بعضه بعضاً؟! وليس معنى هذا أن نكون كما كنا في رمضان، مع أننا نتمنى هذا، نحن لا نقول: كونوا كما كنتم في رمضان من الاجتهاد والحرص على الخيرات، فالنفس لا تطيق ذلك، ورمضان له فضائل وخصائص، ولكنا نقول: لا للانقطاع عن الأعمال الصالحة، فلنحرص ولو على القليل من صيام النفل، ولنداوم ولو على القليل من القيام، ولنقرأ كل يوم ولو القليل من القرآن، ولنتصدق ولو بالقليل من المال والطعام، وهكذا في سائر الأعمال، ولنحيي بيوتنا ولنشجع أولادنا وأزواجنا.
وفي الحديث الصحيح المتفق عليه قال النبي ﷺ : (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قَلَّ) .
[وقد كان عمله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ديمة] كما كانت تقول عائشة رضي الله تعالى عنها.
فهل تعلمنا من رمضان الصبر والمصابرة على الطاعة وعن المعصية؟ وهل عودنا أنفسنا على المجاهدة للهوى والشهوات؟ هل حصلنا على التقوى التي هي ثمرة الصيام الكبرى، واستمرت معنا حتى بعد رمضان، فإن الصلة بالله وخوف الله هي السر في حياة الصالحين والصالحات؟!
стр. 236
توجيه لمن أصابه العجب والغرور
أيها المحب! إياك والعجب والغرور بعد رمضان، ربما حدثتك نفسك أن لديك الآن رصيد كبير من الحسنات كأمثال جبال تهامة، أو أن ذنوبك غُفرت فرجعتَ كيوم ولدتك أمك، فما يزال الشيطان يغريك والنفس تلهيك، حتى تكثر من المعاصي والذنوب، ربما تعجبك نفسك وما قدمته خلال رمضان، فإياك إياك والإدلال على الله بالعمل، فإن الله يقول: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر:٦] فلا تمن على الله بما قدمت وعملت، فما الذي يدريك أن أعمالك قبلت؟ وهل قدمتها كما ينبغي؟ وهل كانت لله أم لا؟ ألم تسمع لقول الحق : ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧] فاحذر مفسدات الأعمال الخفية، نعوذ بالله من الشقاق والنفاق والرياء ومساوئ الأخلاق.
стр. 237
توجيه لمن أصابه الفتور
أيها الإخوة والأخوات! إن من خالط الإيمان بشاشة قلبه؛ لا يمكن أن يهجر الطاعات، كيف وقد ذاق حلاوتها وطعمها، وشعر بأنسها ولذتها في رمضان؟ إن هرقل لما سأل أبا سفيان عن المسلمين: أيرجعون عن دينهم أم لا؟ قال أبو سفيان: لا.
قال هرقل: وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب.
إن هرقل يعلم أن من ذاق حلاوة الإيمان، وعرف طعمه لا يمكن أن يرجع عن دينه أبداً مهما فُعل به.
إن طعم الإيمان، ولذة الطاعة هما السر في الاستمرار وعدم الانقطاع، نعم.
يفتر المسلم ويتراخى، ويمر به ضعف وكسل، خاصةً بعد عمل قام به، وذلك مصداق حديث رسول الله ﷺ : (إن لكل عمل شرة، والشرة إلى فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد ضل) .
والحديث أخرجه أحمد في مسنده وإسناده صحيح، وقد صححه الألباني كما في الصحيحة، وقال الهيثمي: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح، وأيضاً أخرج من وجوه كما في الترمذي، وقد قال عنه الترمذي: حسن صحيح غريب من هذا الوجه، كما في صحيح الجامع للألباني.
إذاً: فالمسلم يفتر ويضعف لكنه لا ينقطع، واسمع لهذا الكلام الجميل لـ ابن القيم ﵀: تخلل الفترات -أي الفترة والكسل- للسالكين أمر لا بد منه، فمن كانت فترته إلى مقاربة وتسديد، ولم تخرجه من فرض، ولم تدخله في محرم، رجي له أن يعود خيراً مما كان.
انتهى كلامه ﵀.
فلعلنا أيها الأحبة! نقارن بين حالنا في رمضان بعد سماع هذا الكلام، وبين حالنا خلال هذه الأيام؛ لنشعر بما فقدناه من اللذة والطاعة وحلاوة الإيمان، والله المستعان.
стр. 238
همسة لصناع الحياة
يا صناع الحياة! يا دعاة الهدى! ويا دلاَّل الخير! رمضان كشف عن الخير في نفوس الناس مهما تلطخ بعضهم بالمعاصي والسيئات، حتى الفاسق، فكم من المرات رأيناه انتصر على نفسه فتخطى عتبة المسجد ليركع مع الراكعين في صلاة التراويح والقيام -أي والله- رأينا ممن ظاهرهم الفسق يركعون ويسجدون، وربما تدمع عيونهم ويبكون، وقد يصلون ساعات طويلة مع المسلمين في آخر الليل، هذه دلالات على فطرة الخير في نفوس الناس، لكن أين من يحسن التعامل معهم؟ نعم.
يا شباب الصحوة! نعم.
يا دعاة الخير! نعم.
أيتها الفتيات! كأني برمضان يصرخ هذا العام فينا فيقول: إن الدعوة إلى الله فن وأخلاق، فيا ليت شعري من يجيد هذا الفن؟! ومن يتمثل هذه الأخلاق؟! فلماذا نعتذر بصدود الناس وغفلتهم، لنبرر فتورنا وعجزنا وكسلنا؟ ولكني لا أقول إلا: اللهم إنا نشكو إليك جلد الفاسق وعجز الثقة، فكم من الثقات استجابوا لخمولهم وكسلهم! إنا لله وإنا إليه راجعون!
стр. 239
رمضان والعيد
رمضان والعيد: انتهت أيام العيد -أيها الأحبة- وللعيد فقه يجهله كثير من الناس حتى من الصالحين، فعيد رمضان عيد الفطر، يوم فرح وحزن معاً، فرح بتوفيق الله لنا بإكمال شهرنا وإتمام صيامنا، وليس فرحاً بسبب إنهاء الصيام وخروج رمضان كما يظن بعض الناس.
ويوم العيد يوم حزن -أيضاً- على فراق رمضان، وأيامه الغُر، ولياليه الزاهرة، ولكن من يتقن فن الحزن والفرح معاً؟ وكيف كان عيدنا الذي مضى؟ بعض الناس ربما قادته فرحته بالعيد إلى المعصية والغفلة والبعد عن الله ، فليس العيد لمن لبس الجديد، إنما العيد لمن إيمانه يزيد، وخاف يوم الوعيد، واتقى ذا العرش المجيد.
وهل تعلمون -أيها الأحبة- أن العيد يحزن؟ نعم.
يحزن خاصةً إذا جاء هلال العيد في مثل هذا الواقع المرير للأمة.
فمتى يحزن العيد؟ يحزن العيد عندما نلبس الجديد، ونأكل الثريد، ونطلب المزيد، ونقول لبعضنا: عيد سعيد، وإخوان لنا عراة في الجليد، ودماء وجروح وصديد، طفل شريد، وأب فقيد، وأم تئن تحت فاجر عنيد، صراخ وتهديد ووعيد، ونحن نقول لبعضنا: عيد سعيد، ولسان حالهم يقول: لماذا جئت يا عيد؟!
أقبلت يا عيد! والأحزان أحزان وفي ضمير القوافي ثار بركان
أقبلت يا عيد! والظلماء كاشفة عن رأسها وفؤاد البدر حيران
أقبلت يا عيد! والأحزان نائمة على فراشي وطرف الشوق سهران
من أين نفرح يا عيد الجراح! وفي قلوبنا من صنوف الهمّ ألوان؟
من أين نفرح والأحداث عاصفة وللدمى مقل ترنو وآذان؟
من أين والمسجد الأقصى محطمة آماله وفؤاد القدس ولهان؟
من أين نفرح يا عيد الجراح! وفي دروبنا جدر قامت وكثبان؟
من أين والأمة الغراء نائمة على سرير الهوى والليل نشوان؟
من أين والذل يبني ألف منتجع في أرض عزتنا والربح خسران؟
من أين نفرح والأحباب ما اقتربوا منا ولا أصبحوا فينا كما كانوا؟
كيف حال إخواننا -أيها الأحبة- في هذا العيد الذي مضى؟! يا ترى ما هو شعورهم؟ وكيف كانت فرحتهم بالعيد؟ هل كانوا يلبسون الجديد؟ هل كانوا يجلسون مع الآباء والأمهات؟ هل كانت الأزواج تجلس وتفرح بالهدايا من الأزواج؟ لعلنا نكتفي بمشاعر هذه الطفلة المتشردة وهي تخاطب هلال العيد، وتتمنى أنه لم يأت، فتقول له:
غب يا هلال!
إني أخاف عليك من قهر الرجال
قف من وراء الغيم لا تنشر ضياءك فوق أعناق التلال
غب يا هلال!
إني لأخشى أن يصيبك حين تلمحنا الخبال
أنا يا هلال!
أنا طفلة عربية فارقت أسرتنا الكريمة
لي قصة دموية الأحداث باكية أليمة
أنا يا هلال!
أنا من ضحايا الاحتلال
أنا مَن وُلدت وفي فمي ثدي الهزيمة
شاهدت يوماً عند منزلنا كتيبة
في يومها كان الظلام مكدساً من حول قريتنا الحبيبة
في يومها ساق الجنود أبي وفي عينيه أنهار حبيسة
وتجمعت تلك الذئاب الغبر في طلب الفريسة
ورأيت جندياً يحاصر جسم والدتي بنظرته المريبة
ما زلت أسمع يا هلال!
ما زلت أسمع صوت أمي وهي تستجدي العروبة
ما زلت أبصر خنص خنجرها الكريم
صانت به الشرف العظيم
مسكينة أمي فقد ماتت وما علمت بموتتها العروبة
إني لأعجب يا هلال!
يترنح المذياع من طرب وينتعش القدح
وتهيج موسيقى المرح
والمطربون يرددون على مسامعنا ترانيم الفرح
وبرامج التلفاز تعرض لوحةً للتهنئة:
عيد سعيد يا صغار!
والطفل في لبنان يجهل منشأه
وبراعم الأقصى عرايا جائعون
واللاجئون يصارعون الأوبئة
غب يا هلال!
قالوا: ستجلب نحونا العيد السعيد
عيد سعيد!
والأرض ما زالت مبللة الثرى بدم الشهيد
والحرب ملت نفسها وتقززت ممن تبيد
عيد سعيد في قصور المترفين
عيد شقي في خيام اللاجئين
حرمت خطانا يا هلال!
ومدى السعادة لم يزل عنا بعيد
غب يا هلال!
لا تأت بالعيد السعيد مع الأنين
أنا لا أريد العيد مقطوع الوتين
أتظن أن العيد في حلوى وأثواب جديدة؟
أتظن أن العيد تهنئة تسطر في جريدة؟
غب يا هلال!
واطلع علينا حين يبتسم الزمن
وتموت نيران الفتن
اطلع علينا حين يورق بابتسامتنا المساء
ويذوب في طرقاتنا ثلج الشتاء
اطلع علينا بالشذى بالعز بالنصر المبين
اطلع علينا بالتئام الشمل بين المسلمين
هذا هو العيد السعيد
وسواه ليس لنا بعيد
غب يا هلال!
حتى ترى رايات أمتنا ترفرف في شَمم
فهناك عيد
أي عيد
وهناك يبتسم الشقي مع السعيد
اللهم ارحم المستضعفين المسلمين في كل مكان، اللهم كن ناصراً لهم يوم تخلى عنهم الناصر، وكن معيناً لهم يوم تخلى عنهم المعين، اللهم ارحم الأطفال اليتامى، والنساء الثكالى، وذي الشيبة الكبير!
стр. 240
وداعاً رمضان
وهذه صورة مودع -أيها الأحبة- وهو يودع رمضان في آخر ليلة من رمضان، كأني بمودع مفجوع وهو يراقب بعينيه رحيل الحبيب، وقد تلاشى خياله من بعيد، يصرخ فيقول: شهر رمضان، وأين هو شهر رمضان؟ ألم يكن منذ أيام بين أيدينا؟ ألم يكن ملء أسماعنا وملء أبصارنا؟ ألم يكن هو حديث منابرنا؟ ألم يكن هو زينة منائرنا؟ ألم يكن هو بضاعة أسواقنا، ومادة موائدنا، وحياة مساجدنا؟ فأين هو الآن؟ ارتحل وخلفنا، كسيرة أنفسنا، دامعة أعيننا، ثم أخذ ينوح فيقول: أيا شهرنا الكريم! وموسم خيرنا الوسيم، أيا شهر المكرمات! انجابت فيك الظلمات وتضاعفت فيك الحسنات، وفتحت أبواب السماوات، فآه ثم آه على الفراق، أيا شهرنا الذي هيم نفوسنا، وخرق قلوبنا، وأدمع عيوننا، ثم أجهش بالبكاء وفاضت عيناه بالدموع.
فقلت: سبحان الله! لكل محب حبيبٌ، ورمضان حبيب الصالحين.
تذكرت أياماً مضت ولياليا خلت فجرت من ذكرهن دموع
ألا هل لها يوم من الدهر عودة وهل لي إلى يوم الوصال رجوع
وهل بعد إعراض الحبيب تواصل وهل لبدور قد أفلن طلوع؟
أيها المسلمون! بعد رحيل شهركم أكثروا من الاستغفار فإنه ختام الأعمال الصالحة، فقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار يأمرهم بختم رمضان بالاستغفار.
ويروى عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: [الغيبة تخرق الصيام، والاستغفار يرقعه، فمن استطاع منكم أن يجيء بصوم مرقع فليفعل] .
أكثروا من الشكر لله، فإن الله قال في آخر آية الصيام: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:١٨٥] وقال: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧] وقال: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤] فاشكروا الله على إتمام رمضان، وعلى حسن الصلاة والقيام، وعلى الصحة والعافية في الأبدان، وليس الشكر باللسان أيها الأحبة! وإنما هو بالأقوال والأعمال معاً، فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان.
سلام من الرحمن كل أوان على خير شهر قد مضى وزمان
سلام على شهر الصيام فإنه أمان من الرحمن أي أمان
ترحلت يا شهر الصيام بصومنا وقد كنت أنواراً بكل مكان
لئن فنيت أيامك الزهر بغتة فما الحزن من قلبي عليك بفان
عليك سلام الله كن شاهداً لنا بخير رعاك الله من رمضان
رمضان كان نهارك صدقةً وصياماً، وليلك قراءةً وقياماً، فإليك منا تحيةً وسلاماً، أتراك تعود بعدها علينا، أو يدركنا المنون فلا تئول إلينا، رمضان سوق قام ثم انفض، ربح فيه من ربح، وخسر فيه من خسر.
ها هو شهر رمضان، رحل عنا بعد أن انقضت أيامه وتصرمت لياليه، ولسان حال الصائم منا يقول:
فيا شهر الصيام فدتك نفسي تمهل بالرحيل والانتقال
فما أدري إذا ما الحول ولى وعدت بقابل في خير حال
أتلقاني مع الأحياء حياً أو أنك تلقني في اللحد بالي
أيها الأحبة! هذه مشاعر وتوجيهات عن رحيل رمضان، قصدت تأخيرها بعد رمضان بأيام؛ لنرى ونشعر بالفرق الكبير بين حالنا في رمضان وحالنا هذه الأيام على قلتها، فكيف يا ترى بحالنا بعد شهر وشهرين وأكثر؟! والعاقل اللبيب من جعل رمضان مدرسة لبقية الشهور، رغم أنني أكرر وأؤكد أننا لا نطالب النفوس أن تكون كما هي في رمضان، ولكننا نطالبها بالاستمرار والمداومة على الطاعات والواجبات، وتذكر الله وخوفه والصلة به، ولو كانت هذه الطاعات قليلة، فقليل دائم خير من كثير منقطع.
اللهم يا حي يا قيوم إن كان بسابق علمك أن تجمعنا في مثل هذا الشهر المبارك، فاجمعنا فيه يا حي يا قيوم، وإن قضيت بقطع آجالنا وما يحول بيننا وبينه، فأحسن الخلافة على باقينا، وأوسع الرحمة على ماضينا.
اللهم تقبل منا رمضان، واعف عنا ما كان فيه من تقصير وغفلة، واجعلنا فيه من الفائزين.
اللهم ارحم ضعفنا وتقصيرنا، وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، لا حول لنا ولا قوة لنا إلا بك.
اللهم لا حول لنا ولا قوة لنا إلا بك فلا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.
اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى.
اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار.
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 241
أربعون وسيلة لاستغلال رمضان
رمضان فرصة عظيمة لطاعة الله؛ سواء من قبل عامة الناس، أو أئمة المساجد والدعاة، أو النساء والصغار؛ ذلك لما له من فضائل وخصائص ومزايا عن غيره من سائر الشهور، ولكن لابد من معرفة الوسائل المعينة على استغلاله، فيا ترى ما هي هذه الوسائل؟ هذا ما ستجده في هذه المادة.
стр. 242
أسباب اختيار الموضوع
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: أحبتي في الله! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
نلتقي في يوم الإثنين الموافق للسابع والعشرين من الشهر الثامن لعام (١٤١٤هـ) ومع موضوع بعنوان: ثلاثون وسيلة لاستغلال رمضان، ولعل هذه الوسائل ازدادت بعد الإعلان وتواصل الإخوة بارك الله فيهم جميعاً، فأصبح العنوان: (أربعون وسيلة لاستغلال رمضان) ولعلنا لا نخرج من هذا المكان إلا وقد زيدت هذه الوسائل وهذه الأفكار من قبلكم -إن شاء الله- باقتراحاتكم وآرائكم إلى الخمسين أو فوق ذلك.
وهذه الوسائل هي عبارة عن جمع عدد من التوجيهات والأفكار والمقترحات لاستغلال رمضان، ولابد لهذه الوسائل من شرطين حتى تكون الوسيلة صحيحة: أولاً: أن تكون وسيلةً مشروعةً، أي: مباحة.
وثانياً: أن تؤدي هذه الوسيلة الغرض المطلوب والمقصود منها.
أما أسباب اختيار الموضوع، فمن هذه الأسباب: أولاً: كيف نستغل رمضان؟ وماذا نفعل في رمضان؟ سؤال نسمعه كثيراً من الحريصين والحريصات، ومن بعض أئمة المساجد، ووجود هذا السؤال من المبشرات، فتبقى الإجابة، ومن هذه الإجابة هي جمع هذه الوسائل.
سبب ثانٍ: تضييع ليالي رمضان باللهو والسهر، ونهاره بالنوم والكسل، فذكر هذه الوسائل وحصرها توجيهات لمثل هؤلاء، وتشجيعاً لاستغلال رمضان.
وسبب ثالث: وهو ترشيداً لهذه الصحوة المباركة، وتوجيهاً لطاقاتها للعمل والعبادة والدعوة إلى الله من خلال هذه الأفكار والوسائل.
وسبب رابع: يمر على الإنسان رمضان تلو رمضان، وهكذا تمر الرمضانات بدون رصد للأعمال والمواضيع والمشاريع، وبدون تدارك للأخطاء والتقصير، مما يجعلنا في كل رمضان يأتي نبدأ من جديد، ولا شك أن هذا مضيعة للأوقات والأعمار، فكان هذا الرصد لهذه الوسائل.
سبب خامس: لو لم يكن في شهر الصوم إلا أنه أحد أركان الإسلام التي لا يتم إسلام المرء إلا بها، ثم أيضاً أنه العمل -أي: الصيام- الذي اختصه الله سبحانه لنفسه من بين عمل ابن آدم كله، ثم أيضاً فيه ليلة هي أفضل من ألف شهر، وأنه الشهر الذي اختصه الله بنزول القرآن، وأنه شهر المغفرة ومحو الذنوب والسيئات، لو لم يكن في هذا الشهر إلا هذه الأمور لكفاه شرفاً ومنزلة، ولكفانا حرصاً وإصراراً على استغلال أيامه وساعاته وكل لحظة من لحظاته.
وهذا الاستغلال منطلق من سنته ﵌، فاسمع لـ ابن القيم رحمه الله تعالى وهو يقول في زاد المعاد في الجزء الثاني صفحة [٣٢] : (فصل: وكان من هديه ﷺ في شهر رمضان الإكثار من أنواع العبادات، فكان جبريل ﵊ يدارسه القرآن في رمضان، وكان إذا لقيه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة، وكان أجود الناس وأجود ما يكون في رمضان، يكثر فيه من الصدقة والإحسان وتلاوة القرآن، والصلاة والذكر والاعتكاف، وكان يخص رمضان من العبادة بما لا يخص غيره، حتى إنه كان ليواصل فيه أحياناً؛ ليوفر ساعات ليله ونهاره على العبادة) إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى.
إذاً: فاستغلال هذا الشهر المبارك، بل أقول: استغلال كل لحظة من لحظاته وساعة من ساعاته هو أمر وسنة نبوية، كان ﵌ يحرص عليها كل الحرص وكان يحث أصحابه.
هذه الأسباب الخمسة وغيرها جعلتني أختار مثل هذا الموضوع.
وهذه الوسائل -كما ذكرت- هي أربعون وسيلة، وقد قسمت هذه الوسائل إلى أقسام، منها ما هو توجيهات وأفكار عامة، ومنها ما هو وسائل وتوجيهات لأئمة المساجد، ومنها توجيهات وأفكار للجادين فقط، ومنها توجيهات وأفكار في الاهتمام بالقرآن، ومنها توجيهات للمرأة، ومنها وسائل وأفكار للصغار.
وتنبيهات قبل أن أبدأ بعرض هذه الوسائل: أولاً: سيكون العرض بالاختصار الشديد في طرح الأفكار والتوجيهات بقدر الإمكان، فأكتفي في بعض الأحيان بذكر المضمون فقط لوضوح الفكرة ولضيق الوقت، فلعلكم -بارك الله فيكم- تعذروننا في سرد هذه الأفكار والتوجيهات، والقصد منها المعرفة والبيان، أما التفصيل فلا شك أن كل فكرة وتوجيه يحتاج إلى درس خاص، وإذا كانت الأفكار أربعين فكرة أو وسيلة، فلو أعطينا كل وسيلة أو فكرة دقيقتين فقط، لرأيتم كيف سيذهب علينا الوقت بدون أن نشعر.
التنبيه الثاني: من هذه التوجيهات ومن هذه الوسائل ما هو مكرر ومعلوم ومشهور، لكن ذكرها من باب التذكير والإرشاد ولتكامل الموضوع، ثم للتأكيد عليها في هذا الشهر الكريم الذي تضاعف فيه الحسنات.
تنبيه ثالث: هذه الوسائل والأفكار هي للنشر ويجوز فيها الزيادة والنقصان، فحقوق الطبع والنشر فيها ليست محفوظةً، بل هي وقف لله تعالى، فعلى كل داع للخير أن ينشرها ويذكر بها، والدال على الخير كفاعله.
стр. 243
توجيهات وأفكار ووسائل عامة
نتوجه الآن لهذه الوسائل: توجيهات وأفكار ووسائل عامة، أي: للناس عامة:
стр. 244
تفطير الصائمين
أول هذه الوسائل: هل تحب أن تصوم رمضان مرتين؟ الإجابة تكمن في حديث زيد بن خالد الجهني ﵁، عن النبي ﵌ قال: (من فطر صائماً كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء) رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وابن خزيمة، وابن حبان في صحيحيهما، والحديث قال عنه الترمذي: حسن صحيح، وهو صحيح كما قال.
ولهذا -أي: لهذا الأجر- ولصيام رمضان مرتين كما فهم من تفطير الصائمين صور، من هذه الصور: تفطير الصائمين من المسلمين في الخارج فهل تصدق يا أخي الحبيب! أن عشرة ريالات تفطر صائماً في اليوم الواحد؟ إذاً ففي الشهر ثلاثمائة ريال، فإذا أردت أن تصوم رمضان مرتين فعليك أن تدفع ثلاثمائة ريال وتنال أجر تفطير صائم.
ثم صورة أخرى: تفطير الجاليات المسلمة الموجودة في البلد أو المدينة من خلال مساجد الأحياء، وهذه مشهورة في كثير من مساجد وأحياء هذه المدينة، ولكننا نريد المزيد، ونريد أيضاً التخطيط والتنظيم، فلو رافق هذا التفطير التوجيه والإرشاد، وعقد الدروس قبل الإفطار على الأقل بساعة؛ لكان هذا شيئاً جيداً يضاف إلى هذا الإفطار وإلى هذا العمل العبادي.
ثم أيضاً لو قامت مكاتب دعوة الجاليات مشكورةً بتبني هذه الفكرة، أقصد بتبنيها عموماً بتخطيط وتنظيم مجدول، يشرف عليها المكتب في جميع مساجد أحياء المدينة، وأيضاً يشرف على الدروس وتوفير المدرسين باللغات المختلفة أو الترجمة، ويصاحب هذا توزيع الأشرطة والرسائل والكتيبات التي تناسب لغة أولئك القوم، ولا شك أن هذا متوفر في هذا الزمن ولله الحمد وبكثرة بجميع اللغات.
ثم أيضاً صورة ثالثة: قد يكون التفطير للأقارب والأسر والجيران، وفي هذا صيام -كما ذكرنا- لرمضان مرتين، وفيه صلة رحم وبر.
стр. 245
الإحسان والتصدق
الوسيلة الثانية: يكثر المحسنون والمتصدقون في هذا الشهر، والقلوب مهيئة بجميع أبواب الخير، وفي رمضان خاصةً تكثر المناسبات، خاصةً في الإفطار لكثير من الأسر، وهذه المناسبات تجمع أعداداً كبيرةً من الرجال والنساء فلم لا يستغل هذا الجمع؟ كيف؟ يستغل بالبذل والعطاء، ولجمع الصدقات من خلال صناديق صغيرة توضع عند الرجال وعند النساء، ولا شك أن هذا باب عظيم لو جرب لكثير من الأسر والعوائل لوجدنا خيراً كثيراً.
وقد جربه -كما أشرت في بعض الدروس- أحد الشباب ونجح نجاحاً باهراً مع أسرته، فجمع أموالاً، نسأل الله جل وعلا أن يجزيه عنا وعن المسلمين خير الجزاء.
فلعل هذا الأمر أن يجرب، فإن حال المسلمين اليوم في كل مكان وفي كل صقع من أصقاع المعمورة حالة يرثى لها، وإن كان هناك كثير من المبشرات ولله الحمد والمنة، ولكننا أيضاً نريد أن نشعر بالجسد الواحد، وأن نقف مع المسلمين وقفةً صادقةً؛ لنكون كما أخبر النبي ﵌ بذلك المثل في (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) .
ولا بأس أن يكتب حتى تتجه النية للمتصدق على هذه الصناديق، إما للفقراء والمساكين في الداخل، أو يكتب عليها -أيضاً- للمسلمين في الخارج، أو ما شابه ذلك.
стр. 246
استغلال آخر كل أسبوع من رمضان
الوسيلة الثالثة: استغلال آخر كل أسبوع من رمضان، فرمضان أربعة أسابيع، نريد من الشباب أصحاب السواعد الفتية والعضلات القوية، نريد منهم في نهاية كل أسبوع من أسابيع رمضان أن يتجهوا للقرى والهجر لتوزيع الإعانات وإطعام الطعام والقيام على المساكين في تلك القرى والهجر، وتوعية أهلها عبر الكلمات وخطب الجمع، وتوزيع الأشرطة والرسائل.
نتمنى حقيقةً أن نجد من أصحاب الهمم والسواعد الفتية، ومن شباب الإسلام، وممن تعلق قلبه بالجنان؛ ألا يترك أسبوعاً من أسابيع رمضان في هذا الشهر إلا وتنطلق فئات الشباب محملون بكل خير، ولو نظم هذا الأمر أيضاً وخطط له وطرح بقوة، ورتب له من قبل مكاتب الدعوة والجمعيات الخيرية؛ لرأينا شبابنا أفواجاً، فإننا نحسن الظن كثيراً ولله الحمد والمنة بهم، وقد رأينا كثيراً من نشاطاتهم.
ولكننا نريد أن نستغل توجه القلوب إلى الله جل وعلا في هذا الشهر المبارك، فلا نريد الخمول والكسل، والجلوس بين الأولاد والأزواج، وترك هذا الأمر العظيم، وندع كثيراً من المسلمين ومن أهل البادية في جهل عظيم.
стр. 247
زيارة أماكن تجمع الشباب من قبل الدعاة
الوسيلة الرابعة -وهي من الاقتراحات العامة-: الزيارات من قبل الدعاة وطلبة العلم والصالحين ومحبي الخير من شباب الصحوة للأرصفة وتجمعات الشباب، والجلوس معهم، وتقديم الهدايا والأشرطة والكتيبات لهم، فإن هؤلاء الشباب يشكون هجركم أيها الأحبة! بل ويتهمونكم بالتقصير، بل وأنكم سبب كبير في غفلتهم وبعدهم عن الله، كما ذكر ذلك كثير منهم، ويعتذرون بالخجل والحياء منكم، وإلا لجاءوا بأنفسهم إليكم كما قال كثير منهم أيضاً.
وأتمنى كذلك لو قامت مكاتب الدعوة والإرشاد بالإعلان عن مثل هذا المشروع قبل رمضان، وتسجيل الأسماء وترتيب جدول للزيارات، ويكون ذلك -كما ذكرت- قبل دخول شهر رمضان.
стр. 248
إبعاد الأهل عن وسائل الإعلام
وسيلة خامسة: -وهي من التوجيهات العامة أيضاً-: إذا كنت ممن ابتلي ببعض وسائل الإعلام في بيته، فلماذا لا تفكر يا أخي الحبيب! ويا ولي الأمر! لماذا لا تفكر بعقد هدنة مع أهلك وأولادك خلال هذا الشهر المبارك بهجرها والابتعاد عنها وعزلها؟ وذلك بالترغيب، وبالكلمة الطيبة، وبالتذكير بعظمة هذه الأيام، على الأقل خلال هذا الشهر، ولعلها -إن شاء الله- أن تكون بداية الهداية، ولا شك أن رمضان من أعظم المناسبات لتربية النفوس، وإن لم تستطع خلال هذا الشهر أن تعزل أهلك ولو لشهر واحد من السنة، فمتى إذن؟ خاصةً وأن النفوس -كما ذكرنا- مهيئة والشياطين مصفدة.
فحاول يا أخي الحبيب! واستعن بالله تعالى، وكن صادقاً من قلبك، ستجد -إن شاء الله- العون وستجد الإجابة والإعانة من الأهل والأولاد، بل وستجد -إن شاء الله- الإعانة ممن يكونون حولك من أهل الحي، فعلَّنا نرى هذه صفة مميزة؛ خاصة وأننا نرى في شهر رمضان تخطيط أعداء الإسلام لأولادنا ونسائنا، لا أعلق ولكني أقول: انظروا إلى البرامج المنشورة في وسائل الإعلام هذه الأيام؛ أقصد برامج شهر رمضان؛ فسوف تجدون عجباً.
وأيضاً أتمنى أن تفكر كثيراً بأن تتوقف في هذا الشهر المبارك عن شراء المجلات والجرائد، حتى ولو كانت مباحة، فإن السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم، ومن سار على نهجهم كانوا يهجرون حلق التحديث والتعليم؛ ليتفرغوا في رمضان لقراءة القرآن والنظر فيه والعبادة ولقيام الليل أفلا نستطيع أن نهجر الجرائد والمجلات خلال هذا الشهر فقط؟
стр. 249
استغلال أفضل الأوقات للدعاء
الوسيلة السادسة: أوقات الإفطار وقبل الأذان بدقائق لحظات ثمينة ودقائق غالية، هي من أفضل الأوقات للدعاء وسؤال الله ، وهي من أوقات الاستجابة كما تعلمون، والعبد صائم مقبل على الله منكسرة نفسه، ومع ذلك يغفل كثير من الناس عن هذه اللحظات؛ خاصةً الأسر عند الاجتماع على الإفطار، بالحديث وبالذهاب والإياب وتجهيز وجبات الإفطار.
فلماذا لا نتذاكر -أيها الأحبة- بفضل استغلال هذه اللحظات والحرص عليها، برفع الأيدي والأكف والتضرع إلى الله ؟ راقب هذه اللحظات وستجد الغفلة العجيبة من كثير من الناس، والعجيب -أيضاً- أننا نرى التجمعات والجلسات في الطرقات وعند الأبواب من بعض الشباب، بل أقول: أيضاً من بعض الآباء، وإذا مررت بأحد الشوارع فانظر يمنةً ويسرةً ستجد تلك التجمعات، وتستمر وللأسف هذه التجمعات حتى قبيل الغروب إن لم يكن إلى الأذان سبحان الله! هذه اللحظات الغالية، أوقات الدعاء والاستجابة والتفرغ يغفل عنها أهل التوحيد، وكلنا بحاجة إلى الله جل وعلا وسؤاله ، والموفق من وفقه الله تعالى.
стр. 250
بر الوالدين والقرب منهما
الوسيلة السابعة: بر الوالدين والقرب منهما في هذا الشهر، وقضاء حوائجهما وطاعتهما، ومحاولة الإفطار معهما، فبعض الشباب تجده كثير الإفطار في بيته أو عند أصحابه، ولا يجلس مع والديه أو يفطر معهما إلا قليلاً، ولا شك أن برهما من أعظم القربات والعبادات إلى الله تعالى، كيف لا وقد قرن حقهما بتوحيده وعدم الإشراك به جل وعلا؟ ومن صور التقصير -أيضاً- في حق الوالدين خلال هذا الشهر المبارك، أنك قد تجد الفتاة تكثر من النوم في النهار والسهر في الليل، أو حتى في الخروج، أو نقول: حتى في قراءة القرآن، والأم لوحدها في المطبخ لإعداد الوجبات للفطور والسحور، وربما لو أن الأم أمرت أو نهت تلك الفتاة، لوجدت أن تلك الفتاة صاحت وانهالت على أمها بالكلام، ونغفل عن هذه العبادة العظيمة التي يجب أن نحرص عليها لاستغلال هذا الشهر المبارك، ولا شك أن الأجر مضاعف في هذا الشهر، فلعل مثل هذا الأمر ينتبه إليه إن شاء الله.
следующие страницы →