Полный текст (623 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
رسالة إلى كل مسلم ومسلمة
وأخيراً: فإني أفتش عن إنسان يحمل في قلبه هذه المطالب، يترجمها لواقع وعمل، وإني على يقين أن صاحب هذا القلب لن يكون إلا ذلك المسلم الصادق بإيمانه.
فإلى كل مسلم ومسلمة أقول: لتكن ذلك الإنسان الذي يفتش عنه الملايين من المسلمين المنكوبين، عندها نعذر أمام الله أن قمنا بما نستطيعه تجاه إخواننا.
واعلم أن صنائع المعروف تقي مصارع السوء؛ فإن الأمن والإيمان والنعمة التي نعيش فيها اليوم ربما هي رحمة من الله بسبب أيد أمينة مخلصة محسنة امتدت لإخواننا، وإننا نخشى والله أن تنقطع أو تقطع -والحال كما نرى- فلنقدر نعمة الأمن حق التقدير، ولنرعها حق رعايتها، ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨١-٨٢] ولنعلم أنه بالشكر تدوم النعم، فالله الله في الجدية في حياتنا، فكيف سينفع غيره من لم ينفع نفسه؟! ومن لم يكن جاداً صادقاً وهو يرى حال أمته وما يحل فيها من النكبات والمصائب والذل والهوان، فأحسن الله عزاءه في نفسه، وسيعلم هؤلاء أي منقلب ينقلبون!! أما أنت أيها الصادق! فإذا قمت بهذه المطالب خير قيام فارفع بعدها يديك إلى السماء وقل: اللهم إنك تعلم حال إخواننا، وتعلم حالنا وضعفنا وقلة حيلتنا، اللهم إنا بذلنا جهدنا وما بوسعنا، فارض اللهم عنا، وأعنا على القيام بحق إخواننا على الوجه الذي يرضيك عنا، اللهم إنا نعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والبخل، والقسوة والغفلة، والذلة والمسكنة، واجعلنا مفاتيح للخير في كل مكان.
اللهم احفظ المسلمين المستضعفين في كل مكان، اللهم احفظ المسلمين المنكوبين في كل مكان، اللهم أعنهم وأطعمهم واسقهم واكسهم برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم انصرهم على من بغى عليهم، اللهم انصرهم على من بغى عليهم، وانتقم لهم من الظالمين يا قوي يا عزيز! اللهم ألف بين قلوب المسلمين، واجمع كلمتهم على التوحيد يا أرحم الراحمين! اللهم ارحم الأطفال اليتامى، والنساء الثكالى، وذا الشيبة الكبير.
اللهم أصلح ولاة أمورنا ووفقهم لما تحبه وترضاه، اللهم من أرادنا والمسلمين بسوء فأشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، وتدبيره تدميراً عليه، اللهم اكفناهم بما شئت، اللهم اكفناهم بما شئت فإنهم لا يعجزونك أنت ولي المؤمنين.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
стр. 317
الفتاة ألم وأمل
الفتاة المسلمة تكون ألماً عندما تكون ألعوبة تتأرجح، وسلعة رخيصة لا هم لها سوى اللذات والشهوات، وتكون أملاً عندما تكون مستقيمة طاهرة عفيفة أصيلة، تصارع طوفان الفساد وتبتعد عن الرذيلة، وترفض كل ما يعرض عليها من زيف التمدن والحضارة.
стр. 318
فتياتنا بين الألم والأمل
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، أما بعد: فهذا هو يوم السبت الموافق للخامس والعشرين من الشهر السابع للعام التاسع عشر بعد الأربعمائة والألف، وفي هذا المكان المبارك في مدينة الرس ألتقي بأخواتي الكريمات في موضوع بعنوان: (الفتاة ألم وأمل) .
ما إن تفوهت بكلمات (الشباب ألم وأمل) إلا ووجدت نفسي غارقاً بسيل منهمر من العتاب: لماذا الحديث خاص بالشباب؟ ولماذا هذا التهميش للمرأة والغفلة عن مشاكلها وقضاياها؟ وها هو أُخيتي! (الفتاة ألم وأمل) بين يديك؛ علماً بأني -يعلم الله- قد طويت النية من تلك اللحظات التي أهديت فيها الشباب تلك الكلمات أن أوجه مثلها للفتيات.
أما سبب التأخير فهو ذلك السيل الهادر والبحر الكاسر من أكوام الورق والأخبار، والصور والمواقف والمشاكل والعقبات عن حال بعض بنات اليوم، حتى أنني وقعت في حيرة وتردد، وإقدام وإحجام عن الحديث للفتاة، فهل أكون صريحاً فأتهم؟ أم تكفي الإشارة والتلميح؟ فأخشى أن يأتي العلاج بارداً باهتاً لا لون له ولا طعم.
فآثرت التوسط بين التصريح والتلميح، وهنا يعذرني الكثير من الإخوة والأخوات بترك ما ذكروه من بعض الصور والمواقف من باب: (حدثوا الناس بما يعقلون) ولعل مثل هذه المظاهر شواذ، فالكثير من أخواتنا وإن بعدت عن الله فإن فيها خيراً كثيراً، وفيها حباً لله ولرسوله؛ ولكنها الغفلة.
ورسالتي هذه ليس لها حدود لا بجنس ولا سِن بل هي تنبيه لكل أخت أسرفت على نفسها بالمعاصي والذنوب، وتذكير لكل بنت أصابها شيء من الغفلة والتقصير، وأعرف بدءاً أن الأبوين يشاركان الفتاة في بعض مشاكلها، لكن ليس لهما نصيب من حديثي هذا، ولعله يكون حديثاً خاصاً في مستقبل قريب إن شاء الله تعالى.
وقد اعتمدت بعد الله على استبانة قام بها بعض الباحثات، وكان عدد العينة في الاستبانة (٧٥٩) فتاة، واستفدت أيضاً من عدد من الاستبانات التي قامت بها بعض المجلات (كـ الدعوة) و (تحت العشرين) ومن المشاركات من كثير من الإخوة والأخوات، فشكر الله الجميع، وجزاهم عني وعن المسلمين خير الجزاء، وأساله التوفيق والسداد والعون والقبول والصواب.
стр. 319
نداء للفتاة لتكون أملاً
أيتها الأخت! أقلِّب طرفي لأتأمل، فيتألم القلب ويأمل، ويحزن ويفرح، ويسعد ويشقى من أجلك أنت، فأنا كغيري من الناصحين أحمل همك في الليل والنهار، واليقظة والمنام: إي والله.
فما طوفته القلب مني سحابة من الحزن إلا كنت منها على وعد
ولا رقصت في القلب أطياف فرحةٍ فغنّت إلا كنت طالعة السعد
أثرت ابتساماتي وأحييت لوعتي فمن أنت يا أنسي ومن أنت يا وجدي
إنها أنت أيتها الأمل! فالقلب يشقى ويحزن، ويتألم عندما أراك ألعوبة تتأرجح، وسلعة رخيصة وفتاة لعوباً، لا همّ لها سوى اللذات والشهوات، ويسعد القلب ويفرح ويعقد الآمال وأنت تصارعين طوفان الفساد وتصرخين في وجه الرذيلة، أنا مسلمة مستقيمة، وبنت أصيلة أعرف أن للمكر ألف صورة وحيلة.
أختاه أيتها الغالية! يا نسمة العبير! أنت بسمتنا المنشودة، وشمسنا التي تبدد الظلام، فاسمعي هذه الكلمات، إنها ليست مجرد كلمات بل، هي وربي آهات قلب المؤمن الغيور.
فيا أيتها الأمل! تعالي قبل فوات الأوان، فاسمعي هذا النداء، فربما عرفتي الداء والدواء.
تعالي هذه الأيام لا ترجع ولا تصغي لنا الدنيا ولا تسمع ولا تجدي شكاة الدهر أو تنفع
تعالي نحن بعثرنا السويعات وضحينا بأيام عزيزات فيا أختاه يكفينا حماقات
أجل يا أخت ما قد ضاع يكفينا فعودي ها هو العمر ينادينا فلا نخربه يا أخت بأيدينا
أخيتي! اسمعي هذه الكلمات بعيداً عن إله الهوى والشهوات، فربما رق القلب فانقلب بعواطفه وأشجانه، وربما صحا الضمير فيحس بآلامه وآماله، وربما تنبه العقل ليتحرر بأفكاره وآرائه.
إنها إشراقة لتشرقي في سمائنا يا شروق! وهي الحنان من نبع لا يجف يا حنان! إنها الأمل الذي نرجوه يا أمل! فهل أنت أمل فنعقد عليك الآمال؟ أم أنت ألم فتزيدين الآلام آلاماً؟
стр. 320
رسائل توحي بالألم
كتبت فتاة رسالة بعد سماعها لشريط (الشباب ألم وأمل) وكانت رسالتها [٢٦] صفحة، وعنونت لها (الفتاة ألم بلا أمل) وقد كتبتها بدم قلبها، ووقعتها باسم (أمل) ، وهي أمل -إن شاء الله- رغم كل ما كتبته، فقلب يشتعل حرقة وندماً سيصل في النهاية مهما طال الطريق.
ومما قالت فيها: المثيرات تحاصرني من كل مكان: قنوات فضائية أفلام هابطة أغان وأشرطة تحوي كلاماً ساقطاً، إلى من ألجأ في مثل هذه الظروف ارحموني! نهايتي تقترب أوجدوا حلاً لمعاناتي اسمعوا صرخاتي من قلبي من أعماقي أسرعوا في إيجاد الحل، فها أنا أقفل حقائبي وألملم شتات نفسي للرحيل، لقد عزمت على الرحيل إلى آخر كلامها الذي سأعود إلى بعضه في هذا الدرس وغيره.
وتتحسر أخرى فتقول: أبحث عما يريح نفسي من الهم الذي أثقلها، لم أجد في الأفلام أو الأغاني أو القصص ما ينسيني ما أنا فيه لا أدري ما الذي أفعله وما نهاية هذا الطريق الذي أسير فيه.
وثالثة تبث همومها وأحزانها وتقول: أعيش في موج من الكدر يحرم عيني المنام، فأنا دائماً أفكر في حالي، وكيف أبحث عن السعادة؟! فأنا كما يقولون: غريبة، والغربة هنا ليست غربة المكان؛ ولكنها غربة الروح، وغربة المشاعر الحزينة التي تشتكي بين ضلوعي لما أفعله تجاه ربي ونفسي والناس، فلقد طال صبري كثيراً على حالي، فمتى وقت رجوعي.
ورابعة تصرخ فتقول: أقسم بالله أن أياماً مرت عليّ حاولت فيها الانتحار، ولكن كل محاولة تفشل، لا أعلم لماذا؟ هل الله يريد أن يطيل عذابي؟ أم أن أجلي لم يحن بعد؟ ولكن ما أعرفه أنني أموت كل يوم وليلة.
وهكذا تتوالى الآهات والحسرات من الكثير والكثير من الفتيات الغافلات.
أيها الإخوة والأخوات! ارحموا الفتيات! أيها المجتمع! رويداً رويداً بالفتاة.
أيها الآباء والأمهات! حناناً وعطفاً للفتاة.
أيها الإعلاميون! رفقاً بالقوارير! أيها الشباب! اتقوا الله في الأزهار والورود!
لم يبق من ظل الحياة سوى رمق وحطام قلب عاش مشبوب القلق
قد أشرق المصباح يوماً واحترق جفت به آماله حتى اختنق
هذه حال الفتاة، فالمشاكل والأخطار تفترسها، فراغ وسهر انحراف وفساد عشق وغرام تبرج وسفور عجب وغرور عقوق للوالدين ترك للصلاة تبذير للأموال، تقليد للغرب ضياع للشخصية سفر لبلاد الكفر والإباحية جلساء السوء الكذب والغيبة وبذاءة اللسان التدخين والمخدرات العادة السرية التشبه بالرجال أفلام وقنوات فحش وروايات غناء ومجلات معاكسات ومقابلات جنس وشهوة وإثارة للغرائز وغيرها من مشاكل الفتاة، إنه الألم الذي تعيشه الكثير من المجتمعات العربية والإسلامية، وشتان بين الألم والأمل.
معاشر الأخوات! لماذا بعض الفتيات حياتها من وحل إلى وحل، ومن مستنقع إلى مستنقع؟!! مرة مع القنوات الفضائية، ومرة مع المجلات الهابطة، ومرة في المعاكسات وربما الزنا، فهي غارقة في أوحال الفساد والشهوات.
تقول صاحبة الرسالة: لم أجد باباً إلا طرقته، ولا معصية وخطيئة إلا جربتها، والنهاية أسوأ من البداية، ألم وضياع، وحرقة واكتئاب.
أيتها الأخوات! قلب تفرق بين هذه المشاكل، فإذا مَلَّ هذه انتقل إلى تلك، قلب في الشهوات منغمس، وعقل في اللذات منتكس، همته مع السُفليات، ودينه مستهلك بالمعاصي والمخالفات كيف حاله؟! كيف سيكون؟!
стр. 321
المراد من الفتاة المسلمة وما يراد لها
فيا أختاه:
شدي وثاق الطهر لا تتغربي عن عالم الدين الحنيف الأوحد
شدي وثاق الطهر سيري حرة لا تخدعي بحديث كل مخرب
لك من رحال المجد أخصب بقعة ولغيرك الأرض التي لم تخصب
لك من عيون الحق أصفى مشرب ولعاشقات الوهم أسوأ مشرب
هزي إليك بجذع نخلتنا التي تعطي عطاء الخير دون تهيب
وقفي على نهر المروءة إنه يروي العطاش بمائه المستعذب
وإذا رأيت الهابطات فحوقلي وقفي على قمم الهدى وتحجبي
إن الحجاب هو التحرر من هوى ولاّدة ذات الهوى المتذبذب
وهو الطريق إلى صفاء سريرة وعلو منزلة ورفعة منصب
ولعلك تتسائلين ماذا نريد؟ فأقول: إن لك تأثيراً كبيراً في المجتمع، وقد يكون التأثير سلباً أو إيجاباً، فإن كنت ذا عقل ناضج كان لك تأثيرك البناء الفعال، وإن كنت ذات عقل خفيف طائش، أو عقل فاسد منحرف، كنت بؤرة فساد وإفساد للمجتمع وهدمه.
أُخيتي! أرجوك لا تزعجك صراحتي، فو الله إننا نستطيع كغيرنا أن نتلاعب بالعواطف، وأن ندغدغ المشاعر بكلمات الحب والغرام، وأن نجعلك تعيشين في عالم الأحلام.
نعم.
لا تعجزنا كلمات الغزل، ولا همسات العشاق، بل نتحدى كل من يعزف على أوتار المحبين! ولكن ماذا بعد؟ شتان بين من يريدك لشهوته، وبين من يريدك لأمته، نعم.
نريدك أن تكوني أكبر من هذا، نريدك أن تنفعي وتساهمي في بناء المجتمع ونهضته، لا كما يريدك الآخرون للغزل والحب والشهوة، والغناء والرقص والطرب، ألهذا خلقت فقط؟! وهل الحياة حب وعشق فقط؟! لماذا ننام على الشهوة ونصحو عليها؟! إن من النساء من لا تنام ولا تقوم إلا على غناء العاشق الولهان، أوقات لمشاهدة لقطات الحب والتقبيل، وأوقات لقراءة روايات العشق والغرام، وأوقات لتصفح مجلات الفن والغناء، وأوقات للهمسات والمعاكسات، لماذا عواطف فقط؟ أين العقل؟! أين الإيمان؟! أين المروءة؟! بل أين البناء والتربية والفكر والمبادئ والأهداف في حياة المرأة؟! أيتها الأخت! هل تعلمين وتفهمين أن هناك من يريد إبعاد المرأة عن دينها، وصدها عن كتاب ربها؟! وإن كنت لا تعلمين فيكفي ما تشاهدين من ذاك الركام الذي يزكم الأنوف من المجلات والأفلام والقنوات والأقلام والروايات، والتي لا هم لها إلا عبادة جسد المرأة من فن وطرب، وشهوة وجنس ومساحيق وموضات، فلماذا الاهتمام بالصورة لا بالحقيقة؟! وبالجسد لا بالروح؟! كم أتمنى أخيتي أن تفرقي بين من يحترم عقلك لا جسدك، ويهتم بملء الفراغ الروحي والفكري لديك، وبين من يهتم بالشهوة والجسد والطرب، فهل عرفت ماذا نريد؟! وأنت تقرئين القرآن قفي وتأملي قول الحق : ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الكهف:٧] .
فهل عرفت إذاً؟ إنه ابتلاء وامتحان، فاسألي نفسك هل نجحت أم رسبت في الامتحان؟! إنني ممن يطالب وبقوة بحقوق المرأة، وبالعدل بينها وبين الرجل، نعم بحقوق المرأة التي جاء بها الإسلام ليكرمها، وبخسها بعض الرجال بجهله وبظلمه وتسلطه، أقول بالعدل لا بالمساواة! أتدرون ما تعني المساواة؟! أن نجعل المرأة رجلاً، والرجل امرأة، وهذا انتكاس بالفطرة وجهل بحقيقة الخلقة لكل منهما، فإن الله تعالى خلقهما وجعل لكل منهما وظيفة وأعمالاً، لكل منهما دور في الأسرة والمجتمع يجب أن يقوم به في الحياة، وقد سبقت المرأة المسلمة غيرها في الإسهام الحضاري بمئات السنين، لكنها لم تخرج عن وظيفتها ولا طبيعتها، ولم تطلب أن تتشبه بالرجال أو تتساوى بهم في الطبيعة والوظيفة؛ لأن ذلك غير ممكن، وغير مستطاع، بل محال إلا إذا انتكست الفطرة، وانقلبت الموازين وتداخلت الأدوار، وفي هذا اضطراب للمجتمع، وتفكك وشقاء.
وإياك إياك أن تنسي الوظيفة الأولى والأصلية التي جعلها الله لك وهي أن تكوني ملكة بيت ومربية أجيال ورجال، فالزمي بيتك لتسعدي، ولنهب لك قلباً تحبينه ويحبك، فيريحك من النفقة، ويشبع غريزتك ويصونك من الذئاب المسعورة، وإذا كان لديك فضل من وقت ونشاط وهمة، فالمجتمع وبنات جنسك بأمس الحاجة إليك وإلى مواهبك، وبشرط الستر والعفاف، لكن تذكري وكرري دائماً (بيتي أولاً) .
أما جعل الوظيفة أولاً، وإهمال البيت والأولاد والتبرج والسفور والاختلاط وباسم الحرية المزعومة، فهذا والله خلل في المفاهيم وانتكاس في الفطر، وتجربة البلاد المجاورة تصدق ما يكذبه سفهاء الأحلام، فما أعظم الخطب! وما أشد المصيبة إذا اختل المنطق، وانتكست المفاهيم، وأصبحت العبودية والشهوات واللذات حرية ندعو لها.
هذا ما نريد باختصار، وإذا أردتِّ أن تعرفي ماذا يريدون؛ فاقرئي كتاباً نفيساً جداً بعنوان: ماذا يريدون من المرأة لـ عبد السلام بسيوني وهو أحد كتاب مجلة الأسرة، وهي مجلة جميلة أنصح بقراءتها إضافة إلى مجلة الشقائق، فهما شمعتان مضيئتان في طريق المرأة، وكتاب آخر بعنوان: يا فتاة الإسلام اقرئي حتى لا تخدعي لفضيلة الشيخ صالح البليهي ﵀، اقرئي أمثال هذه الكتب والمجلات لتتضح لك الحقيقة.
стр. 322
أسباب مؤثرة في صناعة العقل والفكر
أيتها الغالية! اسألي نفسك بصراحة: من يصنع أفكارك ويبنيها؟ أهو العلم والثقافة والتربية الصالحة وتوجيه الأبوين؟ أم هو الإعلام ومجلات وروايات ومسلسلات الحب والغرام؟ أجاب: (٣٢%) من فتيات الاستبانة بأن توجيه الأبوين والأسرة هو الذي يصنع العقل والفكر، وأجاب (٣٠%) بأنه العلم والتعليم، وأما التربية الذاتية فـ (٢٦%) وقال (١٢%) بأن الذي يصنع الفكر هو الإعلام.
стр. 323
أثر الإعلام في صناعة العقل والفكر
وعن سؤال آخر أجاب (٥٠%) أن للإعلام والمجلات ومسلسلات الحب والغرام أثراً في حياتهن وعلى أفكارهن وعقولهن، وقال: (٤٦%) أنه ليس لذلك أثر في حياتنا ولا على الفكر والعقل، وربما استغرب البعض وهو يسمع هذه النسب الخاصة بالإعلام، فإن المشهور أن للإعلام اليوم أثراً كبيراً في حياة الناس، ولعل السر هنا أن الكثير من الناس لا يشعرون أن ما يشاهدونه ويقرءونه عبر وسائل الإعلام له أثر كبير في حياتهم، أو أن البعض يشعر لكنه يتصنع الشخصية المستقلة التي لا تتأثر خوفاً من الاتهام بالتبعية والتقليد، والعجيب أنك لو سألت هؤلاء: هل للإعلام أثر على الآخرين؟ لأجاب وبسرعة: بنعم، وهذا ما حصل، فقد أجاب (٦٠%) بـ (لا) عندما سئلن: هل للقنوات تأثير عليك؟ وعندما سئلن هل للقنوات تأثير على الآخرين؟ أجاب (٩٣%) بـ (نعم) سبحان الله! (٥٥%) ذكرن أن الآثار سلبية و (٣٨%) ذكرن أن الآثار سلبية وإيجابية، وهكذا فنحن نجيد فن اتهام الآخرين، أما اتهام النفس، والشجاعة في مواجهتها ومصارحتها، فآخر ما يفكر به الحيارى وضعاف النفوس.
أما البحوث والدراسات فقد أثبتت أن الذين يتعرضون لفترات طويلة لوسائل الإعلام يتصور لديهم عالم خاص من صنعهم، وهو في الواقع عالم مزيف مليء بالحقائق والأرقام الوهمية، وأما الاعترافات بأن للإعلام أثر في الحياة، وعلى الفكر والعقل فاسمعي بعضاً منها ومن مجلة تحت العشرين في عددها [٢٧] تقول فتاة: أحلم أن أصبح فنانة مشهورة تملأ صوري الصحف والمجلات، ويشير المجتمع إلي في كل مكان، ولهذا فإنني أتابع بحرص شديد كل أخبار فنانتي المفضلة، والتي اعتبرها مثلي الأعلى، وأراقب بدقة حركاتها وأسلوبها، سواء في التمثيل أو الحياة، ومن يدري قد أصبح يوماً في مثل شهرتها.
وتقول فتاة أخرى: إنها تحب هذا الفنان كثيراً، فصوره تملأ كل مكان في غرفتي، وأرفض أن ينتقده أي إنسان؛ ولو كانت صديقتي المقربة.
وتقول ثالثة: أنا أعشق عالم الموضة والأزياء، وتبهرني كثيراً عارضات الأزياء لرشاقتهن وطريقتهن في الحركة والمشي، وأحاول قدر الإمكان تقليدهن في حركاتهن حتى أنني أتبع رجيماً قاسياً لأصل لنفس القوام الذي يتمتعن به.
ولا أدري أقرأت هذه وأمثالها توبة فابيان أشهر عارضة أزياء فرنسية؟ وهل هي سمعت قولها: إن بيوت الأزياء جعلت مني مجرد صنم متحرك، مهمته العبث بالقلوب والعقول، فقد تعلمت كيف أكون باردة قاسية مغرورة، فارغة من الداخل، لا أكون سوى إطار يرتدي الملابس، فكنت جماداً يتحرك ويبتسم ولكنه لا يشعر، كنا نحيا في عالم الرذيلة بكل أبعادها والويل لمن تعترض عليها وتحاول الاكتفاء بعملها فقط إلى آخر حديثها، من جريدة المسلمون عدد (٢٣٨) .
فهل نستيقظ؟! وهل نستفيد من تجارب الآخرين الذين سبقونا في مثل هذا الطريق؟
стр. 324
الآثار السلبية للقنوات الفضائية
وحول سؤال عن الآثار السلبية للقنوات الفضائية ذكر (٣٨%) الانحراف والانحلال الخلقي وذكر (٢٥%) التقليد، و (٢١%) ضياع الوقت، أو (١٥%) البعد عن الدين الإسلامي و (١٣%) عدم احترام المجتمع وزرع الأفكار السيئة، (٦%) أنها تلهي عن الصلاة و (٤%) أنها تثير الغرائز الجنسية، وغير ذلك من الآثار السلبية التي ذكرت على لسان الفتيات من عينة الاستبانة.
وكل ما نراه الآن من الآثار التخريبية للحرب الفضائية أو الفضائحية إنما هي مقدمات فقط ستتضح آثارها المدمرة على المجتمعات الإسلامية والعربية في الأجيال القادمة، بل أقول في الجيل القريب، نسأل الله أن يحفظ المسلمين من كل سوء، وأن يرد كيد الكائدين في نحورهم! إذاً: فصياغة الإعلام للأفكار والمفاهيم لا ينكره عاقل، حتى كاد العيب أن يختفي من قاموس القيم والتقاليد العربية والآداب الإسلامية النقية، واسألي نفسك بكل صراحة: لماذا سلمت أفكارك وعواطفك لتجار الفن ودعاة الرذيلة يتلاعبون بها لمصالحهم وشهواتهم كيف شاءوا؟! لم لا تَزِنين ما تقرئين وتشاهدين وتسمعين في ميزان شرعنا وعقيدتنا، فما وافقه قبلناه وما أنكره رفضناه.
أتقبلين يا أختاه أن يجعلوك أداة لهو لهم، وتتركي لهم الصدارة في العلم والتربية، والثقافية والأدب والفكر؟! إن صلاح المرأة من أهم العناصر لبناء المجتمع.
стр. 325
أسئلة وردود موجهة إلى دعاة التحرير
اسألي نفسك أنت وفكري، أين هؤلاء عن توجيه المرأة لصلاح دينها ودنياها؟! أين هم عن المرأة فوق الأربعين وهمومها ومشاكلها؟! لم لا نقرأ أو نسمع من يحمل همها ويشاطرها أحزانها ويطالب بحقوقها؟! وكذلك الفتاة الصغيرة ذات السبع والتسع والثنتي عشر، لماذا لا يهتم أولئك بهن؟! أين هم عنها معاقة ومطلقة ومسجونة؟! أم أنهم يحملون همَّ فتاة الخامسة عشر والعشرين والثلاثين، وربما أيضاً بشرط: أن تكون جميلة وبيضاء وطويلة وأنيقة؟! نعم.
هذه هي المرأة التي يطالبون بحقوقها وتحريرها، حتى هذه أين هم من فكرها وأدبها وخلقها وثقافتها؟! حتى المحتشمة والتائبة لم يتركوها! أليسوا يطالبون بحريتها -كما يزعمون- ها هي تريد وأن تتوب، أن تحتشم، أفلا يرحموها ويتركوها، أليست هذه حرية؟ أم أنها الحرية التي يرسمونها هم؟! ولهؤلاء قال المنفلوطي: إنكم لا ترثون لها بل ترثون لأنفسكم، ولا تبكون عليها بل على أيام قضيتموها في ديار يسيل جوها تبرجاً وسفوراً، ويتدفق خلاعة واستهتاراً، وتودون بجذع الأنف لو ظفرتم هنا بذلك العيش الذي خلفتموه هناك إلى آخر كلام المنفلوطي في العبرات.
هذا خطاب المنفلوطي لهم، وخطابي ليس لهم بل لك أنت أيتها الفتاة! فتنبهي وأفيقي وفكري.
أخيتي! أتذكرين يوم كنت بنت تلك القرية الصغيرة؟! أتذكرين يوم كنت تلعبين وتمرحين مع أبناء الحي ببراءة الصغار وطهارة القلب؟ أتذكرين يوم كنت تستحين أشد الحياء من استعمال الأصباغ والعطور والزينة، قبل أن يأخذ الزوج بيدك؟ ما أجمل نعمة الحياء ووازع الدين والخلق، وما أحسن عادات وتقاليد البيئة العربية الأصيلة، فلماذا تتنكرين لها؟! ولماذا التعالي عليها بحجة اتباع الموضات والصيحات؟! ولماذا نترك الآداب الإسلامية الأصيلة بعفتها وطهارتها ونتجه إلى التقليعات الغربية الدخيلة بنتنها ونجاستها؟! أنستبدلُ الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ يا ابنة الإسلام! يا ابنة العرب! أيتها العفيفة الطاهرة! لماذا هذا التميع؟! أين قوة الشخصية؟! ولماذا الهزيمة النفسية؟! أين العزة بالآداب الإسلامية؟! والفخر بالتقاليد العربية؟! اصرخي بأعلى صوتك وقوليها وبكل فخر واعتزاز: نعم أنا مسلمة عربية مستمسكة بديني وآدابي وأخلاقي.
قولي للمرأة الغربية: إن كنت تفخرين بالمخترعات والتقنيات والحضارة العلمية، فإني أفخر بالآداب والأخلاق والحضارة الإسلامية والعادات العربية.
قولي لها: إن هان عليك دينك أو كنت بلا دين فأنا أعز شيء عليَّ ديني وعقيدتي.
قولي لها: إن كنت جارية كالمجاري لكل الرجال هناك، فأنا ملكة لمملكتي الصغيرة، عفيفة حصينة بزوج يرعى لي حقي وحق أولادي.
قولي لها: إنَّ ما أنت فيه من عبودية للشهوة والإباحية، حررني منها حبيبي وقدوتي محمد ﷺ وجعلها عبودية لله بيضاء نقية.
قولي لها: أنا في بلادي وشبابي ملكة للقلوب أنعم بزوجي وينعم بي، وإذا كبرت وذبلت فسيدة للمنزل لا يصدر أحد في البيت إلا عن أمري، يتسابق الجميع لإسعادي وكسب ودي، أما أنت ففي شبابك أسيرة للشهوة والمعامل والمصانع، خادمة في المطاعم والفنادق، حمالة في الأسواق والطرقات، سائقة للعربات والعجلات، وفي الشيخوخة فمكدودة منبوذة مهجورة! هكذا المرأة الغربية تبدو حرة وهي مقيدة، نعم والله لا أقول حُدِّثت بل رأيتها بأم عيني، تُرى معززة وهي مهانة، حتى قالت إحداهن: إن ثمن عنقود العنب في باريس يفوق ثمن امرأة.
ذكر أحد الأدباء أنه كان يتكلم عن المرأة المسلمة في إحدى محاضراته في أمريكا، وذكر فيها استقلال المرأة المسلمة في شئون المال وأنه لا ولاية عليها في مالها، وإن تزوجت كُلف زوجها بنفقتها، ولو كانت تملك الملايين ولو كان زوجها عاملاً لا يملك شيئاً، إلى غير ذلك مما نعرفه نحن كمسلمين ويجهلونه هم عنا، قال: فقامت سيدة أمريكية من الأديبات المشهورات وقالت: إذا كانت المرأة عندكم على ما تقول فخذوني أعيش عندكم ستة أشهر ثم اقتلوني.
هكذا هن يتحسرن ويرغبن أن يعشن كما تعيشين.
ففكري أختاه!!
стр. 326
فتك الفضائيات بعقول الفتيات
هل تشاهدين القنوات الفضائية؟؟ هذا سؤال من الأسئلة المطروحة في الاستبانة، وقد أجاب (٦٣%) بـ (نعم) ويحرصن على مشاهدة الأفلام والمسلسلات والأغاني وأخبار الفن منهن (٥٩%) و (١٢%) على كل شيء، أما نسبة اللاتي يحرصن على البرامج الثقافية فـ (٦%) وعلى البرامج الدينية فـ (٤%) وأما الأخبار والبرامج العلمية والثقافية والوثائقية (٩%) ولعل هذه الأرقام تكشف لك أختي الفاضلة عن المصدر الأساسي لثقافة المرأة اليوم: الأفلام والأغاني وأخبار الفن.
وأنا أسأل: أفكار ومفاهيم بالإضافة إلى أغاني ساقطة، وأفلام آثمة، وسهرات فاضحة، وقصص داعرة، وملابس خالعة، وعبارات مثيرة، وحركات فاجرة، كيف ستعيش زوجة؟! وكيف ستكون أماً؟! وهل تصلح مربية ومعلمة؟!
стр. 327
دور الفضائيات في صناعة الأفكار والمفاهيم
ولنا أن نتخيل أمهات ومعلمات وزوجات هن من تربية قنوات فضائية، إنها رحلة الخداع إلى دنيا الضياع، وأما المسلسلات المكسيكية المدبلجة والتي أقصر مسلسل فيها يزيد على (٥٠) حلقة، فحدث ولا حرج عن دورها في ضياع الحياة وتمزيق الأسرة، فهي تقوم كل ليلة بغسيل المخ للكثير من بنات عقيدتنا.
تقول مجلة تحت العشرين في عددها الرابع، قمنا بإجراء استبيان لتسعين فتاة تحت سن العشرين حول هذه المسلسلات وقد أظهرت نتائج هذه الاستبيان أن (٧٠%) من الفتيات يحرصن على مشاهدتها يومياً، ولما سئلن عما يعجبهن في هذه المسلسلات؟! وجدنا أن القصة والحوار والأحداث، إلى جانب الأزياء التي ترتديها الممثلات هي أهم ما تعجب به الفتيات، وتراوحت نسبة الإعجاب بهذه الأشياء ما بين (٧٥%) إلى (٨٠%) انتهى الخبر من المجلة.
وأقول: هذه المسلسلات تطبيع تدريجي تستمرئه العقول والأفكار على مدار الليالي والأيام، نعم.
فهي مسلسلات مليئة بالخيانة، والتعري والخمور والاغتصاب والعنف، والعلاقات الجنسية فيها مباحة للجميع حتى بين المحارم كالأخ وأخته وزوجات الأصدقاء، وهي تؤكد أنه لا يمكن للمرأة أن تعيش بدون عشيق وصديق، وتعرض على الشاشات العربية على أنها عواطف ومشاعر وحب وإعجاب، وعلاقات ورغبات، حتى تثور براكين العواطف لدى الفتاة، وتتفجر الغرائز وتتصادم مع القيم العربية والآداب الإسلامية، فيجن جنون الفتاة وتعيش في صراع وقلق وأوهام اليقظة وأحلامها وربما تلعب بالنار، نعم.
ربما تلعب بالنار لتحرق كل شيء بعد ذلك، إنه تدمير للقيم العربية والأخلاق الإسلامية.
أختاه! وأنت تتحدثين مع الزميلات عن أحداث هذه المسلسلات والأفلام، هل نسيت أنها تتحدث عن واقع مجتمعاتهم الكافرة؟! وأنك مسلمة ذات أخلاق وآداب، هل سألت يوماً: لماذا تعرض هذه المسلسلات ولمصلحة من؟! فكري بعقلك لمصلحة من تعرض هذه المسلسلات كل ليلة وهي بعيدة كل البعد عن المجتمعات الإسلامية والعربية؟!
стр. 328
مستنقعات ترسم لها زينة الجنات
أختاه! لماذا النظر لنساء قذرات دنسات سيئات الأخلاق؟! لماذا لم نعد نفرق بين مسلمة وكافرة، وبين صالحة وفاسقة؟ سبحان الله! الألبومات لكثير من الأخوات مليئة بالصور لكثير من الكافرين والكافرات، لماذا بعض الأخوات لم تعد تفرق بين الفضيلة والرذيلة؟! حتى تعلقت قلوب الكثير من الفتيات بما يعرض ويشاهد على الشاشات من مناظر الجمال والخضرة، ومشاهد الزينة والفتنة المزيفة بالمساحيق والمكايج؛ حتى اقتنع الكثير من الأخوات أن أولئك يعيشون في جنة الدنيا، وأنهم في غاية السعادة والأنس والانبساط، ونسينا أن اسم هذا تمثيل، وأنه فقط لبضع لحظات وقت الوقوف خلف الشاشات، وأنها أجساد تشترى، وصور تنتقى ببضع ريالات، فربما أعوزهم لهذا الفقر والحاجة أو فساد الدين والمعتقد.
اسمعي إن كنت تعقلين كتبت إحدى الكاتبات في صحيفة الأيام في عددها (٣٣٠٠) تقول تحت عنوان: (جواري الفيديو كليب) فقالت: قرأت تحقيقاً مصوراً حول سوق لفتيات فيديو كليب، كان تحقيقاً مخزياً بمعني الكلمة، كان عبارة عن سوق للرقيق -سوق نخاسة- يمارسه البعض تحت اسم الفن والإعلام إلى أن قالت: فذكروا أن هناك أسعاراً متنوعة للفتيات، وهناك قوائم مصنفة للفتيات، وكتلوجات جاهزة للعرض، فالسمراء لها سعر، والشقراء لها سعر، والطول الفارع له سعر، والسن له سعر، ونسبة الجمال لها سعر، والجنسيات لها سعر، وإجادة الرقص لها سعر، وهناك فتيات رخيصات التكلفة للتصوير السريع، وللميزانية التي على قدر حالها كما تقول الصحيفة إلى آخر المقال.
أرأيتِ أخيتي! إنه سوق لبيع الجواري، إنه امتهان واحتقار لكرامة المرأة، والأمثلة كثيرة والوقت يضيق، ولا أحب أن أوذي مشاعرك بكثرة الغثاء.
فتنبهي أيتها الغافلة! أفيقي أيتها العاقلة! شتان بين الواقع والخيال، وبين الوهم والحقيقة، هل سألت نفسك بصدق: هل تلك النسوة اللاتي يعرضن أنفسهن بالليل والنهار على صفحات المجلات والشاشات، وهن يظهرن الأفخاذ والنحور ويبتسمن وكأنهن أسعد الخلق، هل هن في حياتهن بسعادة حقيقية ولا يعرفن المشاكل والهموم والأحزان؟!
стр. 329
هيهات هيهات لو فطنتِ للحقيقة
هي لو علمت ضحية لعصابة ذهبت لجمع المال أسوأ مذهب
هي صورة لمجلة هي لعبة لعبت بها كف القصي المذنب
هي لوحة قد علقت في حائط هي سلعة بيعت لكل مخرب
هي شهوة وقتية لمسافر هي آلة مصنوعة لمهرب
هي رغبة في ليلة مأفونة ترمى وراء الباب بعد تحبب
هي دمية لمسابقات جمالهم جلبت ولو عصت الهوى لم تجلب
يا ربة البيت الكريم لواؤها بالطهر مرفوعاً عظيم الموكب
البيت مملكة الفتاة وحصنها تحميه من لص العفاف الأجنبي
لا تركني لقرار مؤتمر الهوى فسجية الداعي سجية ثعلب
لا تخدعنك لفظة معسولة مزجت معانيها بسم العقرب
فما بالك أخيتي تخدعين بمعسول الكلام، وتلهثين خلف وسائل الإعلام بدون عقل ولا تفكير؟! وأسمعك ترددين: هذه هي الحياة، أتمنى أن أسافر إلى كذا هكذا الدنيا وإلا فلا من يخرجني مما أنا فيه طفش وضيق وغيرها من العبارات التي نسمعها من بعض الغافلات.
إليك أختاه هذه الدراسة، فقد قامت مجلة ماريكير الفرنسية باستفتاء للفتيات الفرنسيات من جميع الأعمار والمستويات الاجتماعية والثقافية، شمل مليونين ونصف من الفتيات، عن رأيهن في الزواج من العرب ولزوم البيت؟! فكانت الإجابة المذهلة أجابت (٩٠%) منهن بـ (نعم) للزواج من العرب ولزوم البيت، والأسباب كما قالتها النتيجة هي كالآتي: ملت المساواة مع الرجل.
ملت حالة التوتر الدائم ليل نهار.
ملت الاستيقاظ عند الفجر للجري وراء القطار.
ملت الحياة الزوجية التي لا يرى الزوج زوجته فيها إلا عند النوم.
ملت الحياة العائلية التي لا ترى الأم فيها أطفالها إلا حول مائدة الطعام.
ولقد كان عنوان الاستفتاء: (وداعاً عصر الحرية، وأهلاً بعصر الحريم) .
يا ابنة الإسلام! هذه هي الفتاة التي تحلمين أن تكوني مثلها، هي تحلم أيضاً وتتمنى أن تكون مثلك، فأيكما على الحق؟! أخيتي أيتها الغالية! كوني عاقلة فطنة واعلمي أن ما أنت فيه من أمن وإيمان، ومال وخيرات حسان، وقرب من الوالدين والأهل والإخوان، وبيت وزوج وولد في المستقبل أو الآن، وستر وعفاف، ودين وأخلاق، وراحة واستقرار في هذه البلاد المباركة لهي أمنية، إي والله هي أمنية للكثيرين! هذا أولاً.
وثانياً: هل نسيت أنك في الدنيا، وأنها مليئة بالهموم والآلام، وأنها حقيرة لا تساوي عند الله جناح بعوضة، هل نسيت أن هناك شيء اسمه الزهد والورع، وترك الشبهات فضلاً عن ترك المحرمات، وأن هناك آخرة وموت، وقبر وحسن أو سوء خاتمة، وجنة ونار، وجزاء وحساب.
стр. 330
تحذيرات قبل الانزلاق في الهاوية
أخيتي! تمني ما شئت واعملي ما شئت، ولكن اعلمي أن الله يراك، وأن اللحظات معدودة والأنفاس محسوبة، والذي يذهب لا يرجع، ومطايا الليل والنهار بنا تسرع.
اسألي نفسك ماذا قدمت لحياتك قبل أن يفاجأك الموت؟! وأنت أخيتي كيف تقضين يومك؟! أجاب على هذا السؤال (٣٦%) أمام الدش والتلفاز والفيديو و (٣٠%) في قراءة الكتب النافعة، و (٢١%) متابعة كل جديد، و (٢٠%) بقراءة الصحف والمجلات وغيرها مما ذكر هناك.
فأقول: اعلمي أختي أن النظر رائد الشهوة ورسولها، فلماذا أطلقت لبصرك العنان ينظر لكل شيء؟ أو ما علمت أن أخطر شيء على القلب إطلاق العنان للنظر؟! فالنظرة تجرح القلب جرحاً، وأكثر ما تدخل المعاصي على العبد من هذا الباب، والنظرة سهم مسموم من سهام إبليس، ألم تقرئي في القرآن قول ربك: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور:٣١] وكم استحل من الفروج والسبب إطلاق العنان للنظر ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾ [الإسراء:٣٦] .
فاتقي الله! اتقي الله في سمعك وبصرك، واشكري الله عليها، فهما نعمتان عظيمتان فربما ابتليت بفقدهما أو أحدهما.
стр. 331
أسباب الانحراف عند الفتيات
أجاب (٣٧%) أن السبب الرئيس في انتشار مثل هذه الظواهر من المعاكسات، والإعجاب، والعشق، والتعلق: هو الفراغ العاطفي، وذكر (٣٠%) : إنه الجهل وعدم الخوف من الله، وقال (١٩%) : إن السبب هي وسائل الإعلام، وقال (٥%) : انشغال الأهل عن المراقبة، وقال (٤%) : التقليد والشعور بالنقص.
والفراغ أقسام أربعة: فراغ عاطفي، وزمني، وفكري، وروحي أو إيماني، وسأتحدث -بمشيئة الله- عنها وعن ظاهرة المعاكسات والتعلق والإعجاب، بالتفصيل في درس قادم بعنوان (عاطفة أم عاصفة) .
فالمعاكسات من نتائج الفراغ العاطفي والفراغ الإيماني -كما أسلفت- فهل هذه الظاهرة موجودة وبكثرة، أجاب (٧٨%) بـ (نعم) و (٢١%) بلا أدري، وأجاب بلا أقل من (١%) .
стр. 332
مكالمة عفوية أصبحت قصة حب وهمية
أيتها الفتاة! هل صحيح ما يدعيه بعض الشباب أن الهاتف يقول: هيت لك في كل لحظة، وأنك أنت التي تبدئين؟!! ولو لم تبدئي هل صحيح أنك مهما غضبت في المكالمة الأولى أو الثانية فإن بشاراً يقول لا تيأس؟!! أخيتي! لا تأمني على نفسك الفتنة مهما بلغت، فإن كانت النظرات سهماً من سهام إبليس فإن الكلمات من سهام شياطين الإنس.
قالت وهي تذرف دموع الندم: كانت البداية مكالمة هاتفية عفوية، ثم تطورت إلى قصة حب وهمية، أوهمني أنه يحبني وسيتقدم لخطبتي، وطلب رؤيتي، وعندما رفضت هددني بالهجر، وبقطع العلاقة، فضعفت وأرسلت له صورتي مع رسالة وردية معطرة، وتوالت الرسائل، وطلب مني أن أخرج معه فرفضت بشدة، فهددني بالصور وبالرسائل المعطرة وبصوتي في الهاتف، وقد كان يسجله، فخرجت معه على أن أعود في أسرع وقت ممكن، لقد عدت ولكن وأنا أحمل العار.
قلت له: الزواج الفضيحة.
قال لي بكل احتقار وسخرية: إني لا أتزوج من فاجرة إلى آخر كلامها.
إيه أيتها الفتاة! إن من يمشي وراء قلبه يضله، فإذا لم يكن في قلبك خوف من الله فأين عقلك؟! فأنت تريدين أن تكوني زوجة وأماً وسيدة لبيت، فهل الطيش والعبث الذي تفعلينه الآن يؤهلك لهذا؟! أجزم بأن الإجابة لا؛ لأنه لا يمكن أن يرضى بك أحد وأنت على هذه الحال حتى هذا الذي يدعي محبتك، فهو أول من يحتقرك ويسخر بك، خاصة عندما يعلن البحث عن شريكة الحياة، فهو يعلم أنك لا تصلحين زوجة ولا أماً، وقد قالها أحدهم لما عرضت عليه الجمع بينه وبين محبوبة الهاتف في الحلال، أتعلمين ماذا قال؟!! اسمعي يا أختي! قالها بالحرف الواحد وبهذا اللفظ: (أعوذ بالله، والله لو تقولي لي بلاش) ، وآخر قال لها لما عرضت عليه الزواج: أريدها عذراء العواطف وأنت لست كذلك، وكيف أثق بك وقد أخذت رقمك من الشارع؟ إلى هذا الحد فقط يريدونها بنتاً لهواه ومحطة مؤقتة لشهوته، فأين العقل؟! وهكذا هم الذئاب، يريدوها سافرة متبرجة خراجة ولاجة وقت نزواتهم وشهواتهم، وذات دين وخلق بل ومحافظة وقت جدهم وحياتهم، لسان حاله يقول: إنها تكلمني وتضحك معي، وربما تخرج معي وليس بيني وبينها أي رابط، فما الذي يضمن لي غداً ألا تكلم غيري وألا تخرج مع غيري؟ لا.
فأنا ألهو معها اليوم، وغداً أظفر بذات الدين، ولن أخسر شيئاً كما قال أحدهم: ليس عندي أي استعداد للزواج من فتاة كنت أعاكسها؛ لأنني على يقين تام بأنها كما استجابت لي فقد سبق لها أن استجابت لغيري وستستجيب لآخر، فضلاً عن أني أحتقر كل فتاة تسمح لنفسها بالمعاكسة، وأنا أكلمها في الهاتف لأحقق غرضي ولكن في داخلي أنظر إليها بكل احتقار، ذكر ذلك في تحقيق لـ مجلة الدعوة في العدد (١٦٢٢) .
وقال شاب آخر بكل وقاحة: أنا شاب عمري (٢٥سنة) بكل صراحة وأنت تقرأ ورقتي ولا تعرف اسمي، إن في المعاكسة بديل عن الزواج، أي بإمكاني أن أتزوج عشر فتيات من غير تكاليف.
انتهى كلامه القبيح.
وهذا شاب يستهزئ فيقول: إنه مرتبط بعلاقات مع نصف (درزن) فتيات.
أسمعت أيتها المعاكِسة؟! أسمعت جيداً للذل الذي وصلت إليه؟ أترضين أن تكوني بعد هذا كله أداة لهو وعبث؟! أو من بنات الهوى لأمثال هؤلاء؟! اسأليه فقط بصدق: هل يرضى هذا لأخته؟! قال أحدهم: عندما أتخيل أن شقيقتي هي التي تقوم بذلك أشعر بأنني سأُجنَّ.
انتهى كلامه.
стр. 333
نداء إلى الفتيات المعاكسات الغافلات
الغريب أن بعض المعاكسات تعرف أنه يخدعها ويكذب عليها؛ ولكنها تواصل العبث بالنار بحجة التسلية وإضاعة الوقت أو أنه سُعار الشهوة المحموم.
تقول صاحبة الرسالة: في خمسة أشهر فقط عقدت صداقة وأقمت علاقة مع قرابة ١٦شاباً إلى آخر كلامها.
ولها ولكل معاكِسة أقول: هبي أن الخوف من الله غاب، أو حتى الحياء والخوف من الناس غاب، وهبي أن الخوف من الفضيحة وعلى الشرف والمستقبل غاب أيضاً، كل هذه التضحيات من أجل ماذا؟! من أجل عبث وطيش، من أجل صديقة سوء، من أجل شهوة مؤقتة، أنتِ التي أوقعت نفسك فيها بالاستسلام لجميع وسائل الإباحية والشهوة من قنوات ومجلات وأفلام وصور وروايات، المهم الشهوة وتلبية رغبات النفس، المهم إعجاب الآخرين بي، إنه شعور بالنقص وعبادة للهوى حتى رضيت أن تكوني من بنات الهوى والمعاكسات، بل ربما وصل الأمر أن تكوني جارية كالمجاري، كل يقضي فيها وطره وشهوته أعزك الله.
أيتها الغافلة! لماذا هذا التهور واللامبالاة؟! أهو الجهل وعدم العلم؟! أم هو عدم الخوف من الله وموت الضمير؟! أم هي المراهقة وخفة العقل وطيش الشباب؟ أم هو الشعور بالنقص وضعف الشخصية؟ أسألك: ألا تشعرين بالأسى وتأنيب الضمير؟! ألا تشعرين بالألم والحزن؟! اختفيت عن أعين الأبوين، فهل اختفيت عن عين الجبار الذي يغار؟! ألا تخافين من الله أن ينتقم من جرأتك عليه؟! عجباً لك أيتها المعاكِسة المشاكسة! كيف تجرأت على خيانة أبوين فاضلين سهرا وتعبا من أجلك ووثقا فيك؟! كيف تجرأت على خيانة زوج قرع الباب وأخذك بحق الله؟! كيف تغامرين بالعرض والشرف والذي هو ملك للأسرة كلها وليس لك وحدك؟! إنها أنانية إنها خيانة أن تفكري بنفسك فقط! يا محضن الآلام! رضعت صدر أم حنون لم تعرف إلا الستر والعفاف والحياء، فهل ترضين أن ترضعي طفلك الخيانة والتبرج والسفور؟! يا محضن الآلام! رضعت صدر أم لا يفتر لسانها من ذكر الله، ولا جسدها من ركوع وسجود، فهل ترضين أن ترضعي طفلك كلمات الغناء والمجون؟!
стр. 334
الغناء وأثره في المعاكسات وإثارة العواطف
من أكثر الأسباب المشجعة على المعاكسات وإثارة العواطف والتلاعب بالمشاعر: الغناء والطرب الذي أهلك الفتيات، ألم تسمعي أنه بريد الزنا وداع من دواعيه؟! لاسيما إذا صاحبته كلمات الحب والغرام وقد أجاب وللأسف: (٦٧%) بأنهن يسمعن الغناء، واعترف بعضهن بأنه يورث العاطفة والغريزة والميل إلى الجنس الآخر، والتفكير بالعشق والهيام وأنه يشجع على المعاكسات، وقالت: (٤١%) أنهن يعلمن حرمة الغناء ويبتعدن عنه، وأما (٥٧%) فيعلمن حرمته ويسمعنه، وماذا عساي أن أقول لمثل هؤلاء؟ ولكن اسمعي قول الحق : ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٢٢-٢٤] فهل تستجيبين لله؟! وهل تسمعين وتطيعين ربك أم تطيعين هواك ورغباتك؟! وأخيراً في المعاكسات أقول: أيتها الفتاة! ليس حل المشاكل والهموم الاجتماعية هو الهروب إلى المعاكسات كما تقول كثير من الفتيات، والشكوى إلى الذئاب الحانية البشرية، فالذئب يأكل كل شاة صادها في خفية، والحل للمشاكل هو مواجهتها بشجاعة والاستعانة بالله ثم بمن تثقين فيها من الناصحات.
стр. 335
خطورة اتباع الموضة في اللباس والشكل
سؤال في الاستبانة يقول: هل تتتبعين الموضة في اللباس والشكل؟ فأجابت: (٥٦%) بـ (نادراً) و (٣٢%) بـ (نعم) ، وبنحو (١٢%) بـ (لا) .
وكيف تعرف الفتاة الجديد في عالم الموضة؟! أجاب: (٣٢%) عن طريق وسائل الإعلام، و (٢٧%) عن طريق المناسبات، و (٢٧%) عن طريق الزميلات، وذكرت أسباباً أخرى بنسب ضئيلة جداً كالسفر للخارج وما يستجد في السوق والابتكار والتصميم الذاتي وغيرها.
وأنا أقول: الأناقة صفة جميلة في الفتاة، لكنها لا تعني التعدي على الآداب الإسلامية والقيم العربية الأصيلة، ولا تعني الغرور والعجب بالنفس واحتقار الآخرين، ولا تعني التقليد لكل جديد وتعطيل العقل وضياع الشخصية، لكن بحدود وضوابط ديننا وعقيدتنا، وأقول هذا وأؤكد عليه وخاصة حين أرى في الاستبانة ما يقرب من (٤٨%) من فتيات الاستبانة تراعي العادات والتقاليد فقط، أو ما يتناسب مع حياتها وقدراتها فقط بدون أي مراعاة لضوابط الشريعة، بينما أجابت (٥٢%) أنها تراعي ضوابط الشرع عند اتباعها للموضة.
وتنبهي أخيتي لقضية ربما تغفل عنها الكثير من نسائنا اليوم وهي: أن اللباس له آداب وأحكام في الإسلام، فانظري مثلاً لكتاب اللباس في صحيح البخاري أو صحيح مسلم وغيرهما من كتب السنة، ارجعي إليها قبل أن تنظري لبرامج الموضة في القنوات، أو في مجلات الأزياء؛ لتعلمي كيف جاء الإسلام بأعظم الآداب والأحكام في اللباس، ليرفع من قيمتك ويحفظ حياءك وعفتك.
إذاً: فأنت تنطلقين عن دين يأمرك بالستر والعفاف، ولا يمنعك من التجمل والاعتناء بالمظهر، أما الذين ينطلقون عن عبادة الدينار والدرهم والشهوات والجنس، ويسخرون بالمرأة فيتعاملون مع شعرها وجسدها وجفونها، بالأقمشة والألوان والأصباغ، وكأنها دمية تتقاذفها الأيدي حتى شكا القبح من قبح شكلها، ثم يدفعونها للجمهور لتعرض جنونهم وهوسهم أمام الأعين والشاشات، فالمرأة بالنسبة لهم مصدر ثراء وربح.
أسألك بالله وبكل صدق وإخلاص: أليس هذا احتقار وإهانة للمرأة؟! لا تتعجلي الإجابة، فكري فأنت بنفسك الحكم، وأنا على يقين أن نداء الفطرة والعقل سينتصر في النهاية، ثم اسألي نفسك هل لك شخصية مستقلة؟ وهل لك عقل وهوية؟! لا تتعجبي من سؤالي، فكم تمارس بعض الأخوات قتل شخصيتها وتأجير عقلها وبيع هويتها بتفاهات لا قيمة لها.
فماذا تقولين إذاً عن العشرات اللاتي يتهافتن وبجنون على ذلك الموديل، أو طريقة ذلك اللباس؟ لمجرد أن مطربة أو فنانة أو مذيعة لبست ذلك اللباس أو تلك الحركة، يقول الكثير من تجار الملابس: لا تتخيل حين تظهر إحدى المذيعات بأي فستان تجد الفتيات يتهافتن على المحل يسألن عن نفس الفستان، وإذا كان لدينا نفس الموديل نبيع كل الكمية في يوم واحد.
انتهى من مجلة المنار الكويتية.
بل إن من المضحك المبكي: أن نسمع من بعض تجار الملابس، أن بعض النساء يسألن وبإلحاح عن إحدى الملابس الداخلية لفنانة ما؛ لأنها ظهرت فيها بإحدى القنوات لتبرز مفاتنها، ولكثرة الطلب ارتفع سعر تلك القطعة إلى ثلاثة أضعاف قيمتها الأصلية!
فنانة نسي المكابر أنها كبهيمة جر البغاة خطامها
مشوارها الفني رحلة عَزَّة قد حكمت في عقلها أوهامها
ما الفن إلا خطة مشئومة نار يرى المستبصرون ضرامها
أخيتي! إن الحديث عن عالم الموضات والملابس والإكسسوارات غريب وعجيب، والأغرب والأعجب خفة العقل والطيش، وتبذير الأموال وقلة الحياء لدى بعض النساء، ومن مختلف الأعمار والطبقات.
ويعلم الله يأبى علي الحياء أن أذكر المواقف والأحداث التي سطرتها، أو حكتها بنات جنسك، أو أن أصف لك تلك الملابس العارية التي رأيتها بأم عيني، والخلاصة: من النقاب والبنطال والعباءة الفرنسية إلى اللثام، وكشف الوجه وإظهار الساقين والركبتين والكاب، والعباءة المطرزة والشفافة، إلى موضة اللف والغجري والثياب القصيرة والشفافة كالشيفون والدانتير والجوبير، والفتحات السفلية والعلوية والوسطى؛ لإظهار البطن والظهر أو الصدر، أو بدون أكمام، حتى أصبحت حفلات الأعراس وصالات الولائم والمناسبات والملاهي والتجمعات العائلية أماكن لعرض الأجساد العارية من قبل بعضهن، وإن كن قلة ممن بعن الحياء والدين، والمبادئ والعادات والتقاليد؛ لكنه مرة أخرى الشعور بالنقص والتقليد وضياع الشخصية وتعطيل العقل.
مسكينة تلك الأخت! تظن أنها تخطف نظرات الإعجاب والإطراء من الحاضرات، وما عملت أنها نظرات الاحتقار والازدراء والشفقة على قلة العقل والإيمان، إنه لباس الشهرة الذي قال عنه الحبيب ﷺ (من لبس ثوب شهرة ألبسه الله إياه يوم القيامة ثم ألهب بالنار) كما في السنن لـ أبي داود وهو صحيح.
ولم يقف العبث والجنون عند الملابس والإكسسوارات، بل تعداه إلى الصفات الخلقية، فقد قيل لي -ولعله ليس صحيحاً- عن تلك التي تحلق الحاجبين وتضع مكانه خطاً بالقلم الأسود، وتأخذ من رموشها لتضع الرموش الصناعية، وتضر عينيها من أجل العدسات الملونة، وتقص أظافرها لتضع أظفاراً صناعية، أو تقص شعر رأسها لتصله بعد ذلك بشعر مستعار، أو تقشر جلد وجهها ليكون أبيضاً ناصعاً، أسمعُ هذا القول مبهوتاً، فإن كان حقاً ما يقولونه كله أو بعضه فرحمة الله عليك! أخيتي أهذا صحيح؟! أيعقل هذا؟! ما رأيك هل أتركه بدون تعليق، أم أعلق وماذا سأقول؟! أظافر صناعية، شعر مستعار، رموش صناعية، عدسات لاصقة ملونة، وعمليات لتضخيم الشفاه، ورسم الحواجب، تكبير أو تصغير للصدر، وَشْمٌ وعمل حبة الخال، عمليات تجميل لا نهاية لها، أهو تجميل أم تزييف؟! أهو فن وذوق أم كذب وحمق؟ أهو انتكاس في الفطرة أو تبديل لخلق الله؟ أهو خفة في العقل أم تقليد أعمى؟ لقد حكاها القرآن نعم وربي! لقد حكاها القرآن على لسان إبليس فقال: ﴿وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء:١١٩] ولعنهن الله، فقال على لسان رسول الله ﷺ : (لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله) كما في صحيح البخاري ومسلم.
ويلعن الحبيب ﷺ (القاشرة والمقشورة والواصلة والموصولة) كما في المسند لـ أحمد، والقاشرة هي: التي تقشر وجهها أو وجه غيرها ليصفو لونها، واسمعيها أختي -وبدون مجاملة- إن من ينظر إليك بهذا الشكل الغريب عن طبيعتك يسخر بك ويزدريك، لقد أصبحت أضحوكة للحاضرات دون أن تشعرين، إنها الحيرة والازدواجية والتردد وضياع الهوية لدى الكثير من بنات المسلمين.
من أين هذا الزي ما عرفت أرض الحجاز ولا رأت نجد
هذا التبذل يا محدثتي سهم من الإلحاد مرتد
ضدان يا أختاه ما اجتمعا دين الهدى والفسق والصد
والله ما أزرى بأمتنا إلا ازدواج ما له حد
стр. 336
الحجاب بين الواقع والمأمول
أما الحجاب فإنه العبادة العظيمة، ونهر الحسنات الجاري ما تمسكت به الجواري، عزنا وفخرنا نحن المسلمين رجالاً ونساءً، أما الحجاب الذي نزل به الأمر من السماء فشرق به الأعداء، وغص به السفهاء، السلاح الذي هز الأرض وأرعب الغرب، أما الحجاب الذي جعل المرأة درة مصونة وجوهرة مكنونة، حتى جن جنون أهل النظرات الجائعة للظفر بنظرة ولو لبنان تلك اللؤلوة الثمينة الحجاب القضية الكبرى والمسألة العظمى التي جهلها بعض النساء، فظنت أن الأمر لباس يلبس، وأن لها الحرية في اختيار شكله! أو لها الحرية في نزعه! وغفلت أو تغافلت عن: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب:٥٩] ، ونسيت أو تناست ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ [النور:٣١] ثم عدد المحارم لها.
стр. 337
نساء السلف وحالهن مع الحجاب
هل سمعت لـ عائشة ﵂ وهي تقول: [رحم الله نساء المهاجرين الأول لما نزل: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور:٣١] شققن أزرهن فاختمرن بها] كما في صحيح البخاري، وهل جهلت أو تجاهلت قول عائشة: [كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزونا كشفناه] كما في مسند أحمد وأبي داود وابن ماجة، وقول فاطمة بنت المنذر: [كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات ونحن مع أسماء بنت أبي بكر الصديق] كما في الموطأ لـ مالك، هل قرأت أو تعاميت عن قول ابن عباس وعبيدة السلماني ﵄: [أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رءوسهن بالجلابيب ويبدين عيناً واحدة] انتهى كلامهما من تفسير الطبري.
إنها الدلائل البينات والبراهين الواضحات للمسلمات العاقلات اللاتي رضين بالله رباً وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ رسولاً، أما التي في قلبها مرض فقد أغلقت قلبها وسمعها عن نداء الكتاب والسنة (لقد تركت فيكم أمرين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي؛ كتاب الله وسنتي) كما قال الحبيب ﷺ وهو على فراش الموت! أيها الغيد! إنه الحجاب الأمر السماوي نزل من السماء وليس من فرنسا، عز وفخر لكل مسلم ومسلمة، إنه الإسلام الذي لا يتغير بتغير الحدود، ولا يهتز بركوب طائرة اتجهت للغرب أو للشرق، مسكينة تلك التي في الطائرة ركبت، وحجابها نزعت، وعن شعر رأسها حسرت، إنها الحضارة والتطور زعمت، وهي ليست بالطائرة فقط بل أصبحنا نراها وللأسف في الأسواق والمناسبات وإن كانت نشازاً.
стр. 338
توجيهات للمرأة المسلمة بشأن الحجاب
أختاه! من قال لك إنك لن تبلغي قمة المجد، ولن ترقي سلم الحضارة، ولن تحققي السعادة حتى تخوني الحجاب، وتكسرين الباب، وتصرخين ها أنا يا شباب؟! أختاه! من كان يعبد الله فإن الله معه في كل مكان يراه ويطلع عليه، ومن كان يعبد البلاد والعادات فهو التردد والحيرة وعدم الثبات.
أختاه وبكل صراحة! هل نريد شرع الله أم نريد اتباع أهوائنا؟ فقط تأملي في فتاة تضع على رأسها منديلاً فتهتز أكبر دولة في أوروبا، ألا تهزك هذه الحادثة؟! ألا تؤثر فيك؟ فقط تأملي فتاة صغيرة تمشي في وسط شوارع لندن بحجابها بكل ثقة وفخر.
ألا يدعوك هذا لتصحيح المفاهيم، وإعادة النظر في حياتك؟!
يا شعري ليلانا خرجت كاشفة اللبة والنحر
قصت بالوهم ظفائرها وانطلقت كالهائم تجري
بسمتها الصفراء بيان عن قبح البسمات الصفر
ليلانا ما عادت ترضى أن تلحق بذوات الخدر
ليلانا باعت طرحتها في سوق الوهم بلا سعر
غايتها أن تصبح وجهاً مصبوغاً يصلح للنشر
تركت شاطئها وانطلقت لعبور البحر بلا جسر
ألقت في البحر قلائدها وانتظرت عالمها السحري
أيتها المرأة! ماذا يعني لك الحجاب؟ أُسرُّ وأفرح -يعلم الله- كثيراً عندما أجاب (٩٤%) من فتيات الاستبانة أنه عقيدة ودين، و (٨٥%) يرفضن تماماً دخول الموضة في شكل الحجاب، و (١٨%) ينتقدن دخول الموضة في شكل الحجاب، ويراه حرية شخصية نحو (٢٠%) ، و (٥%) يرين أن الحجاب لا علاقة له بالدين وإنما هو من العادات والتقاليد، وقال: (٢%) أنهن يشعرن بالضيق معه، وكما أننا نفرح ونسر بتمسك الكثير من أخواتنا بالحجاب، وعدم المساومة عليه بحال من الأحوال، فإننا نحزن ونخاف ونحن نرى الحال الذي وصل إليه تخريق وتمييع الحجاب باسم الموضة والموديل.
متى تفهمين أيتها العفيفة أنها معركة الحجاب؟! هدفهم نزعه وإحراقه كما قال الصليبي غلادستون: لن يستقيم حال الشرق ما لم يرفع الحجاب من وجه المرأة ويغطى به القرآن.
ألا تثير فيك هذه الكلمات مشاعر التحدي والمسئولية؟ ألا تحرك فيك العزة والفخر بالعقيدة الإسلامية؟ ها هي البداية في تمييع الحجاب كلبس الحرير والرقيق والشفاف، والمزركش والملون ثم رفع النقاب واللثام، وعندها فقط يرفعون راية الانتصار، فهل تكوني أنت الجندي الجبان وبوابة الهزيمة؟! أبداً.
فثقتي فيك أكبر.
يا أخت فاطمة وبنت خديجة ووريثة الخلق الكريم الطيب
إن العفاف هو السماء فحلقي وبطيب أخلاق الكرام تطيب
فكوني شجاعة وقوليها بصراحة: حجابي عبادة أتقرب به إلى ربي، وهذه العبادة لها شروط: أن يكون ساتراً واسعاً متيناً، ليس فيه زينة ولا طيب ولا يشبه لباس الرجال، أو الكفار أو لباس شهرة، وإنما لباس ستر وعفاف، هذه شروط الحجاب الشرعي، والأدلة على هذا متظافرة في الكتاب والسنة، ليس هذا مقامها وهي في مظانها معلومة، والكلام عن الحجاب ولباس المرأة وعالم الموضات يطول، وحسبي ما ذكرت هنا للعاقلات.
стр. 339
ثالوث السعادة بين الوهم والحقيقة
يتوهم الكثير من الناس أن السعادة في (المال والشهرة والجمال) ثالوث السعادة -كما يقال- فاندفعن الكثير من الفتيات وراء بريقه وتسعى وراء تحقيقه، وربما غرها حصول الكثير من الشهيرات الجميلات الغنيات على هذا الثالوث، لكن هل وجدن السعادة الحقيقة؟! أيتها الفتاة! اسمعي الإجابة منهن نطقنها بألسنتهن وكتبنها بأيديهن، فهذه إحداهن كتبت رسالتها، من هي؟!! إنها مارلين مونرو، امرأة وصلت لحد الشهرة العالمية، اسمعيها في النهاية تقول: (احذري المجد، احذري كل من يخدعك بالأضواء، إني أتعس امرأة على هذه الأرض، لم أستطع أن أكون أماً، إني امرأة أفضل البيت والحياة العائلية على كل شيء، إن سعادة المرأة في الحياة العائلية الشريفة الطاهرة، بل إن هذه الحياة لهي رمز سعادة المرأة إلى آخر كلامها.
أخيتي! كوني فتاة عاقلة، استفيدي من تجارب الآخرين، اسمعي لأقوال بعض الفنانات التائبات، فهذه تقول: لأول مرة أذوق طعم النوم، قريرة العين، مطمئنة البال، مرتاحة الضمير.
وتلك تقول: لم أكن أحيا قبل أن يهديني الله، لقد عرفت الحياة الحقيقية بعد الهداية! وثالثة تقول: ما أحلى حلاوة الإيمان، وعلى من تذوقتها أن تدل الناس عليها، أشعر الآن بالأمان الحقيقي في ظل الإيمان! هؤلاء الممثلات وصلن للشهرة والمال وما تحلم به كثير من الفتيات، فهل وجدن السعادة؟! وهل وجدن الرضى والطمأنينة؟! أبداً والله، إلا بالإيمان حياة الروح وروح الحياة.
أيتها الأمل! إن السعادة أمامك وأنت تبحثين عنها، وطريقها سهل واضح لصاحبة الهمة والعزيمة، إنها في القرآن، ألم تقرئي في القرآن: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧] .
فالسعادة ليست بالمال والشهرة والسفر والطرب، إن الحياة الطيبة في الإيمان والعمل الصالح، هكذا أخبر الرحمن في القرآن.
أيتها الأمل! إن من أعظم أسباب السعادة: المحافظة على الصلاة؛ لأنها صلة بين العبد وربه، وحال الفتاة مع الصلاة حال يرثى لها ليس بتركها، فقد أجاب (٩١%) أنهن من المحافظات على الصلاة -والحمد لله- ولكن بإهمالها وتأخيرها عن وقتها ونقرها كنقر الغراب وعدم الطمأنينة فيها، وهذه كلها من أسباب ردها وعدم قبولها، فقد تقدمين على الله وليس لك منها ركعة، ومتى تشعرين بقيمة الصلاة وأهميتها لحياتنا؟ فأنت تعلمين أنك ضعيفة وعرضة للأمراض والعاهات، وتحتاجين ولا شك لخالقك أن يحفظك ويشفيك ويوفقك، وأنت تبحثين أيضاً عن السعادة والراحة النفسية وتشترينها بمال الدنيا كلها.
ولو ألقيت نظرة على العيادات النفسية وأماكن قراءة الرقى الشرعية؛ لوجدت عجباً من حالات الاكتئاب والضيق والهموم والغموم.
النبي ﷺ يقول: (الصلاة نور) فهي نور للقلوب والوجوه والله تعالى يقول ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤] فهل بعد هذا كله نقطع الصلة بصلاتنا، أو نتهاون فيها وهي مصدر سعادتنا في الدنيا والآخرة؟! اسألي نفسك أخيتي! كم هي الصلوات التي خشع فيها قلبك له؟!! كم دمعت فيها عيناك خوفاً من الله؟! وكم هي اللحظات التي اقشعر فيها جلدك من خشية الله؟! إنها الصلاة مفتاح السعادة من حافظ عليها فهو على خير مهما وقع منه.
آه من قسوة قلوبنا ويا لله ما أشد غفلتنا! وإلا فكم قد سمعنا عن تلك التي اشتعل عليها قبرها ناراً! والتي انقلب بياضها سواداً! والتي جحظت عيناها ونتنت ريحها وثقلت جثتها! وهذه كلها صور لسوء الخاتمة لمن تهاونت بالصلاة وأخرتها عن وقتها، فكيف حال من تركها، نسأل الله العفو والمغفرة وحسن الخاتمة.
стр. 340
صديقات الشر والسوء
أعتذر إليك أيتها العفيفة! فما قادني لهذا العنوان إلا ما نسمعه عن بعض الصديقات مع الزميلة، فهي تدلها كل صباح على كل شر، فمرة خذي هذا الرقم وجربي، ولا تكوني معقدة ومتخلفة، وهي مجرد تسلية، ومرة انظري لصورة هذا الشاب، كم هو جميل، هل تحبين أن تكلميه؟ ثم بعدها: هل تحبين أن تقابليه؟ ومرة خذي هذه الهدية، شريط غناء أو فيلماً أو مجلةً ساقطة، ومرة دعوة على مأدبة الدش الفاضح، أو التسكع في الأسواق، أو استراحة الراقصة، أو مناسبة آثمة وهكذا.
هكذا انتهت الدلالة على الفساد بوسائله، علمت أو لم تعلمي، أصبحت مفتاحاً للشر، هي مفتاح للشر كل يوم وكل صباح وربما في محاضن التعليم وللأسف.
عجباً لك يا ابنة الإسلام! كيف تستخدمين صلة العلم التي هي أشرف الصلات وأكرمها في المدارس والكليات لتبادل الأرقام والأفلام؟! كيف تجرأت على القلم الذي هو أفضل أداة للخير، وأعظم وسيلة للفضيلة، وواسطة للآداب والكمال، فخططت به الأرقام ورسائل الحب والغرام ونشر الحرام؟! ألم تسمعي للحبيب ﷺ يقول (ويل لمن كان مفتاحاً للشر مغلاقاً للخير) .
فيا ويلك من الله! هل تستطيعين أن تتحملي وزرك لوحدك يوم حملت أوزار الأخريات؟! أنا على يقين أنك لم تقفي وتفكري بقول الله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل:٢٥] .
اسألي نفسك الآن: كم فتاة كنت السبب في دلالتها على الضلال؟ فبادري بالتوبة واستغفري وكفري بالدلالة على الخير ووسائله، والتحذير من الشر وأبوابه قبل فوات الأوان، فيكفيك ذنبك وضعفك.
أيتها الفتاة الطيبة! فتشي في صداقاتك، واحذري رفيقات السوء، فإنهن لا يقر لهن قرار، ولا يهدأ لهن بال، حتى تكوني مثلهن وأداة طيعة في أيديهن، إما لكراهيتهن امتيازك عنهن بالخير، وإما حسداً لك، فإن الله تعالى أخبر عن المنافقين فقال: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء:٨٩] وقال عثمان ﵁: [ودت الزانية لو زنا النساء كلهن] .
فإياك وقطاع الطريق إلى الآخرة اللاتي يصددن عن ذكر الله كما قال الله: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف:٢٨] .
اعلمي أخيتي! أن رفقة السوء بداية كل شر، وهي النقطة الأولى للانحراف والضياع، فكم من الفتيات هلكن بسببهن، وكانت النهاية فضائح وسجون، وهل ينفع حينها الندم؟! بل هل ينفع الندم يوم القيامة عندما تقولين: ﴿يَا وَيْلَتِى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً﴾ [الفرقان:٢٨] لماذا وهي صاحبة الشِلل والجلسات؟! لماذا وهي صاحبة المرح والمزاح؟! فتأتي الإجابة: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنْ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولاً﴾ [الفرقان:٢٩] نعم.
لأنها ما أعانتني يوماً على ذكر الله، بل كلما انتبهت أو تذكرت، أو نصحني ناصح سخرت مني واستهزأت، نسأل الله أن يحفظ بنات المسلمين أجمعين.
أيتها الأخوات أبشركن أن: (٨٥%) من فتيات الاستبانة قلن: نعم نفكر في طريق الاستقامة، وذكر (١١%) أنهن مترددات، ولم يقل (لا) سوى (٤%) ، وقال (٨٢%) بأن الشخصية المستقيمة ممتازة، وأتمنى أن أكون مثلها.
فأقول: لم لا تتحول الأمنية إلى حقيقة؟ ما الفرق بينك وبين تلك المستقيمة؟ إلى متى وأنتن تحرمن أنفسكن السعادة والراحة؟ ما الذي يمنعكن من الاستقامة.
أجاب (٦٠%) هوى في النفس، و (١١%) البيت والأسرة، و (١٠%) الصديقات وغيرها من الأسباب.
وأقول: كل هذه الأسباب هي كبيت العنكبوت أمام الهمة والعزيمة الصادقة.
стр. 341
دعوة لمراجعة النفس ومحاسبتها
أخيتي! استعيني بالله ثم بصحبة الصالحات، واصدقي مع الله وألحي عليه بالدعاء، ومن يحول بينك وبين التوبة بعد ذلك.
اعلمي أن أعظم دلالات صدق التوبة الندم، إي والله الندم الذي يجعل القلب منكسراً أمام الله وجلاً من عذاب الله، هل سمعت يا أختاه قصة الغامدية العجيبة؟ أصلها في صحيح مسلم، فاسمعي لهذه المرأة المؤمنة، لقد زنت، نعم.
أخطأت وغفلت عن رقابة الله للحظات، لكن حرارة الإيمان وخوفها من الرحمن أشعلت قلبها، وأقضت مضجعها، فلم يهدأ بالها ولم يقر قرارها.
عصيت ربي وهو يراني كيف ألقاه وقد نهاني
﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٣٢] .
حَرُّ المعصية تأجج ناراً في قلبها وأقلقها كبر الكبيرة في عينها
وقبح الفاحشة يستعر في صدرها حتى لم تقنع بالتوبة بينها وبين ربها، فقالت: أصبت حداً فطهرني عجباً لها ولشأنها هي محصنة، وتعلم أن الرجم بالحجارة حتى الموت هو حدها، فينصرف عنها الحبيب ﷺ يمنة ويسرة ويردها، وفي الغد تأتي لتقدم له الدليل على فعلها، لم تردني؟! لعلك أن تردني كما رددت ماعزاً!؟ فو الله إني لحبلى من الزنا، فقال لها: اذهبي حتى تلدي، فيا عجباً لأمرها، تمضي الشهور والشهور ولم تخمد النار في قلبها فأتت بالصبي في خرقة تتعجل أمرها، ها قد ولدته فطهرني، عجباً لها، قال: اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه، واهاً لها سنة! سنتان! ولم يطفأ حرها، فلما فطمته أتت بالصبي وفي يده كسرة خبز دليلاً لها، وقالت: قد فطمته، وأكل الطعام برهانها، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها، فحفر لها إلى صدرها وأمر الناس برجمها، فيقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها، فتنضح الدم على وجه خالد فسبها، فسمع نبي الله ﷺ سبه إياها، فقال: (مهلاً يا خالد، فو الذي نفسي بيده! لقد تابت توبة لو تم قسمها على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم) ثم أمر بها فصلى عليها ودفنت أفلا نعجب من حالها حولين كاملين وحرارة المعصية تلسع فؤادها وتحرق قلبها، وتعذب ضميرها، فهنيئاً لها إنه الخوف من ربها.
من لم يبت والحب حشو فؤاده لم يدر كيف تفتت الأكباد
إنها قصة عجيبة تعلمنا أن كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون، لكنها التوبة الصادقة من القلب الصادق.
وأنت أخيتي مسلمة عربية لك عادات وتقاليد ومن مجتمعات محافظة، فمهما حاولت التمرد على كل هذا، نعم مهما ابتعدت، حتى ولو تركت الصلاة، حتى لو أفطرت في نهار رمضان، ولو خلعتِ جلباب الحياء والعفة، ولو استرجلت، فإنك أبداً لا يمكن أن تقتلي بذرة الخير في نفسك، فهي تنازعك وسيبقى نداء الفطرة يناديك من أعماق النفس، وستبقى بذرة الأنوثة برقتها وطيبتها.
فكم من فتاة طيبة القلب فيها حب لله ولرسوله، نشأت في أسرة صالحة وبين أبوين صالحين، لكن بريق الدنيا وزيف الفن والغناء والطرب والتحضر والموضات أخذها بعيداً عن ربها ودينها؟! إن في الدنيا فتناً كثيرة تعصف بقلوب فتياتنا، تلك القلوب البريئة البيضاء، فكم في قلوب بناتنا من الخير، وها هي تمد يدها وتصرخ بفيها فمن يأخذ بيدها؟! إلى من تلجأ؟! وأين تذهب؟! أخيتي! ليس لك إلا هو، نعم.
والله ليس لك إلا الله، إنه الله الرحيم اللطيف، إنه السد المنيع حصن الإيمان والأخلاق فقوليها ولا تترددي: (اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم) قوليها من قلب تراكمت عليه الهموم والغموم (اللهم إني ظلمت نفسي كثيراً فإن لم تغفر لي وترحمني لأكونن من الخاسرين) قوليها بصدق لتنظفي عنه ظلم المعاصي والغفلة، فقد أخبر الحبيب ﷺ بقوله: (إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، وإن زاد زادت حتى يعلو قلبه ذلك الران الذي ذكر الله في القرآن: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤] ) .
فهل تغسلين عن قلبك هذا الران، لتذوقي بصدق صفاء الإيمان والحب الحقيقي للرحمن، أم أنك تترددين وتضعفين من أجل نزوة وشهوة؟!
لا لا أخالك تفعلين وبين جنبيك اعتراف مقصر متندم
فلأنت أسمى من سفاسف نزوة ولك المكانة بين تلك الأنجم
ولأنت أكبر من غواية حاسد يرميك في نزق فيدميك الرمي
فتفطني للمكر كي لا تقرعي في الناس كالكسعي سن تندم
وتسنمي عرش العفاف فإنه عز به تحلو الحياة وتسلمي
أختاه قولي لنفسك حدثيها وحاسبيها وصدقيها:
يا نفس ويحك قد أتاك هداك أجيبي فداعي الحق قد ناداك
كم قد دعيت إلى الرشاد فتعرضي وأجبت داعي الغي حين دعاك
قولي لها يا نفس إلى متى؟ أما آن لك أن ترعوي؟ أما آن لك أن تنزجري؟ أما تخافين من الموت فهو يأتي بغتة؟ أما تخشين من المرض فالنفس تذهب فلتة؟ أختاه أخبريني! لو أن ملك الموت أتاك ليقبض روحك، أكان يسرك حالك وما أنت عليه؟! أختاه! كيف بك لو نزل بجسمك عاهة، فغيرت جمالك وبهجتك؟! أختاه! إن للموت سكرات، وللقبر ظلمات، وللنار زفرات، فاسألي نفسك ماذا أعددت لها؟!! أختاه! إنها الحقيقة لا مفر منها فإن الله يقول: (وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧] فلماذا أصبح نصيبك أنت كله للدنيا؟! لماذا نسيت الآخرة؟!! لماذا نسيت الجنة وما فيها من نعيم وخضرة، وأنهار وقصور وجمال وخمر، وغناء وفيها مالا يخطر على القلب؟!! أخيتي الغالية! الهوى يقسي القلب، فكرري المحاولات، أكثري الاستغفار والتوبة، حاولي جاهدي واصبري ولا تيأسي ولا تستعجلي النتائج، فإن لهذه المحاولات المتكررة آثار ستجدينها ولو بعد حين.
أخيتي الغالية! ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ﴾ [الحديد:١٦] قولي: بلى والله لقد آن، قولي: كفاني ذنوباً وعصيان، قوليها قبل فوات الأوان، فرغي قلبك من الشهوات ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً * يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً﴾ [النساء:٢٧-٢٨] .
انتصري على نفسك الضعيفة، ولا تستجيبي لدعاة الرذيلة، واستعيذي بالله من الشيطان الرجيم، ارجعي إلى قلبك، توبي إليه، انهضي فتوضئي وصلي ركعتين، ابكي على ذنوبك وتقصيرك في حق ربك، اسمعي للبشارة من الغفور الرحيم: ﴿إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الفرقان:٧٠] ما أعظمها من بشارة، كل الذنوب تبدل حسنات، فما الذي تنتظرين؟! فهيا أبدلي الانحراف بالاستقامة، والأغاني بالذكر والتسبيح، وسارعي لحلق القرآن، وانكسري بين يدي الله، وأظهري له الذل والخضوع وانثري له الدموع، رددي وقولي:
يا إلهي يا إلهي جاء بي حر ذنوبي
جاء بي خوف مصيري
ساقني يا رب تأنيب ضميري
ألهبت قلبي سياط الخوف من يوم رهيب
كادتا عيناي أن تبيض من فرط نحيبي
آه يا مولاي ما أعظم حوبي
يا إلهي أنا سافرت مع الشيطان في كل الدروب
غير درب الحق ما سافرت فيه
كان إبليس معي في درب تيه
يجتبيني وأنا يا لغبائي أجتبيه
كان للشيطان من حولي جند خدعوني غرروا بي
وإذا فكرت في التوبة قالوا لا تتوبي
ربنا رب قلوبي
آه يا مولاي ما أعظم حوبي
غرني يا رب مالي وجمالي وفراغي وشبابي
زين الفجار لي حرق حجابي
يا لحمقي كيف قصرت ومزقت ثيابي؟!
أين عقلي حينما فتحت للموضة شباكي وبابي؟!
أنا ما فكرت في أخذ كتابي بيميني أو شمالي
أنا ما فكرت في كي جباه وجنوب
آه يا مولاي ما أعظم حوبي
يا إلهي أنا ما فكرت في يوم الحساب
حينما قدمني إبليس شاة للذئاب
يا لجهلي كيف أقدمت على قتل حيائي؟!
وأنا أمقت قتل الأبرياء
يا إلهي أنت من يعلم دائي ودوائي
يا إلهي اهد من سهل لي مشوار غيي
فلقد حيرني أمر وليي
أغبي ساذج أم متغابي
لم يكن يسأل عن سر غيابي
عن مجيئي وذهابي
لم يكن يعنيهما نوع حجابي
كان معنياً بتوفير طعامي وشرابي
يا إلهي جئت كي أعلن ذلي واعترافي
أنا ألغيت زوايا انحرافي
وتشبثت بطهري وعفافي
أنا لن أمشي بعد اليوم في درب الرذيلة
جرب الفجار كي يردونني كل وسيلة
دبروا لي ألف حيلة
فليعدوا لقتالي ما استطاعوا فأمانيهم بقتلي مستحيلة
يا إلهي يا مجيب الدعوات
يا مقيل العثرات
اعف عني فأنا عاهدت عهد المؤمنات
أن تراني بين تسبيح وصوم وصلاة
أيتها الفتاة! وبعد هذا كله كوني شجاعة واتخذي القرار ولا تترددي، كوني ممن وصفهن الله فقال: ((
стр. 342
المحرومون
إذا سولت لك نفسك اتباع شهواتها فانظر إلى أحوال من سبقوك إليها: فكم أبكت هذه المغريات من عين! وكم أدمت من قلب! وكم خلفت من أنين لأشخاص كواهم لهيبها ولو أصغت السمع لسمعتْ: ضياع لعب حيرة شهوات رغبات ضحك تيه سهرات إلى متى؟ إنها شهوات حيوانية، فمن يخصلنا؟! ثم إذا اطلعت على أرصدتهم تجد لسان حالهم يقول: خسرت الجنة! خسرت السعادة! خسرت الراحة! اشتريت النار! واحسرتا! نحن المحرومون، فهل من فرصة للعمل والتعويض عما فات؟!
стр. 343
أحوال المحرومين
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: أيها الأحبة في الله! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ينعقد هذا المجلس في ليلة السبت الموافق للحادي عشر من الشهر السادس للعام (١٤١٦هـ) وموضوع هذا اللقاء بعنوان: المحرومون.
وعفواً أيها الأحبة! وأعتذر أيضاً للأخوات، فلا نجزع من كلمة (محروم) بالرغم من قساوتها، فالكثير منا يشعر بالحرمان، وينال الإنسان من الحرمان بقدر بعده عن طاعة الله، وسأوجه خطابي إلى المحرومين، وسأنادي المحرومين كثيراً فلا نجزع؛ فقد يكون المحروم أنا وقد تكون أنت، وقد يكون فلاناً أو فلانة، وقد نكون جميعاً، فالحرمان يتفاوت من شخص لآخر، ويختلف باختلاف الأحوال والأشخاص.
فقد تحرم الراحة والسعادة، وقد تحرم لذة السجود والركوع، وقد تحرم قراءة القرآن وتدبر آياته، وقد تحرم كثرة الذكر والاستغفار، وقد تحرم لذة الخشوع والبكاء من خشية الله، وقد تحرم بر الوالدين والأنس بهما، وقد تحرم لذة الأخوة في الله، وقد تحرم السعادة الزوجية، وقد تحرم أكل الحلال ولذته، وقد تحرم التوبة والندم على ما فات.
وقد تحرم حسن الخاتمة.
فيا أخي الحبيب! ويا أختي الغالية! قد نحرم هذه الأمور كلها، وقد نحرم الكثير منها، وقد نحرم القليل، والسعيد من جمعها ووفق إليها وقليل ما هم، فإن كنت منهم فاذكر نعمة الله عليك واشكره، واعلم أن من تمام شكره النصح والتوجيه للمسلمين، فلا تحرم نفسك أجر التبليغ، فالدال على الخير كفاعله.
إذاً: فقد يصيبك من الحرمان ولو القليل، فاحتمل خطابي واحتمل مناداتي لك بـ (يا أيها المحروم!) فإنما قصدت بها الشفقة والرحمة والحب والنصح، وأعوذ بالله أن أكون من الشامتين، فأنا أول المحرومين، أسأل الله أن يحيينا حياة طيبة، وأن يتوب علينا توبة صادقة.
كثير ممن ظاهرهم الصلاح محرومون، فهم لم يذوقوا حلاوة الإيمان ولا حقيقة الهداية والاستقامة، فليست الاستقامة أشكالاً ومظاهر، بل هي أعمال وسرائر.
وأنتم أيضاً يا أصحاب المناصب وأهل المال والتجارة! ويا كل مهندس وطبيب وكاتب! أقول لكم جميعاً: أحسنتم يوم سهرتم وعملتم ونجحتم، ولا شك أنكم جميعاً من صناع الحياة، ومن أصحاب الأيادي البيضاء؛ لكن ما هو رصيدكم من السعادة والراحة وانشراح الصدر؟ ما حقيقة الصلة بينكم وبين الله؟ ما هو نصيبكم من حلاوة الإيمان، ولذة السجود والمناجاة، ولذة الدمعة من خشية الله ؟ إذاً: فقد يكون لكم نصيب من الحرمان، فاسمعوا يا رعاكم الله! هذه الكلمات، وإذا كان هذا هو واقع بعض الصالحين والجادين العاملين، فكيف بحال الغافلين اللاهين؟! فمن الناس من كسب الدنيا والآخرة -نسأل الله أن نكون منهم- ومنهم من كسب الدنيا وضيع الآخرة، ومنهم من ضيع الدنيا والآخرة، وهؤلاء هم المحرومون حقاً.
يحدثني أحدهم: أنه لم يركع لله ركعة، ولم يشعر بلذة الصيام يوماً من الأيام، وأنه لا يعرف عن رمضان سوى السهر والمعاكسات والنوم بالنهار.
ويهمس لي آخر عن أحواله وأحوال أصحابه وجلساتهم في الليل وما يدور فيه من الخنا والفساد والضياع.
وقال آخر: إنه يجلس الساعات، بل الليالي ينتقل من قناة إلى قناة لقضاء الفراغ وقتل الوقت -كما يقول- يقول عن نفسه: والحق أنني أبحث عن الشهوة وتلبية رغبات النفس الأمارة، فإذا انتهيت شعرت بندم وضيق وهم لا يعلمه إلا الله، ولا أدري إلى متى سأظل على هذه الحال من قتل العمر وتضييع الأيام، يقول: أضعت نفسي ورجولتي وإيماني ووظيفتي، وباختصار: إنني أعيش بدوامة التعاسة والشقاء، وإن كنت في الظاهر في سعادة وهناء إلى آخر ما قال.
قلت في نفسي: صدق الله يوم أن قال: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً﴾ [طه:١٢٤] .
ويصارحني آخر ودمعته تسيل على خده فيقول: إنكم مسئولون عنا أمام الله، أدركوا الشباب، مخدرات أفلام معاكسات سهر وغناء، ولواط وزنا، ثم يجهش في البكاء -هذه حاله والله العظيم- ويضع وجهه بين يديه وهو يقول: لقد فكرت بالانتحار عدداً من المرات! وكتب إلي أحدهم رسالة طويلة، قال في مقدمتها: قضية الشباب قضية كبيرة ومهملة وللأسف، مهملة من الجميع إلا ما شاء الله، فلا أدري من أين أبدأ في مشاكلهم المعاصرة، هل أبدأ بتضييعهم لأوقاتهم وأموالهم أو لأنفسهم أو لأمتهم.
ثم عدد بعض أسرار الشباب إلى أن قال: هذا فيض من غيض مما يدور في أوساط الشباب من الفساد والإفساد، فضلاً عن حلق اللحى وسماع الغناء وإسبال الثياب وتبادل الأشرطة والأفلام المدمرة، وشرب الدخان ولعب الورق وتبادل أرقام الهواتف، وسباب ولعان وغيبة ونميمة وكذب، ناهيك عن ترك الصلاة، وإني بمقامي هذا -والكلام ما زال له- وإني بمقامي هذا بعد إذ نجاني الله من شبكة أعداء الإسلام التي ينصبونها لأبناء هذه الأمة وليس الخبر كالمعاينة، أقول: هذا واقع الشباب فاذهبوا وشاهدوا العجائب إلى آخر رسالته.
وحدثتني بعض الأخوات، فتبين لي العجب من الضياع والحرمان الذي تعيشه بعض بنات المسلمين وللأسف.
تقول إحداهن وقد كانت غافلة عابثة بالهاتف: أنا أعيش في محنة كبيرة شديدة لا يعلمها إلا الله، فأنام وأصحو وأنا أبكي، وقلبي يكاد يتقطع، أحس أن الدنيا ضيقة، أبكي في كل وقت وأخاف أن يكون ذلك الإحساس بضيق الدنيا قنوطاً أو يأساً من رحمة الله وأنا لا أريد ذلك، تقول: فأنا أريد أن أحقق صدق توبتي بالصبر والثقة بالله والتوكل عليه والاستعانة به، والثقة بأنه سينجيني من تلك المعصية، ويغفر لي ويعوضني خيراً، وحتى لحظة كتابتي هذه الكلمات أبكي من شدة ما أجد من ألم وتعب وضيق؛ لأن كل شيء يذكرني بالماضي، ولا أجد الراحة والاطمئنان إلا في الصلاة والدعاء وتلاوة القرآن، وهذه من الصعوبات التي تواجهني في هذه الفترة، وأسأله تعالى أن يغفر ذنوبي فقد فرطت في جنب الله وتهاونت في المعصية إلى أن قالت: كنت أقول في نفسي: أمعقول أن يوجد من يتوب ويرجع إلى الله بسبب محاضرة واحدة أو شريط واحد أو موقف بسيط، فالحمد لله، وأسأله أن لا يزيغ قلبي بعد إذ هداني وقد هداها الله بسبب حضورها لمحاضرة لإحدى الأخوات في كليتها إلى آخر قصتها من رسالة لطيفة بعنوان: دموع ساخنة من فتاة عائدة.
стр. 344
هدية إلى المحرومين
أهدي هذا الموضوع (المحرومون) إلى المحرومين من نعمة الإيمان، الفاقدين حلاوته وأنسه وطعمه.
أهديه إلى المحرومين من لذة الدمعة والبكاء خشيةً وخوفاً من الله.
أهديه إلى المحرومين من لذة السجود ومناجاة علام الغيوب.
إلى المحرومين من لذة قراءة القرآن وتدبر آياته وتذوق معانيه.
إلى المحرومين من لذة الأخوة والحب في الله.
إلى المحرومين من بركة الرزق وأكل اللقمة الحلال.
إلى المحرومين من بركة العمر وضياعه في الشهوات واللذات.
إلى المحرومين من انشراح الصدر وطمأنينته وسعادته.
إلى المحرومين من بر الوالدين والأنس بهما، والجلوس إليهما.
وجماع ذلك كله أقول: أهدي هذا الموضوع إلى المحرومين من الاستقامة والطاعة والالتزام.
إلى أولئك الذين أصابتهم الوساوس والشكوك، واستبد بهم الأسى والشقاء، واجتاحهم القلق والظلام، ونزلت بهم الهموم والغموم.
إلى الذين حرموا زاد الإيمان ونور الإسلام.
إلى البائسين ولو عاشوا في الرغد والنعيم.
إلى الذين حرموا نعمة الإيمان، لقد فقدتم كل شيء، وإن وجدتم المال والجاه.
إلى الذين حرموا لذة الاطمئنان وبرد الراحة.
لقد فقدتم كل شيء وإن ملكتم الدنيا بأسرها.
إلى الذين حرموا السعادة والأنس، وأضاعوا الطريق.
إلى أولئك جميعاً أقول: اسألوا التائبين يوم ذاقوا طعم الإيمان، يوم اعترفوا بالحقيقة، والله ثم والله ما رأيت تائباً إلا وقالها، ولا نادماً إلا وأعلنها، صرخات متوجع وزفرات مذنب وآهات نادم، اختصروها بكلمات فقالوا: نشعر بالسعادة لحظات، وقت الشهوة فقط، وعند الوقوع في المعصية واللذة، وبعدها قلق وحيرة وفزع واضطراب، وضياع وظلام وشكوك وظنون، وبكاء وشكوى، وعُقَد وأمراض نفسية، وصدق الله يوم أن قال: ﴿فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ [طه:١٢٣] .
إذاً: فهو في أمان من الضلال والشقاء، متى؟ بالهداية، بالاستقامة، باتباع هدي الله، والشقاء ثمرة الضلال، ولو كان صاحبه غارقاً في متاع الدنيا بأسرها، فما من متاع حرام إلا وله غصة تعقبه وضيق يتبعه، ولذلك قال الله بعد هذه الآية مباشرة: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً﴾ [طه:١٢٤] .
قال ابن كثير: أي: في الدنيا، فلا طمأنينة له، ولا انشراح لصدره، بل صدره ضيق حرج لضلاله، وإن تنعم ظاهره ولبس ما شاء وأكل ما شاء وسكن حيث شاء، فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى فهو في قلق وحيرة وشك، فلا يزال في ريبة يتردد، فهذا من ضنك المعيشة.
انتهى كلامه ﵀.
فإلى المحرومين لماذا أعرضتم عن ذكر الله؟ لماذا حرمتم أنفسكم سماع المواعظ ومجالس الذكر؟ تدعون فلا تأتون، وتنصحون فلا تسمعون، تغفلون أو تتغافلون، بل ربما تسخرون وتهزءون؛ ولكن اسمعوا النتيجة، اسمع للنهاية المرة، اسمعي للنهاية التي لا بد منها، قال الحق : ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً﴾ [طه:١٢٤] هذا في الدنيا، أما في الآخرة: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٤-١٢٦] .
فنسيتها أعرضت عنها أغفلتها تناسيتها إذاً: فالجزاء من جنس العمل، وكما تدين تدان ﴿وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٦] .
﴿فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ [الأعراف:٥١] ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ [السجدة:١٤] .
﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمْ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة:٦٧] .
стр. 345
أيها المحرومون
أيها المحرومون لماذا نسيتم لقاء ربكم؟ لماذا هذا الإعراض العجيب؟! إنكم حرمتم أنفسكم، فحرمتم السعادة والراحة والاستقرار النفسي، لماذا نسيتم وتناسيتم ما قدمت أيديكم؟ لماذا غفلتم؟ ولماذا غفلنا عن المعاصي والذنوب؟ اسمع لقول الحق : ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ [الكهف:٥٧] .
ونسي ما قدمت يداه أين النفس اللوامة؟ أين استشعار الذنب؟ أين فطرة الخير؟ أين القلب اللين الرقيق؟ أين الدمعة الحارة؟ اسمعوا وعوا: ﴿إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ [النبأ:٤٠] .
يقسم بعض التائبين -كما أسلفت- أنه ما ركع لله ركعة، وما سجد لله سجدة، فأي حرمان بعد هذا الحرمان؟! أي حرمان بعد هذا الحرمان؟!!
عفوك اللهم عنا خير شيء نتمنى
رب إنا قد جهلنا في الذي قد كان منا
وخطينا وخطلنا ولهونا وأسأنا
إن يكن رب خطئنا ما أسأنا بك ظنا
فأنلنا الختم بالحسـ ـنى وإنعاماً ومنا
أيها المحرومون! لا راحة للقلب ولا استقرار إلا في رحاب الله، إلا في الهداية، إلا في الاستقامة والالتزام بأوامر الله، يتصور بعض المحرومين والمحرومات أن الراحة والسعادة في المال والمنصب والسفر إلى الخارج.
ذكرت جريدة الشرق الأوسط بتاريخ ٢١/٤/١٤١٥هـ نقلاً عن مذكرات زوجة الرئيس الأمريكي السابق (جورج بوش) ، قالت: إنها حاولت الانتحار أكثر من مرة، وقادت السيارة إلى الهاوية تطلب الموت، وحاولت أن تختنق للتخلص من همومها وغمومها.
ويذكر التاريخ لنا أن علي بن المأمون العباسي، ابن الخليفة، كان يسكن قصراً فخماً وعنده الدنيا مبذولة ميسرة، فأطل ذات يوم من شرفة القصر فرأى عاملاً يكدح طيلة النهار، فإذا أضحى النهار توضأ وصلى ركعتين على شاطئ دجلة، فإذا اقترب الغروب ذهب إلى أهله، فدعاه يوماً من الأيام فسأله، فأخبره أن له زوجة وأختين وأماً يكدح لهن، وأنه لا قوت له ولا دخل إلا ما يتكسبه من السوق، وأنه يصوم كل يوم ويفطر مع الغروب على ما يحصل، قال ابن الخليفة: فهل تشكو من شيء؟ قال العامل: لا، والحمد لله رب العالمين، فترك ابن الخليفة القصر، وترك الإمرة وهام على وجهه ووجد ميتاً بعد سنوات عديدة، وكان يعمل في الخشب جهة خراسان.
فيا سبحان الله! من الإمارة إلى النجارة، لأنه وجد السعادة في عمله هذا، ولم يجدها في القصر.
стр. 346
أنواع المحرومين
стр. 347
محرومون من لذة الصلاة
إن من المحرومين من قال الله عنهم: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ [مريم:٥٩] فأي حرمان بعد إضاعة الصلاة؟ أقسم لي شاب: إنه لم يسجد لله سجدة إلا مجاملة أو حياء.
فأقول: أيها المحروم! إنه الكفر والضلال: (إن العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر) كما عند الترمذي والنسائي وأحمد والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة) كما عند مسلم في صحيحه.
مسكين أنت أيها المحروم! يوم أن قطعت الصلة بينك وبين الله، إنها مفتاح الكنز الذي يفيض سعادة وطمأنينة، إنها اللمسة الحانية للقلب المتعب المكدود، إنها زاد الطريق، ومدد الروح، وجلاء القلوب، إن ركعتين بوضوء وخشوع وخضوع كفيلتان أن تنهي كل هذا الهم والغم والكدر والإحباط.
إن من أسباب سعادة المؤمنين ما أخبر الله عنه بقوله: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾ [الإسراء:١٠٩] .
وقوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩] .
من أجمل لحظات الدنيا وأسعدها يوم أن يسجد العبد لمولاه؛ يدعوه ويناجيه يخافه ويخشاه قيام وسجود، وبكاء وخشوع، فيتنور القلب، وينشرح الصدر، وتشرق الوجوه، قال : ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح:٢٩] .
أما المحروم فظلام القلب، وسواد الوجه، وقلق في النفس، هذا في الدنيا، وفي الآخرة يقول الله عنهم: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم:٤٢-٤٣] حرموا من السجود في الآخرة؛ لأنهم كانوا يدعون إلى السجود في الدنيا فيتشاغلون ويتكبرون ويسخرون، أي فلاح وأي رجاء وأي عيش لمن انقطعت صلته بالله، أو قطع ما بينه وبين وليه ومولاه الذي لا غنى له عنه طرفة عين؟! فلا تعلم نفس ما في هذا الانقطاع من أنواع الآلام والعذاب.
مسكين أيها المحروم! كيف تريد التوفيق والفلاح، والسعادة والنجاح، وأنت لا تصلي، قد قطعت الصلة ما بينك وبين الله؟! اسمع لقول الله : ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة:٤٥] واسمع لقول الحق : ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:١-٢] سجود المحراب، واستغفار الأسحار، ودموع المناجاة سيماء يحتكرها المؤمنون، ولئن توهم المحروم جناته في الدينار والنساء والقصر المنيف، فإن جنة المؤمن في محرابه.
إن من المحرومين من إذا ذُكِّر بالصلاة سخر واستهزأ، وفي هؤلاء يقول الحق : ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة:٥٨] ويقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين:٢٩] أي: في الدنيا ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ [المطففين:٣٠] ولكن السعيد من يضحك في النهاية، ولذلك قال الله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين:٣٤] .
إن المتهاون بالصلاة حرم خيراً كثيراً، وقد قال ﵌: (من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاةً يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له برهان ولا نور ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وهامان وفرعون وأُبي بن خلف) والحديث أخرجه أحمد والدارمي وقال الهيثمي في المجمع: رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط ورجال أحمد ثقات، وقال المنذري: إسناده جيد، قلت: فيه رجل لم يوثقه إلا ابن حبان.
أيها المحروم! حرمت نفسك أجمل لحظات الدنيا؛ لحظات السجود وتمريغ الجبين للرب المعبود، حرمت نفسك أعظم اللذات، لذة المناجاة، لذة التذلل والخضوع، إنك تملك أغلى شيء في هذا الوجود، تملك كنزاً من كنوز الدنيا! الصلوات الخمس، الثلث الأخير من الليل، ساعات الاستجابة اسأل المصلين الصادقين، اسألهم ماذا وجدوا، اسألهم ولا تتردد، سيجيبونك بنفوس مطمئنة راضية ذاقت حلاوة الدنيا وأجمل ما فيها، سيقولون: أكثر الناس هموماً وغموماً وكدراً المتهاونون المضيعون للصلاة.
стр. 348
لا تيأس أيها المحروم
أبشر أيها الأخ الحبيب! فإن الله يقول: ﴿إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً﴾ [مريم:٦٠] .
التائب أعتق نفسه من أسر الهوى، وأطلق قلبه من سجن المعصية.
التائب يجد للطاعة حلاوة، وللعبادة راحة، وللإيمان طعماً، وللإقبال لذة.
التائب يجد في قلبه حرقة، وفي وجهه أسى، وفي دمعه أسراراً.
التائب منكسر القلب، غزير الدمع، رقيق المشاعر.
التائب صادق العبارة؛ فهو بين خوف وأمن، وقلق وسكينة.
اليوم ميلادي الجديد وما مضى موت بليت به بليل داجي
أنا قد سريت إلى الهداية عارجا يا حسن ذا الإسراء والمعراج
أيها المحروم! تب إلى الله، ذق طعم التوبة، وذق حلاوة الدمعة، اعتصر القلب وتألم؛ لتسيل دمعة على الخد تطفئ نيران المعاصي والذنوب اخل بنفسك اعترف بذنبك، ادع ربك وقل: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
ابك على خطيئتك، وجرب لذة المناجاة، اعترف بالذل والعبودية لله، تب إلى الله بصدق، ناج ربك وقل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم.
جرب مثل هذه الكلمات كما كان ﵌ يرددها.
أيها المحروم! (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ رسولاً) كما عند مسلم في صحيحه.
اسمع لملك الملوك وهو يناديك أنت، اسمع إلى جبار الأرض والسماوات وهو يخاطبك أنت، وأنت من أنت؟! اسمع للغفور الودود؛ للرحيم الرحمن وهو يقول: ﴿قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] .
ويقول سبحانه في الحديث القدسي: (يا عبادي! إنكم تذنبون في الليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم) كما عند مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر.
ويقول الله في الحديث القدسي الآخر: (يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني إلا غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة) كما عند الترمذي من حديث أنس وهو صحيح.
إذاً فيا أيها المحروم! ما هو عذرك وأنت تسمع هذه النداءات من رب الأرض والسماوات.
إن أسعد لحظات الدنيا يوم أن تقف خاضعاً ذليلاً خائفاً باكياً مستغفراً تائباً، فكلمات التائبين صادقة، ودموعهم حارة، وهممهم قوية، ذاقوا حلاوة الإيمان بعد مرارة الحرمان، ووجدوا برد اليقين بعد نار الحيرة، وعاشوا حياة الأمن بعد مسيرة القلق والاضطراب، فلماذا تحرم نفسك هذا الخير وهذه اللذة والسعادة! فإن أذنبت فتب، وإن أسأت فاستغفر، وإن أخطأت فأصلح، فالرحمة واسعة والباب مفتوح.
قال ابن القيم في الفوائد: ويحك لا تحقر نفسك، فالتائب حبيب، والمنكسر صحيح، إقرارك بالإفلاس عين الغنى تنكيس رأسك بالندم هو الرفعة اعترافك بالخطأ نفس الإصابة.
انتهى كلامه ﵀.
إذاً: العبودية لله عزة ورفعة، ولغيره ذل ومهانة.
أيها الحبيب، أيتها الغالية! إننا نفرح بتوبتك، ونسر لرجوعك إلى الله، وليس لنا من الأمر شيء.
عين تسر إذا رأتك وأختها تبكي لطول تباعد وفراق
فاحفظ لواحدة دوام سرورها وعد التي أبكيتها بتلاقي
عِدنا بالرجوع إلى الله، عِدنا بتوبة صادقة ونحن معك بكل ما تريد، نسر ونفرح، نمدك بأموالنا وأيدينا ودعائنا وليس لنا من الأمر شيء، إنما هو لنفسك.
стр. 349
محرومون من لذة قراءة القرآن
ومن المحرومين من حرم لذة قراءة القرآن، وتدبر آياته والبكاء من خشية الله.
عن عطاء قال: (دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة رضي الله تعالى عنها فقال عبيد بن عمير: حدثينا بأعجب شيء رأيته من رسول الله ﷺ ، فبكت وقالت: قام ليلة من الليالي فقال: يا عائشة! ذريني أتعبد لربي، قالت: قلت: والله إني لأحب قربك وأحب ما يسرك، قالت: قام فتطهر ثم قام يصلي فلم يزل يبكي حتى بل حجره، ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل الأرض، وجاء بلال يؤذن بالصلاة الفجر، فلما رآه يبكي قال: يا رسول الله! تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! قال ﵌: أفلا أكون عبداً شكوراً، لقد نزلت عليّ الليلة آيات ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران:١٩٠] آخر الآيات من سورة آل عمران) رواه أبو الشيخ في أخلاق النبي ﷺ وإسناده جيد، وابن حبان في صحيحه وصححه الألباني.
إذاً فمن المحرومين من لم يقرأ القرآن، وربما قرأه في رمضان بدون تدبر ولا خشوع.
اسأل نفسك أيها المحب! كم آية تقرأ في اليوم؟ بل كم مرة تقرأ في الأسبوع؟ كم مرة دمعت عيناك وأنت تقرأ القرآن؟ إن من الناس من لم تدمع عينه مرة واحدة، مرة واحدة عند سماع أو قراءة آيات القرآن! وربما دمعت مراراً ومدراراً عند سماع كلمات الغناء في الحب والغرام والهجر والحرام، والعياذ بالله! مساكين الذين ظنوا الحياة كأساً ونغمةً ووتراً مساكين الذين جعلوا وقتهم لهواً ولعباً وغروراً مساكين الذين حسبوا السعادة أكلاً وشرباً ولذة.
ليل المحرومين غناء وبكاء، وليل الصالحين بكاء ودعاء.
ليل المحرومين مجون وخنوع، وليل الصالحين ذكر ودموع.
أيها المحروم من لذة البكاء! اعلم أنه متى أقحطت العين من البكاء من خشية الله فاعلم أن قحطها من قسوة القلب، وأبعد القلوب من الله القلب القاسي، والعياذ بالله.
فقل أيها المحروم! قل لنفسك: وا أسفاه! وا حسرتاه! كيف ينقضي الزمان وينفد العمر والقلب محجوب محروم ما شم رائحة القرآن، دخل الدنيا وخرج وما ذاق أطيب ما فيها، بل عاش فيها عيش البهائم، وانتقل منها انتقال المفاليس، فكانت حياته عجزاً وكسلاً، وموته غبناً وكمداً.
ألم تسمع أيها المحروم! ألم تسمعي أيتها المحرومة! لقول النبي ﵌: (والقرآن حجة لك أو عليك) فأيهما تختار وأيهما تختارين، لك أو عليك؟! قال أحد الصالحين: (أحسست بغم لا يعلمه إلا الله، وبهم مقيم، فأخذت المصحف وبقيت أتلو فزال عني -والله- فجأة هذا الغم، وأبدلني الله سروراً وحبوراً مكان ذلك الكدر) .
فيا أيها الأخ الحبيب! ويا أيتها المسلمة! إن هذا القرآن رحمة، وهو هدى ونور وشفاء لما في الصدور كما وصفه الله ، فاسمع أيها المحروم! من قراءة القرآن، إن قراءة القرآن بتدبر وتمعن من أعظم أسباب السعادة، ومن أعظم أسباب انشراح الصدر في الدنيا والآخرة.
стр. 350
محرومون من لذة الأخوة في الله
ومن المحرومين من حرم لذة الأخوة في الله، حرم الرفقة الصالحة التي تذكره الخير وتعينه عليه، إن الجليس الصالح لا تسمع منه إلا كلاماً طيباً، أو دعاءً صالحاً أو دفاعاً عن عرضك.
فيا أيها المحروم من الأخوة في الله! إنك بأمس الحاجة إلى دعوة صالحة وإلى كلمة طيبة، إنك بأمس الحاجة إلى من تبث له أشجانك وأحزانك، إنك بأمس الحاجة إلى صادق أمين وناصح مخلص، إنك بأمس الحاجة إلى أخ يتصف بالرجولة والشهامة.
أتراك تجد هذه الصفات بصديق الجلسات والضحكات والرحلات والمنكرات؟! أيها المحب! أعد النظر في صداقاتك، استعرض أصدقاءك واحداً بعد الآخر، اسأل نفسك ما نوع الرابط بينكما؟ أهي المصالح الدنيوية؟ أو الشهوات الشيطانية؟ أم هي الأخوة الإسلامية؟ كل أخوة لغير الله هباء، وفي النهاية همٌّ وعداء، لاشك أنه مر بك قول الحق : ﴿الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧] .
أيها المحروم من لذة الأخوة في الله! راجع صداقاتك قبل أن تقول يوم القيامة: ﴿يَا وَيْلَتِي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنْ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولاً﴾ [الفرقان:٢٨-٢٩] .
راجع أحبابك وخلانك، فإنك ستحشر معهم يوم القيامة، فقد قال حبيبك ﵌: (يحشر المرء مع من أحب) فمن أي الفريقين أحبابك؟
قرينك في الدنيا وفي الحشر بعدها فأنت قرين لي بكل مكان
فإن كنت في دار الشقاء فإنني وأنت جميعاً في شقا وهوان
أيها المحروم، كم كسبت من صفات ذميمة، وكم خسرت من صفات حميدة بسبب أصحابك.
تقول لي: لماذا؟ أقول لك: لأن الطبع سراق: (وقل لي: من تصاحب؟ أقول لك: من أنت) والنبي ﵌ يقول: (الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل) .
ابل الرجال إذا أردت إخاءهم وتوسمن أمورهم وتفقد
فإذا وجدت أخا الأمانة والتقى فبه اليدين قرير عين فاشدد
إن للأخوة في الله حلاوة عجيبة ولذة غريبة لا يشعر بها إلا من وجدها، وفي الصحيح أن النبي ﵌ قال: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، وذكر منها: وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله) .
وفي الأثر المشهور: (لولا ثلاث ما أحببت البقاء في الدنيا، وذكر منها: مجالسة إخوة ينتقون أطايب الكلام كما ينتقون أطايب التمر) فكم من محروم حرم الأخوة في الله.
стр. 351
محرومون من لذة الأكل الحلال
ومن الناس من حرم أكل الحلال، ومن ثم حرم إجابة الدعاء، ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون:٥١] وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة:١٧٢] ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يده إلى السماء: يا رب يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له؟!) .
كم من الناس حرموا لذة الأكلة الحلال، وحرموا بركة المال، وحرموا صلاح العيال بسبب أكل الحرام من رباً وغش وخداع وسرقة وحلف كاذب، مسكين أنت أيها المحروم! ربما أنك تركع وتسجد وترفع يديك بالدعاء، فأنى يستجاب لك؟! أيها الإخوة! أخشى أن نكون من المحرومين ونحن لا نشعر، فنحن نرفع أيدينا بالدعاء، ونلح على الله فيه، وربما سالت الدمعات على الخدين، انظر لحال المصلين ودعاء القنوت في رمضان، فربما لا نرى أثراً لدعائنا وبكائنا ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١] اسمع لقول الله : ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠] لنراقب أموالنا، ولنحرص على أكلنا وشربنا ولبسنا، وربما دخلنا من إهمالنا في أعمالنا ووظائفنا.
فيا أيها المحروم! إن لأكل الحلال أثراً عجيباً على القلب وراحته وسعادته، وإن لأكل الحلال أثراً كبيراً على صلاح الأولاد وبرهم بآبائهم، بل إن لأكل الحلال أثراً كبيراً على سعة الرزق ونماء المال، فكم من المحرومين بسبب المعاصي والذنوب؟! ففي المسند من حديث ثوبان قال: قال رسول الله ﵌: (إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه) والحديث أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجة وابن حبان والحاكم وصححه.
فكم من المحرومين بسبب المعاصي والذنوب! وانتبه أيها المحب! فليس كثرة المال عند بعض الناس دليلاً على بركته، بل قد يكون شقاء على صاحبه، وكم سمعنا عمن ملك المال والقصور يعيش في تعاسة وهموم، وقد قال ﵌: (إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا وهو مقيم على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج، ثم تلا قول الله : ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام:٤٤] ) والحديث أخرجه أحمد والطبري وابن أبي الدنيا في كتاب الشكر، وقال الألباني في المشكاة: إسناده جيد.
واسمع لـ ابن القيم ﵀ وهو يقول عن أثر الذنوب والمعاصي: ومن عقوباتها -أي المعاصي والذنوب- أنها تمحق بركة العمر، وبركة الرزق، وبركة العلم، وبركة العمل، وبركة الطاعة، وبالجملة تمحق بركة الدين والدنيا، فلا تجد أقل بركة في عمره ودينه ودنياه ممن عصى الله، وما محقت البركة من الأرض إلا بمعاصي الخلق، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:٩٦] وقال تعالى: ﴿وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [الجن:١٦-١٧] وإن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه) انتهى كلامه ﵀.
стр. 352
محرومون من لذة ذكر الله تعالى
ومن الناس من حرم كثرة ذكر الله تهليلاً وتسبيحاً وتحميداً، فلسانه يابس من ذكر الله، رطب ببذيء الكلام والسباب واللعان -والعياذ بالله- وإذا أردت أن تعرف شدة الحرمان والخسارة للغافل عن ذكر الله، فاسمع لهذه الأحاديث والربح العظيم فيها: فعن أبي هريرة ﵁ قال: إن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: (ذهب أهل الدثور بالدرجات العلا والنعيم المقيم، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل من أموال، يحجون ويعتمرون، ويجاهدون ويتصدقون، فقال ﵌: ألا أعلمكم شيئاً تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثاً وثلاثين) .
قال أبو صالح الراوي عن أبي هريرة لما سئل عن كيفية ذكرهن قال: [يقول: سبحان الله والحمد لله والله أكبر حتى يكون منهن كلهن ثلاثا وثلاثين] متفق عليه.
وزاد مسلم في روايته: (فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله، فقال ﷺ : ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) .
وأهل الدثور هم أهل المال الكثير.
وعنه -أي عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وحمد الله ثلاثاً وثلاثين، وكبر الله ثلاثاً وثلاثين، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر) والحديث أخرجه مسلم في صحيحه.
وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: (أيعجز أحدكم أن يكسب في كل يوم ألف حسنة؟ فسأله سائل من جلسائه: كيف يكسب ألف حسنة؟ قال: يسبح مائة تسبيحة فيكتب له ألف حسنة أو يحط عنه ألف خطيئة) والحديث أخرجه مسلم في صحيحه، والأحاديث في مثل هذه الفضائل كثيرة جداً ومستفيضة.
أسألك بالله، أليس محروماً من ترك مثل هذه الأذكار؟ فمن منا لا يرغب أن تغفر خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر؟ ومن منا لا يرغب أن يكسب ألف حسنة أو يحط عنه ألف خطيئة؟ ولكن بعض الناس لم يسمع بهذه الأحاديث قط، فضلاً على أن يحرص على فضلها، أليس هذا من الحرمان؟! إنها كلمات قصيرة في أوقات يسيرة مقابل فضائل كثيرة، وهي سلاح للمؤمن تحفظه من شياطين الإنس والجان، وهي اطمئنان للقلب وانشراح للصدر كما قال : ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] والله يقول: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٣٥] ولكن سبق المفردون، وتأخر وخسر المحرومون، والمفردون هم الذاكرون الله كثيراً والذاكرات كما أخبر بذلك ﵌ عند مسلم في صحيحه.
فيا أيها المحروم من ذكر الله! احرص على تلك الأذكار، لعلها أن تمحو عنك السيئات، وإياك إياك وبذاءة اللسان، والسب واللعان فتزيد الطين بلة.
стр. 353
محرومون من لذة السعادة الزوجية
ومن الناس من حرم السعادة الزوجية، والعيشة الهنية، فهو لا يجد السكن النفسي، يعيش في قلق واضطراب، وشجار وخصام، كم شكا هؤلاء لنا؛ كم شكوا حياتهم مع أزواجهم وفي بيوتهم! يعيش بدون مودة ولا رحمة، بدون لذة ولا متعة، بينه وبين زوجه وحشة، فلماذا كل هذا؟! اسمع يا رعاك الله! قال بعض السلف: إني لأعصي الله فأرى ذلك في خلق دابتي وزوجتي.
أيها الزوجان! ربما تحرما السعادة الزوجية والراحة النفسية بسبب الذنوب والمعاصي منكما أو من أحدكما، انظرا إلى البيت وما فيه من وسائل إفساد تغضب رب العباد، انظرا إلى حرصكما على الفرائض والطاعات والاهتمام بها والصلاة في أوقاتها، قفا مع بعضكما وستجدان أن السبب معصية الله لا شك، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠] إنه ما من مشكلة تقع بين زوجين إلا بمعصية أو ذنب، فكم في البيوت من المحرومين بسبب معصية رب العالمين؟ وأقف هنا؛ فقد سبق الحديث عن هذا الموضوع بدرسين بعنوان: (السحر الحلال) فمن أراد فليرجع لهما.
стр. 354
محرومون من لذة بر الوالدين والأنس بهما
ومن الناس من حرم بر الوالدين والأنس بهما، والجلوس معهما وقضاء حوائجهما، حرم المسكين من فضل عبادة قرنت بتوحيد الله .
فقد ثنى بهما فقال: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [النساء:٣٦] ويدل هذا على فضلهما وعظم القيام بحقهما.
اسمع يا من حرمت برهما! قال ﷺ : (الوالد أوسط أبواب الجنة، فإن شئت فأضع ذلك الباب أو احفظه) والحديث في الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
ويروى عن عبد الله بن المبارك أنه بكى لما ماتت أمه، فقيل له؛ فقال: [إني لأعلم أن الموت حق، ولكن كان لي بابان للجنة مفتوحان فأغلق أحدهما] .
والنبي ﷺ يقول: (رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كلاهما فلم يدخل الجنة) كما في مسلم.
وقال ﵌ (من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره فليصل رحمه) والحديث متفق عليه، فأي فضل حرمه بعض الناس بغفلته عن بر والديه؟! ومن برهما ميتين: الدعاء لهما وزيارة صديقهما وإنفاذ وعدهما.
إن قصص العقوق التي نسمعها لينفطر لها الفؤاد أسى، وتذوب لها النفس حسرة.
أيها المحروم برهما، إن العقوق من الكبائر، بل لا يدخل الجنة عاق، ويحرم التوفيق بالدنيا، وربما عجلت له العقوبة، وربما ابتلي بأولاده فالجزاء من جنس العمل.
أبو هريرة كان لا يخرج ولا يدخل حتى يسلم على أمه، وكان يحملها وينزلها، فقد كانت كبيرة مكفوفة.
وابن الحنفية يغسل رأس أمه ويمشطها ويقبلها ويخضبها.
وكان علي بن الحسين من أبر الناس بأمه، وكان لا يأكل معها، فسئل فقال: [أخاف أن تسبق عينها إلى شيء من الطعام وأنا لا أعلم به فآكله فأكون قد عققتها] .
وطلبت أم مسعر ماء في ليلة، فجاء بالماء فوجدها نائمة، فوقف بالماء عند رأسها حتى أصبح.
وسئل عمر بن ذر عن بر ولده به فقال: [ما مشى معي نهاراً قط إلا كان خلفي، ولا ليلاً قط إلا كان أمامي، ولا رقى على سطح أنا تحته] فنستغفر الله من حالنا مع آبائنا، ونعوذ بالله من الحرمان.
إليك أيها السامع هذه العناوين السريعة أنقلها لك من رسالة صغيرة بعنوان (أبناء يعذبون أبناءهم) قصص واقعية: ابن يتهرب من المستشفى حتى لا يتسلم والده! وآخر يتخلص من أمه برميها بجوار القمامة! وآخر يأتي بأبيه الذي بلغ الثمانين إلى دار النقاهة ويقول: خذوا أبي عندكم، وإذا أردتم شيئاً اتصلوا عليّ! وآخر يبخل على أمه بمائة ريال ثمناً لخاتم أعجبها، بل أخذ الخاتم من يدها ورماه على طاولة البائع! وابنة تطرد والدتها من منزلها.
وأخرى غضبت بعد أن علمت أن والدتها ستعيش معها.
هذه عناوين لقصص واقعية، وتفاصيلها تدمي القلوب وتقرح الأكباد، فإنا لله وإنا إليه راجعون، نعوذ بالله من حال هؤلاء، محرومون ومعذبون في الدنيا والآخرة.
اللهم اغفر لنا ولوالدينا واجزهم عنا خير الجزاء، اللهم أعنا على برهما، اللهم ارفع درجتهم وأسكنهم الفردوس الأعلى برحمتك يا أرحم الراحمين.
стр. 355
محرومون من حسن الخاتمة
ومن المحرومين من حرم حسن الخاتمة نسأل الله حسنها-: عجيب أمرك أيها المحروم! إنك تعلم أن الموت حق، وأنه نهاية الجميع، ومع ذلك تصر على حالك وأنت تسمع هذه الكلمات مراراً وتكراراً.
أيها الأخ! ويا أيتها الأخت! ليس العيب أن تخطئ، ولكن العيب الاستمرار على الخطأ، أيهما تريد: أن تموت على خير أو على شر؟! أقول هذا لأننا نرى ونسمع نهاية بعض المحرومين، نسأل الله حسن الخاتمة.
قال ابن القيم في الجواب الكافي: ثم أمر أخوف من ذلك وأدهى وأمر، وهو أن يخونه قلبه ولسانه عند الاحتضار، والانتقال إلى الله تعالى! فربما تعذر عليه النطق بالشهادة كما شاهد الناس كثيراً من المحتضرين ممن أصابهم ذلك.
ثم ذكر ﵀ صوراً لبعضهم، منها: قيل لبعضهم: قل لا إله إلا الله، فجعل يهذي بالغناء، ويقول: تان تنا تن تنا.
وقيل لآخر: فقال: كلما أردت أن أقولها فلساني يمسك عنها إلى آخر الصور التي ذكرها رحمه الله تعالى إلى قوله: وسبحان الله! كم شاهد الناس من هذا عبراً، والذي يخفى عليهم من أحوال المحتضرين أعظم وأعظم.
ونحن اليوم نشاهد ونسمع ونقرأ صوراً كثيرة لسوء الخاتمة ومنها: أن رجلاً ذهب إلى أحد البلاد المعروفة بالفساد، وهناك في شقته شرب الخمر -أعزكم الله- قارورة ثم الثانية ثم الثالثة، وهكذا حتى شعر بالغثيان، فذهب إلى دورة المياه -أعزكم الله-ليتقيأ، أتدري -أيها المحب- ماذا حدث له؟ مات في دورة المياه، ورأسه في المرحاض -أعزكم الله-! ومنها أن شاباً كان لا يعرف من الإسلام إلا اسمه، وكان لا يصلي، أضاع طريق الهداية، وعندما نزلت به سكرات الموت قيل له: قل لا إله إلا الله -يا لها من لحظات حرجة، وكربات وشدائد وأهوال- أتدرون ماذا قال؟ أخذ يردد أنه كافر بها؛ نسأل الله حسن الخاتمة! ومنها: أن شاباً حصل له حادث على إحدى الطرق السريعة، فتوقف بعض المارة لإسعافه فوجدوه يحتضر والموسيقى الغربية تنبعث بقوة من مسجل السيارة، فأطفئوه وقالوا للشاب: قل لا إله إلا الله، فأخذ يسب الدين ويقول: لا أريد أن أصلي، لا أريد أن أصوم، ومات على ذلك والعياذ بالله! يقول أحد العاملين في مراقبة الطرق السريعة: فجأة سمعنا صوت ارتطام قوي، فإذا سيارة مرتطمة بسيارة أخرى، حادث لا يكاد يوصف، شخصان في السيارة في حالة خطيرة، أخرجناهما ووضعناهما ممددين، وأسرعنا لإخراج صاحب السيارة الثانية فوجدناه قد فارق الحياة، عدنا للشخصين فإذا هما في حالة الاحتضار، هبَّ زميلي يلقنهما الشهادة، ولكن ألسنتهما ارتفعت بالغناء، أرهبني الموقف، وكان زميلي على عكسي يعرف أحوال الموت، أخذ يعيد عليهما الشهادتين وهما مستمران في الغناء، لا فائدة! بدأ صوت الغناء يخفت شيئاً فشيئاً، سكت الأول وتبعه الثاني، فقدا الحياة! لا حراك، يقول: لم أر في حياتي موقفاً كهذا، حملناهما في السيارة، قال زميلي: إن الإنسان يختم له إما بخير أو بشر بحسب ظاهره وباطنه، قال: فخفت من الموت، واتعظت من الحادثة، وصليت ذلك اليوم صلاة خاشعة.
وبعد مدة حصل حادث عجيب: شخص يسير بسيارته سيراً عادياً، وتعطلت سيارته في أحد الأنفاق المؤدية إلى المدينة، ترجل من سيارته لإصلاح الخلل في أحد العجلات، جاءت سيارة مسرعة وارتطمت به من الخلف، سقط مصاباً إصابات بالغة فحملناه معنا في السيارة، وقمنا بالاتصال بالمستشفى لاستقباله -شاب في مقتبل العمر متدين، يبدو ذلك من مظهره- عندما حملناه سمعناه يهمهم فلم نميز ما يقول، ولكن عندما وضعناه في السيارة وسرنا سمعنا صوتاً مميزاً إنه يقرأ القرآن وبصوت ندي -سبحان الله- لا تقول: هذا مصاب، الدم قد غطى ثيابه وتكسرت عظامه، بل هو على ما يبدو على مشارف الموت، استمر يقرأ بصوت جميل، يرتل القرآن، فجأة سكت التفتُّ إلى الخلف فإذا به رافع إصبع السبابة يتشهد ثم انحنى رأسه قفزت إلى الخلف، لمست يده، قلبه، أنفاسه، لاشيء فارق الحياة نظرت إليه طويلاً، سقطت دمعة من عيني، أخبرت زميلي أنه قد مات، انطلق زميلي في البكاء، أما أنا فقد شهقت شهقة وأصبحت دموعي لا تقف، أصبح منظرنا داخل السيارة مؤثراً!! وصلنا إلى المستشفى، وأخبرنا كل من قابلنا عن قصته، الكثير تأثروا، ذرفت دموعهم، أحدهم بعد ما سمع قصته ذهب وقبل جبينه، والجميع أصروا على الجلوس حتى يصلى عليه، اتصل أحد الموظفين بمنزل المتوفى، كان المتحدث أخاه الذي قال عنه: إنه يذهب كل إثنين لزيارة جدته الوحيدة في القرية، كان يتفقد الأرامل واليتامى والمساكين، وكانت تلك القرية تعرفه، فهو يحضر لهم الكتب والأشرطة، وكان يذهب وسيارته مملوءة بالأرز والسكر لتوزيعها على المحتاجين، حتى حلوى الأطفال كان لا ينساها، وكان يرد على من يثنيه عن السفر ويذكر له طول الطريق، كان يرد عليه بقوله: إنني أستفيد من طول الطريق بحفظ القرآن ومراجعته، وسماع الأشرطة النافعة، وإنني أحتسب إلى الله كل خطوة أخطوها.
يقول ذلك العامل في مراقبة الطريق: كنت أعيش مرحلة متلاطمة الأمواج، تتقاذفني الحيرة في كل اتجاه لكثرة فراغي وقلة معارفي، وكنت بعيداً عن الله، فلما صلينا على الشاب، ودفناه واستقبل أول أيام الآخرة، استقبلت أول أيام الدنيا، تبت إلى الله عسى أن يعفو عما سلف، وأن يثبتني على طاعته، وأن يختم لي بخير.
انتهت القصة بتصرف من رسالة لطيفة بعنوان: الزمن القادم.
قلت: صدق ابن القيم ﵀ بقوله: وسبحان الله! كم شاهد الناس من هذا عبراً، والذي يخفى عليهم من أحوال المحتضرين أعظم وأعظم.
أقول: كيف يوفق لحسن الخاتمة من حرم نفسه الاستقامة والطاعة لله، فقلبه بعيد عن الله غافل عنه، عبد لشهوته وهواه، اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
وهذا موقف آخر، قال أبو عبد الله: لا أعرف كيف أروي قصتي التي عشتها منذ فترة، والتي غيرت مجرى حياتي كلها، والحقيقة أنني لم أقرر الكشف عنها إلا من خلال إحساسي بالمسئولية تجاه الله ، ولتحذير بعض الشباب الذي يعصي ربه، وبعض الفتيات اللاتي يسعين وراء وهم زائف اسمه الحب.
يقول: كنا ثلاثة من الأصدقاء يجمع بيننا الطيش والعبث.
كلا، بل أربعة؛ فقد كان الشيطان رابعنا، فكنا نذهب لاصطياد الفتيات الساذجات بالكلام المعسول ونستدرجهن إلى المزارع البعيدة، وهناك يفاجأن بأننا قد تحولنا إلى ذئاب لا ترحم، لا نرحم توسلاتهن بعد أن ماتت قلوبنا ومات فينا الإحساس، هكذا كانت أيامنا وليالينا في المزارع وفي المخيمات والسيارات وعلى الشواطئ.
إلى أن جاء اليوم الذي لن أنساه، ذهبنا كالمعتاد للمزرعة، كان كل شيء جاهز، الفريسة لكل واحد منا الشراب الملعون شيء واحد نسيناه هو الطعام، وبعد قليل ذهب أحدنا لشراء طعام العشاء بسيارته، كانت الساعة السادسة تقريباً عندما انطلق، ومرت الساعات دون أن يعود، وفي العاشرة شعرت بالقلق عليه، فانطلقت بسيارتي أبحث عنه، وفي الطريق شاهدت بعض ألسنة النار تندلع على جانب الطريق، وعندما وصلت فوجئت بأنها سيارة صديقي، والنار تلتهمها وهي مقلوبة على أحد جانبيها، يقول: أسرعت كالمجنون أحاول إخراجه من السيارة المشتعلة ذهلت عندما وجدت نصف جسده وقد تفحم تماماً، لكنه كان ما يزال على قيد الحياة!! نقلته إلى الأرض وبعد دقيقة فتح عينيه وأخذ يهذي: النار النار! فقررت أن أحمله بسيارتي وأسرع إلى المستشفى، لكنه قال لي بصوت باكٍ: لا فائدة، لن أصل، فخنقتني الدموع وأنا أرى صديقي يموت أمامي، وفوجئت به يصرخ: ماذا أقول له؟ ماذا أقول له؟ نظرت إليه بدهشة وسألته: من هو؟ فقال بصوت كأنه قادم من بعيد: الله! أحسست بالرعب يجتاح جسدي ومشاعري، وفجأة أطلق صديقي صرخة مدوية ولفظ آخر أنفاسه! ومضت الأيام، لكن صورة صديقي الراحل ظلت وهو يصرخ والنار تلتهمه: ماذا أقول له؟ ماذا أقول له؟! ووجدت نفسي أتساءل: وأنا ماذا سأقول له؟! وليتساءل كل محروم ماذا سيقول لله؟ يقول: ففاضت عيناي واعترتني رعشة غريبة، وفي نفس اللحظة سمعت المؤذن لصلاة الفجر ينادي: الله أكبر، الله أكبر، حي على الصلاة، فأحسست أنه نداء خاص بي يدعوني لأسدل الستار على فترة مظلمة من حياتي، يدعوني إلى طريق النور والهداية، فاغتسلت وتوضأت وطهرت جسدي من الرذيلة التي غرقت فيها لسنوات، وأديت الصلاة.
ومن يومها لم يفتني فرض واحد، لقد أصبحت إنساناً آخر؛ فسبحان مغير الأحوال!! انتهت من رسالة لطيفة للشباب فقط.
следующие страницы →