← Джавами‘

Джавами‘ · id 7711

دروس للشيخ إبراهيم الدويش

إبراهيم الدويش

Полный текст (623 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

محرومون من لذة الأكل الحلال ومن الناس من حرم أكل الحلال، ومن ثم حرم إجابة الدعاء، ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون:٥١] وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة:١٧٢] ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يده إلى السماء: يا رب يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له؟!) . كم من الناس حرموا لذة الأكلة الحلال، وحرموا بركة المال، وحرموا صلاح العيال بسبب أكل الحرام من رباً وغش وخداع وسرقة وحلف كاذب، مسكين أنت أيها المحروم! ربما أنك تركع وتسجد وترفع يديك بالدعاء، فأنى يستجاب لك؟! أيها الإخوة! أخشى أن نكون من المحرومين ونحن لا نشعر، فنحن نرفع أيدينا بالدعاء، ونلح على الله فيه، وربما سالت الدمعات على الخدين، انظر لحال المصلين ودعاء القنوت في رمضان، فربما لا نرى أثراً لدعائنا وبكائنا ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١] اسمع لقول الله : ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠] لنراقب أموالنا، ولنحرص على أكلنا وشربنا ولبسنا، وربما دخلنا من إهمالنا في أعمالنا ووظائفنا. فيا أيها المحروم! إن لأكل الحلال أثراً عجيباً على القلب وراحته وسعادته، وإن لأكل الحلال أثراً كبيراً على صلاح الأولاد وبرهم بآبائهم، بل إن لأكل الحلال أثراً كبيراً على سعة الرزق ونماء المال، فكم من المحرومين بسبب المعاصي والذنوب؟! ففي المسند من حديث ثوبان قال: قال رسول الله ﵌: (إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه) والحديث أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجة وابن حبان والحاكم وصححه. فكم من المحرومين بسبب المعاصي والذنوب! وانتبه أيها المحب! فليس كثرة المال عند بعض الناس دليلاً على بركته، بل قد يكون شقاء على صاحبه، وكم سمعنا عمن ملك المال والقصور يعيش في تعاسة وهموم، وقد قال ﵌: (إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا وهو مقيم على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج، ثم تلا قول الله : ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام:٤٤] ) والحديث أخرجه أحمد والطبري وابن أبي الدنيا في كتاب الشكر، وقال الألباني في المشكاة: إسناده جيد. واسمع لـ ابن القيم ﵀ وهو يقول عن أثر الذنوب والمعاصي: ومن عقوباتها -أي المعاصي والذنوب- أنها تمحق بركة العمر، وبركة الرزق، وبركة العلم، وبركة العمل، وبركة الطاعة، وبالجملة تمحق بركة الدين والدنيا، فلا تجد أقل بركة في عمره ودينه ودنياه ممن عصى الله، وما محقت البركة من الأرض إلا بمعاصي الخلق، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:٩٦] وقال تعالى: ﴿وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [الجن:١٦-١٧] وإن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه) انتهى كلامه ﵀.

стр. 352

محرومون من لذة ذكر الله تعالى ومن الناس من حرم كثرة ذكر الله تهليلاً وتسبيحاً وتحميداً، فلسانه يابس من ذكر الله، رطب ببذيء الكلام والسباب واللعان -والعياذ بالله- وإذا أردت أن تعرف شدة الحرمان والخسارة للغافل عن ذكر الله، فاسمع لهذه الأحاديث والربح العظيم فيها: فعن أبي هريرة ﵁ قال: إن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: (ذهب أهل الدثور بالدرجات العلا والنعيم المقيم، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل من أموال، يحجون ويعتمرون، ويجاهدون ويتصدقون، فقال ﵌: ألا أعلمكم شيئاً تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثاً وثلاثين) . قال أبو صالح الراوي عن أبي هريرة لما سئل عن كيفية ذكرهن قال: [يقول: سبحان الله والحمد لله والله أكبر حتى يكون منهن كلهن ثلاثا وثلاثين] متفق عليه. وزاد مسلم في روايته: (فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله، فقال ﷺ : ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) . وأهل الدثور هم أهل المال الكثير. وعنه -أي عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وحمد الله ثلاثاً وثلاثين، وكبر الله ثلاثاً وثلاثين، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر) والحديث أخرجه مسلم في صحيحه. وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: (أيعجز أحدكم أن يكسب في كل يوم ألف حسنة؟ فسأله سائل من جلسائه: كيف يكسب ألف حسنة؟ قال: يسبح مائة تسبيحة فيكتب له ألف حسنة أو يحط عنه ألف خطيئة) والحديث أخرجه مسلم في صحيحه، والأحاديث في مثل هذه الفضائل كثيرة جداً ومستفيضة. أسألك بالله، أليس محروماً من ترك مثل هذه الأذكار؟ فمن منا لا يرغب أن تغفر خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر؟ ومن منا لا يرغب أن يكسب ألف حسنة أو يحط عنه ألف خطيئة؟ ولكن بعض الناس لم يسمع بهذه الأحاديث قط، فضلاً على أن يحرص على فضلها، أليس هذا من الحرمان؟! إنها كلمات قصيرة في أوقات يسيرة مقابل فضائل كثيرة، وهي سلاح للمؤمن تحفظه من شياطين الإنس والجان، وهي اطمئنان للقلب وانشراح للصدر كما قال : ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] والله يقول: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٣٥] ولكن سبق المفردون، وتأخر وخسر المحرومون، والمفردون هم الذاكرون الله كثيراً والذاكرات كما أخبر بذلك ﵌ عند مسلم في صحيحه. فيا أيها المحروم من ذكر الله! احرص على تلك الأذكار، لعلها أن تمحو عنك السيئات، وإياك إياك وبذاءة اللسان، والسب واللعان فتزيد الطين بلة.

стр. 353

محرومون من لذة السعادة الزوجية ومن الناس من حرم السعادة الزوجية، والعيشة الهنية، فهو لا يجد السكن النفسي، يعيش في قلق واضطراب، وشجار وخصام، كم شكا هؤلاء لنا؛ كم شكوا حياتهم مع أزواجهم وفي بيوتهم! يعيش بدون مودة ولا رحمة، بدون لذة ولا متعة، بينه وبين زوجه وحشة، فلماذا كل هذا؟! اسمع يا رعاك الله! قال بعض السلف: إني لأعصي الله فأرى ذلك في خلق دابتي وزوجتي. أيها الزوجان! ربما تحرما السعادة الزوجية والراحة النفسية بسبب الذنوب والمعاصي منكما أو من أحدكما، انظرا إلى البيت وما فيه من وسائل إفساد تغضب رب العباد، انظرا إلى حرصكما على الفرائض والطاعات والاهتمام بها والصلاة في أوقاتها، قفا مع بعضكما وستجدان أن السبب معصية الله لا شك، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠] إنه ما من مشكلة تقع بين زوجين إلا بمعصية أو ذنب، فكم في البيوت من المحرومين بسبب معصية رب العالمين؟ وأقف هنا؛ فقد سبق الحديث عن هذا الموضوع بدرسين بعنوان: (السحر الحلال) فمن أراد فليرجع لهما.

стр. 354

محرومون من لذة بر الوالدين والأنس بهما ومن الناس من حرم بر الوالدين والأنس بهما، والجلوس معهما وقضاء حوائجهما، حرم المسكين من فضل عبادة قرنت بتوحيد الله . فقد ثنى بهما فقال: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [النساء:٣٦] ويدل هذا على فضلهما وعظم القيام بحقهما. اسمع يا من حرمت برهما! قال ﷺ : (الوالد أوسط أبواب الجنة، فإن شئت فأضع ذلك الباب أو احفظه) والحديث في الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. ويروى عن عبد الله بن المبارك أنه بكى لما ماتت أمه، فقيل له؛ فقال: [إني لأعلم أن الموت حق، ولكن كان لي بابان للجنة مفتوحان فأغلق أحدهما] . والنبي ﷺ يقول: (رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كلاهما فلم يدخل الجنة) كما في مسلم. وقال ﵌ (من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره فليصل رحمه) والحديث متفق عليه، فأي فضل حرمه بعض الناس بغفلته عن بر والديه؟! ومن برهما ميتين: الدعاء لهما وزيارة صديقهما وإنفاذ وعدهما. إن قصص العقوق التي نسمعها لينفطر لها الفؤاد أسى، وتذوب لها النفس حسرة. أيها المحروم برهما، إن العقوق من الكبائر، بل لا يدخل الجنة عاق، ويحرم التوفيق بالدنيا، وربما عجلت له العقوبة، وربما ابتلي بأولاده فالجزاء من جنس العمل. أبو هريرة كان لا يخرج ولا يدخل حتى يسلم على أمه، وكان يحملها وينزلها، فقد كانت كبيرة مكفوفة. وابن الحنفية يغسل رأس أمه ويمشطها ويقبلها ويخضبها. وكان علي بن الحسين من أبر الناس بأمه، وكان لا يأكل معها، فسئل فقال: [أخاف أن تسبق عينها إلى شيء من الطعام وأنا لا أعلم به فآكله فأكون قد عققتها] . وطلبت أم مسعر ماء في ليلة، فجاء بالماء فوجدها نائمة، فوقف بالماء عند رأسها حتى أصبح. وسئل عمر بن ذر عن بر ولده به فقال: [ما مشى معي نهاراً قط إلا كان خلفي، ولا ليلاً قط إلا كان أمامي، ولا رقى على سطح أنا تحته] فنستغفر الله من حالنا مع آبائنا، ونعوذ بالله من الحرمان. إليك أيها السامع هذه العناوين السريعة أنقلها لك من رسالة صغيرة بعنوان (أبناء يعذبون أبناءهم) قصص واقعية: ابن يتهرب من المستشفى حتى لا يتسلم والده! وآخر يتخلص من أمه برميها بجوار القمامة! وآخر يأتي بأبيه الذي بلغ الثمانين إلى دار النقاهة ويقول: خذوا أبي عندكم، وإذا أردتم شيئاً اتصلوا عليّ! وآخر يبخل على أمه بمائة ريال ثمناً لخاتم أعجبها، بل أخذ الخاتم من يدها ورماه على طاولة البائع! وابنة تطرد والدتها من منزلها. وأخرى غضبت بعد أن علمت أن والدتها ستعيش معها. هذه عناوين لقصص واقعية، وتفاصيلها تدمي القلوب وتقرح الأكباد، فإنا لله وإنا إليه راجعون، نعوذ بالله من حال هؤلاء، محرومون ومعذبون في الدنيا والآخرة. اللهم اغفر لنا ولوالدينا واجزهم عنا خير الجزاء، اللهم أعنا على برهما، اللهم ارفع درجتهم وأسكنهم الفردوس الأعلى برحمتك يا أرحم الراحمين.

стр. 355

محرومون من حسن الخاتمة ومن المحرومين من حرم حسن الخاتمة نسأل الله حسنها-: عجيب أمرك أيها المحروم! إنك تعلم أن الموت حق، وأنه نهاية الجميع، ومع ذلك تصر على حالك وأنت تسمع هذه الكلمات مراراً وتكراراً. أيها الأخ! ويا أيتها الأخت! ليس العيب أن تخطئ، ولكن العيب الاستمرار على الخطأ، أيهما تريد: أن تموت على خير أو على شر؟! أقول هذا لأننا نرى ونسمع نهاية بعض المحرومين، نسأل الله حسن الخاتمة. قال ابن القيم في الجواب الكافي: ثم أمر أخوف من ذلك وأدهى وأمر، وهو أن يخونه قلبه ولسانه عند الاحتضار، والانتقال إلى الله تعالى! فربما تعذر عليه النطق بالشهادة كما شاهد الناس كثيراً من المحتضرين ممن أصابهم ذلك. ثم ذكر ﵀ صوراً لبعضهم، منها: قيل لبعضهم: قل لا إله إلا الله، فجعل يهذي بالغناء، ويقول: تان تنا تن تنا. وقيل لآخر: فقال: كلما أردت أن أقولها فلساني يمسك عنها إلى آخر الصور التي ذكرها رحمه الله تعالى إلى قوله: وسبحان الله! كم شاهد الناس من هذا عبراً، والذي يخفى عليهم من أحوال المحتضرين أعظم وأعظم. ونحن اليوم نشاهد ونسمع ونقرأ صوراً كثيرة لسوء الخاتمة ومنها: أن رجلاً ذهب إلى أحد البلاد المعروفة بالفساد، وهناك في شقته شرب الخمر -أعزكم الله- قارورة ثم الثانية ثم الثالثة، وهكذا حتى شعر بالغثيان، فذهب إلى دورة المياه -أعزكم الله-ليتقيأ، أتدري -أيها المحب- ماذا حدث له؟ مات في دورة المياه، ورأسه في المرحاض -أعزكم الله-! ومنها أن شاباً كان لا يعرف من الإسلام إلا اسمه، وكان لا يصلي، أضاع طريق الهداية، وعندما نزلت به سكرات الموت قيل له: قل لا إله إلا الله -يا لها من لحظات حرجة، وكربات وشدائد وأهوال- أتدرون ماذا قال؟ أخذ يردد أنه كافر بها؛ نسأل الله حسن الخاتمة! ومنها: أن شاباً حصل له حادث على إحدى الطرق السريعة، فتوقف بعض المارة لإسعافه فوجدوه يحتضر والموسيقى الغربية تنبعث بقوة من مسجل السيارة، فأطفئوه وقالوا للشاب: قل لا إله إلا الله، فأخذ يسب الدين ويقول: لا أريد أن أصلي، لا أريد أن أصوم، ومات على ذلك والعياذ بالله! يقول أحد العاملين في مراقبة الطرق السريعة: فجأة سمعنا صوت ارتطام قوي، فإذا سيارة مرتطمة بسيارة أخرى، حادث لا يكاد يوصف، شخصان في السيارة في حالة خطيرة، أخرجناهما ووضعناهما ممددين، وأسرعنا لإخراج صاحب السيارة الثانية فوجدناه قد فارق الحياة، عدنا للشخصين فإذا هما في حالة الاحتضار، هبَّ زميلي يلقنهما الشهادة، ولكن ألسنتهما ارتفعت بالغناء، أرهبني الموقف، وكان زميلي على عكسي يعرف أحوال الموت، أخذ يعيد عليهما الشهادتين وهما مستمران في الغناء، لا فائدة! بدأ صوت الغناء يخفت شيئاً فشيئاً، سكت الأول وتبعه الثاني، فقدا الحياة! لا حراك، يقول: لم أر في حياتي موقفاً كهذا، حملناهما في السيارة، قال زميلي: إن الإنسان يختم له إما بخير أو بشر بحسب ظاهره وباطنه، قال: فخفت من الموت، واتعظت من الحادثة، وصليت ذلك اليوم صلاة خاشعة. وبعد مدة حصل حادث عجيب: شخص يسير بسيارته سيراً عادياً، وتعطلت سيارته في أحد الأنفاق المؤدية إلى المدينة، ترجل من سيارته لإصلاح الخلل في أحد العجلات، جاءت سيارة مسرعة وارتطمت به من الخلف، سقط مصاباً إصابات بالغة فحملناه معنا في السيارة، وقمنا بالاتصال بالمستشفى لاستقباله -شاب في مقتبل العمر متدين، يبدو ذلك من مظهره- عندما حملناه سمعناه يهمهم فلم نميز ما يقول، ولكن عندما وضعناه في السيارة وسرنا سمعنا صوتاً مميزاً إنه يقرأ القرآن وبصوت ندي -سبحان الله- لا تقول: هذا مصاب، الدم قد غطى ثيابه وتكسرت عظامه، بل هو على ما يبدو على مشارف الموت، استمر يقرأ بصوت جميل، يرتل القرآن، فجأة سكت التفتُّ إلى الخلف فإذا به رافع إصبع السبابة يتشهد ثم انحنى رأسه قفزت إلى الخلف، لمست يده، قلبه، أنفاسه، لاشيء فارق الحياة نظرت إليه طويلاً، سقطت دمعة من عيني، أخبرت زميلي أنه قد مات، انطلق زميلي في البكاء، أما أنا فقد شهقت شهقة وأصبحت دموعي لا تقف، أصبح منظرنا داخل السيارة مؤثراً!! وصلنا إلى المستشفى، وأخبرنا كل من قابلنا عن قصته، الكثير تأثروا، ذرفت دموعهم، أحدهم بعد ما سمع قصته ذهب وقبل جبينه، والجميع أصروا على الجلوس حتى يصلى عليه، اتصل أحد الموظفين بمنزل المتوفى، كان المتحدث أخاه الذي قال عنه: إنه يذهب كل إثنين لزيارة جدته الوحيدة في القرية، كان يتفقد الأرامل واليتامى والمساكين، وكانت تلك القرية تعرفه، فهو يحضر لهم الكتب والأشرطة، وكان يذهب وسيارته مملوءة بالأرز والسكر لتوزيعها على المحتاجين، حتى حلوى الأطفال كان لا ينساها، وكان يرد على من يثنيه عن السفر ويذكر له طول الطريق، كان يرد عليه بقوله: إنني أستفيد من طول الطريق بحفظ القرآن ومراجعته، وسماع الأشرطة النافعة، وإنني أحتسب إلى الله كل خطوة أخطوها. يقول ذلك العامل في مراقبة الطريق: كنت أعيش مرحلة متلاطمة الأمواج، تتقاذفني الحيرة في كل اتجاه لكثرة فراغي وقلة معارفي، وكنت بعيداً عن الله، فلما صلينا على الشاب، ودفناه واستقبل أول أيام الآخرة، استقبلت أول أيام الدنيا، تبت إلى الله عسى أن يعفو عما سلف، وأن يثبتني على طاعته، وأن يختم لي بخير. انتهت القصة بتصرف من رسالة لطيفة بعنوان: الزمن القادم. قلت: صدق ابن القيم ﵀ بقوله: وسبحان الله! كم شاهد الناس من هذا عبراً، والذي يخفى عليهم من أحوال المحتضرين أعظم وأعظم. أقول: كيف يوفق لحسن الخاتمة من حرم نفسه الاستقامة والطاعة لله، فقلبه بعيد عن الله غافل عنه، عبد لشهوته وهواه، اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم. وهذا موقف آخر، قال أبو عبد الله: لا أعرف كيف أروي قصتي التي عشتها منذ فترة، والتي غيرت مجرى حياتي كلها، والحقيقة أنني لم أقرر الكشف عنها إلا من خلال إحساسي بالمسئولية تجاه الله ، ولتحذير بعض الشباب الذي يعصي ربه، وبعض الفتيات اللاتي يسعين وراء وهم زائف اسمه الحب. يقول: كنا ثلاثة من الأصدقاء يجمع بيننا الطيش والعبث. كلا، بل أربعة؛ فقد كان الشيطان رابعنا، فكنا نذهب لاصطياد الفتيات الساذجات بالكلام المعسول ونستدرجهن إلى المزارع البعيدة، وهناك يفاجأن بأننا قد تحولنا إلى ذئاب لا ترحم، لا نرحم توسلاتهن بعد أن ماتت قلوبنا ومات فينا الإحساس، هكذا كانت أيامنا وليالينا في المزارع وفي المخيمات والسيارات وعلى الشواطئ. إلى أن جاء اليوم الذي لن أنساه، ذهبنا كالمعتاد للمزرعة، كان كل شيء جاهز، الفريسة لكل واحد منا الشراب الملعون شيء واحد نسيناه هو الطعام، وبعد قليل ذهب أحدنا لشراء طعام العشاء بسيارته، كانت الساعة السادسة تقريباً عندما انطلق، ومرت الساعات دون أن يعود، وفي العاشرة شعرت بالقلق عليه، فانطلقت بسيارتي أبحث عنه، وفي الطريق شاهدت بعض ألسنة النار تندلع على جانب الطريق، وعندما وصلت فوجئت بأنها سيارة صديقي، والنار تلتهمها وهي مقلوبة على أحد جانبيها، يقول: أسرعت كالمجنون أحاول إخراجه من السيارة المشتعلة ذهلت عندما وجدت نصف جسده وقد تفحم تماماً، لكنه كان ما يزال على قيد الحياة!! نقلته إلى الأرض وبعد دقيقة فتح عينيه وأخذ يهذي: النار النار! فقررت أن أحمله بسيارتي وأسرع إلى المستشفى، لكنه قال لي بصوت باكٍ: لا فائدة، لن أصل، فخنقتني الدموع وأنا أرى صديقي يموت أمامي، وفوجئت به يصرخ: ماذا أقول له؟ ماذا أقول له؟ نظرت إليه بدهشة وسألته: من هو؟ فقال بصوت كأنه قادم من بعيد: الله! أحسست بالرعب يجتاح جسدي ومشاعري، وفجأة أطلق صديقي صرخة مدوية ولفظ آخر أنفاسه! ومضت الأيام، لكن صورة صديقي الراحل ظلت وهو يصرخ والنار تلتهمه: ماذا أقول له؟ ماذا أقول له؟! ووجدت نفسي أتساءل: وأنا ماذا سأقول له؟! وليتساءل كل محروم ماذا سيقول لله؟ يقول: ففاضت عيناي واعترتني رعشة غريبة، وفي نفس اللحظة سمعت المؤذن لصلاة الفجر ينادي: الله أكبر، الله أكبر، حي على الصلاة، فأحسست أنه نداء خاص بي يدعوني لأسدل الستار على فترة مظلمة من حياتي، يدعوني إلى طريق النور والهداية، فاغتسلت وتوضأت وطهرت جسدي من الرذيلة التي غرقت فيها لسنوات، وأديت الصلاة. ومن يومها لم يفتني فرض واحد، لقد أصبحت إنساناً آخر؛ فسبحان مغير الأحوال!! انتهت من رسالة لطيفة للشباب فقط.

стр. 356

علاج لكل محروم لعل كثيراً من المحرومين يتساءلون: أين الطريق؟ وما هو العلاج؟ وأقول: العلاج ما قاله النبي ﵌ لـ سفيان بن عبد الله الثقفي لما قال له سفيان: (يا رسول الله: قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك؟ فقال له الرسول ﷺ : قل آمنت بالله ثم استقم) . فيا أيها المحروم ويا أيتها المحرومة! لنقل كما قال ﷺ : آمنا بالله، ثم لنستقم على طاعة الله، لنؤد ما طلب الله منا، لزوم الصراط المستقيم من غير ميل عنه يمنة ولا يسرة.

стр. 357

التفكير الجاد بطريق الاستقامة يظن بعض السامعين لهذا الكلام أن الاستقامة نفل، فمن أرادها كان مستقيماً ومن لم يرد فلا بأس عليه، وهذا مفهوم خاطئ، فإن كل مسلم مطالب بالاستقامة، قال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ [هود:١١٢] . وثمرات الاستقامة ثمرات عظيمة تدفع صاحبها إلى الالتزام بشرع الله ومجاهدة النفس، يقول الحق : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت:٣٠-٣٢] . ويقول : ﴿وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً﴾ [الجن:١٦-١٧] . فكم من المحرومين المعذبين؟! كم من المحرومات المعذبات من شبابنا ورجالنا وإخواننا وأخواتنا؟ نسأل الله لهم الهداية. لقد كان العرب في جوف الصحراء يعيشون في شظف حتى استقاموا على الطريقة ففتحت لهم الأرض التي يغدقون فيها الماء، وتتدفق فيها الأرزاق، ثم حادوا عن الطريقة فاستلبت منهم خيراتها استلاباً. يقول تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:٩٦] وكل ما سبق أيها الحبيب! من صور الحرمان إنما هو بسبب البعد عن الاستقامة، وينال الإنسان من الحرمان بقدر بعده عن طاعة الله. أخي الحبيب! أيتها الأخت الغالية! قف مع نفسك لحظات بعيداً عن الدنيا بذهبها ومناصبها وقصورها، اجلس مع نفسك بعيداً عن الأصحاب والأولاد، اخل بنفسك واسألها: لماذا أعيش؟ وماذا أريد؟ وما هي النهاية؟ من أين أتيت؟ وأين سأذهب؟! ولكن إياك أن تكون كذلك البائس المحروم، الشاعر النصراني الذي يقول: جئت لا أعلم من أين، ولكني أتيت ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمضيت وسأبقى سائراً إن شئت هذا أم أبيت كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟ لست أدري! إلى آخر تلك الطلاسم والأسئلة التي يثيرها في قصيدته؛ حيرة وتردد. ذهول يشعر به المحرومون من نعمة الإيمان، أما نحن المسلمون المؤمنون فلا تقلقنا هذه الأسئلة ولله الحمد والمنة، فإننا نجد في ديننا الإجابات المفصلة عليها، إننا نجد في قرآننا وفي أحاديث نبينا ﵊ الكلام الشافي الصادق عنها، إن قرآننا علمنا أننا نعيش لغاية وهدف: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] فهل أنت تعيش لهدف أيها الأخ الحبيب؟ وعلمنا أن كل شيء في حياتنا إنما هو لله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام:١٦٢-١٦٣] فهل كل شيء في حياتك لله، فلا نعمل إلا ما يرضي الله، ولا نتكلم إلا بما يرضي الله، فلا نرضي إلا الله ولو سخط الناس كلهم، فنحن نردد كل لحظة: لا إله إلا الله، ونعلم أن من عاش عليها صادقاً مخلصاً عاش عزيزاً سعيداً، وأن من مات عليها صادقاً مخلصاً، مات شهيداً في جنة عرضها السماوات والأرض. إذاً: فاسمع واعلم أيها المحروم! إن من يعيش لهدف ومبدأ، يتحرك ويعمل ويركع ويسجد ويذهب ويجيء ويحرص على وقته، ولا يجعل دقيقة للفراغ، فإن الفراغ قاتل والعطالة بطالة، وأكثر الناس هموماً وغموماً العاطلون الفارغون، إنك يوم تفرغ يدخل عليك الهم والغم والوساوس والهواجس، وتصبح ميداناً لألاعيب الشياطين. أيها الأخ! أيتها الأخت! اجعلوا الهمّ هماً واحداً، همّ الآخرة، همّ لقاء الله ، همّ الوقوف بين يديه: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨] اجعل عملك خالصاً لوجه الله، احرص على رضا الله، لا تنتظر شكراً من أحد. أيها الأخ! ويا أيتها الأخت! ماذا قدمت لنفسك؟ وماذا قدمتِ لنفسك؟ والله تعالى يقول: ﴿وَقَدِّمُوا لأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ﴾ [البقرة:٢٢٣] إن من ركب ظهر التفريط والتواني، نزل بدار العسرة والندامة. إذاً: فأول العلاج: التفكير الجاد بطريق الاستقامة والالتزام، فكن صاحب هدف، ومبدأ لتشعر بقيمة الحياة، واجعل همك دائماً رضا الله وحده لا رضا غيره، وطاعة الله لا طاعة غيره.

стр. 358

فعل العبد أسباب الهداية ومن أسباب الاستقامة: إرادة الله الهداية للعبد، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥] . وبعض الجهال والجاهلات يقولون: ماذا أفعل إذا لم يرد الله هدايتي؟! وأقول: هذه شبهة وحيلة نفسية، ومدخل شيطاني لدى كثير من المحرومين. والإجابة على هذا نقول: لا بد من فعل الأسباب، فاطلب الهداية واسع لفعل أسبابها وجاهد النفس، وسترى إن شاء الله النتائج، وهكذا في كل أمر تريده لا بد معه من فعل الأسباب. أتراك أيها المحروم! إذا طلبت النجاح في الامتحان تدرس وتقرأ وتحفظ وتسهر، فلو قلنا لك -مثلاً-: لا تدرس ولا تقرأ ولا تسهر، وإن كان الله أراد نجاحك فستنجح، أتوافق على هذا؟ أتوافقين على هذا؟ بالطبع لا. إذاً: لا بد من فعل الأسباب، من ترك جلساء السوء، وترك وسائل الفساد والحرص على مجالس الصالحين وكثرة الذكر، والإلحاح بالدعاء أن يفتح الله على قلبك، وأن يثبتك على طريق الحق، فإن رسول الله ﷺ (كان يكثر في سجوده من قول: اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) فكيف بي وبك وبمن شابهنا من ضعاف الإيمان؟ ادع الله بصدق وبإلحاح أن يرزقك طريق الاستقامة، وها أنت تدعو في اليوم أكثر من سبع عشرة مرة، إن كنت ممن يحافظ على الصلوات المفروضة تقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] ، ولكن مع الأسف بدون حضور قلب، أو تدبر للمعنى، فاصدق مع الله بطلب الهداية، وجاهد النفس فإن الله يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩] . إذاً فقبل مرحلة الهداية لا بد من مرحلة المجاهدة وحبس النفس عن شهواتها، تذكر حلاوة الصلة بينك وبين الله يهن عليك مر المجاهدة، واعلم أن شراب الهوى حلو ولكنه يورث الشرق، فاطلب الهداية من الله بصدق، واحرص على فعل أسبابها لعلك أن تشعر بالسعادة والراحة في الدنيا والآخرة. وأسباب الهداية كثيرة لعلي ألخصها لك بالنقاط التالية لتحرص على فعلها: أولاً: كن صاحب هدف وعش لمبدأ، واعلم لماذا خلقت. ثانياً: اعلم أن إرادة الله فوق كل شيء، لكنها في علم الغيب، فما عليك إلا أن تحرص على الخير وفعل الأسباب للوصول إليه، مع التنبه لحيل النفس ومداخل الشيطان. ثالثاً: الإلحاح الشديد في الدعاء وكثرة ذكر الله. رابعاً: الحرص على مصاحبة الصالحين ونبذ أهل الفسق والفجور، فإنهم لا يهدءون حتى تكون مثلهم، وصدق من قال: [ودت الزانية أن النساء كلهن زواني] . خامساً: مجاهدة النفس ومحاسبتها وهل أنت مستعد للموت أم لا. سادساً: أتبع السيئة الحسنة تمحها، وكلما وقعت بذنب أو معصية فأكثر من فعل الخيرات تصدق أطعم المساكين صل ركعتين أحسن إلى الوالدين احرص على كل خير، فإن الله يقول: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] والرسول ﷺ يقول: (وأتبع السيئة الحسنة تمحها) . سابعاً: تب كلما وقعت في ذنب أو معصية، وإياك إياك والملل من التوبة، ولو تبت من الذنب الواحد ألف مرة، واحذر من ضعف النفس وحيل الشيطان، فربما يحدثك الشيطان أنك منافق أو مخادع لله بكثرة توباتك، والمهم أن تكون صادقاً في التوبة والندم والإقلاع، وكلما رجعت للذنب بضعف النفس ارجع للتوبة، قال الإمام النووي: (باب قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت الذنوب والتوبة) وأنصحك بقراءة كتاب التوبة في صحيح مسلم لترى الأحاديث في عظم رحمة الله وفرحه بتوبة عبده، وهو غني عني وعنك وعن العالمين جميعاً؛ لكن إياك والاغترار بسعة رحمة الله مع الإصرار على المعاصي، واعلم أن الله شديد العذاب كما أنه غفور رحيم. فالخلاصة: أكثر من الاستغفار والتوبة، واعلم أن خير البشر حبيبنا وقدوتنا ﵌ صح عنه: (أنه كان يستغفر الله في اليوم سبعين مرة) وفي رواية: (مائة مرة) فكيف بي وبك أيها الحبيب! على كثرة ذنوبنا وضعف نفوسنا؟! فيا أيها المحب! يا أيها الإخوة! أيتها الأخوات! لنكثر من التوبة مهما تكرر الذنب، ففي الحديث المتفق عليه من حديث أبي هريرة أن الله قال لذلك الرجل الذي تكرر منه الذنب فكرر التوبة فقال الله له: (علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، غفرت لعبدي، غفرت لعبدي، غفرت لعبدي فليفعل ما شاء) والحديث متفق عليه. وعن عقبة بن عامر أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! أحدنا يذنب، قال ﷺ : يكتب عليه، قال: ثم يستغفر منه ويتوب، قال: يغفر له ويتاب عليه، قال: فيعود فيذنب، قال: يكتب عليه، قال: ثم يستغفر منه ويتوب، قال: يغفر له ويتاب عليه، قال: فيعود فيذنب، قال ﷺ : يكتب عليه ولا يمل الله حتى تملوا) أخرجه الحاكم وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي وأخرجه الطبراني في الكبير، وقال في المجمع: إسناده حسن. فيا أخي الكريم! إياك وإهمال التوبة مهما كانت معاصيك، والمهم أن تكون جاداً في التوبة صادقاً فيها، فأغلق أبواب الشيطان، وسد المنافذ، وافعل الأسباب وستجد أثر ذلك على قلبك. حفظك الله ورعاك من كل سوء وأعانك ووفقك للتوبة النصوح!

стр. 359

قبل الهاوية أيها الأخ الحبيب! ويا أيتها الأخت الغالية! لست بعيدة، وإنك قريب جداً، إن السعادة والراحة في الاستقامة وأنت قريب منها، المهم أن يكون عندك العزم والهم الصادق. قال ابن القيم في الفوائد: اخرج بالعزم من هذا الفناء الضيق المحشو بالآفات إلى ذلك الفناء الرحب الذي فيه ما لا عين رأت، فهناك لا يتعذر مطلوب ولا يفقد محبوب. انتهى كلامه. فيا أيها المحب! ارجع إلى فطرتك وإلى الخير في نفسك، ستجد أنك قريب من الهداية، والهداية قريبة منك. فإذا استقام على الهداية ركبنا يخضر فوق هضابنا الإقدام وترف أغصان السعادة فوقنا وتزول من أصقاعنا الأسقام إن الدنيا بأموالها ومناصبها وقصورها لا تستحق قطرة دمعة منك، أو حتى هماً أو زفرة من زفراتك، فالرسول ﷺ يقول: (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالماً ومتعلماً) كما عند الترمذي، والله يقول: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ [العنكبوت:٦٤] . فيا أيها المحب! إن نفسك غالية، وربما اليوم أو غداً أو بعد غدٍ قالوا: مات فلان، والموت حق، ولكن شتان بين من مات على صلاح وهداية وبين من مات على فسق وغواية، فإياك والغفلة وطول الأمل والاغترار بالصحة. فكم من صحيح مات من غير علة وكم من سقيم عاش حيناً من الدهر ربما تضحك، وتسعد وتنام مسروراً، وقد لا تصبح: يا راقد الليل مسروراً بأوله إن الحوادث قد يطرقن أسحارا فيا أيها الأخ! ويا أيتها الأخت! بادرا إلى الفضائل وسارعا إلى الصفات الحميدة والأفعال الجميلة، وكل ذلك بالإيمان الصادق بالله . نسأل الله أن يتوب علينا جميعاً، وأن يغفر لنا جميعاً، وأن يجعلنا من الصادقين الصالحين المصلحين، اللهم تب علينا توبة صادقة نصوحاً، اللهم اغفر لنا وارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين! سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 360

الأسئلة

стр. 361

طرق ووسائل لدعوة العصاة والمنحرفين السؤال ما هي الطريقة المثلى في دعوة الشباب الذين أصبحت الرياضة همهم الأكبر مع حبهم للدين؟ الجواب طبعاً رسم الخطة يطول لمثل هؤلاء، ولكن هو فقه يؤتيه الله من يشاء، وهي الحكمة يؤتيها الله من يشاء. ولكني أقول للأحبة وللشباب الصالحين: رفقاً رفقاً بإخوانكم، فربما كنتم يوماً من الأيام أمثالهم، وربما سرتم في يوم من الأيام على طريقهم، فهوينى عليهم، وكلمة طيبة وإرشاداً، مرة بشريط، ومرة بكلمة، ومرة برحلة، ومرة بغير ذلك؛ حتى تجد أنهم بدءوا الطريق وعرفوه، المهم أن تسعى لربط هذا القلب بالله ، قلبك وقلب أخيك أن يكون لنا صلة بالله . إذاً: ليس من المناسب أن نأتي لأمثال هؤلاء الشباب الذين تعلقت قلوبهم بالرياضة -مثلاً- فنقطع عليهم الطريق، أو نريد منهم الانتقال مباشرة من حب الرياضة إلى حب الدين، أو من الجلوس الملاعب إلى الجلوس في المساجد والحلق. أقول: هذا يبدو صعباً، ولكن علينا أن نكون رفقاء، وأن نسعى مع إخواننا بتؤدة وحكمة وكلمة طيبة، وسنجد أثر ذلك معهم، لكن من المؤسف أنني أسمع كثيراً من بعض الرياضيين ومن بعض الشباب المحبين للرياضة -مثلاً- كلامهم على بعض الشباب الطيبين، أو انتقاداتهم على بعض الصالحين، وقد تكون هذه الانتقادات خاطئة -والكثير منها خاطئ إن شاء الله- ولكن منها ما هو صواب إذا أردنا أن نقف على العلاج، فهناك بعض الانتقادات التي توجه إلى بعض الصالحين، فعلى الصالح أن يراجع نفسه، وأن يعلم عندما يسمع أمثال هؤلاء أو غيرهم من إخوانه أنه لا يمثل نفسه فقط وإنما يمثل هذا المنهج وهذه الشريعة التي يدين الله بها، ومن استعان بالرفق، واستعان بالله ، وسأل الله أن يعينه على هداية فلان أو أن يهدي فلاناً، أعانه الله؛ فإن مما لا شك فيه أن الدعاء واللجوء إلى الله سيفتح الطريق لكل مسلم. ونتمنى أن نحمل همّ إيصال الخير لإخواننا، يقسم بعض الناس أنه ما سمع في يوم من الأيام موعظة، ولم يسمع ذكر الله ، لماذا؟ مع أنه -ما شاء الله- ما أكثر الصالحين والخيرين في الحي من الشباب والفتيات. مسئولية من هذا الأمر؟ إنه مسئولية الصالحين والصالحات أمثالكم بارك الله فيكم، أن نوصل الخير للناس بقدر ما نستطيع، إن إهداءك شريطاً واحداً لشاب من الشباب ولأخ من إخوانك بأي طريقة ربما يفتح الله به قلوباً عمياً وليس قلباً واحداً. وأذكر أن إحدى التائبات تقول عن نفسها: أنها كانت مغرمة جداً بالأغاني خاصة الغربية، حتى إن حجرتها مليئة بالصور للموسيقيين الغربيين، تقول: فمرة نزلت من السيارة في المدرسة وإذا بقدمي ترتطم بشيء قاسٍ فنظرت إليه فأخذته، فإذا به شريط أبيض، فوضعته في شنطتي ظناً مني أن فيه مادة -أي موسيقى غربية- تصلح لي، تقول: ثم وصلت إلى غرفتي وبعد أيام وأنا أقلب في شنطتي وجدت ذلك الشريط فأخذته فإذا به موعظة عن الموت، تقول: فانقلب حالي، واستمعت إلى الشريط وتغيرت نفسي، وعلمت أني على خطأ، تقول: بعد ذلك قمت على جميع الأشرطة التي عندي فاستبدلتها، وعلى جميع الصور فأحرقتها، وقد هداني الله ، وأصبحت من الأخوات النشيطات في الدعوة إلى الله . هذا بسبب شريط وجدته ملقى على الأرض. فلماذا نحرم أنفسنا الخير، والدال على الخير كفاعله (ولأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم) ؟!! فالله الله بإيصال الخير للإخوة أو للناس جميعاً بقدر ما نستطيع، فأنتم شهداء الله في الأرض أيها الأحبة.

стр. 362

قصة موت أحد الصالحين هذه قصة من أحد الإخوة يحب المشاركة فيها فلا بأس أن نختم بها، يقول: أحد أقاربي مات بالمستشفى، وقد كان رجلاً صالحاً حافظاً لكتاب الله يعمل في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من أهل قيام الليل، يقول الطبيب: كان يتكلم وهو في غيبوبة ولا أعلم ماذا يقول، وعندما تثبت الطبيب فإذا به يقرأ القرآن وهو في الإنعاش ومات على ذلك. نسأل الله أن يتقبله عنده، وأن يرحمنا برحمته، وأن يحسن خاتمتنا جميعاً، إنه هو الولي على ذلك والقادر عليه.

стр. 363

الرجل الصفر هو ذلك الرجل الذي يتصف بالسلبية ودنو الهمة، ذلك الداء الخطير الذي أصاب الكثير من المسلمين؛ رجلالاً ونساءً، شباباً وفتيات. إنك إن بحثت عن شبابنا وجدتهم على الأرصفة وفي الاستراحات، وفي الصيد والرحلات، وعلى المدرجات الرياضية وخلف الشاشات، حتى بعض الصالحين قد ابتلوا بمثل هذه الأمور، ولا حول ولا قوة إلا بالله! فإلى كل من ابتلي بهذا الداء تهدى هذه الكلمات والتوجيهات، وهذه الوصايا والإرشادات، على اختصار شديد، وتقصير أكيد، نفع الله بها آمين.

стр. 364

حقيقة الرجل الصفر إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين أما بعد: فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته هذه ليلة السبت الموافق للحادي عشر من شهر الله المحرم للعام السادس عشر بعد الأربعمائة والألف من الهجرة النبوية الشريفة والأصل أن يكون عنوان هذا اللقاء: (الخائفون) كما هو معلن، لكن نظراً لعدم اكتمال الموضوع ولبعض الظروف؛ سيكون هذا اللقاء بمشيئة الله بعنوان آخر وهو: (الرجل الصفر) . وأعني بالرجل الصفر ذلك الرجل الذي يتصف بالسلبية ودنو الهمة، ذلك الداء الخطير الذي أصاب الكثير من المسلمين وخاصة الشباب والفتيات، وكما أن هناك رجلاً صفراً، فإن هناك أيضاً امرأة صفراً، وكل ما قيل في هذا الموضوع يشمل الرجال والنساء معاً، إلا فيما يختص به الرجال من مجال، ولذلك على النساء أن ينتبهن وأن يتابعن مثل هذا الموضوع؛ فإنها تشارك الرجل في كل كلمة تقال فيه. إنك إن بحثت عن شبابنا كأمة إسلامية، وجدتهم -وللأسف- على الأرصفة وفي الاستراحات وفي الصيد والرحلات، وعلى المدرجات الرياضية وخلف الشاشات؛ حتى بعض الصالحين -أيضاً- هم كذلك -وللأسف- ابتلوا بمثل هذه الأمور، فبدل أن يكونوا مشاعل هداية ودلال خير، فإذا بالتيار يجرفهم فيزعزع التزامهم وصلاحهم: وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى فإن أطعمت تاقت وإلا تسلت وكانت على الآمال نفسي عزيزة فلما رأت عزمي على الترك ولّت وإذا بحثت عن فتياتنا ومهج قلوبنا، فإذا بهن في الأسواق خلف الخرق والأقمشة، أو خلف سماعات الهاتف يمزقن الفضيلة، أو مع مجلات وروايات تنشر الرذيلة، أو أمام الشاشات والأفلام حتى أصبحن بلا هوية وبلا هدف وبلا مبدأ ولا عزيمة ولا همة، شهوات في شهوات، ولذات في لذات، وآهات وزفرات وحسرات، إلا ما شاء الله من النخبة القليلة. وإني لأعجب أيها الإخوة! ألم يمل أولئك هذه الحياة؟! ألم يسألوا أنفسهم: هب أننا حصلنا على كل ما نريد، ثم ماذا؟ ألم يسألوا أنفسهم هذا السؤال ثم ماذا في النهاية؟! الموت والحساب والعذاب، والقبر والصراط والنار. إذا غامرت في شرف مروم فلا تقنع بما دون النجوم فطعم الموت في أمر حقير كطعم الموت في أمر عظيم إن الموت نهاية الجميع، لكن شتان بين من مات في أمر حقير، وبين من مات في أمر عظيم شتان بين من يموت وهو على طاعة الله، وبين من يموت وهو على معصية الله شتان بين من يموت وهو يحمل هم الإسلام ويحترق قلبه لصلاح المسلمين، وبين من يموت وهو يحمل هم شهوات الدنيا ولذاتها. ألم يأن لشبابنا ولفتياتنا أن يعلموا حقيقة الحياة، والغاية التي من أجلها خلقوا؟ ألم يأن للران أن ينقشع عن القلوب، قبل أن يجمدها هاذم اللذات؟ ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ * اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الحديد:١٦-١٧] . اللهم أحي قلوب المسلمين، اللهم أحي قلوب شبابنا وفتياتنا، اللهم أحي قلوب الشباب الصالحين، اللهم ردها إليك رداً جميلاً، اللهم انفعها وانفع بها يا حي يا قيوم! أيعقل أن يصل الأمر بمسلم -أو بمسلمة- يحمل في قلبه (لا إله إلا الله) إلى مثل هذا الحد من الغفلة والضياع والحيرة والتردد؟ أيها الأخ الحبيب! أيتها الأخت الغالية! إن لـ (لا إله إلا الله) نوراً في القلب، فهل انطفأ هذا النور؟ اسمع لكلام ابن القيم الجميل يوم أن قال: اعلم أن أشعة لا إله إلا الله تبدد من ضباب الذنوب وغيومها بقدر قوة ذلك الشعاع وضعفه، فلها نور وتفاوت أهلها في ذلك النور قوةً وضعفاً لا يحصيه إلا الله تعالى، فمن الناس من نور هذه الكلمة في قلبه كالشمس، ومنهم من نورها في قلبه كالكوكب الدري، ومنهم من نورها في قلبه كالمشعل العظيم، وآخر كالسراج المضيء، وآخر كالسراج الضعيف. ولهذا تظهر الأنوار يوم القيامة بأيمانهم وبين أيديهم على هذا المقدار، بحسب ما في قلوبهم من نور هذه الكلمة علماً وعملاً ومعرفةً وحالاً، وكلما عظم نور هذه الكلمة واشتد أحرق من الشبهات والشهوات بحسب قوته وشدته، حتى إنه ربما وصل إلى حال لا يصادف معها شبهةً ولا شهوةً ولا ذنباً إلا أحرقه. وهذا حال الصادق في توحيده، الذي لم يشرك بالله شيئاً، فأي ذنب أو شهوة أو شبهة دنت من هذا النور أحرقها. فسماء إيمانه قد حرست بالنجوم من كل سارق لحسناته، فلا ينال منها السارق إلا على غرة وغفلة لا بد منها للبشر، فإذا استيقظ وعلم ما سرق منه، استنقذه من سارقه أو حصل أضعافه بكسبه، فهو هكذا أبداً مع لصوص الجن والإنس ليس كمن فتح لهم خزانته وولى الباب ظهره. انتهى كلامه رحمه الله تعالى. فأقول إلى كل من ابتلي بهذا الداء أو بشيء منه -أقصد السلبية ودنو الهمة-: أهدي هذه الكلمات وهذه التوجيهات، سائلاً المولى أن ينفع بها الجميع، وأن يجعلها خالصة لوجهه، مع علمي أن الهمم والعزائم تتفاوت، فلا نريد من أحد إلا ما يقدر عليه ويستطيع، لكن على شرط أن يعلم أن بيده الكثير وأنه قادر على خير وفير، متى؟ إذا علم أنه يحمل لا إله إلا الله في قلبه، وأنه على المبدأ الحق، وأن الله معه يحفظه ويرعاه، وأن الجنة موعده إن توفاه، فإن عاش عاش عزيزاً وإن مات مات شهيداً، عندها أقول: على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم وتعظم في عين الصغير صغارها وتصغر في عين العظيم العظائم ولقد جعلت لهذا الداء مظاهر وأسباباً وعلاجاً، على اختصار شديد وتقصير أكيد، فما هو إلا وجهة نظر واجتهاد بشر يعتريه الصواب والخطأ، أسأل الله أن يغفر لي الخطأ وأن يلهمني الصواب، فما أردت إلا الإصلاح وما توفيقي إلا بالله.

стр. 365

أهم مظاهر السلبية ودنو الهمة من أهم مظاهر السلبية ودنو الهمة أو من أهم صفات ذلك الرجل الصفر أو المرأة الصفر:

стр. 366

الخمول والكسل أولاً: الخمول والكسل: الرجل الصفر أو المرأة الصفر لا يكلف نفسه القيام بشيء، حتى في مصالحه الشخصية، بل ربما في ضروريات حياته كالدراسة أو الوظيفة أو حتى بيته وطلباته، فماذا نقول إذن في حاله مع العبادات والطاعات من قيام ليل، وصلاة وتر، ومن السنن الرواتب، ومن صيام النفل، وقراءة القرآن وغيرها من العبادات ومن النوافل؟ بل انظر لحاله مع الفرائض والتثاقل فيها حتى أصبحت حاله شبيهة بحال المنافقين الذين قال الله عنهم: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [النساء:١٤٢] ﴿وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة:٥٤] . فكيف حاله مع قضايا المسلمين والاهتمام بها؟ وكيف يحمل همّ هذا الدين والدعوة إلى الله ؟ (اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، ومن الجبن والبخل) هكذا كان ﷺ يردد هذا الدعاء علاجاً لهذه الظاهرة.

стр. 367

الرضا بالدون مع القدرة على ما هو أفضل وأحسن ثانياً: من مظاهر الرجل الصفر: الرضا بالدون مع القدرة على ما هو أفضل وأحسن، قال ابن الجوزي في صيد الخاطر: من علامة كمال العقل علو الهمة، والراضي بالدون دنيء. ولم أر في عيوب الناس عيبا كنقص القادرين على التمام والله أيها الأحبة! إني على ثقة أن في شبابنا وفتياتنا ورجالنا ونسائنا خيراً كثيراً، وأن في وسعهم وطاقاتهم الكثير الكثير، ولكن السلبية تلك الداء العضال -أعاذنا الله وإياكم منها- إن الله يربي المؤمنين على التطلع إلى أعلى المقامات، فيقول سبحانه على لسانهم: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ [الفرقان:٧٤] . انظر ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ [الفرقان:٧٤] لم يقل : واجعلنا من المتقين! ولكنها تربية على الهمة العالية والعزيمة الصادقة ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ [الفرقان:٧٤] . إن الله يريد منك أيها الأخ الحبيب! ويريد منك أيتها المسلمة! أن تكون ذا همة عالية، لا أن تكون من المتقين فقط، بل أن تكون إماماً للمتقين، وأن تكوني إمامة للمتقيات، هكذا يريد الله أن يربي هذه النفوس، واسمع لرسول الله ﵌ وهو يقول: (إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس الأعلى) لماذا هذا الأمر؟! (فاسألوه الفردوس الأعلى) لأن المسلم صاحب مبدأ، وهو على الحق فإن عاش عاش عزيزاً، وإن مات مات شهيداً، والله معه مؤيداً وحافظاً، والجنة مستقره وموعده. إذاً: فهو يملك جميع المقومات لأن يكون سيداً على وجه هذه الأرض، وأن يكون إماماً للمتقين، فما الذي يردك أيها الأخ الحبيب؟! ما الذي يردك وأنت على عزة حياً كنت أو ميتاً؟ هكذا يربي الله، وهكذا يربي محمد ﵌ أصحابه وأمته، أن يسألوا الله الفردوس الأعلى، إن أقصى همة أحدنا إذا ذكرت الجنة أن يسأل الله الجنة، ولكن النبي ﷺ يربي فينا التطلع إلى أعلى المقامات، وعدم الرضا بالأمور الدنية، ولذلك: (إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس الأعلى) .

стр. 368

التقيد بروتين الحياة وعدم التطلع إلى الجديد ثالثاً: من مظاهر الرجل الصفر: التقيد بروتين الحياة وعدم التطلع إلى الجديد: اعتاد بعض المسلمين على نمط معين من الحياة ودرج عليه، فيثقل عليه المشاركة، ويصعب عليه العمل، وكلما حدث بأمر كان الرد منه سلباً، حتى أصبح المسكين لا قيمة له ولا ينظر إليه، ولا يسمع لكلمته، ربما مع سعة علمه وعلو مركزه رضي بالدون ورضي برتابة الحياة، حتى ملها هو بنفسه، وأصبح يعيش في هامش الحياة لا معنى له، فكيف تريد من الآخرين أن يحترموك أو يستجيبوا لك أو حتى يسمعوا كلمتك؟ مع ما أوتيت من علم ومن مركز مرموق، فإن الناس ينظرون إلى علو همتك، وينظرون إلى صدق كلمتك، وينظرون إلى عملك يا أيها الأخ الحبيب!. إن بعض الناس إذا مات لا يبكيه أهله ومدينته فقط، بل تبكيه الأمة بكاملها؛ لأن الأمة فقدته، لم يفقده أهله لوحدهم، ولم تفقده مدينته لوحدها، بل فقدته الأمة بكاملها، كل الأمة تبكي عليه، من أجل أي شيء هذا؟ لأن الرجل كان رجلاً ممتازاً، كان رجلاً معطاءً، كان رجلاً عاملاً نشيطاً، وبعض الناس إذا مات بكاه أهله أياماً، وربما قالوا في قرارة أنفسهم: الحمد لله الذي أراحنا منه، فهو كلٌ عليهم، بل ربما ضاقت به نفسه التي بين جنبيه بهمومها وغمومها وقلقها ومرضها ونفسيتها، نفسه ربما ضاقت عليه، لماذا؟ لأنه لا همّ له إلا في شهواته وملذاته؛ فضاقت عليه نفسه، وضاق به أهله، وضاق به أهل مدينته، فكم من رجل وكم من امرأة، يتعوذ الناس من شره ومن شرها. لعمرك ما الرزية فقد مال ولا شاة تموت ولا بعير ولكن الرزية فقد فذ يموت بموته خلق كثير وشتان بين هذا وذاك، فإن من الناس من همته في الثرى -أي: في التراب- وإن من الناس من همته في الثريا، ولذلك كان إبراهيم بن أدهم ﵀ يردد هذه الأبيات الجميلة، واسمع له أيها المحب! واسمعي له أيتها الأخت الغالية، كان يقول ﵀: إذا ما مات ذو علم وتقوى فقد ثلمت من الإسلام ثلمه وموت الحاكم العدل المولى بحكم الأرض منقصة ونقمه وموت فتى كثير الجود محل فإن بقاءه خصب ونعمه وموت العابد القوام ليل يناجي ربه في كل ظلمه وموت الفارس الضرغام هدم تشهدت له بالنصر عزمه فحسبك خمسة يبكى عليهم وباقي الناس تخفيف ورحمه وباقي الخلق هم همج رعاع وفي إيجادهم لله حكمه أترضى أن تكون من التخفيف والرحمة؟! أترضين أيتها الأخت المسلمة الغالية! أن تكوني من الهمج الرعاع؟! والله لا نرضى نحن لمسلم أن يكون تخفيفاً ورحمة، فضلاً على أن يكون من الهمج الرعاع، كيف يرضى مسلم عاقل أن يقتله روتين الحياة ورتابتها؟ كيف يرضى مسلم عاقل أن تذهب الأيام والليالي والشهور والسنون وهو على حاله بدون تطور ولا تقدم؟! اسأل نفسك: كم عمرك الآن؟ كم بلغت من العمر الآن؟ عشرون سنة؟ ثلاثون سنة، أربعون سنة؟ أسألك بالله هل أنت راض عن نفسك أيها الأخ الحبيب؟! ماذا قدمت خلال هذه السنوات؟ وهل أنت في تطور أم أنك ما زلت على حالك، وعلى ما أنت فيه منذ سنوات طويلة؟ إن المسلم العاقل صاحب المبدأ، وصاحب اليقين لا يهدأ له بال ولا يقر له قرار حتى يقدم ما في وسعه، وحتى يتقدم، وحتى يكون غده أفضل من أمسه. اسمع لـ ابن الجوزي وهو يقول رحمه الله تعالى: ولله أقوام ما رضوا من الفضائل إلا بتحصيل جميعها، فهم يبالغون في كل علم ويجتهدون في كل عمل، ويثابرون على كل فضيلة، فإذا ضعفت أبدانهم عن بعض ذلك قامت النيات نائبة وهم لها سابقون، وأكمل أحوالهم إعراضهم عن أعمالهم، فهم يحتقرونها مع التمام، ويعتذرون من التقصير، ومنهم من يزيد على هذا فيتشاغل بالشكر على التوفيق لذلك، ومنهم من لا يرى ما عمل أصلاً؛ لأنه يرى عمله ونفسه لسيده. وبالعكس من المذكور عن أرباب الاجتهاد حال أهل الكسل والشره والشهوات، فلئن ارتدوا بعاجل الراحة لقد أوجبت ما يزيد على كل تعب من الأسف والحسرة، ومن تلمح صبر يوسف ﵇، وعجلة ماعز -أي في التوبة- بان له الفرق وفهم الربح من الخسران، ولقد تأملت نيل الدر من البحر، فرأيته بعد معاناة الشدائد، ومن تفكر فيما ذكرته -مثلاً- بانت له أمثال، فالموفق من إذا تلمح قصر الموسم المعمول فيه، وامتداد زمان الجزاء الذي لا آخر له، انتهب -أي: حرص- حتى اللحظة، وزاحم على كل فضيلة، فإنها إذا فاتت فلا وجه لاستدراكها، أوليس في الحديث يقال للرجل: (اقرأ وارق فمنزلك عند آخر آية تقرؤها) فلو أن الفكر عمل في هذا حق العمل حفظ القرآن عاجلاً. انتهى كلامه ﵀.

стр. 369

الاستجابة للنفس الأمارة بالسوء رابعاً: من مظاهر الرجل الصفر: الاستجابة للنفس الأمارة، الاستجابة لشهواتها ولذاتها، بل وتمكينها قيادة العقل وتغييبه، حتى لم يعد يصبح للنفس اللوامة مكاناً، فمات الشعور بالذنب، ومات الشعور بالتقصير، لذلك ظن الكثير من المسلمين أنه على خير، بل ربما لم يرد على خاطره أنه مقصر، فبمجرد قيامه بأصول الدين، وبمجرد محافظته على الصلوات، بل ربما والتزامه في الظاهر ظن في نفسه خيراً عظيماً، رأى نفسه فظن فيها خيراً عظيماً، ولكن ما كيفية هذا القيام؟ وما حقيقة هذا الالتزام؟ وهل قبل الله منه أم لا؟ بل لماذا نسي مئات بل آلاف من الصغائر التي تجمعت عليه من الذنوب والمعاصي؟ ففي حديث سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه وأرضاه، أن رسول الله ﷺ قال: (إياكم ومحقرات الذنوب، فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن واد فجاء ذا بعود وجاء ذا بعود، حتى جمعوا ما أنضجوا به خبزهم، وإن محقرات الذنوب متى يأخذ بها صاحبها تهلكه) أخرجه أحمد بسند حسن. فأعجبتنا أنفسنا وأعمالنا، فرضينا بما نحن عليه، وأعلنا الاكتفاء وعدم المزيد، فكانت النتيجة: السلبية ودنو الهمة، وعدم التطلع لما هو أفضل وأحسن، وربما نظر أحدنا إلى من هو دونه في العبادات فأعجبته نفسه، وتقاعس عن الكثير من أبواب الخير. واسمع لشعر هذا الكناس وعزته، قال الأصمعي: مررت بكناس -يكنس الشوارع- في البصرة ينشد يقول: فإياك والسكنى بأرض مذلة تعد مسيئاً فيها إن كنت محسنا ونفسك أكرمها وإن ضاق مسكن عليك بها فاطلب لنفسك مسكنا هذا الذي يقوله الكناس، فقلت -أي: الأصمعي -: والله لن يبقى بعد هذا مذلة، وأي مذلة بعد الكنس؟ فقال الكناس: والله لكنس ألف مرة، أحسن من القيام على باب مثلك. هكذا تكون عزة المسلم أياً كان ذلك العمل الذي يقوم به، مادام أنه يقوم به لله .

стр. 370

كثرة الجلسات وضياع الأوقات خامساً: من المظاهر أيضاً: كثرة الجلسات والدوريات وضياع الأوقات، وهذا من أخطر المظاهر التي ظهرت وانتشرت أخيراً، فإنك تبحث عن شبابنا ورجالنا وربما عن فتياتنا ونسائنا، فتجدهم مساء كل يوم ربما في الاستراحات والدوريات وعلى الأرصفة وعلى الشاطئ، وليس الخطر في الاجتماعات ذاتها، بل في كثرة الكلام دون عمل يفيد الأمة وينفع الأجيال، وكثرة الجدال والمراء، هذا إن سلمت الجلسات من الغيبة والنميمة والجرح والثلب وتنقص الآخرين، وسلمت من وسائل اللهو المحرم، وإلا فإن الطامة أعظم. إنك لتتألم أشد الألم وأنت تعلم أن في تلك الجلسات أعداداً هائلة من أصحاب الطاقات والمواهب والعقول والأفكار، يلتقون على الأقل في الأسبوع مرة واحدة، أي: في السنة ما يقرب من ثمان وأربعين لقاء، واللقاء الواحد لا يقل عن خمس ساعات، ربما تزيد أو تقل، فما هي النتيجة؟ بماذا خرجوا بعد هذه الاجتماعات الطويلة؟ وماذا قدموا لأنفسهم؟ وماذا قدموا لعقيدتهم؟ وما هي حصيلة العلم التي كسبوها من هذه الجلسات؟ والموضوع يحتاج لا شك إلى دراسة وتأمل وتوجيه مفيد لاستغلال مثل هذه الجلسات، ومثل هذه الدوريات والاجتماعات. لكن هذه إشارة سريعة لنعلم حجم السلبية في مجتمعنا المسلم، وبالتالي حجم الخسارة لكثير من طاقاتنا ومواهبنا وعقولنا وأفكارنا، بل لأوقاتنا حتى وأعمارنا، فقد نمى إلى علمي أن هناك شباباً لهم جلسات ودوريات في كل يوم، حتى أصبحت همه وشغله الشاغل، فلماذا هذا التنصل من الواجبات؟ ولماذا هذا الهروب من الواقع؟ أيعقل أنهم لا يعلمون أنهم مسئولون عن هذا الواقع المرير للأمة الإسلامية؟ أيعقل أيها الأحبة! أن هذه الأعداد الغفيرة التي تجلس على الأرصفة وفي المجالس وفي الدوريات والاستراحات وغيرها، أنهم لا يعلمون أنهم مسئولون أمام الله عن هذا الواقع المرير عن حال الأمة الإسلامية؟! قد يقول قائل منهم: ماذا باستطاعتنا أن نقدم؟ أقول: والله إن باستطاعتك الكثير لو فكرت أنت وأصحابك أن تستغلوا هذه الجلسات أولاً: لنفع أنفسكم، وثانياً: لنفع أولادكم وأهليكم، ثم بعد ذلك لنفع أمتكم، إن من فكر وجد، وإن من حرص وحمل الهمّ عرف كيف يعمل، أما الجلوس في المجالس وعلى الأرصفة والاستراحات والكلام والقيل والقال بما لا ينفع، فإن هذا ضياع للأعمار والأوقات والطاقات والمواهب والأفكار والعقول. والله أن كل فرد منا عليه حجم من المسئولية مهما كان: لا تلم كفي إذا السيف نبا صح مني العزم والدهر أبى مرحباً بالخطب يبلوني إذا كانت العلياء فيه السببا

стр. 371

التهرب من الأعمال الجدية سادساً: من مظاهر السلبية القاتلة في صورها المتعددة: عدم الاستعداد للالتزام بشيء، التهرب من كل عمل جدي، خداع النفس في الانشغال وهو فارغ. كم من الناس إذا كلف بأمر قال: مشغول، وحقيقة أمره أنه غير مشغول، أو أنه مشغول بمثل هذه الجلسات ومثل هذه اللقاءات، أو الانشغال في شهوات النفس وملذاتها، أو التسويف والتأجيل وتأخير الأعمال والغفلة والنسيان المستمر لما كلف به، والأخطر من ذلك كله النقد المستمر لكل عمل إيجابي، وتضخيم الأخطاء، كل ذلك تبرير لعجزه وسلبيته القاتلة، بعض الناس لا يعمل، ويا ليته لم يعمل فقط، بل جعل نفسه راصداً لأعمال إخوانه، مرة بالنقد، ومرة بالجرح، ومرة بالتثبيط والتخذيل والتنصل للمشاركة والعمل، فكلما طلبناه في مكان، قال لنا: مشغول، وكلما كلفناه في مشاركة قال: لا أستطيع، بل كلما حدثناه في أمر كان لنا مثبطاً ومخذلاً. ولم أجد الإنسان إلا ابن سعيه فمن كان أسعى كان بالمجد أجدرا وبالهمة العلياء ترقى إلى العلا فمن كان أعلى همة كان أظهرا ولم يتأخر من أراد تقدما ولم يتقدم من أراد تأخرا إذاً فلكل شيء سبب، فإذا أردت أن تجعل نفسك في مكانها فلتتخذ ما ترضاه أنت لها.

стр. 372

تعطيل العقل سابعاً: تعطيل العقل. وتعطيل العقل موضوع يطول ولعلكم تسمعونه قريباً -إن شاء الله- بدرس خاص بهذا العنوان: تعطيل العقل. تعطيل العقل وعدم التفكير، وإن فكر كثير من المسلمين والمسلمات واستخدم عقله فإذا هو يفكر فيما يحبه ويشتهيه كالرحلات والصيد والجلسات والملذات، وكأنها الهدف الذي خلق لها، فهبطت اهتماماته وسفلت غاياته، فلا قضايا المسلمين تشغله، ولا مصائبهم تحزنه، ولا شئونهم تعنيه، وإن حدث شيء من ذلك فعاطفة سرعان ما تبرد ثم تزول. نرى كثيراً من الشباب والفتيات وكثيراً من المسلمين أصحاب عقول وأفكار، فعطلوها حتى أصبحوا أصفاراً على الشمال، فإما تقليد وإما تبعية للآخرين عمياء، وإما سكر للعقل بشهواته وحتى وإن كانت مباحة، هذا كلام للجميع، للرجال والنساء ملتزمين أو غير ملتزمين، فلكل حظ ونصيب من تعطيل عقله، ولعلي أقف هنا مشيراً إلى أن تحرص على أن تسمع ذلك الموضوع بعنوان: تعطيل العقل.

стр. 373

عقدة المستحيل ولا أستطيع ثامناً: من مظاهر الرجل الصفر أو المرأة الصفر: عقدة المستحيل ولا أستطيع، ولا أقدر، مظهر من مظاهر السلبية ودنو الهمة. كم من المرات نضع بأنفسنا العقبات والعراقيل أمام كثير من مشاريعنا!! نحن بأنفسنا نصنع العقبات ونصنع العراقيل، والواقع يشهد بهذا، فلماذا عذر المستحيل وعذر عدم الاستطاعة وعدم القدرة هي الورقة التي نلوح بها دائماً، فنغلق نحن بأيدينا الأبواب في وجوهنا؟ والله يا أيها الإخوة! لو فكرنا وحاولنا لوجدنا أن كثيراً من العقبات والعراقيل التي تقف أمامنا إنما هي عراقيل وعقبات وهمية، وما هي إلا حيل نفسية، فكر جيداً وارجع لنفسك وحاسبها وستجد أننا بأنفسنا نعيق أنفسنا عن العمل، فكل أمر بمقدور البشر أن يفعله لا يمكن أبداً أن يكون مستحيلاً، وكل أمر بمقدورك أنت أيها الإنسان! أن تفعله لا يمكن أن يكون مستحيلاً أبداً. سئل نابليون: كيف استطعت أن تولد الثقة في أفراد جيشك؟ فأجاب: كنت أرد بثلاث على ثلاث، من قال: لا أقدر، قلت له: حاول، ومن قال: لا أعرف، قلت له: تعلم، ومن قال: مستحيل، قلت له: جرب. هكذا إذاً. فأقول لك: لا تيئس اجعل هذه الكلمة شعاراً لك لكل عمل تقوم به، فلكل مجتهد نصيب، وإن من أدمن قرع الباب ولج. كن رابط الجأش وارفع راية الأمل وسر إلى الله في جد بلا هزل وإن شعرت بنقص فيك تعرفه فغذ روحك بالقرآن واكتمل وحارب النفس وامنعها غوايتها فالنفس تهوى الذي يدعو إلى الزلل قال ابن الجوزي: فصل: نشدان الكمال -أي: طلب الكمال-. قال فيه: "فينبغي للعاقل أن ينتهي إلى غاية ما يمكنه، فلو كان يتصور للآدمي صعود السماوات لرأيت من أقبح النقائص رضاه بالأرض، فلو كانت النبوة تأتي بكسب لم يجز له أن يقنع بالولاية، ولو كانت تحصل بالاجتهاد رأيت المقصر في تحصيلها في حضيض، غير أنه إذا لم يمكن ذلك فينبغي أن يطلب الممكن، أو تصور أن يكون -مثلاً- خليفة لم يحسن به أن يقتنع بإمارة، ولو صح له أن يكون ملكاً لم يرض أن يكون بشراً، والمقصود أن ينتهي بالنفس إلى كمالها الممكن لها في العلم والعمل. انتهى كلامه ﵀.

стр. 374

التثبيط والتيئيس للآخرين تاسعاً: من مظاهر السلبية ودنو الهمة ومن صفات الرجل الصفر: التثبيط والتيئيس للآخرين: فإن الرجل الصفر لا يكتفي -كما أسلفت- بعدم المشاركة، بل أصبح قاطع طريق، وعوناً للشيطان وحزبه، فتجده يخلق الأعذار والأسباب، وربما ألبسها الصبغة الشرعية لتبريره لعجزه وعدم مشاركته، وصدق الأحمر النحوي بقوله: لنا صاحب مولع بالخلاف كثير الخطأ قليل الصواب ألج لجاجاً من الخنفساء وأزهى إذا ما مشى من غراب فليس لديه شجاعة الاعتراف بالخطأ والتقصير، وليس -أيضاً- لديه الاستعداد للعمل والمشاركة، ولكنه على أتم استعداد للنقد والتجريح، والثلب والتقبيح، فإلى الله وحده نشكو أمثال هؤلاء، ألا فليتق الله أولئك الإخوة الذين نصبوا أنفسهم مثبطين ومخذلين لإخوانهم، ونصبوا أنفسهم قاطعي طريق للأعمال الخيرية في كل مكان، ولذلك فنحن نقول لأمثالهم: كن عوناً لإخوانك، أو على الأقل اعمل ولو لوحدك، فإن الهدف واحد والغاية واحدة، فإن لم يكن هذا ولا ذاك فما أجمل الصمت (فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيراً أو ليصمت) وإن المثبط لإخوانه ليخشى عليه والله أن يبوء بإثمه وإثم الآخرين، وأذكر هنا بقول الحق : ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل:٢٥] فلينتبه وليحذر أولئك النفر.

стр. 375

الضعف والفتور مظهر عاشر وأخير: من مظاهر الرجل الصفر في مثل هذا الواقع: الضعف والفتور أثناء أوقات العافية، أو في مراحل العمل الجاد، فإنك تكاد لا ترى للرجل الصفر نشاطاً ولا تعرف عنه جداً، فإذا ما وقعت مصيبة أو وقعت فتنة أو كان الخلاف، رأيته وأصحابه ينشطون وحول الحرص على الدعوة يتحدثون، وفي التخطيط ومعرفة العمل هم يلهجون، وفي الناس يصنفون ويقسمون، وصدق الشاعر يوم أن قال: وإخوان عهدتهم دروعا فكانوها ولكن للأعادي وخلتهم سهاماً راميات فكانوها ولكن في فؤادي وقالوا: قد صفت منا قلوب لقد صدقوا ولكن عن ودادي ولكني أقول كما قال الآخر أيضاً: عداتي لهم فضل عليّ ومنة فلا أبعد الرحمن عني الأعاديا هم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا والوقائع والأحداث والفتن هي التي تميز بين أناس وأناس، فإن لكل من الحق والباطل رجالاً، كما أن الحق يحمله رجال وينافحون عنه، فكذلك الفتن لها رجال يحملونها ويدعون الناس لها، ويتحملون كبرها، ولكن بين حملة الحق والصابرين عليه ودعاة الفتنة جمهور يتنازعهم الخير والشر، ومن هنا ينبغي الحذر من دعاة الفتن ومن يتأثر بهم من الرعاع، وضعاف النفوس وأتباع الهوى، وما أجمل ذلك القول لـ علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه الذي نقله الشاطبي في كتاب الاعتصام، فقال -أي: علي -: [إن هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها للخير، والناس ثلاثة: فعالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجئوا إلى ركن وثيق، أف لحامل حق لا بصيرة له، ينقدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة، لا يدري أين الحق، إن قال أخطأ، وإن أخطأ لم يدر، شغوف بما لا يدري حقيقته، فهو فتنة لمن فتن به] إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى ورضي الله تعالى عنه. هذه عشرة مظاهر من مظاهر الرجل الصفر.

стр. 376

أسباب السلبية ودنو الهمة ثم إني أسوق إليك أيها المحب! أسوق إليك أيضاً أسباباً للسلبية ودنو الهمة، لماذا الرجل الصفر أصبح رجلاً صفراً؟ لماذا كثير من المسلمين والمسلمات أصبحوا فعلاً أصفاراً لا قيمة لهم على هامش الحياة، لا معنى لهم، لا قيمة لهم، لا يقدمون شيئاً لأنفسهم فضلاً على أن يقدموا شيئاً لعقيدتهم ودينهم وهدفهم ومبدئهم؟ لماذ؟ اسمع إلى هذه الأسباب التي اجتهدت فيها وأسأل الله أن يوفقني للصواب.

стр. 377

الجهل والغفلة عن الغاية التي خلق من أجلها أول هذه الأسباب: الجهل أو الغفلة عن الغاية التي من أجلها خلق. فأقول لكل إنسان ولكل إنسانة: ألست مسلماً؟ أو لستِ مسلمة؟ ألم ترض بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ نبياً رسولاً؟ ألا تعلم أن الغاية التي من أجلها خلقنا هي تحقيق العبودية لله في الأرض؟ هذا هو الهدف الذي من أجله خلقنا: عبودية الله، تحقيق العبودية لله تعالى على هذه الأرض. ألا تعلم أن العبادة هي الغاية التي من أجلها خلقت أيها الحبيب؟! إن بعض الناس قد يجهل الهدف الذي من أجله خلق، وبعض الناس قد يعلم ولكنه يغفل وتغفله شهوات الدنيا ولذاتها عن ذلك الهدف. ألا تعلم أن المعنى الصحيح لذلك الهدف الذي من أجله خلقنا وهي عبادة الله كما عرفها أهل العلم، لا كما يريدها أعداء الله . إذاً: فالغاية التي من أجلها خلقنا هي عبادة الله؛ ولكنها ليست العبادة فقط في المسجد، وليست الصلاة والصيام والحج والزكاة، لا وألف لا، وإنما العبادة التي يريدها الله : العبادة بمفهومها الشامل، العبادة التي عرفها أهل العلم يوم أن قالوا هي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة. هكذا يريد الله أن تكون العبودية، يوم أن تكون العبودية في كل شأن من شئون حياتك أيها المسلم! تكون العبودية لله في مسجدك، وفي بيتك، وفي وظيفتك، وفي شارعك، وفي تجارتك، وفي كل مكان ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢] هكذا هي العبودية، هكذا هو الهدف الذي من أجله خلقنا، وهكذا يريده الله ، عندها يعلم الإنسان أن كل حركة وكل سكنة وكل نفس، كل شيء يعمله، يؤجر عليه إن أخلص النية لله فيه، ويصير عبادة لله ، حتى وأنت تجامع أهلك، ألم يقل ﷺ : (وفي بضع أحدكم صدقة) . حتى وأنت تمارس الرياضة، ألم يقل ﵌: (وإن لجسمك عليك حقاً) حتى وأنت تخرج مع إخوانك وأصدقائك للجلسات والاستراحات، فإنه لإدخال الراحة والاستجمام والانبساط إليهم، فقد قال ﷺ : (ابتسامك في وجه أخيك صدقة) . المهم أخلص النية في ذلك لله ، واحتسب ذلك عند الله ، والمهم أن يكون ذلك العمل مُرضٍ لله ، أن يكون الله راض عن هذا العمل. إذاً: بعد ذلك اعمل ما شئت، وقل ما شئت بهذين الشرطين: أن يكون خالصاً لله، وأن يكون الله راض عنه، اعمل وتابع في ذلك رسول الله ﷺ ، هذه هي العبادة. ألا تعلم أن العبادة غاية الذل لله مع غاية الحب له، فأي حب لله هذا الذي أقعدك؟ أين البينة على هذه المحبة؟ فلو يعطى الناس بدعواهم لادعى الخلي حرقة الشجي، فلا تقبل الدعوى إلا ببينة: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١] فإذا غرست شجرة المحبة في القلب وسقيت بماء الإخلاص، ومتابعة الحبيب ﷺ ، أثمرت أنواع الثمار، وهذا ما نريده. اسمع لأمنية ربيعة بن كعب الأسلمي ﵁ وأرضاه قال: (كنت أبيت مع رسول الله ﷺ ، فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي: سل، فقلت -يقول ربيعة رضي الله تعالى عنه- فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة) انظر للأمنية وانظر للهمة العالية، فإن ربيعة رضي الله تعالى عنه وأرضاه كما يقول أيضاً الحديث في لفظ عند أحمد في مسنده يقول ربيعة: (أنظرني يا رسول الله! حتى أنظر في أمري، يقول: ففكرت في نفسي فعرفت أن الدنيا منقطعة زائلة، وأن فيها رزقاً سيكفيني ويأتيني، فقلت: أسأل رسول الله ﷺ لآخرتي، فإنه من الله بالمنزل الذي هو به، قال: فأتيت رسول الله، فقال لي: ما فعلت يا ربيعة؟ فقلت: أسألك أن تشفع لي إلى ربك فيعتقني من النار، قال رسول الله ﷺ : من أمرك بهذا يا ربيعة؟ -وقد كان ربيعة شاباً- من أمرك بهذا يا ربيعة؟ قلت: لا والذي بعثك بالحق ما أمرني به أحد، ولكنك قلت سلني أعطك، وكنت من الله بالمنزل الذي أنت به، ففكرت في أمري وعرفت أن الدنيا منقطعة زائلة وأن لي فيها رزقاً سيكفيني، فقلت: أسأل رسول الله ﷺ لآخرتي. قال: فصمت رسول الله ﷺ ثم قال: إني فاعل فأعني على نفسك بكثرة السجود) . هذه هي أمنية ربيعة، وهذا هو الهدف الأول عند ربيعة ﵁ وأرضاه. إذاً: فالهدف دائماً يكون في مخيلة كل مسلم، الهدف الذي من أجله خلقت هو الفيصل في كل أعمالك وأقوالك وأفعالك وتصرفاتك، فلا بد أن يكون الهدف واضحاً لكل مسلم فهو الضابط له في أعماله، وهو الضابط لحبه وبغضه، لأكله وشربه، لشكله ولبسه، لذهابه ومجيئه، لقيامه وجلوسه، لزوجه وأولاده، لأصحابه وخلانه، لكل شئون الحياة صغيرها وكبيرها، دقيقها وجليلها، أما إذا ضاع الهدف أولم يتضح له فإن الإنسان يتخبط، فمرة في ضياع، ومرة في هموم، ومرة في صلاح، ومرة في شقاء، وهكذا لا يدري من يرضي ذلك المسكين، حتى وإن كان له عقل وبصر، هكذا إذا ضاع الهدف من الإنسان. إذاً: فأول أسباب السلبية ودنو الهمة هو ضياع الهدف، أو الجهل بالغاية التي من أجلها خلقت أيها الأخ الحبيب!

стр. 378

صحبة ذوي العزائم الواهية والهمم الدنيئة السبب الثاني: صحبة ذوي العزائم الواهنة والهمم الدنيئة: وهذا السبب من أكثر الأسباب تأثيراً، فالإنسان سريع التأثر بمن حوله، ولهذا كان التوجيه النبوي: (الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل) والحديث أخرجه الترمذي في كتاب الزهد وأحمد في كتاب الأدب وقال الترمذي عنه حسن غريب وحسنه الألباني كما في صحيح الجامع. أقول: إن هذا من أهم أسباب السلبية ودنو الهمة حتى وإن كان أصحابك من الصالحين، لا تعجب! نعم. حتى وإن كان أصحابك من الصالحين ومن أهل الخير، فما داموا أصحاب همم ضعيفة وعزائم واهنة ولا يهمهم إلا مصالحهم الشخصية، والأنس والضحك وقضاء الأوقات بدون فائدة فلا خير فيهم، بل إن صلاحهم حجة عليهم يوم أن يقفوا بين يدي الله ، فعلى العاقل ألا يغتر بصحبة الصالحين تاركاً عيوب نفسه، بل هذه حيلة نفسية يجب التنبه لها. قال عمر بن عبد العزيز: [إن لي نفساً تواقة، لقد رأيتني وأنا بـ المدينة غلام مع الغلمان، ثم تاقت نفسي إلى العلم وإلى العربية والشعر فأصبت منه حاجتي وما كنت أريد، ثم تاقت نفسي وأنا في السلطان إلى اللبس والعيش والطيب فما علمت أن أحداً من أهل بيتي ولا غيرهم كان في مثل ما كنت فيه، ثم تاقت نفسي إلى الآخرة والعمل بالعدل فأنا أرجو ما تاقت نفسي إليه من أمر آخرتي] انتهى كلامه رحمه الله تعالى. هكذا تكون النفس التواقة، هكذا تكون النفس المؤمنة، كلما رغبت بأمر استطاعت أن تحصل عليه، هكذا تكون النفوس مجاهدة صابرة متحملة، حتى تنال ما تريد. فجاهد نفسك يا أخي الحبيب! جاهدي نفسك أيتها المسلمة! لا نستطيع أن نصل إلى ما يريده الله من العزة والتمكين إلا بمجاهدة هذه النفوس، لنجاهد أنفسنا ولنقل لها: ذريني أنل ما لا ينال من العلا فصعب العلا في الصعب والسهل في السهل تريدين إدراك المعالي رخيصة ولا بد دون الشهد من إبر النحل

стр. 379

نسيان الذنوب وقتل الشعور بالخطأ السبب الثالث: نسيان الذنوب، الغفلة عن الذنوب وقتل الشعور بالخطأ، أو إن شئت فقل: ضياع الوازع الديني أو النفس اللوامة، أو إن شئت فقل -أيضاً-: قلة الخوف من الله ، سبب من الأسباب التي جعلت كثيراً من الناس صفراً، أصبح ذلك الرجل الصفر أسيراً لذنوبه فهو لا يستطيع التخلص منها، فلا هي -أي: الذنوب والمعاصي- دفعته إلى العمل الصالح والإكثار منه لعلها تكون سبباً لمحوها وغفرانها، وهذا هو الأصل، الأصل في المسلم أنه إذا أذنب ووقع في السيئات أن يسارع ليعمل صالحاً لعلها أن تمحو تلك الذنوب والسيئات، ولذلك قال الحق : ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] وقال ﵌: (وأتبع السيئة الحسنة تمحها) هذا هو الأصل، ولكن الرجل الصفر كان أسيراً لذنوبه فلا هي التي دفعته للعمل الصالح، ولا هي -أيضاً- التي جعلته ينظر لنفسه، بل جعلته أسيراً مسكيناً ضعيفاً خامل النفس أسيراً لها. الرجل الصفر أسير للمعاصي والذنوب، قيدته وكبلته، فإذا حدثته بالعمل والتحرك شكا لي ضعفه وكثرة ذنوبه، بل ربما ظن بعض الصالحين لكثرة ذنوبه بنفسه النفاق، حتى وإن تحرك وعمل قال: أنا منافق، وهو ما زال على ذنوبه ومعاصيه، وهذه شبهة أحرقت علينا كثيراً من الطاقات والعقول والأفكار. نرى كثيراً من الشباب صاحب معاصٍ وصاحب ذنوب، فإذا قلنا له: اعمل وأكثر من النوافل، قال: أنا أخشى أن أكون منافقاً، لماذا؟ قال: لأني آتي المسجد وأدخل وأصلي وأنا صاحب ذنوب ومعاصٍ كثيرة. إذاً: فالحل في نظره أن يقعد عن العمل وأن يبتعد عن الساحة، وأن يبقى داخل قفص الشيطان وأوهامه مع الذنوب والمعاصي، وغفل هذا المسكين عن أن خير علاج للذنوب، وخير علاج للسيئات والتقصير هو العمل وكثرة التوبة والاستغفار، فإن أبى فإني أخشى عليه من الانحراف، فالنفس إن لم تشغلها بالطاعة شغلتك بالمعصية.

стр. 380

الزهد في الأجر وعدم الاحتساب السبب الرابع: الزهد في الأجر وعدم الاحتساب، والغفلة عن أهمية الحسنة الواحدة، وهذا لا شك نتاج الغفلة عن الموت ونسيان الآخرة، وإلا فإن المؤمن مجزي على مثقال الذرة، إن المؤمن مجزي على مثقال الذرة، كما أنه محاسب عليها -أيضاً- ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه﴾ [الزلزلة:٧-٨] إن قلب المؤمن والمؤمنة ذلك القلب الحي يرتعش لمثقال ذرة من خير أو شر، وفي الأرض قلوب لا تتحرك من الذنوب والمعاصي. لماذا نعمل؟ لنسأل أنفسنا، اسأل نفسك أيها الأخ الحبيب! واسألي نفسك أيتها الغالية! لنسأل أنفسنا جميعاً، لماذا نعمل؟ لماذا نتحرك؟ لماذا نحبس أنفسنا عن الشهوات مع أن الله جبل هذه النفس على الشهوات وحبها، فلماذا إذاً نحرمها من الشهوات؟ لماذا نحرم أنفسنا من الجلسات؟ لماذا نجاهد أنفسنا؟ لماذا تبح أصواتنا؟ لماذا نصرف أموالنا؟ لماذا نغض أبصارنا؟ لماذا نحفظ أسماعنا عن سماع الحرام والغناء وغيره؟ لماذا نمسك اللسان عن الكلام؟ لماذا نطعم الطعام؟ ولماذا نكثر الخيرات، ونكثر السلام؟ لماذا نحرص على القيام والصيام؟ لماذا كل هذا؟! الإجابة واحدة، قول الحق : ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً﴾ [الإنسان:١٠] . يظن أصحاب الشهوات والمعاصي أنه ليس في أنفسنا توقاً ولا شوقاً إلى هذه الشهوات، بل والله إن في أنفس الصالحين شوقاً إلى كثير من الشهوات، أياً كانت هذه الشهوات: شهوة المال، أو شهوة الفرج، أو شهوة البطن أو غيرها من الشهوات؛ لكن ما الذي يردنا؟ وما الذي يمنعنا؟ إنه خوف الله : ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً﴾ [الإنسان:٩] لعلنا أن نسمع النتيجة بفرح وسرور يوم أن يقول الحق : ﴿فَوَقَاهُمْ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً * مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً * وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً * وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ * قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً * وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً * عَيْناً فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً * وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنثُوراً * وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً * عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً * إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً﴾ [الإنسان:١١-٢٢] جزاءً على ما صبرتم، جزاءً على ما حبستم النفس عن شهواتها، جزاءً على ما تكلمتم ونصحتم وأنكرتم وأمرتم، جزاءً على ما بذلتم من أموالكم وفعلتم وتقدمتم وتحركتم، جزاءً على كل خير كان كلمة أو فعلاً، جزاءً على كل شيء قمتم به في هذه الدنيا ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً﴾ [الإنسان:٢٢] .

стр. 381

الخوف والأوهام السبب الخامس: الخوف والأوهام: فالخوف أكل قلب الرجل الصفر، أكل قلوب الكثيرين وهم أحياء، فهم يرون ما يجري لبعض الدعاة، ولأجل هذا تعطلت الأعمال بزعمهم وتوقفت الدعوة، فهو يخاف على نفسه تارة، وعلى ولده وعلى عمله، وربما ظن أن كل الناس يراقبونه ويلاحقونه، وهكذا تستمر الأوهام والتخيلات حتى وقع فريسة لها وقعد عن العمل. ونحن نقول: نعم. إن طريق الدعوة إلى الله مليء بالعقبات والأشواك، ولولا والله هذه العقبات وهذه المعوقات لشككنا في طريقنا، ولكن أن نعطل أعمالنا ونحسب كل صيحة علينا ونغلق كل الأبواب حتى وإن كانت مفتوحة فلا، بل هي والله وسوسة شيطان، اسمع لقول الحق : ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥] وإذا سمع المؤمن أقوال المثبطين الخائفين ذكر قول الحق مباشرة: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣] . ورحم الله أصحاب تلك الهمم العالية يوم أن كانوا يطلبون الموت ويبحثون عنه في كل ساحة. أخرج النسائي في (كتاب الجنائز باب الصلاة على الشهداء) من حديث شداد بن الهاد (أن رجلاً من الأعراب جاء إلى النبي ﷺ فآمن به واتبعه، ثم قال: أهاجر معك، فأوصى به النبي ﷺ بعض أصحابه، فلما كانت غزوة، غنم النبي ﷺ سبياً فقسم وقسم له، فأعطى أصحابه ما قسم له، وكان يرعى ظهرهم، فلما جاء دفعوه إليه، فقال: ما هذا؟ قالوا: قسم قسمه لك النبي ﷺ ، فأخذه فجاء به إلى النبي ﷺ ، فقال: ما هذا؟ فقال النبي ﷺ : قسمته لك، قال الأعرابي: ما على هذا اتبعتك، ولكني اتبعتك على أن أرمى إلى ها هنا -وأشار إلى حلقه- ولكني اتبعتك على أن أرمى إلى ها هنا فأموت فأدخل الجنة) الله أكبر! هكذا كانوا يطلبون الموت رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم (ما على هذا اتبعتك، ولكني اتبعتك على أن أرمى إلى ها هنا فأموت فأدخل الجنة، فقال النبي ﷺ : إن تصدق الله يصدقك، فلبثوا قليلاً ثم نهضوا في قتال العدو، فأتي به إلى النبي ﷺ يحمل قد أصابه سهم حيث أشار، فقال النبي ﷺ : أهو هو؟ قالوا: نعم. قال: صدق الله فصدقه، ثم كفنه النبي ﷺ في جبته، ثم قدمه فصلى عليه، فكان فيما ظهر من صلاته -أي: في دعائه-: اللهم هذا عبدك خرج مهاجراً في سبيلك فقتل شهيداً، أنا شهيد على ذلك) والحديث صحيح كما قال الألباني في صحيح النسائي. وانظر إلى تأثير بنات المحدث الثقة عاصم بن علي بن عاصم أحد شيوخ الإمام أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنهما وأرضاهما، ومن أقران شعبة بن الحجاج، وكيف صبر في محنة الإمام أحمد وتقوى على الثبات عندما كتبت إليه بناته بتثبيته على الحق، اسمع ماذا قلن البنات، اسمعي أيتها المرأة! كيف تكون الصالحة معينة لزوجها الصالح؟ قالت البنيات: يا أبانا! إنه بلغنا أن هذا الرجل أخذ أحمد بن حنبل فضربه على أن يقول القرآن مخلوق، فاتق الله ولا تجبه، فو الله لئن يأتنا نعيك أحب إلينا أن يأتينا أنك أجبت. ذكره الخطيب البغدادي في تاريخه. فأي أثر ستبقيه هذه الكلمات في نفس عاصم بن علي؟ إن هذه الكلمات لم تأت من فراغ، بل من تربية جادة على الهمة العالية والغاية المنشودة. فأين نحن من ذلك مع أزواجنا وأولادنا وبناتنا؟ إن همة بعضهم لا تتعدى شهوات الدنيا ولذاتها، فأي تربية هذه التي يعيشها المسلمون مع أولادهم وبناتهم وأنفسهم؟ -والله المستعان-. قال ابن القيم رحمة الله تعالى عليه: واحمل بعزم الصدق حملة مخلص متجرد لله غير جبان واثبت بصدرك تحت ألوية الهدى فإذا أصبت ففي رضا الرحمن والحق منصور وممتحن فلا تعجب فهذه سنة الرحمن لكنما العقبى لأهل الحق إن فاتت هنا كانت لدى الديان

стр. 382

التردد والتذبذب والحيرة والارتياب السبب السادس: التردد والتذبذب والحيرة والارتياب: هذا السبب جعل كثيراً من الناس سلبياً، وجعل كثيراً من الناس صفراً، فهو لا يدري من يرضي ولا يدري من يتبع، ولقلة علمه وضعفه أصبح كالريشة في مهب الريح، تؤثر فيه الأقوال المزخرفة. وأقول لمثل هذا وأشكاله: إن منهج أهل السنة والجماعة وهدي السلف الصالح رضوان الله عليهم، واضح بين لا غموض فيه ولا تزلف لأحد، يشع في النفس راحة واطمئناناً، والالتزام به عامل مؤثر في الاستقرار والاستمرار، فعض عليه بالنواجذ، وانبذ أهل الهوى وجرح الناس ولمزهم، وعليك بالعمل الجاد، عليك بالعمل فإنه خير دليل على سلامة المنهج. فإن الله يطالبنا بالعمل وليس بالجدال والمراء وتتبع الزلات والأخطاء، فاثبت بارك الله فيك، واترك التردد والحيرة، وأكثر بل ردد دائماً قوله ﷺ : (اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد) فإذا حصل الثبات أولاً والعزيمة ثانياً أفلح كل الفلاح ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران:١٥٩] . إياك والتردد، فإذا عزمت على أمر فتوكل على الله. إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة فإن فساد الرأي أن تترددا

стр. 383

عدم الثقة بالنفس السبب السابع: عدم الثقة بالنفس، والورع الكاذب الذي أصيب به عدد من المسلمين، فتجده يعتذر عن إلقاء كلمة، لأنه لا يستطيع، وهو قادر؛ لكنه الخوف من الفشل والتهيب من المواجهة وهكذا في كل أمر يعرض عليه، فتقتل الطاقات، وتموت المواهب ولا شك أنه مسئول عنها أمام الله، فأعد للسؤال جواباً. إذا لم تستطع شيئاً فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع أما أن تجلس وأما أن تقعد وأن تتسكع بين شهوات النفس ولذاتها فلن نرضاه لك أبداً، فمتى تتخلص من عقدة (لا أستطيع ولا أقدر) ؟ وإذا قلنا له مثل ذلك قال: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] . وأقول: إن في وسعك الكثير، فحاول وجرب وإن لم تنجح، أليس في هذا معذرة إلى ربكم؟ ﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [يس:١٧] ثم إني أنبهك لأمر نغفل عنه كثيراً وهو مهم للغاية ألا وهو: أن الأخيار والنبلاء والعلماء ما برزوا إلا بالشجاعة والثقة بالنفس، وإلا فإن عند غيرهم بضاعة وكنوزاً، ولكنهم تخوفوا وجبنوا فما شعوا وما لمعوا: حب السلامة يثني عزم صاحبه عن المعالي ويغري المرء بالكسل

стр. 384

وجود أمراض القلب كالحسد وغيره السبب الثامن والأخير: أمراض القلب كالحسد وسوء الظن والغل، فإذا أصيب القلب بهذه الأمراض انشغل بالخلق عن الخالق، وزادت همومه وكثر كلامه، فلا تسمعه إلا متنقصاً للآخرين مغتاباً لهم، لا همّ له سوى الكلام والقيل والقال، بل هو يحزن لفرح أخيه ويفرح لحزنه، وبلية البلايا أن يرى أنه على حق وكل من خالفه فهو على باطل ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً﴾ [فاطر:٨] وربما عرف أنه أخطأ واكتشف الخلل، ولكنها الشهوة الخفية -أعاذنا الله منها- في التصدر والترفع وحب الرياسة، أهلكته وأصمته -نعوذ بالله من ذلك-: قبيح من الإنسان ينسى عيوبه ويذكر عيباً في أخيه قد اختفى فلو كان ذا عقل لما عاب غيره وفيه عيوب لو رآها بها اكتفى وأقول: هل أنت رجل صفر أم لا؟ وهل أنت امرأة صفر أم لا؟ امتحان يسير لمعرفة النفس، أجب بينك وبين نفسك على هذه الأسئلة السريعة: انظر لنفسك عند قراءة كتاب بل رسالة من الرسائل الصغيرة. انظر لنفسك عند حفظ شيء من القرآن والاستمرار عليه. انظر لنفسك عندما تريد الإنفاق أو التردد في المقدار. انظر لنفسك عند قيام الليل، بل عند المحافظة على الوتر. انظر لنفسك وتقصيرك في الدعوة إلى الله والشح في الوقت لها. انظر لنفسك عند طلب العلم، والمواصلة والاستمرار على ذلك. انظر لنفسك والشجاعة في إنكار المنكرات وتحمل الأذى في سبيل الله. انظر لنفسك والاشتياق إلى الجنة والسعي لتكون من أهلها. انظر لنفسك واهتمامها بالمسلمين وأحوالهم، وهل تحزن لمصابهم؟ وضابط ذلك: الدعاء لهم. انظر لنفسك في الأعمال الخيرية، والمشاريع الدعوية ومدى حرصك عليها والرغبة فيها. أجب على نفسك عن هذه الأسئلة السريعة وغيرها، حتى تعلم هل أنت رجل صفر، أم أنك رجل ممتاز؟ أجب على نفسك بصراحة، فإن أول العلاج أن تعرف الداء، وأن تعرف أنك أخطأت، فاتهم النفس وقف معها وصارحها، وعندها سينطلق الإنسان.

стр. 385

علاج السلبية ودنو الهمة أخيراً: ما هو العلاج؟ وما هو الطريق؟ أقول: العلاج يتلخص في هذه النقاط السريعة:

стр. 386

وضوح الهدف والغاية أولاً: وضوح الهدف والغاية والمبدأ -وقد أسلفت الحديث عن هذا-. ماض وأعرف ما دربي وما هدفي والموت يرقص لي في كل منعطف وما أبالي به حتى أحاذره فخشية الموت عندي أبرد الطرف فرحم الله حرام بن ملحان يوم أن عرف هدفه في الحياة، حرام بن ملحان أرسله النبي ﷺ مع القراء لقبيلة من قبائل مشركي قريش، فكان يعرض عليهم رسالة رسول الله ويبلغهم الرسالة، فأشاروا إلى رجل منهم أن اطعنه من خلفه، فأنفذ الرمح من ظهره فطعنه من ظهره حتى أنفذ الرمح من صدره، فإذا بـ حرام ﵁ وأرضاه يلتفت إلى القاتل ويقول: [الله أكبر الله أكبر! فزت ورب الكعبة، فزت ورب الكعبة] سبحان الله يا حرام! إنك تغادر الدنيا وشهواتها، تغادر الزوجة والأولاد، فأي فوز هذا الذي فزت فيه؟! ولكنه يعلم رضي الله تعالى عنه لماذا يعيش؟ إن أسمى أمانيه أن يموت في سبيل الله، وإن أعظم أمانيه أن يصيبه أمر في سبيل الله، وإنه يقرأ في كتاب الله: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩] . ورحم الله خبيب بن عدي يوم أن كان مصلوباً على جذع وكان المشركون يقولون له: أترضى يا خبيب أن يكون رسول الله في مكانك الآن؟ فماذا قال رضي الله تعالى عنه؟! قال: [والله لا أرضى أن يكون محمد بين أهله الآن تصيبه شوكة، ثم قال هذه الأبيات -واسمع إلى الرجل الممتاز يوم أن يعرف الغاية التي من أجلها خلق- قال: لقد جمع الأحزاب حولي وألبوا قبائلهم واستجمعوا كل مجمع وقد جمعوا أبناءهم ونساءهم وقربت من جذع طويل ممنع إلى الله أشكو كربتي بعد غربتي وما جمع الأحزاب لي حول مصرعي فذا العرش صبرني على ما يراد بي وقد بضعوا لحمي وقد ياس مطمعي وقد خيروني الكفر والموت دونه وقد ذرفت عيناي من غير مجزع وما بي حذار الموت أني لميت ولكن حذاري جحيم نار ملفع وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع ولست أبالي حين أقتل مسلماً على أي جنب كان في الله مصرعي ]

стр. 387

الخوف من الله ثانياً: من العلاج: الخوف من الله خير زاد لعلو الهمة. احرص على خوف الله، املأ قلبك بخوف الله، راقب الله، اعلم أن الله يراك، استعن بالله ، واعلم أنه معين لك في كل أمر، وأنه مطلع عليك في كل حال وفي كل مكان وفي كل مقام، فكر بهذه الأمور حتى يمتلئ قلبك تعظيماً لله، فإن من كان بالله أعرف كان لله أخوف.

стр. 388

مصاحبة أصحاب الهمة العالية ثالثاً: مصاحبة أصحاب الهمم العالية: إذا ما صحبت القوم فاصحب خيارهم ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي وقل لي: من تصاحب؟ أقل لك: من أنت.

стр. 389

النظر في سير المجتهدين رابعاً: النظر في سير المجتهدين، وفي سير السلف الصالح، وفي أصحاب الهمم والعزائم، اقرأ في السير والتراجم، فلا تترك فضيلة وقفت عليها ويمكن تحصيلها إلا حصلتها فإن القعود عن الفضائل حالة الأراذل. فكن رجلاً رجله في الثرى وهامة همته في الثريا

стр. 390

التنافس على الخيرات خامساً: التنافس على الخيرات والشعور بألم الفوات، اسأل نفسك بحق كم يفوتك من الحسنات؟ كم من الناس اهتدوا فكانوا في موازين الآخرين؟ اسأل نفسك لماذا لم يكن هؤلاء الذين اهتدوا في موازين أعمالك أنت؟ لماذا لم تكن أنت الذي مد يده بشريط أو مد يده بكتاب، أو لسانه بكلمة طيبة، أو عقله بفكرة أو طرح؟ فالله يقول: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:١٤٨] ويقول: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦] . إن مجرد فكرة تقولها أيها الأخ! وتطرحها في مجلس من المجالس يعمل بها لك أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة. من قال أن الوقف لله يجب أن يكون مالاً أو عقاراً؟! يمكن أن تطرح فكرة للمسلمين عامة فيعمل بها، فتكون هذه الفكرة وقفٌ لله تعالى، أنت صاحب الوقف تؤجر عليها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
следующие страницы →