Полный текст (623 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
أمور قبل العتاب
ليس مثلي يا أخي الحبيب! من يبدأ العتاب، فأنا الملوم وأنا المتهم، فهو لي ولمن شاكلني من المقصرين، وأنت تسمع هذه الحوارات وتنتقل بين هذه الصور انتبه لأمور: الأمر الأول: قد تتصور بعض النساء أنهن غير مقصودات بهذا الحديث، لا.
بل كلامي للصالحين والصالحات الذين نذروا أنفسهم للدعوة إلى الله وإبلاغ الكلمة من رجال أو نساء.
والأمر الثاني: انظر لنفسك وكن صادقاً معها، وأنت أعرف بنفسك، فلربما كانت الصور كلها فيك -أي: التي سنذكر- ولربما كان بعضها أو أحدها، والاعتراف بالخطأ فضيلة، وتشخيص المرض بداية العلاج.
والأمر الثالث: فإن لم يكن فيك شيء من هذه الصور وهذه الحوارات، فما أقل أن يكون لك صاحب عزيز وحبيب إلى قلبك تعلم هذا من حاله، فتوصله هذا العتاب، وإن شاء الله برقة قلبه، وسلامة صدره، وحبه للخير، سيُجني الثمار إن شاء الله تعالى.
ولا أظنك بحاجة إلى تعليق، وإلى بيان مع كل صورة، فلا تنتظر هذا مني، ولكن كن فطناً وافهم المقصود رعاك الله.
إذاً: فلكل سامع لهذا الحوار أن يتصوره مع صاحبه وخليله، وليختر مما ذكر من الملاحظات ما يناسب، فإنها قد لا تجتمع في شخص، وقد يكون فيك أو في صاحبك شيء منها، وقد لا يكون، وما أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
стр. 457
الصورة الأولى: تتبعك لعثراتي وسقطاتي
تعال نتعاتب وأقول لك يا أخي الحبيب! لماذا أصبحت تفرح بسقطاتي، وتتبع عثراتي، وتعد ألفاظي، بل وتحسب عليّ أنفاسي؟! أنسيت أني بشر، وأنني أخطئ وأصيب، وأن لي نفساً تغضب وترضى؟! وأنا لا أبريء نفسي ﴿إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف:٥٣] ، ومع ذلك كله فإني في جهاد معها، فأقِلَ عليّ لا أبا لك، وكن لي عوناً عليها.
لي ذنوب ولست أنكر فاغفر فالتجني على المقر اعتداء
لي حقوق أيضاً عليك ولكن ذكر مثلي لمثل هذا جفاء
ولا تنس أنك أنا، وأنا أنت، فأحب لي ما تحب لنفسك:
وإذا شئت أن تدعى كريماً مكرماً حليماً ظريفاً ضاحكاً فطناً حرا
إذا ما بدت من صاحب لك زلة فكن أنت محتالاً لزلته عذراً
стр. 458
الصورة الثانية: سماعك لكلام الناس فيّ
أخي! تعال نتعاتب فعجيب أمرك، إنك أخي وصفيي وصديق عمري، فكم ذهبنا وجئنا، وأكلنا وشربنا، ونمنا وقمنا وضحكنا وحزنا، فعرفتني وعرفتك، ثم فجأةً إذا بك تسمع كلام الناس فيّ، فتردد ما يقولون:
ولا خير في خل يخون خليله ويلقاه من بعد المودة بالجفا
ومنك وعيشاً قد تقادم عهده ويظهر سراً كان بالأمس قد خفا
واسمع لـ ابن الجوزي رحمه الله تعالى وهو يقول في صيد الخاطر (فصل: أين الخل الوفي؟) : كان لنا أصدقاء وإخوان أعتد بهم، فرأيت منهم من الجفاء وترك شروط الصداقة والأخوة عجائب، فأخذت أعتب ثم انتبهت لنفسي فقلت: وما ينفع العتاب، فإنهم إن صلحوا فللعتاب لا للصفاء، فهممت بمقاطعتهم، ثم تفكرت فرأيت الناس بين معارف وأصدقاء في الظاهر وإخوة للباطن، فقلت: لا تصلح مقاطعتهم إنما ينبغي أن ننقلهم من ديوان الأخوة إلى ديوان الصداقة الظاهرة، فإن لم يصلحوا لها نقلتهم إلى جملة المعارف وعاملتهم معاملة المعارف، ومن الغلط أن تعاتبهم فقد قال يحي بن معاذ: بئس الأخ أخ تحتاج أن تقول له اذكرني في دعائك.
انتهى كلام ابن الجوزي.
ويقصد هنا أنَّ الأصل أن الأخ يدعو لأخيه بدون أن يوصيه إن كان أخ صادق.
لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم أذنب وإن كثرت في الأقاويل
ومن يطع الواشين لا يتركوا له صديقاً وإن كنت الحبيب المقربا
وأخيراً أقول لك:
لو لم تكن لي في العيون مهابة لم يطعن الأعداء فيّ ويقدحوا
стр. 459
الصورة الثالثة: يوم أن اغتبتني وتنقصتني لمجرد اختلاف وجهات النظر
تعال نتعاتب فبالأمس القريب يوم أنت وزيد، يوم ذكرتني وتنقصتني، ودارت النجوى بينكما فزدت وزاد، وقلت وقال، وطارت الكلمات بكل مطار، وسارت بها الركبان، فأصبحت على كل لسان، وما ذاك إلا أنني عملت بخلاف رأيك، وخالفتك في وجهة نظرك، وأنت ممن يقول: إن الخلاف لا يفسد للود قضيةً.
فيا عجباً! ما أسهل الكلمات، ولكننا بحاجة للعمل والتطبيق.
قال يونس الصدفي: ما رأيت أعقل من الشافعي، ناظرته يوماً في مسألة ثم افترقنا، ولقيني فأخذ بيدي ثم قال: يا أبا موسى! ألا يستقيم أن نكون إخواناً، وإن لم نتفق في مسألة؟! أو تذكر يوم غضبت عليّ، واتهمتني بالسطحية، وعدم فهم الواقع، فقط لأنني وقفت أمامك ألا تغتاب فلاناً، وقلت لك: اتركه، فذكرت أن فيه وفيه وأن ما تقوله حق، سبحان الله! أتراك غفلت أن الغيبة ذكرك أخاك بما يكرهه مما هو فيه؟! أعلم أنك شيخ لي في أحاديث الغيبة والنميمة والنجوى وأضرارها وشدة تحريمها، أو أنك تقول:
ولا بد من نجوى إلى ذي مروءة يواسيك أو يسليك أو يتوجع
والبيت صحيح بقول الشاعر: ولا بد من شكوى.
ولعل الصور واضحة، وكما ذكرت لا داعي للتعليق على كل صورة، ولكن لكل إنسان أن يختار ما شاء من هذه الصور إن اجتمعت وإن تفرقت.
стр. 460
الصورة الرابعة: نصحتك فغضبت وحقدت
تعال نتعاتب أتذكر يوم أن نصحتك تلك النصيحة، وأنكرت عليك ذلك المنكر؟! تذكر جيداً، هل ذكرته؟! إنني لا أنسى ذلك اليوم أبداً، فقد كنت أبحث عن الكلمات الرقيقة والعبارات اللطيفة فتعبت أيما تعب في اختيار الألفاظ، كل ذلك حرصاً على مشاعرك وتقديراً لنفسيتك وتحرياً لآداب النصيحة، فماذا كانت النتيجة؟ قبلت ذلك على مضض وأخذت تكيد لي، وترصد حركاتي، وربما فرحت الأُذن بما تسمع في غيبتي، والعجيب أنني أسمعك تردد دائماً (المؤمن مرآة أخيه) وتردد دائماً (رحم الله امرأً أهدى إليَّ عيوبي) فما دهاك غفر الله لك؟! ورويّ أن رجلاً صحب رجلاً، فلما أراد أن يفارقه قال له: أخبرني عن عيوبي، فقال: سل غيري، فإني كنت أراك بعين الرضا.
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا
стр. 461
الصورة الخامسة: قلة زيارتي وجفوتي لك
أيها الصديق! أيها الخل الوفي! تعال نتعاتب ولك الحق أن تعتب عليّ بجفوتي لك وهجري إياك -كما تقول- فتشكو قلة زيارتي، ولكن لو كنت آتيك على نحو ما تستحق لأتيتك كل يوم، وأقول لك كما قال أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: إن لي إخواناً لا ألقاهم إلا في كل سنة مرةً، لأنا أثق بمودتهم ممن ألقى كل يوم.
وإن زرتنا فبفضلك، وإن زرناك فلفضلك، فلك الفضل زائراً ومزوراً
يا نسيم الروض في السحر ومثال الشمس والقمر
إن من أسهرت مقلته لقرير العين بالسهر
فمثلك يعتذر لمثلي، وتعلم انشغالي في أمور لا تتسع معها أوقات الزيارة.
قال أبو الحسن بن قريش: حضرت إبراهيم الحربي وجاءه يوسف القاضي ومعه ابنه أبو عمر فقال له: يا أبا إسحاق! لو جئناك على مقدار واجب حقك لكانت أوقاتنا كلها عندك، فقال: ليس كل غيبة جفوةً ولا كل لقاء مودةً، وإنما هو تقارب القلوب.
فيا أيها الحبيب! إن صبرت وعذرت فحسبي أن تكون كمن قال:
مسني من صدود إلفي ضر فبنات الفؤاد ما تستقر
مسني ضره فأوجع قلبي غير أني بذاك منه أسر
стр. 462
الصورة السادسة: إساءة الظن بالآخرين
أخي وعزيزي! تعال نتعاتب فلا ينبغي لك أن تسيء الظن بالآخرين بما ترى من تصرفاتهم، أو تسمع من أقوالهم، أو تعتقد صدوداً أو إعراضاً منهم بمجرد الظن والتخمين، فليس هذا عدلاً، فربما خفيت عليك الحقيقة، ولربما أرادوا وقصدوا أمراً آخر، ولربما أن ذلك الفعل أو الكلام لا مقصود له، ولو أنك ناقشت هؤلاء لتبين لك خلاف ما تظن، فالناس بشر يحصل لهم الخطأ والسهو والغفلة، فلا تدخل في مقاصد الناس ونياتهم، فإني أراك أسهبت -رعاك الله- في مثل هذا، واحمل الناس على محمل الخير ليستريح قلبك من الهموم، ومع ذلك كله فاعلم أن رسول الله ﷺ زار جاره وهو يهودي مع شدة أذاه له، واعلم -أيضاً- أن ابن تيمية رحمه الله تعالى حزن جداً لوفاة أشد أعدائه.
يقول ابن القيم ﵀: جئت يوماً مبشراً له -أي ابن تيمية - بموت أكبر أعدائه وأشدهم عداوةً وأذىً له، فنهرني وتنكر لي، واسترجع ثم قام من فوره إلى بيت أهل عدوه فعزاهم وقال لهم: إني لكم مكانه، ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه، ونحو هذا من الكلام، فسروا به، ودعوا له، وعظموا هذه الحالة منه، فرحمه الله تعالى ورضي الله عنه.
انتهى كلام ابن القيم.
إذاً: فمن ضاق صدره على ما عند الآخرين من خير، فلينصف نفسه فلن يجني إلا الكدر، والحقد، والحسد.
إذا أعجبتك خصال امرئ فكنه تكن مثل ما أعجبك
فليس عن الجود والمكرمات إذا جئتها حاجب يحجبك
стр. 463
الصورة السابعة: تقصيرك في النوافل
يا أخي! إني أراك من الشباب الصالحين وفي عداد القدوات، ويشار إليك بالبنان، هذا كله فيما أسمع وأعرف عنك، ولكني أرى من فعالك عجباً! فأراك أول المقصرين في النوافل، حتى في السنن الرواتب، فكم من المرات تركتها وتثاقلت عنها، رأيتك مراراً مفطراً في الأيام البيض قلت: لعله من أهل الاثنين والخميس، فأثبتت المناسبات، وكئوس الشاي والقهوة في كل مرة خلاف ذلك، بل واحتمل عتابي، فإني لا أكون ظالماً لك إذا قلت لك: إن الفريضة يعتريها كثير من النقص والتقصير، فإني أراك آخر المصلين دخولاً للمسجد وأول الخارجين منه، أين التسبيح والتحميد؟ أين التهليل؟ أين ذكر الله؟! القرآن يشكو هجرك، فلربما مر اليوم واليومان بل والأسبوع ولم تقرأ شيئاً منه، والعياذ بالله.
فأُحسن الظن فأقول: أعماله الدعوية كثيرة وانشغالاته التربوية كبيرة، ولكننا ننسى أو نغفل أن من أعظم وسائل الدعوة والتربية القدوة الحسنة، فالأمة في أزمة قدوات.
وقبل أن أتركك تفكر بما قلت لك، أذكرك بحديث جندب رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله ﷺ قال: (مثل الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه) رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن إن شاء الله تعالى.
стр. 464
الصورة الثامنة: ماذا قدمت للمسلمين ؟
تعال نتعاتب فأقول لك: كم من المرات سمعتك تتألم لأحوال المسلمين، وتتوجع لحاجات المساكين؟ وسمعتك تتحدث عن كيد أعداء الدين وصور أذاهم للمسلمين، ثم تختم كلامك بقولك: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠] فماذا قدمت؟ وماذا فعلت؟ وإن في وسعك الكثير الكثير! [وإني لأبغض الرجل أراه فارغاً ليس في شيء من أعمال الدنيا ولا عمل الآخرة] كما قال ابن مسعود رحمه الله تعالى.
ولكن ما زلت في ذهابك، وإيابك، وجلساتك، ورحلاتك، وتضييع أوقاتك.
إذاً: لماذا تلوم الأعداء بأنهم يعملون ويخططون ويدبرون؟! أم أنك تريدهم أن ينصروا الدين ويفتحوا البلاد للمسلمين؟ أيها المؤمن! أنت فرد ولكنك أمة؛ بقوة إيمانك تقوى الأمة، وبصلاحك وعملك تصلح الأمة، وأنت في المستقبل القريب -إن شاء الله- عالم جليل، أو مسئول كبير، أو من رجال التربية والتعليم، أو قائد محنك، أو طبيب ماهر، ولكن لا بد من الصبر وبذل النفس والمال، فسجل اسمك في التاريخ، أيها الشاب! أيها الأخ! سجل اسمك في التاريخ فساهم ولو بالقليل، فإنك لا تدري بماذا يغفر لك.
стр. 465
الصورة التاسعة: عدم ثبات شخصيتك
تعال نتعاتب يا أخي الحبيب! فإنني في حيرة من أمرك، فكل يوم لك فكر ولك وجهة، فاليوم لك منهج وغداً لك منهج آخر، وبعد أيام لا هذا ولا ذاك، فهل أصفك بأنك أُذن؟! -والأُذن: هو المستمع القابل لما يقال له- فلماذا تتبع كل ما تسمع وتسير خلف كل ناعق؟ فأصبحت تحكم على الآخرين بانحراف، وقصور في منهجهم، أو صفاتهم، أو أخلاقهم بمجرد سماع قصة، أو قراءة خبر، أو استماع شريط، أو حديث مجلس.
فأين ثبات الشخصية؟ وأين العقل المدرك؟ لماذا أصبحت كالريشة في مهب الريح تكفؤها أينما اتجهت بدون مبدأ ولا بصيرة تستنير بها؟! ثبات الشخصية يا أخي الحبيب! تعني قوة الثبات في وجه التيارات المنحرفة، والتمسك بالدين القويم، والنصح الصحيح، فاستمسك -بارك الله فيك- بما أنت عليه من الحق المبين، ولا يحركك تهيج المرجفين، فلا تبتئس بما يقولون ولا تحزن بما يفعلون.
فالثبات الثبات متوكلاً على مولاك، والله يتولى الصالحين ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ [الرعد:١٧] .
واحذر! من المنشقين الجراحين المبذرين للوقت والجهد والنشاط في قيل وقال وكثرة السؤال عن تصنيف العباد، فهو ذنب تلبسوا به وبلوى وقعوا فيها، وادع لهم بالعافية، واحذر يا رعاك الله! عافانا الله وإياك، ووقانا الفتن ما ظهر منها وما بطن.
стр. 466
الصورة العاشرة: الانقطاع وعدم الاستمرار
أيها الأخ العزيز! تعال نتعاتب لقد شكوت لي حالك، وقلة بضاعتك في العلم والعمل، وذكرت لي أنك بدأت بحفظ القرآن فانقطعت، وبدأت بحضور درس الشيخ فلان فانقطعت، وذكرت لي أنك هممت بقراءة بعض الكتب فبدأت فانقطعت، وذكرت -أيضاً- أنك بدأت بعمل دعوي مع إخوة لك ثم انقطعت، وذكرت -أيضاً- أنك بدأت بنشاط للحي ومسجده ثم انقطعت، ثم ذكرت لي -أيضاً- أنك بدأت بمشروع خيري مع إخوانك فانقطعت، وبدأت بحفظ المتون فانقطعت وهكذا أنت مع كل مشروع في حياتك كما تزعم.
فأقول: يا سبحان الله! لقد أصبحت ذواقاً، فكيف ستبني شخصيتك، أو ستربي نفسك؟! وهذه بلوى كثير من شبابنا، فما أن يسلُك أمراً ويبدأ فيه إلا ويمله ويتركه، وما يبدأ بأمر فيعرف طريقه ويستوي على ظهره إلا وسرعان ما يصيبه الإملال، ثم هكذا يبدأ بعمل ثم ينتقل لعمل آخر، وهكذا يمضي العمر وتمضي الأوقات وهو في مكانه لا يتقدم بل يتأخر.
فالله الله! بالاستمرار والمداومة فكل نتاج بشري يبدأ أوله صغيراً، ثم مع الدوام والعزيمة يكبر ويكبر حتى يكون كما أريد له، والعاجز من بدأ ثم وقف متعللاً ببعد الطريق ووعورة المقصد، فرضي لنفسه بيومه، أي: رضي لها بالدعة والإهمال، فهو في عداد الموتى قبل أن يموت؛ لأن الحي الموفق من بدأ وتابع واستثمر كل ما يملك حتى ينجز ما نشد ورام.
وقل لي بالله يا أخي الحبيب؟! أكان يمكن أن يكون لمثل أبي حاتم الرازي أن يصنف كتابه المسند في ألف جزء، والجزء يساوي خمسة وعشرين صفحةً؟! أو يكون لمثل الإمام الطبري أن يزيد عدد أوراق مصنفاته الجليلة على نصف مليون ورقة؟! أو يكون لمثل الإمام ابن عقيل الحنبلي أن يصنف كتابه الفنون في ثمانمائة مجلد؟! أو يكون لمثل الحافظ ابن عساكر أن يصنف كتابه تاريخ دمشق في ثمانين مجلدة كبيرة؟! أو يكون لمثل شيخ الطب في زمانه ابن النفيس، أن يصنف كتابه الطبي الذي سماه الشامل -أيضاً- في ثمانين مجلدة؟! أو حتى يكون لمثل الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى التي أربت مصنفاته على أربعمائة مصنف من نخب العلم ودقاقه؟! وسواهم في سواها مما لا يحيطه حصر ولا عدد، لولا العزيمة الماضية، والهمة العالية، ومتابعة العمل، ودوام العطاء، ورصف المسألة بجوار المسألة، وتقييد الخاطرة تلو الخاطرة ووضع النظير مع النظير، وهكذا مع محاسبة للنفس على دقائق العمر وثوانيه، متوجاً ذلك كله بصدق النية وصدق التوكل؛ لما كانت هذه ثمرتهم.
إذاً: فخاطب نفسك يا أخي الحبيب! واقض على هذه المشكلة وقل لها:
ذريني أنل ما لا ينال من العلا فالصعب في الصعب والسهل في السهل
تريدين إدراك المعالي رخيصة ولا بد دون الشهد من إبر النحل
لتكن صاحب همة عالية وعزيمة صادقة، وتذكر بذلك الأسلاف رحمهم الله تعالى.
وما أصدق الشاعر الأديب بهاء الدين ابن النحاس الحلبي في قوله:
اليوم شيء وغداً مثله من نخب العلم التي تلتقط
يحصل المرء بها حكمة وإنما السيل اجتماع النقط
إن العمل مطلوب، والهمة مرجوة، والمتابعة والمداومة شرط لنجاح العمل، وصدق رسول الله ﷺ حين قال: (عليكم من الأعمال ما تطيقون؛ فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب الأعمال إلى الله ما دوم عليه وإن قل) أخرجه البخاري ومسلم.
وذكر ابن حبان في صحيحه من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: (كان عمله ﵌ ديمةً) أي: دائم مستمر غير منقطع، وكما يقال: قليل دائم خير من كثير منقطع فهل وجدت لهذا الأمر ولهذا الانقطاع حلاً -رعاك الله وبارك فيك- حتى نكسب شخصاً ونكسب داعيةً بوقته وعلمه وعمله.
стр. 467
خاتمة المطاف
وفي الخاتمة: وأخيراً: أعتذر إليك يا أخي الحبيب! فقد أثقلت وأكثرت العتاب ولكن إكثاري بجانب عفوك وحلمك قليل، ولكن صدقت الخلة فزالت الكلفة، وقد كان السلف رضوان الله عليهم إذا غضبوا غفروا وصفحوا؛ طلباً لفضيلة العفو وكظم الغيظ.
من لي بإنسان إذا ما أغضبته وجهلت كان الحلم رد جوابه
وإذا طربت إلى الحديث شربت من أخلاقه وسكرت من آدابه
وتراه يصغي للحديث بقلبه وبسمعه ولعله أدرى به
فأنا أعلم أنكم أدرى بمثل ما قلت، وأن ما عندكم خير مما عندي، ولكنه العتاب الذي يكون بين الأحباب والأصحاب، خلجات قلب وهمسات صدر أحببت أن أبثها لإخواني.
ولما انتهى العتاب بيني وبين صاحبي واتجهت إلى الباب، عمد صاحبي إلى العناق وأكثر من البكاء والانتحاب.
وقفنا وثالثنا عبرة فيشكو إليّ وأشكو إليه
وولى يخوض دموعاً جرين من مقلتي ومن مقلتيه
ويستودع الله ما في يدي وأستودع الله ما في يديه
اللهم اهدنا لأحسن الأقوال والأفعال لا يهدي لأحسنها إلا أنت، وارزقنا صلاح الظاهر والباطن وصدق النية وحسن الخاتمة.
وسبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.
стр. 468
الأسئلة
هذه مجموعة من الأسئلة، وبعض الاقتراحات من بعض الإخوة، وبعضهم يقول: لو أرسلت رسالة عتاب ومجاملة أو رسالة عتاب إلى ذاك الشاب المجامل حتى لحساب دينه، ثم آخر يقول: وما أجمل أن ترسل معاتبة إلى ذلك الشاب الذي إن جاء مع الصالحين فهو صالح، وإن جلس مع المنحرفين فهو منحرف.
ولا شك أن هذه الرسائل وأن مثل هؤلاء يجب أن يوجه إليهم مثل هذه الرسائل، ولكني أقول لهؤلاء الإخوة الذين اقترحوا ووجهوا مثل هذه الأسئلة: أنت سمعت بارك الله فيك مثل هذه الرسائل القصيرة، وأنا ما ذكرتها من أجل أن تسمعها فقط، وإنما ذكرتها من أجل أن تسمعها وتستفيد منها عملاً في حياتك ثم أن تسمعها لإخوانك، ثم أقول: أيضاً ذكرت مثل هذا الدرس من أجل أن يتولى كل شخص منا معاتبة أخيه الذي يحبه ويجله ويعزه فإن هذا لا بد أن يكون، وكما ذكرنا إن لم تكن المعاتبة بين الإخوة وبين الأحباب فإنها ستجتمع الشحناء والبغضاء -والعياذ بالله- على القلب واحدة تلو الأخرى حتى نجد أن القلب -كما ذكرنا- أصبح أسوداً مرباداً لا يعرف إلا الحقد والعياذ بالله.
فلذلك نداء أوجهه إلى جميع الإخوة، كباراً كانوا أو صغاراً، رجالاً كانوا أو نساء أن نتولى مثل هذا الأمر بيننا، ولا أفضل من المصارحة والمجالسة، وبث الهموم والعتاب المثمر الجاد، وليس عتاب المحبين والعاشقين -نسأل الله أن يحفظنا وإياكم- وإنما ذلك العتاب المثمر الجاد الذي يدفعنا إلى العمل، وإلى النشاط لأمتنا ولأنفسنا.
стр. 469
الطريق للاستمرار في الطاعة
السؤال
إنني مِن مَن اتصف بكثير من هذه الأخطاء، وخاصة الأخيرة: وهي الانقطاع وخاصة عن حفظ القرآن، ولكن لما استمعت إلى كلامك -جزاك الله خيراً- زادني حماساً، ولكن ما يلبث أن يزول هذا الحماس بعد أسبوع أو أسبوعين أو أكثر فأنقطع مرة أخرى، فما الحل وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
بارك الله فيك ورعاك وحفظك، فإن الاعتراف بالحق فضيلة، ويا ليتنا يا أحبة! كل منا يخرج من هذا المكان الطاهر الطيب وهو يقول: فيّ من الخصال التي ذكرت كذا وكذا، إن لم يكن فيّ كلها، ثم يحاول علاجها والاستفادة منها، كلنا يحب أن يكون محبوباً عند الآخرين، وأن يكون حسن الأخلاق، كلنا يريد ذلك، وكيف الوصول والسبيل لهذا؟ إن الوصول لمثل هذا بمحاسبة النفس، ومعرفة الأخطاء، وقيل لـ لقمان الحكيم: كيف تعلمت الحكمة؟ قال: تعلمت الحكمة من الجهلاء.
سبحان الله! كيف؟ قال: كنت أنظر إلى عيوبهم وأخطائهم فأتجنبها.
فنقول: أنظر لأخطائك وعيوبك فحاول أن تتجنبها، ثم انظر -أيضاً- لأخطاء الناس وعيوبهم، ثم حاول قبل أن تنتقدهم على هذه الأخطاء أن تتجنبها، وهكذا يكون العاقل ويكون اللبيب، و ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر:٣٨] .
وأقول: إن هذه المشكلة وهي قضية الانقطاع يصلح أن تكون عنوان لمحاضرة أخرى مستقلة، ولا أخفيكم سراً فقد وضعت لها كثيراً من النقاط، ولعلكم تسمعونها قريباً إن شاء الله؛ لأنها بلوى كما ذكرت، عمت كثير من شبابنا ورجالاتنا وللأسف، أو تدرون ما السبب؟ الأسباب كثيرة، لكن من أهمها: أننا ندخل في مشاريعنا وأعمالنا بدون تخطيط ولا تنظيم، اجتهاد وحماس، والحماس سرعان ما يخبو، كاحتراق سعفة النخلة تشعلها لحظات ثم تنطفئ، ومن سار على هذا الأمر لم يسر على هدى، وسيحصل له عدم الاستمرار والانقطاع في أي عمل كان، ولذلك تعال وانظر لبعض الأعمال المنظمة، والمخطط لها تجد أنها تستمر سنة وسنتين وثلاث وأربع وعشر، وهكذا نريد أن يكون شبابنا ورجالاتنا على هذا المستوى من الفهم والإدراك لمثل هذا الأمر.
فأنا أقول: لماذا يا أخي الحبيب! ببناء شخصيتك لا يكون لك خطة وتنظيم تسير عليها طوال حياتك؟! ثم لا بأس أن يكون هناك وقفات عند الفتور وعند الملل؛ لتمتع النفس بشيء ما، ثم كما يقال: إذا شحنت هذه النفس سارت مرة أخرى في طريقها.
فأقول: نحن بحاجة إلى التخطيط والتنظيم، وانظر لأثر المداومة، ولنضرب مثلاً واقعاً ننظره دائماً، بل قد أقول في كل لحظة، ألا ترون صنبور الماء ينقط نقطة تلو أخرى هذه النقط يسيرة جداً فماذا أحدثت في الأرض؟ ألم تحدث أثراً؟ أليس لها أثر؟ بلى أثر، هذا الأثر لو أنك فتحت خزان الماء كله على الأرض ما أحدثه هذا الأثر أبداً؛ ولكن لأن النقطة متصلة ومستمرة ودائمة حدث هذا الأثر.
الآن المبرد أول ما تضع المبرد هل تحصل النتيجة مباشرة من أول بردة؟ لا أبداً، إنما تحصل النتيجة من البردة الأولى والثانية والثالثة والرابعة حتى تصل مبتغاك، وهكذا في قضية الاستمرار والمداومة.
ونحن حقيقة نشكو كثيراً من شبابنا الذواقون، فكل يوم في عمل، وكل يوم مع فلان أو علان، وكل يوم له تجارة معينة، وهكذا حتى ضاع عمره بدون ثمرة.
ثم أذكر أبيات جميلة لـ إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى يقول فيها ويحث على قضية الهمة والحماس، وأن يكون الإنسان مثمر في أعماله ونتائجه فيقول ﵀:
إذا ما مات ذو علم وتقوى فقد ثلمت من الإسلام ثلمه
وموت الحاكم العدل المولى بحكم الأرض منقصة ونقمه
وموت فتىً كثير الجود محل فإن بقاءه خصب ونعمه
وموت الفارس الضرغام هدم تشهد له بالنصر عزمه
وموت العابد القوام ليل يناجي ربه في كل ظلمه
فحسبك خمسة يبكى عليهم وباقي الناس تخفيف ورحمه
وباقي الخلق همج رعاع وفي إيجادهم لله حكمه
هل ترضى أن تكون من تخفيف الرحمة أو من همج رعاع؟ لا والله.
لا أرضاه لك أبداً، فضلاً أن ترضاه لنفسك.
ولذلك أقول على شبابنا: ومن أراد ثبات الشخصية والتربية الجادة في حياته أن يخطط وينظم، وأن يسعى -أيضاً- أن يرمي نفسه بين أحضان الصالحين والجادين منهم، حتى يسير على هدى، هذا ما أقول باختصار حول قضية الانقطاع وعدم المداومة والاستمرار.
стр. 470
أهم أسباب الصلاح والهداية
السؤال
هؤلاء إخوة يقولون: نحن شباب أتينا من خارج المِذْنَب، وكلنا مذنبون، ولأول مرة يحضر بعضنا مثل هذه الدروس، أرجو من الله ثم منك أن تدعو لنا بالهداية والتوفيق، والعمل لما فيه صلاح الإسلام والمسلمين؟ ثم يقول: أشكرك بعد شكر الله على هذه النقاط المضيئة والتي تجعل الطريق لنا ميسراً، ثم يقول: ذكرت الداء حبذا لو ذكرت لنا شيئاً يسيراً من الدواء، حفظك الله ورعاك، وسدد على طريق الحق خطاك، اللهم آمين، وجزاك الله خيراً؟
الجواب
اللهم اهدهم وثبتهم ووفقهم وارزقهم الثبات في الدنيا والآخرة، واستعملهم في طاعتك يا أرحم الرحمين! واجعلهم خيراً لأمتهم، وأشركنا بالأجر والثواب معهم يا رحمن السماوات والأرض! وفقنا الله وإياكم وثبتنا وإياكم على طريق الحق والاستقامة.
لعلي إن كنت فطناً أشرت لبعض الدواء من خلال هذه النقاط وهذه الصور التي عرضتها، والحمد لله أن المادة مسجلة، وأنا لا أخفيكم سراً أنني قد اهتممت بالموضوع ليس فقط من أجل المحاضرة؛ وإنما أيضاً من أجل تسجيلها والاهتمام بها؛ لأنني أشعر أن كثيراً منا بحاجة لمثل هذه النقاط، ولذلك كانت هذه الصور قصيرة، وأعلم يقيناً أن كثيراً منا قد تمر الكلمات سريعة في مخيلته فلا يدرك أن يقف ويفكر فيها جيداً، ولكن لعلك ترجع إلى هذه المادة المسجلة، وتسمعها مرة، وخذ كل صورة وموقفاً على حدة ثم أعدها مرة ومرتين، وستجد كثيراً من المعاني والخفايا في هذه الصور لعلها أن تكون دواءً إن شاء الله.
ولكن أقول لهؤلاء الإخوة: ما دمتم في بداية هذا الطريق أقول لكم: أهم أسباب الصلاح والهداية أهمها هي: أن ترمي نفسك في أحضان الصالحين، احرص على الأخوة الصالحة؛ لأن (الإنسان على دينه خليله؛ فلينظر أحدكم من يخالل) .
وقل لي من تجالس أقول لك من أنت؟ فلذلك أوصي هؤلاء ونفسي وإخواني جميعاً بالحرص على الجليس الصالح الطيب الذي إذا أخطأت رعاك ونصحك، وإذا وفقت سددك وأعانك.
стр. 471
طرق لسلامة الصدر
السؤال
أنا شاب ملتزم وأخالط أناساً ملتزمين، ولكن يراودني دائماً وأحس وأشعر أنني لا أرتاح لبعض هؤلاء الملتزمين، وحاولت جاداً أن أُكيف نفسي لكي أرتاح لهم، ولكني لا أستطيع أن أرتاح لهم، لا أدري ما السبب هل هو لبعض أخلاقهم وطباعهم التي لا أستسيغها؟ أم هي لأسباب نفسية؟ أم هي لطبيعة فيّ أنا شخصياً؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً؟
الجواب
أقول: أحسنت على سؤالك، ويبدو أن الصور أثرت تأثيراً طيباً في كثير من الإخوة، وهذا -إن شاء الله- ما نرجوه؛ لأنه عرض السؤال ثم لم يتهم أناس معينين في سؤاله، بل قال: ربما هم، وقال: ربما بطباعي، وربما لنفسي، وربما أكون أنا السبب شخصياً، إلى غيره، وهذا أمر طيب حقيقة أن الإنسان يعترف وينظر لنفسه أنه قد يكون مقصراً، وقد يكون هو السبب.
وأنا أقول: لا أعلم حقيقة هؤلاء الملتزمين الذي أنت تتكلم عنهم، ولا أعلم حالك؛ ولكن ربما يكون منهم، وربما يكون منك أنت، وربما يكون أيضاً من الشيطان -والعياذ بالله- فهو لا يزال يصد الصالحين وأهل الخير عن خيرهم وصلاحهم؛ حتى يغويهم -والعياذ بالله- والشيطان لا يستريح حتى يفوز من المسلم بالكفر -والعياذ بالله- أسأل الله أن يثبتنا وإياكم.
فأقول: استعذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم إن لم يتحول هذا الشعور إلى فعل وحقد في القلب، فاستغفر الله منه واستعذ بالله من الشيطان، واسأل الله أن يرزقك الصلاح والهداية وحب الصالحين.
وأحيلك، وقد نسيت أن أذكر لكم هذا الأمر أن هذا الدرس وهذه المحاضرة هي حلقة ثانية من حلقات تسمى بـ (الإصلاح على طريق الصحوة) وقد كانت الأولى بعنوان: (سلامة الصدر مطلب) وألقيت بمدينة الزلفي قبل فترة، فأنصحك بالرجوع إليها، وأنصح حقيقة الجميع بالنظر واستماع مثل هذا الموضوع؛ لأننا كلنا يا أحبة! بحاجة لسلامة الصدر، فنحن بطبعنا بشر -وكما ذكرنا- يجتمع على قلوبنا أشياء كثيرة فقد نبغض ونحب، وقد نحقد -والعياذ بالله- وقد يصل الحقد إلى الفعل والهمّ في إيذاء الآخرين، نسأل الله العافية.
فأقول ارجع لمثل هذا الدرس لعله -إن شاء الله- أن ينفعك كثيراً هذا الأمر، وأيضاً لهذا الدرس أو لهذه الحلقة حلقة ثالثة ستكون إن شاء الله في نهاية الشهر في مدينة الدوادني وسيكون عنوانها: (السر العجيب) .
стр. 472
ترتيب الأولويات في أفعال الخير
السؤال
أيهما أفضل حضور المحاضرات والدروس أو قراءة القرآن في المنزل؟
الجواب
كِلا الأمرين فاضل، فنحن نريد منك هذا وذاك والموازنة، وهنا تأتي قضية التخفيض والتنظيم، فلا نقول لك: احضر المحاضرات والدروس العلمية فقط؛ لأن هذا لا يكفي، ولا أقول لك: اجلس في مكتبتك واقرأ الكتب، وهذا لا يكفي، وإنما هذا وذاك، ومن كان شيخه كتابه كان خطؤه أكثر من صوابه -كما يقال- أما الشيخ وثني الركب عند العلماء وطلبة العلم والمشايخ، فهذا فضل كبير لماذا؟ لأنك قبل أن تستفيد علماً تستفيد خبرة وتجربة، مرت بهذا المتكلم الذي أمامك وجلس لك، ثم هو -أيضاً- يسر عليك السبيل في البحث والنظر في الكتب، وإخراج دقائق العلم ومسائله، وجمعها لك في لحظات فهذا مكسب، ولكن -أيضاً- لا بد من الرجوع إلى الكتب والإدمان على قراءتها وذلك بعد الاستشارة لأهل العلم ومن تثق فيهم.
стр. 473
معاتبة الوالدين
السؤال
هل يجوز معاتبة الوالدين، وكيف يتم ذلك؟
الجواب
الحقيقة الأخ جزاه الله خيراً متفاعل، يبدو أنه حتى سيعاتب والديه.
أما معاتبة الوالدين، فالوالدان -أسأل الله أن يحفظهما ويرعاهما- فإن لهما حقوقاً كثيرة، وهذا موضوع قصرنا فيه كثيراً، ولو علمنا ما كان السلف الصالح رضوان الله عليهم يفعلونه مع أمهاتهم وآبائهم لرأينا عجباً، وهم على ما هم عليه من تقى وصلاح وورع.
وسبحان الله! ويبدو أن الدنيا وشهواتها وملذاتها تؤثر فينا كثيراً.
فأقول: مهما كان من الوالدين من الخطأ، بل حتى أن الله أخبر ولو وصل الأمر بدرجة الكفر، فعليك أن ترعاهما وتحفظ حقهما، فكيف بأخطاء يسيرة، ولكن إن كان ما يقع من الوالد أو الوالدة -على سبيل المثال، يعني شيئاً يسيراً- فلك أن تعتب عتاب المحب وعتاب المذل -أي: الذي أصابه إذلال- لوالديه، واخفض جناح الذل لهما، فإن رأيت أنَّ الوالد والوالدة وقع منهما شيء فلا بأس من التنبيه والنصيحة وبيان الخطأ في أسلوب رقيق رفيق لين محبب للقلوب، فإن رأيت أنك أثقلت، فكف عن هذا؛ فإن حق الوالد أو حق الوالدين عظيم وكبير.
стр. 474
البعد عن الحسد وإساءة الظن
السؤال
أكثر ما يكون سبباً للكلام في الناس وإساءة الظن فيهم هو الحسد أريد توجيه كلمة في ذلك؟
الجواب
لعلك ترجع -بارك الله فيك- إلى (سلامة الصدر مطلب) ففيه خير كثير في مثل هذا الأمر.
стр. 475
طرق العمل لنصرة المسلمين
السؤال
أحس بالهمّ والغم وقلبي والله يحترق على واقع المسلمين وتكالب أعداء الدين على المسلمين في شتى أنحاء العالم، فما هو الحل، وكيف العمل من أجل ديننا الحنيف افتونا بارك الله فيكم؟
الجواب
أعوذ بالله من الهم والغم، هي ليست فتوى وإنما همّ -أيضاً- نشارك فيه، فأحسنت -بارك الله فيك- عندما أحسست بهذا الهمّ، ثم إن هذا الهمّ هو المطلب الأول لكل مسلم، أن يشعر بالهمّ تجاه إخوانه وما يحصل لهم؛، لكن أن تتقلب في بيتك برغد العيش وشهوات الدنيا، وتنسى إخواناً لك في كل مكان وما يحصل لهم؛ فهذا ليس من كرم الكرام، وليس من أخلاق الرجال، فضلاً على أن يكون من أخلاق المسلم أن يهتم بإخوانه المسلمين، والمسلمون مؤمنون في تواد (مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) أو كما قال ﵌.
مثلاً: في فصل الشتاء، كلٌ منا يا أحبة! في بعض الأحيان قد يشكو البرد، فأقول: سبحان الله! نحن نشكوا البرد وقسوته، ونحن لدينا الملابس الكثيرة، وفي بيوتنا وتحت المكيفات الحارة، والدفايات الساخنة، والطعام متوفر، وما أحوج الإنسان إلى الطعام في فصل الشتاء، والسيارات متيسرة، وكل أمور الرخاء بفضل الله ومنته -نسأل الله أن يعيننا على شكرها- متيسرة، ومع ذلك قد لا نرى أحداً يفكر في أحوال المسلمين سواء في الداخل أو الخارج، أقول: الداخل؛ لأنك لو تبصرت في حيك وفي جيرانك لوجدت الأرملة المسكينة التي تبحث عن من يعينها، ومن يقضي حوائجها، بل وربما وجد في بيتها صبية لا يملكون ما يلبسون في فصل الشتاء، وأقول: أدر بصرك -بارك الله فيك- يمنة ويسرة، ودقق النظر في أحوال حيك ستجد شيئاً كثيراً من هذا، ثم انظر مرة أخرى إلى هؤلاء المساكين من العمالة الذين جاءوا إلينا وسخرهم الله لنا انظر لحالهم ولباسهم في الشتاء، فأين أنت منهم؟ فضلاً عن إخوانك الذين يعانون الحرب والبرد والجوع والزلازل والفتن في كل مكان.
فلذلك أقول: أول العمل هو الهمّ، ومشاركة هؤلاء، ثم أمر آخر وكلٌ قادر عليه، ومع الأسف لا يفعله إلا القليل.
أقول: يا أخي الكريم! تعلم أن المال هو عصب الحياة، وأن السبب الرئيسي الذي يعين المسلمين في كل مكان هو المال، فلماذا لا تكن أنت حصالة للمسلمين في كل مكان؟ وقد أعجبني موقف صبي صغير أظنه في أول متوسط -والله حصل هذا الموقف- هذا الصبي جاء في يوم من الأيام بعلبة الحليب النيدو، جاء بها إليّ وكان قد شمعها من الأعلى ثم فتح فتحة من الوسط، وكتب عليها: تبرعوا لإخوانكم المسلمين، فقال: افتحها، قلت: ما فيها؟ قال: فيها مال، قلت: من أين؟ قال: كنت أجمعه من أقاربي وأهلي فإذا كان هناك مناسبات للرجال وضعته عند الرجال، وإذا كانت مناسبة عند النساء وضعته عند النساء، وهكذا حتى جمعت هذا.
سبحان الله! يا ليتنا كلنا نشعر بشعور هذا الطفل الصغير، ونحس بإحساسه.
ويذكر لي أحد الدعاة يقول: تكلمت في مسجد من مساجد الكويت عن أحداث الصومال، يقول: فلما خرجت وجدت مجموعة من الصبية قد اجتمعوا عند باب المسجد ومعهم كرة، فقالوا لي: يا شيخ! نحن ما معنا فلوس ولكن خذ الكرة أعطها أولاد الصومال يلعبون بها.
سبحان الله! هكذا نربي صغارنا يا أحبة! فضلاً عن كبارنا الذين نرجو أن يفعلوا شيئاً للمسلمين، فأقول: لماذا لا تهب نفسك وتجاهد بأن تكون حصالة للمسلمين؟ اجمع مرة يميناً ومرة يساراً، من فلان ومن علان، من قريب ومن بعيد، ثم ضعها في يد ثقة تعلم أن له بضعة في هذا الأمر، يوصلها بطريقته الخاصة، وفي مؤسسة موثوقة، أما أنت نقول: والله ما ندري ماذا نفعل؟ ونأكل ونشرب وننشغل في دنيانا فلا، ويعلم الله أن الله سائلنا عن حالنا وحال رخائنا وعن حال المسلمين وما يصيبهم، وكلٌ سيسأل وكلٌ إن قدم شيئاً سيجده عند الله جل وعلا فلا تحتقر نفسك.
стр. 476
قضية التعدد في النكاح
السؤال
أنا فتاة ملتزمة ولله الحمد، ولا أريد أن يكون ارتباطي إلا بمن يعينني على الطاعة والعبادة، ولكني أجد نفسي مخالفة بين التزامي بما جاء به رسول الله ﷺ وبين الواقع، وكثيراً ما أعاتبها، فإنه يتقدم لي شباب ملتزمون، ولكنهم يقابلون بالرفض؛ لأنني الزوجة الثانية، وأشعر بالغيرة في قلبي، ولا أتصور أنني سأعيش مع نصف رجل رغم اقتناعي بالتعدد، ويقيني أن التعدد بما جاء به الرسول، وأن من نواقض الإسلام بغض ما جاء به الرسول ﷺ إلا أنني عجزت أن أنتزع الغيرة من نفسي، ولكم أتمنى ذلك مع نصحكم لي، وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
أولاً: نحن نريد ألا ننتقل إلى موضوع آخر، والحقيقة أن الوقت لا يسع قضية التعدد، ثم أخشى أن يغضب علينا أيضاً إن تكلمنا عن هذا الأمر، وشرع الله لا يغضب؛ ولكننا نراعي النفوس، وجزى الله خيراً الأخت أنها ذكرت أنها لا تعارض هذا الأمر بقدر ما تجد في نفسها غيرة، أو تصور ما في نفسها غيرة عندما تشارك امرأة أخرى في رجل.
وأنصح الأخوات والنساء عموماً بمثل هذا الأدب الجم مع كتاب الله ومع شرع الله، أن نؤمن أن هذا من عند الله ، وأن هذا لحكم ذكرها الله في كتابه، وذكرها كثير من أهل العلم في مؤلفاتهم، ولم ينفع التعدد تعذيب للمرأة كما تتصور المرأة أو إيذاء لها، لا والله.
ومع الأسف أن كثيراً من الأخوات إذا أعطيت كتاب عن التعدد تقرأه رفضت، وإذا جاء الزوج في رسالة أو كتيباً عن التعدد تجد أنها قد تنهره وتوبخه، لماذا؟ هذا إعراض عن الحق، نحن لا نقول عددي، ولا نقول تزوجي من معدد، ولكن نقول اقرئي، وتثقفي، واعلمي حقيقة الأمر حتى تعلمين.
ثم نقول لهذه الأخت: أولاً: أعانك الله أنت وأمثالك وإخواننا جميعاً على الالتزام بطاعته، ووفقنا على طريق الهدى وسددنا إلى الرشاد، ثم نقول: إن الغيرة طبع في النفس خاصة في نفس النساء، ولك أن تقرئي في السيرة معلمة الرجال والأجيال عائشة رضي الله تعالى عنها، والأحاديث في صحيح البخاري ومسلم كثيرة حول غيرتها، ولكن لم تمنعها غيرتها رضي الله تعالى عنها من إحقاق الحق، فنقول: ثقي بالله جل وعلا، وطمئني نفسك (ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه) وإن تقدم لك صالح ملتزم فعضي عليه بالنواجذ، أما ما يثيره أعداء الإسلام حول أنك تتخذين نصف رجل -كما يقال- أو غيرها من الإثارات والشبهات حول هذه القضية، فإنما هي مداخل دخلها علينا أعداء الإسلام عبر الإعلام ووسائله.
وكما ذكرت الموضوع يحتاج إلى تفصيل وذكر في أشياء كثيرة، ثم لا ننس أن الرجل قد يكون عليه ذنب بعض الأحيان أو شيء من الخطأ في الصور التي تنقل عن التعدد وآثاره؛ لأنه قد يكون الرجل متجبر، وقد يسيء التعامل، وقد لا يعدل مما يجعل من مثل هذه الأمور تنتشر بين النساء، وإن كنت أثق أن ثلاثة أرباع ما ينتشر بين النساء هو من البهتان والباطل، ولكن أيضاً الإنصاف يدعوني إلى أن أقول: أيضاً قد يكون الرجل مشارك في هذا الأمر بأنه قد لا يعدل بين الزوجتين، وقد يفضل إحداهما على الأخرى، ونعلم من هذا الكثير، ولكن -ولله الحمد والمنة- هناك أيضاً أناس صالحون متقون يخافون الله جل وعلا، ونعلم من قصصهم الكثير، وهم في عيشاتهم مع زوجاتهم مطمئنون مرتاحون بفضل الله، وليس معنى انتشار قصة أو حادثة أو حادثتين أن الجميع بهذه الصورة، لا.
بل إن كثيراً من النساء شبه الأخوات، وقد سارت حياتهن بسعادة عظيمة أفضل من الزوجة الواحدة، ثم إن رأيت في نفسك أنك لا تقدرين على الأخذ من زوج معدد فلا أحد يلومك لا تأخذيه، ولكن نقول أيضاً: لا تحرقي أوراقك وتحرقي نفسك من انتظار الأزواج، وتذهب الأيام والليالي والسنون وأنت على وضعك، ثم أنت الخسرانة في البداية والنهاية.
стр. 477
طلب دعاء بالصلاح والهداية
السؤال
أحد الشباب الحضور لأول مرة يحضر لمثل هذه الدروس بعد سنوات عجاف قضاها في عالم الظلمة، أرجو أن تدعو له بالهداية وجزاك الله خيراً؟ الشيخ: نسأل الله أن يهديه، وأن يفتح على قلبه، وأن يرزقنا وإياه الثبات، وأن يوفقنا إلى طريق الخير والصلاح.
ونقول له: أبشر يا أخي الكريم! ويا أخي الحبيب! ما دمت عرفت هذا الطريق، فإن الله أراد بك خيراً كثيراً، وتصور لو أنك مت على حالك السابقة، وعلى جهالتك وضلامتك كيف سيكون حالك في قبرك ويوم القيامة والدار والآخرة؟ وهذه هي محطتنا وهي مآلنا، ولكن السعيد من وفقه الله، وقذف في قلبه نور الهداية، وأعانه إلى هذا الطريق.
فنقول: شد أزرك واتكل على الله ، وابحث عمن يعينك في هذا الطريق، ولا يهمك قول القائلين، وإشاعة المبطلين والمثبطين، وإنما سر على بركة الله، واستعن بإخوانك الصالحين ليدلوك على كثير من وسائل الهداية ووسائل الثبات، وفقنا الله وإياك وثبتنا على طاعته.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 478
الأتقياء
عذراً أيها القلب أعرفتني؟ لا تقل إنك لا تعرفني؛ فقد وقفت على مشارف أسوارك، وقرعت أبوابك كثيراً، وكنت أحوم لأجد منفذاً أنفذ إليك منه.
إنني السر العجيب في حياة القلوب في ترك الفتور والهوان إنني أريدك أن تحيا حياة السعداء أريدك أن تكون علماً من الأعلام وصالحاً من الصالحين.
فهل عرفتني أيها القلب؟ لا شك أنك عرفتني إنني مراقبة الله، والخشية والخوف من الله فاتق الله حيثما كنت.
стр. 479
سبب الحديث عن الأتقياء
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠-٧١] .
أما بعد: أحبتي في الله! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هذه ليلة الثلاثاء الموافق للثاني والعشرين من شهر ذي القعدة للعام (١٤١٤) من هجرة المصطفى ﵌، وفي هذا الجامع المبارك، جامع العجلان في مدينة (الخضراء) والذي يؤم المسلمين فيه فضيلة الشيخ/ عبد الله السلامة حفظه الله ورعاه، وحيا الله هذه الوجوه الطيبة النيرة، التي أسأل جل وعلا أن ينفعنا وإياهم بما علمنا وأن يعلمنا ما ينفعنا.
موضوع هذا اللقاء أيها الأحبة! هو بعنوان: (الأتقياء) .
فقد كنت أتأمل حديثاً أخرجه الإمام مسلم في صحيحه في كتاب الزهد من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه وأرضاه قال: سمعت النبي ﵌ يقول: (إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي) فأخذت أتأمل في هؤلاء الذين نالوا هذا الشرف العظيم: محبة الله ، أولئك الأتقياء الأغنياء الأخفياء، فقلت: وما الذي يمنع أن نتتبع صفات هؤلاء ونتحدث عنهم لأنفسنا؟ ويعلم الله أنني أستغفر الله من جرأتي على الكلام عن هؤلاء، فحينما أتحدث عن الأخفياء أو الأتقياء أو الأنقياء، ليس معنى ذلك أننا نتصف بصفاتهم، لا والله! فنحن أعلم بأنفسنا، ولا نقول هذا تواضعاً، فكل إنسان أعلم بنفسه، ولذلك كان الحديث عن هؤلاء من باب:
أحب الصالحين ولست منهم وأرجو أن أنال بهم شفاعة
ولعلنا بالحديث عنهم نلزم أنفسنا بتعلقها بشيء من صفاتهم رحمهم الله تعالى.
ثم -أيضاً- ونحن نسمع مواقف هؤلاء الأتقياء نعرف عندها حقيقة أنفسنا وبعدنا عن المنهج الذي أراده الله جل وعلا لنا، وكما قال ابن رجب رحمه الله تعالى: وما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيراً من الحلال؛ مخافة الوقوع في الحرام.
ولذلك فإن الله يأمرنا أن نلحق بركاب المتقين في أكثر من آية في كتابه، وقد وردت مادة (وقى) بتصاريفها في كتاب الله ثمان وخمسين ومائتي مرة في القرآن الكريم.
وقد أمر الله المؤمنين بها في قوله: -وكما سمعتم في خطبة الحاجة التي كان ﵌ يبدأ بها في أحاديثه-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران:١٠٢] .
وقد روى البخاري عن مرة عن عبد الله قال: قال رسول الله ﵌: (حق تقاته: أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر) .
وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: [ألا يعصى طرفة عين] .
وذكر المفسرون أنه لما نزلت هذه الآية قالوا: (يارسول الله! ومن منا يقوى على هذا؟) فكأنها شقت عليهم رضوان الله تعالى عليهم، فأنزل الله الرحيم الرحمن بعباده قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] فنسخت تلك الآية كما ذكر ذلك المفسرون.
стр. 480
السر في حياة الأتقياء
لست هنا لأتكلم عن ثمرات التقوى، وإنما لأتكلم عن السر العجيب في حياة هؤلاء.
وثمرات التقوى كثيرة، ذكرها الله جل وعلا في كتابه كثيراً، وترددت في أكثر من سورة، ولذلك يقول : ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ [الطلاق:٤] ويقول : ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢] ويقول : ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً﴾ [الطلاق:٥] .
وكما ذكرت ما السر العجيب في حياة هؤلاء الأتقياء؟ ما الذي جعلهم بصورة تجعلنا ونحن نقرأ مواقفهم وننظر في أحوالهم نتعجب أشد العجب؟! فإذا نظرنا إلى أنفسنا قلنا: لعل هذه أساطير الأولين، لولا أنها رويت لنا بالأسانيد الصحيحة، وفي أمهات الكتب التي كتبها أولئك الأتقياء رضوان الله تعالى عليهم.
فما هو السر العجيب في حياة أولئك حتى وصلوا إلى مثل هذه الثمرة، فأصبحوا من أحباء الله الذين نالوا شرف هذه المحبة؟ اسمع للسر العجيب قبل أن أفصح عنه وهو يتحدث إلى القلب: عذراً أيها القلب أعرفتني؟ لا تقل إنك لا تعرفني؛ فقد وقفت على مشارف أسوارك، وقرعت أبوابك كثيراً، وكنت أحوم لأجد منفذاً أنفذ إليك منه.
إيهٍ أيها القلب لقد أصبحت أقسى من الحجر، لماذا تحاول الهروب مني؟! ولماذا هذا الصدود عني؟! فكلما هممت بأمر سوء حاولت الوقوف أمامك لتراني لتذكرني لترجع عن همك، لكنك تتجاهلني وكأنك لا تراني!! ويحك أيها القلب إنني السر العجيب في حياة القلوب إنني السر العجيب في ترك الفتور والهوان إنني أريدك أن تحيا حياة السعداء أريدك أن تكون علماً من الأعلام وصالحاً من الصالحين أريدك أن تكون مباركاً في أعمالك وأقوالك.
تعال أيها القلب! تعال واسمع لحياة النبلاء، وسير الرجال، يوم أن كنتُ أتربع على العرش في قلوبهم، وأصول وأجول في صدورهم:
كانوا جبالاً في الجبال وربما ساروا على موج البحار بحارا
بمعابد الإفرنج كان أذانهم قبل الكتائب يفتح الأمصارا
كانوا يروا الأصنام من ذهب فتهدم ويهدم فوقها الكفارا
لم تنس أفريقيا ولا صحراؤها سجداتهم والأرض تقذف نارا
اسمع أيها القلب! يوم أن فتح لي أولئك الرجال قلوبهم، فأصبحوا سادة في كل شيء نعم.
في كل شيء.
ذكر الذهبي في السير أن الحسن بن علي مولى ابن المبارك قال: اجتمع جماعة فقالوا: تعالوا نعد خصال ابن المبارك من أبواب الخير، فقالوا: العلم، والفقه، والأدب، والنحو، واللغة، والزهد، والفصاحة، والشعر، وقيام الليل، والعبادة، والحج، والغزو، والفروسية، والقوة، وترك الكلام فيما لا يعنيه، والإنصاف، وقلة الخلاف على أصحابه:
إذا سار عبد الله من مرو ليلة فقد سار منها نورها وجمالها
إذا ذكر الأخيار في كل بلدة فهم أنجم فيها وأنت هلالها
أسمعت أيها القلب؟! بفضل الله ثم بفضلي كان كل ذلك، فهل عرفتني؟ بل تعال واسمع، وقبل أن أفصح عن نفسي وعن هويتي، تعال واسمع لعلم ثان من هؤلاء الأعلام.
إنه أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، مؤرخ مفسر محدث مقرئ فقيه أصولي من أكابر الأئمة المجتهدين، قال الخطيب البغدادي في تاريخه: كان أحد أئمة العلماء يحكم بقوله، ويرجع إلى رأيه؛ لمعرفته وفضله، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، وكان حافظاً لكتاب الله، عارفاً بالقراءات، بصيراً بالمعاني، فقيهاً في أحكام القرآن، عالماً بالسنن وطرقها وصحيحها وسقيمها وناسخها ومنسوخها، عارفاً بأقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم من المخالفين في الأحكام ومسائل الحلال والحرام، عارفاً بأيام الناس وأخبارهم، وله الكتاب المشهور في تاريخ الأمم والملوك، وكتاب في التفسير لم يصنف في التاريخ أحد مثله.
أسمعت أيها القلب؟ ألا تسأل إذاً ما هو السر في حياة النبلاء؟! إنه أنا السر، السر العجيب! فأين أنت من أولئك؟! هل تذكر لي -يا أخي! - منقبة واحدة لك من تلك المناقب التي عددناها لأولئك الأعلام؟! مسكين أنت أيها القلب! غرقت في الشهوات والملذات أصابك الخمول والكسل أصابك الفتور والهوان أصبحت عبداً للدنيا دون أن تشعر، كل ذلك يوم هجرتني!! أيها القلب! إن الأمثلة في حياة النبلاء كثيرة وطويلة، ولكن خذ مثلاً ثالثاً وأخيراً لتقتنع: أسمعت بـ ابن تيمية؟! لا شك نعم.
إذاً: فاسمع كلام ابن سيد الناس فيه، يقول عنه رحمه الله تعالى: كاد يستوعب السنن والآثار حفظاً، إذا تكلم في التفسير فهو حامل رايته، أو أفتى في الفقه فهو مدرك غايته، أو ذاكر في الحديث فهو صاحب علمه وروايته، أو حاضر بالملل والنحل لم تر أوسع من نحلته في ذلك ولا أرفع من درايته، برز في كل فن على أبناء جنسه، ولم تر عين مَن رآه مثله إلى آخر ما قال رحمه الله تعالى.
وابن تيمية هو العالم المجاهد العابد الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، فعجيبٌ أمر أولئك كيف جمعوا تلك الخصال كلها!! بينما تنظر إلى حالك أيها القلب! فلربما لم تجد خصلة واحدة فيك.
لكنه السر العجيب! الذي حولهم إلى أعلام وأبطال.
فافتح لي أبوابك أيها القلب! وتذكرني جيداً واجعلني ملازماً لك؛ تنل الخير كله في الدنيا والآخرة.
فهل عرفتني أيها القلب؟ أو أنك ما زلت تتجاهلني؟ لا شك أنك عرفتني فالآن أتركك وسأرجع إليك بعد حين، حتى تعد لي منزلاً، في سويداء قلبك!!
стр. 481
أهمية التقوى في بناء صحوة الأمة
لا شك أن الجميع بحاجة إلى هذا السر العجيب كباراً وصغاراً، رجالاً ونساء، علماء ومتعلمين، مع شدة غفلتهم عنه، لكنه مهم جداً، ومؤثر فعال في حياة شباب الصحوة والدعاة إلى الله، وما أكثرهم والحمد لله.
ولكنَّ كثيراً منهم تعجبك أجسامهم وأشكالهم وأحوالهم، لكنك تبحث عنهم في الميادين فتجد الخمول والكسل والهوان، فتسأل عن السبب؛ فإذا هو غياب هذا السر العجيب.
نقرأ الآيات فلا قلب يتأثر إلا من رحم الله منا! نسمع الأحاديث فلا عين تدمع! ننظر للقصص والعبر فلا جسد يقشعر ويخشع! نحمل الموتى وندخل المقابر ونخرج والقلب هو القلب! نسمع أنين الثكالى، وصرخات اليتامى، والأحداث في كل مكان والقلب هو القلب!! لا إله إلا الله! ماذا أصابك أيها القلب؟! نسأل عن السبب ونبحث عن العلاج؛ فإذا هو مرة أخرى هو ذلك السر.
أصبحنا -إلا من رحم الله منا- نكذب ونغتاب ونأكل الشبهات، لا.
بل ونقع في المحرمات!! فنسأل -أيضاً- عن السبب، فإذا هو غياب هذا السر في كثير من قلوب الناس.
هذا السر أقضَّ مضاجع الصالحين، وأزعج قلوبهم، وأسال دموعهم، فعرفوا حقيقة هذه الحياة.
هذا السر يحفظ الأمن والأمان، وبه تكثر الخيرات، وتتنزل البركات، وبغيبته ينتشر الفساد، ويعق الأولاد.
فهل عرفتني أيها الأخ الحبيب؟! لابد أن تعرفني؛ لأنني أنا الحارس الأمين لقلبك المسكين، إنني المراقب، ولكني لست المراقب الإداري ولا المراقب الصحي، فأنا المراقب الشرعي.
إنني مراقبة الله، أو إن شئت فقل: الخشية والخوف من الله ، فلا بأس؛ فكلنا من عائلة واحدة، والمهم أن تعرف أنك بحاجتي حاجةً ماسةً في كل لحظة، فاتق الله حيثما كنت، وانتبه لقوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٢٣] ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة:٢٣٥] .
وردد في كل لحظة: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً﴾ [الأحزاب:٥٢] وتذكر أنه: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩] .
فيا أخي الحبيب! أين المفر ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤] ؟ وويل لذلك العاصي ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق:١٤] !!
وداوِ ضمير القلب بالبر والتقى فلا يستوي قلبان قاسٍ وخاشعُ
﴿وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقِيهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ﴾ [النور:٥٢] .
إذاً: عرفت السر العجيب -يا أخي الحبيب! ويا أختي المسلمة! - في حياة أولئك النبلاء رحمهم الله تعالى، فما باب من أبواب الخير إلا وقد ولجوه، ولا صفة من صفات الفلاح والصلاح إلا وقد عُرفوا بها رضوان الله تعالى عليهم.
ثم ننظر إلى أنفسنا فنبحث عن صفة واحدة، ومن كان صادقاً مع نفسه ربما لا يجد، ولذلك تعال لأسوق إليك آثار هذا السر العجيب في حياة أولئك النبلاء رحمهم الله تعالى.
стр. 482
من آثار التقوى
أسوق إليك خمسة من الآثار، ولا شك أن الآثار كثيرة.
كيف كانت خشية الله تفعل الأفاعيل في قلوب أولئك الرجال؟! لا أقول الرجال فقط، بل حتى النساء، ولا أقول الكبار فقط، لا.
بل حتى الصغار أيضاً.
стр. 483
الخشية
أول هذه الآثار عندما عرفوا هذا السر -وهو خشية الله ومراقبة الله في كل حال- هو: استشعار عظم الذنب مهما كان صغيراً أو كبيراً.
فمن كان مراقباً لله جل وعلا، ومن كان في قلبه خشية وخوف من الله؛ استشعر ذنبه أياً كان، سواء كان هذا الذنب صغيراً أو كبيراً! إذا وقع العبد الصالح المراقب لله جل وعلا في معصية، فما زالت هذه المعصية وما زال هذا الذنب يحرق قلبه.
المهم: المبدأ، فصاحب المبدأ وصاحب الرسالة الذي يعيش لخدمة عقيدته ومبدئه ورسالته لاشك أنه متصف بهذه الصفة وهي استشعار الذنب، لا يهمه إن كان الذنب كبيراً أو صغيراً ما دام يعيش على مبدأ (لا إله إلا الله) ، فيحرص أن تكون حياته في رضا الله.
فهذا هو التوحيد وهذه حقيقته، فإن وقع في الذنب مرة أو مرتين استشعر هذا الخطأ، فأقلع واستغفر وندم وتاب.
عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه -كما أخرج البخاري في صحيحه في كتاب الدعوات باب التوبة- أنه قال: (إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه -انظر إلى استشعار الذنب عند المؤمن- وإن الكافر أو الفاجر ليرى ذنوبه كذباب مر على أنفه، فقال به هكذا فطار) كما قال راوي الحديث أبو شهاب.
فهو لا يستشعر الذنب؛ لأنه لا يعرف عظمة من وقع في معصيته، ولو كان هذا القلب مراقباً لله؛ لأصبحت الدمعة سيالة على الخد، ولأصبح القلب رقيقا ليناً خائفاً خاشعاً لله جل وعلا.
- خشية النبي ﷺ : تعال واسمع لهذا المنهج الشرعي في حياة أولئك الأتقياء رحمهم الله تعالى، حيث كانت مراقبة الله معهم في كل لحظة، وفي كل أمر، سواء كان كبيراً أو صغيراً.
ولنبدأ بحبيبنا وقدوتنا -بأبي هو وأمي- رسول الله ﵌، فقد ذكر لنا البخاري في صحيحه في كتاب اللقطة: باب إذا وجد تمرة ساقطة، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﵌ قال: (إني لأنقلب إلى أهلي فأجد التمرة ساقطة على فراشي فأرفعها لآكلها ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها) .
سبحان الله! (ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها) .
هكذا يكون الخوف من الله، القضية عند رسول الله ﵌ شبهة؛ فهذه التمرة ليس من المؤكد أنها من تمر الصدقة، فلربما كانت من تمر الصدقة، ولربما كانت من تمر بيته!! ثم يخرج لنا الإمام أحمد في مسنده من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (أن النبي ﵌ تضور ذات ليلة -ومعنى تضور: أي: جزع وسهر ﵌ فقيل له: ما الذي أسهرك يا رسول الله؟ -وتصور يا أخي الحبيب ما هو الشيء الذي أسهر رسول الله ﵌، وما هو هذا الأمر الذي أقضَّ مضجع رسول الله ﵌ طوال ليله- فقال ﷺ : إني وجدت تمرة ساقطة فأكلتها، ثم ذكرت تمراً كان عندنا من تمر الصدقة، فما أدري أمن ذلك كانت التمرة أو من تمر أهلي؛ ذلك الذي أسهرني) .
سبحان الله! تمرة تُسْهر رسول الله ﵌؛ لأنه أكلها وهي شبهة.
ولكنه المبدأ الذي يعيش عليه صاحب العقيدة، الذي يعيش عليه صاحب: (لا إله إلا الله) رضا الله فوق كل شيء، وخوف ومراقبة الله .
- خشية الصحابة رضوان الله عليهم: ثم -أيضاً- تعال وانظر إلى التربية لأولئك الأصحاب الذين ساروا على هذا المنهج النبوي العظيم، فيخرج لنا البخاري في صحيحه -أيضاً- في كتاب مناقب الأنصار: باب أيام الجاهلية، من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: [كان لـ أبي بكر غلام يخرج له الخراج، وكان أبو بكر يأكل من خراجه، فجاء يوماً بشيء فأكل منه أبو بكر، فقال له الغلام: أتدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: وما هو؟ فقال الغلام: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية، وما أُحسن الكهانة، إلا أني خدعته فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلت منه -فماذا فعل أبو بكر الصديق؟! - تقول عائشة: فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه] .
لا إله إلا الله! القضية عند أبي بكر -أيضاً- شبهة، فهو أكل الطعام وهو لا يعلم مصدره، ثم إن الغلام تكهن لهذا الرجل في الجاهلية والإسلام يجبُّ ما قبله.
وفي رواية: [أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه كان بحضرته بعض أصحابه فقالوا: يا أبا بكر! ارحم نفسك! فقال: والله! ما أزال أخرج الطعام حتى لو ظننت أن روحي تخرج معه لفعلت] .
الخشية والخوف من الله جل وعلا، فأين أولئك الذين يتعاملون بالربا، ويأكلون الحرام وهم يعلمون أنه حرام؟! أين هم من تلك المواقف؟! ولكنه السر العجيب، فخوف الله ومراقبة الله متى ما كانت في القلب نجا صاحبه.
стр. 484
الورع
أما الأثر الثاني من آثار هذا السر في حياة النبلاء رحمهم الله تعالى، فهو: بيوت تتربى على الورع ومراقبة الله.
لما امتلأت قلوبهم خشية لله وأصبحت هذه القلوب مراقبةً لله جل وعلا في كل صغيرٍ وكبير، تربت بيوتهم على هذا المبدأ البيت كله أصبح يعيش على خوف الله وخشية الله: الزوجة الأولاد الصغار الكبار أصبح ذلك البيت كله يتربى على الورع وعلى خشية الله وخوف الله.
واسمع أمثلة على هذا الأمر: - من بيتكم يخرج الورع.
ذكر القسطلاني في كتابه إرشاد الساري، أن امرأة جاءت إلى الإمام أحمد فسألته سؤالاً، هذا السؤال جعل الإمام أحمد يبكي.
تقول المرأة للإمام أحمد: إننا نغزل على سطوحنا فيمر بنا مشاعل الظاهرية -أي: الحرس- فيقع الشعاع علينا، أفيجوز لنا -يا إمام! - الغزل في شعاعها؟! سبحان الله! تسأل تلك المرأة الإمام أحمد: أيجوز لها أن تستغل هذا النور الذي يقع عليها للحظة من نور الحرس في غزلها؟! وفي لفظ آخر لهذه القصة، ذكره عبد الله بن المبارك في كتابه الزهد والرقائق: أن المرأة قالت للإمام أحمد: يا إمام! إنني أغزل على ضوء السراج، وربما انطفأ السراج، فأغزل على ضوء القمر، أيجب عليَّ -يا إمام! - عند بيع غزلي أن أفرق للبائع ما غزلته تحت ضوء السراج مما غزلته تحت ضوء القمر؟! سبحان الله! إلى هذا الحد يصل الورع والخشية والخوف في قلوب المؤمنين متى ما تحقق هذا المبدأ، وهو خوف الله ومراقبة الله.
فاسمعي أيتها الأمة! واسمعي أيتها الصالحة! يوم أن كانت بيوت المسلمين تتربى على الورع.
فقال لها الإمام أحمد متعجباً لورع هذه المرأة: من أنت يا أمة الله؟! من أنت عافاك الله؟! فذكرت أنها أخت لـ بشر الحافي، فبكى الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه وأرضاه وقال: من بيتكم يخرج الورع الصادق.
متى؟ يوم أن كانت بيوت المسلمين تتربى على الورع، وعلى خشية الله يوم أن كان الرجل يخرج من بيته مخلِّفاً وراءه امرأة صالحة ساجدة خاشعة باكية دامعة لله جل وعلا.
هكذا يا أخي الحبيب! وهكذا أيتها المسلمة! كانت بيوت المسلمين تتربى على الورع وعلى خشية الله وخوف الله.
وأسألك بكل تجرد عن الهوى: على أي شيء تتربى بيوت المسلمين اليوم؟ وكن صادقاً مع نفسك، فنحن نريد الحق ولا شيء غير الحق.
على أي شيء تتربى بيوت المسلمين اليوم؟ كم من رجل أدخل جهاز التلفاز إلى بيته، فأصبحت تلك الفتاة المراهقة تجلس ساعات طوال من الليل أمام هذه الشاشة، فما الذي تسمعه؟! وما الذي تراه؟! وكيف سيكون حالها؟! وكيف هي مشاعرها؟! وكيف قلبها؟! تقوى لله، وخوف من الله، وخشية لله؟! من أي طريق ستصل هذه المبادئ لذلك القلب؟! أنت خرجتَ ربما لسهراتك أو لمشاغلك ومواعيدك، أو أنك نمت في ليلك فتركت أولادك وبناتك أمام هذا الجهاز، وكلنا يريد الصلاح لذريته، وكلنا تقرّ عينه عندما يرى ولده صالحاً سباقاً إلى بيت من بيوت الله حافظاً لكتاب الله، أو يرى فتاته صالحة ملتزمة، كلنا يحب ذلك، لكن أين ذلك الرجل الذي فعل الأسباب وهيأ ذلك الجو المناسب داخل البيت حتى يصل خوف الله وخشية الله إلى تلك القلوب الرقيقة؟! - راقبت ربها وحفظت زوجها: وتعال واسمع -أيضاً- لتلك المرأة عندما كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه يعسّ في شوارع المدينة كعادته في الليل، فاتكأ على جدار من جدران بيوتات المدينة، فإذا به يسمع تلك الهمهمة من تلك المرأة امرأة لوحدها في بيتها وفي ظلمة الليل مع ضعف نفسها وقوة شيطانها، زوجها قد سافر مع جيش المسلمين طويلاً، وهي لا تعلم أن أحداً يسمعها فتتمثل بهذه الأبيات وتقول:
تطاول هذا الليل واسودّ جانبه وأرقني ألا خليل ألاعبه
فوالله لولا الله لا شيء غيره لحرّك من هذا السرير جوانبه
ولكن تقوى الله عن ذا تصدني وحفظاً لبعلي أن تنال مراكبه
الله أكبر! يوم أن تخرج -يا أخي الحبيب! - من بيتك وقد خلفت امرأة صالحة تراقب الله وتخشى الله، فتحفظك في نفسها، وفي بيتها ومالها، وفي ولدك وبناتك.
ما أحلى أن تتصف المرأة المسلمة بهذه الصفة!! بخشية الله وخوف الله.
لكن رب أمير المؤمنين يرانا!! بل تعال واسمع لبنات المسلمين يوم أن تربوا على خشية الله كيف أثّر هذا السر في حياتهم، قصة بائعة اللبن قصة مشهورة معروفة، وكلنا يعرفها: لما كان عمر يعس -أيضاً- في شوارع المدينة يسمع هذا الحوار بين الأم وابنتها، تقول الأم: يا بنية! أمزجت اللبن بالماء؟ -حتى يكثر ربح هذا البيع- فتقول البنية: يا أماه! أوَ ما علمت أن أمير المؤمنين نهى أن يمزج اللبن بالماء؟ فتقول الأم بقلب المرأة التي غفلت عن ذكر الله وغفلت عن رقابة الله: يا بنية! وما يدري أمير المؤمنين بنا الآن؟! نعم.
فالذي يراقب الناس ويخشى الناس ويخاف الناس هو داخل في بيته متقوقع لا يعلم عنه أحد، هو داخل أسوار بيته، فما الذي يُدري أمير المؤمنين بنا الآن؟!! ولكن تأتي الإجابة من قلب تلك الفتاة الصغيرة البريئة التي تربت على خشية الله، وانظر يا أخي الكريم! كيفية ثمرة التقوى وخشية الله إذا ربيت صغارك عليها، تأتي الإجابة من قلب تلك الفتاة الصغيرة لتقول: يا أماه! إن كان أمير المؤمنين لا يرانا فإن رب أمير المؤمنين يرانا.
هكذا هو القلب المتعلق بالله، الذي يراقب الله جل وعلا.
فأقول: من منا وقف مع هذا الموقف؟ وكما أسلفت كلنا يعرفه؛ فهو موقف مشهور، ولكن من منا وقف معه وحدّث به أهل بيته بل وحدث به صغاره؟ فكم من المرات جاءت بنياتك الصغيرات يقلن: يا أبتِ! أو يا أمي! قصّي لنا قصة أو احكي لنا حكاية.
أين أنتم من هذه المواقف؟! أين من أراد أن يربي الصغار على خشية الله وخوف الله؟! كم من والد وكم من أم سالت الدمعة على الخد من عقوق أبنائها وبناتها، وكم من والد شكا أولاده لكثير من الصالحين.
وأقول: يداك أوكتا وفوك نفخ، فأنت الذي أهملت، ولو غرست هذه النبتة الصالحة -خوف الله وخشية الله- منذ الصغر في قلوب هؤلاء؛ لوجدتهم على خير ما تريد وعلى صلاح وفلاح.
- هل يبقى في الجدار تبن؟!! اسمع للإمام حماد بن زيد رضي الله تعالى عنه وأرضاه يقول: كنت صغيراً مع أبي، فمررنا على جدار فيه تبن، فأخذت من الجدار عود تبن، فوقف أبي ونظر إليَّ كأنه ينهرني، فقال لي: لمَ أخذت؟! هكذا بشدة: لمَ أخذت؟!! يقول حماد: فقلت ببراءة الصغير: يا أبتاه! إنه عود تبن!! فقال الأب -واسمع لأولئك الآباء-: يا بني! لو أن كل أحد مرّ على الجدار أخذ عود تبن هل كان يبقى في الجدار تبن؟! تربية على أصغر الأشياء وأحقرها وإن كان عوداً من التبن، حتى إذا كبر الصغير وعقل وفهم لا تمتد يده على أي شيء حتى لو كان كبيراً أو صغيراً.
هكذا هي التربية، وهكذا هو الخوف من الله .
стр. 485
كثرة الخلوة بالنفس والدمعة المباركة
الأثر الثالث من آثار هذا السر في حياة النبلاء: كثرة الخلوة بالنفس والدمعة المباركة، فما زالت خشية الله، وما زالت مراقبة الله في قلوب الصالحين حتى اختلوا بالله ، مناجاة له جل وعلا في ظلمة ليل أو خلاء أو مكان لا يراه فيه أحد، وربما سالت الدموع على الخدود تذكراً لعظم ذنب أو لتقصير في حق الرب جل وعلا.
وهذا الأثر يوضحه لنا ﵌ في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وذكر منهم: (ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه) .
واسمع! (ورجل ذكر الله خالياً) لوحده في ظلمة ليل أو في مكان لا يراه فيه أحد، وتذكر عظم ذنبه وتقصيره في حق ربه، وتذكر منّة الله جل وعلا عليه وإنعام المولى ، فسالت الدمعة على الخد خوفاً وخشية لله جل وعلا، فكان من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
أسألكَ بالله وأسألكِ بالله! كم من المرات حدث لنا مثل هذا الموقف؟ كم من المرات اختليت بالله جل وعلا فتذكرت ذنبك وتقصيرك في حق ربك؛ فسالت الدمعة على الخد؟! إن جرّبت ذلك فزدْ، وإن لم تجرّب فجرّب، قف هذه الليلة في ظلمة الليل.
اختفِ عن أعين الناس وسترى أثر الإيمان وحلاوته وخشية الله ومراقبته في قلبك كيف يكون.
- خلوة الفاروق ومراقبته لنفسه: عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ما قرأت يوماً في سيرته إلا وتعجبت من مواقفه ﵁ ورحمه، ولا أظن -والله! - يوماً أن دمع العين أخطأ مجراه عند قراءة سيرة هذا الرجل، ولا تقل -يا أخي الحبيب! - إن عمر مشهور، فوالله! مهما عرفت من قصصه ومواقفه فإنك تجهل الكثير الكثير في حياته.
هذا الرجل حياته عجب أيما عجب! ومواقفه كثيرة، وانظر مواقفه في خشية الله ومراقبة الله يوم أن كان صاحب قلب قاس متحجر، وقصته -وإن كانت تروى بأسانيد ضعيفة- في إسلامه، يوم أن حمل السيف، لماذا؟! ليقتل رسول الله، ولا أظن قلباً يحمل السيف لقتل رسول الله إلا وقد امتلأ هذا القلب بغضاً وحقداً وتكبراً وتجبراً، فسبحان الله! ولا إله إلا الله! يوم أن فعلت الأفاعيل في قلب هذا الرجل، فحولته من هذا القلب المتجبر القاسي إلى قلب رقيق لين خاشع باك خائف من الله جل وعلا.
يذكر الذهبي في سيرة عمر، وأبو نُعيم في حلية الأولياء، أن من صفة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه كان في خديه خطان أسودان؛ من أثر كثرة البكاء من خشيته لله وخوفه من الله.
ويحكى أنه كان يوماً من الأيام يقرأ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير:١] حتى انتهى إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ [التكوير:١٠] فخر مغشياً عليه رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
وكان يمر بالآية في ورده فتخنقه العبرة، فيبقى في البيت أياماً يُعاد يحسبونه مريضاً، كما ذكر ذلك الإمام أحمد في كتابه الزهد.
واسمع لموقفه العجيب مع امرأته! يوم اشتهت يوماً من الأيام حلوى، فأرادت أن يشتري عمر لها حلوى، ويا ليتها تريد من عمر أن يشتري حلوى من بيت مال المسلمين، لا.
وإنما من مال خاص بها، فاسمع لهذا الحوار بينها وبينه في هذه الأبيات:
فمن يباري أبا حفص وسيرته أو من يحاول للفاروق تشبيها
يوم اشتهت زوجه الحلوى فقال لها من أين لي ثمن الحلوى فأشريها
لا تمتطي صهوات النفس جامحة فكسرة الخبز عن حلواك تجزيها
وهل يفي بيت مال المسلمين بما توحي إليك إذا طاوعت موحيها
قالت: لك الله إني لست أرزؤه مالا لحاجة نفس كنت أبغيها
يعني: المال خذه.
فقال لها:
ما زاد عن قوتنا فالمسلمون به أولى فقومي لبيت المال رديها
قد فر شيطانها لما رأى عمراً إن الشياطين تخشى بأس مخزيها
هذي مناقبه في عهد دولته للشاهدين وللأعقاب أحكيها
في كل واحدة منهن نابلة من الطبائع تغدو نفس راعيها
لعل في أمة الإسلام نابتة تجلو لحاضرها مرآة ماضيها
حتى ترى بعض ما شادت أوائلها من الصروح وما عاناه بانيها
وحسبها أن ترى ما كان من عمر حتى ينبه منها عين غافيها
هكذا كانت حياة الفاروق رضي الله تعالى عنه وأرضاه كثرة خلوة بالنفس وبكاء وخشية لله.
ويوم أن كان على فراش الموت قال لولده عبد الله وقد رفع رأسه: [ضع رأسي على التراب، يا ليت أم عمر لم تلد عمر، يا ليت عمر كان شجرة تعضد] .
لا إله إلا الله! إنها خشية الله عندما تكون في قلوب الصالحين.
- إمام أهل السنة يخفي الدمعة: أحمد بن حنبل ناصر السنة إمام أهل السنة والجماعة قامع البدعة رضي الله تعالى عنه وأرضاه صاحب الزهد والورع، له كتاب مؤلف اسمه: كتاب الزهد، مطبوع وموجود في المكاتب، يروى في سيرته أنه كان يوماً من الأيام جالساً مع تلاميذه يحدثهم، فشعر في نفسه برقة ولين قلبٍ -وهكذا كانوا ﵏ يخفون دمعاتهم- فقام من المجلس، تأخر على التلاميذ، فذهب أحد التلاميذ ليبحث عن الإمام وينظر لماذا تأخر، فلما أقبل على باب الغرفة فإذا به يسمع الإمام أحمد يتمثل هذين البيتين ويبكي رضي الله تعالى عنه وأرضاه:
إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقلْ خلوتُ ولكن قلْ عليَّ رقيب
ولا تحسبنّ الله يغفل ساعة ولا أن ما تخفي عليه يغيب
يردد هذين البيتين ويجهش بالبكاء رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
هكذا كانت الخلوة وخوف الله في قلوب أولئك النبلاء رحمهم الله تعالى.
وفي الحديث الصحيح المتفق عليه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﵌ قال: (لا يلج النار أحد بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع) فهذا فضل لأولئك البكائين.
فيا أيها الإخوة! ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا، فها هي نيران المعاصي والغفلة تأتي على قلوبنا فتحيل بينها وبين الخشوع والخشية لله، فهل نطفئها بالدموع الغالية ونبدأ المسير إلى الله جل وعلا؟! يا شيخ إنه الله! واسمع لموقف تربوي يحكيه لنا بعض أهل التربية في كتبهم، وفيه عبرة ونظرة للمربين وللمدرسين والمدرسات: يقال أن أحد المربين قال لصغاره: يا أبنائي! إذا كان من الغد فلا يأتي أحدٌ منكم إلا وبيده دجاجة قد ذبحها في مكان لا يراه فيه أحد، فلما كان من الغد، جاء الغلمان الصغار كلهم وقد علّق كل فرد منهم بيده دجاجة قد ذبحها في مكان لا يراه أحد، كما هي وصية شيخه، إلا تلميذاً واحداً، فقال له المربي: لماذالم تفعل كما فعل زملاؤك؟ وأين دجاجتك؟ قال الصغير: يا شيخ! إنك قلت لي أن أذبح الدجاجة في مكان لا يراني فيه أحد، وإنني صعدت السطح فوجدت أن أحداً يراني، ودخلت الغرفة فوجدت أن أحداً يراني، وما تركت مكانا في البيت إلا وكان هذا الأحد معي يراني.
فقال الشيخ: من هذا الأحد يا غلام؟! فقال الصغير -الذي تربى على خشية الله ومراقبة الله-: يا شيخ إنه الله! إن الله معي في كل مكان يراني! فضمه الشيخ وقال: أحسنت أحسنت، أنت ابني إذاً.
هكذا تكون التربية لأبناء المسلمين، وأقول هنا للمدرسين والمدرسات: أين أنتم من هذا المبدأ وغرسه في نفوس الصغار؟ أين أنتم من حمل الأمانة التي ضيعها كثير من أولئك؟! إن صغار المسلمين وأبناء المسلمين أمانة في أعناق كل مسلم ومسلمة، فمتى فكرت يوماً من الأيام أن تربي أو أن تخوّف هؤلاء الصغار بالله جل وعلا، وأن تغرس مثل هذا المبدأ في نفوسهم؟ ومتى وقفت أيتها الأم! أو أيها الأب! لتربي ابنك أو صغيرتك على هذا المبدأ؟! كثير من الأمهات إذا أرادت أن تخوف صغارها تخوفهم بأبيهم، ولذلك ينشأ الصغير على خوفه من أبيه، فإذا غاب الأب أصبح الصغير يفعل كل أمر تمليه عليه نفسه، وبسبب هذا الخطأ التربوي وجدنا أن كثيراً من الصغار -مثلاً- لا يحرص على صلاة الجماعة إلا إذا كان والده موجوداً.
ولو أننا حرصنا على تربية الصغار أو تخويفهم بالله جل وعلا وإذا فعلوا شيئاً قلنا: إن الله يراك إن الله يغضب عليك، وخوفناهم بالنار، ورغبناهم في الجنة، فلا علينا إذا أطلقنا بعد ذلك العنان لهذا الصغير يذهب أينما شاء؛ لأنه كلما حدثته نفسه بمعصية تذكر رقابة الله وخوف الله، وبدأ قلبه الذي تربى على هذا المبدأ يفعل فعله، فيصبح سداً منيعاً أمام الشباب، وأمام الصغار بينهم وبين المعصية، وبينهم وبين وساوس الشيطان.
стр. 486
حمل همِّ الآخرة وتعلق القلوب بها
من آثار السر العجيب -مراقبة الله-: حمل همَّ الآخرة، وتعلّق القلب دائما بالآخرة وهمومها.
وتعال واسمع للحسن البصري رحمه الله تعالى -وله كتاب أيضاً في الزهد مطبوع- عندما يروي لنا تلميذ من تلامذته وهو صالح بن حسان هذه القصة، قال: أمسى الحسن صائماً فجئناه بطعام عند إفطاره، قال: فلما قرّب إليه، عرضت له هذه الآية: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالاً وَجَحِيماً * وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً﴾ [المزمل:١٢-١٣] قال: فقلصت يده عنه، فقال: ارفعوه، فرفعناه، قال: فأصبح صائماً فلما أراد أن يفطر -أي: في اليوم التالي- ذكر تلك الآية ففعل ذلك أيضاً، فلما كان اليوم الثالث انطلق ابنه إلى ثابت البناني ويحيى البكاء وأناس من أصحاب الحسن، فقال لهم: أدركوا أبي؛ فإنه لم يذق طعاماً منذ ثلاثة أيام، كلما قربنا إليه ذكر قوله تعالى: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالاً وَجَحِيماً * وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً﴾ [المزمل:١٢-١٣] قال: فأتوه فلم يزالوا به حتى أسقوه شربة من سويق.
والحسن رحمه الله تعالى هنا لا يترك الطعام تزهداً، وإنما غلبه همّ الآخرة وتذكّر أهوالها؛ فجعله هذا الهم لا يشتهي طعاماً.
هكذا كان هم الآخرة مع الصالحين.
وقد أخرج ابن ماجة بسند صحيح قول رسول الله ﵌: (من كانت همه الآخرة جمع الله له شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا راغمة.
ومن كانت همه الدنيا فرّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب الله له) .
نسمع مثل هذا الحديث، ثم نرى تلك الهموم الدنيوية التي هي حديث مجالسنا، فتارة عن مشاريع تجارية، وتارة معمارية، وتارة وظيفية، وأخرى عن المركب أو عن الملبس أو المشرب، وهكذا حتى الصالح منا لم يسلم من هذه الهموم، فتجد أن هموم كثير حتى من الصالحين كثيراً ما تتعلق بدنياه.
لكن أين هم الآخرة؟! ذلك الهم الذي غلب على قلوب أولئك الرجال.
هكذا كان همّ الآخرة وتعلق القلوب بها في حياة أولئك الرجال.
- بهذه الخشية فُضِّل ابن المبارك: وانظر إلى ابن المبارك رحمه الله تعالى، يقول القاسم بن محمد: كنا نسافر مع ابن المبارك فكثيراً ما كان يخطر ببالي، فأقول في نفسي: بأي شيء فُضِل هذا الرجل علينا حتى اشتهر في الناس هذه الشهرة؟! إن كان ليصلي إنا لنصلي، ولئن كان يصوم إنا لنصوم، وإن كان يغزو إنا لنغزو، وإن كان يحج إنا لنحج.
قال: فكنا في بعض مسيرنا في طريق الشام ليلة نتعشى في بيت إذ انطفأ علينا السراج، فقام بعضنا لإصلاح السراج، فكانت هُنيهة -أي: لحظة من اللحظات- ثم جاء السراج، فنظرت إلى وجهه رحمه الله تعالى وقد ابتلت لحيته من كثرة الدموع، فقلت في نفسي: بهذه الخشية فُضِّل هذا الرجل علينا، ولعله عندما فقد السراج وصار إلى الظلمة ذكر القيامة فتأثر.
هكذا القلب عندما يتعلق بالله جل وعلا، فهذه لحظة من اللحظات غاب منها السراج، ظلمة من الظلمات، فتذكر ظلمة القبر، وتذكر أهوال يوم القيامة، وهكذا القلب المتعلق بالله، إذا رأى ظلمة تذكر ظلمة القبر، وإذا رأى ناراً تذكر نار جهنم وسعيرها، وإذا رأى خضرة ونعيماً تذكر نعيم الجنة، فهو متعلق بالله دائماً.
ولذلك ذكر الإمام أحمد في كتابه الزهد، أن ابن مسعود مرَّ على هؤلاء الذين ينفخون الكير، فوقع مغشياً عليه.
وذكر ابن الجوزي في صفة الصفوة أن مطر الوراق وصاحبه هرم بن حيان كانا يصطحبان أحياناً بالنهار، فيأتيان سوق الرياحين فيسألان الله الجنة ويدعوان، ثم يأتيان الحدادين فيعوذان من النار، ثم يتفرقان إلى منازلهما.
هكذا كانت القلوب تتعلق بالله خشية وخوفاً، وهكذا كان همّ الآخرة يفعل بقلوب أولئك الرجال.
ب- يا سفيان! اذكر وقوفك بين يدي الله: بل تعال واسمع لهذا الموقف العجيب، وهو من أعجب المواقف التي قرأتها ووقفت عليها في سيرة الإمام سفيان الثوري رحمه الله تعالى، يقول أحد تلامذته: كنت أتعجب من حياة الإمام! وكنت من عجبي به أتبعه في خلواته وجلواته، ثم رأيت منه عجباً، رأيت أنه يقف في اليوم مرات يخرج من جيبه رقعة فينظر إليها ثم يعيدها، يفعل ذلك في اليوم مرات، يقول: فازددت إصراراً في معرفة السر على الورقة، فما زلت خلف الإمام أتبعه، وألحظه في خلواته وجلواته حتى وقعت الورقة في يدي، فنظرت فيها فإذا مكتوب فيها ماذا تتوقع -يا أخي الحبيب! - أن يكون مكتوباً في هذه الورقة؟! ولماذا سفيان ينظر إلى هذه الورقة كل لحظة أو يفعل ذلك في اليوم مرات؟! يقول التلميذ: فإذا مكتوب في هذه الورقة: يا سفيان! اذكر وقوفك بين يدي الله .
سبحان الله! أمير المؤمنين في الحديث، سفيان الثوري رضي الله تعالى عنه وأرضاه، صاحب الخشية والورع، علم أن هذه النفس تغفل، فأراد أن يؤدبها وأن يربيها، فكتب هذه العبارة في هذه الورقة، فكلما همت نفسه بمعصية أو غفلت، أخرجها فنظر إليها وقرأها فتذكر الآخرة، وتذكر وقوفه بين يدي الله ، فأين نحن من هذا الفعل؟ نحن قد نتثاقل كثيراً إذا سمعنا واعظاً يعظ، أو مذكراً يذكّر، أما أولئك فهكذا كانوا يفعلون رحمهم الله تعالى.
стр. 487
هضم النفس مهما بلغت من الصلاح
الأثر الخامس والأخير من آثار هذا السر العجيب في حياة أولئك الرجال: هضم النفس والإزراء عليها مهما بلغت من الصلاح.
وانتبه! لأن هذه آفة كادت تعصف بكثير حتى من الصالحين والأخيار: العُجب والغرور بالعمل.
أما أولئك الرجال فكانوا يتصفون بهذه الصفة: الإزراء على النفس وازدرائها مع ما كان فيها من صلاح.
سبحان الله! إذا كانوا يهضمون أنفسهم ويزدرونها وهم أولئك الذين سمعنا أفعالهم وصفاتهم في أول الحديث، فماذا نقول نحن إذاً عن أنفسنا؟! إن كثيراً من أهل الخير والصلاح ومن عامة الناس غفل قلبه حتى ظن أنه يذكر ولا يذكر، ويحدث ولا يحدث، وأنه ليس بحاجة إلى موعظة وتذكير فلا يسمع، وإن سمع فللانتقاد والملاحظات، ولا يقرأ وإن قرأ فللتدريس والتعليم.
ولاشك أن هذا آفة كما ذكرنا، فمن آثار استشعار مراقبة الله جل وعلا عند أولئك الأخيار وأولئك السلف أنهم عرفوا حقيقة أنفسهم، مع ما بلغت من فعل الخيرات والصلاح.
ولذلك اسمع للإمام الذهبي عندما يقول عن الإمام سفيان الثوري رحمه الله تعالى: هو شيخ الإسلام، إمام الحفاظ، سيد العلماء العاملين في زمانه، كان سفيان ﵁ من شدة تعلقه بالآخرة واستيلاء همها عليه، فكأنه جاء منها فهو يحدثك عنها رأي العين.
ويقول أبو نُعيم: كان سفيان إذا ذكر الموت لم يُنتفع به أياماً.
ويقول ابن مهدي: كنا نكون عنده فكأنما وقف للحساب.
- إني إخاف الله: واسمع -أيضاً- لذلك الموقف الآخر الذي ذكره لنا ﵌ في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله! قال في إحدى الصور: (ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال) اسمع! (ورجل) بما جعل الله فيه من حب للنساء، (دعته امرأة) المرأة تدعوه، لم يذهب هو ليبحث عنها لم يسافر من أجلها لم تداعب أنامله أرقام الهاتف حتى يصيد فريسته، إنما المرأة تدعوه.
(ذات منصب) حتى إذا افتضحت الجريمة فهي كفيلة بأن تلملمها، وأن تستر على هذا الرجل بمنصبها.
(وجمال) والمرأة ذات جمال، وقلوب الرجال تهفو إلى الجمال.
إذاً فظروف الجريمة مهيأة من جميع الجوانب، فما الذي يردك أيها الرجل؟! ما الذي يرد هذا الرجل اسمع: (ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال -فتأتي الإجابة- فقال: إني أخاف الله) .
مهما كانت الظروف، ومهما تيسرت السبل، فإني أخاف الله.
ولذلك كان من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله:
كنا قلادة جيد الدهر وانفرطت وفي يمين العلا كنا رياحينا
كانت منازلنا في العز شامخة لا تشرق الشمس إلا في مغانينا
فلم نزل وصروف الدهر ترمقنا شزراً وتخدعنا الدنيا وتلهينا
حتى غدونا ولا جاه ولا نسب ولا صديق ولا خِلّ يواسينا
واسمع لكلمات ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه تحقيق الإخلاص، في صفحة [٤٨] عندما قال: يا قوم! قلوبكم على أصل الطهارة، وإنما أصابها رشاش من نجاسة الذنوب، فرشوا عليها قليلاً من دموع العيون وقد طهرت، اعزموا على فطام النفوس عن رضاع الهوى، ذكروها مدحه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت:٣٠] عرفوها اطلاع من هو أقرب إليها ﴿مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] ؛ لعلها تستحي من قربه ونظره، ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق:١٤] ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر:١٤]- إن الله يراك! راود رجل امرأة في فلاة ليلاً فأبت، فقال لها: ما يرانا إلا الكواكب، فقالت المرأة: ولكن أين مكوكبها؟! أكره رجل امرأة على نفسها وأمرها بغلق الأبواب، فقال لها: هل بقي باب لم يغلق؟ قالت: نعم.
الباب الذي بيننا وبين الله تعالى! فلم يتعرض لها.
انظر إلى القلوب يوم أن كانت رقيقة، إذا خوفت بالله خافت.
كان الصالحون رضوان الله تعالى عليهم من السلف الصالح إذا أراد أحدهم أن ينصح أخاه أو يذكره قال له: اتق الله! إن الله يراك.
كانت هذه الكلمة كفيلة بأن تفعل الأفاعيل في قلب صاحبها: (إن الله يراك!) .
ولذلك يقول ابن رجب: رأى بعض العارفين رجلاً يكلم امرأة فقال: إن الله يراكما، سَتَرَنا الله وإياكما.
كأن رقيباً منك يرعى خواطري وآخر يرعى ناظري ولساني
فما أبصرت عيناي بعدك منظراً لغيرك إلا قلت قد رمقاني
ولا بدرت من فيَّ بعدك لفظة لغيرك إلا قلت قد سمعاني
ولا خطرت من ذكر غيرك خطرة على القلب إلا عرّجا بعناني
стр. 488
سبيل الوصول إلى هذا السر
أخيراً قد يقول قائل: وكيف الوصول إلى هذا السر العجيب؟ كيف الوصول إلى مراقبة الله؟ كيف أكون خائفاً؟ كيف أملأ قلبي خشية لله؟! أقول لك -يا أخي الحبيب! -: بهذه الخطوات السريعة:
стр. 489
المعرفة الحقيقية بالله جل وعلا
ولذلك قالوا رحمهم الله تعالى: من كان بالله أعرف، كان لله أخوف.
ولا يمكن أن تخاف من رجل من الرجال إلا إذا عرفت جبروته وهيمنته؛ فهنا تخافه، ولله المثل الأعلى، فإذا أردت أن تخاف الله، وأن تخشى الله، وأن تزرع في قلبك خشية لله، فاملأ قلبك بعظمة الله ومعرفة الله معرفة حقيقية، وهذا هو التوحيد هذا هو توحيد الله جل وعلا.
فاعرف الله من خلال أسمائه وصفاته، كم نحفظ توحيد الأسماء والصفات؟! قرأناه وحفظناه في صفوف الابتدائي، ولكن مع الأسف نقرأه على أنه نصوص، أما تطبيقاً عملياً في حياتنا فأين مَن فكّر في تطبيقه؟ بل أين ذلك المدرس الذي قرّبه لتلاميذه من خلال تعريف أولئك التلاميذ بعظمة الله من خلال أسمائه وصفاته؟! وهذا هو التعبد الحقيقي بأسماء الله وصفاته.
أليس من أسماء الله الرقيب والعليم والحفيظ والسميع والبصير؟! فمن عقل هذه الأسماء وتعبد الله بمقتضاها حصلتْ له المراقبة.
فالمراقبة -كما ذكر أهل العلم- هي: ثمرة علمك بأن الله رقيب عليك ناظر إليك سامع لقولك مطّلع على عملك كل وقت، وفي كل لحظة، ونفس، وطرفة عين.
هذه هي المراقبة.
ولذلك أقول: حقِّق معرفة الله معرفة حقيقية في نفسك، واسمع لـ ابن القيم رحمه الله تعالى عندما يذكر في كتابه طريق الهجرتين وباب السعادتين، في صفحة (٧٩) عند كلامه عن أثر أن الله بصير، فيقول: وكذلك إذا شهد معنى اسمه البصير ﷻ الذي يرى دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء، في حندس الظلماء، ويرى تفاصيل الذرة الصغيرة ومخها وعروقها ولحمها وحركتها، ويرى مَدَّ البعوضة جناحَها في ظلمة الليل، وأعطى هذا المشهد حقه من العبودية، بحرس حركاتها، وسكناتها، وتيقن أنه بمرأى منه سبحانه، ومشاهدةٍ لا يغيب عنه منها شيء إلى آخر كلامه الجميل رحمه الله تعالى.
هكذا يتصور العبد رقابة الله عندما يتعبد الله حقيقة بمعرفة توحيد الأسماء والصفات، ولذلك يقول جل وعلا: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧] عندما تمر علينا هذه الآية أو غيرها من الآيات التي تبيّن عظمة الله، فإن صاحب القلب الرقيق، وصاحب القلب الخاشع لله الخائف من الله، ليرق، وإنه لتدمع العين عندما يسمع هذه الآيات.
لماذا؟! لأنه يعرف عظمة الله، ويعرف من هو الله ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر:٦٧] .
стр. 490
الإكثار من ذكر الموت وأحوال الآخرة
تذكر الموت وسكراته وشدته، وتذكر القبر وسؤاله وعذابه ونعيمه وضيقه وظلمته وضمته، وتذكر أهوال القيامة وشدتها وأهوالها وطول هذا اليوم، والعرض على الله جل وعلا، وتذكر تطاير الصحف، والميزان والصراط، وتذكر حيرة الخلق وذهول العباد.
تخيل! انصراف الناس إلى الله جل وعلا من الموقف، فمنهم من يساق إلى الجحيم وتسحبهم الملائكة إلى أبوابها، ومنهم من يدخل الجنة -نسأل الله جل وعلا أن نكون من أهلها-: ﴿تَتَلَقَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمْ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٣] .
إن تذكّر ذلك كله يدفع الإنسان إلى العمل الجاد المتواصل، ويدفع القلب إلى التعلق بالله جل وعلا.
وهذه الأمور إن لم يقترن علمها وحقيقتها بالعمل الصالح فلا خير فيها إذاً.
стр. 491
شهود المنة والفضل
وهو أن تتذكر فضل الله ومنته عليك، ولا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا ذوو الفضل، فانظر لنعمة الإسلام وحدها، ويتضح ذلك عندما ترى أهل الكفر والبدع، وقد خصك الله بنعمة الإسلام من بينهم.
وانظر -أيضاً- إلى نعمة الهداية، ويتضح ذلك عندما ترى أحوال الفساق والفجار، فهم في معاصيهم غرقى عبودية للشهوات وللدرهم والدينار: (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الخميلة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش) نعم.
تعاسة وذل وحقارة لأولئك العبيد، الذين عبدوا الدنيا بشهواتها وملذاتها.
أما عبودية الله فنفخر أننا عبيد لله جل وعلا، ففيها -والله! - العزة والرفعة، فنتذكر منة الله جلّ وعلا علينا بالهداية والصلاح.
تذكّر نعمة العافية، ويتضح لك ذلك عندما ترى أحوال المرضى وأصحاب العاهات، فكم من مسكين على السرير الأبيض الآن يرقد! وكم من إنسان فَقَدَ عضواً من أعضائه! وكم من إنسان لا يطعم الطعام إلا بشق الأنفس! وكم من إنسان لا يقضي حاجته إلا بعد جهد جهيد! أما أنت فقد أنعم الله عليك بعافية، أفلا تشكر هذه العافية؟ إن العافية كما سماها بعض العلماء: المُلك الخفي، فاحفظ هذا الملك، بارك الله فيك ورعاك.
стр. 492
تقوية القلب بصحبة الأتقياء
تقوية القلب بالجلوس إلى أصحاب القلوب الرقيقة، والدمعة الدفيقة، الذين يخشون الله ويهابونه.
ومجالسة الصالحين على نوعين: إما بالمخالطة والمجالسة الحسية، فإذا ظفرت بأحد الصالحين في هذه الدنيا ممن كان قلبه رقيقاً وصاحب دمعة، فعض عليه بالنواجذ، وأكثر من مصاحبته ومرافقته.
فإن لم تجد فاحرص -بارك الله فيك- على الجلوس مع الصالحين، مع السلف الصالح من خلال الاطلاع على كتبهم والنظر في سيرهم، فاقرأ، وإن سماعك لمثل هذه المواقف ليدفعك كثيراً إلى العيش بتلك الصفات والاتصاف بها، وهكذا يكون القلب، إن القلب ليتأثر بحسب ما يقرأ وينظر ويسمع وبحسب ما يكون حوله.
стр. 493
أنواع رقابة الله
وأخيراً: اعلم -يا أخي بارك الله فيك! - أن رقابة الله جل وعلا عليك متنوعة، فلا مفرّ من رقابة الله .
فرقابة الله تكون تارة بالملائكة، ولذلك قال : ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار:١٠-١١] .
وتارة تكون بالكتب، فقال : ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً﴾ [الإسراء:١٣] .
وتارة تكون هذه الرقابة بالجوارح، تلك الجوارح التي تسعى أنت إلى إنعامها، وإلى تلبية رغباتها وشهواتها، يوم القيامة تكون شاهدة عليك، يقول : ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور:٢٤] .
ورقابة الجلود: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت:٢١] .
ورقابة الأرض التي أنت تعصي الله عليها، وتمشي عليها، يوم أن تشهد عليك هذه الأرض كما ذكر ذلك أبو هريرة رضي الله تعالى عنه عندما قال: (قرأ رسول الله ﵌ الزلزلة، فلما وصل إلى قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة:٤] قال لأصحابه: أتدرون ما أخبارها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم! قال: فإن أخبارها يوم أن تشهد على كل عبد وأمة ماذا عمل على ظهرها، تقول: عمل عليّ يوم كذا، كذا وكذا، فهذه أخبارها) والحديث أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح غريب.
وأخرجه الحاكم وصححه، وتعقبه الذهبي بأن فيه يحيى بن سليمان وهو منكر، وقد ضعفه الألباني في ضعيف الترمذي.
إذاً: فهذه الرقابة رقابة متنوعة، فأين المفر -يا أخي الحبيب! - من رقابة الله جلّ وعلا عليك؟! وبما أنك علمت يقيناً أن الله رقيب عليك، مطلع عليك في أي حال، فاستح من الله، واجعل الله جل وعلا عظيماً في قلبك في كل لحظة.
стр. 494
كيف تربي إنساناً ؟
وأقول أخيراً لنختم هذا الموضوع: علينا أن نعلم أن من أراد أن يربي إنساناً، أو يخوّف إنساناً، أو ينصح إنساناً، أن يربيه على خوف الله، وليذكره بخوف الله، ورقابة الله.
الوازع الديني كما يذكره علماء التربية هو رقابة الله، فمتى كانت رقابة الله موجودة في النفس، إذاً فأطلق للإنسان العنان في أي مكان كان، فإنه دائماً سيراقب الله.
ولذلك أقول: أولا: تعجب: -يا أخي الحبيب! - من ذلك الإنسان المسافر في الطريق لوحده، والطريق طويل وشاق، ومع ذلك ينظر إلى ساعته، فإذا بوقت الصلاة قد حان، فيوقف السيارة على جانب الطريق، ثم ينزل فيتوضأ فيحسن الوضوء ويستقبل القبلة ثم يصلي لله خاشعاً ساجداً راكعاً.
سبحان الله! يفعل ذلك لمن؟! لا يطلع عليه أحد من الناس، لكنه يعلم أنه يفعل ذلك من أجل الله.
المرأة في مطبخها في نهار رمضان، أمام أصناف المأكولات والأشربة، ومع ذلك لا تمتد يدها لتأكل شيئاً منه، لماذا؟ ما الذي منعها؟! لا يراها أحد تستطيع أن تأكل كيفما شاءت، وأن تشرب كيفما شاءت، لكنها رقابة الله، وخوف الله، فهي تعلم أن الله مطلع عليها.
المؤمن عندما يتوضأ في نهار رمضان تجده يتمضمض، ويحرص كل الحرص على ألا يدخل إلى أقصى حلقه قطرة واحدة من الماء، لماذا؟! خوف الله وخشية الله، وهكذا هو المبدأ العظيم إذا تربى عليه الصالحون.
أسأل الله جل وعلا أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا، وأن يعلمنا ما ينفعنا، اللهم بارك لنا في أنفسنا وأولادنا وذرارينا، اللهم اجعلنا من عبادك الصالحين، اللهم احفظنا بحفظك، اللهم إنا نسألك خشيتك وخوفك في السر والعلن، اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه تسليماً كثيراً.
стр. 495
الأنقياء
سلامة الصدر وطهارة القلب من الأمور التي نكاد نفتقدها في واقعنا رغم أهميتها، حتى صار ورود هذه الصفة من الغرائب، أما من يقرأ في سير سلفنا الصالح فإنه يجد الدرجة السامية التي بلغوها في سلامة الصدر ونقاوته!! وهذا يرجع لمعرفتهم بما يدعو إليه القرآن والسنة في ذلك.
следующие страницы →