← Джавами‘

Джавами‘ · id 7711

دروس للشيخ إبراهيم الدويش

إبراهيم الدويش

Полный текст (623 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

العقيدة والأخلاق للأخلاق صلة وثيقة بالإيمان والعقيدة، قال ابن القيم يرحمه الله: الدين كله خلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين. يقول صاحب رسالة جميلة بعنوان: صلة الأخلاق بالعقيدة والإيمان يقول فيها: إن المتمعن في أحوال الناس يجد كثيراً من المسلمين يغفل عن الاهتمام والاحتساب في هذا الجانب، وقد يجهل الصلة الوثيقة بين محاسن الأخلاق وقضية الإيمان والعقيدة، فبينما تجد الشخص يظن أنه قد حقق التوحيد ومحض الإيمان، تراه منطوياً على ركام من مساوئ الأخلاق والنقائص التي تخل بإيمانه الواجب، أو تحرمه من الكمال المستحب، كالكبر والحسد وسوء الظن والكذب والفحش والأثرة وغير ذلك، وقد يكون مع ذلك جاهلاً بضرر هذه الأمور على عقيدته وإيمانه، أو غافلاً عن شمولية هذا الدين لجميع مناحي الحياة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢-١٦٣] . إن تحقيق التوحيد -والكلام ما زال لصاحب الرسالة- وتكميل الإيمان ليس باجتناب الشرك الأكبر فحسب، بل باجتناب كل ما ينافي العقيدة، وكل ما يخل أو يقدح في كمال التوحيد والإيمان إلى آخر كلامه هناك. إذاً: فليست العقيدة متوناً تردد، ونصوصاً تحفظ، بل لا بد أن تتحول إلى واقع عملي في الحياة والتعامل بين الناس، ولما حصل هذا التصور عند بعض الناس ظهر انفصام نكد، وازدواجية بين مفهوم الإيمان ومقتضياته، وسيأتي الحديث عنها إن شاء الله تعالى.

стр. 422

واقعنا ومكارم الأخلاق إن الناس اليوم في عرض الأرض وطولها بحاجة إلى من يقف معهم ويعينهم، ويزيل عنهم الهمّ والقلق، ويدلهم على طريق السعادة والراحة النفسية، ويأخذ بأيديهم إلى طريق النجاة والأمان، حتى وإن قامت الحضارات، وصنعت المخترعات، وتوالت الإنجازات، فكل ذلك من أجل سعادة الإنسان وتكريمه، لكن -وللأسف- البشرية تغرق اليوم تغرق في بحر الدنيا، ويلهث الكثير منهم وراء المال والتجارة، والشهوات واللذات، والرياسة والسيادة بأي طريق وبأية صورة ومهما كان الثمن، المهم الوصول للمراد، وهذا هو الواقع الغالب على الناس اليوم إلا ما شاء الله. في خضم هذا اللهثان، وفي وسط هذا الإغراق، يتلفت البعض ليبحث عن المثل والمبادئ والأخلاق والآداب في صفوف الناس، وربما سمع عن التبشير، وهو شعار أعلنه المنصرون وتسموا به، بل وتمثلوه للأسف! يقول أحد الإخوة: في يوم من الأيام كنت أراجع طبيباً في أحد المستشفيات، وكنت أرى حسن تعامله، وإظهار حرصه بالمريض وحالته، تبادر إلى ذهني أنه أحد المنصرين، فقد كنت أقرأ وأسمع عن وسائلهم وأساليبهم، يقول: لكني قطعت هذا الخاطر أخذاً بحسن الظن، خاصةً وأنه عربي، وفي بلد مسلم، لكني عرفت فيما بعد أنه يدين بـ النصرانية، وربما كان منصراً أو مبشراً -كما يقولون- انتهى كلامه. أيها الإخوة والأخوات! أليس المسلمون أولى بهذه التسمية (التبشير) وبهذه الأخلاق؟ ألم يقل الحق : ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [الأنعام:٤٨] ؟ ألم يقل ﵌: (يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا) كما في البخاري؟ ألسنا كمسلمين أولى بهذا التلطف والتودد للناس؟! ألسنا أولى بالتحلي بالأخلاق وبث الأمل في النفوس؟ لماذا هذا الجفاء والإعراض؟! وهذا التنفير والانقباض عند بعض المسلمين؟! لقد أثرت الماديات والحضارات على أخلاقنا، وتعاملنا مع بعضنا بشكل كبير، حتى ظن البعض أنه لا يمكن الجمع بين التقدم الحضاري والكسب المادي، وبين التحلي بالأخلاق والآداب، حتى قال أحدهم: لئن كانت الدنيا أنالتك ثروة وأصبحت منها بعد عسر أخا يسر لقد كشف الإثراء عنك خلائقاً من اللؤم كانت تحت ستر من الفقر فإننا لا نكاد نسمع عن ذي شرف أو تاجر أو جاه أو منصب وقد تحلى ببعض الأخلاق والآداب، إلا ويتذاكره الناس إطراءً ومدحاً وتعجباً أن يكون بمثل هذا المكان، ويتمتع بمثل هذه الأخلاق. أيها الإخوة! إن من ينظر ويقرأ عن دين الإسلام خاصةً في باب الأخلاق والآداب والمعاملة، ليعجب أشد العجب من عظمة هذا الدين، ودقة مراعاته للمشاعر والعواطف، وحرصه على نشر المحبة والمودة! اسمعوا لهذا الحديث عن عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : (إذا أحدث أحدكم في صلاته فليأخذ بأنفه ثم لينصرف) والحديث أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد وهو صحيح. لماذا يأخذ بأنفه؟ وما علاقة الأنف بما صنع؟ إنها عظمة هذا الدين، ودقة عنايته بمشاعر النفس، والحفاظ على أحاسيسها، يأخذ بأنفه؛ ليوهم من بجواره أن به رعافاً فلا يفتضح أمره فيحرج ويخجل. قال الخطابي في بذل المجهود شرح سنن أبي داود: إنما أمره أن يأخذ بأنفه؛ ليوهم القوم أن به رعافاً، وفي هذا الباب من الأخذ بالأدب في ستر العورة، وإخفاء القبيح والتورية بما هو أحسن، وليس داخلاً في باب الرياء والكذب، وإنما هو من باب التجمل واستعمال الحياء، وطلب السلامة من الناس. ارض للناس جميعاً مثل ما ترضى لنفسك إنما الناس جميعاً كلهم أبناء جنسك غير عدل أن توخى وحشة الناس بأنسك فلهم نفس كنفسك ولهم حس كحسك إن من ينظر للواقع يرى العجب في الإفلاس الأخلاقي الذي تعيشه كثير من المجتمعات الإسلامية اليوم! بل هناك من انبهر بالحضارة الغربية فنقلها للمسلمين بقضها وقضيضها وإيجابها وسلبها. ونحن مع دعاة التقدم والحضارة في الاستفادة من التكنولوجيا والصناعة، وكسب المهارات والخبرات، لكننا نقول وعلى لسان كل مسلم صادق وغيور: لا وألف لا لاستيراد العادات والتقاليد الغربية، والانحلال الخلقي باسم الحرية وحقوق المرأة، أما إقحام الفضيلة والستر والعفاف ومكارم الأخلاق في التقدم والتخلف المزعوم فخدعة مكشوفة، لا تنطلي إلا على غافل ساذج في فكره دخن، أو في قلبه مرض. إن في أخلاقنا وآدابنا كمسلمين، بل وعاداتنا وتقاليدنا كعرب، ما يملأ قلوبنا بالفخر والاعتزاز والرفعة والسيادة، فالله اختار لنا مقاماً عزيزاً ومكاناً شريفاً، فقال جل وعز: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة:١٤٣] . فأسألكم بالله! هل هذا المقام يناسب ما يفعله بعض الغافلين والغافلات من تشبه وتقليد بأهل الكفر والشرك في عاداتهم ولباسهم وسيئ أخلاقهم؟ فأنت أيها المسلم! يجب أن تكون متبوعاً لا تابعاً، وقائداً لا منقاداً، بصفاء عقيدتك، وثبات مبدئك، وتعاليم دينك السمحة، وحسن أخلاقك، فلم لا نعتز بالشخصية الإسلامية؟ ولم لا نعلن للعالم كله أننا أهل دين وخلق؟! وأن لنا صبغةً خاصةً تميزنا عمن سوانا هي: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة:١٣٨] ؟!

стр. 423

الدعاة الصامتون أيها الإخوة! إننا نملك كنزاً عظيماً هو كنز الإيمان، لكنه الإيمان حقيقةً لا صورةً، الإيمان الذي لامست حلاوته شغاف القلوب، فظهرت تلك الحلاوة على جوارح ذلك المسلم في أقواله وأفعاله وصفاته، فيوم ذاق طعم الإيمان؛ عرف حقيقة الاستقامة والالتزام، وأثر ذلك في سلوكه وصدقه ومعاملته. يذكر التاريخ لنا أن الإسلام وصل إلى جنوب الهند وسيلان وجزر المالديف وسواحل الصين والفلبين وإندونيسيا وأواسط إفريقيا عن طريق تجار مسلمين، لكنهم مسلمون بحق، لم يؤثر عليهم بريق ولمعان الدينار والدرهم، بل تجسد الإسلام في سلوكهم وأمانتهم وصدقهم، فأُعجب الناس بهذه الأخلاق، فبحثوا وسألوا عن مصدرها، فدخلوا الإسلام عن رغبة واقتناع. إن من أكبر وسائل التأثير على القلوب والنفوس هو التميز في الأخلاق المتمثل في القدوة الصالحة، بل هو أعظم وسيلة لنشر الإسلام في كل مكان، ومن تتبع سيرة المصطفى ﵊ وجد أنه كان يلازم الخلق الحسن في سائر أحواله، وخاصةً في دعوته إلى الله تعالى؛ فأقبل الناس ودخلوا في دين الله أفواجاً بفضل الله تعالى ثم بفضل حسن خلقه ﵊. فكم دخل في الإسلام بسبب خلقه العظيم! فهذا يسلم ويقول: [والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إليّ] وذاك يقول: [اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً] تأثر بعفو النبي ﷺ ، ولم يتركه على تحجير رحمة الله التي وسعت كل شيء بل قال له: (لقد تحجرت واسعاً) والآخر يقول: [فبأبي هو وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه] والرابع يقول: [يا قومي أسلموا، فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة] والخامس يقول: [والله لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إلي، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليّ] والسادس يقول بعد عفو النبي ﷺ عنه: [جئتكم من عند خير الناس] ثم يدعو قومه للإسلام فأسلم منهم خلق كثير، والأمثلة كثيرة في سيرته ﷺ . كل الأمور تزول عنك وتنقضي إلا الثناء فإنه لك باقي ولو أنني خيرت كل فضيلة ما اخترت غير محاسن الأخلاق ذكر لي أحد الإخوة: أن شباباً من العرب في إحدى الدول الغربية استأجروا غرفاً من عجوز غربية، فلما انتهت مدة الإيجار رفضوا التسديد، وهربوا بحجة أنها كافرة، وأنهم -أي الكفار- هم الذين نهبوا أموالنا كعرب. سبحان الله! بأي منطق وأي عقلية يتعامل أمثال هؤلاء؟ إنه الهوى والجهل بتعاليم وآداب هذا الدين، ألم يعقد العلماء أبواباً في كتب العقيدة والفقه في معاملة المسلم لغير المسلم؟ ومعاملة المحارب للمسلمين وغير المحارب؟! كيف نريد أن نفخر بالإسلام ونحن أول من جهل أحكامه وتخلى عن آدابه؟! قال محدثي: وكنت أرغب الإيجار من هذه العجوز فرفضت، خاصةً عندما علمت أنني مسلم، وقالت: أنتم أيها المسلمون لصوص، يقول: وسألتها عن سبب هذا الاتهام، فحدثتني بقصتها مع هؤلاء الشباب، قال: فحرصت على تغيير هذه الصورة عنا كمسلمين، وبعد محاولات وإغراءات وتعهدات بالدفع مقدماً، وافقت على تأجيري، ووافقت رغم ارتفاع السعر، وسكنت ولا زلت أقدم لها العون، وأظهر لها آداب الإسلام، وأجاهد نفسي على التحلي بالفضائل مع تذكيرها في بعض الأحيان بأن هذا من آداب الإسلام، وأن ديننا يحثنا على هذه الأخلاق. يقول: فلما حان رحيلي وعند لحظة الوداع، فإذا بها تقول لي ودمعتها على خدها: يا بني! وصيتي لك أن لا تموت إلا على هذا الدين. رحم الله علي بن أصمع لما حضرته الوفاة جمع بنيه، فقال: يا بني! عاشروا الناس معاشرةً، إن عشتم حنوا إليكم، وإن متم بكوا عليكم. أيها الأخ! إنما الدنيا حديث، فإن استطعت أن تكون منها حديثاً حسناً فافعل، إننا بحاجة إلى من يجسدون مبادئ الإسلام في سلوكهم، ويترجمون فضائله وآدابه في حركاتهم وسكناتهم حتى مع الكفار. فمن أهم مظاهر علاقة المسلم بالكافر غير المحارب للمسلمين: كف الأذى والظلم، وعدم التعدي عليه وعلى حقوقه، والتزام مكارم الأخلاق معه من الصدق والأمانة، وغيرها من أخلاق الإسلام الحميدة، وجواز إيصال البر والمعروف إليه. ففي صحيح البخاري أن عمر بن الخطاب [أهدى حلةً له إلى أخ له مشرك بـ مكة كانت قد جاءته من النبي ﷺ ] . وفي البخاري -أيضاً- أن ابن عمر ذُبحت له شاة في أهله، فلما جاء قال: (أهديتم لجارنا اليهودي؟ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه) . وليس القصد هنا بيان تفصيل هذه المسألة، وإنما الإشارة لها لارتباطها بالأخلاق، لكن تنبه واحذر كل الحذر أن تختلط عليك الأمور، ففرق بين حسن المعاملة ومكارم الأخلاق والبر والإحسان للكافر غير المحارب، وبين الموالاة والمحبة والمودة له، أو تفضيله على أحد من المسلمين، أو مجاملته على حساب دينك وعقيدتك، كتهنئتهم أو إهدائهم بمناسبة أعيادهم ونحو ذلك، فإن ذلك كله حرام لا يجوز، وضابط ذلك النصوص من الكتاب والسنة، وأقوال أئمة السلف رضوان الله عليهم أجمعين. فإنما عنيت بهذا الموضوع معاملة المسلم للمسلمين، أما معاملته للآخرين من أهل الملل والنحل فله أصوله وضوابطه.

стр. 424

الأخلاق تصنع الأعاجيب إن النفس أياً كانت ومهما بلغت من الانحلال والفساد والتجبر والعناد فإن فيها خيراً كثيراً قد لا تراه العيون أول الأمر، فقط شيء من العطف على أخطائهم، وشيء من الود الحقيقي لهم، وشيء من العناية بهم. لنحاول أيها الإخوة! تلمس الجانب الطيب في نفوسهم، ابدأهم بالسلام، ابتسم لهم، اثن على الخير الذي فيهم، وقبل ذلك كن صادقاً ومخلصاً غير متصنع ولا مجامل، عندها ستتفجر ينابيع الخير في نفوسهم، وسيمنحوك حبهم وثقتهم مقابل القليل الذي أعطيتهم إياه من نفسك، ولقد جُرِّب ذلك كثيراً. أذكر أنني قابلت أحد هؤلاء، فسلمت وابتسمت وأثنيت على صفة طيبة فيه، وأنا صادق، فلن يعدم إنسان مزية حسنة تكون مفتاحاً لقلبه، فانكشف لي قلب لين رقيق سرعان ما سالت دمعات على وجه تلطخ بسواد المعصية والشهوة، وكان قد شكا جفاء بعض الناصحين وتعجلهم عليه. أيها الإخوة! كم نخطئ عندما نحكم على الآخرين بمجرد النظر للظاهر. فهذا عمرو بن العاص يحدث عن نفسه فيقول: [لقد رأيتني وما أحد أشد بغضاً لرسول الله مني، ولا أحب إليّ أن أكون قد استمكنت منه فقتلته] وبعد أن أسلم وعرفه عن قرب، انقلب الحال فقال: [وما كان أحد أحب إليّ من رسول الله، ولا أجل في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالاً له، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت، لأني لم أكن أملأ عيني منه] كما في صحيح مسلم. إننا نظلم أنفسنا ونظلم الآخرين عندما نحقد على هؤلاء ونتخوف منهم، والحل هو: أن تنمو في نفوسنا بذرة الحب والعطف على الآخرين، والصبر عليهم، وباختصار: إنها الأخلاق وفن التعامل مع الناس. يا أهل القرآن! ألم نقرأ في القرآن قول الحق : ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ [البقرة:٨٣] ؟ ألم نقرأ قول الحق: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء:٥٣] ؟ في الآية الأولى: (قولٌ حسن) وفي الثانية: (أحسن) فأين نحن من قول الحسن فضلاً عن قول أحسن الحسن ورسول الله ﷺ يقول: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته) كما في صحيح مسلم؟! فإن كانت الرحمة والإحسان تصل إلى هذه الدرجة من الرفق، وحسن التعامل حتى مع الحيوان، فكيف بالرحمة والإحسان مع بني الإنسان؟ قال أحد الإخوة: في موسم للأمطار وأنا على سيارتي مررت بغدير ماء لم أنتبه له، فتراشقت المياه على الجانبين، كان النصيب الأكبر منها لشباب جلسوا على عتبة أحد الأبواب، ويا ليت شعري لو رأيت حالهم وقد تبدلت، فالثياب البيضاء كأنها سوداء، والشعرات السوداء خضبت بالطين والماء، فرجعت إليهم، يقول: ولم أنتبه إلا على أصوات السب واللعان، ومناداتي للرفس والطعان، يقول: فرجعت إليهم مسلماً معتذراً متأسفاً، فيا سبحان مقلب القلوب! تحول السب واللعان إلى ترحيب وسلام، ودعوة إلى الطعام، بل إلى إخاء ووئام. انتهى كلامه. فيا أيها الأحبة! أقول باختصار: إنها الأخلاق تصنع الأعاجيب، نخطئ كثيراً عندما نعتزل بعض الناس؛ لأننا نشعر أننا أطهر منهم روحاً، أو أطيب منهم قلباً، أو أزكى منهم عقلاً. قال رجل لـ عبد الله بن المبارك: عظني، قال ابن المبارك: [إذا خرجت من منزلك، فلا يقعن بصرك على أحد إلا رأيت أنه خير منك] . (وليس معنى هذا أن نتخلى عن مبادئنا ومثلنا السامية، أو نتملق أو نجامل، لا. ولكنها الحكمة والموعظة الحسنة وفن التعامل مع الآخرين) . مقتبس من رسالة بعنوان أفراح الروح. أيها المحب! انظر لفن التعامل ومحاسن الأخلاق ماذا تفعل؟ هذا عكرمة بن أبي جهل ورث عداوة الإسلام عن أبيه، وقاتل المسلمين في كل موطن، وتصدى لهم يوم فتح مكة، ثم فر إلى اليمن، بعد أن أهدر النبي ﷺ دمه، فتأتي زوجه أم حكيم بعد إسلامها لرسول الله تطلب الأمان لزوجها فيقول لها -بأبي هو وأمي- ﷺ : (هو آمن) ويقول لأصحابه: (يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمناً مهاجراً، فلا تسبوا أباه؛ فإن سب الميت يؤذي الحي ولا يبلغ الميت) فيأتي عكرمة بين يدي المصطفى ﷺ ، فيقول عكرمة: [أشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله، وأنت أبر الناس وأصدق الناس وأوفى الناس، أما والله يا رسول الله! لا أدع نفقةً كنت أنفقها في الصد عن سبيل الله إلا أنفقت ضعفها في سبيل الله، ولا قاتلت قتالاً في الصد عن سبيل الله إلا أبليت ضعفه في سبيل الله] . لمسة حانية من نبي الرحمة ﵌ نقلت ابن فرعون هذه الأمة إلى صف أولياء الرحمن، وجعلته يندم هذا الندم، ويعزم هذا العزم، ويتحول هذا التحول، إنها الأخلاق تصنع الأعاجيب!

стр. 425

همسة في أذن موظف أيها الموظف! أيّاً كان موقعك، وفي أي مكان كنت، إنك لم تجلس على هذا الكرسي الذي أنت عليه إلا من أجل خدمة الناس، وقضاء حوائجهم، وأداء الأمانة التي تحملتها. أفلا ترى أنك بحسن الاستقبال والابتسامة، وإظهار الاهتمام بالمراجع وحاجته، تملك قلوب الآخرين؟ حتى وإن لم تقض حاجتهم، وربما خرجوا من عندك بنفس راضية، ولسان يلهج بالثناء والدعاء، بل ربما أثنوا عليك ورفعوا ذكرك بكل مجلس، كل هذا وأنت لم تقض حاجتهم، بل ملكتهم بحسن الأخلاق، فكيف لو استطعت قضاء حاجتهم وتيسير أمرهم؟ أيها الحبيب! انظر للنتيجة التي وصلت إليها: كسبت القلوب، والذكر الحسن، وقبل ذلك كله كسبت رضا الله تعالى، ألم يقل ﷺ : (وابتسامتك في وجه أخيك صدقة) ؟ ألم يقل ﷺ : (والكلمة الطيبة صدقة) ؟ ألم يقل ﷺ : (من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته) ؟ ألم يقل ﷺ : (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) ؟ ألم يقل صلوات الله وسلامه عليه: (خير الناس أنفعهم للناس) ؟ إذاً: فأنت أيها الموظف! في عبادة وأنت على مكتبك، فقط استعن بالله وأخلص النية لله، واتصف بمكارم الأخلاق، واحرص على نفع الناس؛ ستجد التوفيق في الدنيا والآخرة، ذكر حسن وجميل وحب وتقدير، هذا في الدنيا، وأجر كبير من العليم الخبير في الآخرة، كل هذا من خلال عملك ووظيفتك -أجر وغنيمة- والموفق من وفقه الله. وربما قلت: الناس لا يرضيهم إلا تلبية رغباتهم، وتنفيذ ما يريدون، بل ربما قلت: إن ميزان الناس اليوم في الحكم على الآخرين هو مصالحهم الشخصية. فأقول لك: نعم. هذا هو واقع الحال، ونحن لا نبرئ أنفسنا، ولكن أخي الحبيب! هب أنك بذلت لهم ما استطعت وتخلقت معهم بأحسن الأخلاق ولم يرضوا عنك، أليس حسبك أن يرضى الله عنك؟ فإنه يعلم أنك قدمت وبذلت ما بوسعك إذاً فأجرك على الله، وإن لم يرض الناس فتذكر دائماً (أن من أرضى الله بسخط الناس ﵁ وأرضى عنه الناس) . فاحرص على فضائل الأخلاق وفن التعامل مع الناس، فإن الرسول ﷺ يقول: (خياركم أحاسنكم أخلاقاً) كما في البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمرو. يا من رزقه الله مكانةً ووجاهةً! اعلم أن زكاتها الشفاعة والإعانة للمحتاجين، على أن لا يبخس بها حق الآخرين، فإن الشفاعات من أعظم العبادات إذا قصد بها وجه الله . كتب الحسن بن سهل لرجل كتاب شفاعة؛ فجعل الرجل يشكره، فقال الحسن: يا هذا علام تشكرنا؟ إنا نرى الشفاعات زكاة مروءتنا، ثم أنشد يقول: فرضت عليّ زكاة ما ملكت يدي وزكاة جاهي أن أعين وأشفعا فإذا ملكت فجد فإن لم تستطع فاجهد بوسعك كله أن تنفعا

стр. 426

همسة في أذن المعلمين والمعلمات أيها المعلمون والمعلمات! (إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى النملة في جحرها ليصلون على معلم الناس الخير) كما في الترمذي. (ومن دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً) كما في صحيح مسلم. وإني لأظنك أيها المعلم! وأنت أيتها المعلمة! من معلمي الناس الخير، وممن يدعوا إلى الهدى، فأنتم تجلسون الساعات بل الأيام والشهور والسنوات مع أولاد وبنات المسلمين، ولله در ابن المبارك وهو يقول: [نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم] وأفضل وأيسر وأحسن طريق عرفته في التعليم هو التواضع، وفن التعامل ومكارم الأخلاق مع الطلاب والطالبات، ولا يستطيعه إلا من رزقه الله الإخلاص بعلمه وتعليمه نسأل الله الكريم من فضله. احترام الطلاب والطالبات، وإشعارهم بالحب والاهتمام بمشاكلهم وهمومهم، والتجاوز عن أخطائهم، والابتسامة، والصبر، والرفق بالتوجيه مع قوة المادة العلمية، كلها من علامات الشخصية الناجحة للمعلم والمعلمة، أما الشدة وكتم الأنفاس، وشد الأعصاب، ورفض المناقشة، والتمسك بالرأي، وعدم التنازل عنه بحجة قوة الشخصية أمام الطلاب والطالبات، فهي أوهام لا تزيد الطين إلا بله (فإن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق مالا يعطي على العنف) كما في صحيح مسلم. أيها المعلمون والمعلمات! رسول الله ﷺ يقول: (من يحرم الرفق يحرم الخير كله) كما في صحيح مسلم. والقلوب التي تجلس أمامكم كل نهار مهما بلغت من الغفلة والقسوة فهي أحوج ما تكون إلى الرفق والعطف، فإن الرفق وحسن الأخلاق واللمسات الحانية والكلمات العذبة، مفاتيح عجيبة في التأثير والتوجيه، فكم عبرة أجهشتها، ودمعة أسالتها! ولكنه -وأقوله مرةً وثالثةً وعاشرةً- الإخلاص لله، فمن يؤتاه فقد أوتي خيراً كثيراً، فليست النائحة الثكلى كالنائحة المستأجرة، واللبيب بالإشارة يفهم.

стр. 427

هل يمكننا تغيير الأخلاق ؟! ربما قال البعض: لقد شببت على الشيء فلا أستطيع أن أغير أخلاقي، وهناك من يرى أن الأخلاق ثابتة في الإنسان لا تتغير، فهي غرائز فطر عليها، وطبائع جبل عليها، وهناك من يرى أنها تتغير فليس ذلك صعباً ولا مستحيلاً، والحق أن الأخلاق على نوعين: فمنها: ما هو غريزي فطري، ومنها: ما يكتسب بالممارسة والمجاهدة، ولو كانت الأخلاق لا تتغير؛ لبطلت الوصايا والمواعظ، ولما قال الله : ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى:١٤] وقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس:٩] ولما قال ﵌: (إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتحرى الخير يعطه، ومن يتوقى الشر يوقه) . ومن نظر إلى الحيوان وحاله قبل التدريب وبعده، أدرك أن الأخلاق عند الإنسان سهلة التغيير لمن رزق الهمة والعزيمة، وحمل نفسه على مكارم الأخلاق وفضائلها. يقول ابن حزم ﵀ متحدثاً عن تجربته مع نفسه: كانت فيَّ عيوب فلم أزل بالرياضة والاطلاع على مقالة الأنبياء صلوات الله عليهم، والأفاضل من الحكماء المتأخرين والمتقدمين في الأخلاق وآداب النفس، أعاني مداواتها حتى أعان الله على أكثر ذلك بتوفيقه ومنه، وتمام العدل ورياضة النفس والتصرف بالأمور هو الإقرار بها -أي: الإقرار بالعيوب- ليتعظ بذلك متعظ يوماً إن شاء الله. ثم أخذ ﵀ يعدد بعض العيوب في نفسه، لولا خشية الإطالة لذكرتها لعظيم الفائدة، من أرادها فلينظر في كتابه: الأخلاق والسير في مداواة النفوس. قال: ومنها -أي: العيوب- حقد مفرط قدرت بعون الله تعالى على طيه وستره، وغلبته على إظهار جميع نتائجه، وأما قطعه ألبتة فلم أقدر عليه، وأعجزني أن أصادق من عاداني عداوة صحيحة أبداً. انتهى كلامه ﵀. ويقول أحد الإخوة: وقع في قلبي شيء عظيم على أحد إخواني لخير أعطاه الله إياه، فما زال الشيطان بي ونفسي الضعيفة، وكنت أهتم وأغتم وأكثر التفكير والخواطر خاصةً وأنني كنت متهيئاً لهذا الخير الذي آتاه الله أكثر منه. يقول: فما زلت مع نفسي أدفع الخواطر والأفكار الرديئة تارةً، وأؤنبها وألومها تارة، وأذكرها بفضل سلامة الصدر وتمني الخير للآخرين، وأني أحب لهم ما أحب لنفسي تارةً أخرى، وتارةً أذكرها بخطر الحسد وأضراره، وما زلت أستعين بالله وأدعوه حتى انتصرت على نفسي واستطعت ترويضها، وما زلت مع نفسي بكثير من هذه المواقف، حتى وجدت أنها اعتادت على سلامة الصدر وحسن الظن بالآخرين وتمني الخير لهم، عندها شعرت بسعادة ولذة عجيبة، وأقبلت على شئوني وأعمالي بقلب سليم، وفتح الله عليّ بأمور كثيرة فتحاً عجيباً ولله الحمد والمنة، فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. انتهى كلامه. إذاً: فلا بد من رياضة النفس وتدريبها أيها الأحبة! وذلك بالمجاهدة والصبر وقوة الملاحظة والنظر في عواقب الأمور قبل الإقدام، وطلب النصح من الآخرين، ونحو ذلك مما يعين على تغيير الأخلاق والطبائع للأحسن، هداني الله وإياك لأحسن الأخلاق فإنه لا يهدي لأحسنها إلا هو.

стр. 428

سهام للصيد أي: صيد القلوب، أعني تلك الفضائل التي تُستَعطَف بها القلوب، وتستر بها العيوب، وتستقال بها العثرات، وهي صفات لها أثر سريع وفعال على القلوب، وإلا فإن فضائل ومكارم الأخلاق كثيرة. إليك أيها المحب! سهاماً سريعةً ما إن تطلقها حتى تملك بها القلوب، فاحرص عليها وجاهد نفسك على حسن التسديد للوصول للهدف، واستعن بالله.

стр. 429

السهم الأول: الابتسامة قالوا هي كالملح في الطعام، وهي أسرع سهم تملك به القلوب، وهي مع ذلك عبادة وصدقة، (فتبسمك في وجه أخيك صدقة) كما في الترمذي، وقال عبد الله بن الحارث: [ما رأيت أحداً أكثر تبسماً من رسول الله ﷺ ] أخرجه أحمد والترمذي وقال: سند حسن.

стр. 430

السهم الثاني: البدء بالسلام سهم يصيب سويداء القلب، ليقع فريسةً بين يديك، لكن أحسن التسديد ببسط الوجه والبشاشة، وحرارة اللقاء، وشد الكف على الكف، وهو أجر وغنيمة (فخيرهما الذي يبدأ بالسلام) . قال عمر الندي: [خرجت مع ابن عمر فما لقي صغيراً ولا كبيراً إلا سلم عليه] وقال الحسن البصري: [المصافحة تزيد في المودة] . والنبي ﷺ يقول: (لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق) كما في صحيح مسلم. وعند مالك في الموطأ أنه ﷺ قال: [تصافحوا يذهب الغل، وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء] قال ابن عبد البر: هذا يتصل من وجوه شتى حسان كلها.

стр. 431

السهم الثالث: الهدية ولها تأثير عجيب! فهي تذهب بالسمع والبصر والقلب، وما يفعله الناس من تبادل الهدايا في المناسبات وغيرها أمر محمود، بل ومندوب إليه على أن لا يكلف نفسه إلا وسعها. قال إبراهيم بن محمد الزهري: خرجت لأبي جائزته فأمرني أن أكتب خاصته وأهل بيته، ففعلت، فقال لي: تذكر هل بقي أحد أغفلناه؟ قلت: لا. قال: بلى. رجل لقيني فسلم عليّ سلاماً جميلاً صفته كذا وكذا، اكتب له عشرة دنانير. انتهى كلامه. انظروا! أثر فيه السلام الجميل فأراد أن يرد عليه بهدية ويكافئه على ذلك.

стр. 432

السهم الرابع: الصمت وقلة الكلام إلا فيما ينفع وإياك وارتفاع الصوت وكثرة الكلام في المجالس، وإياك وتسيد المجالس، وعليك بطيب الكلام ورقة العبارة (فالكلمة الطيبة صدقة) كما في الصحيحين، ولها تأثير عجيب في كسب القلوب والتأثير عليها حتى مع الأعداء، فضلاً عن إخوانك وبني دينك! فهذه عائشة رضي الله تعالى عنها قالت لليهود: (وعليكم السام واللعنة، فقال لها رسول الله ﷺ : مهلاً يا عائشة، فإن الله يحب الرفق في الأمر كله) والحديث متفق عليه. وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (عليك بحسن الخلق، وطول الصمت؛ فوالذي نفسي بيده ما تجمل الخلائق بمثلهما) أخرجه أبو يعلى والبزار وغيرهما. قد يخزن الورع التقي لسانه حذر الكلام وإنه لمفوه

стр. 433

السهم الخامس: حسن الاستماع وأدب الإنصات وعدم مقاطعة المتحدث فقد كان رسول الله ﷺ لا يقطع الحديث حتى يكون المتكلم هو الذي يقطعه، ومن جاهد نفسه على هذا؛ أحبه الناس وأعجبوا به، بعكس الآخر كثير الثرثرة والمقاطعة، واسمع لهذا الخلق العجيب عن عطاء قال: [إن الرجل ليحدثني بالحديث فأنصت له كأني لم أسمعه وقد سمعته قبل أن يولد] .

стр. 434

السهم السادس: حسن السمت وجمال الشكل واللباس وطيب الرائحة فالرسول ﷺ يقول: (إن الله جميل يحب الجمال) كما في مسلم. وعمر بن الخطاب يقول: [إنه ليعجبني الشاب الناسك نظيف الثوب طيب الريح] . وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: إني ما رأيت أحداً أنظف ثوباً، ولا أشد تعهداً لنفسه وشاربه وشعر رأسه وشعر بدنه، ولا أنقى ثوباً وأشده بياضاً من أحمد بن حنبل.

стр. 435

السهم السابع: بذل المعروف وقضاء الحوائج سهم تملك به القلوب، وله تأثير عجيب صوره الشاعر بقوله: أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم فطالما استعبد الإنسان إحسان بل تملك به محبة الله كما قال ﷺ : (أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس) والله يقول: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥] . إذا أنت صاحبت الرجال فكن فتى كأنك مملوك لكل رفيق وكن مثل طعم الماء عذباً وبارداً على الكبد الحرى لكل صديق أيها الإخوة والأخوات! عجبت لمن يشتري المماليك بماله كيف لا يشتري الأحرار بمعروفه، ومن انتشر إحسانه كثر أعوانه.

стр. 436

السهم الثامن: بذل المال فإن لكل قلب مفتاح، والمال مفتاح لكثير من القلوب، خاصة في مثل هذا الزمان، والرسول ﷺ يقول: (إني لأعطي الرجل وغيره أحب إليّ منه؛ خشية أن يكبه الله في النار) كما في صحيح البخاري. صفوان بن أمية فر يوم فتح مكة خوفاً من المسلمين، بعد أن استنفذ كل جهوده في الصد عن الإسلام، والكيد والتآمر لقتل رسول الله ﷺ ، فيعطيه الرسول ﷺ الأمان ويرجع إلى النبي ﷺ ، ويطلب منه أن يمهله شهرين للدخول في الإسلام، فقال له الرسول الله ﷺ : (بل لك تسير أربعة أشهر) وخرج مع رسول الله إلى حنين والطائف كافراً، وبعد حصار الطائف وبينما رسول الله ﷺ ينظر في الغنائم رأى صفوان يطيل النظر إلى واد قد امتلأ نعماً وشاءً ورعاءً، فجعل ﵊ يرمقه ثم قال له: (أيعجبك هذا يا أبا وهب؟ قال: نعم. فقال له النبي ﷺ : هو لك وما فيه) فقال صفوان عندها: [ما طابت نفس أحد بمثل هذا إلا نفس نبي، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله] . أيها الأحبة! لقد استطاع الحبيب ﷺ بهذه اللمسات، وهذا التعامل العجيب أن يصل لهذا القلب بعد أن عرف مفتاحه، فلماذا هذا الشح والبخل؟ ولماذا هذا الإمساك العجيب عند البعض من الناس؟ حتى كأنه يرى الفقر أمام عينيه كلما هم بالجود والكرم والإنفاق.

стр. 437

السهم التاسع: إحسان الظن بالآخرين والاعتذار لهم فما وجدت طريقاً أيسر وأفضل للوصول إلى القلوب منه، فأحسن الظن بمن حولك، وإياك وسوء الظن بهم، وأن تجعل عينيك مرصداً لحركاتهم وسكناتهم، فتحلل بعقلك التصرفات ويذهب بك كل مذهب، واسمع لقول المتنبي: إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه وصدق ما يعتاده من توهم عوّد نفسك على الاعتذار لإخوانك جهدك، فقد قال ابن المبارك: [المؤمن يطلب معاذير إخوانه، والمنافق يطلب عثراتهم] ومن علامات شقاء الأمة: أن تشغل بنفسها عن أعدائها.

стр. 438

السهم العاشر: أعلن المحبة والمودة للآخرين فإذا أحببت أحداً، أو كانت له منزلةً خاصةً في نفسك فأخبره بذلك، فإنه سهم يصيب القلب ويأسر النفس، ولذلك قال ﷺ : (إذا أحب أحدكم صاحبه فليأته بمنزله فليخبره أنه يحبه) كما في صحيح الجامع، وزاد في رواية مرسلة: (فإنه أبقى في الألفة وأثبت للمودة) . لكن شرط المحبة: أن تكون لله، وليس لغرض من أغراض الدنيا كالمنصب والمال، والشهرة والوسامة والجمال، فكل أخوة لغير الله هباء، وهي يوم القيامة عداء ﴿الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧] و (المرء مع من أحب) كما قال ﷺ ، يعني: يوم القيامة. إذاً: فإعلان المحبة والمودة من أعظم الطرق للتأثير على القلوب، فإما مجتمع مليء بالحب والإخاء والائتلاف، أو مجتمع مليء بالفرقة والتناحر والاختلاف، لذلك حرص ﷺ على تكوين مجتمع متحاب، فآخى بين المهاجرين والأنصار، حتى عرف أن فلاناً صاحب فلان، وبلغ ذلك الحب أن يوضع المتآخيين في قبر واحد بعد استشهادهما في إحدى الغزوات، بل أكد ﷺ على وسائل نشر هذه المحبة، ومن ذلك قوله صلوات الله وسلامه عليه: (لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم) كما في صحيح مسلم. أيها الإخوة! إن المشاعر والعواطف والأحاسيس الناس منها على طرفي نقيض -وللأسف- فهناك من يتعامل مع إخوانه بأسلوب عقلي جامد جاف مجرد من المشاعر والعواطف، وهناك من يتعامل معهم بأسلوب عاطفي حساس رقيق ربما وصل لدرجة العشق والإعجاب، والتعلق بالأشخاص. والموازنة بين العقل والعاطفة يختلف بحسب الأحوال والأشخاص، وهو مطلب لا يستطيعه كل أحد لكنه فضل الله يؤتيه من يشاء.

стр. 439

السهم الحادي عشر والأخير: المداراة فهل تحسن فن المداراة؟ وهل تعرف الفرق بين المداراة والمداهنة؟ روى البخاري في صحيحه من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها (أن رجلاً استأذن على النبي ﷺ ، فلما رآه قال: بئس أخو العشيرة، فلما جلس تطلق النبي ﷺ في وجهه وانبسط إليه، فلما انطلق الرجل، قالت له عائشة: يا رسول الله! حين رأيت الرجل قلت كذا وكذا، ثم تطلقت في وجهه وانبسطت إليه، فقال رسول الله ﷺ : يا عائشة! متى عهدتني فاحشاً؟ إن شر الناس عند الله منزلةً يوم القيامة؛ من تركه الناس اتقاء فحشه) . قال ابن حجر في الفتح: وهذا الحديث أصل في المداراة. ونقل قول القرطبي: والفرق بين المداراة والمداهنة: أن المداراة بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أو هما معاً، وهي مباحة وربما استحبت، والمداهنة: ترك الدين لصلاح الدنيا. إذاً: فالمداراة لين الكلام والبشاشة للفساق وأهل الفحش والبذاءة: أولاً: اتقاءً لفحشهم. وثانياً: لعل في مداراتهم كسباً لهدايتهم، بشرط عدم المجاملة في الدين، وإنما في أمور الدنيا فقط، وإلا انتقلت من المداراة إلى المداهنة. فهل تحسن فن المداراة بعد ذلك؟ كالتلطف والاعتذار، والبشاشة، والثناء على الرجل بما هو فيه لمصلحة شرعية، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: (مداراة الناس صدقة) أخرجه الطبراني وابن السني من حديث جابر وصححه ابن حبان. وقال ابن بطال: المداراة من أخلاق المؤمنين، وهي خفض الجناح للناس، وترك الإغلاظ لهم في القول، وذلك من أقوى أسباب الألفة. انتهى كلامه ﵀. إذاً: هذه أسهم للصيد، فأحسن التسديد، وهي على سبيل المثال، وذكرت منها ما أشرت إليه آنفاً وإلا فهي كثيرة.

стр. 440

الازدواجية في الأخلاق لقد شكا الكثير من التقلب والمزاجية، والازدواج في الشخصية، وهو ما يعيشه بعض الناس اليوم.

стр. 441

الازدواجية في الأخلاق داخل البيت وخارجه فمثلاً: الزوجة المسكينة تسمع عن أخلاق زوجها، وسعة صدره وابتسامته وكرمه، ولكنها لم تر من ذلك شيئاً، فهو في بيته سيئ الخلق، ضيق الصدر، عابس الوجه، صخاب لعان، بخيل ومنان، أين هذا وأمثاله من قول الرسول ﷺ : (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) كما عند ابن ماجه وابن حبان والحاكم. وأين هو من قول النبي ﷺ : (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم) كما عند الترمذي وابن حبان بسند صحيح؟! قال سلمة بن دينار: السيئ الخلق أشقى الناس به نفسه التي بين جنبيه، هي منه في بلاء، ثم زوجته، ثم ولده، حتى إنه ليدخل بيته وإنهم لفي سرور، فيسمعون صوته فينفرون منه فرقاً -أي: خوفاً منه- حتى إن دابته تحيد مما يرميها بالحجارة، وإن كلبه ليراه فينزو على الجدار، حتى إن قطه ليفر منه. انتهى كلامه. وقل مثل ذلك مع الوالدين، فكم أولئك الذين نسمع عن حسن أخلاقهم وكرمهم وابتسامتهم وجميل معاشرتهم للآخرين، أما مع أقرب الناس إليهم وأعظم الناس حقاً عليهم، الوالدين، فجفاء وهجر وبعد، ويكفي بلاغةً وقوةً ورقةً، قول الحق : ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء:٢٣] ومن نظر لحالنا مع آبائنا وأمهاتنا، علم ضعف إيماننا وتقصيرنا بأعظم الحقوق علينا بعد توحيد الله، والله المستعان.

стр. 442

الازدواجية في أخلاق المرأة بين جمال الداخل والخارج ومن الازدواجية -أيضاً- ربما ترى المرأة متعلمةً مثقفةً جميلةً أنيقة، بل ربما حرصت على صفاء وجهها وبياض أسنانها، وتبذل الغالي والنفيس من أجل جمالها وأناقتها، فإذا عرفتها عن قرب وعاشرتها، فإذا هي سيئة الأخلاق سريعة الغضب، تتذمر وتتسخط، ترفع صوتها على زوجها، وتعبس في وجه أختها، آه لو حرصت النساء على أخلاقهن كحرصهن على جمالهن. فليس الجمال بأثواب تزيننا بل الجمال جمال العلم والأدب اعلمي أخيتي في الله! أن الجمال الحقيقي هو: جمال الأخلاق والأدب، فأف ثم تف لجمال اللباس والشكل مع قلة الحياء، والتكشف والعري، وضياع القيم والمبادئ. مررت على المروءة وهي تبكي فقلت علام تنتحب الفتاة فقالت: كيف لا أبكي وأهلي جميعاً دون خلق الله ماتوا أيتها الأخت! إن الله جعل للإنسان عورتين، عورة الجسم، وعورة النفس، وجعل للأولى ستراً هو: اللباس، وللثانية ستراً هو: الأخلاق، ونبه على الأهم وهو الثاني؛ لأن لباس الإنسان لا يغني عن أخلاقه ألبتة، فقال : ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف:٢٦] . أخيتي! إن المرأة العاقلة: إذا نطقت جاءت بكل ملاحة وإن سكتت جاءت بكل مليح فاتقي الله أيتها المرأة! واستري عورة النفس بلباس التقوى، والحياء، ومكارم الأخلاق.

стр. 443

الازدواجية في الأخلاق والمعاملات ومن الازدواجية في الأخلاق: ما نراه من بعض الناس من حسن الكلام، وسعة الصدر، والابتسامة، فإذا جاء البيع والشراء والتعامل بالدينار والدرهم تراه مماطلاً مماكساً، يجادل ويخاصم، وربما ضاعت وتلاشت معاني الأخوة وحقوقها. وقيل لـ محمد بن الحسن ألا تصنف كتاباً في الزهد قال: صنفت كتاباً في البيوع. يعني ﵀: أن الزاهد هو من يتحرز عن الشبهات والمكروهات في التجارات وفي سائر المعاملات، وهذا من فقه وذكاء محمد رحمة الله تعالى عليه. ويروى أن مسروقاً كان عليه دين ثقيل، وكان على أخيه خيثمة دين، فذهب مسروق فقضى دين خيثمة وهو لا يعلم، وذهب خيثمة فقضى دين مسروق وهو لا يعلم. وقال مطرف بن عبد الله لبعض إخوانه: يا أبا فلان! إذا كانت لك حاجة فلا تكلمني، واكتبها في رقعة، فإني أكره أن أرى في وجهك ذل السؤال. إذا أعسرت لم يعلم رفيقي وأستغني فيستغني صديقي حيائي حافظ لي ماء وجهي ورقي في مطالبتي رفيقي ولو أني سمحت بماء وجهي لكنت إلى العلا سهل الطريق عن رباح بن الجراح قال: جاء فتح الموصلي إلى منزل صديق له يقال له: عيسى التمار، فلم يجده في المنزل، فقال للخادم: أخرجي لي كيس أخي، فأخرجته، ففتحه فأخذ منه درهمين، وجاء عيسى فأخبرته الخادمة، فقال: إن كنت صادقةً فأنت حرة، فنظر فإذا هي صادقة فعتقت. وعن جميل بن مرة قال: مستنا حاجة شديدة، فكان مورق العجلي يأتينا بالصرة فيقول: أمسكوا هذه لي عندكم، ثم يمضي غير بعيد، فيقول: إن احتجتم إليها فأنفقوها. وقال سفيان بن عيينة: [سمعت مساوراً الوراق يقول: ما كنت لأقول لرجل إني أحبك في الله فأمنعه شيئاً من الدنيا] . مواقف أغرب من الخيال، لكنها مكارم الأخلاق عند سلفنا الصالح رضوان الله تعالى عليهم، وصدق الأخوّة والمحبة في الله، نسأل الله الكريم من فضله، ونسأل الله حسن التأسي بهم رضوان الله عليهم.

стр. 444

الازدواجية في الأخلاق بين حسن المظهر ووحشة المخبر ومن مظاهر الازدواجية -أيضاً-: أن ترى بعض الشباب يعجبك حسن مظهره، ويجذبك سحر عطره، وتصفيف شعره، ولولا الحياء لأطنبت في الوصف مما يرى ويشاهد على بعض شبابنا هذه الأيام من حرص على المظاهر والأشكال، ومع ذلك انحراف في السلوك والأخلاق، فلا مانع لديه أن يكذب، وأن يلعن ويشتم، وربما يزني ويسرق، أو يغش ويخدع، لا مانع لديه أن يتخلى عن دينه وأخلاقه من أجل شهوة، فأفسد المسكين جمال الظاهر وجمال الباطن. أيها الشاب! ليس الإنسان إنساناً بجسمه وصورته، لا والله! ولا بثيابه ومظهره! بل هو إنسان بروحه وعقله وخلُقه. يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته أتعبت نفسك فيما فيه خسران أقبل على النفس واستكمل فضائلها فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان أيها الشاب! هل ينفع الفتيان حسن وجوههم إذا كانت الأخلاق غير حسان؟ إن في قلبك فطرة الخير ففتش عنها وأشعل جذوة الخير فيها. أيها الشاب! إن من تمام سعادتنا أن نتمتع بمباهج الحياة وشهواتها، لكن في حدود الشرع: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧] . أيها الشاب! فكن رجلاً رجله في الثرى وهامة همته في الثريا وتجمل بمكارم الأخلاق والآداب فإنها زينة الرجال.

стр. 445

الازدواجية في الأخلاق عند بعض الصالحين ومن الازدواجية في الأخلاق -أيضاً-: أولئك الذين نرى عليهم آثار الصلاح وسيما الخير، ثم نراهم في أفعالهم وتصرفاتهم يناقضون تلك السمات والآثار، حتى أصبحوا فتنةً لغيرهم، فأنت لا تسيء لنفسك فقط، بل لنفسك ولغيرك، وربما لدينك، فإن من يرى سوء الأخلاق منك فسيقول: هذه أخلاق الصالحين، وهذا هو الالتزام الذي يذكرون، فعلى هذا وأمثاله أن يراجعوا صلاحهم، فقد لا يكون لهم من الصلاح إلا الاسم والرسم. مدحوا عند الفضيل بن عياض رجلاً وقالوا: إنه لا يأكل الخبيص، فقال ﵀: [وما ترك أكل الخبيص؟ انظروا كيف صلته للرحم، انظروا كيف كظمه للغيظ، انظروا كيف عطفه على الجار والأرملة واليتيم، انظروا كيف حسن خلقه مع إخوانه] انتهى كلامه. قل لي بربك أيها القدوة! هل الاستقامة مظهر فقط؟ أم هي حسن تعامل مع فئة من الناس فقط؟ أم أنها سلوك منك وحسن تعامل مع الناس في كل شيء وفي جميع الأحوال؟ ففي الحديث الصحيح: (أعظم ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق) أخرجه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: صحيح غريب. قال ابن القيم في الفوائد: جمع النبي ﷺ بين تقوى الله وحسن الخلق في هذا الحديث؛ لأن تقوى الله يصلح ما بين العبد وبين ربه، وحسن الخلق يصلح ما بينه وبين خلقه، فتقوى الله توجب له محبة الله، وحسن الخلق يدعو الناس إلى محبته. انتهى كلامه ﵀. ويجب التنبه هنا لأمر مهم، اختلط على كثير من الناس إما جهلاً وهو الغالب، أو بقصد من قلب فيه دخن ودغل، وهو قليل جداً إن شاء الله.

стр. 446

وقفة للنظر في الازدواجية أيها الإخوة! إن تخلى المسلمون عن أخلاقهم ومبادئ عقيدتهم فليس معنى هذا أن نتهم الإسلام، أو نتردد بالالتزام بتعاليمه وشرائعه، وإلا فما معنى أن يحكم أناس مسلمون على الإسلام وعلى أهل الصدق منه بالغلو والتطرف، والغلظة والفظاظة، وسوء الخلق، لمجرد أن منتسباً للإسلام أخطأ في تصرفه، أو قوله، أو تلبس لباس الصادقين من المسلمين؟ إن من أشنع أنواع الظلم أن يؤاخذ الإنسان بخطأ غيره فإن الله يقول: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤] . أين الإنصاف؟ وأين العدل؟ والله يقول: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨] . لماذا نتسرع بالحكم على الجميع ونعمم الأخطاء لمجرد أخطاء فردية؟! أين هؤلاء الشانئون عن مئات وآلاف من المسلمين والمسلمات ممن نَبُلت أخلاقهم، وعزت نفوسهم؟! إنني أعرف وتعرف، وأسمع وتسمع، وأرى وترى أعداداً ليست بالقليلة، ممن ملكوا القلوب بجمال ألفاظهم، وأسروا النفوس بحسن أفعالهم، قلوب صافية، وأيد حانية، وألسن عفيفة، علم وعمل، وحب للدين والوطن، فلماذا لا يذكر هؤلاء ويشهر أمرهم ويتحدث عن نبلهم؟ لماذا ننظر بعين واحدة ونقع على الجروح فقط؟ انظر لنفسك أيها الأخ الحبيب! أيها الشاب! وأنت تشكو من هؤلاء، ألست مسلماً؟ أو لست تخطئ؟ ألست تزل؟ فلربما شكا منك الناس، فأنت تشكو وأنت تُشكى، ولكن ما أجمل أن يعذر بعضنا بعضاً، وأن نعفو عن الزلات ونستر السيئات، ونشهر الحسنات، تناصح وتغافر يطفئ نار الفرقة والاختلاف. عامل الناس جميعاً على أنهم بشر يصيبون ويخطئون، غض الطرف وتغافل واصبر. ليس الغبي بسيد في قومه لكن سيد قومه المتغابي ولك أن تسرح بخيالك لترى المجتمع وهو يعيش بهذه المعاني الجميلة، فهي من أعظم مكارم الأخلاق، فإن أبيت فاتهم ذلك الشخص ولا تعمم واتق الله! فإن الجزاء من جنس العمل، وكما تدين تدان.

стр. 447

أخلاق النبي ﷺ مكارم الأخلاق بأن تشعر الجميع أنك تحبهم، بل كل واحد يشعر أنه أحب الناس إلى قلبك، فهل تستطيع هذا؟! إنك تملك القلوب بأيسر الطرق وأفضلها، هكذا كانت أخلاق قدوتنا وحبيبنا ﷺ . فعن عمرو بن العاص قال: (كان رسول الله ﷺ يقبل بوجهه وحديثه عليّ، حتى ظننت أني خير القوم، فقلت: يا رسول الله! أنا خير أو أبو بكر؟ فقال: أبو بكر، فقلت: يا رسول الله! أنا خير أم عمر؟ فقال: عمر، فقلت: يا رسول الله! أنا خير أم عثمان؟ فقال: عثمان، فقال عمرو بن العاص: فلما سألت رسول الله ﷺ فصدقني، فلوددت أني لم أكن سألته) كما في الشمائل للترمذي. إذاً: فـ عمرو بن العاص، ظن أنه أحب وأقرب الناس لقلب رسول ﷺ . أخي الحبيب! لعلك تسأل كيف استطاع النبي ﷺ كسب القلوب إلى هذا الحد، بل كسب حتى قلوب أعدائه. إليك شيئاً من شمائله وأخلاقه بإيجاز، رزقني الله وإياك حسن الاقتداء والتأسي به ﷺ . كان أشد الناس حياءً، لا يثبت بصره في وجه أحد، ولا يجفو على أحد، يقبل معذرة المعتذرين إليه، يمزح ولا يقول إلا حقاً، يضحك من غير قهقهة، ترفع الأصوات عليه فيصبر، لا يحتقر مسكيناً لفقره، ما ضرب بيده أحداً قط إلا في سبيل الله، وما انتقم من شيء صنع إليه قط إلا أن تنتهك حرمة الله، ما كان يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، يبدأ من لقيه بالسلام، وكان إذا لقي أحداً من أصحابه بدأه بالمصافحة، ثم أخذ بيده فشابكه ثم شد قبضته عليها، كان يجلس حيث انتهى به المجلس، وكان يكرم من يدخل عليه حتى ربما بسط ثوبه ليجلس عليه، كان يؤثر الداخل عليه بالوسادة التي تحته، فإن أبى أن يقبلها عزم عليه حتى يفعل، وكان يعطي كل من جلس إليه نصيبه من وجهه وسمعه وبصره وحديثه، وكان يدعو أصحابه بكناهم إكراماً لهم واستمالةً لقلوبهم، وكان أبعد الناس غضباً وأسرعهم رضاً، كان أرأف الناس بالناس، وخير الناس للناس. فعن أنس ﵁ أن امرأةً جاءت إلى النبي ﷺ فقالت له: (إن لي إليك حاجة، فقال: اجلسي في أي طريق المدينة شئت أجلس إليك) متفق عليه. وبكلمة جامعة مانعة كان خلقه القرآن، ولذلك أثنى الله عليه فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] . إذاً: فمن أراد أن يرى هدي هذا الدين واقعاً يعاش فلينظر في سيرة الحبيب ﷺ ، وليدرسها دراسة فهم وتدبر -بأبي هو وأمي ﷺ يكفي أن كل أحد يقول يوم القيامة: نفسي نفسي، وهو يقول: (أمتي أمتي) . يا من يذكرني بعهد أحبتي طاب الحديث بذكرهم ويطيب أعد الحديث عليّ من جنباته إن الحديث عن الحبيب حبيب ملأ الضلوع وفاض عن أجنابها قلب إذا ذكر الحبيب يذوب ما زال يخفق ضاربا بجناحه يا ليت شعري هل تطير قلوب

стр. 448

خلاصة الدرس أولاً: ليس مراد المسلم الصادق من حسن تعامله وأخلاقه والإحسان للناس هو كسب القلوب أو رضا المخلوقين، أو انتزاع صيحات الإعجاب والمدح والثناء منهم، فمن القبيح أن نتحلى بالأخلاق من أجل كسب القلوب فقط، فلا يظن ظان عند سماعه لعنوان الدرس هذا الظن، بل هدفنا دائماً هو رضا الله، والله هو الذي أنزل القرآن وأرسل الوحي اللذان منهما نستمد الأخلاق والآداب، ومن أرضى الله، ﵁ وأرضى عنه الناس، فتقدير الناس وحبهم له حاصل بحرصه على رضا الله وإخلاص الأمر له، وقليلٌ أولئك الذين يحرصون على كسب القلوب لنشر المحبة والإخاء وجمعها على حب الله، وكثير أولئك الذين يحرصون على كسب القلوب، ومودة الآخرين من أجل مصالح الدنيا والشفاعات وتسهيل المهام، وهذا النوع من الكسب تبتذل فيه النفوس، ويذبح الحياء، وربما يباع الدين بالدنيا من أجله، نعوذ بالله من حال هؤلاء. ثانياً: إن لم تكن الأخلاق أصيلةً في نفسك، فلتحرص على اكتسابها والتحلي بها وتداوم على تزكية النفس وتهذيبها، ولا تتصنع الأخلاق أبداً، فإن فاقد الشيء لا يعطيه، وإن نجحت مرةً أو مرتين فسرعان ما تسفر الأحداث والمواقف عن زيوف النفس وتصنعها، وما تخفيه من نوايا ومآرب وأغراض. أما بحثنا عن طريق القلوب فمن أجل علام الغيوب من عفو وصفح ونفع، وصبر وطلاقة وجه، وطيب كلام، ليصبح البعيد قريباً والعدو صديقاً، فيحبك الناس، ومن أحبه الناس ملك قلوبهم وأثر في أفعالهم، وإلا فكيف نريد أن يقبل الناس منا وفي قلوبهم لنا جفوة وفي نفوسهم نفرة؟ أيها الإخوة والأخوات! لا يمكننا التأثير على نفوس الناس أبداً وكسب قلوبهم، إلا بتلمس الخير فيهم، والحرص على مكارم الأخلاق معهم. إذاً: لنملك القلوب لتحبنا القلوب، وحينها سترون النتيجة والتأثير، فإن من أحبه الناس ملك قلوبهم، وليس معنى هذا أن نترك النصح للآخرين والإنكار عليهم، ولا أن نجاملهم في معاصيهم وأخطائهم. معاشر الإخوة! اسمعوا لرسول الله ﷺ وهو يقول: (إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق) . قال ابن حجر: أخرجه البزار بسند حسن من حديث أبي هريرة رفعه. انتهى كلامه. قد لا يستطيع أحدنا أن يملك قلوب الناس بماله ولا بجاهه، وإن تملق الناس له وتصنعوا، فربما أن قلوبهم تمقته، بينما أنت يا صاحب الأخلاق! تملك الناس بحسن الأخلاق، يحبك الناس، ويرفعونك ويقدرونك، فقط: (وخالق الناس بخلق حسن) كما وصى بذلك النبي ﷺ معاذ بن جبل. قال ابن المبارك: [والخلق الحسن هو: بسط الوجه، وبذل المعروف، وكف الأذى] . وقال الإمام أحمد: الخلق الحسن أن لا تغضب ولا تحقد. وقيل: حسن الخلق: بذل الندى، وكف الأذى، واحتمال الأذى. وقيل: هو بذل الجميل، وكف القبيح. وقيل: هو التخلي عن الرذائل، والتحلي بالفضائل. ويكفي في هذا قول النبي ﷺ : (البر: حسن الخلق) كما في صحيح مسلم. قال ابن القيم ﵀: وهذا يدل على أن حسن الخلق هو الدين كله، وهو حقائق الإيمان وشرائع الإسلام، ولهذا قابله بالإثم في الحديث. انتهى كلامه. ثالثاً: لا تغتر بحسن أخلاقك في الرخاء، بل جرب نفسك في أوقات الشدة والغضب، وكل الأحوال التي يحتاج فيها للأخلاق فعلاً، فالإيثار عند قلة الزاد، والحلم عند الغضب، والعفو عند المقدرة، أما في الرخاء فلا فخر ولا فضل. رابعاً: انظر للناس فما كرهته فيهم من أخلاق فابتعد عنه، فإنهم يكرهون منك ما تكرهه منهم. خامساً: اسأل نفسك، هل أنت كالنحلة لا تقع إلا على الورود والأزهار، أم أنت كالذباب لا يقع إلا على الأوساخ والأقذار؟! سادساً: مدار الموضوع كله في آية في كتاب الله تعالى، وهي قاعدة في فن التعامل والإحسان للخلق، هي قوله تعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤] لكن هل كل أحد يوفق لهذا؟ لا. فإن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٥] وقد جمع الله مكارم الأخلاق في آية أخرى، فقال: ﴿خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩] . سابعاً: الأخلاق الإسلامية معك في كل زمان ومكان، مع ربك، ومع الناس، وفي بيتك، وفي عملك، وفي البيع والشراء، وفي الجلوة والخلوة، مع الكبير والصغير، والرئيس والمرءوس، فهي أصيلة في نفسك في كل الأحوال، ومع كل الأشخاص، وفي كل مكان. ثامناً: أركان حسن الخلق أربعة: الصبر والعفة والشجاعة والعدل. وسوء الخلق أركانه أربعة: الجهل والظلم والشهوة والغضب. تاسعاً: ونحن نطالب الناس بمكارم الأخلاق، لا ننسى أنهم بشر، ومهما جهدوا فلا بد من الهنات والغفلات، فلا نطالب بالمثاليات، خاصة في مثل هذه الأوقات، ولكن انظر إلى نفسك وعامل الناس كما تحب أن يعاملوك. عاشراً وأخيراً: يقول ابن المقفع في الأدب الصغير هذه الجملة الجميلة: وعلى العاقل أن يحصي على نفسه مساوئها في الدين وفي الأخلاق وفي الآداب، فيجمع ذلك كله في صدره أو في كتاب، ثم يكثر عرضه على نفسه ويكلفها إصلاحه، ويوظف ذلك عليها توظيفاً من إصلاح الخلة والخلتين والخلال، في اليوم أو الجمعة أو الشهر، فكلما أصلح شيئاً محاه، وكلما نظر إلى محو استبشر، وكلما نظر إلى ثابت اكتأب. انتهى كلامه ﵀. اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت. اللهم إنك ترى مكاننا وتسمع كلامنا وتعلم سرنا وعلانيتنا، ولا يخفى عليك شيء من أمرنا، نحن البؤساء الفقراء المستغيثون المستجيرون، والوجلون المشفقون، المقرون المعترفون، نسألك مسألة المساكين، ونبتهل إليك ابتهال المذنبين، وندعوك دعاء الخائفين، دعاء من خشعت لك رقابهم، وذلت لك أجسادهم، وفاضت لك عيونهم، ورغمت لك أنوفهم. اللهم أصلح فساد قلوبنا، وارحم ضعفنا، وحسن أخلاقنا، اللهم إنا لأنفسنا ظالمون، ومن كثرة ذنوبنا خائفون، ولا يغفر الذنوب إلا أنت يا أرحم الراحمين، فاغفر لنا إنك أنت الغفور الرحيم.

стр. 449

تعال نتعاتب العتاب مخاطبة ومذاكرة وحل، وهو طلب المسيء الرجوع عن إساءته، وهو مخاطبة الأخلاء بعضهم بعضاً، طالبين حسن مراجعتهم، ومذاكرة ما كرهوه، وإذا تعاتب الصديقان أصلح ما بينهم العتاب، وإنما يعاتب من ترجى عنده العتبى، أي: الرجوع عن الذنب والإساءة. والعتاب وارد في القرآن والسنة، وله شروط وأسباب مبينة في هذه المادة.

стр. 450

المقصود بالمعاتبة ومعنى العتاب إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: أحبتي في الله! أهلاً وسهلاً بأهل هذه البلدة الصالح أهلها، ولا نعلم والله عنكم إلا خيراً، وقد ملكتم قلوبنا بحسن أخلاقكم، وسخاء أنفسكم، وطيب قلوبكم، هذه ظواهركم والله تعالى يتولى السرائر. أيها الأحبة! في ليلة الجمعة من الشهر السابع لعام (١٤١٤هـ) وفي مدينة المذنب في جامع الجمل، نستمع وإياكم إلى هذه المحاضرة والتي هي بعنوان: تعال نتعاتب. وكما سمعت من الإخوة كثير يسأل عن هذا العنوان؟ وماذا نقصد بالتعاتب؟ بارك الله فيكم، وجزاكم عني خيراً عندما أجبتم دعوتي بقولي: (تعال) ، وهأنا أرى وجوهاً منيرة طيبة أسأل الله أن يجمعني وإياها في جنات النعيم. الموضوع ينقسم إلى قسمين اثنين: أما القسم الأول: فهو العتاب معناه وشرعيته وشروطه وأسبابه، وسيكون على سبيل الاختصار والإيجاز؛ حتى يتبين أولئك الذين يستفسرون عن معنى العتاب؟ وماذا أقصد بهذا الموضوع؟ والقسم الثاني: وهو المقصود في هذه المحاضرة، وهو عبارة عن: صور ومواقف للحوارات بيني وبين صاحب لي، وستعلمونها إن شاء الله. أما العتاب معناه: فالعتاب والمعاتبة إذا ذكر كل واحد منهما صاحبه ما فرط منه إليه من الإساءة، وقال الخليل: العتاب مخاطبة إدلال، ومذاكرة وحل، والاستعتاب: طلبك إلى المسيء الرجوع عن إساءته، والتعتب والمعاتبة والعتاب، كل ذلك مخاطبة الأخلاء بعضهم بعضاً، طالبين حسن مراجعتهم، ومذاكرة ما كرهوه. والعتب هو: الرجل الذي يعاتب صاحبه أو صديقه في كل شيء إشفاقاً عليه ونصيحةً له، ويقال: إذا تعاتبوا أصلح ما بينهم العتاب، وإنما يعاتب من ترجى عنده العتبى، أي: الرجوع عن الذنب والإساءة، وهذا هو حسبنا فيكم أيها الأحبة! وفي كل من يسمع هذا الكلام. وقد قال الحق عن أهل النار: ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنْ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت:٢٤] . وقد ورد هذا اللفظ (العتاب) بتصاريفه في القرآن في أكثر من آية، ورد في هذه الآية في سورة فصلت وكرر فيها -أيضاً-، وورد في سورة النحل والروم والجاثية، وقد قال ابن كثير عن هذه الآية ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنْ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت:٢٤] قال: وإن طلبوا أن يستعتبوا ويبدوا -والآية تتكلم عن أهل النار- أعذاراً فما لهم أعذار، ولا تقال لهم عثرات، والعياذ بالله. قال البخاري في صحيحه في كتاب الأدب (باب من لم يواجه الناس بالعتاب) أي: حياءً منهم، ثم ذكر بعد ذلك حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: (صنع النبي ﷺ شيئاً فرخص فيه فتنزه عنه قوم، فبلغ ذلك النبي ﷺ فخطب فحمد الله ثم قال-انظر العتاب-: ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه؟! فو الله إني لأعلمهم بالله، وأشدهم له خشيةً) وكان من عادة رسول ﵌ إذا أراد أن يعاتب بعض أصحابه قال: (ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا) . وأيضاً أخرج البخاري في كتاب الأدب (باب ما ينهى عن السباب واللعن) من حديث أنس رضي الله تعالى عنه قال: (لم يكن رسول الله ﷺ سباباً ولا لعاناً ولا فحاشاً، وكان يقول عند المعاتبة -إذاً المعاتبة واردة هنا منه ﵌ وكان يقول عند المعاتبة، وفي لفظ: عند المعتبة، ما له ترب جبينه) وهي كلمة جارية على لسان العرب ولا يراد بها الدعاء عليه. وأخرج البخاري -أيضاً- في كتاب التيمم من حديث عائشة ﵂ أنها قالت في قصة نزول آية التيمم: (خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي، فأقام رسول الله ﷺ على التماسه وأقام الناس معه وليسوا على ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق -أي: أبوها- فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة؟! أقامت برسول الله ﷺ والناس وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فجاء أبو بكر ورسول ﷺ واضع رأسه على فخذي قد نام -تقول عائشة - فقال -أي أبو بكر -: حبستِ -يقصد عائشة - رسول الله ﷺ والناس وليسوا على ماء، وليس معهم ماء! فقالت عائشة: فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعنني بيده في خاصرتي فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله ﷺ على فخذي، فقام رسول الله ﷺ حين أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية التيمم فتيمموا، فقال أسيد بن حضير: ما هي أول بركاتكم يا آل أبي بكر، قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه فأصبنا العقد تحته) . والشاهد من الحديث قول عائشة رضي الله تعالى عنها: (فعاتبني أبو بكر فقال ما شاء الله أن يقول) . إذاً: فالعتاب وارد في القرآن والسنة.

стр. 451

شروط المعاتبة أما شروط العتاب فمن أهمها:

стр. 452

أولاً: عدم إكثار العتاب فلا تعتب على أخيك بكل كبيرة وصغيرة. قال موسى بن جعفر: من لك بأخيك كله، لا تستقصي عليه فتبقى بلا أخ. وقال أسماء بن خارجة: الإكثار من العتاب داعية إلى الملل. خذ من صديقك ما صفا لك لا تكن جم المعائب إن الكثير عتابه الإخوان ليس لهم بصاحب إذا كنت في كل الأمور معاتباً صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه وذكر الأصبهاني في كتابه الزهرة، الباب السابع عشر فقال: من عاتب على كل ذنب أخاه، فخليق أن يمله ويقلاه. والناس ليسوا على قلب رجل واحد، فمنهم سريع الفيئة عند العتاب، ومنهم من تغلغله فلا يرعاك، فالإقلال والإكثار -أي: من العتاب- مختلف باختلاف الأشخاص والأحوال: أقلل عتاب من استربت بوده ليست تنال مودة بقتال

стр. 453

ثانياً: الإنصاف فعند العتاب لا بد أن تذكر محاسن أخيك وتشير إلى فضائله، وفي ذكر المحاسن والإشارة إلى الفضائل فوائد كثيرة، من هذه الفوائد: أولاً: أن ذكر المحاسن والفضائل هو مدخل لتقبل العتاب، وتطييب لنفس صاحبك بما هو فيها. ثانياً: أن من الظلم أن تذكر المساوئ والأخطاء، وتوجع قلب أخيك بتكرارها عليه، ولا تشير إلى فضائله ومحاسنه، ولا شك أن هذا ظلم للعباد، أن تنقل عنهم شرهم وتخفي خيرهم، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على سوء الطوية نحو المسلمين، وعدم حبهم وإنصافهم، فليس من العدل أن يسرد الجرح والثلب وبيان المساوئ، ويسكت عن التوثيق وبيان المحاسن، فالإنسان يؤخذ بحسناته وسيئاته، ولا شيء مثل الورع والسكوت عن الناس. ثالثاً: من فوائد ذكر المحاسن ونشر الفضائل: ليس من شرط الله أن يكون أولياء الله المتقين ألا يكونوا مخطئين، (فكل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون) والخطأ في بعض الأشياء خطأ مغفور، بل ليس من شرط المتقين ترك الصغائر مطلقا، وأيضاً ليس من شرطهم ترك الكبائر أو الكفر الذي تعقبه التوبة. وهذا ما ذكره الذهبي في ميزان الاعتدال وقال -أيضاً-: بأنه ليس من شرط الثقة أن يكون معصوماً من الخطأ والخطايا. فالكامل إذاً الذي ليس فيه شيء عزيز ونادر الوجود، ومن لطيف ما ذكر ابن الأثير ﵀ قال: إنما السيد من عدت سقطاته، وأخذت غلطاته؛ فهي الدنيا لا يكمل فيها شيء.

стр. 454

ثالثاً: سلامة المقصد أن يكون القصد من العتاب مقصداً شريفاً، لأجل النصح والتوجيه، وليس لتتبع الزلات والسقطات، فإن بعض من يعاتب صاحبه من أجل أن يعد عليه سقطاته وزلاته، وبعض الناس يفعل ذلك تشفياً وانتقاماً للنفس -والعياذ بالله- وهنا إذا حصل ذلك يخرج العتاب عن معناه الصحيح، ويصبح هذا العتاب هو الشرارة الأولى للعداوة والبغضاء، وهو الذي عبر عنه الشاعر بقوله: فدع العتاب فرب شر هاج أوله العتاب اللهم أخرجنا من سجن الهوى إلى ساحة الهدى، واهدنا إلى صراطك المستقيم. ثم لماذا العتاب؟ وما هو سبب العتاب؟ ولماذا دعوتكم للعتاب أيها الأحبة؟! اعلموا السبب -بارك الله فيكم- حتى تخرجوا وقد استفدتم من عتابنا لبعضنا. لا يكون العتاب إلا بين الأصحاب والأحباب، اعلموا هذا جيداً، ولا أعاتب إلا من أحب ومن له في مكنون القلب ود. أعاتب من يحلو بقلبي عتابه وأترك من لا أشتهي لا أعاتبه إن قلوبنا أيها الأحبة! مضغة من اللحم، وإننا بشر ويجتمع على قلوبنا ما قرب وبعد، وهي عرضة للحمل والوجد وللشحن والبغضاء مهما كان الإنسان، وهنا أمامنا أمران: الأمر الأول: إما إهمال القلب وتركه عرضةً لهذه السهام حتى تجتمع عليه فتهلكه؛ فيصبح أسود مرباداً، لا يعرف معروفاً، ولا يعرف إلا الحقد والتشفي، والعياذ بالله. الأمر الثاني: وهو أعاتب ذا المودة من صديق إذا ما رابني منه اجتناب إذا ذهب العتاب فليس ود ويبقى الود ما بقي العتاب إذاً: لولا المحبة في القلوب، والحرص على صفاء النفوس، وبقاء الود، ما كان العتاب: إني أعاتب إخواني وهم ثقتي طوراً وقد يصقل السيف أحيانا هي الذنوب إذا ما كشفت درست من القلوب وإلا صرن أضغانا وكما قال أبو الدرداء ﵁: [معاتبة الأخ خير من فقده] . وقال بعض الحكماء: من كثر حقده قل عتابه. وهذا دليل أن العتاب لا يكون إلا بين الأصحاب والأحباب. وقال أبو بكر محمد بن داود الأصبهاني، في كتابه الزهرة -الذي ذكرناه قبل قليل- في الباب السادس عشر، قال: من لم يعاتب على الزلة فليس بحافظ للخلة. ثم ذكر هذه الأبيات في لذة العتاب وحلاوته، وعدم الملل منه، خاصةً إذا كان بين عاشقين، ونحن نعوذ بالله من العشق، وإنما نريد المحبة والأخوة في الله، واقتراب القلوب وصفاء النفوس، قال: فلا عيش كوصل بعد هجر ولا شيء ألذ من العتاب تواقف عاشقان على ارتقاب أرادا الوصل من بعد اجتناب فلا هذا يمل عتاب هذا ولا هذا يمل من الجواب

стр. 455

صور ومواقف لحوارات بين متعاتبين وهنا نأتي للقسم الثاني: وهو المقصود كما ذكرنا في موضوع هذه الليلة، ولعلكم بعد أن عرفتم العتاب ومعناه وشرعيته وشروطه وأسبابه نأتي للعتاب الذي سيدور بيننا أو بيني وبين صاحب لي، والقسم الثاني عبارة عن صور ومواقف لحوارات بيني وبين عزيز عليّ وحبيب إلى نفسي، وكل فرد منكم عزيز عليّ وحبيب إلى نفسي. وعتابي هذه الليلة ليس لأي أحد، فهو خاص لفئة من رجالات هذه الأمة، التي لا تعدم الخير أبداً ما دام فيها أمثال هؤلاء الرجال. إذا سيد منا خلا قام سيد قئول لما قال الكرام فعول فعتابي إذاً خاص لشباب الصحوة ورجالاتها، لأولئك الدعاة المخلصين الناصحين، ومهما كانت كلمات عتابي فهي لا شيء بجانب حسناتهم وخيراتهم، فلا أعلم والله عنهم باب خير إلا ولجوه، ولا باب شر إلا وجاهدوه، ويعلم الله أني أتقرب إليه بحبهم، ولا تلوموني في حبهم فقد تعلمت منهم الكثير؛ ولكن أنت عيني وليس من حق عيني طبق أجفانها على الأقذاء فلا بد من التناصح والتعاتب إذاً.

стр. 456

أمور قبل العتاب ليس مثلي يا أخي الحبيب! من يبدأ العتاب، فأنا الملوم وأنا المتهم، فهو لي ولمن شاكلني من المقصرين، وأنت تسمع هذه الحوارات وتنتقل بين هذه الصور انتبه لأمور: الأمر الأول: قد تتصور بعض النساء أنهن غير مقصودات بهذا الحديث، لا. بل كلامي للصالحين والصالحات الذين نذروا أنفسهم للدعوة إلى الله وإبلاغ الكلمة من رجال أو نساء. والأمر الثاني: انظر لنفسك وكن صادقاً معها، وأنت أعرف بنفسك، فلربما كانت الصور كلها فيك -أي: التي سنذكر- ولربما كان بعضها أو أحدها، والاعتراف بالخطأ فضيلة، وتشخيص المرض بداية العلاج. والأمر الثالث: فإن لم يكن فيك شيء من هذه الصور وهذه الحوارات، فما أقل أن يكون لك صاحب عزيز وحبيب إلى قلبك تعلم هذا من حاله، فتوصله هذا العتاب، وإن شاء الله برقة قلبه، وسلامة صدره، وحبه للخير، سيُجني الثمار إن شاء الله تعالى. ولا أظنك بحاجة إلى تعليق، وإلى بيان مع كل صورة، فلا تنتظر هذا مني، ولكن كن فطناً وافهم المقصود رعاك الله. إذاً: فلكل سامع لهذا الحوار أن يتصوره مع صاحبه وخليله، وليختر مما ذكر من الملاحظات ما يناسب، فإنها قد لا تجتمع في شخص، وقد يكون فيك أو في صاحبك شيء منها، وقد لا يكون، وما أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.

стр. 457

الصورة الأولى: تتبعك لعثراتي وسقطاتي تعال نتعاتب وأقول لك يا أخي الحبيب! لماذا أصبحت تفرح بسقطاتي، وتتبع عثراتي، وتعد ألفاظي، بل وتحسب عليّ أنفاسي؟! أنسيت أني بشر، وأنني أخطئ وأصيب، وأن لي نفساً تغضب وترضى؟! وأنا لا أبريء نفسي ﴿إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف:٥٣] ، ومع ذلك كله فإني في جهاد معها، فأقِلَ عليّ لا أبا لك، وكن لي عوناً عليها. لي ذنوب ولست أنكر فاغفر فالتجني على المقر اعتداء لي حقوق أيضاً عليك ولكن ذكر مثلي لمثل هذا جفاء ولا تنس أنك أنا، وأنا أنت، فأحب لي ما تحب لنفسك: وإذا شئت أن تدعى كريماً مكرماً حليماً ظريفاً ضاحكاً فطناً حرا إذا ما بدت من صاحب لك زلة فكن أنت محتالاً لزلته عذراً

стр. 458

الصورة الثانية: سماعك لكلام الناس فيّ أخي! تعال نتعاتب فعجيب أمرك، إنك أخي وصفيي وصديق عمري، فكم ذهبنا وجئنا، وأكلنا وشربنا، ونمنا وقمنا وضحكنا وحزنا، فعرفتني وعرفتك، ثم فجأةً إذا بك تسمع كلام الناس فيّ، فتردد ما يقولون: ولا خير في خل يخون خليله ويلقاه من بعد المودة بالجفا ومنك وعيشاً قد تقادم عهده ويظهر سراً كان بالأمس قد خفا واسمع لـ ابن الجوزي رحمه الله تعالى وهو يقول في صيد الخاطر (فصل: أين الخل الوفي؟) : كان لنا أصدقاء وإخوان أعتد بهم، فرأيت منهم من الجفاء وترك شروط الصداقة والأخوة عجائب، فأخذت أعتب ثم انتبهت لنفسي فقلت: وما ينفع العتاب، فإنهم إن صلحوا فللعتاب لا للصفاء، فهممت بمقاطعتهم، ثم تفكرت فرأيت الناس بين معارف وأصدقاء في الظاهر وإخوة للباطن، فقلت: لا تصلح مقاطعتهم إنما ينبغي أن ننقلهم من ديوان الأخوة إلى ديوان الصداقة الظاهرة، فإن لم يصلحوا لها نقلتهم إلى جملة المعارف وعاملتهم معاملة المعارف، ومن الغلط أن تعاتبهم فقد قال يحي بن معاذ: بئس الأخ أخ تحتاج أن تقول له اذكرني في دعائك. انتهى كلام ابن الجوزي. ويقصد هنا أنَّ الأصل أن الأخ يدعو لأخيه بدون أن يوصيه إن كان أخ صادق. لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم أذنب وإن كثرت في الأقاويل ومن يطع الواشين لا يتركوا له صديقاً وإن كنت الحبيب المقربا وأخيراً أقول لك: لو لم تكن لي في العيون مهابة لم يطعن الأعداء فيّ ويقدحوا

стр. 459

الصورة الثالثة: يوم أن اغتبتني وتنقصتني لمجرد اختلاف وجهات النظر تعال نتعاتب فبالأمس القريب يوم أنت وزيد، يوم ذكرتني وتنقصتني، ودارت النجوى بينكما فزدت وزاد، وقلت وقال، وطارت الكلمات بكل مطار، وسارت بها الركبان، فأصبحت على كل لسان، وما ذاك إلا أنني عملت بخلاف رأيك، وخالفتك في وجهة نظرك، وأنت ممن يقول: إن الخلاف لا يفسد للود قضيةً. فيا عجباً! ما أسهل الكلمات، ولكننا بحاجة للعمل والتطبيق. قال يونس الصدفي: ما رأيت أعقل من الشافعي، ناظرته يوماً في مسألة ثم افترقنا، ولقيني فأخذ بيدي ثم قال: يا أبا موسى! ألا يستقيم أن نكون إخواناً، وإن لم نتفق في مسألة؟! أو تذكر يوم غضبت عليّ، واتهمتني بالسطحية، وعدم فهم الواقع، فقط لأنني وقفت أمامك ألا تغتاب فلاناً، وقلت لك: اتركه، فذكرت أن فيه وفيه وأن ما تقوله حق، سبحان الله! أتراك غفلت أن الغيبة ذكرك أخاك بما يكرهه مما هو فيه؟! أعلم أنك شيخ لي في أحاديث الغيبة والنميمة والنجوى وأضرارها وشدة تحريمها، أو أنك تقول: ولا بد من نجوى إلى ذي مروءة يواسيك أو يسليك أو يتوجع والبيت صحيح بقول الشاعر: ولا بد من شكوى. ولعل الصور واضحة، وكما ذكرت لا داعي للتعليق على كل صورة، ولكن لكل إنسان أن يختار ما شاء من هذه الصور إن اجتمعت وإن تفرقت.

стр. 460

الصورة الرابعة: نصحتك فغضبت وحقدت تعال نتعاتب أتذكر يوم أن نصحتك تلك النصيحة، وأنكرت عليك ذلك المنكر؟! تذكر جيداً، هل ذكرته؟! إنني لا أنسى ذلك اليوم أبداً، فقد كنت أبحث عن الكلمات الرقيقة والعبارات اللطيفة فتعبت أيما تعب في اختيار الألفاظ، كل ذلك حرصاً على مشاعرك وتقديراً لنفسيتك وتحرياً لآداب النصيحة، فماذا كانت النتيجة؟ قبلت ذلك على مضض وأخذت تكيد لي، وترصد حركاتي، وربما فرحت الأُذن بما تسمع في غيبتي، والعجيب أنني أسمعك تردد دائماً (المؤمن مرآة أخيه) وتردد دائماً (رحم الله امرأً أهدى إليَّ عيوبي) فما دهاك غفر الله لك؟! ورويّ أن رجلاً صحب رجلاً، فلما أراد أن يفارقه قال له: أخبرني عن عيوبي، فقال: سل غيري، فإني كنت أراك بعين الرضا. وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا
следующие страницы →