Полный текст (623 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
إحسان الظن بالآخرين
أحسن الظن بالآخرين والتمس لهم الأعذار، فإن لم تجد فقل: لعل لأخي عذراً لا أعلمه.
قيل: إن أبا إسحاق نزع عمامته يوماً وكانت بعشرين ديناراً، وتوضأ في دجلة فجاء لص فأخذها وترك عمامةً رديئةً بدلها، فطلع الشيخ فلبسها وما شعر حتى سألوه وهو يدرس في درسه! فقال: لعل الذي أخذها محتاج!
أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع
стр. 527
الصبر والتحمل
فإن الاحتمال مقبرة المتاعب، وتمثل قول الشاعر:
إذا أدمت قوارصكم فؤادي صبرت على أذاكم وانطويت
وجئت إليكم طلق المحيا كأني ما سمعت ولا رأيت
стр. 528
العفو والصفح
﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:٤٠] .
ومن علامته -كما ذكرنا- الدعاء لإخوانك، خاصةً من كان بينك وبينه جفوة أو شحناء، حاول أن تدعو له مع أنني أعلم أن هذا لا يطاق، لكن جرب وحاول أن تدعو لإخوانك، وأرغم نفسك والشيطان على الدعاء لهم بالرحمة والمغفرة والتوفيق والهداية.
وكما يقول عبد الله بن أحمد: ربما سمعت أبي في السحر يدعو لأقوام بأسمائهم.
وإني لأعجب أن ينام المسلم ملء جفنيه، وبينه وبين أخيه شحناء أو جفوة، وقد تأتيه المنية تلك الليلة، وما أجمل قول المقنع الكندي:
وإن الذي بيني وبين بني أبي وبين بني عمي لمختلف جداً
فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجداً
وإن ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم وإن هم هووا غيي هويت لهم رشداً
ولا أحمل الحقد القديم عليهم وليس كريم القوم من يحمل الحقدا
стр. 529
ثلاثة قبل النهاية
стр. 530
ضرورة تصحيح الأخطاء بالضوابط الشرعية
إن ما تقدم لا يعني أننا ننهى عن تصحيح الأخطاء وتقويم الآراء، ونأمر بالتغاضي عن الزلات وعدم التنبيه عليها وتقويم الآراء، بل إننا نطالب بذلك، ولكن بالضوابط الشرعية المقررة عند سلفنا الصالح وعلمائنا الأفاضل ﵏، وليكن القصد الوصول للحق، لا الانتصار للنفس والهوى.
стр. 531
تربية الأجيال على سلامة الصدر
هذا الموضوع رسالة إليكم جميعاً، وإلى العلماء وإلى طلاب العلم والمدرسين والآباء والمربين وجميع من يعنيهم الأمر، فلنحرص على تربية الشباب والأجيال والنفوس على صفاء النفس، وطهارة القلب، وصدق العمل وتقدير العلماء والدعاة وسلامة الصدر، وإن أهم أساليب التربية هي القدوة الحسنة.
стр. 532
سلامة الصدر أمانة في أعناقكم
إن هذا الموضوع دعوة عامة لطهارة القلب، وسلامة الصدر وصفاء النفس، فهو أمانة عند كل من قرأه، لنشره وبثه بين الناس في جميع طبقاتهم ومختلف أحوالهم، لننشر مثل هذا الموضوع، ولنتحدث عنه كثيراً، ليحصل الحب والمودة وجمع القلوب، وتوحيد الكلمة بين المسلمين، فيشرق بذلك أعداء الإسلام من المنافقين وغيرهم.
فبادر بنشره، وليكن حديث مجالسنا ومدارسنا وأسواقنا، ورب مبلغ أوعى من سامع.
اللهم إني بلغت؛ اللهم فاشهد! ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمةً إنك أنت الوهاب، ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين، ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين، ربنا أفرغ علينا صبراً وتوفنا مسلمين.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 533
جاري العزيز
جاري العزيز! رسالتي إليك مقطوفة من بستان الرحمة الإلهية، وما أنا إلا رسول يبرئ ذمته مما أمر به (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ) .
ألم تعلم أنك بتهاونك بالصلاة قد تركت شعيرة عظيمة حتى هدمت بها دينك كله؟! هلا عرفت قدرها كما عرف الشيطان قدرها فحرص على جعلها غريبة حتى بين أوساط المسلمين، فصاروا بسببها يتصفون بصفات المنافقين، بل ويستهزئون بمن يقيم لها قدراً وحقاً! بل وخرج بعضهم عن دائرة الإسلام لما ضاعت منه! فهل آن الندم على ما فات؟!
стр. 534
أحوال المسلمين مع عماد الدين
الحمد لله الذي جعل الصلاة كتاباً موقوتا على المؤمنين، وأمر بإقامتها والمحافظة عليها وأدائها مع جماعة المسلمين، أحمده على نعمه، وأشكره على جزيل منه وكرمه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، توعد من تخلف عن صلاة الجماعة بأشد الوعيد، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تمسك بسنته وسار على نهجه إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: أيها الناس! اتقوا الله واعلموا أن مقام الصلاة عظيم، وقد نوه الله بشأنها في كتابه الكريم، وهي الركن الثاني من أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهي الفارقة بين المسلم والكافر، وهي عمود الإسلام، والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة كثيرة.
أيها المسلمون! إن الشيطان يحرص كل الحرص على صرف المسلم عن هذه الصلاة؛ لعلمه أنه إذا انصرف عنها انصرف عن بقية أحكام الدين من باب أولى، فإنه لا دين لمن لا صلاة له، ولا حظ له في الإسلام، كما قال ﵊: (آخر ما تفقدون من دينكم الصلاة) .
وإن الشيطان يأتي لصرف المسلم عن هذه الصلاة من طرق كثيرة، فإن تمكن من منعه منها بالكلية، فإنه يبذل لذلك كل ممكن، وإن لم يتمكن من منعه منها احتال عليه بمنعه من الصلاة مع الجماعة، ثم بمنعه من أدائها في وقتها، فإن لم يستطع عن منعه عن الجماعة أغراه بالتكاسل والتأخر عن الحضور إلى المسجد حتى يفوته بعضها ويحرمه فضيلة السبق إلى المسجد، وحضور الصلاة من أولها.
وهذا هو الواقع اليوم من كثير من المسلمين، فمنهم أعداد كثيرة من جيران المساجد لا يدخلون المساجد للصلاة فيها، أو يدخلونها لبعض الصلوات ويتركون بعضها، وأعداد كثيرة تحضر إلى المساجد متأخرة لا تدرك إلا بعض الصلاة مع الإمام، أو لا تدرك منها شيئاً.
فما عذرك يا من تسمع النداء! وقد يكون المسجد إلى جانب بيتك وأنت صحيح البدن آمن من الخوف ثم لا تحضر لصلاة الجماعة؟! هل أنت ممن لم يسمع الآيات والأحاديث؟ أو سمعتها وقلت: سمعنا وعصينا؟! أيها الإخوة! إن حالتنا اليوم مع الصلاة حالة سيئة؛ خف ميزانها لدينا، وتساهلنا في شأنها، وصار التخلف عنها أمراً هيناً، بل أمراً عادياً، فالأسرة الكبيرة في البيت لا يحضر منها إلا الأفراد، وبعض البيوت لا يحضر منها أحد، والذين يحضرون لا ينكرون على المتخلفين، وقد يكونوا من أولادهم الذين كلفوا بأمرهم بها وضربهم عليها.
فأنت ترى البيوت والأسواق مكتظة بالناس، ولا يرتاد المساجد منهم إلا الأفراد، والغالبية رضوا بأن يكونوا مع الخوالف رضوا بالعقوبة رضوا بوصف النفاق؛ فإن من أبرز صفات المنافقين التي وصفهم الله بها في كتابه العظيم: التكاسل عن صلاة الجماعة، حيث قال الله تعالى في وصفهم: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ [النساء:١٤٢] وقال سبحانه: ﴿وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى﴾ [التوبة:٥٤] وقال ابن مسعود ﵁: [ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها -أي صلاة الجماعة- إلا منافق معلوم النفاق] .
فهل ترضى أخي الحبيب! أن تكون في زمرة المنافقين الذين هم أشد الناس عذاباً يوم القيامة؟! ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء:١٤٥-١٤٦] .
إن التخلف عن صلاة الجماعة دليل على ضعف الإيمان، وخواء القلب من تعظيم الله وتوقيره واحترامه، وإلا فكيف يليق بمسلم صحيح آمن يسمع منادي الله كل يوم خمس مرات وهو يناديه: (حي على الصلاة، حي على الفلاح) ثم لا يجيبه، ويسمع منادي الله وهو يقول: (الله أكبر) ثم يكون اللعب عنده أكبر، ومشاهدة الأفلام والمباريات أكبر، والبيع والشراء أكبر، ومشاغل الدنيا الفانية أكبر، ويسمعه وهو يقول: (الصلاة خير من النوم) ثم يكون النوم عنده خير من الصلاة.
يقول أحد مغسلي الموتى: جيء بميت يحمله أبوه وإخوانه، ودخلنا لغسله فبدأنا بتجريده من ملابسه، ها هو جثة نقلبها بأيدينا! لقد آتاه الله قوة في جسمه، وفتوة في عضلاته، وبياضاً ناصعاً في بشرته، وبينما نحن نقلب الجثة، وفجأة وبدون مقدمات انقلب لونه كأنه فحمة سوداء، فتجمدت يداي وشخصت عيناي خوفاً وفزعاً، فخرجت من مكان التغسيل وأنا خائف، فسألت أباه: ما شأن هذا الشاب؟ فقال: إنه كان لا يصلي، يقول المغسل: فقلت لهم: خذوا ميتكم فغسلوه.
فرفض المغسل أن يغسله، ورفض إمام المسجد أن يصلي عليه إنا لله وإنا إليه راجعون! لا إله إلا الله! لا يغسل ولا يصلي عليه المسلمون، ولا يدفن في مقابر المسلمين، هذا حكم الله فيه.
стр. 535
حكم تارك الصلاة
سئل الشيخ العلامة ابن عثيمين: ما حكم تارك الصلاة؟ فأجاب -حفظه الله تعالى- بقوله: إن ترك الصلاة كفر مخرج عن الملة، فالذي لا يصلي كافر خارج عن الملة، وإن كان له زوجة انفسخ نكاحه منها، ولا تحل ذبيحته، ولا يقبل منه صوم ولا صدقة، ولا يجوز أن يذهب إلى مكة فيدخل الحرم، وإذا مات فإنه لا يجوز أن يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن مع المسلمين، وإنما يخرج به إلى البر ويحفر له حفرة يرمس فيها، ومن مات له قريب وهو يعلم أنه لا يصلي فإنه لا يحل له أن يخدع الناس ويأتي به إليهم ليصلوا عليه؛ لأن الصلاة على الكافر محرمة لقوله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة:٨٤] .
انتهى كلامه مختصراً حفظه الله.
وسئلت اللجنة الدائمة للإفتاء: هناك أناس لا يصلون الفرائض الخمس مطلقاً إلا صلاة الجمعة، فما حكم الميت منهم؟ وهل يجب على المسلمين دفنه والصلاة عليه؟ فأجابت اللجنة بقولها: إذا كان الواقع كما ذكر؛ فإن تركها جاحداً لوجوبها عليه فهو كافر بإجماع المسلمين، أما إن تركها كسلاً مع اعتقاد وجوبها فهو كافر على الصحيح من أقوال العلماء، للأدلة الثابتة الدالة على ذلك، وعلى هذا القول الصحيح: لا يغسل، ولا يصلي عليه المسلمون صلاة الجنازة، ولا يدفن في مقابر المسلمين.
انتهى كلامهم.
فأي خاتمة سيئة لهذا العبد، وأي عار وفضيحة لأهله وإخوانه! هذا في الدنيا، وما عند الله أشد: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٤-٥] .
стр. 536
تحذير من الاستهزاء بالمصلين
فيا أخي الحبيب! أيها المتهاون في الصلاة! يا تارك الجماعة! اسمع قبل ألا يصلى عليك اسمع قبل ألا يترحم عليك اسمع ما دمت تسمع، واستجب ما دمت في مهل، واسمع لهذه الكلمات، واستمع لهذه التوجيهات من قلب أحبك ويخشى عليك من غضب الجبار، فلا يغرنك حلم الله وإمهاله لك.
إن بعض الناس قد يسخر بالمصلين، ويستهزئ بهم ويلمزهم إن نصحوه وأمروه بالصلاة مع الجماعة، وقد يتفوه البعض بكلمات الفسق والفجور، كلمات تتزلزل لها الأرض والسماوات، وتتقطع لها قلوب المؤمنين والمؤمنات، فلا إله إلا الله ما أحلم الله على عباده! وما أوسعه وأصبره على أولئك! ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك:١٦-١٧] .
يا من تتكلم بتلك الكلمات وتسخر بالصالحين الناصحين! ألم تحسب لغضب الله حساباً؟ أليس الله قادراً عليك؟ أو ليس الله قادراً أن يشل جسدك أو يوقف أركانك أو يخرس لسانك؟ ألم يكفك ترك الصلاة لتتفوه بهذه الكلمات وتبارز بها جبار الأرض والسماوات؟ ولكن صدق الله حيث قال: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤] .
стр. 537
عظم قدر الصلاة في الدين
أخي الكريم! أخي الحبيب! يا من فقدناه في مسجد حيناً! يا من تخلف عن صلاة الجماعة! ألم يأن لك أن تندم على سيئاتك وتقلع عنها؟! ألم يأن لقلبك أن يخشع لذكر الله وما نزل من الحق؟ إلى متى وأنت بعيد عنا؟ فلو مرضت أو مت ما علمنا؟ ألم تعلم أننا نحزن إذا فقدناك ونفرح والله إذا رأيناك؟ وليس لنا من الأمر شيء؛ من اهتدى فلنفسه ومن ضل فعليها.
إلى متى وأنت تحرم نفسك الراحة والسعادة والأمن والاطمئنان؟ إننا نسمع ونقرأ قصص التائبين والتائبات، وبعضهم يقول: لم نركع لله ركعة ولم نسجد لله سجدة -سبحان الله- أيعقل أن مسلماً يشهد أن لا إله إلا الله وهو لا يصلي؟! أيها الحبيب! كل شيء إلا الصلاة، أيها الأخ! اسمعها واحفظها: كل شيء إلا الصلاة، فإنها العهد الذي بيننا وبين الكافرين (وبين الرجل والكفر ترك الصلاة) أترضى أن يقال لك كافر؟! لا والله فإننا لا نرضاه لك، نعوذ بالله من حال الكافرين.
أخي الحبيب! إنك إن حافظت على الصلاة فأنت على خير مهما وقع منك، إنها الصلة بينك وبين الله، فهل استغنيت عن الله يوم أن قطعت الصلة بينك وبينه؟ إن لك رباً براً رحيماً يفرح بتوبتك، فأقبل عليه، إن حلم الله أوسع من إقرارك، ورحمته أعظم من ذنبك، فتب إلى الله تب إلى الله قبل أن يحال بينك وبين التوبة.
أسألك بالله العظيم؛ أيسرك أن تموت وأنت على هذه الحالة مع الصلاة؟ اسأل نفسك، حاسب نفسك، كن عاقلاً، ارجع لنفسك، ألم تسمع المجرمين عندما يسألون: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر:٤٢] فأول الإجابة ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر:٤٣] .
فكر بحالك يوم القيامة يوم تدعى إلى السجود فلا تستطيع: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم:٤٢-٤٣] كانوا يدعون بحي على الصلاة، حي على الفلاح، ويسمعون فلا يستجيبون.
стр. 538
وعيد النبي ﷺ لتارك صلاة الجماعة
أخي الكريم! يا جارنا العزيز! يا من فقدناه في مسجدنا! ألم تسمع بهذا الوعد والوعيد والتهديد الشديد من النبي الحبيب ﷺ عندما قال: (لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً يصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار) .
وفي رواية للإمام أحمد أنه ﷺ قال: (لولا ما في البيوت من النساء والذرية؛ أقمت صلاة العشاء، وأمرت فتياني يحرقون ما في البيوت بالنار) .
إن الرسول همّ أن يحرق على هؤلاء المتخلفين عن صلاة الجماعة تلك البيوت التي تؤويهم عن أداء هذا الواجب العظيم، فيذهب الحريق بنفوسهم وأموالهم عقاباً لهم على ترك هذه الشعيرة، وهذه عقوبة غليظة لا تكون إلا على جريمة عظيمة، إنه لو أحرق بيتاً على من فيه بالنار لفزع الناس من ذلك فزعاً شديداً، ولو فعل ذلك بمن يترك الجماعة لكان هذا جزاؤه شرعاً.
وقد كان الصحابة يهتمون بصلاة الجماعة وينكرون بشدة على من تخلف عنها ويصفونه بالنفاق، ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: [من سره أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن، فإنهن من سنن الهدى، وإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنكم لو صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو أنكم تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف] .
هذا ما قاله عبد الله بن مسعود عن مكانة صلاة الجماعة عند صحابة رسول الله ﷺ وحكمهم على من تخلف عنها، إنه عندهم منافق معلوم النفاق ينبذونه ويهجرونه.
والمتخلف عن الصلاة اليوم أخ عزيز لدينا نكرمه ونخالطه ونعاشره، ما كأنه ارتكب جريمة، وما كأنه عصى الله ورسوله، وهذا مما يدل أن ميزان الصلاة لدينا خفيف، وأمرها هين.
стр. 539
وجوب مناصحة تارك الصلاة
تبين لنا من القرآن الكريم والسنة المطهرة والصحابة وعمل المسلمين إلى يومنا هذا وجوب صلاة الجماعة، ووجوب الإنكار على من تخلف عنها ومعاقبته، ويتعين ذلك على ولي أمره وإخوانه، وعلى إمام المسجد وجماعته، فإنهم يشتركون في الإثم إن سكتوا عنه.
فالله الله في تارك الصلاة بنصحه والإنكار عليه، فإن لم يستجب فالتضييق عليه وهجره، ورفع أمره للهيئات والمحاكم، وعدم قبوله في الحي حتى يرحل عنه أو يصلي مع جماعة المسلمين، ولا يجوز تركه بحال من الأحوال، وويل لأولئك الآباء الذين يرون أبناءهم على هذا المنكر العظيم فلا يحركون ساكناً، بل ويجلسون ويشربون ويأكلون معهم فلا ينصحون ولا يضربون ولا يهجرون؛ وكلها وسائل شرعية، فقد أمر ﷺ بالنصح تارة، وبالضرب تارة، وبالهجر تارة، ويل لأولئك الآباء، والنبي ﷺ يقول: (ما من عبد يسترعيه الله رعية فلم يحطها بنصحه إلا لم يجد رائحة الجنة) .
فتنبه يا ولي الأمر! انتبه لأبنائك وبناتك ونسائك، واهتم بأمر الصلاة فإن شأنها عظيم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 540
أعذار لم تبح لأهلها ترك الصلاة
الحمد لله القائل: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة:٤٣] وهو نص في وجوب صلاة الجماعة ومشاركة المسلمين في صلاتهم، ولو كان المقصود إقامتها فقط لاكتفى بقوله في أول الآية ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ .
أخي الحبيب! يا من فقدناه في مسجد حينا! أرجوك أن تسمع هذه الكلمات، وأن تفكر بهذه الدلائل والبراهين الواضحات؛ إن كنت تريد الحق ونبذ الهوى.
ألم تعلم أن الله لم يعذر المسلم في حال الحرب بتركه للجماعة، بل أمره بها في وقت عصيب، يواجه المسلمون فيه عدوهم، فقال جل وعلا: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء:١٠٢] .
فهل تظن يا أخي الحبيب أن صلاة الجماعة تجب على هؤلاء في هذه الظروف الحالكة، ولا تجب على رجل يتقلب في فراشه الوثير آمناً مطمئناً معافى؟! ألم تعلم أن الله لم يعذر الأعمى بتركه للجماعة، بل أمره بها رغم ظروفه العصيبة، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: (أتى النبي رجل أعمى فقال: يا رسول الله؛ إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول ﷺ أن يرخص له فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولى دعاه فقال: هل تسمع النداء بالصلاة؟ قال: نعم، قال: فأجب) وفي رواية لـ أبي داود قال: (إني ضرير البصر شاسع الدار) .
وفي رواية لـ أبي داود أيضاً والنسائي قال: (يا رسول الله؛ إن المدينة كثيرة الهوام والسباع) .
أتظن -يا أخي الحبيب-: أن صلاة الجماعة تجب على هذا الصحابي الذي جمع بين فقد البصر وبعد الدار وخوف الطريق وعدم القائد، ولا تجب على المقصر المجاور للمسجد الذي يسمع عند كل صلاة أكثر من عشرين مؤذناً كلهم ينادي: (حي على الصلاة، حي على الفلاح) ؟! حتى المريض لم يعذره الله بترك الصلاة، بل أمره بها على أي حال وأي صفة قدر عليها.
فيا من فقدناه في صلاة الجماعة! هل تجد لك رخصة بعد هذه الأدلة؟! فإن لم يعذر هؤلاء فما هو عذرك غداً أمام الله؟! وما هي إجابتك في أول سؤال ستسأله؟! فإن أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة عن الصلاة.
стр. 541
فوائد الصلاة
ثم تعال وانظر لحكم الصلاة وفوائدها العظيمة، فإن منها: أولاً: أنها سبب للمودة والألفة والترابط بين جماعة المسلمين: فنحن نراك خمس مرات في اليوم والليلة، فلم حرمت نفسك من المحبة والترابط؛ فأنت بحاجة لإخوانك وجيرانك؟! ثانياً: هي سبب لتحصيل الأجور والحسنات وتكفير الذنوب ومحو السيئات: فبكل خطوة ترفع لك درجة، ويحط عنك خطيئة، وهي كفارة لما بينها، والملائكة تصلي عليك وتستغفر لك ما دمت في مصلاك، أفتراك استغنيت عن هذا كله بترك الصلاة في المسجد؟! ثالثاً: هي سبب للسعادة والاطمئنان وطرد الهموم والقلق: فإن الصلاة نور لصاحبها في قلبه ووجهه وقبره، وقد مزقت الهموم والغموم قلوب كثير ممن هجروا المساجد، فتعال وانظر لحالهم، فإن سيماهم في وجوههم من أثر المعاصي والذنوب.
رابعاً: فوائد الصلاة كثيرة جداً، ولو لم يكن منها إلا أنها طاعة لله الذي خلقك فأحسن خلقتك، وأنعم عليك ورزقك، وامتن عليك بصحة وعافية، أفيجوز أن يعطيك هذا كله ثم يأمرك فتعصي؟! إنها صفة اللئام، وإنها الدناءة والخفة والفجور أن ينعم عليك فتعصيه.
إن الإصرار على المعصية قد يكون سبباً في سوء الخاتمة، فإن الذنوب ما تزال بالرجل العظيم حتى تميت قلبه وتورده جهنم، عياذاً بالله.
فاصدق مع الله وحاسب نفسك، ارجع إلى نفسك قبل غرغرة الروح، تضرع إلى الله بالدعاء، خذ بالأسباب المادية من النوم مبكراً ووضع منبه، وجاهد النفس وتذكر ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار:١٠-١٢] .
هذه رسالة إلى أخينا وجارنا الذي فقدناه في صلاة الجماعة، فهل بعد هذا البيان من عذر؟ وهل لهم حجة أمام الله؟ هذه الرسالة أمانة في عنق كل مصل لإيصالها إلى كل تارك لصلاة الجماعة، فلنجتهد في نصحهم، ولنجتهد في إيصال مثل هذه الرسالة لهم، ولنذكرهم بالله، ولنخوفهم بالله، ولنعذر أمام الله، ولنبرئ أنفسنا أمام الله.
اللهم إني بلغت اللهم فاشهد.
وأسأل الله الكريم المنان أن يمنَّ علي وعليك وعلى جميع المسلمين بهداية وتوفيق دائمين حتى نلقاه.
اللهم اهد قلوبنا، اللهم أصلح فساد قلوبنا، اللهم أعنا على أنفسنا.
اللهم صل وسلم وبارك أطيب وأزكى صلاة وسلام وبركة على نبينا محمد الصادق الأمين وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين وخلفائه الراشدين وسائر الصحابة أجمعين.
اللهم اجمع كلمة المسلمين على التوحيد يا رب العالمين، اللهم وفق ولاة أمورنا لما تحبه وترضاه، اللهم ارزقهم البطانة الصالحة الناصحة، اللهم اجعلهم هداة مهتدين، صالحين مصلحين.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 542
بشائر ومبشرات
في مثل هذا الوقت العصيب، وفي مثل هذه الظروف تذكر البشائر والمبشرات؛ لترسم أشعة الفجر الجديد، ولتملأ النفوس المسلمة بالثقة واليقين، ولتشعر القلوب المؤمنة الحية بالعزة والتمكين، وليشْرَقَ بها أعداء الدين، وليغص بها المنافقون المبطلون.
إن ميلاد الأمة قريب، ولابد للميلاد من مخاض، ولابد للمخاض من آلام، ومن رحم الظلام يخرج النور.
стр. 543
الشعور بالعزة والتمكين في وقت الضعف عند المسلمين
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هذه ليلة الإثنين الموافق للتاسع عشر من الشهر العاشر للعام (١٤١٥هـ) وفي هذا الجامع المبارك بمدينة عيون الجوى يتجدد اللقاء مع هذه الوجوه الطيبة المباركة، وموضوع هذا اللقاء هو بعنوان (بشائر ومبشرات) .
وفي وقت تكالبت فيه المصائب والمحن على المسلمين، والجراح تنزف في كل جزء من جسد هذه الأمة، وتحشرجت فيه النفوس، وضاقت فيه القلوب، حتى أصاب كثيراً من الناس اليأس والقنوط، فما إن تذكر الأمة الإسلامية حتى تسمع الزفرات والآهات والحوقلة والاسترجاع وكأن الأسباب تقطعت، والآمال تدثرت.
أيها الأحبة: في هذا الوقت العصيب، وفي مثل هذه الظروف أزف إليكم هذه البشائر وهذه المبشرات.
أزفها إليكم لترسم أشعة الفجر الجديد، ولتملأ النفوس المسلمة بالثقة واليقين، وأزفها إليكم لتشعر القلوب الحية بالعزة والتمكين، وليشْرَق بها أعداء الدين، وليغُصَ بها المنافقون والمبطلون.
أسوق إليكم هذه البشائر والمبشرات، وأزفها إليكم تذكيراً للغافل، وتنشيطاً للذاكر أزف إليكم هذه لتحيا بها النفوس الأبيّات.
بشراكم أيها الأحبة! إن ميلاد الأمة قريب، ولا بد للميلاد من مخاض ولا بد للمخاض من آلام، ومن رحم الظلام يخرج النور.
والليل إن تشتد ظلمته فإن الفجر لاح
أبشر فهذا الفجر لاح ها نحن جئنا يا صلاح
قد أدبر الليل العميل وجاء للدنيا صباح
ما دام عرقي نابضاً لن تعرف النفس ارتياح
حتى أرى شعبي وليس له عن الأقصى براح
إن العالم الإسلامي بأسره يعيش لحظات عصيبة، وساعات حرجة يخطها القلم، ويسجلها التاريخ، وما عليك فقط إلا أن تقرأ إن كنت ممن يقرأ صحيفة، أو تنظر في مجلة، أو تسمع لنشرة أخبار لتقف بنفسك على حال المسلمين في كل مكان، وما لم يذكر ويغفل فهو أكثر.
ففي البوسنة والهرسك ملايين القتلى والمشردين الأطفال اليتامى، والنساء الثكالى، والمساجد مهدمة، والدماء تسيل، أكثر من خمسين ألف مسلمة ينتهك عرضها في البوسنة والهرسك فقط، فما بالك بـ كشمير والفلبين وطاجكستان والشيشان والصومال وأفغانستان وأراكان وألبانيا وكوسوفو، بل في كل بقعة يذكر فيها اسم الله تعالى.
стр. 544
أسباب اليأس والقنوط عند كثير من المسلمين
أيها الأحبة! إنه التحدي السافر لهذه الأمة في عقيدتها، وفي تاريخها، وفي إسلامها، ومستقبلها.
أمر مفزع مروع هذا الواقع الذي جعل الكثير من المسلمين عرضة لليأس والقنوط، ومن ثم للخمول والقعود.
وأقول: إن اليأس في قلوب أمثال هؤلاء ناتج عن الأسباب التالية وباختصار شديد: أولاً: ما يرونه من جهود الأعداء في محاربة الإسلام، ومواجهة أهله مستخدماً -أي هذا العدو- كل طاقاته من تقدم تكنولوجي في العدة والعتاد، وكل وسيلة من وسائل الاستعمار الفكري.
ثانياً: بُعد الناس عن دين الله، وموت الإحساس لدى الكثير منهم، فهو لا يعلم عما يجري لإخوانه، وإن علم فكأن الأمر لا يعنيه، المهم نفسه وماله، وهذا هو الهوان الذي أشار إليه الحبيب ﵌: (حب الدنيا وكراهية الموت) .
ثالثاً: من أسباب اليأس والقنوط عند بعض الناس: يقظة الأعداء ومواجهتهم لأي جهد يبذله المسلمون مما حدى بكثير من المسلمين والمسلمات إلى الاستسلام، والخمول والتثبيط عند بذل أي جهد، فالخوف والرعب يأكل قلوبهم يحسبون كل صيحة عليهم.
رابعاً: ومما سبق من هذه الأسباب فإنها تقودنا إلى سبب رابع من أسباب اليأس، وهو سبب مهم جداً غفل أو تغافل عنه كثير من الناس، ألا وهو الجهل بالغاية التي خلق من أجلها الإنسان، إن كثيراً من الناس لا يعلم لماذا خلق؟ وإن علم فإنه يتغافل عن الهدف الحقيقي الذي من أجله خلق.
فيا أيها الإنسان! أنت خلقت لهدف، ولغاية عظيمة نبيلة، وهي عبادة الله بمفهومها الحقيقي الذي عرفه أهل العلم: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة.
هذا هو تعريف العبادة، هذه هي العبادة الحقيقية التي يريدها الله من عباده، لا كما يرسم الأعداء العبادة على أنها تلك العبادات الكبيرة: الصلاة والصيام والحج والزكاة؛ فما هكذا يريد الله أيها الأحبة! إن العبادة التي يريدها الله بمفهومها الحقيقي هي ذلك المعنى العام الذي يشمل كل نواحي الحياة.
فاسأل نفسك: لماذا خلقت؟ أمن أجل أن تأكل وتشرب وتنام وتقوم؟! أم من أجل الملذات والشهوات؟! هذا والله هو شأن الحيوان، بل إن ذلك الإنسان أضل من الحيوان، اسمع لقول الحق يوم أن قال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩] غفلوا عن الهدف والحقيقة التي من أجلها خلقوا، فعاشوا أضل من الأنعام -عياذاً بالله- لمجرد اللذات والشهوات والبيع والشراء لمجرد أن يحيا الإنسان ويذهب في هذه الدنيا بئست الحياة إن كانت هي هذه الحياة التي يعيشها المسلم.
إنك خلقت لهدف أسمى، إنك خلقت لرضى الإله، أيها الأخ الحبيب! فكر بنفسك وارجع لنفسك واسألها بصدق: هل أنت راضٍ عن نفسك؟ الآن هل أنت راضٍ لهذا العمر الطويل الذي أمد الله به إلى يومك هذا؟! ماذا قدمت لله؟! ماذا قدمت لدينك؟! ماذا قدمت لنفسك يوم أن تقدم على الله ؟! عندها تقول بملء فيك لا.
وألف لا لعبادة العباد, لا وألف لا لعبادة الشهوات والملذات (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش) هذه هي عبادة الدنيا كما تبعها كثيرٌ من الناس.
خامساً: الجهل بطبيعة هذا الدين.
هذه الأمور وهذه الأسباب الخمسة وغيرها جعلت كثيراً من الناس يصيبه اليأس، وتداخله الشكوك لنصرة هذا الدين، وتمكينه في هذه الأرض، وحتى نقطع الطريق على هؤلاء المخدرين اليائسين الخائفين، فإني أقول وبكل قوة وبكل ثقة ويقين: أبشروا أيها الأحبة! أبشروا بنصر الله، فإن البشائر والمبشرات كثيرة -ولله الحمد- المهم أن نتفاءل، ولنملأ أنفسنا بالتفاؤل.
стр. 545
أسباب التفاؤل بنصر الله
وقد يقول قائل: لماذا وكيف نتفاءل وواقع المسلمين كما ذكرت وكما نرى ونسمع؟ فأقول: يجب أن نتفاءل لأسباب كثيرة منها ومن أهمها:
стр. 546
أن القرآن الكريم حرم اليأس، وندد باليائسين
وهذه من أولى البشارات، ومن أول البشائر: أن القرآن حرم اليأس وندد باليائسين، فعالج هذا المرض الخطير بالتحريم القاطع لينقطع دابره من النفوس، فلا يجوز للمسلم أن ييأس أبداً فاليأس قرين للكفر، واسمع لقول الحق : ﴿وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧] فاليأس صفة للكافرين واليأس قرين الضلال، قال تعالى: ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ﴾ [الحجر:٥٦] .
حذر الله من اليأس والقنوط، إذاً نقول لليائسين المخذلين: إن اليأس في دين الله لا يجوز، فحذر من اليأس، واحذر من التيئيس! فإنها أول علامة للهزيمة، والفتور، والخور النفسي، إن أول علامة للهزيمة النفسية التي أصابت كثيراً من المسلمين اليوم هي في قضية اليأس والقنوط عياذاً بالله.
стр. 547
بشائر القرآن بالنصر والتمكين لمن أقام الدين
ولو لم يكن سوى هذه البشائر لكفى فهي نصوص ووعود مِن مَن؟ ممن بيده ملكوت السموات والأرض، وبيده الأمر كله، فلماذا إذاً الضعف والهوان؟! ولماذا الخوف والخور والله معك مؤيداً وناصراً؟ أين الثقة بالله أيها الأحبة؟! أين اليقين بقدرة الله وقوته؟ اسمع! لهذه الآيات وتدبرها عندما قال الحق : ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٣] إظهار دين الله أمر تكفل به الله ، قال : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ [النور:٥٥] .
إذاً: فهذا هو عهد الله، واسمع لقول الحق يوم أن قال: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ [الحج:٤٠-٤١] هذا هو الهدف، هذا هو الذي يريد الله من عباده ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج:٤١] وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧] وقال: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧] .
في هذه الآيات أخبر أن من سنته في خلقه أن ينصر عباده المؤمنين لكن متى؟ إذا قاموا بنصرة دينه، إذا قاموا بما كلفوا به، إذا قاموا بواجب الدعوة إلى الله، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، فقد وعد الله المؤمنين باستخلافهم في الأرض، وأن يمكن لهم دينهم، وأي أمل للمسلم فوق وعد الله ، وأي رجاء بعد ذلك للمؤمن الصادق يوم أن وعده الحق ، هذه بعض نصوص القرآن.
стр. 548
بشائر السنة باستخلاف المسلمين
تعال واسمع! لبعض نصوص السنة النبوية، فقد روى الإمام أحمد والبزار والطيالسي وقال الهيثمي عن الحديث: ورجاله رجال الصحيح، أن النبي ﵌ قال: (إن أول دينكم نبوة ورحمة، وتكون فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله ﷻ ، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة تكون فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله ﷻ ، ثم تكون ملكاً عاضاً فيكون ماشاء الله أن يكون، ثم يرفعه الله ﷻ ، ثم يكون ملكاً جبرياً فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعه الله ﷻ ، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، تعمل بسنة النبي ﷺ ، ويلقي الإسلام بجرانه في الأرض، يرضى عنها ساكن السماء وساكن الأرض، لا تدع السماء من قطر إلا صبته مدراراً، ولا تدع الأرض من نباتها ولا بركاتها شيئاً إلا أخرجته) .
وروى الدارمي وأحمد وابن أبي شيبة عن أبي قبين قال: (كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاص وسئل: أي المدينتين تفتح أولاً القسطنطينية أم رومية -والقسطنطينية هي الآن عاصمة تركيا اسطنبول وقد فتحت، أما رومية فهي عاصمة إيطاليا الآن والتي فيها مقر الصليبية، والتي فيها دولة الفاتيكان التي تقود الأمة النصرانية في مثل هذا الوقت- فدعا عبد الله بصندوق له حلق قال: فأخرج كتاباً فقال: عبد الله بينما نحن حول رسول الله ﷺ نكتب إذ سئل رسول الله ﷺ أي المدينتين تفتح أولاً؟ فقال: مدينة هرقل -يعني القسطنطينية -) والحديث حسنه المقدسي وصححه الحاكم ووافقه الذهبي على تصحيحه.
وقد تحقق الفتح الأول على يد الخليفة العثماني محمد الفاتح رحمه الله تعالى، وذلك عام ثلاثة وخمسين وأربعمائة وألف للميلاد، أي: بعد تقريباً ثمانمائة سنة من وعد النبي ﵌، ونحن ننتظر الآن صدق الوعد الآخر، وهو سقوط رومية أو روما بفضل من الله وبمشيئة منه تعالى، وهذا وعد منه ﷺ لابد صائر بمشيئة الله.
وأيضاً روى مسلم وأحمد وأصحاب السنن إلا النسائي عن النبي ﵌ أنه قال: (إن الله زوى لي الأرض -أي ضمها وجمعها- فرأيت مشارقها ومغاربها، وأن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها) وفي الحديث الذي رواه ابن حبان: (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل به الكفر) .
وأيضاً هذان الحديثان يؤكدان: حتمية رجوع الإسلام إلى مركز الريادة، وموضع القيادة، ومقام السيادة من شرق الدنيا إلى غربها، لتتحقق إرادة الله التي اقتضاها للأمة الإسلامية منذ الأزل.
وروى الشيخان -والأحاديث كثيرة ولكني أختصرها- عن النبي ﵌ أنه قال: (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، حتى يختبئ اليهود من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر والشجر: يا مسلم! هذا يهودي تعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود) وهذا الحديث يشير إلى أن اليهود سيجتمعون في مكان، ثم يتسلط عليهم المسلمون، وهذا هو الواقع الكائن، والدلائل تشير إلى هذا، فإن اليهود يجمعون أعوانهم وأهلهم من كل مكان في فلسطين.
وأيضاً لا ننس أحاديث الطائفة المنصورة، وقد وردت عن عدد من الصحابة منها: حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه عند مسلم في صحيحه أن رسول الله ﷺ قال: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك) .
وحديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: (مثل أمتي مثل المطر لا يُدرى أوله خير أم آخره) والحديث رواه أحمد والترمذي وقال الترمذي: حديث حسن، وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
وقوله ﵌: (بشر هذه الأمة بالسناء والنصر والتمكين، ومن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب) .
والحديث رواه أحمد وابنه عبد الله في زوائده وابن حبان والحاكم وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي على ذلك، وقال الألباني في أحكام الجنائز: إن إسناد عبد الله صحيح على شرط البخاري.
من هذه النصوص من القرآن والسنة يتبين لنا أن هذه النصوص كلها بشائر لنصرة الإسلام وتمكينه، ألا فليثق الدعاة إلى الله بهذه المبشرات مهما كان في الطريق من عثرات ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٢] ولو لم يكن من البشائر والمبشرات سوى هذه النصوص لكفت، فكيف والتاريخ يشهد لذلك؟ وكيف والواقع يتفجر عن ينابيع الإسلام؟
стр. 549
بشائر الصراع القائم بين الحق والباطل
أيها الأحبة! الواقع الآن يتفجر عن ينابيع الإسلام، وعن قدومه في كل يوم، ففي كل يوم نسمع عن حرب للإسلام والمسلمين قادمة من بقاع لم نكن نعرفها ولم نسمع بها وإليك تفصيل ذلك.
فصولات الباطل وانتفاش أهله الآن، دليل على قوة الحق وقدومه وتململه، فقبل سنوات قليلة لم يكن للمسلمين صوت لا في البوسنة ولا في طاجكستان ولا في الفلبين ولا في الشيشان ولا في غيرها من بلاد المسلمين.
أما الآن فإننا نسمع تلك الأمور وتلك الصولات والجولات للمسلمين في كل مكان، وفي كل صقع من أنحاء المعمورة، هذه الأمور إننا نعتبرها أيها الأحبة! ينابيع للإسلام تتفجر عن قدومه وبقوة، فماذا قدمنا؟! وما هو دورنا؟! فالإسلام ماضٍ في طريقه للعزة والتمكين سواء بنا أو بغيرنا.
فيا أيها المسلم ويا أيتها المسلمة! سجل لنفسك موقفاً يشهد لك عند الله ، كن ممن شارك في نصرة هذا الدين ولو بكلمات صادقة ناصحة من قلب يحترق ويتألم، كن مِن مَن شارك لنصرة هذا الدين، ولو بشريط أو كتاب يفتح الله به قلوباً عمياً أو آذاناً صماً، كن مِن مَن شارك في نصرة هذا الدين، ولو بريالات قليلة تعين بها ملهوفاً، وتنصر بها مظلوماً.
المهم أن تعمل، وتشعر أنك تقدم، فكر وابحث وقلب الأمور، وستجد أن بيدك الخير الكثير الكثير، فلا يقل قائل: ماذا أقدم؟ ماذا أعمل؟ فإننا تعدينا مرحلة هذا السؤال، والوقوف عنده بكثير.
стр. 550
خوف أعداء الإسلام من وحدة المسلمين
أيها الأحبة! ومن البشائر أيضاً: ذلك الخوف الرهيب والرعب الشديد من الإسلام، فلماذا يتعرض الإسلام في هذه الأيام لهجمات مسعورة؟! ولماذا تزداد هذه الهجمات شراسة كلما ظهرت صحوة إسلامية في بلد ما؟! لماذا يتفق أصحاب الشعارات والمبادئ المتناقضة على عدائهم للإسلام وأهله؟! لماذا تثار الشبهات حول الإسلام ومبادئه ومناهجه وعقائده وأحكامه؟! لماذا تثار الحملات الشعواء التي تشنها صحافة الغرب والشرق على الإسلام وأهله؟! لماذا تغزى بلاد الإسلام بوسائل الشهوات والمخدرات، ووسائل الخلاعة والمجون المحطمة لقوى الشباب والمستنزفة لطاقاتهم وأفكارهم وعقولهم؟! الإجابة واحدة: إنهم يخافون الإسلام إنهم يخافون من رجعة قوية للإسلام والمسلمين إنهم يخافون من وحدة المسلمين، لقد درس أعداؤنا من الكافرين وأذنابهم الإسلام وعقيدته، فعرفوا أنه يربي الرجال والنساء على تقديم كل غالٍ ونفيسٍ في سبيل الله، حتى ولو كان المقدم هو الروح فهي رخيصة من أجل الإسلام وفي ذات الله، علموا هذه الحقيقة، رأوها واقعاً في ساحات الجهاد، فلذلك خافوا وهلعوا وأصابهم الرعب الشديد من الإسلام.
ولتعلم حقيقة هذا الرعب وهذا الفزع الشديد الذي أصابهم اسمع لبعض أقوالهم:
فالحق ما شهدت به الأعداء
كما يقال وإني أسوق إليك نزراً يسيراً قليلاً مما قالوه عن الإسلام، والصور والمقالات التي تترجم عن خوفهم ورعبهم الشديد من هذا الدين: هذا قولٌ لـ مور بيجر في كتابه العالم العربي المعاصر، يقول: (إنّ الخوف من العرب واهتمامنا بالأمة العربية، ليس ناتجاً عن وجود البترول بغزارة عند العرب، بل لسبب الإسلام يجب محاربة الإسلام بالحيلولة دون وحدة العرب التي تؤدي إلى قوتهم؛ لأن قوة العرب تتصاحب دائماً مع قوة الإسلام وعزته وانتشاره) .
ونحن نسمع مثل هذه المقالة نقول: أين شبابنا ليعلموا أن تمزيق وحدة الصف المسلم، وبث الفرقة والنزاع، وتقسيم المسلمين إلى جماعات وأحزاب إنما هو هدف خَلَّفه من خَلَّفه، ألا فليتق الله ذلك المسلم الذي قد يكون وسيلة لتنفيذ مخططات الأعداء وهو لا يشعر، باسم الغيرة على الدين، وتأصيل العقيدة، فافهم العقيدة جيداً، وطبقها على الواقع كما يريد الله ذلك فإنها صالحة لكل زمان ومكان، وإياك إياك أن تكون وسيلة بأيدي أعداء الدين لبث الفرقة والنزاع، وتمزيق صف وحدة المسلمين.
وها هو فيليب ونداسي يصرح في كتابه المسمى (الاستعمار الفرنسي في أفريقيا السوداء) يقول: (إن من الضروري لـ فرنسا أن تقاوم الإسلام في هذا العالم، وأن تنتهج سياسةً عدائيةً للإسلام، وأن تحاول على الأقل إيقاف انتشاره) .
ويقول المستشرق الفرنسي كيمون في كتابه (باثلوجيا الإسلام) يقول: (وأعتقد أن من الواجب إبادة خُمس المسلمين والحكم على الباقين بالأشغال الشاقة، وتدمير الكعبة، ووضع محمد وجثته في متحف اللوفر) .
ويقول المرمرشادور يقول: (إن هذا المسلم الذي نام نوماً عميقاً مئات السنين، قد استيقظ وأخذ ينادي: هأنذا لم أمت، إنني أعود إلى الحياة لا لأكون أداة طيّعة أو ثقلاً من البشر تسيره العواصم الكبرى، ويقول -أيضاً معقباً هو نفسه-: ومن يدري ربما يعود اليوم الذي تصبح فيه بلاد الإفرنج مهددة بالمسلمين، فيهبطون من السماء لغزو العالم مرة ثانية في الوقت المناسب، ثم يقول: لست أدعي النبوءة ولكن الأمارات الدالة على هذه الاحتمالات كثيرة، لا تقوى الذرة ولا الصواريخ على وقف تيارها) انتهى كلامه هنا.
ثم تعال واسمع إلى تلك الرسالة السريّة التي أرسلها رئيس الوزراء البريطاني جون ميجر حين أرسلها إلى الوزير البريطاني للشؤون الخارجية يخبره بأنهم لن يوافقوا أبداً على تزويد مسلمي البوسنة والهرسك بالسلاح أو تدريبهم عليه مهما كانت الظروف.
وهذه الرسالة نشرتها مجلة الرابطة عدد محرم وصفر وربيع الأول من عام (١٤١٤هـ) من السنة الماضية، والرسالة نشرتها المجلة باللغتين العربية والإنجليزية.
وإليك النص الأصلي واعذرني ألا أقرأ عليك النص كاملاً لطول الرسالة إنما وأقرأ عليك مقاطع من هذه الرسالة، يقول في بداية الرسالة: مكتب رئيس وزراء، ثم يقول: السيد دوجلاس هوك مكتب الشئون الخارجية والمملكة المتحدة لندن، وتاريخ الرسالة (١١/ ١١/ ١٤١٣هـ) يقول: السيد دوجلاس المحترم: (أشكرك على التقرير المفصل حول الأوضاع الماضية والحالية في جمهورية البوسنة والهرسك التي كانت جزءاً من يوغسلافيا السابقة، ثم يقول: كما تعرف جيداً من خلال الأحاديث السابقة في المكتب والمناسبات الأخرى فإن حكومة جلالة الملكة لم تغير موقفها تجاه حل القضايا السياسية التالية: ١- لا نوافق كما أننا لن نوافق في المستقبل على تزويد مسلمي البوسنة والهرسك بالسلاح أو تدريبهم على استخدامه، إننا سنواصل دعمنا الحازم لإبقاء حظر بيع السلاح المفروض من قبل الأمم المتحدة على دول هذه المنطقة رغم معلوماتنا الموثقة الواردة عن دعم دول اليونان وروسيا وبلغاريا للجيش الصربي وقيامها بتدريبه، والمعلومات أيضاً عن قيام ألمانيا والنمسا واستوفينيا وحتى الفاتيكان بالدور المماثل لدعم كرواتيا والقوات الكرواتيه في البوسنة والهرسك، ومن المهم جداً أننا نعلم يقيناً أن جميع الجهود المماثلة المبذولة من قبل الدول والمنظمات الإسلامية لدعم المسلمين قد باءت بالفشل التام، ثم يقول: إنه يتعين علينا اتباع هذه السياسة حتى لحظة الوصول إلى الهدف النهائي -وما هو الهدف؟ - وهو تقسيم جمهورية البوسنة والهرسك ومنع قيام دولة إسلامية في أوروبا، وهو الأمر الذي لا يمكن أن نسمح به أبداً، وإنه من غير المسموح أن نرتكب مرة أخرى في البوسنة والهرسك أو في أي مكان في العالم الخطأ الذي ارتكبناه بتسليح، وتدريب المقاتلين الأفغانيين أثناء قتالهم مع الاتحاد السوفيتي.
وأترك كثيراً من كلامه في الرسالة إلى أن يقول: ٢- من نقاط الرسالة: يجب أن نؤكد ضرورة إخفاء حقيقة التحركات السياسية الغربية وبأي ثمن عن كل الدول التي يمكن أن نسميها بالإسلامية، وبالذات عن تركيا فيما يتعلق في هذه المنطقة إلى أن تهدأ الأمور في يوغسلافيا السابقة، ومن أجل هذا السبب نفسه يتعين علينا الاستمرار بالخدعة التي سميناها (بوانس أوين) لإحلال السلام بهدف عرقلة كل التحركات إلى أن نقضي على دولة البوسنة والهرسك، ويتم تهجير المسلمين منها إلى مختلف دول العالم، ثم يقول: قد يظهر للبعض أن هذه السياسة قاسية، إلا أنه من واجبي أن أطالب بها كل العاملين في مكتب الخارجية لشئون المجموعة الأوروبية، الذين لهم صلة مباشرة، بصنع القرارت السياسية والعاملين في الأجهزة العسكرية، ولكني متأكد أن هذه السياسة في حقيقة الأمر السياسة الوحيدة الناجحة من أجل المصلحة العليا، وهي مستقبل الأمن الأوربي) ... إلى آخر كلامه في رسالته.
стр. 551
واقع الحضارات المادية الغربية الآيلة للانهيار
ومن هذا انهيار الشيوعية، فإن انهيار المذهب الشيوعي في ذاته لابد أن يوضع من المبشرات، فقد كانت الشيوعية فتنة لكثير من الشباب في العالم العربي، ومن كان يصدق أن تنهار الامبراطورية الروسية ثم ها هي تلتمس الأعطيات والمساعدات من بقية الدول الأخرى، فأين من يعقل ويتدبر؟ روسيا القوة الثانية في العالم التي كانت تنافس الرأسمالية أصبحت اليوم تتلمس المساعدات والأعطيات؟! وأما الرأسمالية التي تمثلها اليوم أمريكا، فإن واقع المجتمع الأمريكي في كل مجالاته الدينية والسياسية والثقافية والاقتصادية والإعلامية والتعليمية والاجتماعية وغيرها، واقع مفزع مخيف بالنسبة لهم.
ليس أنا من يقول هذا الكلام، ولكي أختصر عليك الوقت، وأوثق المعلومات لك فإني أطالبك بالرجوع إلى كتاب بعنوان (يوم أن اعترفت أمريكا بالحقيقة) ارجع لهذا الكتاب واقرأ فيه، وانظر الأرقام والإحصاءات فيه، وهذا الكتاب تأليف جيمس بتروسون وبيتر كيم، وترجمه باللغة العربية الدكتور/ محمد بن سعود البشر، صدر الكتاب بالإنجليزية عام (١٩٩١م) يقع في (٢٧٠ صفحة) من القطع المتوسط.
وهذا الكتاب هو دراسة قامت على إحصاءات واستبانة وأرقام من واقع المجتمع الأمريكي، ونتائج هذا الكتاب نتائج مفزعة مخيفة بالنسبة للأمريكيين، واسمعوا ماذا يقول الأمريكيون أنفسهم عن هذا الكتاب؟ يقول إلكس هيلي مؤلف كتاب (الجذور) عن هذا الكتاب كتاب يوم أن اعترفت أمريكا بالحقيقة يقول: كتاب مفزع عندما أنهيت قراءته لم أعرف ماذا أفعل؟! هل أصدع بالحقائق -أي: التي فيه- أم أركض للتلال وأختبئ؟! إنه يعرض لنا حقائق عن أنفسنا لم أشاهدها في أي دراسة، أو في أي استطلاعات للرأي، ولا حتى في الأحاديث الشخصية.
تقول صحيفة نيويورك ديني نيوز عن الكتاب كلمة واحدة قالت عن الكتاب: نتائج مفزعة.
وأيضاً يقول سيبني جيمز نائب الرئيس التنفيذي لشركة كولومبيا للإنتاج السينمائي يقول: كتاب باترسون وكيم -أي المؤلفان-: قد يكون نقطة الالتقاء حتى تجنب الولايات المتحدة نفسها من كارثة محققة الحقائق المفزعة التي يقدمانها في هذا الكتاب تلح على هذا الأمر الآن، وإلا فلا جدوى.
هذا ما قالوه عن هذا الكتاب الذي يُعلن عن التصدع الكبير في بنية مجتمعهم، وانظر إن شئت كتاباً آخر بعنوان (السقوط من الداخل ترجمات ودراسات في المجتمع الأمريكي) للدكتور/ محمد بن سعود البشر -أيضاً- وهو عبارة عن مناقشات للقضايا والمشكلات الراهنة التي يعاني منها المجتمع الأمريكي في جميع النواحي.
أقول: إن الحضارة المادية الغربية تتهالك اليوم وتسقط، سقطت الشيوعية والنذر قادمة لسقوط الرأسمالية.
أيها الأحبة! العالم اليوم بجميع أحواله يشكو من إفلاس الأنظمة البشرية، ويتجرع ويلات ومرارة هذه النظم التي دمرت حياتهم، فما أكثر الانتحارات، وما أكثر اللجوء للخمر، والضياع، والفساد، والشهوات في تلك المجتمعات، وقضت هذه النذر على كل جوانب الخير في ذلك الإنسان، وها هو ذلك الإنسان يتطلع اليوم إلى المنقذ الذي يخلصه من ذلك، وليس المنقذ أبداً إلا الإسلام، فهو الذي يتوافق مع الفطرة، ويحقق للناس مصالحهم في الدنيا والآخرة، ويكفي الأنظمة البشرية قصوراً وفشلاً أنها من صنع البشر، وأن دين الإسلام من صنع خالق البشر .
стр. 552
الصحوة الإسلامية وأثرها الملاحظ في واقع الأمة
ومن البشائر: واقع الأمة الإسلامية، هذا الواقع الذي بدأت تصحو الأمة فيه على نداءات المخلصين، إن ما نشاهده اليوم في أنحاء العالم الإسلامي من صحوة مباركة، ومن رجوع صادق إلى دين الله يزداد ولله الحمد والمنة يوماً بعد يوم مما يدل دلالة صادقة على إقبال هذه الشعوب عن بكرة أبيها على الالتزام بحقيقة دينها، والنهوض بأمتها، ناهيك عن إقبال غير المسلمين على الدخول في دين الله ، اقرءوا الصحف والمجلات، وانظروا في اليوم الواحد كم يسلم من المشركين والكفار! كم أعداد أولئك الذين يدخلون في الإسلام سواء من الرجال أو النساء؟ هذا ما يذكر في الصحف والمجلات، وما لم يذكر فهو أكثر.
فأقول: هذا كله رغم قلة الإمكانات، وقلة الجهود المبذولة للدعوة، فكيف لو تحرك المسلمون الصادقون؟ كيف لو تألمت القلوب، وعرفت الهدف الذي من أجله تعيش، فتتحرك للدعوة إلى الله ؟ كيف لو عاشرنا أولئك العمالة من الكفار والمشركين الذين يعيشون معنا في تجاراتنا ومؤسساتنا؟ كيف لو عاشرناهم بخلق حسن؟ وكيف لو دللناهم على دين الله بحق؟ كيف لو وجهنا هذه الأمة؟ كيف لو نصحنا وأمرنا بمعروف ونهينا عن منكر بكلمة طيبة لينة؟ لوجدنا أثر ذلك أيها الأحبة! هذه النتائج نراها رغم قلة العاملين.
فالله الله أن تكون ممن سلك نصرة هذا الدين، فإن الدين منصور بك أو بغيرك أيها الأخ الحبيب!
стр. 553
شهادة التاريخ للمسلمين بالانتصارات
ومن البشائر: التاريخ الذي برهن على انتصارات الأمم المغلوبة على أعدائها، ونحن لسنا أمة مقطوعة إن لنا تاريخاً نستلهم منه الدروس والعبر، وما أكثر تلك اللحظات الحرجة، وأوقات الفتن والمحن التي مرت بالأمة الإسلامية، فقط ما عليك إلا أن تقلب صفحات التاريخ لتقف على تلك اللحظات، ففي التاريخ عجائب الأمور، وفيه تقلبات الزمن، وتصاريف القدر، وفيه سنة الصراع بين الإيمان والجاهلية.
اقرأ التاريخ لتربط هذه الأحداث اليوم بتاريخنا العريق يوم أن يبين لنا الدروس والعبر، فيه ما يصيب الدعاة من المحن والبلاء، وعاقبة الصبر على الطريق.
стр. 554
لحظات حرجة في يوم الأحزاب
لحظات رهيبة وعصيبة من حياة المسلمين: تعال أيها المسلم! لأُقلب وإياك صفحات ثلاث فقط من تاريخنا، كانت هذه الصفحات لحظات رهيبة وحرجة عصيبة على المسلمين، فكيف تعامل معها المسلمون، وكيف نجَّى الله الصادقين، ولماذا ينتصر أعداء الدين على المسلمين، ويحصل لهم التمكين في بعض الأحايين؟ الصفحة الأولى: إنها تلك اللحظات الحرجة التي عاشها الرسول ﵌ وأصحابه في غزوة الأحزاب، ذلك الرعب الذي روّع أهل المدينة وأفزعهم، خلاصة حالة المسلمين في هذه اللحظات، أعددها لكم بالنقاط التالية: أولاً: تجمع الأحزاب من كل مكان: قريش، غطفان، وبنو أسد، وبنو سليم، وبنو مرة، وقبيلة أشجع، وفزارة، ومن اليهود أيضاً بنو قريظة، وبنو النضير؛ تجمعت هذه الأعداد وضرب حصار محكم منها على المدينة، وهذا يذكرنا بتجمع أعداء الدين اليوم كلهم على هذا الدين وعلى الأمة الإسلامية.
ثانياً: غدر اليهود وخيانتهم ونقضهم للعهد في المدينة: وهذا هو ديدنهم الذي أخبر الله عنهم في الكتاب، وستظل هذه الصفات إلى يوم القيامة لأنها إخبار من الله في القرآن، وإخبار منه ﵌ في السنة.
ثالثاً: مكائد المنافقين وتسللهم لواذاً متعللين بالأكاذيب، وتثبيطهم للنفوس، وبثهم للرعب والفزع في القلوب المريضة فقط: وقد قال منافق منهم ويدعى معاتب بن قشير قال في هذه اللحظات: كان محمد يعدنا أن نأخذ كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط.
كلمات تثبيط وتخذيل، كما يفعله الكثير اليوم من المنافقين.
رابعاً: الجوع المقعد، وفقدان الزاد: حتى ربط النبي ﷺ على بطنه حجراً من شدة الجوع، وكما جاء في حديث أنس رضي الله تعالى عنه عند البخاري قال: (يؤتون بملء كف من الشعير فيصنع لهم في الإهاله -والإهاله هي ودك يتحلب من دسم اللحم -وشحمه سنخة- أي: متغيرة فاسدة الطعم- توضع بين يدي القوم، والقوم جياع وهي بشعة في الحلق، ولها ريح منتنة، ثم قال في الحديث: وقد لبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقاً ولا نطعم شيئاً ولا نقدر عليه) .
خامساً: نقطة من وصف حال المسلمين في تلك اللحظات: حفر الخندق والأحوال الجوية: فالبرد شديد ونقلهم التراب على أكتافهم وظهورهم، كما في حديث البراء قال: (كان النبي ﷺ ينقل التراب يوم الخندق حتى اغبرّ بطنه) .
وفي لفظ: (حتى وارى عني التراب جلدة بطنه ﷺ .
سادساً: الخوف على النساء والعجزة والأطفال، وهم من وراء المجاهدين في آطام المدينة والسعي لحمايتهم بعد غدر اليهود من ورائهم.
سابعاً: قلة المسلمين وقلة السلاح والعتاد أمام تجمع الأحزاب، وقوتهم وكثرة عتادهم.
كل هذه الظروف تجمعت على المسلمين في تلك اللحظات، وفي تلك الساعات الحرجة العصيبة، وتعال واسمع لوصف الحق اسمع لوصف الله سبحانه تعالى وهو يصف حال المؤمنين في هذه اللحظات الحرجة يقول : ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ [الأحزاب:١٠-١١] هذا وصف الله للموقف: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ [الأحزاب:١٠-١١] ثم يقول : ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً * وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ [الأحزاب:١٢-١٣] انظر التثبيط والتخذيل، وقد يقع في ذلك كثير من ضعاف المسلمين اليوم: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً﴾ [الأحزاب:١٣] إنها صورة الهول الذي روَّع المدينة، والكرب الذي شملها، والذي لم ينج منه أحد من أهلها، وقد أطبق عليها المشركون من قريش وغطفان واليهود من بني قريظة، من كل جانب من أعلاها ومن أسفلها.
قال محمد بن مسلمة وغيره: [كان ليلنا ونهارنا بالخندق، وكان المشركون يتناوبون بينهم فيغدو أبو سفيان بن حرب في أصحابه يوماً، ويغدو خالد بن الوليد -يوم كان مشركاً- يوماً، ويغدو عمرو بن العاص -يوم كان مشركاً- يوماً، ويغدو هبيرة بن أبي وهب يوماً، ويغدو عكرمة بن أبي جهل يوماً، ويغدو ضرار بن الخطاب يوماً حتى عظم البلاء، وخاف الناس خوفاً شديداً] وتقول أم سلمة ﵂: [شهدت -أي مع النبي ﷺ معه مشاهد فيها قتال وخوف المريسيع وخيبر، وكنا بـ الحديبية وفي الفتح وحنين، لم يكن من ذلك أتعب لرسول الله ﷺ ولا أخوف عندنا من الخندق، وذلك أن المسلمين كانوا في مثل الحرجة، وأن قريظة لا نأمنها على الذراري فـ المدينة تحرس حتى الصباح، نسمع فيها تكبير المسلمين، حتى يصبحوا خوفاً، حتى ردهم الله بغيظهم لم ينالوا خيراً] .
كيف تعامل المسلمون مع هذه اللحظات الحرجة، ومع هذا الموقف؟ وكيف كان حالهم في وقت الفتن والشدة؟ ماذا فعلوا في هذه الساعات العصيبة؟ لم يترددوا لحظة في نصرة الله ولا نصرة دينه، بل كانت هذه الشدائد والفتن والمحن مادة للطمأنينة والثقة والاستبشار واليقين.
لقد كانوا رضوان الله تعالى عليهم ناساً من البشر يفزعون، ويضعفون، ويضيقون بالشدة، لكنهم كانوا مرتبطين بالعروة الوثقى التي تشدهم إلى الله وتمنعهم من السقوط، وتجدد فيهم الأمل وتحرسهم من اليأس والقنوط، ولذلك اسمع لموقفهم كما يصفه الله تعالى، اسمع لموقف المؤمنين الصادقين في الفتن ومواقف الشدة يوم أن تمسكوا بالعروة الوثقى، يوم أن تمسكوا بلا إله إلا الله فعرفوا أنه ما قادر على شيء في هذا الكون إلا الله، وبعد إذن الله ، يقول : ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٢٢] الفتنة والشدة ليس فيها تراجع، بل هذه دلائل وهذه بشائر ومبشرات على أن هذه نصرة للإسلام، ولذلك ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب:٢٢] لما رأوا الأحزاب تجمعت عليهم من كل ناحية وتكالبت عليهم الظروف التي ذكرناها قالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٢٢] .
هذه صورة الإيمان الواثق المطمئن، هذه صورة مشرقة مضيئة للمؤمنين الصادقين وهم في مواجهة المحن والشدائد، ولا عجب فهم تلامذة المدرسة المحمدية، ففي هذه اللحظات الحرجة وفي هذه الشدائد والمصائب التي تجمعت على المسلمين فإذا به ﵌ يبشرهم بسقوط حكم كسرى وقيصر، في هذه اللحظات العصيبة فإذا به ﷺ يقول: عندما يضرب الحجر يقول: (الله أكبر! أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر الساعة -سبحان الله- ثم يضرب الثانية ويقول: الله أكبر! أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصور المدائن، ثم يضرب الثالثة فيقول: الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء بمكاني هذه الساعة) والحديث أخرجه أحمد والنسائي من حديث البراء بن عازب وإسناده حسن، وأصل الحديث عند البخاري في صحيحه في كتاب المغازي.
والأعجب من هذا أنه لما وصله ﷺ غدر اليهود من بني قريظة ونقضهم للعهد، وهي مصيبة أخرى على تلك المصائب التي تجمعت عليه وعلى أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين، ومع ذلك كله اسمع لليقين قال ﷺ : (الله أكبر! أبشروا بنصر الله وعونه، إني لأرجو أن أطوف بالبيت العتيق، وآخذ المفتاح، وليهلكن كسرى وقيصر ولتنفقن أموالهما في سبيل الله) هذا في اللحظات التي يأتيه الخبر أن اليهود قد غدروا.
قال صاحب الظلال ﵀: وحين نرانا ضعفنا مرة أو زلزلنا مرة أو فزعنا مرة أو ضقنا مرة بالهول والخطر والشدة والضيق فعلينا ألا نيأس من أنفسنا، وألا نهلع ونحسب أننا هلكنا أو أننا لم نعد نصلح لشيء عظيم أبداً، ولكن علينا في الوقت ذاته أن لا نقف إلى جوار ضعفنا؛ لأنه من فطرتنا البشرية، ونصر عليه لأنه يقع لمن هم خير منا هنالك العروة الوثقى عروة السماء، وعلينا أن نستمسك بها لننهض من الكبوة، ونسترد الثقة والطمأنينة، ونتخذ من الزلزال بشيراً بالنصر، فنثبت ونستقر ونقوى ونطمئن ونسير في الطريق، وهذا هو التوازن الذي صاغ ذلك النموذج الفريد في صدر الإسلام.
فأقول
стр. 555
الصليبيون وتسلطهم على المسلمين قبل معركة حطين
الصفحة الثانية: لما استولى الصليبيون على كثير من البلاد الإسلامية، والمسجد الأقصى ما يقارب قرناً من الزمن؛ حتى ظن الكثير من المسلمين وغيرهم أنه لا أمل في انتصار المسلمين على الصليبيين، وأنه لا رجاء في رد أرض فلسطين مع المسجد الأقصى إلى حوزة المسلمين، ولاسيما بعد أن فتكوا في الأنفس، وذبحوا من المسلمين في يوم واحد فقط أكثر من ستين ألفاً حتى إن الدماء سالت أنهاراً في شوارع القدس وقد بلغت حد الركب.
واسمع لـ ابن كثير وهو يقول في البداية والنهاية: لما كان ضحى يوم الجمعة لسبع بقين من شعبان سنة ثنتين وتسعين وأربعمائة أخذت الفرنج -لعنهم الله- بيت المقدس -شرفه الله- وكانوا في نحو ألف ألف مقاتل، وقتلوا في وسطه أزيد من ستين ألفاً من المسلمين، وجاسوا خلال الديار، وتبروا ما علو تتبيراً.
قال ابن الجوزي: وأخذوا من حول الصخرة اثنين وأربعين قنديلاً من فضة زنة كل واحد منها ثلاثة آلاف وستمائة درهم، وأخذوا تنوراً من فضة زنة أربعون رطلاً بالشامي، وثلاثة وعشرين قنديلاً من ذهب، وذهب الناس على وجوههم هاربين من الشام إلى العراق مستغيثين على الفرنج إلى الخليفة، والسلطان منهم القاضي أبو سعد الهروي، فلما سمع الناس بـ بغداد هذا الأمر الفظيع هالهم ذلك، وتباكوا وقد نظم أبو سعد الهروي كلاماً قرئ في الديوان، وعلى المنابر فارتفع بكاء الناس، وندب الخليفة الفقهاء إلى الخروج إلى البلاد ليحرضوا الملوك على الجهاد، فخرج ابن عقيل وغير واحد من أعيان الفقهاء، فساروا في الناس فلم يفد ذلك شيئاً إذا ماتت قلوب الناس وأصابها الخوف والهلع والعياذ بالله ماتت،فإنا لله وإنا إليه راجعون.
حتى إنَّ أرياط أمير الكرك، ولم يكن في الفرنج أشد منه عداوة للمسلمين سطا على قافلة ذاهبة من مصر إلى الشام فأخذ أموالهم وضرب رقابهم وهو يقول: أين محمدكم! دعوه ينصركم!! من كان يظن أن هذه البلاد ستحرر في يومٍ من الأيام على يد البطل صلاح الدين في معركة حطين الحاسمة، ويصبح للمسلمين من الكيان والقوة والعزة والسيادة ما شرف التاريخ.
قال ابن كثير في البداية والنهاية في الجزء الثاني عشر: فتواجه الفريقان، وتقابل الجيشان، وأسفر وجه الإيمان، واغبر وأقتم وجه الكفر والطغيان، ودارت دائرة السوء على عبدة الصلبان، وذلك عشية الجمعة، فبات الناس على مصافهم، وأصبح صباح يوم السبت الذي كان يوماً عسيراً على أهل الأحد، وذلك لخمس بقين من ربيع الآخر فطلعت الشمس على وجوه الفرنج، واشتد الحرب وقوي بهم العطش، وكان تحت أقدام خيولهم حشيشٌ قد صار هشيماً، وكان ذلك عليهم مشئوماً، فأمر السلطان النفاطة أن يرموه بالنفط فرموه فتأجّج -أي: ذلك الحشيش- ناراً تحت سنابك خيولهم، فاجتمع عليهم حر الشمس وحر العطش وحر النار وحر السلاح وحر رشق النبال، وتبارز الشجعان، ثم أمر السلطان بالتكبير والحملة الصادقة، فحملوا وكان النصر من الله فمنحهم الله أكتافهم، فقتل منهم ثلاثون ألفاً في ذلك اليوم، وأسر ثلاثون ألفاً من شجعانهم وفرسانهم، وكان في جملة من أُسر جميع ملوكهم سوى قومس قرابلس فإنه انهزم في أول المعركة، واستلبهم السلطان صليبهم الأعظم، وهو الذي يزعم أنه صلب عليه المصلوب، وقد غلفوه بالذهب واللآلئ والجواهر النفيسة، ولم يسمع لمثل هذا اليوم في عز الإسلام وأهله ودمغ الباطل وأهله حتى ذكر أن بعض الفلاحين رآه بعضهم يقود نيفاً وثلاثين أسيراً من الفرنج، وقد ربطهم بطنب خيمة، وباع بعضهم أسيراً بنعل ليلبسها في رجله، وجرت أمور لم يسمع بمثلها إلا في زمن الصحابة والتابعين، فلله الحمد دائماً كثيراً طيباً مباركاً انتهى كلامه ﵀.
من كان يظن أنها ستحدث مثل هذه الأحداث، وستحرر هذه البلاد بعد هذه الأمور التي سمعتموها من تسلط الصليبيين ومن أذاهم للمسلمين.
стр. 556
التتار والعالم الإسلامي
صفحة ثالثة وأخيرة من صفحات التاريخ التي تبرهن على أنه مهما كان حال المسلمين إلا أن العزة والتمكين سيكون نصر للمؤمنين.
وهذه الصفحة هي لما خرب المغول والتتار العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه، ونهبوا الأموال، وداسوا القيم، وفتكوا في الأنفس والأعراض فتكاً ذريعاً حتى قيل: إن جبالاً شامخة وأهرامات عالية أقامها هولاكو من جماجم المسلمين.
واسمع لـ ابن الأثير وهو يروي لنا الخطب والحدث في كتابه الكامل في الجزء التاسع يقول: ثم دخلت سنة سبع عشرة وستمائة، ذكر خروج التتر إلى بلاد الإسلام، لقد بقيت عدة سنين -هذا كلام ابن الأثير - معرضاً عن ذكر هذه الحادثة استعظاماً لها كارهاً لذكرها، فأنا أقدم إليه رجْلاً وأؤخر أخرى، فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين؟! ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك؟! فيا ليت أمي لم تلدني، ويا ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً، إلا أني حثني جماعة من الأصدقاء على تسطيرها، وأنا متوقف، ثم رأيت أن ترك ذلك لا يجدي نفعاً، فنقول: هذا الفعل يتضمن الحادثة العظمى، والمصيبة الكبرى التي عقمت الأيام والليالي عن مثلها، عمت الخلائق، وخصت المسلمين، فلو قال قائل: إن العالم مذ خلق الله آدم إلى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صادقاً، فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها.
إلى أن وصف هذا الحدث، وهذا الخطب، بصفات عجيبة غريبة، من أراد أن يرجع إليها فليرجع إليها هناك، إلى أن قال: وهؤلاء لم يبقوا على أحد، بل قتلوا النساء والرجال والأطفال وشقوا بطون الحوامل وقتلوا الأجنة -كأنه يسوق لنا ما يدور الآن في العالم الإسلامي- فإنا لله وإنا إليه راجعون! ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! لهذه الحادثة التي استطار شرها، وعم ضررها، وسارت في البلاد كالسحاب استدبرته الريح، فإن قوماً خرجوا من أطراف الصين وقصدوا بلاد تركستان مثل كاشور وبلد سوغون، ثم منها إلى بلاد ما وراء النهر مثل سمرقند وبخارى وغيرهما، فيملكونها ويفعلون بأهلها ما نذكره، ثم تعبر طائفة منهم إلى خراسان فيفرغون منها ملكاً وتخريباً وقتلاً ونهباً، ثم يتجاوزونها إلى الري وهمذان وبلد الجبل، وما فيه من البلاد إلى حد العراق ثم بلاد أذربيجان وأرانية، ويخربونها ويقتلون أكثر أهلها، ولم ينج إلا الشريد النادر، كل هذا في أقل من سنة، هذا ما لم يسمع بمثله.
إلى أن قال أيضاً: ففعلوا فيها -أي في بلاد الهند وسجستان وكرمان وغيرها، ففعلوا فيها مثل ما فعل هؤلاء أو أشد ما لم يطرق الأسماع مثله، فإن الإسكندر الذي اتفق المؤرخون أنه ملك الدنيا لم يملكها في هذه السرعة، إنما ملكها في نحو عشرين سنة، ولم يقتل أحداً إنما رضي من الناس بالطاعة، وهؤلاء قد ملكوا أكثر المعمورة في الأرض وأحسنه وأكثره عمارة وأهلاً وأعدل أهل الأرض أخلاقاً وسيرة في نحو سنة -شاهد إذا سلط الله الأعداء والعياذ بالله- ولم يبت أحد من البلاد التي لم يطرقوها إلا وهو خائف يتوقعهم، ويترقب وصولهم إليه، ثم إنهم لا يحتاجون إلى ميرة ومدد يأتيهم، فإنهم معهم الأغنام والبقر والخيل وغير ذلك.
إلى أن قال: ولقد بلي الإسلام والمسلمون في هذه المدة بمصائب لم يبتل بها أحد من الأمم منها.
ثم قال في آخر الأمر: فإنا لله وإنا إليه راجعون، نسأل الله أن ييسر للإسلام والمسلمين نصراً من عنده، فإن الناصر والمعين والذاب عن الإسلام معدوم، وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له وما لهم من دونه من وال.
أقول: نحن نسمع هذا الوصف من ابن الأثير رحمه الله تعالى نتعجب ونفرغ أفواهنا اندهاشاً ونحن نسمع مثل هذه الكلمات، فنقول: من كان يظن أن تقوم للمسلمين قائمة بعد هذه الأحداث التي وصفها ابن الأثير رحمه الله تعالى!! كل هذه الصفحات والتاريخ مليء بمثل ذلك وغيرها من مواقف الشدة والمحن التي أصابت المسلمين.
أقول: كل هذه بشارات وبشائر تدل على أن ما يحدث للمسلمين اليوم من ضيق وشدة ومحن أن بعدها فرج، وأن بعدها نصر، لكن المهم أن ننصر نحن دين الله، أن نقوم بواجبنا كما سأبين بعد قليل.
أقول: مفهوم خاطئ يجب ألا يفهم: من كان يظن أننا نقصد بالتفاؤل إذا طلبنا التفاؤل مجرد الفرح والاطمئنان، وبالتالي الركون ودنو الهمة ووهن العزائم والانشغال في الدنيا والتغني بهذا التفاؤل ليل نهار، وذكر مثل هذه البشائر، وأعداء الإسلام يخططون ويعملون ويكيدون فهو مخطئ، أو من كان يظن أننا نقصد بذلك مجرد السرور والاطمئنان المؤدي للثقة المفرطة، والحماس المؤدي بدوره إلى التهور والانفعال اللذان يؤديان إلى عاقبة غير مرضية، ونتائج محرجة فهو مخطئ أيضاً، إنما نقصد بالتفاؤل: الثقة بنصر الله والفوز والنجاح، وعدم تأثر المسلمين جميعاً بما يوضع لهم من عراقيل، بل إن ذلك يزيدهم طموحاً وتفاؤلاً لأنهم واثقون بنصر الله، الثقة واليقين بنصر الله هذا هو ما نقصده بالتفاؤل، والأمل بنصر الله وتأييده لجنده، هو سبيل الراشدين والفائزين بالنصر ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُم الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧٣] فالمؤمنون وحدهم هم المتفائلون، وغيرهم هم اليائسون.
فاسلك أخي المسلم رعاك الله طريق المؤمنين العاملين المتفائلين، فالفوز حليفك إن شاء الله، وتذكر قول الحق : ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٢٢] .
стр. 557
حكمة جعل الأيام دولاً بين المسلمين وبين أعدائهم
سؤال قد يرد على الخاطر يسأله كثير من الناس اليوم في مجالسهم ومنتدياتهم، لماذا يمكِّن الله الكافرين من المسلمين؟! ولماذا ينصرهم عليهم؟! ولماذا ينتصر أعداء الله على المسلمين؟! هذا سؤال قد يرد على خاطر كثير من الناس.
أقول: الإجابة أسوقها إليك من كلام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه إغاثة اللهفان الجزء الثاني صفحة (٢٧٣) ، وانتبه لهذا الكلام فإنه كلام نفيس جميل جداً، الأصل أن نتناقله وأن نردده على مسامعنا وعلى الناس حتى يتبين لنا لماذا يبتلينا الله بمثل هذه المصائب؟ يقول: الأصل الثامن: أن ابتلاء الله بغلبة عدوهم لهم وقهرهم وكسرهم لهم أحياناً فيه حكمة عظيمة لا يعلمها على التفصيل إلا الله ، فمنها: استخراج عبوديتهم وذلهم لله وانكسارهم له وافتقارهم إليه وسؤاله نصرهم على أعدائهم، ولو كانوا دائمين منصورين قاهرين غالبين لبطروا وأشروا، ولو كانوا دائماً مقهورين مغلوبين منصوراً عليهم عدوهم لما قامت للدين قائمة، ولا كان للحق دولة، فاقتضت حكمة أحكم الحاكمين، أن صرفهم بين غلبهم تارة، وكونهم مغلوبين تارة، فإذا غُلِبوا تضرعوا إلى ربهم، وأنابوا إليه وخضعوا له وانكسروا له وتابوا إليه، وإذا غَلَبوا أقاموا دينه وشعائره، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، وجاهدوا عدوه، ونصروا أولياءه.
ومنها -أي من الحكم- أنهم لو كانوا دائماً منصورين غالبين قاهرين لدخل معهم من ليس قصده الدين، ومتابعة الرسول، فإنه إنما ينضاف إلى من له الغلبة والعزة، ولو كانوا مقهورين مغلوبين دائماً لم يدخل معهم أحد فاقتضت الحكمة الإلهية أن كانت لهم الدولة تارة وعليهم تارة، فيتميز بذلك بين من يريد الله ورسوله، ومن ليس له مراد إلا الدنيا والجاه.
إذاً: التمييز بين الصادق من غيره، من حكم ابتلاء الله المؤمنين، تمييز الخبيث من الطيب ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران:١٧٩] هذا هو الأصل ﴿حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ﴾ كيف نكتشف إسلام هذا الإنسان إلا بالابتلاءات والفتن والشدائد، هنا يتضح المؤمنون الصادقون، ويتضح المنافقون الذين أصابوا قلوبهم بالخوف، والهلع عند الشدائد والمحن.
يقول ابن القيم: ومنها: أنه سبحانه يحب من عباده تكميل عبوديتهم على السراء والضراء، وفي حال العافية والبلاء، وفي حال إدالتهم والإدالة عليهم، فلله سبحانه على العباد في تلك الحالتين عبودية بمقتضى تلك الحال، لا تحصل إلا بها، ولا يستقيم قلب بدونها، كما لا تستقيم الأبدان إلا بالحر والبرد، والجوع والعطش، والتعب والنصب وأضدادها تلك المحن والبلايا شرط في حصول الكمال الإنساني، والاستقامة المطلوبة منه، ووجوه الملزوم بدون لازمه ممتنع.
يقول: ومنها أن امتحانهم بإدالة عدوهم عليهم، يمحصهم ويخلصهم ويهذبهم، كما قال تعالى في حكمة إدالة الكفار على المؤمنين يوم أحد قال: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [آل عمران:١٣٩-١٤٠] إذاً من الحكمة ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٠-١٤١] يخلصهم من ذنوبهم، من غفلتهم، مما تراكم عليهم من الغفلة والذنوب، فإن في هذه الابتلاءات تمحيص وتخليص وتهذيب لهم من الله ، وأيضاً اتخاذ للشهداء منهم في مثل هذه الأمور، ثم يقول : ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ * وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْن الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ * وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٢-١٤٤] .
يقول ابن القيم: فذكر سبحانه أنواعاً من الحكم التي لأجلها أديل عليهم الكفار بعد أن ثبتهم، وقواهم وبشرهم بأنهم الأعلون بما أعطوا من الإيمان، وسلاهم بأنهم وإن مسهم القرح بطاعته وطاعة رسوله، فقد مس أعداءهم القرح في عداوته وعداوة رسوله.
يا أخي الحبيب! أنت على حق وعلى مذهب صادق، وعلى عقيدة واضحة وعلى مبدأ لا إله إلا الله، إن مت فبالجنة، وإن حييت ففي عزة وكرامة، أما أعداء الله فهم على أي حال خسروا الدنيا والآخرة، فكر بمثل هذا حتى تقوم، حتى تعمل، حتى تتحرك لنصرة هذا الدين بما تستطيع.
ثم يقول ابن القيم ﵀: ثم أخبرهم أنه سبحانه بحكمته يجعل الأيام دولاً بين الناس، فيصيب كل منه نصيبه منها كالأرزاق والآجال.
ثم أخبرهم أنه فعل ذلك ليعلم المؤمنين منهم، وهو سبحانه بكل شيء عليم قبل كونه، وبعد كونه، ولكنه أراد أن يعلمهم موجودين ومشاهدين، فيعلم إيمانهم واقعاً، ثم أخبر أنه يحب أن يتخذ منهم شهداء، فإن الشهادة درجة عالية عنده، ومنزلة رفيعة لا تنال إلا بالقتل في سبيله، فلولا إدالة العدو لم تحصل درجة الشهادة التي هي من أحب الأشياء إليه وأنفعها للعبد، ثم أخبر سبحانه أنه يريد تمحيص المؤمنين، وأن تخليصهم من ذنوبهم بالتوبة والرجوع إليه واستغفارهم من الذنوب التي أُديل بها عليهم العدو، وأنه مع ذلك يريد أن يمحق الكافرين ببغيهم وطغيانهم وعدوانهم إذا انتصروا، ثم أنكر عليهم حسبانهم وظنهم دخول الجنة بغير جهاد ولا صبر، وأن حكمته تأبى ذلك فلا يدخلونها إلا بالجهاد والصبر، ولو كانوا دائماً منصورين غالبين لما جاهدهم أحد، ولما ابتلوا بما يصبرون عليه من أذى أعدائهم، فهذه بعض حكمه في نصرة عدوهم عليهم وإدالته في بعض الأحيان) انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
وهذا الكلام كما ذكرت كلام جميل يجب أن نرجع إليه وننظر فيه، ونتناقله بين المجالس ونبينه للناس حتى يعلم الناس حقيقة هذه الابتلاءات التي تحصل للمسلمين.
стр. 558
وصايا ونتائج
ولكي تتم الفرحة بهذه البشائر، ولكي تلحق بالركب، ولتنال شرف نصرة هذا الدين فإليك هذه الوصايا التي لا يتم الموضوع إلا بها.
أولا ً: يتعجب بعض الناس من هيمنة الغرب ودوره القيادي، فأقول: لا تعجب أيها الحبيب! فإن من سنة الله في خلقه أن من عمل وسعى وبذل جهده، وطاقته في تحصيل مقصد أو هدف وصل إليه ما لم تقم بعض الموانع والأسباب الحائلة دون ذلك، فالمسلمون حين يستجمعون قوتهم، وحين يستجمعون أسباب التوفيق والتمكين المادية والمعنوية فإنهم يصلون إلى ما وصل إليه الغرب وأكثر -أقصد في القيادة والريادة- فهم مع ذلك -أي: المسلمون- يملكون العون من الله والتوفيق لأنهم حملة دينه، وحماة شريعته.
إذاً: فالغرب وصل إلى ما وصل إليه الآن بالجد والعمل والمثابرة، ولو عمل المسلمون بهذه الأسباب لنالوا ذلك لأننا نتفوق على الغرب بالعقيدة -بلا إله إلا الله- فإن تخلينا عن لا إله إلا الله، وتخلينا عن هذا الدين انخفضنا وارتقى الغرب علينا، وأصبحت القيادة والريادة بيده كما هو حال الناس اليوم.
ثانياً: متى يكون هذا النصر للإسلام؟! اليوم أو غداً أم بعد سنوات هذا السؤال ربما خطر على بعض الناس، فأقول: المهم أن تثق بنصرة هذا الدين، وقد لا تشهد أنت هذه النصرة، ولكن اسأل هل أنت ممن صنع هذه النصرة؟ هل أنت ممن شارك في هذه النصرة؟ ما هو رصيدك من العمل والدعوة والعبادة؟ ما هو رصيدك من البذل والتضحية والصبر في سبيل الله ومن أجل هذا الدين؟ إن النصر لا ينزل كما ينزل المطر، وإن الإسلام لا ينتشر كما تنتشر أشعة الشمس من حين تشرق، ألم تقرأ في القرآن قول الحق : ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يوسف:١١٠] بعد الشدة وبعد وصول الأمر منتهاه جاء الفرج وجاء النصر، ألم تقرأ في القرآن قول الحق : ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [البقرة:٢١٤] بلغ الأمر منتهاه ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤] .
إذاً: فالأمر يتطلب منا أن نبذل ما نستطيع من جهود مالية وبدنية وفكرية لنشر الخير، ابذل يا أخي الحبيب! ما تستطيع من أي جهد مالي أو فكري أو بدني لنشر الخير، فالصور كثيرة وأبواب الخير كثيرة جداً، والدعوة في هذا المجتمع، وإصلاح ما نراه فيه من خلل مهما بذل الإنسان من جهد فإنه قليل في ذات الله .
ثالثاً: الاستمرار بالدعاء والإلحاح فيه وعدم الانقطاع، خاصة عند حدوث الفتن ونزول المصائب، وهذا الأمر مطلب شرعي تركه والغفلة عنه سبب للعذاب، اسمع لقول الحق يوم أن قال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٤٢-٤٣] نعوذ بالله من قسوة القلب.
رابعاً: موتانا في الجنة وموتاهم في النار، الدنيا لهم والآخرة لنا، حقيقة نسيها المسلمون حتى أصبحت الدنيا لكثير من المسلمين غاية وهدفاً، فأصابهم الهوان والذل، وهذا هو واقع كثيراً من المسلمين، والله يقول ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩] والهوان قد يكون للالتفات للدنيا وملذاتها وشهواتها.
خامساً: لا ننس ضعف كيد الكافرين مهما كان عملهم، ومهما كانت قوتهم، فإن سعيهم في ضلال مهما كان هذا الكيد، ومهما كان هذا الجهد لحرب الإسلام والمسلمين، ومهما اتبعوا من وسائل فإن الله يقول يقول: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ) [النساء:٧٦] انظر المبادئ انظر العقيدة!! ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ويكفي هذا فخراً ونصرة ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً﴾ [النساء:٧٦] .
الله يخبرنا أن كيد الشيطان وأولياؤه كان ضعيفاً، لكن هذا الكيد المهم أنه كيد مادام أنه وجد ضعفاً من المسلمين فسيكون الأعلى مع ضعفه وهوانه وحقارته ما دام وجد من المسلمين هواناً وضعفاً فإن هذا الكيد الضعيف ما دام كيداً وعملاً يرتقي ويصبح عالياً على المسلمين، وإلا فكيد الشيطان وأولياء الشيطان كيد ضعيف، وقال : ﴿ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال:١٨] المهم اعمل تحرَّك فكِّر ابذل لهذا الدين، ادع لله كيفما استطعت، سجل في موازين أعمالك وفي حسناتك أعمالاً صالحة، سجل فيها أناساً اهتدوا وصلحوا على يديك، وستجد أثر ذلك، تحرك إلى الله ، ابذل ما تستطيع، حَرِّك الأمة معك، فكر بحال الأمة، احمل همّ الدنيا وهمّ هذه الأمة، ستجد بعد ذلك نصرة الله وستجد التوفيق من الله ؛ لأن الله أخبرنا أنه موهن كيد الكافرين، مهما كان هذا الكيد ومهما بلغ، وقال : ﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ﴾ [غافر:٢٥] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦] .
هذه هي الحقيقة بعد ذلك توكل على الله ، وقم يا أخي الحبيب! ولا يصيبك الهوان ولا يصيبك الخمول ما دمت واثقاً بنصرة هذا الدين، وواثقاً بهذه البشائر وبهذه المبشرات.
اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة ربَّ كل شيء ومليكه، اللهم إنا نسألك للإسلام نصراً مؤزراً في كل مكان، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك، اللهم انصر عبادك المخلصين في كل مكان، اللهم أعلِ مكانتهم، اللهم احفظهم بحفظك يا حي يا قيوم، اللهم إنك خير حافظاً وأنت أرحم الراحمين، اللهم من أراد بالإسلام والمسلمين سوءاً فأشغله بنفسه، اللهم أشغله بنفسه، اللهم اجعل كيده كيداً عليه، اللهم اجعل كيده تدبيراً تدميراً عليه، اللهم من كاد للإسلام بأمر سوء فكده يا حي يا قيوم، اللهم اجعل تدبيره تدميراً عليه، اللهم اجعلنا من جندك المخلصين، اللهم اجعلنا من الصالحين المصلحين، اللهم انفع بنا، اللهم انفعنا وانفع بنا، اللهم أقر أعيننا بعزة الإسلام والمسلمين.
سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 559
الأخفياء
من هو هذا العبد الخفي؟! ومن هم الأخفياء؟! إنهم أولئك الذين عرفوا ربهم، فأحبوه وأحبهم إنهم الأنقياء الأتقياء إنهم الجنود المجهولون الناصحون العاملون إنهم الراكعون الساجدون في الخلوات إنهم الذين يسعون في ظلمة الليل ليتمسسوا أحوال الضعفاء المساكين، والأرامل والأيتام؛ لإطعام الطعام وبذل المال إنهم أولئك الذين لا يعرف الناس أعمالهم، ولكن الله يعرفهم وكفى بالله شهيداً.
стр. 560
حقيقة الأخفياء
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وهذه ليلة الإثنين (٢٣/١٠/ ١٤١٤هـ) وعنوان هذا اللقاء: (الأخفياء) .
ولقد كنت قد تأملت ونظرت في حديث رسول الله ﷺ الذي أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الزهد قوله: (إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي) ولقد تأملت قوله ﷺ : (الخفي) ، فما زالت تلك الهواجس والأفكار والأسئلة تدور في الخاطر المكدود، من هو هذا العبد الخفي الذي أحبه الله ؟! فقلت: لربما أنهم الذين عرفوا ربهم، وعرفهم ، فأحبوه وأحبهم وحرصوا أن يكون بينهم وبين الله أسرار وأسرار، والله يعلم إسرارهم فكان خيراً لهم.
وقلت: ولربما أنهم الأنقياء الأتقياء، فما اجتهدوا في إخفاء أعمالهم؛ إلا لخوفهم من ربهم وخوفهم من فساد أعمالهم بالعجب والغرور، وهجمات الرياء، وطلب الثناء والمحمدة من الناس.
وقلت: فلربما أنهم هم الجنود المجهولون، الناصحون العاملون، الذين قامت على سواعدهم هذه الصحوة المباركة، فكم من ناصح ومن مرب وداع للحق لا يعرف، وكلمة ورسالة وشريط طار في كل مطار، فسارت به الركبان، كان خلفه أخفياء وأخفياء، فهنيئا لهم! وقلت: فلربما أنهم أيضاً هم الساجدون الراكعون في الخلوات، فكم من دعوة في ظلمة الليل شقت عنان السماء، وكم من دمعة بللت الأرض، وبهذه الدمعات وهذه السجدات حفظنا وحفظ أمننا، ورزقنا وسقانا ربنا.
وقلت: فلربما أن الأخفياء هم الذين يسعون في ظلمة الليل، ليتحسسوا أحوال الضعفاء والمساكين والأرامل والأيتام؛ لإطعام الطعام وبذل المال؛ ليفكوا بها كربة مكروب، وليفرجوا بها هم أرملة ضعيفة شريدة الحال كثيرة العيال.
وقلت: فلربما أن الأخفياء هم أولئك الذين لا يعرفهم الناس، أو الذين لا يعرف أعمالهم الناس ولكن الله يعرفهم، وكفى بالله شهيداً فهنيئاً لهم.
ثم قلت: وما الذي يمنع أن يكونوا أولئك جميعاً، وأن تكون هذه الصفات كلها صفات لأولئك الأخفياء؟! ولذلك ترددت كثيراً في الحديث عن هذا الموضوع، فما كان لمثلي أن يتحدث عن مثلهم، وأستغفر الله جل وعلا، ونحن أعرف بأنفسنا من جرأتنا مع قصورنا وتقصيرنا، وقد قالها عبد الله بن المبارك:
لا تعرضن بذكرنا في ذكرهم ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد!!
رحمك الله يا بن المبارك عندما قلت هذا البيت تعني به نفسك، فماذا نقول إذاً نحن عن أنفسنا؟! ورحم الله القائل:
أحب الصالحين ولست منهم وأرجو أن أنال بهم شفاعه
وأكره من سجيته المعاصي وإن كنا سواء في البضاعه
стр. 561
سبب الحديث عن الأخفياء
стр. 562
أولاً: الأسوة والاقتداء بالأخفياء
كان الحديث عن الأخفياء؛ لأنني ولربما لأنك أيضاً نظرت لحال أولئك الرجال الذين نسمع قصصهم بل ونرى آثارهم ومصنفاتهم، ونرى أنهم أحياء بذكرهم وبعلمهم وبنفعهم وإن كانوا في بطن الأرض أمواتاً بتلك الأجساد الطيبة الطاهرة فأسأل وتتساءل معي: ما هو السر في حياة أولئك الرجال؟! والسر هو توجه القلب كل القلب لله جل وعلا، توجهت قلوب أولئك الرجال فنالوا ما نالوا، ووصل سمعهم إلى عصرنا الحاضر، فكان القلب عمله وعلمه لله ، وكان حبه وبغضه، وقوله وفعله وحركاته وسكناته ودقه وجله وسره وعلانيته لله.
يوم أن كانت الآيات هي الشعارات التي تُرفع، والكلمات التي تتردد في القلب قبل اللسان وفي كل مكان، ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢] هكذا كانت الآيات ترفع فامتلأت بها القلوب أما اليوم؛ فتعال وانظر لحالنا -يا أخي الكريم- كأفراد، فقلوبنا شذر مذر، ونفوسنا عجب وكبر، وأفعالنا تزين وإظهار، وأقوالنا لربما كانت طلباً للاشتهار.
همومنا في الملذات، وحديثنا في الشهوات، وصدق ﷺ بقوله: (إن الله كره لكم ثلاثاً: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال) ، إلا من رحم الله منا.
وانظر لحالنا كأمة ذل ومهانة وهوان واحتقار، ولا داعي إلى أن أواصل الكلام عن حال هذه الأمة في هذا العصر، ولكني أسوق لك دليلاً قريباً: في شهر رمضان؛ ثلاث مذابح للمسلمين، مذبحة السوق في سراييفو، ومذبحة الإبراهيمي في فلسطين، ومذبحة في السودان! أكان يكون ذلك -يا أخي الحبيب- لو كانت القلوب متوجهة إلى الله بصدق؟! أقولها ثقة بالله : لا والله، لا يكون هذا الذل وهذا الاحتقار لهذه الأمة لو توجهت قلوب أصحابها وتوجهت قلوب المسلمين جميعا إلى الله جل وعلا:
رب وامعتصماه انطلقت ملء أفواه الصبايا اليتم
لامست أسماعهم لكنها لم تلامس نخوة المعتصم
إذاً فالسر في حياة أولئك هو: التوحيد لله.
وليس التوحيد قولاً فكلنا يقول: لا إله إلا الله، ولكنه التوحيد القلبي؛ يوم أن تكون الأفعال والأقوال وحركات القلب وسكناته كلها لله ، عرف هذا السر أولئك الأخفياء، فكانت الدنيا لهم والآخرة دارهم.
стр. 563
ثانياً: لأهمية الإخلاص وخطر الرياء
ثم أيضاً سبب آخر ومهم جداً للحديث عن الأخفياء -فيا أخي الحبيب ويا أختي المسلمة-: إن فقدت الأعمال والأقوال -أياً كان نوعها- خلوص النية لله جل وعلا؛ انتقلت من أفضل الطاعات إلى أحط المخالفات والعياذ بالله.
ألم تسمع! لذلك الحديث المفزع للقلوب؛ الذي كلما أراد أبو هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه أن يرويه لأصحابه وقع مغشياً عليه، يفعل ذلك ثلاث مرات أو أربع لهول ذلك الحديث المفزع: (أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة: قارئ القرآن، والمجاهد، والمتصدق بماله) ! أفضل الطاعات، وأفضل القربات إلى الله جل وعلا، يوم صرفت لغير الله أصبحت أحط المخالفات، بل أصبحت هي التي تقود أصحابها إلى النار والعياذ بالله.
وهذا الحديث لما سمعه معاوية ﵁ وأرضاه قال: [قد فعل بهؤلاء هذا، فكيف بمن بعدهم، أو فكيف بمن بقي من الناس؟! ثم بكى معاوية ﵁ وأرضاه بكاءً شديداً، يقول الراوي: حتى ظننا أنه هالك!] انظروا صحابة رسول الله يخشون على أنفسهم عندما يسمعون هذا الحديث، فماذا نقول نحن عن أنفسنا؟! يقول الراوي: حتى ظننا أنه هالك، ثم أفاق معاوية ومسح وجهه ودمعه بيده رضي الله تعالى عنه وقال: [صدق الله ورسوله، صدق الله ورسوله] ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥-١٦] .
لأنهم فعلوا ذلك ليقال: قارئ! وليقال: متصدق! وليقال: جريء! ولا شيء يحطم الأعمال مثل الرياء والتسميع، بأن يقول فلان: سمعت وعلمت وسألت وجئت وذهبت؛ مسمعاً للناس بأفعاله عياذاً بالله.
فالتزم رعاك الله! التخلص من كل الشوائب التي تشوب هذه النية، كحب الظهور، أو التفوق على الأقران، أو الوصول لأغراض وأعراض من جاه أو مال أو سمعة، أو طلب لمحمدة وثناء الناس، فإن هذه وأمثالها قاصمة للظهر متى شابت النية.
ولذلك كان النظر لحياة الأخفياء ولأحوالهم ومدارسة أمورهم من أعظم الأسباب للوصول إلى طريق المقسطين، جعلني الله وإياك منهم.
لأهمية الإخلاص، ولخطر الرياء، ولرجوع الناس إلى الله جل وعلا، ولكثرة أعمال البر والخير والدعوة إلى الله من الرجال والنساء بحد سواء، ولإقبال الناس عموماً على العبادات، وحرصهم على الخيرات -والحمد لله- مما نراه من الناس في هذه الفترة المتأخرة، كان لا بد من طرح هذا الموضوع لئلا تذهب هذه الأعمال والعبادات عليهم سدى من حيث لا يشعرون، وكان لزاماً أن نتحدث في مثل هذا الموضوع.
وقد كان أهل العلم يحبون أن يتخصص أناس للحديث عن النية وبيانها للناس، لذلك تكلمنا عن هذا الموضوع تذكيراً وتنبيهاً وتحذيراً لشدة الحاجة إليه.
стр. 564
الخفاء في الكتاب والسنة
الخفاء منهج شرعي، لذلك اسمع -أيها المحب- لقول الحق في الصدقة: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢٧١] فهو خير لكم! فهذه الآية كما يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى ظاهرة في تفضيل صدقة السر وإخفائها.
ويقول سبحانه: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:٥٥] .
ويقول المصطفى ﷺ في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، قال: (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما صنعت يمينه) انظر لدقة الخفاء في هذه الصدقة، فقد أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة، وقال أيضاً الحافظ ابن حجر: وهو من أقوى الأدلة على أفضلية إخفاء الصدقة.
وفي الحديث نفسه صورة أخرى يذكرها ﷺ : (ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه) .
ثم حديث الرجل الذي تصدق ليلاً على سارق وعلى زانية وعلى غني وهو لا يعلم بحالهم، والحديث أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة، ووجه الدلالة من هذا الحديث على أن الخفاء منهج شرعي، هو: أن الصدقة المذكورة وقعت بالليل، لقوله ﷺ في الحديث: (فأصبحوا يتحدثون) بل وقع في لفظ صريح كما في مسلم بقوله ﷺ على لسان الرجل: (لأتصدقن الليلة) فدل ذلك على أن صدقته كانت سراً في الليل، إذ لو كانت هذه الصدقة بالجهر نهاراً لما خفي عنه حال الغني، بخلاف حال الزانية والسارق، فالغني ظاهر حاله، فلذلك كانت الصدقة سراً في الليل.
وأيضاً حديث صلاة النافلة في البيوت، فمن حديث زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه وأرضاه أن النبي ﷺ قال: (صلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة) رواه النسائي وابن خزيمة في صحيحه وإسناده صحيح.
وروى الطبراني من حديث صهيب بن النعمان ﵁ قال: قال ﷺ : (فضل صلاة الرجل في بيته على صلاته حيث يراه الناس كفضل الفريضة على التطوع) .
انظر الشاهد: (حيث يراه الناس) ، إذاً فالاختفاء عن أعين الناس في صلاة النافلة لا شك أنه أفضل.
ومن حديث جندب بن عبد الله رضي الله تعالى عنه، كما أخرج البخاري ومسلم قال: قال النبي ﷺ : (من سمع سمع الله به، ومن يرائي يرائي الله به) .
ومن حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من سمع الناس بعمله سمع الله به مسامع خلقه وصغره وحقره) أخرجه أحمد في مسنده والطبراني والبيهقي وإسناده صحيح.
-الخفاء عند السلف: وذكر الذهبي في السير في ترجمة عبد الله بن داود الخريبي، أنه رضي الله تعالى عنه قال: كانوا يستحبون -أي: السلف الصالح - أن يكون للرجل خبيئة من عمل صالح لا تعلم به زوجته ولا غيرها!! وذكر الإمام وكيع بن الجراح في كتابه الزهد، والإمام هناد بن السري في كتاب الزهد أيضاً أن الزبير بن العوام قال: [من استطاع منكم أن يكون له خبء من عمل صالح فليفعل] .
وسنذكر بمشيئة الله صوراً عديدةً لحياة كثير من السلف تدل على أن هذا الأمر كان منهجاً لهم، وكانوا يحرصون عليه ويتمسكون به.
стр. 565
أزمان يستحب فيها إخفاء الأعمال
قد يقول قائل بعد سماع ما تقدم: وهل نخفي أعمالنا دائما فلا نظهر منها شيئاً أبداً؟! الإجابة على هذا السؤال يتفضل بها شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين عندما قال: فصل: قوله ولا مشاهداً لأحد فيكون متزيناً بالمراءاة.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: هذا فيه تفصيل أيضاً؛ وهو أن المشاهدة -والمشاهدة يقصد بها مشاهدة الناس لك أثناء العمل- فالعمل لغير الله نوعان: أولاً: مشاهدة تبعث عليه أو تقوي باعثه -تبعث على العمل أو تقوي هذا العمل- فهذه مراءاة خالصة أو مشوبة، كما أن المشاهدة القاطعة عنه أيضاً من الآفات والحجب، أي: كما أن المشاهدة التي تجعلك تقطع العمل بتاتاً أيضاً هي من الآفات والحجب.
ثم يقول: ومشاهدة -أي أخرى- لا تبعث عليه ولا تعين الباعث، بل لا فرق عنده -أي: صاحبها- بين وجودها وعدمها، لا يهمه يراه الناس أو لا يراه، فهذه لا تدخله في التزين والمراءاة، ولا سيما عند المصلحة الراجحة في المشاهدة إذا كان هناك مصلحة راجحة.
يقول ابن القيم: إما حفظاً ورعاية كمشاهدة مريض أو مشرف على هلكة يخاف وقوعه فيها، أو مشاهدة عدو يخاف هجومه كصلاة الخوف عند المواجهة، أو مشاهدة ناظر إليك يريد أن يتعلم منك فتكون محسناً إليه بالتعليم وإلى نفسك بالإخلاص، أو قصداً منك للاقتداء وتعريف الجاهل، فهذا رياء محمود، والله عند نية القلب وقصده.
ثم يقول رحمه الله تعالى: فالرياء المذموم أن يكون الباعث قصد التعظيم والمدح، والرغبة فيما عند من ترائيه، أو الرهبة منه، وأما ما ذكرنا من قصد رعايته أو تعليمه أو إظهار السنة وملاحظة هجوم العدو ونحو ذلك؛ فليس في هذه المشاهد رياء، بل قد يتصدق العبد رياءً وتكون صدقته فوق صدقة صاحب السر.
مثال ذلك يقول ابن القيم: رجل مضرور سأل قوماً ما هو محتاج إليه فعلم رجلٌ منهم أنه إن أعطاه سراً حيث لا يراه أحد لن يقتدي به أحد، ولم يحصل له سوى تلك العطية، وأنه إن أعطاه جهراً، اقتدي به واتبع، وأنف الحاضرون من تفرده عنهم بالعطية، فجهر له بالعطاء وكان الباعث له على الجهر إرادة سعة العطاء عليه من الحاضرين، فهذه مراءاة محمودة، حيث لم يكن الباعث عليها قصد التعظيم والثناء، وصاحبها جدير بأن يحصل له مثل أجور أولئك المعطين.
اهـ.
وينقل لنا الحافظ ابن حجر أيضاً في فتح الباري، لما تكلم عن صدقة الفرض وصدقة النفل، وهل الأفضل إعلانهما أو إخفاءهما، قال رحمه الله تعالى ينقل عن الزين بن المنير: لو قيل إن ذلك يختلف -أي الإخفاء أو الإظهار- باختلاف الأحوال لما كان بعيداً، فإذا كان الإمام مثلاً جائراً ومال من وجبت عليه -أي: الزكاة صدقة الفرض- مخفياً؛ فالإسرار أولى، وإن كان المتطوع ممن يقتدى به ويتبع وتنبعث الهمم على التطوع بالإنفاق وسلم قصده، فالإظهار أولى.
اهـ.
ومن هنا نعلم أنه ليس دائماً تخفى الأعمال، بل قد يظهر الإنسان أعماله لمصلحة راجحة كما ذكر ذلك ابن القيم رحمه الله تعالى.
следующие страницы →