Полный текст (623 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
سبب الحديث عن الأخفياء
стр. 562
أولاً: الأسوة والاقتداء بالأخفياء
كان الحديث عن الأخفياء؛ لأنني ولربما لأنك أيضاً نظرت لحال أولئك الرجال الذين نسمع قصصهم بل ونرى آثارهم ومصنفاتهم، ونرى أنهم أحياء بذكرهم وبعلمهم وبنفعهم وإن كانوا في بطن الأرض أمواتاً بتلك الأجساد الطيبة الطاهرة فأسأل وتتساءل معي: ما هو السر في حياة أولئك الرجال؟! والسر هو توجه القلب كل القلب لله جل وعلا، توجهت قلوب أولئك الرجال فنالوا ما نالوا، ووصل سمعهم إلى عصرنا الحاضر، فكان القلب عمله وعلمه لله ، وكان حبه وبغضه، وقوله وفعله وحركاته وسكناته ودقه وجله وسره وعلانيته لله.
يوم أن كانت الآيات هي الشعارات التي تُرفع، والكلمات التي تتردد في القلب قبل اللسان وفي كل مكان، ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢] هكذا كانت الآيات ترفع فامتلأت بها القلوب أما اليوم؛ فتعال وانظر لحالنا -يا أخي الكريم- كأفراد، فقلوبنا شذر مذر، ونفوسنا عجب وكبر، وأفعالنا تزين وإظهار، وأقوالنا لربما كانت طلباً للاشتهار.
همومنا في الملذات، وحديثنا في الشهوات، وصدق ﷺ بقوله: (إن الله كره لكم ثلاثاً: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال) ، إلا من رحم الله منا.
وانظر لحالنا كأمة ذل ومهانة وهوان واحتقار، ولا داعي إلى أن أواصل الكلام عن حال هذه الأمة في هذا العصر، ولكني أسوق لك دليلاً قريباً: في شهر رمضان؛ ثلاث مذابح للمسلمين، مذبحة السوق في سراييفو، ومذبحة الإبراهيمي في فلسطين، ومذبحة في السودان! أكان يكون ذلك -يا أخي الحبيب- لو كانت القلوب متوجهة إلى الله بصدق؟! أقولها ثقة بالله : لا والله، لا يكون هذا الذل وهذا الاحتقار لهذه الأمة لو توجهت قلوب أصحابها وتوجهت قلوب المسلمين جميعا إلى الله جل وعلا:
رب وامعتصماه انطلقت ملء أفواه الصبايا اليتم
لامست أسماعهم لكنها لم تلامس نخوة المعتصم
إذاً فالسر في حياة أولئك هو: التوحيد لله.
وليس التوحيد قولاً فكلنا يقول: لا إله إلا الله، ولكنه التوحيد القلبي؛ يوم أن تكون الأفعال والأقوال وحركات القلب وسكناته كلها لله ، عرف هذا السر أولئك الأخفياء، فكانت الدنيا لهم والآخرة دارهم.
стр. 563
ثانياً: لأهمية الإخلاص وخطر الرياء
ثم أيضاً سبب آخر ومهم جداً للحديث عن الأخفياء -فيا أخي الحبيب ويا أختي المسلمة-: إن فقدت الأعمال والأقوال -أياً كان نوعها- خلوص النية لله جل وعلا؛ انتقلت من أفضل الطاعات إلى أحط المخالفات والعياذ بالله.
ألم تسمع! لذلك الحديث المفزع للقلوب؛ الذي كلما أراد أبو هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه أن يرويه لأصحابه وقع مغشياً عليه، يفعل ذلك ثلاث مرات أو أربع لهول ذلك الحديث المفزع: (أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة: قارئ القرآن، والمجاهد، والمتصدق بماله) ! أفضل الطاعات، وأفضل القربات إلى الله جل وعلا، يوم صرفت لغير الله أصبحت أحط المخالفات، بل أصبحت هي التي تقود أصحابها إلى النار والعياذ بالله.
وهذا الحديث لما سمعه معاوية ﵁ وأرضاه قال: [قد فعل بهؤلاء هذا، فكيف بمن بعدهم، أو فكيف بمن بقي من الناس؟! ثم بكى معاوية ﵁ وأرضاه بكاءً شديداً، يقول الراوي: حتى ظننا أنه هالك!] انظروا صحابة رسول الله يخشون على أنفسهم عندما يسمعون هذا الحديث، فماذا نقول نحن عن أنفسنا؟! يقول الراوي: حتى ظننا أنه هالك، ثم أفاق معاوية ومسح وجهه ودمعه بيده رضي الله تعالى عنه وقال: [صدق الله ورسوله، صدق الله ورسوله] ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥-١٦] .
لأنهم فعلوا ذلك ليقال: قارئ! وليقال: متصدق! وليقال: جريء! ولا شيء يحطم الأعمال مثل الرياء والتسميع، بأن يقول فلان: سمعت وعلمت وسألت وجئت وذهبت؛ مسمعاً للناس بأفعاله عياذاً بالله.
فالتزم رعاك الله! التخلص من كل الشوائب التي تشوب هذه النية، كحب الظهور، أو التفوق على الأقران، أو الوصول لأغراض وأعراض من جاه أو مال أو سمعة، أو طلب لمحمدة وثناء الناس، فإن هذه وأمثالها قاصمة للظهر متى شابت النية.
ولذلك كان النظر لحياة الأخفياء ولأحوالهم ومدارسة أمورهم من أعظم الأسباب للوصول إلى طريق المقسطين، جعلني الله وإياك منهم.
لأهمية الإخلاص، ولخطر الرياء، ولرجوع الناس إلى الله جل وعلا، ولكثرة أعمال البر والخير والدعوة إلى الله من الرجال والنساء بحد سواء، ولإقبال الناس عموماً على العبادات، وحرصهم على الخيرات -والحمد لله- مما نراه من الناس في هذه الفترة المتأخرة، كان لا بد من طرح هذا الموضوع لئلا تذهب هذه الأعمال والعبادات عليهم سدى من حيث لا يشعرون، وكان لزاماً أن نتحدث في مثل هذا الموضوع.
وقد كان أهل العلم يحبون أن يتخصص أناس للحديث عن النية وبيانها للناس، لذلك تكلمنا عن هذا الموضوع تذكيراً وتنبيهاً وتحذيراً لشدة الحاجة إليه.
стр. 564
الخفاء في الكتاب والسنة
الخفاء منهج شرعي، لذلك اسمع -أيها المحب- لقول الحق في الصدقة: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢٧١] فهو خير لكم! فهذه الآية كما يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى ظاهرة في تفضيل صدقة السر وإخفائها.
ويقول سبحانه: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:٥٥] .
ويقول المصطفى ﷺ في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، قال: (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما صنعت يمينه) انظر لدقة الخفاء في هذه الصدقة، فقد أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة، وقال أيضاً الحافظ ابن حجر: وهو من أقوى الأدلة على أفضلية إخفاء الصدقة.
وفي الحديث نفسه صورة أخرى يذكرها ﷺ : (ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه) .
ثم حديث الرجل الذي تصدق ليلاً على سارق وعلى زانية وعلى غني وهو لا يعلم بحالهم، والحديث أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة، ووجه الدلالة من هذا الحديث على أن الخفاء منهج شرعي، هو: أن الصدقة المذكورة وقعت بالليل، لقوله ﷺ في الحديث: (فأصبحوا يتحدثون) بل وقع في لفظ صريح كما في مسلم بقوله ﷺ على لسان الرجل: (لأتصدقن الليلة) فدل ذلك على أن صدقته كانت سراً في الليل، إذ لو كانت هذه الصدقة بالجهر نهاراً لما خفي عنه حال الغني، بخلاف حال الزانية والسارق، فالغني ظاهر حاله، فلذلك كانت الصدقة سراً في الليل.
وأيضاً حديث صلاة النافلة في البيوت، فمن حديث زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه وأرضاه أن النبي ﷺ قال: (صلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة) رواه النسائي وابن خزيمة في صحيحه وإسناده صحيح.
وروى الطبراني من حديث صهيب بن النعمان ﵁ قال: قال ﷺ : (فضل صلاة الرجل في بيته على صلاته حيث يراه الناس كفضل الفريضة على التطوع) .
انظر الشاهد: (حيث يراه الناس) ، إذاً فالاختفاء عن أعين الناس في صلاة النافلة لا شك أنه أفضل.
ومن حديث جندب بن عبد الله رضي الله تعالى عنه، كما أخرج البخاري ومسلم قال: قال النبي ﷺ : (من سمع سمع الله به، ومن يرائي يرائي الله به) .
ومن حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من سمع الناس بعمله سمع الله به مسامع خلقه وصغره وحقره) أخرجه أحمد في مسنده والطبراني والبيهقي وإسناده صحيح.
-الخفاء عند السلف: وذكر الذهبي في السير في ترجمة عبد الله بن داود الخريبي، أنه رضي الله تعالى عنه قال: كانوا يستحبون -أي: السلف الصالح - أن يكون للرجل خبيئة من عمل صالح لا تعلم به زوجته ولا غيرها!! وذكر الإمام وكيع بن الجراح في كتابه الزهد، والإمام هناد بن السري في كتاب الزهد أيضاً أن الزبير بن العوام قال: [من استطاع منكم أن يكون له خبء من عمل صالح فليفعل] .
وسنذكر بمشيئة الله صوراً عديدةً لحياة كثير من السلف تدل على أن هذا الأمر كان منهجاً لهم، وكانوا يحرصون عليه ويتمسكون به.
стр. 565
أزمان يستحب فيها إخفاء الأعمال
قد يقول قائل بعد سماع ما تقدم: وهل نخفي أعمالنا دائما فلا نظهر منها شيئاً أبداً؟! الإجابة على هذا السؤال يتفضل بها شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين عندما قال: فصل: قوله ولا مشاهداً لأحد فيكون متزيناً بالمراءاة.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: هذا فيه تفصيل أيضاً؛ وهو أن المشاهدة -والمشاهدة يقصد بها مشاهدة الناس لك أثناء العمل- فالعمل لغير الله نوعان: أولاً: مشاهدة تبعث عليه أو تقوي باعثه -تبعث على العمل أو تقوي هذا العمل- فهذه مراءاة خالصة أو مشوبة، كما أن المشاهدة القاطعة عنه أيضاً من الآفات والحجب، أي: كما أن المشاهدة التي تجعلك تقطع العمل بتاتاً أيضاً هي من الآفات والحجب.
ثم يقول: ومشاهدة -أي أخرى- لا تبعث عليه ولا تعين الباعث، بل لا فرق عنده -أي: صاحبها- بين وجودها وعدمها، لا يهمه يراه الناس أو لا يراه، فهذه لا تدخله في التزين والمراءاة، ولا سيما عند المصلحة الراجحة في المشاهدة إذا كان هناك مصلحة راجحة.
يقول ابن القيم: إما حفظاً ورعاية كمشاهدة مريض أو مشرف على هلكة يخاف وقوعه فيها، أو مشاهدة عدو يخاف هجومه كصلاة الخوف عند المواجهة، أو مشاهدة ناظر إليك يريد أن يتعلم منك فتكون محسناً إليه بالتعليم وإلى نفسك بالإخلاص، أو قصداً منك للاقتداء وتعريف الجاهل، فهذا رياء محمود، والله عند نية القلب وقصده.
ثم يقول رحمه الله تعالى: فالرياء المذموم أن يكون الباعث قصد التعظيم والمدح، والرغبة فيما عند من ترائيه، أو الرهبة منه، وأما ما ذكرنا من قصد رعايته أو تعليمه أو إظهار السنة وملاحظة هجوم العدو ونحو ذلك؛ فليس في هذه المشاهد رياء، بل قد يتصدق العبد رياءً وتكون صدقته فوق صدقة صاحب السر.
مثال ذلك يقول ابن القيم: رجل مضرور سأل قوماً ما هو محتاج إليه فعلم رجلٌ منهم أنه إن أعطاه سراً حيث لا يراه أحد لن يقتدي به أحد، ولم يحصل له سوى تلك العطية، وأنه إن أعطاه جهراً، اقتدي به واتبع، وأنف الحاضرون من تفرده عنهم بالعطية، فجهر له بالعطاء وكان الباعث له على الجهر إرادة سعة العطاء عليه من الحاضرين، فهذه مراءاة محمودة، حيث لم يكن الباعث عليها قصد التعظيم والثناء، وصاحبها جدير بأن يحصل له مثل أجور أولئك المعطين.
اهـ.
وينقل لنا الحافظ ابن حجر أيضاً في فتح الباري، لما تكلم عن صدقة الفرض وصدقة النفل، وهل الأفضل إعلانهما أو إخفاءهما، قال رحمه الله تعالى ينقل عن الزين بن المنير: لو قيل إن ذلك يختلف -أي الإخفاء أو الإظهار- باختلاف الأحوال لما كان بعيداً، فإذا كان الإمام مثلاً جائراً ومال من وجبت عليه -أي: الزكاة صدقة الفرض- مخفياً؛ فالإسرار أولى، وإن كان المتطوع ممن يقتدى به ويتبع وتنبعث الهمم على التطوع بالإنفاق وسلم قصده، فالإظهار أولى.
اهـ.
ومن هنا نعلم أنه ليس دائماً تخفى الأعمال، بل قد يظهر الإنسان أعماله لمصلحة راجحة كما ذكر ذلك ابن القيم رحمه الله تعالى.
стр. 566
أخفياء ولكن !
يكثر في هذا الزمن الأخفياء، ولكنهم أخفياء من نوع آخر، أخفياء يختفون عن أعين الناس، ويحرصون كل الحرص ألا يطلع أحد من الناس على أعمالهم.
هؤلاء الأخفياء هم الذين أخبر عنهم النبي ﷺ بقوله: (لأعلمن أقواماً من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاً، فيجعلها الله هباءً منثوراً) نعوذ بالله! يقول راوي الحديث ثوبان رضي الله تعالى عنه: (يا رسول الله، صفهم لنا، جلهم لنا، ألا نكون منهم ونحن لا نعلم!) .
اسمع ثوبان الصحابي الجليل هو الذي يقول: (ألا نكون منهم ونحن لا نعلم) !! فرحمك الله يا ثوبان ورضي الله تعالى عنك! قال النبي ﷺ : (أما إنهم إخوانكم، ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها) .
أخرجه ابن ماجة من حديث ثوبان بسند صحيح.
وأخفياء من نوع آخر، وهم المقصرون الفاترون، أهل الخمول والكسل، فلو أنك نصحت أحدهم وصارحته بحاله وسألته عن أعماله، فقلت له مثلاً: ماذا حفظت من القرآن؟! وهل تحرص على صيام النوافل أم لا؟! أنت تريد الخير بنصحه وتريد مكاشفته بحاله حتى يرى حاله على حقيقتها، فتسأله هذه الأسئلة ليجيب هو على نفسه، وتقول له: ماذا قدمت للإسلام؟! وهل تنكر المنكرات؟! وهل وهل إلى غيرها من الأسئلة التي تبين حقيقته أمام نفسه؛ لأجابك هذا الشخص بقوله: هذا بيني وبين الله!! وهل كل عمل أعمله لا بد أن أطلعك عليه؟؟!! انظر هو الآن يظهر لنا الإخلاص، لكنه يخفي الحقيقة ما هي الحقيقة؟! أنه قصّر في أعماله وأنه قد لا يكون عنده شيء، ولا حفظ من القرآن شيئاً وإن حفظ فالقليل، قد لا يكون قدم للإسلام شيئاً وإن قدم فالقليل القليل، وهو يستحي أن يصارح الآخرين بهذه الأعمال التي هي لا شيء حقيقة، فبالتالي لا يملك حتى يبرئ ساحته في هذه اللحظة إلا أن يقول لك: هذا بيني وبين الله، وهل كل عمل أعمله لا بد أن تطلع عليه؟!! فانظر كيف وقع هذا المسكين، أظهر لنا الإخلاص وأخفى حقيقة النفس وتقصيرها، فوقع في الرياء من حيث لا يشعر، وما أكثر أولئك وللأسف، وهذا لا شك خداع للنفس، وتشبع بما لم يعط، وهكذا التصنع والتزين والتظاهر.
أما الحقيقة التي أخفاها اليوم فإنه لا يستطيع أبداً أن يخفيها ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨] فنعوذ بالله من حالهم، ونستغفر الله لحالنا.
ويقول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، واسمع لكلام المحدث الملهم رضي الله تعالى عنه وأرضاه، يقول: [فمن خلصت نيته في الحق ولو على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزين بما ليس فيه شانه الله] .
ذكر ذلك ابن القيم في إعلام الموقعين.
стр. 567
عقبات في طريق الأخفياء
وانتبه لهذه العقبات! والعقبات في طريق الأخفياء -يا أخي الحبيب ويا أختي المسلمة- كثيرةٌ جداً.
فالحديث عن الرياء والعجب وغيرهما مما ينافي الإخلاص طويلٌ جداً، ولكني أسوق هنا عقبتين من هذه العقبات للاختصار:
стр. 568
العقبة الأولى: الرياء الخفي
هو ما ذكره أبو حامد الغزالي في كتابه الإحياء رحمه الله تعالى، حيث قال أثناء ذكره للرياء الخفي، قال: (وأخفى من ذلك أن يختفي العامل بطاعته بحيث لا يريد الاطلاع عليه، ولكنه مع ذلك إذا رأى الناس أحب أن يبدءوه بالسلام وأن يقابلوه بالبشاشة والتوقير، وأن يثنوا عليه وأن ينشطوا في قضاء حوائجه، وأن يسامحوه في البيع والشراء، وأن يوسعوا له في المكان، فإن قصر مقصر ثقل ذلك على قلبه ووجد لذلك استبعاداً في نفسه، كأنه يتقاضى الاحترام مع الطاعة التي أخفاها، كأنه يريد ثمن هذا السر الذي بينه وبين الله احترام الناس، وهو لم يظهر العمل والعمل خفي بينه وبين ربه، ولكنه -يريد مادام أنه عمل- نظر لنفسه فيريد أن يكسب هذه الأمور من الناس، فإن قصر الناس في هذه الأمور، إذن استبعد نفسه ونظر لحاله، ولو لم يكن قد سبق منه تلك الطاعة لما كان يستبعد تقصير الناس في حقه إلى آخر كلامه.
стр. 569
العقبة الثانية: ذم النفس عند الناس
صورة أخرى من العقبات في طريق الأخفياء، وهي ما أشار إليها ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه شرح حديث ما ذئبان جائعان قال: وهنا نكتة دقيقة، وهي: أن الإنسان قد يذم نفسه بين الناس يريد بذلك أن يرى الناس أنه متواضع عند نفسه، فيرتفع بذلك عندهم ويمدحونه به، وهذا من دقائق أبواب الرياء، وقد نبه عليه السلف الصالح، قال مطرف بن عبد الله بن الشخير: [كفى بالنفس إطراء أن تذمها على الملأ كأنك تريد بذمها زينتها، وذلك عند الله سفه!] .
стр. 570
الضابط الصحيح للإخلاص والرياء
ما هو المعيار في الإخلاص والمعيار في الرياء؟! ولا بد أن ننتبه لهذا الأمر، ولعلكم تتساءلون، فالقضية حساسة وقد تصيب النفس بالخواطر والهواجس، وقد ينشغل الإنسان لملاحظة نفسه في هذا الباب! إذاً ما هو المعيار والميزان الدقيق والضابط الصحيح في معرفة أنني مخلص أو غير مخلص؟! - استواء الظاهر والباطن:- ذكر ذلك أهل العلم، فبينوا أن الضابط في الإخلاص هو: استواء أعمال العبد في الظاهر والباطن.
أي: أن تستوي أعمالك في ظاهرك وباطنك، هذا معيار الإخلاص.
وأما الضابط في الرياء هو: أن يكون ظاهرك خيرٌ من باطنك.
وأما صدق الإخلاص: أن يكون الباطن خيرٌ من الظاهر، ليست القضية أن يستوي الظاهر والباطن، فهذا هو الإخلاص.
- ترك العمل خوفاً من الرياء أمام الناس:- وهنا تنبيه هام جداً لا بد أن ننتبه له عند الحديث أو الكلام عن الإخلاص أو الرياء كما ذكرت، لأنه مسلك شائك، ولا ينبغي للإنسان أن يترك كثيراً من أعمال الخير بحجة الخوف من الرياء.
انتبه يا أخي الحبيب! وانتبهي أيتها الأخت المسلمة! لا ينبغي لكَ ولا ينبغي لكِ أن تترك كثيراً من الأعمال بحجة الخوف من الرياء، أو حتى أن تفتح على نفسك باب الهواجس والوساوس فيقع الإنسان فريسة لهذا الأمر، فيدخل الشيطان على القلب فيصبح الإنسان دائماً في وساوس وهواجس حول هذا الباب.
ولذلك اسمع للإمام النووي رحمه الله تعالى، وهو يقول كلاماً جميلاً جداً حول هذا الأمر المهم في كتاب الأذكار: فصل: الذكر يكون بالقلب ويكون باللسان، والأفضل منه ما كان بالقلب واللسان جميعاً، فإن اقتصر على أحدهما فالقلب أفضل، ثم لا ينبغي أن يترك الذكر باللسان مع القلب خوفاً من أن يظن به الرياء، بل يذكر بهما جميعاً، ويقصد به وجه الله تعالى، وقد قدمنا عن الفضيل رحمه الله تعالى: أن ترك العمل لأجل الناس رياء، ولو فتح الإنسان عليه باب ملاحظة الناس والاحتراز من تطرق ظنونهم الباطلة لانسد عليه أكثر أبواب الخير، وضيع على نفسه شيئاً عظيماً من مهمات الدين، وليس هذا طريقة العارفين.
انتهى كلامه رحمه الله تعالى، وهو كلامٌ نفيسٌ جداً.
واسمع لكلام ابن تيمية ﵀ عندما يقول: ومن كان له ورد مشروع من صلاة الضحى أو قيام ليل أو غير ذلك، فإنه يصليه حيث كان، ولا ينبغي له أن يدع ورده المشروع لأجل كونه بين الناس إذا علم الله من قلبه أنه يفعله سراً لله، مع اجتهاده في سلامته من الرياء ومفسدات الإخلاص.
وبعض الناس يدخل على بعض الناس من باب أن ينهاه عن أمر لا يفعله أمام الناس.
لماذا؟! يقول: خشية الرياء! يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى: ومن نهى عن أمر مشروع بمجرد زعمه أن ذلك رياء، فنهيه مردود عليه من وجوه: الأول: أن الأعمال المشروعة لا ينهى عنها خوفاً من الرياء، بل يؤمر بها وبالإخلاص فيها، فالفساد في ترك إظهار المشروع أعظم من الفساد في إظهاره رياءً.
الثاني: أن الإنكار إنما يقع على ما أنكرته الشريعة، وقد قال رسول الله ﷺ : (إني لم أومر أن أنقب قلوب الناس ولا أن أشق بطونهم) .
الثالث: أن تسويغ مثل هذا يفضي إلى أن أهل الشرك والفساد ينكرون على أهل الخير والدين، فإذا رأوا من يظهر أمراً مشروعاً قالوا: هذا مراءٍ!! فيترك أهل الصدق إظهار الأمور المشروعة حذراً من لمزهم، فيتعطل الخير.
الرابع: أن مثل هذا -يعني إنكار الناس على عمل مشروع بحجة أنه رياء- من شعائر المنافقين، وهو الطعن على من يظهر الأعمال المشروعة، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة:٧٩] .
انتهى كلامه مختصراً من الفتاوى.
стр. 571
صور من حياة الأخفياء
نأتي الآن وبعد هذا المشوار للب هذا الدرس، وهو صور من حياة الأخفياء.
وأسوق إليكم -أيها الأحبة- هذه الكوكبة والمواقف والأحداث في حياة أولئك الأخفياء، وهي مليئة بالدروس والعبر لمن تفكر وتدبر ونظر، فسير الصالحين المخلصين مدرسة تخرج الرجال والأجيال، ولعلي أكتفي بسرد هذه الصور، أولاً: طلبا للاختصار، وثانياً: حتى لا أقطع عليك لذة هذه المواقف والعيش معها برفعة إيمان وسمو روح ورقة في القلب، فاسمع لهذه القصص ولهذه الأحداث:
стр. 572
الأخفياء وحالهم مع الصدقة على الفقراء والمساكين
- أمير المؤمنين عمر في ظلمة الليل: خرج عمر بن الخطاب يوماً في سواد الليل وحيداً حتى لا يراه أحد، ودخل بيتاً، ثم دخل بيتاً آخر، ورآه رجل لم يعلم عمر أن هذا الرجل رآه، رآه طلحة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فظن أن في الأمر شيئاً، أوجس طلحة في نفسه، لماذا دخل عمر هذا البيت؟! ولماذا وحده؟! ولماذا في الليل؟! ولماذا يتسلل؟! ولماذا لا يريد أن يراه أحد؟! ارتاب طلحة في الأمر، والأمر عند طلحة يدعو للريبة.
ولما كان الصباح، ذهب طلحة فدخل ذلك البيت، فلم يجد إلا عجوزاً عمياء مقعدة، فسألها: ما بال هذا الرجل يأتيك؟! وكانت المرأة لا تعرف أن الرجل الذي يأتيها هو عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، قالت العجوز العمياء المقعدة: إنه يتعاهدني منذ كذا وكذا بما يصلحني ويخرج الأذى عن بيتي.
أي يكنس بيتها ويقوم بحالها ويرعاها عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
ولا نعجب! لا نعجب أن رئيس الدولة وأمير المؤمنين عمر بن الخطاب يفعل ذلك، فكم من المرات فعل ذلك عمر رضي الله تعالى عنه، فهذه المواقف ليست عجباً في حياة عمر، ولكننا نعجب من شدة إخفاء عمر لهذا العمل حتى لا يراه أحد، وفي الليل، في سواد الليل، ويمشي لواذاً خشية أن يراه أحد فيفسد عليه عمله الذي هو سر بينه وبين الله.
- زين العابدين وصدقة السر:- ومثل ذلك سار عليه أيضاً زين العابدين رضي الله تعالى عنه وأرضاه، علي بن الحسين، فقد ذكر الذهبي في السير وابن الجوزي في صفة الصفوة: أن علي بن الحسين كان يحمل جراب الخبز على ظهره بالليل، فيتصدق به ويقول: (إن صدقة السر تطفئ غضب الرب .
وهذا الحديث مرفوع إلى النبي ﷺ من طرق كثيرة لا تخلو أسانيدها من مقال، ولكنها بمجموع الطرق صحيحة، وقد صحح ذلك الألباني ﵀ في الصحيحة.
وعن عمرو بن ثابت قال: لما مات علي بن الحسين فغسلوه، جعلوا ينظرون إلى آثار سواد في ظهره، فقالوا: ما هذا؟! قالوا: كان يحمل جرب الدقيق -يعني: أكياس الدقيق- ليلاً على ظهره يعطيه فقراء أهل المدينة.
وذكر ابن عائشة قال: قال أبي: سمعت أهل المدينة يقولون: ما فقدنا صدقة السر حتى مات علي بن الحسين رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
- ابن المبارك يفك أسر صاحبه:- وعن محمد بن عيسى قال: كان عبد الله بن المبارك كثير الاختلاف إلى طرسوس، وكان ينزل الرقة في خان -يعني في فندق- فكان شاب يختلف إليه ويقوم بحوائجه ويسمع منه الحديث، قال: فقدم عبد الله الرقة مرة فلم ير ذلك الشاب، وكان مستعجلاً -أي عبد الله بن المبارك - فخرج في النفير -أي: في الجهاد- فلما قفل من غزوته ورجع إلى الرقة سأل عن الشاب فقالوا: إنه محبوس لدين ركبه، فقال عبد الله: وكم مبلغ دينه؟ فقالوا: عشرة آلاف درهم، فلم يزل يستقصي حتى دل على صاحب المال فدعا به ليلاً ووزن له عشرة آلاف درهم وحلفه أن لا يخبر أحداً ما دام عبد الله حياً، وقال: إذا أصبحت فأخرج الرجل من الحبس، وأدلج عبد الله -أي: سار في آخر الليل- وأخرج الفتى من الحبس، وقيل له: عبد الله بن المبارك كان هاهنا وكان يذكرك وقد خرج، فخرج الفتى في أثره فلحقه على مرحلتين أو ثلاث من الرقة، فقال عبد الله بن المبارك للفتى: أين كنت؟! لم أرك في الخان! -انظر عبد الله يتصانع ﵁ أنه ما علم عن حال الفتى- قال: نعم.
يا أبا عبد الرحمن! كنت محبوساً بدين، قال: وكيف كان سبب خلاصك؟! قال: جاء رجل وقضى ديني ولم أعلم به حتى أخرجت من الحبس، فقال له عبد الله: يا فتى! احمد الله على ما وفق لك من قضاء دينك.
فلم يخبر ذلك الرجل أحداً إلا بعد موت عبد الله.
стр. 573
الأخفياء وحالهم مع العبادة
- الأخفياء والصلاة ففي الصلاة مثلا: قالت امرأة حسان بن سنان: كان يجيء فيدخل معي فراشي ثم يخادعني كما تخادع المرأة صبيها، فإذا علم أني نمت، سل نفسه فخرج ثم يقوم يصلي، قالت: فقلت له: يا أبا عبد الله! كم تعذب نفسك، ارفق بنفسك! فقال: اسكتي ويحك! فيوشك أن أرقد رقدة لا أقوم منها زماناً.
وعن بكر بن ماعز قال: ما رئي الربيع متطوعاً في مسجد قومه قط إلا مرة واحدة.
- الأخفياء والصيام وفي الصيام: من أعجب المواقف ما ذكره الذهبي في السير قال: قال الفلاس: سمعت ابن أبي عدي يقول: صام داود بن أبي هند أربعين سنة لا يعلم به أهله، كان خزازاً يحمل معه غداءه فيتصدق به في الطريق.
وكان بعضهم إذا أصبح صائماً ادهن ومسح شفتيه من دهنه حتى ينظر إليه الناظر فلا يرى أنه صائم.
- الأخفياء وقراءة القرآن وفي قراءة القرآن: ذكر ابن الجوزي في صفة الصفوة عن سفيان قال: أخبرتني امرأة الربيع بن خثيم قالت: كان عمل الربيع كله سراً، إن كان ليجيء الرجل وقد نشر المصحف فيغطيه بثوبه.
أي: إذا قدم الرجل على الربيع قام الربيع فغطى المصحف بثوبه حتى لا يرى الرجل أنه يقرأ القرآن.
стр. 574
الأخفياء والبكاء من خشية الله
قال محمد بن واسع: لقد أدركت رجالاً كان الرجل يكون رأسه على رأس امرأته على وسادة واحدة قد بل ما تحت خده من دموعه لا تشعر به امرأته.
ويقول رحمه الله تعالى: إن كان الرجل ليبكي عشرين سنة وامرأته معه لا تعلم، ولقد أدركت رجالاً يقوم أحدهم في الصف فتسيل دموعه على خده ولا يشعر به الذي إلى جنبه! وذكر الذهبي في السير عن حماد بن زيد رضي الله تعالى عنه ورحمه قال: كان أيوب السختياني في مجلس فجاءته عبرة، فجعل يمتخط ويقول: ما أشد الزكام! يظهر رحمه الله تعالى أنه مزكوم لإخفاء البكاء.
هكذا كان حرصهم على هذه الصفة، صفة الخفاء في الأعمال، تلك الصفة التي عشقوها رحمهم الله تعالى، فإذا فشل أحدهم في إخفاء دمعته أو بكائه أو اصطناع المرض لإخفاء هذه الدمعة؛ كان يقوم من مجلسه مباشرة خشية أن يكشف أمره، ذكر ذلك الإمام أحمد في كتابه الزهد يوم قال: إن كان الرجل ليجلس المجلس فتجيئه عبرته فيردها، فإذا خشي أن تسبقه قام.
стр. 575
قمة الخفاء عند السلف
واسمع لهذه القصة العجيبة الغريبة، ووالله لقد أدهشتني هذه القصة -واسمع لها يا أخي الحبيب- وهي قصة طويلة، فسر مع أحداثها وفصولها، وقد ذكر هذه القصة ابن الجوزي في صفة الصفوة، وذكرها أيضاً الذهبي في سير أعلام النبلاء، عن محمد بن المنكدر وفي ترجمته قال -أي محمد بن المنكدر -: كانت لي سارية في مسجد رسول الله ﷺ أجلس أصلي إليها الليل، فقحط أهل المدينة سنة فخرجوا يستسقون فلم يسقوا، فلما كان من الليل صليت عشاء الآخرة في مسجد رسول الله ﷺ ، ثم جئت فتساندت إلى ساريتي، فجاء رجل أسود تعلوه صفرة متزر بكساء، وعلى رقبته كساء أصغر منه، فتقدم إلى السارية التي بين يدي وكنت خلفه، فقام فصلى ركعتين ثم جلس فقال: أي رب أي رب! خرج أهل حرم نبيك يستسقون فلم تسقهم، فأنا أقسم عليك لما سقيتهم -يعني إلا أن تسقيهم- يقول ابن المنكدر: فقلت: مجنون! قال: فما وضع يده حتى سمعت الرعد، ثم جاءت السماء بشيء من المطر أهمني الرجوع إلى أهلي -يعني: من كثرة المطر- فلما سمع المطر حمد الله بمحامد لم أسمع بمثلها قط، قال: ثم قال: ومن أنا وما أنا حيث استجبت لي ولكن عذت بحمدك وبطولك.
ثم قام فتوشح بكسائه الذي كان متزراً به، وألقى الكساء الآخر الذي كان على ظهره في رجليه، ثم قام فلم يزل قائماً يصلي حتى إذا أحس الصبح سجد وأوتر وصلى ركعتي الصبح ثم أقيمت صلاة الصبح فدخل في الصلاة مع الناس ودخلت معه، فلما سلم الإمام قام فخرج وخرجت خلفه حتى انتهى إلى باب.
فلما كانت الليلة الثانية صليت العشاء في مسجد رسول الله ثم جئت إلى ساريتي فتوسدت إليها، وجاء فقام فتوشح بكسائه وألقى الكساء الآخر الذي كان على ظهره في رجليه وقام يصلي، فلم يزل قائماً حتى إذا خشي الصبح سجد ثم أوتر ثم صلى ركعتي الفجر وأقيمت الصلاة فدخل مع الناس في الصلاة ودخلت معه، فلما سلم الإمام خرج من المسجد وخرجت خلفه، فجعل يمشي وأتبعه حتى دخل داراً عرفتها من دور المدينة، ورجعت إلى المسجد.
فلما طلعت الشمس وصليت؛ خرجت حتى أتيتُ الدار فإذا أنا به قاعد يخرز، وإذا هو إسكاف -يعني: يرقع الأحذية- فلما رآني عرفني وقال: أبا عبد الله مرحباً، ألك حاجة؟ تريد أن أعمل لك خفاً؟ فجلست فقلت: ألست صاحبي بارحة الأولى؟! فاسود وجهه وصاح بي وقال: ابن المنكدر ما أنت وذاك؟! قال: وغضب ففرقت والله منه -أي خفت والله من غضبه- وقلت أخرج من عنده الآن، فلما كانت الليلة الثالثة صليت العشاء الآخرة في مسجد رسول الله ﷺ ، ثم أتيت ساريتي فتساندت إليها فلم يجئ، فقلت: إنا لله ما صنعت! إنا لله ما صنعت! فلما أصبحت جلست في المسجد حتى طلعت الشمس، ثم خرجت حتى أتيت الدار التي كان فيها فإذا باب البيت مفتوح، وإذا ليس في البيت شيء، فقال لي أهل الدار: يا أبا عبد الله ما كان بينك وبين هذا أمس؟! قلت: ما له؟ قالوا: لما خرجت من عنده أمس بسط كساءه في وسط البيت ثم لم يدع في بيته جلداً ولا قالباً إلا وضعه في كسائه، ثم حمله ثم خرج فلم ندر أين ذهب، يقول ابن المنكدر: فما تركت في المدينة داراً أعلمها إلا طلبته فيها فلم أجده ﵀.
خشية أن يفتضح عمله ولأجل أنه عرف خرج من المدينة كلها، فهو يريد أن يكون السر بينه وبين الله.
يا أخي الحبيب ويا أختي المسلمة! أترك لكم هذه القصة العجيبة، أتركها لكم لتعيشوا معها ولتقفوا معها، وانظروا إليها وإلى أنفسكم لنرى من أنفسنا عجباً.
وذكر الذهبي في السير بإسناده إلى جبير بن نفير: [أنه سمع أبا الدرداء وهو في آخر صلاته وقد فرغ من التشهد يتعوذ بالله من النفاق! - أبو الدرداء يتعوذ بالله من النفاق! - فأكثر التعوذ فقال له جبير: وما لك يا أبا الدرداء أنت والنفاق؟! فقال أبو الدرداء: دعنا عنك دعنا عنك، فوالله إن الرجل ليقلب عن دينه في الساعة الواحدة فيخلع منه] .
وقال الذهبي: إسناده صحيح.
стр. 576
الأخفياء وحالهم مع الجهاد
ذكر الذهبي أيضاً عن أبي حاتم الرازي قال: حدثنا عبدة بن سليمان المروزي قال: كنا سرية مع ابن المبارك في بلاد الروم، فصادفنا العدو، فلما التقى الصفان خرج رجل من العدو فدعا إلى البراز، فخرج إليه رجل فقتله ثم آخر فقتله ثم آخر فقتله، ثم دعا إلى البراز فخرج إليه رجل من المسلمين فطارده ساعة فطعنه فقتله -أي: الرجل من المسلمين قتل وطعن الرجل من العدو- فقتله فازدحم إليه الناس، فنظرت فإذا هو عبد الله بن المبارك، وإذا هو يكتم وجهه بكمه، فأخذت من طرف كمه فمددته فإذا هو هو، فقال -أي عبد الله بن المبارك لـ عبدة بن سليمان المروزي -: وأنت يا أبا عمرو ممن يشنع علينا! يعني: يفضحنا.
وعن عبيد الله بن عبد الخالق قال: سبى الروم نساءً مسلمات، فبلغ الخبر الرقة وبها هارون الرشيد أمير المؤمنين، فقيل لـ منصور بن عمار -أحد العلماء-: لو اتخذت مجلساً بالقرب من أمير المؤمنين فحرضت الناس على الغزو، ففعل منصور بن عمار، وبينما هو يذكر الناس ويحرضهم، يقول: إذ نحن بخرقة مصرورة مختومة قد طرحت إلى منصور بن عمار، وإذ بكتاب مضموم إلى الصرة، ففك الكتاب فقرأه فإذا فيه: إني امرأة من أهل البيوتات من العرب، بلغني ما فعل الروم بالمسلمات وسمعت تحريضك الناس على الغزو وترغيبك في ذلك، فعمدت إلى أكرم شيء من بدني وهما ذؤابتي -يعني جديلتي- فقطعتهما وصررتهما في هذه الخرقة المختومة، وأناشدك بالله العظيم لما جعلتهما قيد فرسٍ غاز في سبيل الله، فلعل الله العظيم أن ينظر إلي على تلك الحال فينظر إلي نظرة فيرحمني بها.
قال: فبكى منصور بن عمار وأبكى الناس، وأمر هارون أن ينادى بالنفير، فغزا بنفسه فأنكى بالروم وفتح الله عليهم.
وقد كان عبد الله بن المبارك يردد هذه الأبيات دائما يقول:
كيف القرار وكيف يهدأ مسلم والمسلمات مع العدو المعتدي
الضاربات خدودهن برنة الداعيات نبيهن محمد
القائلات إذا خشين فضيحة جهد المقالة ليتنا لم نولد
ما تستطيع وما لها من حيلة إلا التستر من أخيها باليد
أسوق هذا الموقف لنسائنا الصالحات، لينظرن أن المرأة المسلمة إذا أخلصت لله وكان همها العمل لله، فإنها دائما تبحث عن العمل أياً كان هذا العمل، لا يقف أمامها ذلك
السؤال
ماذا أعمل وماذا أفعل وماذا بيدي أن أصنع؟! فإن من اهتم لأمر عمل وفكر بالعمل ووجد ماذا يعمل، هذه المرأة علمت وسمعت واهتمت واحترق قلبها، فما كان منها إلا أن قدمت جديلتيها، أكرم شيء في بدنها، حتى يصنع من هاتين الجديلتين قيد لفرسٍ غازٍ في سبيل الله.
وأقول: ماذا قدمت أيتها المسلمة للمسلمات وأنت تسمعين الروم الآن كيف يفعلون بهن؟! وماذا قدمت يا أخي الحبيب؟! وماذا فعلنا وماذا فعلت للمسلمين في كل مكان والروم وغيرهم ترون وتسمعون بل وعلى مسامع العالم كله ماذا يفعلون بالمسلمات؟!
стр. 577
الأخفياء وحالهم مع العلم
جاء في ترجمة الإمام الماوردي رحمه الله تعالى كما ذكر ذلك ابن خلكان في كتابه: وفيات الأعيان قال: إن الماوردي لم يظهر شيئاً من تصانيفه في حياته، وإنما جمعها كلها في موضع، فلما دنت وفاته قال لشخص يثق إليه: إن الكتب التي في المكان الفلاني كلها تصنيفي، وإن عاينت الموت ووقعت في النزع فاجعل يدك في يدي، فإن قبضت عليها وعصرتها فاعلم أنه لم يقبل مني شيء منها فاعمد إلى الكتب وألقها في نهر دجلة ليلا، وإن بسطت يدي ولم أقبض على يدك فاعلم أنها قبلت وأني قد ظفرت بما كنت أرجوه من النية الخالصة، قال ذلك الشخص: فلما قارب الموت وضعت يدي في يده فبسطها ولم يقبض على يدي؛ فعلمت أنها علامة القبول فأظهرت كتبه بعده.
وقبله كان الإمام الشافعي رحمه الله تعالى يقول: وددت أن الناس تعلموا هذا العلم ولا ينسب إلي شيء منه أبداً، فأؤجر عليه ولا يحمدوني.
فالإمام الشافعي رحمه الله تعالى يظن أن حمد الناس له منقصة في الأجر، ونقص في صفة الخفاء، تلك الصفة التي عشقت منهم رحمهم الله تعالى.
وينقل الذهبي أيضاً في السير قول هشام الدستوائي يقول: والله ما أستطيع أن أقول إني ذهبت يوماً قط أطلب الحديث أريد به وجه الله ! سبحان الله! القائل هشام الدستوائي! يقول الذهبي معلقاً على هذا الكلام: والله ولا أنا! فقد كان السلف يطلبون العلم لله فنبلوا وصاروا أئمة يقتدى بهم، وطلبه قوم منهم أولاً؛ لا لله وحصلوه ثم استفاقوا وحاسبوا أنفسهم، فجرهم العلم إلى الإخلاص في أثناء الطريق، إلى آخر كلامه في السير لمن أراد أن يرجع إليه.
فإذا كان هذا كلام هشام وكلام الذهبي رحمهما الله تعالى ورضي عنهما، فماذا يقول إذاً طلاب العلم اليوم؟! بل ماذا يقول المتعالمون أمثالنا في مثل هذه المواقف منهم رحمهم الله تعالى؟! ويصل الخفاء منتهاه عند أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله تعالى ورضي الله عنه، قال محمد بن منصور: كنا في مجلس أبي عبد الله البخاري، فرفع إنسان قذاة من لحيته وطرحها إلى الأرض -يعني: في المسجد- فرأيت البخاري ينظر إليها وينظر إلى الناس، فلما غفل الناس عنه رأيته مد يده فرفع القذاة من الأرض فأدخلها في كمه، فلما خرج من المسجد رأيته أخرجها وطرحها إلى الأرض.
سبحان الله!! حتى القذاة وإخراجها من المسجد كانوا يريدون إخفاءها بدقة رحمهم الله تعالى ورضي عنهم.
هذه المواقف وهذه الصور من حياة أولئك الأعلام وأولئك الأخفياء الذين حرصوا أن يكون لهم خبيئة من عمل، الذين حرصوا أن يكون بينهم وبين الله أسرار وأسرار، وتلك الأعمال هي المنجية يوم أن تقدم على الله جل وعلا فتكشف الأعمال وتكشف الصحف، فإذا الصحف مليئة بتلك الأعمال، وتلك الأسرار بينك وبين الله .
أيها الأخ الصالح! هذه القصص والصور ليست لمجرد القص والحديث، بل هي للعبرة والعظة -يا أخي الحبيب - أنت تجلس في المجالس وتتحدث مع الآخرين، ما بال مجالسنا في هموم الدنيا وملذاتها، أو في الغيبة والنميمة والكلام عن فلان وعلان؟! يا أختي المسلمة لنعلم مثل هذه المواقف، ولنحفظ شيئاً منها وإن كان قليلاً، ولنملأ مجالسنا بذكرها حتى يعلم الناس حقيقة هذه الأمور، ويرتبط الناس وترتبط قلوبهم بقلوب أولئك الرجال، فيتخرج الأجيال من مدارسهم رحمهم الله تعالى بالنظر إلى سيرهم وأحوالهم.
стр. 578
الأخفياء في كلمات
قال ابن المبارك رحمه الله تعالى: ما رأيت أحداً ارتفع مثل مالك، ليس له كثير صلاة ولا صيام إلا أن تكون له سريرة.
إذاً فالقضية ليست قضية كثرة صيام ولا صلاة، وإنما بالإخلاص والإخفاء في هذه الأعمال.
وقال ابن وهب: ما رأيت أحداً أشد استخفاء بعمله من حيوة بن شريح، وكان يعرف بالإجابة، أي: بإجابة الدعاء.
وقال يوسف بن حسين: أعز شيء في الدنيا الإخلاص، وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي فكأنه ينبت على لون آخر.
واسمع لقوله ﵀: وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي، فالاجتهاد في البعد عن الرياء والتسميع وطلب محمدة الناس وثنائهم أمر كانوا يعانون منه رحمهم الله تعالى.
وقال ابن القيم: أنفع العمل أن تغيب فيه عن الناس بالإخلاص، وعن نفسك بشهود المنة، فلا ترى فيه نفسك ولا ترى الخلق.
وقال الأخفياء رحمهم الله تعالى وصاحوا بملء أفواههم لمن لا يخلص نيته ولمن غفل عن هذا الأمر، صاحوا بقولهم كما يقول مالك بن دينار: قولوا لمن لم يكن صادقاً لا يتعنى.
فقولوا -أيها الأحبة- لمن لم يكن صادقاً بعمله ومخلصاً لعمله لله لا يتعنى، لا يتعب نفسه، فقد رأيتم وسمعتم أولئك الثلاثة وتلك الطاعات العظيمة التي أصبحت وبالاً على أصحابها فكانوا أول ثلاثة تسعر بهم النار يوم القيامة -والعياذ بالله-، فقولوا ورددوا وصيحوا بأعلى أصواتكم لمن لم يكن صادقاً في عمله وفي دعوته وفي أفعاله كلها لا يتعنى، لا يتعب نفسه!
стр. 579
الطريق الموصل إلى حياة الأخفياء
ما هو الطريق للوصول إلى حياة الأخفياء؟! ما هو العلاج؟! والوصول لطريق الأخفياء رحمهم الله تعالى ألخصه بالنقاط التالية:
стр. 580
الدعاء والإلحاح فيه
مواصلة الدعاء وتحري ساعات الإجابة، وأهمه الاستمرار في الدعاء، والإلحاح فيه، لا تملّ ولا تكلّ، ولذلك قال ﷺ وعلمنا في الحديث الذي يذهب عنا كبار الشرك وصغاره عندما قال: (الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل، وسأدلك على شيء إذا فعلته أذهب عنك صغار الشرك وكباره، تقول: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم) احفظ هذا الدعاء وكرره كثيراً، واسأل الله بصدق أن يرزقك الصدق والإخلاص في الأقوال والأفعال.
стр. 581
الإكثار من مصاحبة المخلصين الناصحين الصادقين
إن وجدت عليهم في هذا الزمن فعض عليهم بالنواجذ، وإن لم تجد فالجأ لحياة الأخفياء، والجأ لمصاحبة المخلصين من السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم، بقراءة أقوالهم والنظر في الكتب والتراجم، للاطلاع على تلك الأحوال، ولا شك أن القلب فيه حياة بالنظر لحياة أولئك.
стр. 582
معرفة عظمة الله تعالى من خلال أسمائه وصفاته
اعرف من تعبد، ولمن تعمل، وعظمة الله جل وعلا، واملأ قلبك بتوحيد الأسماء الصفات تطبيقاً عملياً حتى تعظم الله، وقديماً قالوا: (من كان بالله أعرف كان لله أخوف) ومن عظم الناس خاف من الناس وعمل للناس وسمع للناس وطلب ثناء الناس ومحمدة الناس، ولكن الله هو الذي سيجازيك وهو الذي يحاسبك.
стр. 583
الحرص على خبء من عمل صالح
احرص دائماً أن يكون لك سر بينك وبين الله جل وعلا، لا يعلمه أحد من الناس، إن استطعت حتى ولا زوجك! إن استطعت أن تفعل عملاً بينك وبين الله لا يعلم عنه أقرب الأقربين إليك، فلا شك أن هذه الأعمال هي المنجية يوم تسود وجوه وتبيض وجوه.
стр. 584
الخوف من عدم قبول العمل
دائماً كن خائفاً على عملك أن لا يقبل، وأن يخالط هذا العمل رياءٌ أو سمعةٌ، مع الانتباه لذلك التنبيه المهم الذي أشرنا إليه أثناء الموضوع، وقد تقدم الكلام عن ذلك، وأخشى أن تقدم على الله تعالى بتلك الأعمال الكثيرة والأقوال الكثيرة فتكون ممن قال الله فيهم: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣] ، عافانا الله وإياك من حال أولئك.
стр. 585
تذكر ثمرات الإخلاص
تذكر هذه الثمرات، وحلاوة القلب، وحب أهل السماء للمخلص، ووضع القبول له في الأرض، ومحبة الناس له، وطمأنينة القلب، وحسن الخاتمة، واستجابة دعائه، والنعيم له في القبر وفي الآخرة.
стр. 586
الأسئلة
стр. 587
أهم علامات الإخلاص التي تظهر على العبد المؤمن
السؤال
ما هي أهم علامات الإخلاص في الإيمان والتي تظهر على المؤمن الحق خاصة في هذا الزمان التي يظهر فيه الفتن من كل جانب؟
الجواب
محبة الناس له، المحبة القلبية من الناس، لا ينظر للناس إنما ينظر لله، ظاهره وباطنه سواء، تجد أن الكلمة مباركة منه، حديثه من القلب للقلب، وهكذا علامات كثيرة مما ذكرتها وغيرها كثير.
ولكن إياك أن تخضع للوساوس والهواجس التي قد تقطع عليك حلاوة العمل، وقد تترك كثيراً من أعمال الخير، وأؤكد وأكرر لأهميتها ولوقوع كثير من الناس فيها: قد تقطع على نفسك كثيراً من أبواب الخير بسبب أنك لم تخلص في هذا العمل! وهذا غير صحيح ولا يوافق عليه أبداً!
стр. 588
من مداخل الشيطان على الناس
السؤال
إذا كان الإنسان لا يتصدق أمام الناس مخافة من الرياء، وهو بهذا العمل لا يقصد الرياء والسمعة، هل الشيطان يدخل في هذا الباب؟
الجواب
نعم.
لا شك في أن الشيطان يدخل في هذا الباب، ويحرص دائماً أن يفوز من الإنسان بأي شيء ولو كان قليلاً، فهو لا شك يريد من الإنسان الكفر، فإن لم يحصل على ذلك فهو ينزل بالتدريج حتى ولو بالوسوسة في قلب الإنسان لإخراج حلاوة العمل وحلاوة الإيمان منه.
أما قولك إذا كان لا يتصدق أمام الناس مخافة من الرياء، فلا شك أن صدقة السر أولى وخير -كما سمعنا- ولكن لا يعني هذا أننا لا نتصدق، فقد يكون الحال الآن لا نستطيع أن نخفي الصدقة كما لو أن إنساناً سأل هنا، وكان السائل بحاجة وبحق فلا نملك أن نرد أو أن نقول إذاً: نخفي الصدقة، فلا يمكن أن نخفيها الآن، فيخرج ويذهب ويخفي الصدقة.
لا.
بل يتصدق ويحاول أن يخفيها بقدر ما يستطيع.
وإن كان هناك مصلحة راجحة -كما ذكرنا- لإظهار هذه الصدقة تعليماً أو قدوة أو غيرها مما ذكر فلا بأس، وهذا من الرياء المحمود، بل قد ينالك أجر من تصدق، ولذلك قال النبي ﷺ : (من سن في الإسلام سنة حسنة، كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة) ، فكيف يكون ذلك لولا أنك تفعل ذلك أمام الناس؟ تقوم وتفعل ذلك الفعل ظاهراً أمام الناس فيقوم الناس ويفعلون ذلك، فلا شك أن هذه الأدلة وغيرها مما ذكرنا قبل قليل دليل على أن إظهار الأمر في بعض الأحايين يكون أفضل من إخفائه، ويختلف ذلك باختلاف الأحوال والأشخاص كما ذكر ذلك ابن المنير كما تقدم.
стр. 589
الأفضل في أعمال من هو قدوة حسنة
السؤال
ما رأيك في قدوة يقتدى به؛ هل الأفضل له الإسرار أم الإعلان؟
الجواب
أجبنا وتكلمنا عن هذا، ولكن ليس للقدوة دائماً أن يُظهر أعماله من أجل أن يقول: إنه قدوة، أما الأعمال التي تظهر والتي تعود أن يظهرها من السنن وغيرها أمام الناس، أو أن يفعلها في الخفاء والسر فلا يمنعه أن يفعلها أمام الناس، لأن بعض الناس قد تعود مثلاً أن يصلي ركعتي الضحى ولا يجلس في المجلس حتى يصلي الركعتين، فيقول: المسجد اليوم فيه ناس، فأخشى إن فعلت ذلك يقولون: هذا فيه وفيه!! لا! تعودت أن تفعل ذلك سواء كنت أمام الناس أم خافياً عن أعين الناس فافعل ذلك ولا يهمك -وهذه النقطة أكررها كثيراً- لا يهمك ملاحظة الناس وإياك أن تفتح على نفسك باب ملاحظة الناس -كما ذكر الإمام النووي ذلك- لا تفتح على نفسك باب ملاحظة الناس والنظر إلى أقوالهم وأفعالهم أو نظراتهم إليك؛ فتغلق على نفسك باب العمل! لا! بل اعمل! أما إن كان قدوة فلا بأس أن يفعل بعض الأعمال إن كان الناس يرونه، وإن كان الناس يفعلون بفعله، ولكن بشرط أن الله عند نية العبد وقصده، لا يهمه نظر الناس إليه أم لم ينظروا، لا يهمه فعل ذلك ظاهراً أم خافياً عن أعين الناس، الأمر عنده سواء، فإن وجد في نفسه شيئاً فليترك العمل، وإن أدخل الشيطان على قلبه مداخل فليترك العمل أمام الناس ولا يقول إنني قدوة! وليخف كثيراً من الأعمال بينه وبين ربه، حتى القدوة يجب أن يكون بينه وبين ربه أسرار وأسرار -كما ذكرنا- وقد سمعت كثيراً من القدوات الذين من السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم أخفوا أعمالهم بينهم وبين ربهم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وأسأل الله جل وعلا أن يعفو عنا جميعاً، وأن يرزقنا الإخلاص في الأقوال والأعمال، وأن يعيذنا وإياكم من الرياء والتسميع، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 590
حكم صن ٤٠٠
إن مما غزانا به أعداء الإسلام كثرة اللعب والملهيات، ومن هذه اللعب (البلوت) التي ألهت كثيراً من شباب المسلمين وأضاعت أوقاتهم حتى في شهر (رمضان) مما جعلهم لا ينتبهون لآثارها وشرها العظيم، من ضياع الوقت والليالي الطويلة، وتضييع الصلوات المفروضة، وإهمال النوافل والطاعات، وما يحصل فيها من السب، والشتم، واللعان، والتنازع، وإهمال الحقوق الزوجية، والتقصير في تربية الأولاد إلى غير ذلك من المفاسد.
стр. 591
أهمية الموضوع
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: أحبتي في الله! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وهذا هو المجلس الخامس عشر من سلسلة الدروس العلمية والتي ينظمها المكتب التعاوني بمدينة الرس، وهذه الليلة ليلة الإثنين الموافق للخامس عشر من شهر شعبان للعام (١٤١٥هـ) .
وموضوع هذا اللقاء كما هو معروف من خلال الإعلان بعنوان: (حكم صن ٤٠٠) وأقصد (بحكم) هنا الحكم الشرعي، وليس ما تعارف عليه لاعبي البلوت من أنه (صن حكم ٤٠٠) كما يقولون.
وهذا الموضوع أيها الأحبة! كان قد أُلقي قبل ثلاث سنوات تقريباً، وبالضبط في اليوم الحادي عشر من الشهر السادس للعام (١٤١٢هـ) وأذكر تلك الجموع الكبيرة التي حضرت ذلك الدرس، حتى صرح بعض الشباب أنهم لأول مرة يدخلون المسجد، وكانت ولله الحمد والمنة النتائج سريعة وفعالة بفضل الله ، فما أن خرجنا من المسجد حتى أعلن أعداد من الشباب توبتهم من هذه اللعبة، وهذا هو حسبنا بشبابنا أنهم إذا علموا الحق رجعوا إليه.
ومنذ ذلك الوقت والطلبات تتكرر لإعادة هذا الموضوع وتسجيله بوضوح، والحقيقة أنني أجدني مضطراً لإعادته الآن مع علمي بتطور هذه اللعبة والتفنن بطرقها، ونظراً لانتشارها وفشوها بين صفوف الشباب، فإن واجبنا التذكير والتنبيه مرات ومرات.
ويؤسفني حقيقة أيها الأحبة! أن مثل هذا الموضوع -وهو طاعون العصر كما يسمى- لم يأخذ حقه من الدراسة والطرح والتكرار من قبل المتخصصين، ومن قبل الدعاة إلى الله ، كغيره من مواضيع الشباب المهملة على الرغم من خطورتها، والانحدار الذي يعيشه شبابنا كما تعلمون.
وعناصر هذا الموضوع أعدها سريعاً.
١- أهمية الموضوع.
٢- اعتذار.
٣- مصادر البحث.
٤- البلوت متى وكيف؟ ٥- قبل أن أبدأ.
٦- حجج المؤيدين للعبة.
٧- آثار وشرور هذه اللعبة.
٨-أحداث ومواقف وحقائق مذهلة.
٩- مواقف طريفة وغريبة.
١٠- الحكم الشرعي.
١١- خاتمة.
يعلم الله أيها الأحبة! أنني لم أصدق نفسي أنه سيأتي اليوم الذي أتكلم فيه عن مثل هذا الموضوع؛ لأنني بفضل الله لم يسبق أن مست أناملي هذه الورقات، ولم أعرف قواعد هذه اللعبة ولا أصولها لا من قريب ولا من بعيد، وهذا من فضل الله .
وعندما جاء أعداد من الشباب يطرحون مثل هذا الموضوع للطرح في مثل هذه الدروس، في البداية كنت مستنكراً متعجباً أن يطلب مثل هذا الطلب، ولكن إصرار الشباب وتكفلهم -جزاهم الله عنا خيراً- بإجراء المقابلات واللقاءات والاستبيانات مع أعداد من لاعبي البلوت، ثم إحضارهم للنتائج المذهلة العجيبة الغريبة، التي لما وقفت عليها وقرأتها ما كان مني استجابة لهذه الإصرارات إلا أن أطرح مثل هذا الدرس.
وبعد الجمع، والوقوف على كثير من الأحداث، عرفت حقيقةً أن البلوت يجب أن يسمى: طاعون العصر! ومن خلال الأحداث والمواقف التي جمعها الإخوة وهي أحداث عجيبة غريبة -كما ستسمعون- جعلني أقف مع هذا الموضوع وقفات كثيرة.
стр. 592
مصادر البحث
مصادر هذا البحث هي ثلاثة مصادر، وتعلمون أن هذا البحث ليس بحثاً شرعياً حتى نرجع لأمهات الكتب والأصول الشرعية لنستقي منها هذا العلم، وإنما كانت المصادر والمراجع هي: اللقاءات والجلسات والاستفتاءات مع كثير من اللاعبين، وقد قام بهذا بعض الإخوة فليس لي -يعلم الله- سوى طرح مثل هذا الموضوع بين أيديكم.
ثم أيضاً اطلعت على كتاب مصنف اسمه (البلوت) لـ فؤاد عبد الحميد عنقاوي وهو تقريباً بحجم متوسط يقرب من خمسين ومئتي صفحة، ومرجع ثالث وهو استفتاء أجرته مجلة الدعوة السعودية في العدد (١٣١٥) ، بتاريخ: (١/٥/ ١٤١٢هـ) .
هذه المراجع تقريباً هي مراجع هذا البحث.
стр. 593
اعتذار
واعتذاراً لأحبائنا وإخواننا الأفاضل متابعي الدرس العام أن نقطع عليهم لذة الدروس الإيمانية لنفاجئهم بهذا الموضوع، ولعل في حضورهم لهذا الموضوع فوائد كثيرة، منها: أولاً: أن يعلموا أن لإخواننا وشبابنا الذين يعيشون في العالم الآخر -وأقول: العالم الآخر أي: عالم الشهوات والمغريات- ليعلموا أن لهم حقوقاً كثيرة، فإن من واجب الدعاة إلى الله ، ومن واجب شباب الصحوة مشاركة إخوانهم مشاكلهم وهمومهم والوقوف معهم للأخذ بأيديهم لطريق الاستقامة، خاصة وأن الكثير منهم يشكو هجر الصالحين لهم، بل كما صرح بذلك أعداد كبيرة منهم يلقون باللائمة عليكم أنتم وأنهم -كما يدعون ويذكرون- يستحيون منكم، مع أن (٩٨%) منهم صرح بحبه للصالحين، ورغبته وأمنيته لو أنه كان منهم.
ولعل طرح مثل هذا الموضوع مشاركة منا لحل مشكلة هي من أخطر وأكبر المشاكل على شبابنا، فهي البوابة لكل رذيلة، وهي البداية للانحراف والضياع، وعالم المخدرات والشهوات، وهذا كله من نتائج هذا البحث المتواضع.
ثانياً: أيها الأحبة! أنتم تسمعون هذا الموضوع، وعند سماعكم تعرفون فضل الله عليكم يوم أن هداكم وفضلكم على كثير ممن خلق تفضيلاً، ونجاكم من مثل هذه الأخطار، فلله الحمد والمنة أولاً وآخراً.
ثالثاً: التعرف والوقوف على عالم الشباب عالم العجائب والغرائب عالم التفنن في المعاصي والشهوات عالم الفتوة والقوة والهمم العالية، لكنها للأسف همم عالية في الفساد والضياع، سيندهش الكثير منكم مما يسمع، وسيتعجب مما يقال، ولكني أقول: إن ما سأذكره هو شيء يسير جداًَ من الحقيقة، فهذه الدراسة على فئة قليلة، وفي مكان محدود، وعلى عجل وبدون تخطيط ولا تنظيم، فكيف لو تجمعت هذه الأسباب كلها؟ لتفطرت الأكباد، وتحرقت القلوب، وطاشت الألباب من النتائج العجيبة.
هذا وهو موضوع واحد في عالم الشباب وهو: البلوت، فكيف لو أننا تطرقنا ونظرنا ووقفنا على الغناء والفن والرياضة والتشجيع واللواط -أعزكم الله- والمخدرات والسفر إلى الخارج والزنا، وغير ذلك من مواضيع الشباب المتعددة، وكيف بإضاعة الصلاة والأوقات والمروءات وعالم الرجولة وغيرها من مشاكل الشباب.
لعلكم بعد هذا أيها الأخيار! وأنتم تسمعون الكلام عن مثل هذا الموضوع تعذرون وتشجعون على إلقاء مثل هذه المواضيع والحرص عليها، بل أقول: لعلكم تنشطون وتتحمسون للدخول في أوساط الشباب وانتشالهم مما هم فيه، لعلنا أن نترك الخلاف بيننا ولنبدأ العمل ولنحمل الهم، فإن الميدان بحاجة للجميع.
أيها الأحبة! إن إخواننا من الشباب أمانة في أعناقنا، أنتم هداة ضلال، ودلال خير، فقوموا بواجبكم بارك الله فيكم، وعندها أبشروا بوعد الله وبالنصر والتمكين.
стр. 594
البلوت متى وكيف ؟
اختلف الرواة في كيفية ظهور البلوت في الحجاز، غير أن أكثر الروايات تشير إلى أنه ظهر في النصف الثاني من القرن الهجري الماضي، أي: في نهاية العهد العثماني، وفي أواخر أيام حكم الأشراف الذين حكموا الحجاز وما جاورها.
ويعتقد أنها لعبة أوروبية وصلت إلى الحجاز عن طريق الهند بما كانت تمثله العلاقة بين البيوت التجارية في مدينتي مكة وجدة وبين الهند.
ونلاحظ في مسميات ومصطلحات البلوت، والتي لا تزال تستعمل حتى الآن بعض الكلمات الإنجليزية والفرنسية، غير أن الشيخ أبا تراب الظاهري العلامة المؤرخ المعروف يتحفظ على هذا الرأي ويقول: إن ورق اللعب -ومن ضمنه لعبة البلوت- ترجع أصولها إلى الهند شكلاً ومضموناً، والدليل على ذلك أن أسماء أنواع الورق: (الكالة، والشيرية، واللال، والشوكت) كلمات كلها هندية الأصل، وقد لاقت هذه اللعبة -وللأسف- رواجاً كبيراً، وطغت على بقية الألعاب الأخرى التي كانت سائدة آنذاك، حتى وصلت إلى ما وصلت إليه كما تسمعون وترون بأعينكم.
ومن العجائب أن القصائد لم تسلم من البلوت، ولذلك أسوق لكم على سبيل الطرفة هذه القصيدة التي جاءت على لسان أحد اللاعبين، قبل الدخول في الموضوع.
يقول هذا الشاعر -إن صحت تسميته شاعراً- يقول:
يا لا عب الصن هذا كشفكم جاري لكم عليكم ولا داع لسمسار
فاختر رفيقك حريفاً وكن يقظاً إن قيل حكماً فخذه صناً بإجبار
وخل بالك من تنفير صاحبكم أعطيه مطلوبه حتماً بإصرار
ولا يفوتك أن تنسى الصر أبداً من الشرارة تأتي شعلة النار
أما إذا قيل أربعمائة حصلت من الغريم فخذ بشتك ورح جاري
وإن غلبتم فلا داع لشوشرة فالوقت لا يحتمل تصنيف أعذار
стр. 595
قبل أن أبدأ
قبل البداية وقبل الدخول في حقائق ومواقف هذا الموضوع، أقول: يا أخي الحبيب! لعلك أن تفتح لي قلبك، قال رسول الله ﵌: (الدين النصيحة) ويعلم الله أن هذه الكلمات هي من قلب محب، وأخ يخاف عليك ويود لك الخير، أهديها لك مع باقة من الأماني والأمل والدعاء الأماني بأنك سوف تسمع كلماتي إليك والأمل بأنك سوف تفتح لها قلبك وعقلك والدعاء بأن توفق إلى العلم بما فيها والعمل به.
ولا ترج فعل الصالحات إلى غد لعل غداً يأتي وأنت فقيد
أخي الحبيب! اسمع لهذه الكلمات، ولا تهملها.
ألا رب نصح يغلق الباب دونه وغش إلى جنب السرير يقرب
стр. 596
وجوب التزام أوامر الشرع
فلك مني يا أخي الحبيب! هذه الكلمات الأخوية من قلب يحبك ويحترق من أجلك، ووالله ثم والله لولا حبي وخوفي عليك ما تفوهت بهذه الكلمات، وما أضعت الأوقات والساعات وذهبت أقلب الصفحات بحثاً عن الحق في مثل هذا الموضوع.
أخي الحبيب! أعرف أنك مسلم أباً عن جد، وأنك تعتز بإسلامك وتفخر بدينك، ولا ترضى أن يمس بسوء لا من قريب ولا من بعيد، وأنك أعلنتها صرخة قوية من قلب حار، وقلت بكل صدق -إن شاء الله-: رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً رسولاً.
وأعلم وتعلم أنت أيها العزيز! أن كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون، فمن ذا الذي يسلم من الخطأ؟ ومن ذا الذي يسلم من الغفلة منا نحن البشر؟ إذاً: فالخطأ والتقصير والوقوع في المعصية هي صفة لنا، ولكننا نحمد الله كثيراً على أن فتح الباب على مصراعيه، فأرشدنا إلى التوبة والرجوع عند الغفلة والتقصير، بل قال ﵌: (والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم) والحديث أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة.
إذاً: فيا أيها الحبيب! أنا وأنت نبحث عن الحق، ونريد الوصول إليه، ولو كان يخالف أهواءنا وشهواتنا.
أخي الحبيب! أنت مسلم، فهلا أسلمت نفسك لله، وأخضعتها لأمره وحكمه؟! أخي الحبيب! رضيت بالله رباً، فهل ترضى بحكمه واختياره وشرعه، أم ترضى بحكم نفسك واختيارها؟! أخي العزيز! أنت رضيت بمحمد ﷺ رسولاً نبياً، فهل خضعت لأمره، واعتصمت بقوله؟! إذاً: فيا أيها العزيز! إذا رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﵌ رسولاً، فاعلم أن كل فعلٍ تفعله، وكلمة تقولها، ولباس تلبسه، وشربة تشربها، بل وحركة وسكنة تصدر منك، لابد أن تكون كما أمر الله ورسوله، وإلا فما معنى قولك إذاً: إنك رضيت بالله رباً؟؟ وما معنى قولك: إنك رضيت؟؟ وما معنى قولك: إنك مسلم؟ ألم تعلم أن الإسلام: هو الاستسلام والخضوع لله؟! إذاً فليس لك اختيار مع أمر الله ونهيه، اسمع هذه الآية جيداً، وافتح لها قلبك، وأرع لها سمعك: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦] .
إذاً: فالإسلام ما ترك خيراً إلا وأمرك به، ولا شراً إلا ونهاك عنه.
أخي الحبيب! تعال بقلب مؤمن مسلم معظم لأمر الله، تعال بنفس رضية للبحث عن الحق في مثل هذه القضية، نسأل الله أن يرينا وإياك الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه.
стр. 597
البلوت ورمضان
رمضان فرصة لكل مسلم للاستثمار، وللاتجار مع الله ، وهو فرحة لكل مذنب للمحاسبة والتوبة والرجوع والتعويض، حتى أن الفاسقين يحرصون على رمضان وعلى الخيرات فيه، من صلوات وصدقات وقربات، وهذا أمر مشاهد ومحسوس.
إلا أنك تجد في السنوات الأخيرة كثيراً من شبابنا غفلوا عن أهمية رمضان وقيمته، وعن فضل ساعاته ولياليه، فلم تعد تؤثر فيهم تلك الروحانيات، ولا ذلك الجو الإيماني الجميل الذي يعيشه المجتمع المسلم من حولهم، ففقد أولئك المساكين لذة رمضان، ولذة مناجاة ربهم، ولذة التضرع والانكسار والافتقار إلى الله ، ولذلك ما أقول إلا: قم لزيارة إلى الأرصفة في كل مدينة من مدننا لتجد مئات الشباب يتناثرون طوال الليالي من رمضان على امتدادها، ولتقف على الحلقات المعقودة لصفقات البلوت وما يصاحبها من صرخاتٍ وسبابٍ وشتامٍ، والنتيجة فرقة ونزاع وخصام، هذه كلها أوزار يحاسب عليها العبد، وهذه كلها تضييع للأوقات والأعمار، خاصة خلال هذه الليالي الفاضلة.
ومن خلال هذه الدراسة تبين أيها الأحبة! أن أكثر الليالي احتداماً لحلبات الصراع -أي: صراع البلوت- هي ليالي رمضان وللأسف، وربما عقدت هذه الحلبات من بعد صلاة الفجر إلى ما يقرب من صلاة الظهر أو العصر عياذاً بالله.
في رمضان الناس يركعون ويسجدون، وأولئك في صراخ وخصام.
في رمضان الناس يقلبون صفحات القرآن، وأولئك يقلبون صفحات البلوت.
في رمضان الناس تلهج ألسنتهم تسبيحاً لله، سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، وأولئك تلهج ألسنتهم بـ (شيريا) و (سبيت) و (سبيل) و (بنت) و (شاكوش) و (ولد) ، وغيرها من ألفاظ وألقاب تلك الورقة.
في رمضان الناس يسألون الله العفو والعافية والفردوس الأعلى، وأولئك يسألون الله (صن حكم ٤٠٠) والعياذ بالله.
أين أنتم يا شباب؟ أين عقولكم؟ لماذا لا نفكر؟! أسألكم بالله، ألستم بحاجة إلى العمل الصالح؟ ألستم بحاجة لمحو السيئات؟ أو نقرأ أيها الشباب! سير أجدادنا وسلفنا الصالح رضوان الله عليهم أنهم هجروا حلق العلم والدروس، لماذا؟ من أجل التفرغ للعبادة وقراءة القرآن وكثرة الذكر في هذا الشهر، أما أنتم فقد هجرتم العبادة، وهجرتم قراءة القرآن وتركتم الذكر، من أجل ماذا؟ من أجل البلوت والجلوس على الأرصفة والرياضة وغير ذلك، فرمضان يشكو هجركم أيها الشباب! رمضان شهر القرآن والغفران والجنان رمضان شهر العتق من النيران رمضان شهر الصيام والقيام رمضان شهر التذلل والافتقار، والخضوع والانكسار، رمضان الشهر الذي يفخر ويعتز فيه كل مسلم على وجه الأرض، وشبابنا يضيعونه بالجلوس على الأرصفة، ولعب البلوت، والرياضة والغناء.
لا وألف لا أيها الشباب! إنكم أكبر من ذلك وأعقل، فقط وقفة صادقة مع النفس، ولحظة محاسبة للنفس ومراجعة، وبعدها ستجد نداء الفطرة، ستجد الخير في نفسك، وعندها ستعلم أن رمضان لا يمكن أن يباع ولو بأغلى الأثمان.
стр. 598
حجج المؤيدين لهذه اللعبة
أيها الأحبة! إن كل من جلس معه، وكل من نوقش حول البلوت، وجدنا أنهم يحتجون بحجج، بل ويذكرون أن للبلوت فوائد كثيرة، ولعلي لخصت هذه الفوائد والحجج بهذه النقاط سريعاً: أولاً: يقولون: إن من أكبر فوائد البلوت القضاء على وقت الفراغ.
ويقولون أيضاً: إنها تحفظ الإنسان من الخوض في القيل والقال والغيبة والنميمة.
وثالثاً: يذكرون أن من فوائد البلوت أنها تثير الحماس والتحدي.
ورابعاً: يقولون: تعتبر وسيلة من وسائل اللهو البريء.
وخامساً: يقولون: هي تنفيس من مهام المسئوليات ومتاعب العمل.
وسادساً: أنها عاملٌ مهمٌ في تغذية أواصر الصداقة بين أفراد المجتمع وطبقاته كما يقولون.
وسابعاً: أنها رياضة ذهنية تنمي الذهن والفكر والانتباه.
وثامناً: يقولون: إن في البلوت الهروب من مشكلات اجتماعية، ومن هموم الحياة، وهو تبرير غريب لمواجهة هموم الحياة، فهم يناقضون السلوك الاجتماعي القويم في مواجهة المشكلات بمشكلات أخرى.
أقول: هذه تقريباً ثمان حجج يحتج بها لاعبي البلوت، وذكرتها بأمانة وصدق حتى يكون هذا العرض بأمانة.
يقول أحد الإخوة - ولا داعي من ذكر الأسماء وهو ممن أجرت معه مجلة الدعوة استبياناً أو استفتاء- يقول: عمره ثلاثون سنة وهو زوج وأب، يقول: تسألني عن البلوت، تعلمته في سن التفتح وفي عمر سبع عشرة سنة، وكان السبب في تعثري في الدراسة وأحياناً في العمل، أنا الآن -وبفضل الله- مدير، وأصارحك بأنني أدمنت البلوت لسبب وحيد، أنني أهرب فيه من رتابة الحياة وزحف الهموم اليومية.
وقيل له: مع من تلعب البلوت؟ فقال: ألعب الآن مع زملائي، والبلوت يكشف لي أخلاقهم، ومشكلتي أنني لا أعرف كيف أتخلى عنه؟ وبسببه أتعرض لمشاكل كثيرة.
ثم قيل له: لماذا لا تتخلى عنه؟ قال: حاولت ولم أستطع، فأصدقائي مدمنون، وقد جروني لهذا الإدمان.
стр. 599
أهم حجة لديهم وردها
وأقف مع حجة واحدة، وهي من أهم الحجج التي يحتج بها لاعبو البلوت.
تاسعاً: قولهم: نقضي على الفراغ؛ أوجه سؤالاً فأقول: أسألكم بالله، وهل يوجد في وقت المسلم الجاد فراغ؟! وعلى فرض موافقة هؤلاء على وجود الفراغ، فأسأل وأقول: كم وقت الفراغ لدى هؤلاء؟! أقصد من يحتج بلعب البلوت بالقضاء على الفراغ، كم الوقت الذي يعتبرونه فراغاً بالنسبة لهم؟ ساعة أو ساعتان أو ثلاث، أم أن حياته كلها فراغ؟! ثم أيضاً سؤال آخر: وهل وقت الفراغ يقضى بمثل هذه اللعبة؟! فأصبح يقضى على مشكلة الفراغ بمشكلة أخرى، وهي قتل الزمن وإضاعة العمر بلا فائدة، إلا إن قال قائلهم: إن في البلوت فائدة، وستأتي الإجابة على هذا.
ثم نقول أيضاً لهؤلاء الذين يشتكون من الفراغ، أجب على هذه الأسئلة بصدق وصارح نفسك ولا تخادعها: أولاً: كم تقرأ القرآن في اليوم؟ بل أسألك قبل ذلك هل تجيد قراءة القرآن أصلاً أو تحفظ شيئاً منه؟! ثم أيضاً أسألك فأقول: أسألك بالله هل قمت بصلة الرحم، وزيارة أقربائك؛ لأن ذلك واجب عليك؟! ثم أقول لك أيضاً: هل جلست مع والديك ومع إخوانك؟ بل هل جلست مع زوجك وأولادك للتحدث معهم ومعرفة أحوالهم وحوائجهم؟! كم درساً أو محاضرة تحضر خلال الأسبوع، أو خلال الشهر؟! كم شريطاً مفيداً تسمعه في الأسبوع؟! كم كتاباً تقرؤه خلال الأسبوع أو الشهر؟! هل فكرت في قضاء هذا الفراغ الذي تدعيه بما يعود عليك بالفائدة من التحاق بالدورات العلمية، أو حتى بدورات الكمبيوتر أو اللغة الإنجليزية أو غير ذلك؟! هل قمت بزيارة المرضى بالمستشفيات؟ هل فكرت بزيارة المقابر للاتعاظ والاعتبار؟! بل هل أعطيت عملك الوظيفي حقه من الأمانة والصدق؟! كل هذه الأسئلة وكثيرة هي تلك الأسئلة، فأقول بعد ذلك: أين الفراغ -أيها الحبيب- الذي تشكو منه، والذي تدعي أنك تقضيه بهذه اللعبة؟! إذا فكرت بعقل وفكر ناضج ستجد أن الواجبات أكثر من الأوقات.
ثم أقول أيضاً بعد كل هذه الأسئلة: لا تنس يا أخي الحبيب! أنك خلقت لهدف، وأن الله خلقك للدعوة إلى الله ، وخلقك لعبادته، فإني أراك قد ضيعت الهدف الذي من أجله خلقت، أصبحت بدون مبدأ وبدون همّ، إن كثيراً من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ينتظر منك أن تقوم بإعانته، وبتوجيهه، وبإرشاده، فلماذا إذاً نخسرك؟! لماذا نخسرك وتخسر أنت نفسك؟ اعلم أيها الحبيب! أن الثروة الحقيقية هي الوقت، وأن الوقت هو العمر، وأنه أثمن ما تملك، وأنك ستحاسب على كل دقيقة تمر من عمرك، وستسأل عنها، ألم تسمع لقول الحق : ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٥] ؟! ستسأل عن عمرك فيما أفنيته، وعن شبابك فيما أبليته، فماذا ستقول؟ في حلقات وحلبات البلوت.
ألا تعلم أن أهل الجنة -وهم أهل الجنة- يتحسرون على ذهاب ساعة، فقد قال ﵌: (لن يتحسر أهل الجنة على شيء، إلا على ساعة مرت عليهم في غير ذكر الله فكم من الساعات تقضى لأولئك اللاعبين في غير ذكر الله؟! بل أقول: في معصية الله! وفي سب وشتام عياذاً بالله.
إذاًَ: إذا أردنا الحق والتجرد من الهوى فالمسألة ليست مسألة فراغ، بل هي والله فتنة وشهوة، وهي والله ابتلاء ومحنة، فالساعات والليالي التي تضيع وتمضي من أجل البلوت خيالية لا تصدق، وخذ أمثلة على ذلك:
стр. 600
من قصص من ابتلي بضياع الوقت في لعبة البلوت
يقول أحد الإخوة: ذهب شباب في رحلة برية، فجلسوا يلعبون الورقة من الساعة السابعة مساءً، حتى صرفتهم أشعة الشمس المحرقة.
ويقول بعض اللاعبين: أحد الدوريات في البلوت أخذت تلعب هذه اللعبة عند أحد الإخوة -ولا تتعجبوا من الزمن- من مغرب الأربعاء حتى صباح الجمعة.
وقد استغربت هذا الأمر من الأخ القائل، لكنه أكد لي وقد وجدت علامة الصدق في وجهه أيها الأحبة! ويقول آخر: إن أحد الدوريات تجتمع في شهر رمضان للعب وتبدأ من الظهر حتى قبل آذان المغرب، وأكثر ما يكون ذلك في العشر الأواخر.
ويقول أحد الإخوة -أيضاً- ممن أجرت معهم مجلة الدعوة استفتاء يقول: حتى تعلم خطورة البلوت، إليك ما حدث في شهر رمضان، يقول: دعيت إلى الإفطار عند أحد الجيران، وبعد الإفطار مباشرة بدأ المدعوون مهرجان اللعب دفعات، حتى صلاة العشاء، وصلوا العشاء في البيت بينما توجهنا إلى المسجد، وعدنا بعد صلاة التراويح، واكتشفت أنهم لم يصلوا التراويح، وظللت أراقبهم عن بعد واستمروا حتى السحور، ومن يدري ربما واصلوا أيضاً حتى بعد السحور.
أليس هذا أمراً مؤسفاً؟! لقد أضاعوا بهجة هذه الأيام، وأضاعوا هذا الموسم العظيم في عبث تحت مسمع ومرأى من الأهل والأولاد، فنقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، حتى في رمضان يسيطر البلوت على عقول الشباب! ويقول أيضاً أحد الإخوة وهذه هي كتابته بخط يده: أذكر قبل أن ألتزم أنا كنا نلعب البلوت بعد صلاة الفجر في شهر رمضان حتى العاشرة صباحاً، وبعد ذلك ننام حتى المغرب، ثم نأخذ الشاي والفرشة ونذهب إلى الرصيف في وقت صلاة العشاء والتراويح، نلعب البلوت والناس تصلي حتى موعد السحور، ثم تدخل شلة وتخرج شلة -أي من الفرق التي تلعب البلوت- وفي بعض الأيام العادية وخاصة في الصيف عندما يأتي الليل، نلعب حتى خروج الشمس، وما يقيمنا إلا حرارتها.
والعجيب أنه قال: فإذا لم يغالبنا النعاس بعد صلاة الفجر من السهر طوال الليل، فإننا نكمل تحت الجسور، وكثيراً ما تحدث المشاكل بيننا، وتجدنا نجلس مع بعضنا ونحن حاقدون على بعض بسبب هذه اللعبة.
следующие страницы →