← Джавами‘

Джавами‘ · id 7711

دروس للشيخ إبراهيم الدويش

إبراهيم الدويش

Полный текст (623 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

غثاء الألسنة اللسان جرم صغير خطره عظيم، لكن ولعظم خطره جاءت النصوص القرآنية والنبوية محذرة من شره؛ لأنه سلاح ذو حدين، فمن حفظه وحفظ فرجه دخل الجنة كما ورد معنى هذا في السنة، وقد كان اللسان من أشد ما يخافه السلف على أنفسهم، وهم من هم في حفظ اللسان، فكيف بنا نحن الذين نعلم من أنفسنا ما نعلم.

стр. 2

غثاء الألسن معناه وأنواعه إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: أحبتي في الله! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. هذه ليلة الجمعة الموافق للعاشر من شهر الله المحرم للعام السادس عشر بعد الأربعمائة والألف من الهجرة النبوية الشريفة، وفي هذا الجامع المبارك، جامع الراجحي بمدينة جدة، نلتقي وإياكم مع موضوع بعنوان: (غثاء الألسنة) . والغثاء بالمد والضم: ما يجيء فوق السيل مما يحمله من الزبد والوسخ وغيره. وغثاء الناس: أراذل الناس وسقطهم. والغث: هو الرديء من كل شيء. وغث حديث القوم: فسد وردأ. وأغث فلان في حديثه: إذا جاء بكلام غث، لا معنى له. وما أكثر الكلام الفاسد الذي يدور في مجالس المسلمين، أياً كانوا كباراً أو صغاراً، رجالاً أو نساءً. إن غثاء الألسنة اليوم يزكم الأنوف، ويصم الآذان، ويصيبك بالغثيان والدوار، وأنت تسمع حديث المجالس اليوم، لا نقول ذلك في مجالس العامة ودهماء الناس فقط، بل -ويا للأسف، وأقولها بكل أسى- حتى في مجالس الصالحين، وفي مجالس المعلمين والمتعلمين. غثاء الألسنة في الكذب والنفاق والغش والخداع. غثاء الألسنة في الغيبة والنميمة والقيل والقال. غثاء الألسنة في أعراض الصالحين والمصلحين والدعاة والعلماء، في الوقت الذي سلم فيه أعداء الإسلام من اليهود والنصارى، والرافضة والمنافقين. غثاء الألسنة في التدليس والتلبيس، وتزييف الحقائق وتقليب الأمور. غثاء الألسنة في التجريح والهمز واللمز وسوء الظن. غثاء الألسنة في الدخول في المقاصد والنيات، وفقه الباطن. غثاء الألسنة بكل ما تحمله هذه الكلمة من غثائية وغث، وغثيث وغثيان. وما هي النتيجة؟! النتيجة بث الوهن والفرقة والخصام والنزاع بين المسلمين، وقطع الطريق على العاملين، وإخماد العزائم بالقيل والقال. إنك ما إن ترى الرجل حسن المظهر وسيماه الخير، وقد تمسك بالسنة في ظاهره، إلا وتقع الهيبة في قلبك والاحترام والتقدير في نفسك، وما إن يتكلم فيجرح فلاناً ويعرض بعلان، وينتقص عمراً، ويصنف زيداً، إلا وتنزع المهابة من قلبك ويسقط من عينك، وإن كان حقاً ما يقول. نعم! وإن كان حقاً ما يقول، وإن كان صادقاً فيه فلا حاجة شرعية دعت لذلك، وإن دعت تلك الحاجة فبالضوابط الشرعية وبالقواعد الحديثية، فإن لم تعلمها أيها الأخ الحبيب! وإن لم تعلميها أيتها المسلمة! فما نستطيع أن نقول إلا: أمسك عليك لسانك. إن المصنفات في الجرح والتعديل قد بلغت مئات المجلدات، لكن اقرأ فيها وتمعن، وكيف هو الجرح فيها، فشتان بين الجرحين، لقد كان خوف الله ميزاناً دقيقاً لألسنتهم رحمهم الله تعالى، وكان هدفهم هو تمييز صحيح السنة من سقيمها. ولكن ما هو الهدف اليوم؟! نعوذ بالله من الهوى، والحسد، والنفاق والشقاق ومساوئ الأخلاق. أيها الأخ الحبيب! أيتها الأخت المسلمة! إلى متى ونحن نجهل أو نتجاهل، أو نغفل أو نتغافل عن خطورة هذا اللسان؟ مهما كان صلاحك، ومهما كانت عبادتك، ومهما كان خيرك، ومهما كان علمك، ومهما كانت نيتك، ومهما كان قصدك. فرحم الله ابن القيم رحمةً واسعةً، يوم أن قال في الجواب الكافي: (من العجب أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام، والظلم والسرقة وشرب الخمر، ومن النظر المحرم، وغير ذلك، ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه، حتى ترى الرجل يشار إليه بالدين والزهد والعبادة، وهو يتكلم بالكلمات من سخط الله، لا يلقي لها بالاً يزل بالكلمة الواحدة أبعد مما بين المشرق والمغرب والعياذ بالله. وقال -أيضاً- في الكتاب نفسه: إن العبد ليأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، فيجد لسانه قد هدمها عليه كلها، ويأتي بسيئات أمثال الجبال، فيجد لسانه قد هدمها من كثرة ذكر الله تعالى وما اتصل به) . وما أجمل هذا الكلام، ولذلك أقول أيها الأخ الحبيب! ويا أيتها الغالية! احذر لسانك، وانتبهي للسانك، واحبس لسانك، وأمسك عليك لسانك. (أمسك عليك لسانك) هو جزء من حديث نبوي، أخرجه الترمذي في سننه وأحمد في مسنده وابن المبارك والطبراني وغيرهم من حديث عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه، قال: (قلت يا رسول الله! ما النجاة؟ قال ﵌: املك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك) وفي لفظ: (أمسك عليك لسانك) والحديث صحيح بشواهده. وأنا هنا لا أدعوك للعزلة، وإنما أقول: أمسك عليك لسانك إلا من خير، كما في الحديث الآخر: (فإن لم تطق فكف لسانك إلا من خير) والحديث رواه أحمد وابن حبان وغيرهما، وهو صحيح كما سيأتي إن شاء الله. [وحفظ اللسان عن الناس أشد من حفظ الدنانير والدراهم] كما يقول محمد بن واسع رحمه الله تعالى. ولأن كثرة الكلام تذهب بالوقار، ومن كثر كلامه كثر سقطه، ولأننا نرى الناس أطلقوا العنان لألسنتهم، فأصبح ذلك اللسان سلاحاً لبثَّ الفرقة والنزاع والخصام والشتائم، وفي مجالات الحياة كلها، وبين الرجال والنساء بحد سواء، ولكثرة الجلسات والدوريات والاستراحات، ولأن الكلام فاكهة لهذه الجلسات، كان لا بد من وضع ضابط، ولا بد من تحذير وتذكير للناس في مثل هذه الجلسات، ولأنك ستسمع الكثير إن شاء الله تعالى من الأسباب التي جعلتني أختار مثل هذا الموضوع من خلال هذه العناصر وهي: - أدلة خطر اللسان من الكتاب والسنة. - السلف الصالح مع اللسان. - صور من الواقع. - النتيجة النهائية. واسمع قبل ذلك كلاماً جميلاً جداً للإمام النووي رحمه الله تعالى، في كتاب الأذكار يوم أن قال: فصل: اعلم أنه ينبغي لكل مكلف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام، إلا كلاماً تظهر المصلحة فيه، ومتى استوى الكلام وتركه في المصلحة - اسمع لفقههم رحمهم الله تعالى -ومتى استوى الكلام وتركه في المصلحة- يعني: كان قول الكلام أو تركه المصلحة واحدة- فالسنة الإمساك عنه، لأنه قد ينجر الكلام المباح إلى حرام أو مكروه، بل هذا كثير أو غالب في العادة، والسلامة لا يعدلها شيء) انتهى كلامه ﵀.

стр. 3

أدلة خطر اللسان من الكتاب والسنة

стр. 4

أدلة خطر اللسان من القرآن هل قرأت القرآن ومر بك قول الحق : ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] هل تفكرت في هذه الآية؟! إنها الضابط الشرعي ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:٣٧] . أسمعت أيها الإنسان؟! أسمعت أيها المسكين؟! إنها رقابة شديدة، دقيقة رهيبة، تطبق عليك إطباقاً كاملاً شاملاً، لا تغفل من أمرك دقيقاً ولا جليلاً، ولا تفارقك كثيراً ولا قليلاً، كل نفس معدود، وكل هاجسة معلومة، وكل لفظ مكتوب، وكل حركة محسوبة، في كل وقت وفي كل حال، وفي أي مكان. عندها؛ قل ما شئت، وحدث بما شئت وتكلم بمن شئت، ولكن اعلم أن هناك من يراقب ويعد عليك هذه الألفاظ ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٧-١٨] . إنها تعنيك أنت أيها الإنسان! إنها تعنيك أنت أيتها المسلمة! ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] هذه الآيات والله إنها لتهز النفس هزاً وترجها رجاً، وتثير فيها رعشة الخوف من الله . قال ابن عباس: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] قال: [يكتب كل ما تكلموا به من خير وشر، حتى إنه ليكتب قولك: أكلت، شربت، ذهبت جئت رأيت حتى إذا كان يوم الخميس عرض قوله وعمله فأقر منه ما كان فيه من خير أو شر، وألقي سائره] . واسمع للآيات من كتاب الله، تقرع سمعك، وتهز قلبك؛ إن كان قلباً مؤمناً يخاف من الله : ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار:١٠-١٢] . ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ [الأحزاب:٥٨] . ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾ [الإسراء:٣٦] . ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور:٢٣-٢٤] . وأخيراً: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر:١٤] فربك راصد ومسجل لكلماتك، ولا يضيع عند الله شيء. أما أنت أيها المؤمن! أما أنت يا من يقال عنك ويدور عنك الحديث في المجالس! أما أنت أيها المظلوم! فإن لك بهذه الآية تطميناً، فلا تخف ولا تجزع فـ ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ ، لبالمرصاد لمن أطلقوا لألسنتهم العنان في أعراض العباد، لبالمرصاد للطغيان والشر والفساد، فلا تجزع بعد ذلك أيها الأخ الحبيب!

стр. 5

أدلة خطر اللسان من السنة ولتزدد بينةً في خطر هذا اللسان الذي بين لحييك، فاسمع لهذه الأحاديث باختصار: فعن بلال بن الحارث المزني رضي الله تعالى عنه وأرضاه، أن رسول الله ﵌ قال: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت؛ يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت؛ يكتب الله له بها سخطه إلى يوم القيامة) والعياذ بالله، والحديث أخرجه البخاري في صحيحه. وكان علقمة يقول: [كم من كلام قد منعنيه حديث بلال بن الحارث] أي: هذا الحديث. اسمع لحرصهم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم: [كم من كلام قد منعنيه حديث بلال بن الحارث] كما ذكر ذلك ابن كثير في تفسيره. فأين أنت يا علقمة من أولئك الذين يلقون الكلمات على عواهنها فلا يحسبون لها حساباً؟! كم نلقي أيها الأحبة! وكم نلقي أيتها المسلمة! من الكلمات نظن أنها ذهبت أدراج الرياح، وهي عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى؟ احسب لهذا الأمر حسابه، حتى تعلم أن كل كلمة مسجلة عليك أيها الأخ الحبيب!. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها؛ يزل بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب) والحديث أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما. وفي رواية لـ مسلم: (إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب) . أسألك العفو يا إلهي! إن شغلنا الشاغل اليوم في مجالسنا أيها الأحبة! هو بث الكلمات ونشر الشائعات، وكم من كلمة قصمت ظهر صاحبها وهو لا يعلم، ولا شك أن فساد المجالس اليوم بسبب قلة العلم والاطلاع، إذ لو وجد هذا العلم لاستغلت المجالس أحسن استغلال، ولسمعت النكت العلمية، والفوائد الشرعية والمسائل الفقهية، بدلاً عن القيل والقال والغرائب والعجائب؛ ولكن فاقد الشيء لا يعطيه، وهذا أثر من آثار الجهل الذي يتفشى اليوم بين كثير من الناس، إسهال فكري، وإسهال كلامي أصاب كثيراً من مجالس المسلمين اليوم. إنك تجلس المجالس الكثيرة، بل ربما لم يمر عليك يوم من الأيام ولا ليلة من الليالي إلا وجلست مجلساً، فبماذا خرجت من هذه المجالس؟ ما هي النتيجة وما هي الثمرة من هذه المجالس التي جلستها أيها الأخ الحبيب؟! لا شك أن هذا أثر من آثار الجهل الذي يتفشى في صفوف المسلمين اليوم، وقلة البركة حيث أصبح العلم مصدر رزق لكثير من الناس، ولذلك تجد في المجلس الواحد عشرات من المدرسين والمتعلمين، ومع ذلك يذهب المجلس هباءً بدون فائدة، بل ربما ذهب -والعياذ بالله- بالآثام وجمع السيئات. وفي حديث معاذ الطويل قال النبي ﵌: (ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قال معاذ: قلت: بلى يا رسول الله! فأخذ بلسانه ثم قال: كف عليك هذا، قال: قلت: يا رسول الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟! -بعض الناس قد يجهل أنه سيؤاخذ بكل كلمة تكلمها كانت خيراً أو شراً- فقال النبي ﷺ : ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم؟!) والحديث أخرجه الترمذي في سننه، وقال: حديث حسن صحيح. وفي حديث سهل بن سعد رضي الله تعالى عن رسول الله ﷺ قال: (من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة) والحديث أخرجه البخاري في صحيحه. وفي آخر حديث سفيان بن عبد الله رضي الله تعالى عنه، قال في آخره: قلت: (يا رسول الله! ما أخوف ما تخاف عليّ؟ فأخذ بلسان نفسه ثم قال: هذا) والحديث أخرجه مسلم في صحيحه، وأحمد في مسنده، والترمذي في سننه، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. ثم يوجه المصطفى ﷺ لأمته تلك القاعدة الشرعية، والمعيار الدقيق، ولمن اختلطت عليه الأوراق، وليقطع الشك باليقين وليسلم من الحيرة والتردد، فيقول كما في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال ﵌: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) . هذه قاعدة شرعية، تربوية، منهجية، نبوية، ميزان ومعيار دقيق لك أيها المسلم! ولك أيتها المسلمة! يوم أن تجلس مجلساً (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر) انظر للتربية ولربط هذه القلوب باليوم الآخر (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) ولأن النفوس اليوم غفلت عن اليوم الآخر، وتعلقت بالدنيا وشهواتها ولذاتها، غفلت عن هذه القاعدة الشرعية النبوية، ونسيت الحساب والعذاب باليوم الآخر، ونسيت الجنة والنار أو غفلت عنها، وبالتالي انطلق اللسان يفري في لحوم العباد فرياً بدون ضوابط، وبدون خوف ولا وجل. لماذا هذه القاعدة؟ لأنه لا يصح أبداً أن يؤذي المسلم إخوانه بلسانه، ولأن المسلم الصادق والمحب الناصح هو (من سلم المسلمون من لسانه ويده) كما في حديث أبي موسى الأشعري المتفق عليه، والأحاديث في الباب كثيرة مستفيضة، وكم نحن بحاجة إلى من يردد هذه الأحاديث على مسامع الناس. كم نحن بحاجة أيها الأخيار! يا طلبة العلم! أيها الصالحون! كم نحن بحاجة يا أيتها الصالحات! يا أيتها الخائفات القانتات العابدات الساجدات! كم نحن بحاجة إلى من يردد على المسلمين والمسلمات أمثال هذه الأحاديث ليتذكروها وليعوها، وليفهموها جيداً، حتى تتذكر النفس كلما أراد اللسان أن ينطلق في كلمة يحسب لها حسابها، قبل أن يخرج لسانه بهذه الكلمات؟ واسمع لرواة هذه الأحاديث من السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم، يوم أن سمعوها علماً وعملاً، وامتثالاً للمصادر الشرعية الكتاب والسنة، وإليك الأدلة من حياتهم العملية رضوان الله تعالى عليهم.

стр. 6

حال السلف الصالح مع اللسان أسوق إليك أيها الأخ الحبيب! مواقف قليلةً جداً، كيف كان حال السلف الصالح مع ألسنتهم: ذكر الإمام مالك في الموطأ: [عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، أنه دخل على أبي بكر الصديق وهو يجبذ لسانه -أي: يجره بشدة- فقال له عمر: مه! غفر الله لك، فقال أبو بكر: إن هذا أوردني الموارد] . من القائل؟! إنه الرجل الأول بعد الأنبياء والرسل، رضي الله تعالى عنه وأرضاه، القائل هو أبو بكر، فانظر لحرصه على لسانه ﵁ وأرضاه. قال رجل: [رأيت ابن عباس آخذاً بثمرة لسانه -يعني: ممسكاً به- وهو يقول: ويحك قل خيراً تغنم، واسكت عن شر تسلم، قال: فقال له رجل: يا بن عباس! ما لي أراك آخذاً بثمرة لسانك تقول: كذا وكذا؟! قال ابن عباس: بلغني أن العبد يوم القيامة ليس هو على شيء أحنق منه على لسانه] يعني: لا يغضب على شيء من جوارحه أشد من غضبه على لسانه، والأثر أخرجه ابن المبارك وأحمد وأبو نُعيم، وأيضاً أخرجه أحمد في كتاب الزهد، والمتن بمجموع طرقه حسن، والله أعلم. وقال عبد الله بن أبي زكريا: [عالجت الصمت عشرين سنة -انظر للحساب، انظر لحساب النفس- فلم أقدر منه على ما أريد. وكان لا يدع أحداً يغتاب في مجلسه، ويقول: إن ذكرتم الله أعنّاكم، وإن ذكرتم الناس تركناكم] . انظر للضابط: إن ذكرتم الله أعنّاكم، وإن ذكرتم الناس تركناكم. والأثر ذكره أبو نُعيم في الحلية. وكان طاوس بن كيسان رضي الله تعالى عنه يعتذر من طول السكوت ويقول: [إني جربت لساني فوجدته لئيماً راضعاً] هؤلاء هم رضي الله تعالى عنهم، فماذا نقول نحن عن ألسنتنا؟! وذكر هناد بن السري في كتابه الزهد بسنده إلى الحسن أنه قال: [يخشى أن يكون قولنا: حُميد الطويل غيبة] لأنهم بينوه أو نسبوه أنه طويل، يخشون أن يكون غيبةً رحمة الله عليهم أجمعين. وأخرج وكيع في الزهد، وأبو نُعيم في الحلية، من طريق جرير بن حازم قال: ذكر ابن سيرين رجلاً فقال: [ذلك الرجل الأسود -يريد أن يعرفه- ثم قال: أستغفر الله، إني أراني قد اغتبته] . وكان عبد الله بن وهب ﵀ يقول: [نذرت أني كلما اغتبت إنساناً -انظر للمحاسبة مرة أخرى- أن أصوم يوماً فأجهدني، فكنت أغتاب وأصوم، فنويت أني كلما اغتبت إنساناً أن أتصدق بدرهم، فمن حب الدراهم تركت الغيبة] . جرب هذا، كلما اغتبتَ إنساناً أو ذكرته بسوء، ادفع ولو ريالاً واحداً، الله العالم في حالنا الآن، سنجد أنه في آخر الشهر لم يبق من الراتب ريال واحد؛ لأننا أعرف بأنفسنا أيها الأحبة في مجالسنا والله المستعان. قال الذهبي معلقاً في السير على قول عبد الله بن وهب، قال: هكذا والله كان العلماء، وهذا هو ثمرة العلم النافع. قال النووي في الأذكار: بلغنا أن قس بن ساعدة، وأكثم بن صيفي اجتمعا فقال أحدهما لصاحبه: [كم وجدت في ابن آدم من العيوب؟! فقال: هي أكثر من أن تحصى، والذي أحصيته: ثمانية آلاف عيب، فوجدت خصلةً إن استعملتها سترت العيوب كلها، قال ما هي؟ قال: حفظ اللسان] . قال إبراهيم التيمي: أخبرني من صحب الربيع بن خثيم عشرين عاماً ما سمع منه كلمةً تعاب، الله المستعان! عشرين عاماً ما سمع منه كلمةً تعاب، والأثر ذكره ابن سعد في الطبقات. وقيل له -أي للربيع -: [يا أبا يزيد، ألا تذم الناس؟! فقال: والله ما أنا عن نفسي براض فأذم الناس، إن الناس خافوا الله على ذنوب الناس وأمنوه على ذنوبهم] . وصدق ﵀، ألا ترون أيها الأحبة! أننا في مجالسنا نقول: نخشى عذاب الله من فعل فلان، ونخاف من عذاب الله من قول علان، ولا نخشى من عذاب الله من أفعالنا وأقوالنا؟! هذا ظاهر في مجالسنا، نتحدث ونقول: والله نخشى من عذاب الله من أفعال فلان وعلان! ولكننا ننسى أن نخاف على أنفسنا من عذاب الله من ذنوبنا وأفعالنا وأقوالنا، ارجع لنفسك وانظر لعيوبها قبل أن تنظر لعيوب الآخرين وتتكلم فيهم. وقال حماد بن زيد: بلغني أن محمد بن واسع كان في مجلس، فتكلم رجل فأكثر الكلام، فقال له محمد: ما على أحدهم لو سكت، فتنقى وتوقى، أي: اختار كلماته ولحسب لها حسابها. وقال بكر بن المنير: سمعت أبا عبد الله البخاري، أمير المؤمنين صاحب الصحيح رضي الله تعالى عنه وأرضاه يقول: أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحداً. اسمع للثقة: أرجو أن ألقى الله لا يحاسبني أني اغتبت أحداً، والبخاري له مؤلفات في الجرح والتعديل. ويقول الذهبي في السير -أيضاً- معلقاً على قول البخاري هذا: صدق ﵀ ومن نظر في كلامه في الجرح والتعديل علم ورعه في الكلام في الناس، وإنصافه فيمن يضعفه، فإن أكثر ما يقول -يعني أشد ما يقول البخاري إذا أراد أن يجرح رجلاً- يقول: منكر الحديث، سكتوا عنه، فيه نظر ونحو هذا، وقل أن يقول: فلان كذاب، أو كان يضع الحديث، حتى إنه قال: إذا قلت فلان في حديثه نظر؛ فهو متهم واهم، وهذا معنى قوله: لا يحاسبني الله أني اغتبت أحداً، وهذا هو والله غاية الورع. انتهى كلام الذهبي. هذه مواقف للسلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم مع اللسان.

стр. 7

صور من الواقع هي عبارة عن مواقف مبعثرة، وأحداث متعددة تتكرر في مجالسنا كثيراً، اخترت منها عشرة مشاهد، أسوقها إليك فأصغني سمعك وفهمك، وأحسن الظن فيّ، فلعلي لا أحسن التصوير، أو ربما خانني التعبير، وما أريد -يعلم الله- إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله.

стр. 8

حديث العامة في المجالس حديث العامة أن فلاناً فيه أخطاء، وأن فلاناً الآخر فيه تقصير، والثالث فيه غفلة، والرابع لا يسلم من العيب الفلاني، وهكذا أقاموا أنفسهم لتقييم الآخرين وجرحهم ولمزهم. فيا سبحان الله! نسينا أنفسنا، نسينا عيوبنا وتقصيرنا وغفلتنا وكثرة أخطائنا، ولو أعمل عاقل فكره في الجالسين أنفسهم لوجد فيهم بذاءةً في اللسان وسوءاً في المعاملة والأخلاق، فهو إن حدث كذب، أو وعد أخلف، أو باع واشترى فغش وخداع، وإن جاء للصلاة نقرها نقر غراب، مقصر في الفرائض، مهمل للنوافل، في وظيفته تأخر وهروب، وإهمال واحتيال، وفي بيته وسائل الفساد وضياع للأولاد وقطيعة للأرحام، كل هذه النقائص وهذه المصائب، عميت عليه فنسيها في نفسه وذكرها في إخوانه، فلم يسلم منه حتى ولا الصالحين المخلصين. فيا أيها الأخ! والله إني عليك لمشفق ولك محب، فأمسك عليك لسانك، وكف عن أعراض الناس [وإذا أردت أن تذكر عيوب صاحبك فاذكر عيوبك] كما قال ابن عباس. وقال أبو هريرة: [يبصر أحدكم القذى في عين أخيه، وينسى الجذع في عينه] . وقال عون بن عبد الله: [ما أحسب أحداً تفرغ لعيوب الناس إلا من غفلة غفلها عن نفسه] . وقال بكر بن عبد الله المزني: [إذا رأيتم الرجل مولعاً بعيوب الناس ناسياً لعيبه؛ فاعلموا أنه قد مكر به] . إذا رمت أن تحيا سليما من الأذى ودينك موفور وعرضك صيّن فلا ينطقن منك اللسان بسوءة فكلك سوآت وللناس ألسن وعينك إن أبدت إليك معائباً فدعها وقل: يا عين للناس أعين وعاشر بمعروف وسامح من اعتدى ودافع ولكن بالتي هي أحسن

стр. 9

مجالس يحضرها طلبة العلم والصالحون دون نكير صورة ثانية مما في واقعنا: جلسوا مجلسهم، فبدأ الحديث، فذكروا زيداً وأن فيه وفيه، ثم ذكروا قولَ عمرو فأتقنوا فن الهمز واللمز، والعجيب أن معهم فلاناً الصالح العابد الزاهد، القائم الصائم، والأعجب أن من بينهم طالب العلم فلاناً الناصح الأمين، والحمد لله لم يتكلما وسكتا، ولكنهما ما سلما؛ لأن الساكت عن الحق شيطان أخرس؛ ولأن المستمع شريك للقائل، ما لم يتبع المنهج الشرعي: (من رد عن عرض أخيه بالغيبة كان حقاً على الله أن يعتقه من النار) هذا هو المنهج الشرعي، (من رد عن عرض أخيه بالغيبة كان حقاً على الله أن يعتقه من النار) والحديث أخرجه أحمد والترمذي، وغيرهما من حديث أبي الدرداء، والحديث حسن بشواهده. فيا أيها المسلم! إذا وقع في رجل وأنت في ملأ، فكن للرجل ناصراً وللقوم زاجراً، وانصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، وقل للمتحدث: أمسك عليك لسانك، فإن استاجبوا لك وإلا فقم عنهم ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات:١٢] ؟! واسمع لكلام ابن الجوزي الجميل في تلبيس إبليس قال ﵀: وكم من ساكت عن غيبة المسلمين إذا اغتيبوا عنده فرح قلبه، وهو آثم بذلك من ثلاثة وجوه: أحدها: الفرح، فإنه حصل بوجود هذه المعصية من المغتاب. والثاني: لسروره بثلب المسلمين. والثالث: أنه لا ينكر. انتهى كلامه ﵀. ويقول ابن تيمية ﵀ في الفتاوى في الجزء الثامن والعشرين (صفحة ٣٢٧) يقول: ومنهم من يخرج الغيبة في قوالب شتى -وانتبه لهذا الكلام النفيس الجميل- تارةً في قالب ديانة وصلاح، فيقول: ليس لي عادة أن أذكر أحداً إلا بخير، ولا أحب الغيبة ولا الكذب وإنما أخبركم بأحواله، ويقول: والله إنه مسكين، أو رجل جيد ولكن فيه كيت وكيت، وربما يقول: دعونا منه، الله يغفر لنا وله، وإنما قصده استنقاصه وهضمه لجنابه، ويخرجون الغيبة في قوالب صلاح وديانة، يخادعون الله بذلك كما يخادعون مخلوقاً، وقد رأينا منهم ألواناً كثيرةً من هذا وأشباهه. انتهى كلامه ﵀.

стр. 10

اتهام النيات والدخول في المقاصد صورة ثالثة: اتهام النيات والدخول في المقاصد من أخطر آفات اللسان، يتبعه تبديع الخلق وتصنيف الناس وتقسيمهم إلى أحزاب، وهم منها براء، وقد يتبع ذلك أيمان مغلظة وأقسام وأحلاف بأنه العليم بفلان والخبير بأقواله. فيا سبحان الله! أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم قصده ومبتغاه؟ أين أنت من قول القدوة الحبيب ﷺ : (إني لم أؤمر أن أنقب قلوب الناس، ولا أشق بطونهم) والحديث أخرجه البخاري في صحيحه ومسلم في صحيحه. ورحم الله ابن تيمية يوم أن قال في الفتاوى في الجزء التاسع عشر (صفحة ١٩٢) قال: وكثير من مجتهدي السلف والخلف، قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة ولم يعلموا أنه بدعة، إما لأحاديث ضعيفة فظنوها صحيحةً، وإما لآيات فهموا منها ما لم يرد منها، وإما لرأي رأوه وفي المسألة نصوص لم تبلغهم، وإذا اتقى الرجل ربه ما استطاع دخل في قوله: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] وفي الصحيح قال: (قد فعلت)) والحديث عند مسلم في كتاب الإيمان. فيا أخي الحبيب! أمسك عليك لسانك، والزم الورع والتقى ومراقبة الله ، وأشغل نفسك في طاعة الله أنفع لك عند الله. فعن البراء رضي الله تعالى عنه قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: (دلني على عمل يدخلني الجنة -انظر للحرص- قال ﷺ : أطعم الجائع، واسق الظمآن، وأمر بالمعروف، وانه عن المنكر، فإن لم تطق فكف لسانك إلا من خير) والحديث أخرجه أحمد وابن حبان وغيرهما وهو صحيح. وعند مسلم قال: (تكف شرك عن الناس، فإنها صدقة منك على نفسك) سبحان الله! انظر لفضل الله على عباده، إن كفك شرك عن الناس صدقة تكتب لك عند الله . فيا أيها الأخ الكريم! إن أبواب الخير كثيرة، وأعمال البر عديدة، فأشغل نفسك فيها، فإن عجزت فكف لسانك إلا من خير، وإن أبيت إلا أن تكون راصداً لأقوال الناس حارساً لألسنتهم فقيهاً ببواطنهم، فحسبنا وحسبك الله.

стр. 11

تقويل الناس ما لم يقولوا وجهل النساء بمعنى الغيبة صورة أخرى: سمع ذلك المتحدث أو بعضاً من كلماته بدون إصغاء جيد، المهم أنه فهم فحوى الكلام وعرف قصد المتكلم، أو هكذا زعم -انتبهوا لهذه الصورة؛ لأنها تحصل لكثير منا- سمع ذلك المتحدث أو بعضاً من كلماته بدون إصغاء جيد، المهم كما يزعم أنه فهم فحوى الكلام، وعرف قصد المتكلم أو هكذا زعم، أو قرأ ذلك الخبر أو الكتاب، ها هو يلتهم الأسطر، نظراته تتقافز بسرعة بين الكلمات التي تساقط منها الكثير لفرط السرعة، المهم كما يزعم أنه فهم فكرة الكاتب وعرف قصده، ثم انتقل إلى المجالس ليؤدي ما تحمله ويزكي علمه، هكذا سولت له نفسه، فذكر حديث فلان وخبر علان، وأنه قال كذا وكذا، فشرق وغرب، وأبعد وأقرب، فقلب الأقوال وبدل الأحوال، وما أوتي المسكين إلا من سوء فهمه، والتسرع في نقله، من سوء الفهم أو التسرع في النقل أو في القراءة، قوّل الآخرين ما لم يقولوا، وقديماً قيل: وما آفة الأخبار إلا رواتها وكم من عائب قولاً صحيحاً وآفته من الفهم السقيم ولكن تأخذ الأذهان منه على قدر القرائح والفهوم صورة أخرى: إننا نغفل أو نتغافل، فنتكلم في المجالس ونذكر العشرات بأسمائهم، فإذا ذكّرنا مذكر أو حذّرنا غيور بأن هذه غيبة قلنا: هذا حق، وما قلنا فيه صحيح، وقد يسرد لك الأدلة والبراهين على ما يقول فيزيد الطين بلة. فيا سبحان الله! أليس النص واضحاً وصريحاً؟ ألم يقل الصحابي لرسول الله ﷺ : (أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال النبي ﷺ : إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته) والحديث أخرجه مسلم في صحيحه. إذاً: فلا مفر، فإن كان ما ذكرته صحيحاً فهذه هي الغيبة، وإن كان ما ذكرته كذباً فهو ظلم وبهتان، فكلا الأمرين مر؛ ليس لك خيار، فأمسك عليك لسانك. وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (لما عرج بي مررت بقوم لهم أظافر من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم) والحديث أخرجه أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه وإسناده صحيح. وعن عائشة ﵂ أنها ذكرت امرأة -واسمعي أيتها المسلمة! اسمعي يا من في قلبك خوف من الله ! - عائشة ﵂ (ذكرت أنها ذكرت امرأةً فقالت إنها قصيرة) وفي رواية (أنها أشارت إشارةً أنها قصيرة، فقال النبي ﷺ : اغتبتيها) وفي رواية قال ﷺ : (اغتبتها) والحديث أيضاً عند أبي داود في سننه وعند أحمد في مسنده وغيرهما وهو صحيح. إذاً: ما بال نسائنا اليوم يجلسن في مجلس فيعرضن لعشرات من النساء: فلانة وعلانة، وتلك فيها، والأخرى فيها، وهكذا! ألا يخشين الله ؟! ألا يخفن يوم أن تقف المرأة أمام الله فيسألها عن قولها؟! يا سبحان الله! ألهذا الحد وصلت الغفلة في نساء المسلمين، أن يغفلن أن مثل هذا القول سيجزين عليه أمام الله ؟! تذكري وقوفك بين يدي الله ، احرصي أيتها المسلمة! لنحرص على أنفسنا، إننا ابتلينا بقلة الأعمال الصالحة في مثل هذا الزمن، وابتلينا بكثرة الذنوب والتقصير في حق أنفسنا وحق ربنا أيها الأحبة! فلماذا إذن نزيد الطين بلةً ونجمع على ذلك ذنوب الآخرين في غيابهم بغيبتهم وتنقصهم وغير ذلك؟! وليس معنى هذا السكوت عن الأخطاء، إنني لا أطالب أن نسكت عن أخطاء الآخرين أو حتى نتغاضى عن العصاة والفاسقين والمجاهرين. وليس معنى ذلك ألا نحذر منهم وألا نفضحهم، لا، بل هذه أمور كلها مطالبون فيها شرعاً، هذه مطالب شرعية؛ ولكن بالمنهج الشرعي وبالقواعد العلمية كما جاءت عن سلفنا الصالح رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. ولكني على يقين أن أكثر ما يقال في مجالسنا لمجرد التحدث والتفكه، وربما هو الهوى وأحقاد وأضغان عافانا الله وإياكم منها. ورحم الله عبداً قال خيراً فغنم، أو سكت عن سوء فسلم.

стр. 12

ترك المجال للجهلة للخوض في العلماء صورة أخرى: قلت لبعض إخواني: الزم الأدب وفارق الهوى والغضب، أو أمسك عليك لسانك، وابك على خطيئتك، وانظر لحالك، وردد ما ذكرته لك على أمثالك. وقد كنت سمعت منه قيلاً وقالاً، وجرحاً وثلباً، وهمزاً ولمزاً في أناس ما سمعنا عنهم إلا خيراً، وهم من أهل الفضل، فما رأيناهم إلا يعملون الخير ويدعون له، ويسعون للبر وينهون عن الإثم، فما استجاب لي وما سمع مني، فرأيت أن ألزم الصمت معهم، وفيهم ولهم وعليهم، فأقبلت على واجباتي أيما إقبال، وأرحت قلبي من الأحقاد والأغلال، وذهني من الهواجس والأفكار. ثم جاء بعض الفضلاء وقال: يقولون فيك كيت وكيت! فيعلم الله ما التفت إليهم ولا تأذيت، وقلت لهم: رب كلام جوابه السكوت، ورب سكوت أبلغ من كلام، وعلمتني الحياة أن الصفح الجميل من أحسن الشيم. قالوا سكت وقد خوصمت قلت لهم إن الجواب لباب الشر مفتاح الصمت عن جاهل أو أحمق شرف أيضاً وفيه لصون العرض إصلاح أما ترى الأسد تخشى وهي صامتة والكلب يُخسأ لعمري وهو نباح ونقل الإمام الشاطبي عن أبي حامد الغزالي رحمة الله عليهما كلاماً متيناً يغفل عنه بعض الناس، فقال: (أكثر الجهالات إنما رسخت في قلوب العوام بتعصب جهلة أهل الحق، أظهروا الحق في معرض التحدي والإذلال، ونظروا إلى ضعفاء الخصوم بعين التحقير والازدراء، فثارت من بواطنهم دواعي المعاندة والمخالفة، ورسخت في قلوبهم الاعتقادات الباطلة، وتعذر على العلماء المتلطفين محوها مع ظهور فسادها) انتهى كلامه ﵀ من كتاب الاعتصام للشاطبي.

стр. 13

التلفظ بكلمات لا يحسب لها حساب صورة أخرى من صور الواقع مع اللسان في مجالسنا اليوم: أحدهم جلس مع صاحب له، أو أصحاب فتكلموا وخاضوا، ولم يكن له من الأمر شيء إلا أنه شريك في المجلس، ومن باب المشاركة قالها كلمةً أو كليمات لم يحسب لها حسابها ولم يتبين خطرها، ظنها حديث مجالس، كان يسمع ثم يهز رأسه علامة للرضا ثم قالها، لم يظن أنه يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب. فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه -كما في الحديث الذي أسلفناه- أنه سمع النبي ﷺ يقول: (إن العبد يتكلم بالكلمة ما يتبين فيها؛ يزل بها إلى النار أبعد مما بين المشرق والمغرب) . اسمع للنصوص الشرعية واستجب لها، فإن فيها حياتك ونجاتك، فقوله ﷺ (ما يتبين) أي: لا يتأملها، ولا يتفكر فيها ولا في عواقبها، ولا يظن أنها ستؤثر شيئاً، وهو من نحو قوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٥] هكذا يلقي بعض الناس هذه الكلمات. فيا أخي الكريم! انتبه للسانك، إن خطر اللسان عظيم وآفاته كثيرة، فأمسك عليك لسانك.

стр. 14

الجور على الخصوم بغير حق صورة أخرى: كثير من الجلساء إذا ذُكِر له صديقه أثنى عليه، وإن كان يعلم أنه لا يستحق ذلك الثناء، وإذا ذكر له خصمه ذمه، ولو كان يعلم أنه خلاف ما يقول. فيا أيها المؤمن! أسألك بالله، هل تستطيع أن تذكر العيوب الموجودة في أقرب الناس إليك عند الحاجة الشرعية لذلك؟ اسأل نفسك، وهل تستطيع أن تثني بصدق على إنسان تختلف معه في بعض الأمور؟! أنا لا أريد الإجابة، ولكن الواقع يشهد أن أكثر الناس يجورون على خصومهم، فيذمونهم بما ليس فيهم، ويجورون أيضاً على أصدقائهم فيمتدحونهم بما ليس فيهم، فإن من أثنى عليك بما ليس فيك فقد ذمك، نعم. لأن الناس يطلبون هذه الخصلة التي ذكرها فيك، يطلبونها فيك فلا يجدونها فيذمونك على فقدها. لا. بل الأمر أدهى من ذلك وأشد؛ فإن الحقيقة أنه كثير ما تنسينا العيوب القليلة المحاسن الكثيرة -انتبهوا لهذه الكلمة- وننسى القاعدة الشرعية: (إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث) . أفلا نتقي الله عند الجرح والتعديل وننزل الناس منازلهم، أليس قد أثنى ﷺ على النجاشي ووصفه بأنه (ملك لا يظلم عنده أحد) مع أنه حينها -أي: النجاشي - كان كافراً لم يسلم. فيا أيها المحب! أسمعت رعاك الله! أنصف الناس، وأنصف نفسك، فإن غلب عليك الهوى فأمسك عليك لسانك لا أبا لك.

стр. 15

التشنج والغضب في المجالس عند المناظرة صورة أخرى: تناظر اثنان في مجلس -أي: تجادلا وتناقشا- فارتفعت أصواتهما، وانتفخت أوداجهما، وتقاذفا بالسب والشتام. قلت: إن التشنج والانفعال ليس هو الأسلوب الأمثل لنصرة الحق أبداً. ضع هذه القاعدة في رأسك يا أيها الحبيب! إن التشنج والانفعال ليس هو الأسلوب الأمثل لنصرة الحق أبداً. ولكن كم من هادئ عف اللسان حليم كاظم للغيظ، أقدر على نصرة الحق من غيره. وقد قال أبو عثمان؛ ابن الإمام الشافعي رحمة الله عليهما: (ما سمعت أبي يناظر أحداً قط فرفع صوته) . ولهذا كان الإمام الشافعي رحمة الله تعالى عليه يقول: إذا ما كنت ذا فضل وعلم بما اختلف الأوائل والأواخر فناظر من تناظر في سكون حليماً لا تلح ولا تكابر يفيدك ما استفاد بلا امتنان من النكت اللطيفة والنوادر وإياك اللجوج ومن يرائي بأني قد غلبت ومن يفاخر فإن الشر في جنبات هذا يمني بالتقاطع والتدابر فبعض الإخوة -غفر الله للجميع- يظن أنه من تمام غيرته على المنهج وعظيم نصرته للحق، لا بد أن يقطب جبينه ويحمر عينيه، ويرفع صوته، وتتسارع أنفاسه، وهذا لا يصح أبداً. إن اختلاف الآراء ووجهات النظر لا يدعو إلى الأحقاد والأضغان، فإن المرجو هو البحث عن الحق وطلبه وليس التشفي والانتقام، فينطلق اللسان بالسباب والشتائم ومقاطعة الكلام، فما من الناس أحد يكون لسانه منه على بال، إلا رأيت صلاح ذلك في سائر عمله. واسمع للأدب الجم، والخلق الرفيع عند الحوار والمناقشة: قال عطاء بن أبي رباح: [إن الشاب ليتحدث بالحديث، فأسمع له كأني لم أسمعه ولقد سمعته قبل أن يولد] سمعت هذا الكلام الذي يقوله قبل أن يولد هذا الشخص الذي يتحدث ومع ذلك أسكت كأني لم أسمع الكلام إلا الساعة. هكذا يكون الأدب عند الحوار وعند المناظرة.

стр. 16

إطلاق العنان للسان بالتحليل والتحريم والسخرية من أعظم الصور في مجالسنا ومن أخطرها على كثير من الناس: إطلاق العنان للسان بالتحليل والتحريم والسخرية والاستهزاء بالدين. هذه من أخطر الصور التي نرى أنها تفشت اليوم في مجالس المسلمين أياً كانوا، رجالاً أو نساءً، كباراً أو صغاراً، وخاصةً بين الشباب وبين العوام، قضية التحليل والتحريم، والسخرية والاستهزاء بالدين، ولذلك إنك تسمع وترى تسرَّعَ فئاتٍ من الناس في إطلاق ألفاظ التحريم والتحليل، وقد نهى الله عن ذلك، ونهى عن المسارعة في إصدار التحليل والتحريم فقال: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمْ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل:١١٦] . وكان السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم مع سعة علمهم وفقههم، لا يكثرون من إطلاق عبارات التحليل والتحريم، وهذا من شدة ورعهم ومحاسبتهم لأنفسهم. يقول الإمام مالك رحمة الله تعالى عليه: لم يكن من أمر الناس ولا من مضى من سلفنا، ولا أدركت أحداً أقتدي به يقول في شيء: هذا حلال وهذا حرام، ما كانوا يجترئون على ذلك وإنما كانوا يقولون: نكره هذا، ونرى هذا حسناً، ونتقي هذا، ولا نرى هذا، ولا يقولون: هذا حلال ولا حرام) . انتهى كلامه من جامع بيان العلم وفضله. أما نحن فنسمع عبارات التحليل والتحريم على كل لسان، وخاصةً من العامة بدون علم ولا ورع ولا دليل، مما أثار البلبلة عند الناس والتقول على الله بغير علم. بل والمصيبة أن بعض الناس يسخر ببعض أحكام الدين، ويهزأ بالصالحين والناصحين، ربما سخر باللحية أو سخر بالثوب القصير، أو سخر ببعض سنن المرسلين -والعياذ بالله- وهؤلاء والله إنهم لعلى خطر عظيم. ألم يسمع أمثال هؤلاء قول النبي ﷺ : (وإن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها، يهوي بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب) ؟ ألم يسمع هؤلاء قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة:١] ؟ الهمزة: الطعان في الناس، واللمزة: الذي يأكل لحوم الناس. ألم يسمع هؤلاء قول الحق : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات:١١] ؟ ألم يسمع هؤلاء لقول الحق : ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] ؟ سبحان الله! غابت عليهم هذه النصوص من القرآن والسنة، غفلوا عن خطر ما يتقولونه في الليل والنهار، في السخرية والاستهزاء بالدين، ربما خرج بعضهم -والعياذ بالله- من الدين بسبب كلمة يقولها وهو لا يشعر. فحق على العاقل أن يكون عارفاً بزمانه، حافظاً للسانه، مقبلاً على شأنه.

стр. 17

النتيجة النهائية لإطلاق العنان للسان

стр. 18

النتيجة الأولى: تبديد الحسنات وإهدار العمل الصالح أقول أيها الأخ الحبيب! ويا أيتها الأخت المسلمة! إننا أحوج ما نكون إلى العمل الصالح والحسنات، وأراك تحرص على مجاهدة النفس لعلها أن تعينك على القيام بعمل صالح، من صلاة أو صيام أو صدقة، وقد تنتصر عليها وقد لا تنتصر، وإن انتصرت وقمت بالعمل فلا يسلم من شوائب كثيرة، مثل: الرياء والنقص وحديث النفس، وغيرها من مفسدات الأعمال، مع ذلك كله، فإني أراك تبذر هذه الحسنات في المجالس وتنثرها في المجالس والمنتديات. ماذا تراكم تقولون أيها الأخيار! في رجل أخرج من جيبه عشرات الريالات ثم نثرها في المجلس وبددها؟ أهو عاقل أو مجنون؟ إن من جلس مجلساً ثم أطلق للسانه العنان فهذه علامة أكيدة على إفلاسه في الدنيا والآخرة. فعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (أتدرون من المفلس؟! قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: إن المفلس من أمتي مَنْ يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار) والعياذ بالله، والحديث أخرجه مسلم في صحيحه. وعن أبي هريرة -أيضاً-: أن النبي ﷺ قال: (لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء) رواه مسلم، حتى البهائم يفصل بينها يوم القيامة، فاحفظ حسناتك، فأنت بحاجة لها. واسمع لفقه الحسن البصري يوم أن جاء رجل فقال له: [إنك تغتابني، فقال: ما بلغ قدرك عندي أن أحكمك في حسناتي] . وعن ابن المبارك ﵀ قال: [لو كنت مغتاباً أحداً لاغتبت والدي؛ لأنهما أحق بحسناتي] . ففقها رضي الله تعالى عنهما أن آفات اللسان تأتي على الحسنات، وقد لا تبقي منها شيئاً، فضياع الحسنات نتيجة أكيدة لإطلاق العنان للسان والعياذ بالله.

стр. 19

النتيجة الثانية: فضحه وبيان عواره وهتك أستاره ذلك الذي أطلق لسانه وأصبح يتكلم بلا ورع في المجالس والمنتديات، وربما أصبح بذيء اللسان، والجزاء من جنس العمل. فعن أبي برزة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يا معشر من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه، لا تتبعوا عورات المسلمين ولا عثراتهم، فإنه من يتبع عثرات المسلمين يتبع الله عثرته، ومن يتبع الله عثرته يفضحه وإن كان في بيته) والحديث أخرجه أبو داود وأحمد والبيهقي والحديث صحيح بمجموع طرقه. والواقع يشهد بذلك، فكم فضح الله حقيقة أولئك الذين آذوا إخوانهم بألسنتهم؛ حتى عرفهم الناس وانكشف أمرهم.

стр. 20

النتيجة الثالثة: تجنب الناس له اتقاء فحشه أيضاً من النتائج لإطلاق العنان للسان: أنه يعد من شرار الناس، فيتجنبه الناس ويحذرونه اتقاء فحشه؛ وإن ضحكوا له وجاملوه. هذه حقيقة نشاهدها في مجالسنا كثيراً: أن من أطلق للسانه العنان يعد من شرار الناس، فلذلك تجد أن الناس يتجنبونه، ويحرصون على الابتعاد عنه اتقاء فحشه، وإن جلس معهم في مجالسهم وإن ضحكوا وإن جاملوه؛ فإنما اتقاءً لفحشه. ومن ذلك قول النبي ﷺ لـ عائشة: (شر الناس منزلةً عند الله يوم القيامة من ودعه أو تركه الناس اتقاء شره) والحديث أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما.

стр. 21

النتيجة الرابعة: البلاء موكل بالقول رابعاً من النتائج أيضاً وهي أخيرة باختصار شديد: البلاء موكل بالقول، فيبلى المتكلم بما كان يذكره في أخيه. واحذر أيها الأخ الحبيب! واحذري أيتها المسلمة! احذري أن تظهر الشماتة بأخ أو بأخت لك فيعافيها الله ثم يبتليك بما كان فيها، فالبلاء موكل بالقول. فعن واثلة بن الأسقع رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول ﷺ : (لا تظهر الشماتة لأخيك فيرحمه الله ويبتليك) والحديث أخرجه الترمذي في سننه وقال: حسن. وقال إبراهيم التيمي: [إني أجد نفسي تحدثني بالشيء، فما يمنعني أن أتكلم به إلا مخافة أن أبتلى به] والأثر عند وكيع في الزهد. وقال ابن مسعود: [البلاء موكل بالقول، ولو سخرت من كلب لخشيت أن أحول كلباً] . هذه نتائج أربع باختصار من نتائج إطلاق العنان للسان. وأخيراً! أقول: أيها المسلم! ويا أيتها المسلمة! في نهاية المطاف: هذه شذرات حول اللسان، حسبي أني اجتهدت فيها، فما كان فيها من صواب فمن الله ، وما كان فيها من خطأ فمن نفسي والشيطان، والله ورسوله منه بريئان، وأسأل الله أن يصفح وأن يعفو عن هذا الخطأ وعن هذا التقصير. أظن أن الجميع بحاجة ماسة للتذكير فيها، فالعاقل يحرص، والغافل يتذكر، والمبتلى يحذر. فيا أيها السامع! كن المستفيد الأول، يا أيها السامع لهذه الكلمات! كن أنت المستفيد الأول من هذه الكلمات، ثم اعلم أنك تجالس كثيراً من الناس من أحبابك وخلانك وأصدقائك، ولا تخلو المجالس من غثاء قل أو كثر، فمن حقهم عليك أن يسمعوا مثل هذا الكلام، ومن حقهم عليك أن يذكروا بمثل هذه الآيات، وهذه الأحاديث، فإن القلب يغفل وإن النفس تسلو، فما أكثر الاستراحات الآن، وما أكثر الجلسات وما أكثر المنتديات، فاسمع وأسمع، فلمثل هذا كان الموضوع، فاسمع وأسمع، واستفد وأفد، والدال على الخير كفاعله. أسأل الله أن يجعله خالصاً لوجهه وأن ينفع به الجميع، ووفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه. اللهم وفقنا يا أرحم الراحمين لما تحبه وترضاه، اللهم طهر قلوبنا من النفاق وأعيننا من الخيانة وألسنتنا من الكذب والمراء والجدال، اللهم طهر ألسنتنا من الغيبة والنميمة، وجنبنا الوقوع في الأعراض، اللهم جنبنا الوقوع في الأعراض، اللهم اجعل ألسنتنا حرباً على أعدائك سلماً لأوليائك. اللهم إنا نسألك سكينةً في النفس وانشراحاً في الصدر، اللهم اجعلنا من الصالحين المصلحين، اللهم انفعنا وانفع بنا، اللهم اجعلنا من الصالحين المصلحين ومن جندك المخلصين، وانصر بنا الدين واجعل لنا لسان صدق في الآخرين. سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك اللهم ونتوب إليك. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 22

المفتاح تحدث الشيخ حفظه الله عن الإخلاص، مبيناً أنه ركن العمل وأساسه، وأنه قرين المتابعة في اشتراطهما لصلاح العمل وقبوله، وتحقيق هذين الأصلين إنما يكون بالتزام الشرع، وذلك بفعل الأوامر واجتناب النواهي، والاقتداء في ذلك بالنبي ﷺ ، ويكون أيضاً بالدفاع عن الدين، والوقوف أمام أهل الأهواء والتحذير منهم، وكشف عوارهم وشبهاتهم.

стр. 23

الأصلان اللذان عليهما مدار الإسلام إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق، دين الرحمة والعدالة، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: أيها الإخوة والأخوات! إن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة. نعم إخوة الإيمان! إن خير الحديث كتاب الله؛ لأنه يهدي للتي هي أقوم، وخير الهدي هدي رسول الله ﷺ ؛ لأنه الطريق المستقيم الموصل إلى الله، وإلى سعادة الدنيا والآخرة، ونحن نردد كل يوم (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله) وهما المفتاح، مفتاح دعوة المرسلين، ومفتاح كل الأعمال لرب العالمين، ومفتاح الدخول في الإسلام لكل الراغبين. فشهادة أن لا إله إلا الله توحيد لله، وتجريد للقلب من التأله والتعبد لأحد سوى الله، وهذا هو الإخلاص وهو من أعظم الأصول، وبعده متابعة الرسول ﷺ ، فالاتباع والتأسي برسول الله ﷺ والشهادة بأن محمداً رسول الله هو حقيقة إيمان العبد، فلا يتحقق إسلام عبد ولا يُقْبَلُ منه قول ولا عمل ولا اعتقاد إلا إذا حقق هذين الأصلين: الإخلاص والاتباع، وعمل بمقتضاهما؛ يقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:١١٠] . يقول ابن تيمية ﵀: وبالجملة فعندنا أصلان عظيمان، أحدهما: ألا نعبد إلا الله، والثاني: ألا نعبده إلا بما شرع، لا نعبده بعبادة مبتدعة، وهذان الأصلان هما تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. انتهى كلامه ﵀. وسيكون مدار الحديث عليهما:

стр. 24

الإخلاص هو ركن العمل وأساسه فالأول: الإخلاص: وهو مسك القلوب وعماد الدين، مدار الفلاح كله عليه، أصل من أعظم الأصول، علمه خير علم، وفقهه هو الفقه كله، فيه رضا الرحمن وراحة القلوب ونجاة النفوس وعلو المنزلة في الدنيا والآخرة، وهو ركن العمل وأساسه. والبيت لا يبتنى إلا بأعمدة ولا عماد إذا لم تبن أركان إنه الإخلاص، صدق النية (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) . اسمعها أخي! رددها، تأملها، أعدها، كررها: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) . سبحان الله! لا قيمة للعمل بدون نية، وليس لك إلا ما نويت، فلنتعلم إذاً النية فإنها أبلغ من العمل، لنتعلم النية فإنها تحول العادة إلى عبادة، ولما غابت النية أصبحت العبادة عادةً، جسداً بلا روح، فمن منا إذا أدى العبادة حمل هم قبولها من عدمه؟ قال مالك بن دينار: الخوف على العمل أن لا يقبل أشد من العمل. فراجع حالك، واسأل نفسك أخي! كم هي الأعمال التي مضت؟ كم منها خلصت وصفت من أعمالنا، وأقوالنا، ووظائفنا؟ هل هي لله؟ أم للناس؟ أم للدنيا؟ كم هي الساعات التي نقضيها كل يوم في وظائفنا؟! كم هي الأعمال التي ننجزها كل يوم؟ كم هي الكلمات التي نتلفظ بها كل يوم؟ ليس لك منها إلا ما نويت شئت أم أبيت. إنك تستطيع يا عبد الله! أن تجعل حياتك كلها لله، نعم. تستطيع أن تجعل ساعات العمل والوظيفة عبادةً تؤجر عليها، تستطيع أن تجعل ابتسامتك وبيعك وشراءك وإطعامك لزوجك وأولادك صدقة تكتب لك، ونهر حسنات يصب في سجلاتك. الله أكبر! ما أحلاها وما أعظمها من نعمة، قال زبيد بن الحارث: أحب أن يكون لي في كل شيء نية، حتى في طعامي وشرابي. إنها السعادة الحقة، جنة الدنيا، فلله ما أروع الإخلاص لله في كل شيء، وفي كل صغيرة وكبيرة، ودقيقة وجليلة ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام:١٦٢-١٦٣] .

стр. 25

الإخلاص والمتابعة أساسا قبول الأعمال أيها الإخوة! لقد أخلص الأوائل من -سلف هذه الأمة- فكان نومهم وطعامهم وشرابهم عبادة، نرى ذلك بركةً في أعمالهم، ونوراً في أقوالهم، وقبولاً لمصنفاتهم وكلامهم. سبحان الله! أحياء بأعمالهم وأقوالهم، أموات بأجسادهم، إنه الإخلاص الذي من أجله خلقت أنت أيها الإنسان! ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك:١-٢] . قال الفضيل بن عياض: هو أخلصه وأصوبه، فإن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل، حتى يكون خالصاً صواباً والخالص: أن يكون لله، والصواب: أن يكون على سنة رسول الله ﷺ . إذاً: لنراجع أنفسنا أيها الإخوة! لنقف هذه اللحظات وقفات مع أنفسنا، ولنسأل أنفسنا، هل كل عمل نعمله لله وكما جاء عن رسول الله؟ فإننا نقرأ في كتاب الله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:١١٠] . فيا عجباً! يا عجباً من أهل الرياء على عمل يبهرجوه وربك يعلم ما تكن صدورهم! يا عجباً لمن يعمل لمخلوقين مثله ضعفاء! هب أن الناس مدحوك وأثنوا عليك ورفعوك وقالوا فيك وقدموك، فإن لم تكن عند الله كذلك فأنت والله صعلوك، أنت أعلم الناس بنفسك فلا يغروك. أيها العقلاء! إنه الرياء، هباء في هباء ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣] فقولوا لمن لم يكن صادقاً لا يتعنى، يوم يقول الغني عنا: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه غيري فهو للذي أشرك به وأنا منه بريء) كما في صحيح مسلم. وقد قال بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧] قال: كانوا قد عملوا أعمالاً كانوا يرونها في الدنيا حسنات، بدت لهم يوم القيامة سيئات. وقال الثوري على هذه الآية: ويل لأهل الرياء، ويل لأهل الرياء، ويل لأهل الرياء، هذه آيتهم وقصتهم ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧] . لا إله إلا الله! كم نتزين للناس بأشكالنا؟ كم نظهر لهم أعمالنا؟ كم تعجبنا أنفسنا وأقوالنا؟ والله وحده أعلم بسرائرنا وبواطننا، إن الله لا ينظر إلى أجسامنا ولا إلى صورنا ولا إلى أموالنا، ولكن ينظر إلى أعمالنا وقلوبنا، فآه لقلوبنا! وآه لأعمالنا! فإذا كان أول ثلاثة تسعر بهم النار: قارئ القرآن، والمجاهد، والمتصدق بماله، الذين فعلوا ذلك ليقال: فلان قارئ، فلان شجاع، فلان متصدق، ولم تكن أعمالهم خالصةً لله، فكيف بمن دونهم؟ كيف بنا ونحن ننتظر ثناء الناس لنا؟ كيف بنا ونحن نطلب الثمن ربما لأعمالنا؟ كيف بنا ونحن نغضب لذكر عيوبنا؟ كيف بنا ونحن نقدم أهواءنا وحظوظنا؟ كيف بنا ونحن نتزين للناس بما ليس عندنا؟ قال الفضيل: كانوا يراءون بما يعملون، وصاروا اليوم يراءون بما لا يعملون. فإنا لله وإنا إليه راجعون! إنه الشرك الخفي الذي هو أخطر ما يكون على الأمة، فما أعظم خطره وما أخوفه خاصةً على الصالحين والصالحات، كما قال ﷺ : (ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قالوا: بلى، قال: الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل إليه) رواه أحمد وابن ماجة وحسنه الألباني. إخوة الإيمان! رياء المرائين صير مسجد الضرار مزبلة وخربة ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً﴾ [التوبة:١٠٨] ، وإخلاص المخلصين رفع قدر التفث والشعث (رب أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبره) . أخي! قلب من ترائيه بيد من أعرضت عنه، ليصرفه عنك إلى غيرك، فلا على ثواب المخلصين حصلت، ولا إلى ما قصدته بالرياء وصلت، وفات الأجر والمدح. فقولوا للواقفين بغير باب الله: يا طول هوانكم، وقولوا للمؤملين لغير فضل الله: يا خيبة آمالكم، قولوا للعاملين لغير وجه الله: يا ضيعة أعمالكم. لا إله إلا الله! كم بذل نفسه مراء ليمدحه الخلق، فذهبت نفسه فانقلب المدح ذماً، ولو بذلها لله بقيت ما بقي الدهر. اعلم أخي! أن رضا الناس غير مقدور، وتحصيله غير مطلوب، ومن ذا الذي يقدر على إرضاء الناس: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦] ، فاركن إلى الواحد الجبار واحرص على رضا العزيز الغفار. وإياك إياك! أن تلتفت لأهل الأطمار، أيسرك أخي يوم القيامة أن يقال لك: اذهب فخذ أجرك ممن عملت له، لا أجر لك عندنا. نعم. فالعمل صورة، والإخلاص روح، انتبه أخي! إن لم تخلص فلا تتعب، فشجرة الإخلاص أصلها ثابت، وأما شجرة الرياء فإنها تجتث عند نسمة من كان يعبد شيئاً فليتبعه.

стр. 26

حال سلفنا الصالح مع الإخلاص أيها الإخوة والأخوات! اسمعوا شيئاً من حال -سلفنا الصالح- لعل أن يكون في ذلك يقظة لقلوبنا من غفلتها ودعوةً إلى الصدق والإخلاص. قال الربيع بن خثيم: [كل ما لا يراد به وجه الله يضمحل] . ووصى الإمام أحمد ابنه قائلاً: يا بني، انوِ الخير فإنك لا تزال بخير ما نويت الخير. نعم. يا أخي! انوِ الخير فإنك بخير ما نويت الخير. وقال أيوب السختياني: والله ما صدق عبد إلا سره ألا يشعر بمكانه. سأل رجل شقيق بن إبراهيم: إن الناس يسمونني صالحاً، فكيف أعلم أني صالح أو غير صالح؟! فقال شقيق: أظهر سرك عند الصالحين، فإن رضوا به فاعلم أنك صالح وإلا فلا. أي: أحسن ما بينك وبين الله من أسرار، وإلا فالمؤمن مطالب بالستر على نفسه. وكان محمد بن يوسف الأصبهاني لا يشتري زاده من خباز واحد، ويقول: لعلهم يعرفونني فيحابونني، فأكون ممن يعيش بدينه. وقالت سرية الربيع بن خيثم: كان عمل الربيع كله سراً، إن كان ليجيء الرجل، وقد نشر المصحف، فيغطيه بثوبه. وكان إبراهيم النخعي إذا قرأ في المصحف فدخل داخلٌ غطاه. وقال الشافعي: وددت أن الخلق تعلموا هذا على ألا ينسب إليَّ حرف منه. وكان ابن المبارك ﵀ يضع اللثام على وجهه عند الغزو، قال عبدة بن سليمان: فأخذت بطرفه فمددته، فقال: وأنت يا أبا عمرو ممن يشنع علينا-أي يفضحنا-. ودخل ابن محيريز حانوتاً بـ دانق وهو يريد أن يشتري ثوباً، فقال رجل لصاحب الحانوت: هذا ابن محيريز فأحسن بيعه، فغضب ابن محيريز وخرج، وقال: إنما نشتري بأموالنا لسنا نشتري بديننا. وقال خلف بن تميم: رأيت سفيان الثوري بـ مكة، وقد أكثر عليه أصحاب الحديث، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون! أخاف أن يكون الله ضيع هذه الأمة حيث احتيج إلى مثلي. وقال الإمام أحمد: كان سفيان الثوري إذا قيل له: رؤي في المنام، يقول: خل عنك أنا أعرف بنفسي من أصحاب المنامات. وقال له رجل: رأيت كأنك في الجنة، فقال له: ويحك! أما وجد الشيطان أحداً يسخر به غيري وغيرك؟. وإبراهيم النخعي كان يقول: [تكلمت، ولو وجدت بداً ما تكلمت، فإن زماناً أكون فيه فقيه الكوفة لزمان سوء] . وقال الحسن البصري: [إن الرجل ليجلس المجلس فتجيئه عبرته فيردها، فإذا خشي أن تسبقه قام] . وقال محمد بن واسع: [لو كان يوجد للذنوب ريحٌ ما قدرتم أن تدنوا مني من نتن ريحي] . ويقول أيضاً: [لقد أدركت رجالاً كان الرجل يكون رأسه مع رأس امرأته على وسادة واحدة؛ قد بل ما تحت خده من دموعه لا تشعر به امرأته، ولقد أدركت رجالاً يقوم أحدهم في الصف، فتسيل دموعه على خده ولا يشعر به الذي إلى جنبه] . أما حسان بن أبي سنان، فتقول عنه زوجته: كان يجيء فيدخل في فراشي ثم يخادعني كما تخادع المرأة صبيها، فإذا علم أني نمت سل نفسه فخرج، ثم يقوم يصلي. وهذا زين العابدين علي بن الحسين ﵀، كان يحمل جرابَ الخبز على ظهره في آخر الليل فيتصدق به ويقول: [إن صدقة السر تطفىء غضب الرب ] . وكان أهل المدينة يقولون: [ما فقدنا صدقة السر حتى مات علي بن الحسين] . وعمرو بن قيس الملائي أقام عشرين سنةً صائماً ما يعلم به أهله، يأخذ غداءه ويغدو إلى الحانوت فيتصدق بغدائه، ويصوم وأهله لا يدرون، وكان إذا حضرته الرقة -أي: البكاء- يحول وجهه إلى الحائط، ويقول لجلسائه: ما أشد الزكام. سبحان الله! بدم المحب يباع وصلهم فمن الذي يبتاع بالثمن؟ والقصد أيها الإخوة! القصد بيان صور من حرصهم ﵏ على خلوص الأعمال مهما كانت، وليس معنى هذا -تنبهوا! - ليس معنى هذا أن الإخلاص صعبُ المنال، بل هو الفطرة التي فطر الله الناس عليها، ولذا فأمره سهل ميسور على من يسره الله عليه، وجدّ في طلبه، وجاهد نفسه من أجله، فعلى العبد فقط أن يكون مراده بجميع أقواله وأعماله الظاهرة والباطنة ابتغاء وجه الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى﴾ [الليل:١٩-٢٠] وقال: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً﴾ [الإنسان:٩] وقال الحق : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة:٥] ويقول : ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قُلْ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي * فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر:١١-١٥]-نعوذ بالله من الخسران-.

стр. 27

الإخلاص هو المعيار والمقياس لتمييز الأعمال الإخلاص لله هو معيار باطن الأعمال الدقيق، ومقياسها الصادق الذي يميز طيبها من خبيثها، وصحيحها من سقيمها، ومقبولها من مردودها، ونافعها من ضارها: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥] . ولما غاب الإخلاص في حياة الكثير من الناس اليوم، ظهر الشرك والرياء والمراءاة والشهرة، بل الغش والخداع والاحتيال والكذب، والتزلف والتلون، والعجب والكبر، والغرور والمداهنة والنفاق -نعوذ بالله من سيئ الأخلاق-. أيها الإخوة! أين النفوس التي تشتكي قسوة القلوب؟ أين القلوب التي تعلقت بالمخلوقين؟ أين القلوب المريضة التي امتلأت حسداً وانتقاماً؟ عليكم بالإخلاص فإنه شفاء لأدواء القلوب كلها، أي والله! فقلب ذاق الإخلاص لا يعرف الغل، كما قال ﷺ : (ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم، وذكر منها: إخلاص العمل لله) . يا طلاب العلم! أيها الدعاة! أيها المعلمون والمعلمات! يا كل العاملين والعاملات! أخلصوا لله وسيروا على نهج رسول الله ﷺ وأصحابه، واصدقوا وابذلوا النصح وتناصحوا وتسامحوا وليعذر بعضكم بعضاً، ثم لا يضركم بعد ذلك من خالفكم، أو تعرض لكم من الجراحين الذين لا يضعون إلا على الجروح، بل لا يغركم إن لم يستجب لكم. نعم. اتهموا أنفسكم، وراجعوا إخلاصكم، فأن من الأنبياء من يأتي يوم القيامة وليس معه أحد؛ المهم أحسنوا البلاغ واصبروا، وحسبكم أن الله يراكم ويعلم ما في نفوسكم، ورددوا ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣] . يقول ابن القيم في إغاثة اللهفان: (فإن في القلب فاقةً لا يسدها شيء سوى الله، وفيه شعث لا يلمه غير الإقبال عليه، وفيه مرض لا يشفيه غير الإخلاص له وعبادته وحده) إلى أن قال: فحينئذ يباشر روح الحياة ويذوق طعمها وتصير له حياة أخرى غير حياة الغافلين المعرضين إلى آخر كلامه - نسأل الله الكريم من فضله-. إخوة الإيمان! رجلان بجوار بعضهما، يصليان صلاة واحدة، وخلف إمام واحد، وبينهما كما بين الأرض والسماء. فلا إله إلا الله! كم من عمل صغير تكبره النية، وكم تبلغ مجرد النية بأصحابها ولو لم يعملوا (إن ب المدينة لرجالاً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم، حبسهم العذر) وفي رواية: (إلا شركوكم في الأجر) كما في الصحيحين. وهذا والله هو الفضل أن تثق بنيتك، أن تنوي الخير وتسبق بنيتك، فلا تحرم نفسك هذا الفضل العظيم. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (الخيل لرجل أجر ولرجل ستر وعلى رجل وزر، فأما الذي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله فأطال بها في مرج أو روضة فما أصابت في طيلها ذلك من المرج أو الروضة كانت له حسنات، ولو أنه انقطع طيلها فاستنت شرفاً أو شرفين كانت آثارها وأرواثها حسنات له، ولو أنها مرت بنهر فشربت منه ولم يرد أن يسقي كان ذلك حسنات له فهي لذلك أجر، ورجل ربطها تغنياً وتعففاً ثم لم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها فهي لذلك ستر، ورجل ربطها فخراً ورياء ونواءً لأهل الإسلام فهي على ذلك وزر) كما في الصحيحين. الله أكبر! الخيل دابة لهؤلاء الثلاثة، ولكن النية هي التي جعلت أحدهم يربطها فيؤجر، والآخر يربطها فيأثم، والآخر يربطها فلا يؤجر ولا يأثم. قال معاذ ﵁: (يا رسول الله! أوصني، قال ﷺ : أخلص دينك يكفك القليل من العمل) . نعم. فلم يسبق من سبق بكثرة صلاة ولا صيام، وإنما بشيء وقر في قلوبهم، فلنفتش عنه في قلوبنا لنذوق طعم السعادة، جنة الدنيا، فإن في الدنيا جنةً من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة -نسأل الله الكريم من فضله-. نعم معاشر الإخوة! كم نغفل عن أعمال القلوب!! وهي الأصل، وأعمال الجوارح تبع ومكملة، وإن النية بمنزلة الروح، والعمل بمنزلة الجسد من الأعضاء، الذي إذا فارق الروح فموات، فمعرفة أحكام القلوب أهم من معرفة أحكام الجوارح، بل هي آكد وأرجح، وهل يميز المؤمن من المنافق إلا بما في قلب كل منهما؟!! إنه الإخلاص رفع الله به قوماً، ووضع بتركه آخرين، فوصيتي لنفسي ولك أخي: أخلص الأعمال لله، واصدق في الأقوال من أجل الله.

стр. 28

أهم الوسائل المعينة على تحقيق الإخلاص اعلم أن من أعظم الوسائل المعينة على تحقيق الإخلاص، أولاً: أن تعرف ما هو الإخلاص؟ وكيف تريد أن تصل لشيء لا تعرفه؟! فكم نتحدث عن الإخلاص ونسأل الله الإخلاص، ونحن قد لا نعرف ما هو الإخلاص؟ والإخلاص: أن يكون العمل لله لا ترى فيه نفسك ولا حظوظها، ولا ترى فيه الخلق؛ وقيل الإخلاص هو: الخلاص عن رؤية الأشخاص. وعلامة الإخلاص: استواء أعمال العبد في الظاهر والباطن -ليس إخفاء العمل- وأما الرياء: أن يكون ظاهره خيراً من باطنه، أما إن كان الباطن أعمر من الظاهر فهذا صدق الإخلاص -نسأل الله الكريم من فضله-. فاحفظ هذه العلامات فإنها ميزان تزن فيه نفسك، ولقد كان الكثير من -السلف- رضوان الله تعالى عليهم يخاف على نفسه من النفاق، قال ابن أبي مليكة: [أدركت ثلاثين من صحابة رسول الله ﷺ كلهم يخاف على نفسه من النفاق] وليس معنى الحديث عن الإخلاص -تنبه يا أخي! وتنبهي يا أمة الله- أن تعذب نفسك بكثرة الوساوس والهواجس، وهل أنت مخلص أم مُرَاءٍ، فتنبه؛ فإن الإفراط في هذا الباب فيه مداخل للشيطان، كم زلت به الأقدام، واختلطت فيه الأفهام، وهلك فيه أقوام. يقول النووي ﵀: ولو فتح الإنسان عليه باب ملاحظة الناس، والاحتراز من ظنونهم الباطلة، لانسد عليه أكثر أبواب الخير، وضيع على نفسه شيئاً عظيماً من مهمات الدين، وليس هذا طريق العارفين. انتهى كلامه ﵀. وصدق، كم من الناس يحرمون أنفسهم من الأعمال بحجة: نخشى أن نقع في الرياء يتركون الكثير من الأعمال بحجة أن هذا العمل رياء، أو نخشى من الرياء، أو نخاف من الرياء، وهذا مدخل من مداخل الشيطان، إذ ليس علاج الرياء ترك العمل، وإنما تصحيح النية وزيادة العمل، فتنبه، إلا أن يكون الرياء في أصل العمل، أو في عمل يرتبط آخره بأوله ففي هذا تفصيل ذكره أهل العلم. ثانياً: معرفة الله وعظمته وقدرته وفضله ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور:٢١] فهل ينظر للخلق من عرف الله بحق؟! لا. وإنما تعرّف على الله حق المعرفة، لك أن تتصور عظمة الله؛ لأنه هو المستحق وحده للعبادة جل وعلا. ثالثاً: معرفة النفس، وأنها جاهلة ظالمة طبعها الكسل وحب الشهوات، وحب التصدر والظهور، ورحم الله رجلاً لم يغره كثرة ما يرى من الناس، ابن آدم إنك تموت وحدك وتدخل القبر وحدك، وتبعث وحدك،وتحاسب وحدك، -فتنبه- فلا يغرك الناس فأنت أعلم الناس بنفسك، فجاهد النفس، اعرف عيوبها، وتقصيرها. نعم. أنت أعرف الناس بنفسك، لا يغرك الناس بثنائهم عليك، ولا بمدحهم لك، فهم لا يرون منك إلا الظاهر، فاتق الله تعالى في الباطن، اتهم النفس على الدوام، فآفة العبد رضاه عن نفسه، وقد قيل: من شهد في إخلاصه الإخلاص، احتاج إخلاصه إلى إخلاص. وقيل لـ سهل: أي شيء أشد على النفس، فقال: الإخلاص لأنه ليس له فيه نصيب. وقال يوسف بن الحسين: أعز شيء في الدنيا الإخلاص، وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي فكأنه يمقت على لون آخر. إذاً فالقضية تحتاج إلى مجاهدة، لا تتصور أنك تصل إلى الإخلاص وتثبت على هذا الأمر، إنما يحتاج القلب إلى معالجة، تحتاج النفس إلى مجاهدة مستمرة، فتنبه لنفسك وقلبك. وقال الثوري ﵀: ما عالجت شيئاً أشد عليّ من نيتي، إنها تتقلب علي. وعلى كلٍ أخلص في مجاهدة النفس تجد عجباً وانشراحاً، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩] . رابعاً: اعلم أنك عبد محض، والعبد لا يستحق على خدمته لسيده عوضاً ولا أجراً، إذ هو يخدمه بمقتضى عبوديته، فما يناله من سيده من الأجر والثواب، فهو تفضل منه وإحسان إليه، وإنعام منه لا معاوضة، فكل خير في العبد هو من فضل الله ومنته وإحسانه ونعمته، فهل للعبد أن يرى عمله بعد هذا؟ لا والله. خامساً: أنت مخلوق ضعيف، ﴿خُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً﴾ [النساء:٢٨] فأكثر من الاستعانة بالله، وألح عليه بالدعاء أن يرزقك الإخلاص قبل العمل، وأثناء العمل وبعد العمل، واستعذ بالله من شر نفسك ومن الرياء، فكما قال ﷺ : (الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل، وسأدلك على شيء إذا فعلته أذهب عنك صغار الشرك وكباره، تقول: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم) .

стр. 29

أمور يجب التنبيه عليها في مسألة الإخلاص إخفاء الأعمال علامة على الإخلاص لكنه ليس شرطاً للإخلاص، المهم ألا تقصد نظر الناس إليك، ولا يهمك نظرهم وقولهم، فالإخلاص استواء الظاهر والباطن -كما تقدم-، بل ربما كان إظهار العمل خير من إخفائه، كمن سن سنةً حسنةً، والله تعالى يقول: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢٧١] . وأيضاً: ليس من الرياء نشاط العبد للخير عند مجالسة الصالحين، فإن مجالستهم تبعث على النشاط وعلو الهمة، فليكن عملك لله وليس لهم وإن كانوا سبباً في تشجيعك للعمل. لكن احذر الكسل على الدوام، قال علي بن أبي طالب ﵁: [للمرائي علامات: يكسل إذا كان وحده، وينشط إذا كان في الناس، ويزيد في العمل إذا أثني عليه، وينقص إذا ذم به] . ومنها -أيضاً- من الأمور التي يجب التنبه عليها: ثناء الناس ومدحهم لا ينافي الإخلاص، بل قد يكون عاجل بشرى المؤمن، كما قال ﷺ لما سئل عن الرجل يعمل العمل من الخير يحمده الناس عليه، لكن إياك أن يكون العمل طلباً للثناء، أو حتى انتظار الثناء من المخلوقين، أو أن تغتر بالثناء، فالمخلص يفر من الشهرة، ولكن الله يضع له القبول في الأرض فيسر العبد بفضل الله، وأما المرائي فيركب الصعب والذلول ليحظى بالقبول، لكن هيهات هيهات! قال ابن رجب: (وهنا نكتة دقيقة، وهي أن الإنسان قد يذم نفسه بين الناس، يريد بذلك أن يُري الناس أنه متواضع عند نفسه، فيرتفع بذلك عندهم ويمدحونه به، وهذا من دقائق أبواب الرياء، وقد نبّه عليه -السلف الصالح-. قال مطرف بن عبد الله بن الشخير: [كفى بالنفس إطراءً أن تذمها على الملأ كأنك تريد بذمها زينتها، وذلك عند الله سفح] انتهى كلامه. ومنها أيضاً: أنه ليس معنى الإخلاص أنك لا تذنب ولا تخطئ. تنبهوا أيها الإخوة لهذه المسألة! ليس معنى الإخلاص أنك لا تذنب ولا تخطئ، فكل بني آدم خطاء. من ذا الذي ما ساء قط ومن له الحسنى فقط ولكن أن يستوي الظاهر والباطن، وتجاهد نفسك لترضي الله، فيكون لك عمل صالح بالسر، كما كان لك ذنب بالسر، وأن تتوب وتستغفر سراً، كما عصيت وأذنبت سراً، أو تكتم حسناتك كما كتمت سيئاتك. لكن المصيبة أن تظهر الخير وتبطن الشر، ومصيبة المصائب من يظهر الشر ويجاهر بالمعصية، ويمتنع عن الخير بحجة الهروب من النفاق، كمن يعمل السوء ويحلق لحيته حتى لا يظن الناس فيه خيراً، فيكون منافقاً زعم، وهذا من الفقه الذي فتح به إبليس على المفاليس، فإن كتمان الذنوب أمر مندوب (وكل أمتي معافى إلا المجاهرون) . وكما قال الفضيل بن عياض: ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما نسأل الله أن يعافينا وإياكم منهما. ومن علامات عدم الإخلاص: أن يميل حيث مال هواه. فاحذر الهوى أخي الحبيب! وأن يتشبث بالمنصب والرئاسة، وأن يستعبده الدرهم والدينار. قال ابن القيم ﵀: وقد جرت عادة الله التي لا تبدل وسنته التي لا تتحول، أن يلبس المخلص من المهابة والنور والمحبة في قلوب الخلق، وإقبال قلوبهم إليه بحسب إخلاصه ونيته ومعاملته لربه، ويلبس المرائي اللابس ثوب الزور من المقت والمهانة والبغضة ما هو اللائق به. انتهى كلامه. والمؤمن من جمع بين الإحسان وسوء الظن بالنفس، والمغرور من جمع بين الإساءة وحسن الظن بالنفس، ولا يجتمع الإخلاص والغرور، فالغرور قتّال وكذا حب الشهرة والظهور فهو يقصم الظهور. واسمع لهذا الكلام النفيس لـ ابن القيم وتأمله جيداً، يقول ﵀: لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء والطمع فيما عند الناس، إلا كما يجتمع الماء والنار والضب والحوت، فإذا حدثتك نفسك بطلب الإخلاص، فأقبل على الطمع أولاً فاذبحه بسكين اليأس، وأقبل على المدح والثناء فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا في الآخرة، فإذا استقام لك ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح سهل عليك الإخلاص؛ فإن قلت: وما الذي يسهل عليّ ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح؟ قلت: أما ذبح الطمع فيسهله عليك، علمك يقيناً أنه ليس من شيء يطمع فيه، إلا وبيد الله وحده خزائنه لا يملكها غيره، ولا يؤتي العبد منها شيئاً سواه، وأما الزهد في الثناء والمدح فيسهله عليك علمك أنه ليس هناك أحد ينفع مدحه ويزين، ويضر ذمه ويشين إلا الله وحده إلى آخر كلامه ﵀.

стр. 30

ميزان الإخلاص والمتابعة وضرورة ملازمتهما أيها الإخوة! اعلموا أن الإخلاص هو ميزان أعمال القلوب، التي لا يطلع عليها إلا علام الغيوب، ويقابله الشرك الأصغر أو الأكبر، والمتابعة هي ميزان أقوال اللسان وأعمال الجوارح الظاهرة، ويقابلها المعصية أو البدعة، والناس شهداء الله في أرضه، وإنما يشهدون للإنسان أو عليه، بما يرون من أعماله ويسمعون من أقواله، والغالب أنهم لا تتفق شهادتهم وثناؤهم للإنسان أو عليه، خاصةً بعد موته إلا وهو كذلك، وفي الحديث: (من أثنيتم عليه خيراً وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شراً وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض) كما في المسند عند أحمد. فلازموا الإخلاص لربكم، والمتابعة لنبيكم محمد ﷺ في أقوالكم وأعمالكم ونياتكم، فكل عمل أو قول مما شرع الله لا يراد به وجه الله فهو باطل، لا ثواب له عليه في الآخرة وإن أدرك شيئاً من حطام الدنيا، كما يقول الحق : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥-١٦] ، ويقول تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً﴾ [الإسراء:١٨-١٩] ويقول تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى:٢٠] . وعن أنس ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: (من فارق الدنيا على الإخلاص لله وحده لا شريك له، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، فارقها والله عنه راض) اللهم ارض عنا، واغفر لنا وارحمنا، نسأل الله أن يتوفانا على الإخلاص.

стр. 31

المتابعة هي أساس دين الإسلام إخوة الإسلام! أما متابعة النبي ﵊ فهي أساس دين الإسلام، تواترت النصوص الشرعية فيه من السنة والقرآن، وآثار الأئمة الأعلام، ومع ذلك فقد اضطربت فيه أفهام وزلت أقدام، فلا بد إذاً من البيان والإسهام. ولو تأملنا حياتنا، الأقوال والأعمال والعبادات والمعاملات، ومدى اتباعنا لمنهج الحبيب ﷺ فيها؛ لرأينا التقصير الواضح والغفلة عن سنة النبي ﷺ ، حتى أصبح المتمسك بالسنة اليوم غريباً، قال ﷺ : (إن من ورائكم زمان صبر، للمتمسك فيه أجر خمسين شهيداً منكم) كما في الطبراني في الكبير وصححه الألباني. بل هاهو العالم يموج بالبدع والمستجدات، والتي تهدم الدين عروةً عروةً، قال عبد الله الديلمي: إن أول ذهاب الدين ترك السنة، يذهب الدين سُنةً سُنةً كما يذهب الحبل قوةً قوةً. وكم هي السنن التي تذهب اليوم تركها الناس، بل ربما استهزئ بأصحابها، حتى كثرت الأقوال والشبهات، والجرأة على الأحاديث والآيات، والقيل والقال في الحلال والحرام، فوقع الناس في حيرة وتردد، وضياع وتخبط، وهذا مصداق حديث رسول الله ﷺ ، فقد أخبر ﷺ عن هذا فقال: (وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً) فما هو الحل؟ (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة) والحديث رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة. فالله الله بسنة نبيكم والعض عليها بالنواجذ، والتمسك بها قولاً وعملاً واتباع منهجه ﷺ ، ففي الاعتصام بالسنة نجاة وأي نجاة، خاصةً في زمن الفتن والهلكات وكثرة القيل والشبهات. وكما قال أبو القاسم الأصبهاني: ليس لنا مع سنة رسول الله ﷺ من الأمر شيء إلا الاتباع والتسليم، ولا يُعرض على قياس ولا غيره، وكل ما سواها من كلام الآدميين تبعٌ لها، ولا عذر لأحد يتعمد ترك السنة ويذهب إلى غيرها، لأنه لا حجة لقول أحد مع قول رسول الله ﷺ إذا صح إلى آخر كلامه.

стр. 32

حقيقة الاتباع أيها الإخوة! ديننا دين الإسلام مبني على الوحي والنقل الصحيح، فما جاءنا من أمر ونهي في كتاب الله تعالى أو سنة رسوله ﷺ وجب علينا قبوله والمبادرة إلى امتثاله فعلاً كان أو تركاً. أو ليس الإسلام هو الاستسلام لله والانقياد له؟ يجب إن كنا نردد أننا مسلمون مستسلمون لله منقادون لأوامره وأحكامه، يجب إذاً على كل مسلم ومسلمة ألا يقدم على شيء من شئون حياته، إلا ويسأل أهو موافق لأمر دينه أم لا؟ هذا لا بد منه، لابد أن نحيي هذا بيننا أيها الإخوة، كلما أردت أن تقدم على أمر، اسأل هل هذا موافق لدين الله أم لا؟ وهذه حقيقة الاتباع، فالإسلام دين التمام والكمال، فكل ما يحتاجه الناس في أصول الدين وفروعه، وفي أمور الدنيا والآخرة جاءت الشريعة ببيانه وإيضاحه، كما أخبر الله تعالى فقال: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل:٨٩] ، وقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] فهل يصح بعد هذا أن يُترك المجال للهوى أو للعقل والفكر ليتخبط في التشريع ورسم طريق الأمة؟ ثم هب أنه كان ذلك، فأي عقل سنستجيب له؟! وأين ذلك العقل الذي سلم من الهوى وحظوظ النفس، فضلاً عن فساده وضلاله؟! ثم لو سلمنا بسلامة تلك العقول ونصحها وحبها الخير للناس، فهل ستتفق العقول كلها على منهج وطريق واحد؟! ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:٢٢] . إذاً: فنحن نقتدي ولا نبتدي، ونتبع ولا نبتدع، ومع ذلك لا ندعو لتهميش العقل أو الحجر عليه، أو الجمود وعدم التفكير والإبداع، كما يقول المهوشون المشوشون؛ بل لك ذلك كله، فقد كرم الله الإنسان وفضله بالعقل، وامتدح في كتابه ذوي الألباب فقال: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الرعد:١٩] وقال: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩] . لكن بضوابط نصوص الوحيين التي هي من الخالق لكل شيء، ومن مخلوقاته العقل. فهل يعترض العقل على خالق من بعض مخلوقاته العقل ولا معارضة أبداً بين العقل السليم والنقل الصحيح، -انتبهوا- لا معارضة أبداً بين العقل السليم والنقل الصحيح، وما لا يفهمه العقل مما صح فلا ينسف ويرد أو يعطل أو يحد، بل يجب فيه التسليم والخضوع، فللعقل حدود وللشرع حمى وسدود؛ ولكن بعض الناس تعدوا الحدود وحطموا السدود، فلم يبقوا العقل في المكانة التي وضعه الله تعالى فيها، بل زلوا فيه على صنفين: ١/ صنف عطله ولم يقم له وزناً، فعبدوا الأشجار والأحجار والأوثان. ٢/ وصنف بالغ فيه وجعله مصدراً للتشريع وقدّمه على النقل الصحيح، غفل هؤلاء عن أن للعقول حدوداً تنتهي في الإدراك إليها، وأن الله تعالى لم يجعل لها سبيلاً إلى إدراك كل شيء، كما غفل أولئك أن الله حافظ دينه، وعاصم نبيه من الزلل والانحراف في تبليغ دينه، والله تعالى أمرنا بالتسليم لحكمه، وحكم رسوله ﷺ تسليماً مطلقاً، لا بمحاكمة النصوص إلى العقول قبل التسليم بها كما قال تعالى -وتنبهوا لهذه الآية التي يغفل الكثير من المسلمين عنها لما يقدم الهوى على قال الله وقال رسوله-: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] لا يوجد في أنفسهم حرج، لا يوجد في أنفسهم تردد لقول الله وقول رسوله ﷺ ، وما أحسن كلام ابن أبي العز الحنفي حين شرح قول الطحاوي: ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام، يقول: أي: لا يثبت إسلام من لم يسلم لنصوص الوحيين وينقاد إليها، ولا يعترض عليها ولا يعارضها برأيه ومعقوله وقياسه. فاعلم يا من رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ رسولاً! أن الاتباع شرط لقبول العبادات، فالأعمال التي تعمل بلا اتباع وتأسٍ لا تزيد عاملها من الله إلا بعداً، وذلك لأن الله تعالى إنما يعبد بأمره الذي بعث به رسوله ﷺ لا بالآراء والأهواء؛ قال ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) مردود عليه. وقال الحسن البصري: [لا يصح القول إلا بعمل، ولا يصح قول وعمل إلا بنية، ولا يصح قول وعمل ونية إلا بالسنة] . أيها النبلاء! شتان بين عقول العقلاء وبين عقول أصحاب الأهواء -فتنبهوا- فليس من المعقول أن نتذاكى على النصوص، ونلوي أعناقها، ونستولد منها الأحكام قصراً؛ بحجة أن العصر تغير، وأن الزمن تطور، فإن لم يحتمل المعنى عمليةً قيصريةً، واستعصت النصوص على عقولهم وتأويلاتهم الباطلة فهي ضعيفة الإسناد، فإن سلم الإسناد فهي ضعيفة لمعناها، وهكذا لم يسلم من الأحاديث إلا ما وافق أهواءهم. يا سبحان الله! عجباً لدين لا ثوابت فيه! أي دين هذا؟! وأي عقيدة تلك التي تميل مع الشهوات وتتغير مع المتغيرات؟! ثم هل نحن أكثر فقهاً وفهماً للأحاديث من صحابة رسول الله ﷺ الذين تنزل عليهم القرآن، وعاشوا بين ظهراني نبي الإسلام، وشهدت لهم السنة والقرآن بأنهم خير القرون؟!

стр. 33

تعظيم السلف الصالح لسنة النبي ﷺ اسمعوا أيها الإخوة والأخوات! كيف كان تعظيمهم لسنة رسول الله ﷺ ، واحترامها والأخذ بها والعمل بمقتضاها. فهذا أبو بكر الصديق أفضل هذه الأمة بعد نبيها يقول: [لست تاركاً شيئاً كان رسول الله ﷺ يعمل به إلا عملت به، وإني لأخشى إن تركت شيئاً من أمره أن أزيغ] . قال ابن بطة: هذا يا إخواني الصديق يتخوف على نفسه من الزيغ، إن هو خالف شيئاً من أمر نبيه ﷺ ، فماذا عسى أن يكون من زمان أضحى أهله يستهزئون بنبيهم وأوامره، ويتباهون بمخالفته ويسخرون بسنته؟ هذا في زمانه، في زمان ابن بطة، فماذا نقول نحن أيضاً في زماننا والله المستعان! نسأل الله عصمةً من الزلل ونجاةً من سوء العمل. لقد استلم عمر الحجر الأسود وقال: [والله إني لأقبلك وإني لأعلم أنك حجر وأنك لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ قبلك ما قبلتك] كما في صحيح مسلم. وقال علي بن أبي طالب: [لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخفين أحق بالمسح من ظاهرهما، ولكن رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهرهما] . وحدث ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذنكم، فقال ابنه بلال بن عبد الله: والله لنمنعهن، قال: فأقبل عليه عبد الله فسبه سباً سيئاً ما سمعته سبه مثله، وقال: أخبرك عن رسول الله وتقول: والله لنمنعهن) . ورأى عبد الله بن مغفل ﵁ رجلاً يخذف بالحصى فنهاه وقال: (إن رسول الله ﷺ نهى عن الخذف، وقال: إنه لا يرد الصيد ولا ينكأ العدو، ولكنه يكسر السن ويفقأ العين، فرآه بعد ذلك يخذف، فقال: أحدثك عن رسول الله ﷺ ثم تخذف؟ والله لا أكلمك أبداً) كما في الصحيحين. وحدث ابن سيرين رجلاً بحديث عن النبي ﷺ فقال رجل: [قال فلان كذا، -يعني: كأنه معترض عن الحديث بقول فلان- فقال ابن سيرين: أحدثك عن النبي ﷺ وتقول قال: فلان وفلان كذا وكذا! والله لا أكلمك أبداً] . وقال أبو حنيفة: إذا صح الحديث فهو مذهبي، ولا يحل لأحد أن يقول بقولنا حتى يعلم من أين قلناه. وقال مالك: إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه. وقال أيضاً: السنة سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق. وقال الشافعي: كل ما قلت وكان قول رسول ﷺ خلاف قولي مما يصح فحديث النبي ﷺ أولى ولا تقلدوني. وروى أبو نُعيم في الحلية عن الشافعي ﵀: أنه أتاه رجل فسأله عن مسألة فقال: قضى رسول الله ﷺ بكذا وكذا، فقال الرجل للشافعي: ما تقول أنت؟ فقال الشافعي ﵀: سبحان الله! أتراني في كنيسة؟ تراني في بيعة؟ تراني على وسطي زناراً؟ أقول: قضى رسول الله ﷺ كذا وكذا وأنت تقول لي: ما تقول أنت؟. وقال أحمد بن حنبل: لا تقلدوني ولا تقلدوا مالكاً ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري وخذوا من حيث أخذوا. وقال الأوزاعي رحمه الله تعالى: عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوا لك القول. وقال أيضاً: إذا بلغك عن رسول الله ﷺ حديثاً فإياك أن تقول بغيره، فإن رسول الله ﷺ كان مبلغاً عن الله تعالى. معاشر الإخوة والأخوات! إذاً فاعلموا أن المتابعة هي الاقتداء والتأسي بالنبي ﷺ في الاعتقادات، والأقوال، والأفعال، والتروك، بعمل مثل عمله على الوجه الذي عمله النبي ﷺ ، من إيجاب أو ندب أو إباحة أو كراهة مع توفر القصد والإرادة في ذلك، إذ المراد باتباع الرسول ﷺ اتباعه في كل ما جاء به من أوامر ونواه في القرآن والسنة، لقوله ﷺ : (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه) . قال عطاء: [طاعة الرسول: اتباع الكتاب والسنة، وضد الاتباع المخالفة أو الابتداع] . وكم هم أولئك الذين اليوم يخالفون سنة المصطفى ﷺ ويبتدعون.

стр. 34

أقسام أفعال النبي ﷺ من حيث الاتباع والتأسي اعلموا أيضاً أفعال النبي ﷺ من حيث الاتباع والتأسي تنقسم إلى ثلاثة أقسام هي: أولاً: الأفعال الجبلية: كالقيام والقعود والشرب والنوم وغير ذلك، وهي نوعان من جهة التأسي والاتباع: نوع جاء النص الخارج عن الفعل بإيجابه أو ندبه، كالأكل باليمين والشرب ثلاثاً وقاعداً والنوم على الشق الأيمن، فهنا يشرع التأسي والاقتداء به في ذلك. ونوع لم يأت نص دال على مشروعيته، وهو باق على الأصل من حيث الإباحة للجميع؛ وذلك لأن الأوصاف التي يطبع عليها الإنسان كالشهوة إلى الطعام والشراب لا يطلب بدفعها، ولا بإزالة ما غرز في الجبلة منها. وهذا النوع محل خلاف بين أهل العلم، في مشروعية التأسي والاقتداء به ﷺ فيه على جهة الندب على قولين: الأول: أن التأسي والاقتداء بالنبي ﷺ في هذا النوع مندوب، وقد كان ابن عمر ﵁ يفعل مثل ذلك، وإن كان قد فعله ﷺ اتفاقاً ولم يقصده. القول الثاني: أنه لا يشرع التأسي والاقتداء بالنبي في هذا النوع، وهذا قول وفعل جمهور الصحابة ﵃، ومنهم الفاروق وعائشة ﵄، ويلحق بالأفعال الجبلية الأفعال التي فعلها النبي ﷺ بمقتضى العرف والعادة كلبس الجبة والعمامة وإطالة الشعر ونحو ذلك، إذ لا تدل على غير الإباحة، إلا إذا ورد دليل على مشروعيتها. ثانياً من الأفعال: الأفعال التي علم أنها من خصائصه ﷺ : ذكر أهل العلم في باب خصائصه أموراً من المباحات والواجبات والمحرمات، بعضها متفق على حكمه بالنسبة له ﷺ ، وبعضها الآخر فيه خلاف. فمن المباح له -مثلاً- الزيادة على أربع نسوة في النكاح، ومن الواجب عليه: وجوب التهجد وقيام الليل، ومن المحرم عليه: الأكل من الصدقة، فهذه خصائص لا يشاركه فيها أحد ولا يقتدى ويتأسى به فيها. قال الشوكاني: والحق أنه لا يقتدى به ﷺ فيما صرح لنا بأنه خاص به، كائناً ما كان إلا بشرع يخصنا. ويلحق بهذا ويرجع إليه: ما خص به رسول الله ﷺ بعض أصحابه دون بعض؛ كشهادة خزيمة وأضحية أبي بردة،كما يلحق به ما خص به ﷺ أهل بيته ﵃ كالمنع من أكل الصدقة. ثالثاً من الأفعال: الأفعال التعبدية: وهي المقصودة، وهي الأفعال غير الجبلية وغير الخاصة والتي يقصد بها التشريع، فهذه مطلوب الاقتداء والتأسي به ﷺ فيها، وهي الأصل في أفعال النبي ﷺ لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١] إلا أن صفتها الشرعية تختلف من حيث الإيجاب أو الندب بحسب القرائن.

стр. 35

ظهور البدع ومعارضة أهل الأهواء لشرع الله اعلموا أيها الإخوة! أنه ما ظهرت بدعة وفشت، إلا وأماتت معها سنةً من السنن، لأن الأصل في البدعة أنها لم تظهر إلا بعد ترك سنة، فكانت البدعة كالعلامة الدالة على ترك طريق السنة، فتمسكوا بالسنة واتبعوا ولا تبتدعوا، فإن من المعلوم أن من أهم عوامل النجاح للإنسان: التخطيط والتنظيم، فلا بد أن يكون له خط مرسوم ومنهج معلوم، وإلا فالتخبط والفوضوية والفشل. ولذا فنحن نسمع عن الخطط المستقبلية للأحزاب السياسية والمؤسسات الاقتصادية، وفي كل النواحي الحياتية، لماذا نقبل الخطط المرسومة في كل شيء وينادى بها؟ وإذا أردنا أن نسير على منهج معلوم في ديننا، وهو الذي رسمه لنا نبينا ﷺ أرجف المرجفون وتنادى المبطلون: رجعيون، متخلفون، ظلاميون، فالمتمسكون بالكتاب والسنة أصحاب ظواهر ليس لهم عقول، وصاحب الآراء والأفكار المتهافتة هو المستنير المقبول. سبحان الله! أي قول هذا؟ صدق الله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمْ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٣] . رويدكم يا هؤلاء! أتريدون أن نقبل إبداعكم المزعوم ومنهجكم المرسوم بعقولكم القاصرة، والتي مهما بلغت فهي عرضة للخطأ والنقص والضعف والهوى؛ ونترك المنهج الرباني الذي أنزله الله من فوق سبع سماوات؟ أتريدون أن نتبع خطاكم ونهجر خطا الحبيب المعصوم ﷺ ؟ ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنَّا تُصْرَفُونَ﴾ [يونس:٣٢] . أي الطريقين أهدى وأقوم أيها الإخوة؟! هيهات! أين السهى من شمس الضحى؟ وأين الثرى من كوكب الجوزاء؟ فالله تعالى يقول: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١] ، وأولئك يقولون: اتبعونا واسمعونا، والله تعالى يقول: ﴿مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠] وهم يقولون: أطيعونا! والله تعالى يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩] وهؤلاء يقولون: إلى العقول! وإلا فما معنى هذا الركام من الزكام، في كثرة المناقشات والمجادلات المتكررة بالأقلام والكلام وعبر وسائل الإعلام، تخبط وتأويل وصرف لمعاني النصوص عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات، ولسان حالهم يقول: كل آية أو حديث تخالف أهواءنا وعقولنا فهو مؤول أو منسوخ. فآه على الدين! يوم ندع من يتكلم في دين الله تعالى، ويتخبط في الأحكام؟ آه على الدين! من ينصر سنة سيد المرسلين؟ من يحمل لواء الدفاع عن سنة المصطفى الأمين؟! من يذب عن حديث الحبيب ﷺ ؟ إنها أمية الدين والجهل بمقاصد الشريعة. نعم. هذا الباب ضيعه الكثير من الناس، الشريعة جاءت لمقاصد، النصوص جاءت لمقاصد، لا بد أن ندور مع هذه المقاصد، ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ [البقرة:٧٨] . ولسنا ندعي أن الدين حكر على أحد، ولا وقف لفئة دون فئة، ولكن كما قال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾ [الإسراء:٣٦] ، فإن بعض الناس ما أن يبلغ شأناً في تخصصه، إلا ويظن أنه يصح له أن يلج في كل شيء، بل إن علوم الشريعة عنده أقصر جدار وأوسع باب، فأسهل شيء على بعضهم أن ينقد نصاً صحيحاً أو يرده إذا خالف عقله، فيتلاعب بالنص وينتهك حرمته ويسيء الظن به. يا عجباً! هكذا تنتقد الأحاديث النبوية ويتجرأ على مواجهتها بالعقل.

стр. 36

وصف أهل الأهواء والآراء الفاسدة والتحذير من شبهاتهم لقد أحسن ابن القيم رحمه الله تعالى حين وصف أمثال هؤلاء بقوله عن المحاذير التي يقعون فيها قال: المحذور الرابع: تلاعبهم بالنصوص وانتهاك حرماتها، فلو رأيناهم وهم يلوكونها بأفواههم وقد خلت بها المثلات، وتلاعبت بها أمواج التأويلات، وتقاذفت بها رياح الآراء، واحتوشتها رماح الأهواء، ونادى عليها أهل التأويل في سوق من يزيد، فبذل كل واحد في ثمنها من التأويلات ما يريد. وصدق ﵀ ماذا لو كان في عصرنا الآن وهو يقرأ ماذا يكتبه بعض أصحاب الأقلام، أو يتحدث به بعض أصحاب الأفهام عبر وسائل الإعلام. ويقول أيضاً ﵀: فلا إله إلا الله والله أكبر! كم هدمت بهذه المعاول من معاقل الإيمان، وثلمت بها حصون حقائق السنة والقرآن، وكم أطلقت في نصوص الوحي من لسان كل جاهل أخرس ومنافق أرعن إلى أن قال: فلو رأيت ما يصرف إليه المحرفون أحسن الكلام وأبينه وأفصحه وأحقه بكل هدى وبيان وعلم، من المعاني الباطلة والتأويلات الفاسدة، لكدت تقضي من ذلك عجباً وتتخذ في بطن الأرض سرباً، فتارةً تعجب وتارةً تغضب وتارةً تبكي وتارة تضحك، وتارةً تتوجع لما نزل بالإسلام، وحل بساحة الوحي ممن هم أضل من الأنعام إلى آخر كلامه. فإذا كانت هذه هي شكوى ابن القيم لشطار زمانه، فما الظن بزماننا هذا الذي أصبح المرء يمسي فيه على حال، ويصبح وقد رأى حالاً أخرى أوجع وأبشع، فإلى الله المشتكى وهو المستعان وعليه التكلان. أيها الإخوة! اسمعوها وعوها ورددوها وافهموها: إن دين الإسلام قائم على تسليم العبد المطلق للوحي، فلا يغرنكم من قلّت معرفته بالوحي وتعلق بالشبهات، وأخذ يلبس على الناس الحق بما في قلبه وذهنه من باطل وضلالات، فضل وأضل، وقد حذر النبي ﷺ أمته من هذا الصنف فقال فيما ترويه عائشة ﵂: (فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم) . وقال ﷺ : (سيكون في آخر أمتي ناس يحدثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم) كما في مقدمة مسلم في صحيحه. وتواترت أقاويل أئمة -السلف- في التحذير من الشبهات وأصحابها، فقال عمر: [إنه سيأتي ناس يجادلونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله] . وقال أبو قلابة: [لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تحادثوهم، فإني لا آمن أن يغمروكم في ضلالتهم، أو يلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون] . ويقول ابن سيرين محذراً: [إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم] . فانظروا عباد الله! عمن تأخذون دينكم، أمن كتاب الله، وحديث رسول الله، وفهم أولياء الله، ممن قال الرسول ﷺ فيهم: (خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) ، أم من الفضائيات والمجلات، والكتابات المليئة بالضلالات والشبهات، ممن قال الله فيهم: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [الحج:٨] . سبحان الله! ماذا يريد هؤلاء؟ هل هو الجهل بالإسلام وضعف الإيمان؟ أم الهوى وحب الأتباع والشهرة؟ أم هو الإعجاب بأهل الضلال والفلسفة والكلام؟ أم تعظيم العقل والفكر؟ أو الغرور والكبر؟ نعوذ بالله من الشر كله دقه وجله. وقال ابن عباس ﵄: [لا تجالسوا أهل الأهواء، فإن مجالستهم ممرضة للقلب] فكيف بمن يجالسهم الساعات أمام الشاشات، ويقرأ لهم الكتب والمقالات؟ فكيف سيسلم له دينه؟ وكيف سيستجيب لربه وخليله؟ يقول تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص:٥٠] . وعن معاوية ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (وإنه سيخرج من أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله) كما في المعجم الكبير للطبراني وحسنه الألباني. وكثير من الناس اليوم أصبح إلهه هواه فكان عبداً للهوى. نعم. أيها الإخوة! اسمعوها جيداً، كثير من الناس اليوم أصبح إلهه هواه فكان عبداً للهوى، فهو لا يأخذ من الدين إلا ما يحب ويترك ما لا يحب، نقول له: قال رسول الله، ويقول: لكنّ فلاناً قال، وما يزال يتتبع قول فلان وفلان حتى لا يبقى له من دينه شيء. سبحان الله! فكلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما نزل به جبريل على محمد ﷺ لجدله، كما قال الإمام مالك ﵀: وما أكثر هؤلاء، بل إن من الناس من نقول له: قال الله وقال رسوله، ويقول: قال الآباء، أو قال الشيوخ والأمراء! ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة:١٠٤] . ولله در ابن عباس حيث يقول: [أيها الناس! توشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول لكم: قال رسول الله، وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟] . وقال عمر بن عبد العزيز: [لا رأي لأحد مع سنة سنها رسول الله ﷺ ] . وقال الشافعي: أجمع الناس على أن من استبانت له سنة عن رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس. شرط قبول السعي أن يجتمع فيه إصابة وإخلاص معا لله رب العرش لا سواه موافق الشرع الذي ارتضاه وكل ما خالف للوحيين فإنه رد بغير مين وكل ما فيه اختلاف نصبا فرده إليه قد وجبا فالدين إنما أتى بالنقل ليس للأوهام وحدس العقل فانظر أخي! أين أنت من هذا المفتاح العظيم؟ أسأل الله أن يفتح عليّ وعليك بالاتباع وبالإخلاص.

стр. 37

أقسام الناس من حيث تحقيق الإخلاص والمتابعة تأمل قول ابن القيم: (لا يكون العبد متحققاً بإياك نعبد، إلا بأصلين عظيمين: أحدهما: متابعة الرسول ﷺ ، والثاني: الإخلاص للمعبود، فهذا تحقيق إياك نعبد، والناس منقسمون بحسب هذين الأصلين إلى أربعة أقسام -انتبه إلى أي قسم أنت أيها الأخ الحبيب! أحدها: أهل الإخلاص للمعبود والمتابعة، وهم أهل (إياك نعبد) حقيقةً، فأعمالهم كلها لله وأقوالهم لله، وعطاؤهم لله ومنعهم لله، وحبهم لله وبغضهم لله، فمعاملتهم ظاهراً وباطناً لوجه الله وحده لا يريدون بذلك من الناس جزاءً ولا شكوراً، ولا ابتغاء الجاه عندهم، ولا طلب المحمدة والمنزلة في قلوبهم ولا هرباً من ذمهم، بل قد عدوا الناس بمنزلة أصحاب القبور، لا يملكون لهم ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً. قال: الضرب الثاني: من لا إخلاص له ولا متابعة، فليس عمله موافقاً للشرع، وليس هو خالصاً للمعبود، كأعمال المتزينين للناس المرائين لهم بما لم يشرعه الله ورسوله، وهؤلاء شرار الخلق وأمقتهم إلى الله . قال: الضرب الثالث: من هو مخلص في أعماله لكنها على غير متابعة الأمر، كجهال العباد والمنتسبين إلى طريق الزهد والفقر، وكل من عبد الله بغير أمره واعتقد عبادته هذه قربةً إلى الله، فهذا حاله كمن يظن أن سماع البكاء والتصدية قربة إلى الله. إلى أن قال: الضرب الرابع: من أعماله على متابعة الأمر لكنها لغير الله، كطاعة المرائين وكالرجل يقاتل رياءً وحميةً وشجاعةً، ويحج ليقال ويقرأ القرآن ليقال، فهؤلاء أعمالهم ظاهرها أعمال صالحة مأمور بها، لكنها غير صالحة فلا تقبل إلى آخر كلامه. فلنجاهد أيها الإخوة والأخوات! أنفسنا لعلنا نكون من أهل القسم الأول، ولنتق الله ولنخلص كل أعمالنا لله، ولتكن على وفق سنة عبده ورسوله ومصطفاه، فإن ذلك هو سر النجاح والفلاح، واعلموا أن الله مطلع على سرائرنا، وعالم بما أكنته ضمائرنا، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. اللهم اعصمنا بدينك وسنة نبيك من الاختلاف في الحق واتباع الهوى، ومن سبل الضلالة وشبهات الأمور، ومن الزيغ والخصومات. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، والباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، اللهم ألهمنا رشدنا وقنا شر أنفسنا، واسلك بنا طريق نبينا واحشرنا في زمرته. اللهم إنا نسألك الإخلاص والمتابعة في أمورنا كلها، دقها وجلها، اللهم اجعل أعمالنا خالصةً لوجهك صواباً على سنة رسولك ﷺ . اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى. اللهم احفظنا بحفظك، وتب علينا، واغفر لنا وارحمنا. اللهم انصر المسلمين في كل مكان، اللهم ثبت أقدامهم، اللهم وحد صفهم، اللهم سدد رميهم، فليس لهم إلا أنت يا رحمن. اللهم عليك بأعداء الدين ومن ناصرهم، واضربهم ببعضهم، وفرق صفهم، وخالف بين قلوبهم. اللهم أصلح ولاة أمور المسلمين في كل مكان، اللهم أصلحهم لما فيه صلاح الإسلام والمسلمين، اللهم وفقهم لما تحبه وترضاه، اللهم أصلح ولاة أمورنا خاصة وارزقهم البطانة الصالحة الناصحة، اللهم ألف بين قلوبهم وقلوب رعيتهم، واجمع كلمتهم على التوحيد والقرآن. اللهم اشف مرضانا وجميع مرضى المسلمين، وارفع عنهم البلاء برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك. والحمد لله رب العالمين.

стр. 38

لماذا نخسر رمضان ؟ شهر رمضان منة امتن الله بها علينا؛ لأنه فرصة للمحاسبة، ومراجعة النفس، وموسم لجمع الحسنات وتكفير السيئات، وبالرغم من هذا وغيره فإن من الناس من يخسر هذا الشهر، ويحرم نفسه الخير والطاعة، فلابد من التعقل والتدبر والابتعاد عن كل سبب من أسباب الخسارة فيه، واستغلال أوقاته النفيسة الغالية.

стр. 39

استقبال شهر رمضان إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: أيها الأحبة في الله! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بالأمس القريب ذرفت عيون الصالحين دموع الحزن على فراق رمضان، وها هي اليوم تستقبله بدموع الفرح. وكأني بك أيها الأخ الحبيب! تطلق العبرات والزفرات والدعوات لعلك أن تكون من أهل هذا الشهر وممن يمتن الله عليهم بصيامه وقيامه، نسأل الله أن نكون من أهل رمضان، وممن امتن الله عليهم بقيامه وصيامه، وأن يوفقنا للخير والصلاح والفلاح فيه. قلوب المتقين إلى هذا الشهر تحن، ومن ألم فراقه تئن. وما ضاع من أيامنا هل يقوم فهيهات والأزمان كيف تقوم ويوم بأرواح يباع ويشترى وأيام وقت لا تسام بدرهم وعلى كل حال: فأهلاً وسهلاً بشهر الصيام يسل من النفس أضغانها وأهلاً وسهلاً بشهر الصيام ينقي عن النفس أدرانها رمضان له طعم خاص، وحديثه يجلو القلوب، ومحطة خاصة، وشعور غريب لا يشعر به إلا المحبون العاشقون لهذا الشهر، وما فيه من الخير العظيم العميم: رمضان في قلبي همائم نشوة من قبل رؤية وجهك الوضاء وعلى فمي طعم أحس بأنه من طعم تلك الجنة الخضراء قالوا بأنك قادم فتهللت بالبشر أوجهنا وبالخيلاء تهفو إليه وفي القلوب وفي النهى شوق لمقدمه وحسن رجاء كل هذا الشوق، وكل هذا الحنين، وكل هذه المشاعر والعواطف، ومع ذلك هناك من يفرط في رمضان، ويخسر فضله وأجره -والعياذ بالله- وربما لم يشعر ذلك الخاسر بلذة الصيام والقيام، ولا يعرف من رمضان إلا الجوع والعطش، فأي حرمان بعد هذا الحرمان! نعوذ بالله من الخسران.

стр. 40

فضل شهر رمضان وعظمته لماذا إذاً نخسر رمضان؟ سؤال يحتاج إلى إجابة، وكلنا بحاجة إلى هذا السؤال، ارجع إلى نفسك واسألها، وكرر عليها السؤال، ثم فكر في الإجابة جيداً فأنت أعلم الناس بنفسك. قل لها: يا نفس! اصدقيني القول. لماذا تخسرين رمضان؟ ألم تعلمي فضائله ومزاياه؟ أحقاً أنك تجهلين أنه شهر عظيم، وأنه شهر التوبة والندم، وأنه شهر المغفرة ومحو السيئات وأنه شهر العتق من النيران، وهو موسم الخيرات، وفرصة لا تعوض، وفيه ليلة خير من ألف شهر. أيتها النفس! أحقاً أنك تجهلين هذه الفضائل أم أنك تتجاهلين؟ أيها الأحبة! في رمضان مقدار الربح والخسارة يتفاوت من إنسان لآخر، فهناك من كسب أرباحاً طائلةً لا تعد ولا تحصى، فهذا والله هو السعيد، فإن كنت منهم فاشكر الله؛ فإنه فضل من الله ومنة، نسأل الله من فضله ومنته وكرمه: ﴿فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُمْ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ [البقرة:٦٤] . وهناك من خسر خسراناً مبيناً -عياذاً بالله- ﴿وَمَنْ يَتَّخِذْ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً﴾ [النساء:١١٩] . وهناك من كان بين بين، فتارةً يربح، وتارةً يخسر: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٠٢] . أيها المحب! رغم أنف امرئ أدرك رمضان فلم يغفر له، فماذا أعددت لاستقبال رمضان؟ وكيف ستقضي أيام رمضان ولياليه؟ لا بد أنك فكرت وقدرت، ثم أعددت الإجابة، ولا أحب أن أقطع عليك أفكارك، ولكني حباً وتقديراً لك أذكرك وأحذرك من أمور ربما كانت سبباً لخسارة رمضان دون أن تشعر، فإياك إياك أن تخسر رمضان: من فاته الزرع في وقت البذار فما تراه يحصد إلا الهمّ والندما طوبى لمن كانت التقوى بضاعته في شهره وبحبل الله معتصما فكم من شخص تحت الأجداث يتمنى شهر رمضان؟ وكم من عاجز عن الصيام والقيام تتلهف نفسه على رمضان؟ فبلوغ رمضان نعمة كبيرة. كم كنت تعرف ممن صام في سلف من بين أهل وإخوان وجيران أفناهم الموت واستبقاك بعدهم حياً فما أقرب القاصي من الداني نسأل الله أن يبلغنا رمضان! ولأن رمضان فرصة للمحاسبة، ومراجعة النفس، وموسم لجمع الحسنات وتكفير السيئات؛ كانت هذه الوقفات مع هذا الموضوع، يعلم الله ما أردت منه إلا الإصلاح، فلعل هذه الوقفات أن تكون لبنةً أولى يضعها كل من سمع هذا الموضوع ليعيد بناء نفسه خلال هذا الشهر. فأدعوك للتذكير والتعقل والتدبر، فحرام أن يمتن الله علينا بهذا الفضل -إدراك رمضان- فنكفر بهذه النعمة بالإسراف والتبذير لساعات أيامه ولياليه. ولأن أسباب الخسارة كثيرة، فمنها ما يخص الرجال ومنها ما يخص النساء؛ قسمت هذا الموضوع إلى قسمين، للنساء وللرجال، وربما اشترك الرجال والنساء في بعض الأسباب، فإياك أن تفقد هذه الصفقة حتى تعرف مقدار الربح. وأبشرك أن الربح في هذا المشروع كبير جداً، لا أستطيع أن أحسبه لك في مثل هذه الدقائق، ولكن خذ هذا المقدار على عجل، يبشرك به حبيبنا وقدوتنا ﵌: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً؛ غفر له ما تقدم من ذنبه) (ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً؛ غفر له ما تقدم من ذنبه) (ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً؛ غفر له ما تقدم من ذنبه) (استغفار الملائكة للصائمين حتى يفطروا) (شهر العتق من النيران، فلله عتقاء في كل ليلة منه) (رمضان إلى رمضان مكفر لما بينهن) هذه بعض الأرباح وغيرها كثير. لماذا يخسر بعض الناس كل هذه الأرباح؟
следующие страницы →