← Джавами‘

Джавами‘ · id 7711

دروس للشيخ إبراهيم الدويش

إبراهيم الدويش

Полный текст (623 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وصف أهل الأهواء والآراء الفاسدة والتحذير من شبهاتهم لقد أحسن ابن القيم رحمه الله تعالى حين وصف أمثال هؤلاء بقوله عن المحاذير التي يقعون فيها قال: المحذور الرابع: تلاعبهم بالنصوص وانتهاك حرماتها، فلو رأيناهم وهم يلوكونها بأفواههم وقد خلت بها المثلات، وتلاعبت بها أمواج التأويلات، وتقاذفت بها رياح الآراء، واحتوشتها رماح الأهواء، ونادى عليها أهل التأويل في سوق من يزيد، فبذل كل واحد في ثمنها من التأويلات ما يريد. وصدق ﵀ ماذا لو كان في عصرنا الآن وهو يقرأ ماذا يكتبه بعض أصحاب الأقلام، أو يتحدث به بعض أصحاب الأفهام عبر وسائل الإعلام. ويقول أيضاً ﵀: فلا إله إلا الله والله أكبر! كم هدمت بهذه المعاول من معاقل الإيمان، وثلمت بها حصون حقائق السنة والقرآن، وكم أطلقت في نصوص الوحي من لسان كل جاهل أخرس ومنافق أرعن إلى أن قال: فلو رأيت ما يصرف إليه المحرفون أحسن الكلام وأبينه وأفصحه وأحقه بكل هدى وبيان وعلم، من المعاني الباطلة والتأويلات الفاسدة، لكدت تقضي من ذلك عجباً وتتخذ في بطن الأرض سرباً، فتارةً تعجب وتارةً تغضب وتارةً تبكي وتارة تضحك، وتارةً تتوجع لما نزل بالإسلام، وحل بساحة الوحي ممن هم أضل من الأنعام إلى آخر كلامه. فإذا كانت هذه هي شكوى ابن القيم لشطار زمانه، فما الظن بزماننا هذا الذي أصبح المرء يمسي فيه على حال، ويصبح وقد رأى حالاً أخرى أوجع وأبشع، فإلى الله المشتكى وهو المستعان وعليه التكلان. أيها الإخوة! اسمعوها وعوها ورددوها وافهموها: إن دين الإسلام قائم على تسليم العبد المطلق للوحي، فلا يغرنكم من قلّت معرفته بالوحي وتعلق بالشبهات، وأخذ يلبس على الناس الحق بما في قلبه وذهنه من باطل وضلالات، فضل وأضل، وقد حذر النبي ﷺ أمته من هذا الصنف فقال فيما ترويه عائشة ﵂: (فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم) . وقال ﷺ : (سيكون في آخر أمتي ناس يحدثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم) كما في مقدمة مسلم في صحيحه. وتواترت أقاويل أئمة -السلف- في التحذير من الشبهات وأصحابها، فقال عمر: [إنه سيأتي ناس يجادلونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله] . وقال أبو قلابة: [لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تحادثوهم، فإني لا آمن أن يغمروكم في ضلالتهم، أو يلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون] . ويقول ابن سيرين محذراً: [إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم] . فانظروا عباد الله! عمن تأخذون دينكم، أمن كتاب الله، وحديث رسول الله، وفهم أولياء الله، ممن قال الرسول ﷺ فيهم: (خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) ، أم من الفضائيات والمجلات، والكتابات المليئة بالضلالات والشبهات، ممن قال الله فيهم: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [الحج:٨] . سبحان الله! ماذا يريد هؤلاء؟ هل هو الجهل بالإسلام وضعف الإيمان؟ أم الهوى وحب الأتباع والشهرة؟ أم هو الإعجاب بأهل الضلال والفلسفة والكلام؟ أم تعظيم العقل والفكر؟ أو الغرور والكبر؟ نعوذ بالله من الشر كله دقه وجله. وقال ابن عباس ﵄: [لا تجالسوا أهل الأهواء، فإن مجالستهم ممرضة للقلب] فكيف بمن يجالسهم الساعات أمام الشاشات، ويقرأ لهم الكتب والمقالات؟ فكيف سيسلم له دينه؟ وكيف سيستجيب لربه وخليله؟ يقول تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص:٥٠] . وعن معاوية ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (وإنه سيخرج من أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله) كما في المعجم الكبير للطبراني وحسنه الألباني. وكثير من الناس اليوم أصبح إلهه هواه فكان عبداً للهوى. نعم. أيها الإخوة! اسمعوها جيداً، كثير من الناس اليوم أصبح إلهه هواه فكان عبداً للهوى، فهو لا يأخذ من الدين إلا ما يحب ويترك ما لا يحب، نقول له: قال رسول الله، ويقول: لكنّ فلاناً قال، وما يزال يتتبع قول فلان وفلان حتى لا يبقى له من دينه شيء. سبحان الله! فكلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما نزل به جبريل على محمد ﷺ لجدله، كما قال الإمام مالك ﵀: وما أكثر هؤلاء، بل إن من الناس من نقول له: قال الله وقال رسوله، ويقول: قال الآباء، أو قال الشيوخ والأمراء! ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة:١٠٤] . ولله در ابن عباس حيث يقول: [أيها الناس! توشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول لكم: قال رسول الله، وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟] . وقال عمر بن عبد العزيز: [لا رأي لأحد مع سنة سنها رسول الله ﷺ ] . وقال الشافعي: أجمع الناس على أن من استبانت له سنة عن رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس. شرط قبول السعي أن يجتمع فيه إصابة وإخلاص معا لله رب العرش لا سواه موافق الشرع الذي ارتضاه وكل ما خالف للوحيين فإنه رد بغير مين وكل ما فيه اختلاف نصبا فرده إليه قد وجبا فالدين إنما أتى بالنقل ليس للأوهام وحدس العقل فانظر أخي! أين أنت من هذا المفتاح العظيم؟ أسأل الله أن يفتح عليّ وعليك بالاتباع وبالإخلاص.

стр. 37

أقسام الناس من حيث تحقيق الإخلاص والمتابعة تأمل قول ابن القيم: (لا يكون العبد متحققاً بإياك نعبد، إلا بأصلين عظيمين: أحدهما: متابعة الرسول ﷺ ، والثاني: الإخلاص للمعبود، فهذا تحقيق إياك نعبد، والناس منقسمون بحسب هذين الأصلين إلى أربعة أقسام -انتبه إلى أي قسم أنت أيها الأخ الحبيب! أحدها: أهل الإخلاص للمعبود والمتابعة، وهم أهل (إياك نعبد) حقيقةً، فأعمالهم كلها لله وأقوالهم لله، وعطاؤهم لله ومنعهم لله، وحبهم لله وبغضهم لله، فمعاملتهم ظاهراً وباطناً لوجه الله وحده لا يريدون بذلك من الناس جزاءً ولا شكوراً، ولا ابتغاء الجاه عندهم، ولا طلب المحمدة والمنزلة في قلوبهم ولا هرباً من ذمهم، بل قد عدوا الناس بمنزلة أصحاب القبور، لا يملكون لهم ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً. قال: الضرب الثاني: من لا إخلاص له ولا متابعة، فليس عمله موافقاً للشرع، وليس هو خالصاً للمعبود، كأعمال المتزينين للناس المرائين لهم بما لم يشرعه الله ورسوله، وهؤلاء شرار الخلق وأمقتهم إلى الله . قال: الضرب الثالث: من هو مخلص في أعماله لكنها على غير متابعة الأمر، كجهال العباد والمنتسبين إلى طريق الزهد والفقر، وكل من عبد الله بغير أمره واعتقد عبادته هذه قربةً إلى الله، فهذا حاله كمن يظن أن سماع البكاء والتصدية قربة إلى الله. إلى أن قال: الضرب الرابع: من أعماله على متابعة الأمر لكنها لغير الله، كطاعة المرائين وكالرجل يقاتل رياءً وحميةً وشجاعةً، ويحج ليقال ويقرأ القرآن ليقال، فهؤلاء أعمالهم ظاهرها أعمال صالحة مأمور بها، لكنها غير صالحة فلا تقبل إلى آخر كلامه. فلنجاهد أيها الإخوة والأخوات! أنفسنا لعلنا نكون من أهل القسم الأول، ولنتق الله ولنخلص كل أعمالنا لله، ولتكن على وفق سنة عبده ورسوله ومصطفاه، فإن ذلك هو سر النجاح والفلاح، واعلموا أن الله مطلع على سرائرنا، وعالم بما أكنته ضمائرنا، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. اللهم اعصمنا بدينك وسنة نبيك من الاختلاف في الحق واتباع الهوى، ومن سبل الضلالة وشبهات الأمور، ومن الزيغ والخصومات. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، والباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، اللهم ألهمنا رشدنا وقنا شر أنفسنا، واسلك بنا طريق نبينا واحشرنا في زمرته. اللهم إنا نسألك الإخلاص والمتابعة في أمورنا كلها، دقها وجلها، اللهم اجعل أعمالنا خالصةً لوجهك صواباً على سنة رسولك ﷺ . اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى. اللهم احفظنا بحفظك، وتب علينا، واغفر لنا وارحمنا. اللهم انصر المسلمين في كل مكان، اللهم ثبت أقدامهم، اللهم وحد صفهم، اللهم سدد رميهم، فليس لهم إلا أنت يا رحمن. اللهم عليك بأعداء الدين ومن ناصرهم، واضربهم ببعضهم، وفرق صفهم، وخالف بين قلوبهم. اللهم أصلح ولاة أمور المسلمين في كل مكان، اللهم أصلحهم لما فيه صلاح الإسلام والمسلمين، اللهم وفقهم لما تحبه وترضاه، اللهم أصلح ولاة أمورنا خاصة وارزقهم البطانة الصالحة الناصحة، اللهم ألف بين قلوبهم وقلوب رعيتهم، واجمع كلمتهم على التوحيد والقرآن. اللهم اشف مرضانا وجميع مرضى المسلمين، وارفع عنهم البلاء برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك. والحمد لله رب العالمين.

стр. 38

لماذا نخسر رمضان ؟ شهر رمضان منة امتن الله بها علينا؛ لأنه فرصة للمحاسبة، ومراجعة النفس، وموسم لجمع الحسنات وتكفير السيئات، وبالرغم من هذا وغيره فإن من الناس من يخسر هذا الشهر، ويحرم نفسه الخير والطاعة، فلابد من التعقل والتدبر والابتعاد عن كل سبب من أسباب الخسارة فيه، واستغلال أوقاته النفيسة الغالية.

стр. 39

استقبال شهر رمضان إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: أيها الأحبة في الله! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بالأمس القريب ذرفت عيون الصالحين دموع الحزن على فراق رمضان، وها هي اليوم تستقبله بدموع الفرح. وكأني بك أيها الأخ الحبيب! تطلق العبرات والزفرات والدعوات لعلك أن تكون من أهل هذا الشهر وممن يمتن الله عليهم بصيامه وقيامه، نسأل الله أن نكون من أهل رمضان، وممن امتن الله عليهم بقيامه وصيامه، وأن يوفقنا للخير والصلاح والفلاح فيه. قلوب المتقين إلى هذا الشهر تحن، ومن ألم فراقه تئن. وما ضاع من أيامنا هل يقوم فهيهات والأزمان كيف تقوم ويوم بأرواح يباع ويشترى وأيام وقت لا تسام بدرهم وعلى كل حال: فأهلاً وسهلاً بشهر الصيام يسل من النفس أضغانها وأهلاً وسهلاً بشهر الصيام ينقي عن النفس أدرانها رمضان له طعم خاص، وحديثه يجلو القلوب، ومحطة خاصة، وشعور غريب لا يشعر به إلا المحبون العاشقون لهذا الشهر، وما فيه من الخير العظيم العميم: رمضان في قلبي همائم نشوة من قبل رؤية وجهك الوضاء وعلى فمي طعم أحس بأنه من طعم تلك الجنة الخضراء قالوا بأنك قادم فتهللت بالبشر أوجهنا وبالخيلاء تهفو إليه وفي القلوب وفي النهى شوق لمقدمه وحسن رجاء كل هذا الشوق، وكل هذا الحنين، وكل هذه المشاعر والعواطف، ومع ذلك هناك من يفرط في رمضان، ويخسر فضله وأجره -والعياذ بالله- وربما لم يشعر ذلك الخاسر بلذة الصيام والقيام، ولا يعرف من رمضان إلا الجوع والعطش، فأي حرمان بعد هذا الحرمان! نعوذ بالله من الخسران.

стр. 40

فضل شهر رمضان وعظمته لماذا إذاً نخسر رمضان؟ سؤال يحتاج إلى إجابة، وكلنا بحاجة إلى هذا السؤال، ارجع إلى نفسك واسألها، وكرر عليها السؤال، ثم فكر في الإجابة جيداً فأنت أعلم الناس بنفسك. قل لها: يا نفس! اصدقيني القول. لماذا تخسرين رمضان؟ ألم تعلمي فضائله ومزاياه؟ أحقاً أنك تجهلين أنه شهر عظيم، وأنه شهر التوبة والندم، وأنه شهر المغفرة ومحو السيئات وأنه شهر العتق من النيران، وهو موسم الخيرات، وفرصة لا تعوض، وفيه ليلة خير من ألف شهر. أيتها النفس! أحقاً أنك تجهلين هذه الفضائل أم أنك تتجاهلين؟ أيها الأحبة! في رمضان مقدار الربح والخسارة يتفاوت من إنسان لآخر، فهناك من كسب أرباحاً طائلةً لا تعد ولا تحصى، فهذا والله هو السعيد، فإن كنت منهم فاشكر الله؛ فإنه فضل من الله ومنة، نسأل الله من فضله ومنته وكرمه: ﴿فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُمْ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ [البقرة:٦٤] . وهناك من خسر خسراناً مبيناً -عياذاً بالله- ﴿وَمَنْ يَتَّخِذْ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً﴾ [النساء:١١٩] . وهناك من كان بين بين، فتارةً يربح، وتارةً يخسر: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٠٢] . أيها المحب! رغم أنف امرئ أدرك رمضان فلم يغفر له، فماذا أعددت لاستقبال رمضان؟ وكيف ستقضي أيام رمضان ولياليه؟ لا بد أنك فكرت وقدرت، ثم أعددت الإجابة، ولا أحب أن أقطع عليك أفكارك، ولكني حباً وتقديراً لك أذكرك وأحذرك من أمور ربما كانت سبباً لخسارة رمضان دون أن تشعر، فإياك إياك أن تخسر رمضان: من فاته الزرع في وقت البذار فما تراه يحصد إلا الهمّ والندما طوبى لمن كانت التقوى بضاعته في شهره وبحبل الله معتصما فكم من شخص تحت الأجداث يتمنى شهر رمضان؟ وكم من عاجز عن الصيام والقيام تتلهف نفسه على رمضان؟ فبلوغ رمضان نعمة كبيرة. كم كنت تعرف ممن صام في سلف من بين أهل وإخوان وجيران أفناهم الموت واستبقاك بعدهم حياً فما أقرب القاصي من الداني نسأل الله أن يبلغنا رمضان! ولأن رمضان فرصة للمحاسبة، ومراجعة النفس، وموسم لجمع الحسنات وتكفير السيئات؛ كانت هذه الوقفات مع هذا الموضوع، يعلم الله ما أردت منه إلا الإصلاح، فلعل هذه الوقفات أن تكون لبنةً أولى يضعها كل من سمع هذا الموضوع ليعيد بناء نفسه خلال هذا الشهر. فأدعوك للتذكير والتعقل والتدبر، فحرام أن يمتن الله علينا بهذا الفضل -إدراك رمضان- فنكفر بهذه النعمة بالإسراف والتبذير لساعات أيامه ولياليه. ولأن أسباب الخسارة كثيرة، فمنها ما يخص الرجال ومنها ما يخص النساء؛ قسمت هذا الموضوع إلى قسمين، للنساء وللرجال، وربما اشترك الرجال والنساء في بعض الأسباب، فإياك أن تفقد هذه الصفقة حتى تعرف مقدار الربح. وأبشرك أن الربح في هذا المشروع كبير جداً، لا أستطيع أن أحسبه لك في مثل هذه الدقائق، ولكن خذ هذا المقدار على عجل، يبشرك به حبيبنا وقدوتنا ﵌: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً؛ غفر له ما تقدم من ذنبه) (ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً؛ غفر له ما تقدم من ذنبه) (ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً؛ غفر له ما تقدم من ذنبه) (استغفار الملائكة للصائمين حتى يفطروا) (شهر العتق من النيران، فلله عتقاء في كل ليلة منه) (رمضان إلى رمضان مكفر لما بينهن) هذه بعض الأرباح وغيرها كثير. لماذا يخسر بعض الناس كل هذه الأرباح؟

стр. 41

أسباب خسارة رمضان وربما سأل سائل: كيف يخسر رمضان؟ وما هي أسباب خسارتنا لرمضان؟ فاسمع رعاك الله:

стр. 42

أسباب خسارة رمضان عند المرأة أولاً: عشرون سبباً أخاطب فيها المرأة وربما شاركها الرجل في بعضها. وأول هذه الأسباب لخسارة رمضان: ١/ الغفلة عن النية، وعدم احتساب الأجر، وأنك تركت الطعام والشراب، وابتعدت عن المعاصي، والشهوات لله وحده؛ طلباً لرضاه، واستجابةً لأمره، لا يهمك ولا يهمكِ أحد من الناس علم أو لم يعلم، فصومكِ وصومك لله، وخوفكِ وخوفك لله، ولهذه المعاني الجميلة قال الله في الحديث القدسي: (إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي) كما في حديث أبي هريرة وهو متفق عليه. إذاً: فالصيام عبادة خفية بينكِ وبين الله لا يعلم بها إلا الله؛ فقد تشربين وتأكلين كيفما شئت لا يعلم بكِ أو بكَ أحد من الناس، ولكن: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:٧٤] فمن صام بهذه المعاني وجد حلاوة الصيام، وشعر بلذة رمضان، فأقدم على الأعمال أيما إقدام (ومن صام رمضان إيماناً واحتساباً؛ غفر له ما تقدم من ذنبه) . ٢/ ومن الأسباب: إهمال الصلوات الخمس، وتأخيرها عن وقتها، وأداؤها بكسل وخمول، وهذا من أعظم أسباب خسارة رمضان عند الرجال والنساء، فمن لم يحرص على الفرائض ولم يقم بالواجبات فكيف يرجى منه النوافل؟ بل كيف يرجى منه استغلال رمضان؟ ربما صلت المرأة في آخر وقت الصلاة فنقرتها نقر الغراب، فكيف يرجى لمن كان هذا حالها استغلال رمضان والفوز فيه! بل هذه يخشى على صيامها ألا يقبل والعياذ بالله. ٣/ ومن الأسباب: السهر، فهو من أعظم أسباب خسارة رمضان! وكيف يرجى لمن سهرت طوال ليلها أن تفوز برمضان؟ والسهر -أيها الأحبة- مكروه حتى وإن كان على مباح، فكيف بمن سهرت على حرام؟ أكثر النساء يجلسن طوال الليل للسمر مع الأخوات والقريبات، وتذهب الساعات بالقيل والقال، وربما جلسن حتى وقت السحر خمس ساعات أو أكثر، ليس فيها قراءة للقرآن، أو موضوع لفقه أحكام الصيام، أو استماع لشريط مفيد، أو قراءة من كتاب، فأسألك بالله أليست خسارةً أن تضيع هذه الساعات الطوال من رمضان في كل ليلة بمثل هذه الجلسات؟! أيتها الأخت المباركة! اعلمي أن العين تصوم، وصيامها غضها عن المحارم، ومشاهدة الفواحش والآثام ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور:٣١] وكم من نظرة كانت سبباً لجريمة وكانت سبباً لشقاء أسرة، فاتقي الله! في ليالي رمضان واعلمي أن الله معك يراك في كل حال. ٤/ كثرة النوم والخمول والكسل: وهو حصيلة أكيدة لسهر الليل، ولو نامت بالليل ساعات؛ لجلست بعد صلاة الفجر في مصلاها تذكر الله وتقرأ القرآن، ولأصبحت نهارها طيبة النفس نشيطةً. ٥/ ومن الأسباب لخسارة رمضان: ضياع الوقت في التفنن في المأكولات عند المرأة، والمرأة مأجورة مشكورة ولا شك لقيامها على الصائمين وإعداد طعامهم، وهذا فضل عظيم لها تختص به دون الرجال، ولكن يمكنها اختصار الوقت في مطبخها بدون إسراف ولا تبذير، ثم وأنت تعملين يا أمة الله! عليك بكثرة ذكر الله، وبالتسبيح والتحميد، قال تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٣٥] . وقال ﷺ : (سبق المفردون، قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟! قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات) كما في صحيح مسلم. قال ابن القيم: وفي ذكر الله أكثر من مائة فائدة: يرضي الرحمن، ويطرد الشيطان، ويزيل الهمّ، ويجلب الرزق، ويكسب المهابة والحلاوة، ويورث محبة الله إلى قوله: ويحط الخطايا، ويرفع الدرجات إلى آخر كلامه. وأما كثرة الأكل في رمضان وما فيه من خسارة فحدث ولا حرج. قال الثوري: إن أردت أن يصح جسمك ويقل نومك؛ فأقلل من الأكل. وقيل لـ أحمد بن حنبل: هل يجد الرجل من قلبه رقةً وهو شبع؟ فأجاب: ما أرى. وقال محمد بن واسع: من قل طعامه فهم وأفهم وصفا ورق، وإن كثرة الطعام لتغل صاحبها عن كثير مما يريد. وصدق ﵀. ٦/ من الأسباب: سماع الغناء: فالأذن تصوم وصيامها عن سماع الفواحش والحرام، وإني لأعجب والله كيف ينتشر الغناء في كثير من بيوت المسلمين، وخاصةً خلال هذا الشهر، شهر القرآن؟!! ثم هل يعقل أن يجتمع في بيت واحد صوت الرحمن وصوت الشيطان؟! وإن اجتمعا، فكيف حال القلب؟ وهل سيتأثر بهذا أو بذاك؟ ولكِ أن تتصوري أيتها المسلمة! الهموم والقلق كيف تمزق القلب وتشتته؛ فهو تارةً يستجيب لنداء الفطرة، لنداء الرحمن وحلاوته، وتارةً يطرب ويسكر للأوتار ومزامير الشيطان، فأي ضياع وأي خسران لسامعة الغناء؟! فكيف حالها في رمضان؟ وكيف تتلذذ بسماع القرآن وهي تسمع قرآن الشيطان ومنبت النفاق في القلب ورقية الزنا؟ أسماؤه دلت على أوصافه تباً لذي الأسماء والأوصاف قال ابن القيم ﵀: فمن خواصه -أي الغناء- أنه يلهي القلب، ويصده عن فهم القرآن وتدبره، والعمل بما فيه، فإن القرآن والغناء لا يجتمعان في القلب أبداً لما بينهما من التضاد إلى أن قال: وهو جاسوس القلوب، وسارق المروءة، وسوس العقل، يتغلغل في مكامن القلوب، ويطلع على سرائر الأفئدة، ويدب إلى محل التخيل فيثير ما فيه من الهوى والشهوة والسخافة والرقاعة والرعونة والحماقة إلى آخر ما قال. برئنا إلى الله من معشر بهم مرض من سماع الغنا وكم قلت يا قوم أنتم على شفا جرف ما به من بنا شفا جرف تحته هوة إلى درك كم به من عنا وتكرار ذا النصح منا لهم لنعذر فيهم إلى ربنا فلما استهانوا بتنبيهنا رجعنا إلى الله في أمرنا فعشنا على سنة المصطفى وماتوا على تنتنا تنتنا ٧/ ومن الأسباب وهو مثل الغناء: مشاهدة التلفاز والأفلام والدشوش، وسهر ليالي رمضان عليها، وصدق الله يوم قال: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾ [الإسراء:٣٦] فكيف برمضان وأيامه ولياليه؟ ٨/ ومن الأسباب: قراءة المجلات والروايات والجرائد وما شابهها، أفلا نحرص على ترك هذه الفتن وهذه الوسائل على الأقل ولو في رمضان؟! تعالوا واسمعوا لحال السلف، إنهم يتركون طلب الحديث وطلب العلم في رمضان؛ من أجل التفرغ لقراءة القرآن، وليس ترك الجرائد والروايات، ومشاهدة المسلسلات والأفلام. كان السلف الصالح رضوان الله تعالى عنهم يكثرون من تلاوة القرآن في رمضان في الصلاة وغيرها، وكان الزهري ﵀ إذا دخل رمضان يقول: إنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام. وكان مالك ﵀ إذا دخل رمضان؛ ترك قراءة الحديث، ومجالس العلم، وأقبل على تلاوة القرآن من المصحف. وكان قتادة ﵀ يختم القرآن في كل سبع ليال دائماً، وفي رمضان في كل ثلاث، وفي العشر الأخير منه في كل ليلة. وكان إبراهيم النخعي ﵀ يختم القرآن في رمضان في كل ثلاث ليال، وفي العشر الأواخر في كل ليلتين. وكان الأسود ﵀ يقرأ القرآن كله في ليلتين في جميع الشهر؛ فاقتدوا رحمكم الله بهؤلاء الأخيار، واتبعوا طريقهم تلحقوا بالبررة الأطهار. ٩/ ومن الأسباب: التسويف، وقد قطع هذا المرض أعمارنا، حتى في أفضل الأيام والشهور، حتى ونحن نعلم أننا قد لا ندرك رمضان الآخر، حتى ونحن نعلم أن رمضان شهر المغفرة والتوبة، حتى ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر -بثلاث وثمانين سنة وتزيد- لم تسلم من التسويف، فلا حول ولا قوة إلا بالله! ومثال التسويف في رمضان -مثلاً- قراءة القرآن، تريد المرأة أن تقرأه بعد صلاة الفجر؛ ولكنها متعبة من السهر، ثم بعد الظهر؛ ولكنها مرهقة، ثم بعد العصر؛ ولكنها في المطبخ منشغلة، وربما في الليل؛ ولكنها مع القريبات والجلسات ملتزمة، وهكذا فيخرج رمضان ولم تستطع أن تختمه ولو لمرة واحدة؛ فمسكينة تلك المرأة. أرأيت كيف يكون التسويف من أعظم أسباب خسارة رمضان؟ إنه لمن الخسارة والحرمان أن تمر هذه الليالي المباركة على الإنسان وهو يسرح ويمرح. قل للذي ألف الذنوب وأجرما وغدا على زلاته متندما لا تيأسن واطلب كريماً دائماً يولي الجميل تفضلاً وتكرما يا معشر العاصين جود واسع عند الإله لمن يتوب ويندما يا أيها العبد المسيء إلى متى تفني زماناً في عسى ولربما بادر إلى مولاك يا من عمره قد ضاع في عصيانه وتصرما ١٠/ ومن الأسباب -أيضاً-: الخروج للأسواق: وهو ضياع لليالي رمضان الفاضلة، وفيه فتن عظيمة لا يعلم مداها إلا الله، وقد تضيع فيه الحسنات التي جمعتها تلك المرأة في رمضان من صلاة وقيام، وصدقة وقراءة للقرآن بخروجها للأسواق، فهي خراجة ولاجة، يستشرفها الشيطان؛ فخسرت رمضان وعرضت نفسها للعنة الرحمن. ١١/ ومن الأسباب: التبرج والسفور، فالمرأة تدخل وتخرج لوظيفتها، وتخرج للسوق لحاجة، وتذهب لأداء العمرة، فهي في طريقها للحرم وربما نزلت لأسواق مكة، فانظر للباسها؛ فالعباءة ناعمة رقيقة، والثوب ملون، والنقاب ساحر، والعينان كحيلتان، والروائح زكية. فما رأيكم بقبول صيامها؟ بل ما رأيكم بقبول عمرتها وصدقتها وعبادتها؟ وهل هذه رابحة في رمضان أم خاسرة؟ فيا أمة الله! احرصي على الستر والعفاف، فالشيطان حريص، وشياطين الإنس كثيرون، واعلمي أن الله معك يراك. ١٢/ ومن الأسباب: الهاتف، نعم. فقد يكون الهاتف سبباً لخسارة رمضان لدى بعض الأخوات؛ إذ تقضي الأخت الصائمة وقتاً طويلاً في مكالماتها، لا لأجل تهنئة أخواتها بدخول شهر رمضان، أو لأجل مناقشة في مسائل فقهية في رمضان؛ وإنما للسؤال عن أنواع الأكلات، وأنواع الموديلات، وكيف يقضين ليلهن، وربما تعرضن لف

стр. 43

أسباب خسارة رمضان عند الرجل هنا أيضاً عشرون سبباً أخاطب فيها الرجل، وربما شاركته المرأة في بعضها: ١/ وأول هذه الأسباب: عدم أداء الصلاة مع الجماعة، والنوم عنها، أو التأخر عنها، والتساهل فيها، وقضاء الفائت منها على عجل، وهذا أمر مشاهد ملموس، وربما شاركه فيه كثير ممن انتسبوا للخير، ومن كان للفرائض مضيعاً أو متساهلاً فهو لما سواها أضيع، وكيف يريد هذا الإنسان أن يفوز برمضان؟ وإنك لتعجب من أمر الصائم، كيف أمسك عن الطعام والشراب وجاهد نفسه، ولم يستطع أن يجاهد نفسه على الحرص على الفرائض والواجبات! وصدق ﷺ : (رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش) . ٢/ من أسباب خسارة رمضان للرجال: الرياضة، نعم الرياضة، سحرت الكبير والصغير، الصالح والطالح، وغريب أن تنشط الدورات الرياضية الرباعيات والسداسيات خلال رمضان، وكان الأولى بالأندية الرياضية أن ترسم البرامج لاستغلال طاقات الشباب وتوجيههم في رمضان، وأن تكون عوناً لهم على طاعة الله ، وقل مثل ذلك في الاستراحات والأرصفة والطرقات، ونحن نقول: إذا كان ولا بد فساعة أو ساعتين -أي: للرياضة- ثم تنظم المسابقات لتلاوة القرآن وحفظه وفهم معانيه، والاستفادة من الوقت في باقي الأوقات، فإن رمضان شهر القرآن وليس شهر الرياضة. والمصيبة أن تستمر الرياضة وبرامجها حتى في العشر الأواخر من رمضان، فمتى يصلي التراويح؟ ومتى يصلي القيام؟ ومتى يقرأ القرآن؟ ومتى ينام؟ نعوذ بالله من الخسران، ومن موت القلب وشدة الغفلة. أخي! ما بال قلبك ليس ينقى كأنك لا تظن الموت حقا أيا ابن الذين فنوا وبادوا أما والله ما بادوا وتبقى وما أحد بزادك منك أحصى وما أحد بزادك منك أشقى وما للنفس عندك مستقر إذا ما استكملت أجلاً ورزقا ٣/ ومن الأسباب: الاستراحات والجلسات والملاحق، فبدل أن تستغل للاجتماع على استغلال رمضان والتعاون على البر والتقوى، أصبحت -وللأسف- عند البعض من أسباب خسارة رمضان، وضياع الزمان، حتى الصالحين -وللأسف- حتى معلمي الخير، نبحث عن الشباب ومشاركاتهم في أعمال البر والخير، وفي أمور الدعوة والتوجيه، فإذا بهم تجمعوا شللاً وأحزاباً في الاستراحات، وإذا بالقيل والقال والغيبة والنميمة؛ فضاعت ليالي رمضان وضاع رمضان، أما أهل الغفلة والضياع فأصبحت الاستراحات بالنسبة لهم مواخير للفساد بأنواعه، بدءاً بالدش ونهايةً بالرذيلة -عافانا الله وإياكم- إلا من رحم الله، نسأل الله لنا ولهم الهداية والصلاح يقول الله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩] . ٤/ ومن أسباب خسارة رمضان: التسكع في الشوارع والأسواق، وإيذاء الناس، والجلوس على الأرصفة. غفل كثير من الناس عن أولادهم؛ فتركوهم يسرحون ويمرحون في الشوارع، ويسهرون للعب والسفه، ولا أقول هنا سوى: أين الآباء والأمهات؟ أين التوجيه؟ أين حمل الأمانة؟! أي قلب لك أيها الأب! وأي حنان هذا الذي تدعينه أيتها الأم! والأولاد في الشوارع، وعلى الأرصفة بدون رقيب ولا حسيب، ولا سؤال ولا جواب؟ والله ليأتين يوم يوقف فيه الابن أباه، ويحاسبه على تفريطه وتقصيره في تربيته. ٥/ المعاكسات سواءً في الأسواق أو عبر الهاتف، ويعلم الله ما كنت لأضع هذا سبباً من أسباب خسارة رمضان؛ لولا أني سمعت من رجال الحسبة عجباً، ومن التائبين أعجب العجب، والله إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع؛ أن أصبح بعض شبابنا ذئاباً بشرية لا يهمهم سوى شهواتهم، بدون تفكير في مصير ضحيته وحالها، وبدون مراقبة لله ، جريمة أن يصبح رمضان موسماً للصوص الأعراض، تخرج المرأة بحجة الذهاب إلى السوق، أو بحجة صلاة التراويح، ثم يكون ما يكون على غفلة من الأب المسكين، والأم الحانية، فأي موت للقلب هذا، وأي عبودية للشهوة؟! إن أهل الفضيلة ما حسبوا أن مثل هذا يقع، بل ولا دار -والله- في خلدهم، أما أهل الرذيلة فهم يتفننون ويخططون ويرسمون ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠] . سبحان الله! حتى في رمضان؟ بل وفي العشر الأواخر منه -وللأسف- وما كنت لأوجع قلوبكم بمثل هذا؛ لولا الحقائق المرة المؤلمة، فالحذر الحذر قبل وقوع الفأس بالرأس. ٦/ ومن الأسباب: جلساء السوء وأصحاب الهمم الدنيئة، وهم من أعظم أسباب خسارة رمضان. وألخص الأمر لك بكلمة: قل لي: من تجالس أقل لك من أنت، وهل ربحت أم خسرت؟ قال مالك بن دينار: [إنك إن تنقل الأحجار مع الأبرار خير لك من أن تأكل الخبيص مع الفجار] والخبيص: نوع من أنواع الحلوى يصنع من التمر مخلوطاً بالسمن. وقال موسى بن عقبة: إن كنت لألقى الأخ من إخواني فأكون بلُقيه عاقلاً أياماً. أي متأثراً به. فكم من إنسان صالح فيه خير كثير ضاع عليه رمضان بسبب جلسائه، والواقع يشهد بذلك. ٧/ ومن الأسباب لخسارة رمضان للرجال: الدخان والشيشة، وهما من الأمور المحرمة التي اعتادها الناس واستمرءوها. فقم بزيارة خاطفة للمقاهي في ليالي رمضان، ففيها ضياع المال الذي سيسأل عنه، وفيها ضياع للصحة التي سيسأل عنها، وفوق ذلك إثم ووزر؛ فهي مغضبة للرب، منجسة للفم والصحة. والمضحك المبكي أن بعض المدخنين فور سماعه للأذان يفطر على سيجارة بدل التمرة، نعوذ بالله من غضب الله، ومن الخسران! ٨/ ومن الأسباب: أكل الحرام ومنه الربا والغش والسرقة، وفيه حديث أبي هريرة الذي ذكر في آخره قول النبي ﷺ : (ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام؛ فأنى يستجاب له) كما في صحيح مسلم في كتاب الزكاة. كيف يريد الربح في رمضان وهو إن تصدق لم تقبل، وإن دعا رد دعاؤه! والله ما قست القلوب، ولا ضاعت البركة، ولا فسد الأولاد؛ إلا بسبب أكل الحرام، وانطمس النور لما فقدت اللقمة الحلال. ٩/ التزييف والخداع والنجش والحلف الكاذب من بعض التجار في رمضان، فرمضان موسم تجاري كبير، ولا بأس بهذا، لكن بعض البائعين غفل عن أنه صائم، أو ظن أن الصيام مجرد إمساك عن الطعام والشراب؛ فوقع في كثير من منكرات البيع والشراء وسوء المعاملة، ومن ذلك ما نجده في الدعايات والإعلانات المبالغ فيها، وربما المكذوب فيها، والملبس فيها على كثير من المسلمين. ١٠/ ومن الأسباب: الانسياق واللهثان وراء التجارة وطلب المال، والإفراط في ذلك إلى حد التقصير في الواجبات، فهو في السوق منذ الصباح إلى المساء، وربما في ساعات طويلة من الليل أيضاً، أليست هذه خسارة لرمضان؟ وربما صاحب هذا الجلوس إطلاق العنان للبصر ومحادثة النساء، وربما الغيبة. ففي العشر الأواخر أفضل الأيام، الناس في صلاة وقيام، وقراءة للقرآن، ودعاء واستغفار، وبكاء وخشوع. صيام العارفين له حنين إلى الرحمن رب العالمينا تصوم قلوبهم في كل وقت وبالأسحار هم يستغفرونا بينما البائع المسكين في السوق يعرض نفسه لكل فتنة فتنة المال والنساء والبصر، فكان الله في عونهم وغفر لنا ولهم. ١١/ ومن الأسباب -أيضاً-: الإهمال في العمل الوظيفي، والتأخر عنه، والخروج قبل نهاية الدوام. كيف يسوغ لمسلم صائم أن يستحل ساعة أو ساعتين من دوامه؟ أو أن يترك عمله، أو يهمل فيه وهو يعلم أن هذا خيانةً للأمانة، ونقصاً للعهد الذي بينك وبين المؤسسة التي تعمل فيها؟ ولهذا فإنك ترى في أمثال هؤلاء قلة البركة والتوفيق، وكثرة الديون، هذا في الدنيا وما عند الله يعلمه الله. ألا تخشى وقد قصرت في عملك وأهملت، أن يرد عليك صيامك أو أن ينقص أجره؟ فالله الله بإتقان العمل وأداء الأمانة، فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته. أيها الموظف! اسمع هذا الحديث: (جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني مجاب الدعوة، فقال له ﷺ : أطب مطعمك تكن مجاب الدعوة) . إذاً: فربما خسرت رمضان، أو إجابة الدعاء؛ بسبب إهمالك أو تقصيرك في عملك، فاتق الله، وخف منه، واعلم أن الله يراك ومطلع عليك في كل حال. ١٢/ ومن الأسباب -أيضاً- لخسارة رمضان: التهاون ببعض الذنوب والتعود عليها من غير ندم ولا استغفار ولا تجديد توبة، فالإسبال -مثلاً- وحلق اللحية، وسماع الغناء، وغيرها، هذه ذنوب تتكرر مع البعض مرات ومرات؛ حتى أصبح ذلك المسكين لا يعدها ذنباً، وهي محسوبة عليه كلما عاد إليها، فكان الأولى به تجديد التوبة وكثرة الاستغفار والندم، وأنه وقع فيها عن ضعف نفس وإيمان، وليس عن تكبر وعصيان، وهذه الذنوب كم تؤثر على رمضان وعلى الصيام، وقد تكون سبباً في خسارته لرمضان وهو لا يشعر. لا تحتقروا هذه الذنوب وتتهاونوا فيها، فإنها تجتمع على العبد حتى تهلكه، والنبي ﷺ يقول: (إياكم ومحقرات الذنوب) . ١٣/ ومن الأسباب آفات اللسان: كالسباب والشتام، والغيبة وبذاءة اللسان والكذب. فيا أيها الصائم! حتى لا تخسر رمضان أمسك عليك لسانك، واسمع لهذه الآية: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] وفي الحديث: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) وفيه -أي في الحديث-: (وإن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب) . فاللسان إذن يوردك الجنة أو يقذف بك إلى النار، فقد يخسر العمر كله وليس رمضان فحسب، فلنحذر من آفات اللسان في كل وقت وخاصة في رمضان. ١٤/ ومن الأسباب: التساهل وعدم الجدية، ويتضح هذا في كثرة المزاح، والضحك والتعليق، وربما السخرية والاستهزاء. ١٥/ ومن الأسباب لخسارة رمضان: الظلم، مهما كان لك من أعمال صالحة، ومهما حرصت على رمضان فما دمت ظالماً؛ أخذت منك هذه الأعمال الصالحة بقدر مظلمتك، وإن لم يكن

стр. 44

مقياس الفوز والخسارة في رمضان لعل البعض يتساءل: إذن فما هو العلاج؟ ولا أطيل في العلاج، ولكني أقول: انظر وانظري إلى كل سبب من الأسباب السابقة، ولنحاول الابتعاد عنه هنا يكون العلاج. وإذا أردنا رجالاً ونساءً أن نرى عظيم خسارتنا لرمضان، فلنجب على هذه الأسئلة السريعة بصراحة تامة ومحاسبة للنفس، فإننا سنقف أمام علام الغيوب الذي يعلم حقيقة القلوب: هل تقرأ القرآن بكثرة؟ وهل تختمه في رمضان بكثرة. على الأقل ولو مرةً واحدةً في رمضان؟ هل تحرص على أداء الصلوات في وقتها بطمأنينة وخشوع، ومع جماعة المسلمين؟ هل تحافظ على السنن الرواتب القبلية والبعدية؟ هل تستحضرين النية في إعداد الطعام والشراب لأهلك، وتحتسبين الأجر على الله ؟ هل تصدقت وأطعمت الطعام؟ وإذا كانت الإجابة بنعم. فبكم؟ وهل يساوي أو على الأقل يقارب ما يصرف على اللباس والزينة خاصةً في شهر رمضان؟ وأنت أيها الرجل! كم أنفقت في سبيل الله؟ وهل تحمل هم المسلمين والمساكين في كل مكان؟ وهل تحرص على أداء صلاة التراويح بآدابها؟ وأنت أيتها الأخت! هل تحرصين على صلاة التراويح مع المصلين في المساجد، أو حتى لوحدك في البيت؛ فإن خير صلاة المرأة في قعر دارها؟! كم ساعة تنام وكم ساعة تنامين في اليوم في رمضان، في موسم الخيرات والحسنات؟ كم شريطاً نافعاً من قراءة قرآن أو محاضرة سمعتها من خلال رمضان؟ كم ساعة تسهرين، وكم ساعة تسهر، وعلى أي شيء تسهر؟ كم عدد تلك الدقائق التي نقضيها في التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل والاستغفار؟ هل وقفنا يوماً من الأيام في ظلمة ليل أو في مكان خالٍ، ورفعنا أكف الضراعة للدعاء في وقت السحر أو في أي وقت من أوقات رمضان؟ هل تستغلين الزيارات والجلسات بالمناصحة والتفقه والدعوة إلى الله ؟ هل تجتهدين في طاعة زوجك ورعاية أولادك خلال هذا الشهر؟ هل طهرنا بيوتنا من المنكرات؟ هل طهرنا أموالنا من الربا والحرام؟ الأسئلة كثيرة، ومن خلال الإجابة على هذه الأسئلة وغيرها سنعرف مدى الخسارة والربح الذي ينالنا في هذا الشهر، فاصدق مع نفسك ما دام في العمر فسحة، وقبل أن تندم فلا ينفع الندم. عليك بما يفيدك في المعاد وما تنجو به يوم التناد فما لك ليس ينفع فيك وعظ ولا زجر كأنك من جماد ستندم إن رحلت بغير زاد وتشقى إذ يناديك المناد فلا تفرح بمال تقتنيه فإنك فيه معكوس المراد وتب مما جنيت وأنت حي وكن متنبهاً من ذا الرقاد يسرك أن تكون رفيق قوم لهم زاد وأنت بغير زاد؟! هذه أربعون سبباً لخسارة رمضان، يشترك فيها الرجال والنساء، جمعتها تنبيهاً للغافل، وإعانةً للذاكر، وتعليماً للجاهل، وهي عرضة للخطأ والنسيان والتقصير، ولا شك أنها بحاجة إلى المزيد من الترديد والتأكيد؛ لينتفع بها القريب والبعيد، والنبيه والبليد. فكن لها شاهراً وناشراً وناصحاً وذاكراً، واحذر هذه الأسباب، وتنبه لشرورها، ولا تحرم نفسك الخير ومواسم الطاعة، فكن من الفائزين برمضان، فلو رأيتهم وقد هجروا لذيذ المنام، وأداموا لربهم الصيام، وصلوا بالليل والناس نيام، يتسابقون كل يسأل حاجته، أحدهم العفو عن زلته، وآخر يسأل التوفيق لطاعته، وثالث يستعيذ به من عقوبته، ورابع يرجو منه جميل مثوبته، وخامس يشكو إليه ما يجد من لوعته، وسادس شغله ذكره عن مسألته، فسبحان من وفقهم! وغيرهم خاسر محروم. فإذا أردت المزيد من وصفهم ومعرفة حالهم، فاحرص على سماع الشق الآخر لهذا الموضوع وهو بعنوان: (الفائزون في رمضان) لتعلم أن الخير ما زال في هذه الأمة، لتعلم حال الخير في الخلف كما أن الخير أيضاً في حال السلف رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وإن كنا نسمع ونرى ونقرأ حال الخاسرين الغافلين وما أكثرهم، فإن هناك الصالحين الفائزين الذين تكتحل العيون لرؤيتهم، وتطرب الآذان لأخبارهم، وتنشرح النفوس لأحوالهم، ليسوا من السلف بل هم بقية من السلف من إخواننا وأخواتنا ممن يعيشون بيننا. ولعلك اشتقت لسماع أخبارهم ومعرفة أحوالهم، فارجع لذلك الدرس؛ لتعلم الفرق الكبير بين الربح والخسارة. جعلنا الله وإياك من الفائزين برمضان، وجنبنا وإياك الخسران. سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك. اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. اللهم يا حي يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام! يا عارفاً بالحال والشأن، اللهم ارحم ضعفنا، وتب علينا توبة صادقة نصوحاً، اللهم بلغنا رمضان، واجعلنا من أهل الصلاة والصيام والقيام، اللهم وفقنا لاستغلال رمضان، اللهم اجعلنا فيه من الفائزين ولا تجعلنا فيه من الخاسرين. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 45

أربعون وسيلة لاستغلال موسم الحج الحج موسم عظيم من مواسم الخير والطاعة، وذلك لكثرة أبواب الخير فيه، حتى إنه قلما تجتمع أمهات العبادات في زمان كما تجتمع في موسم الحج، وهو -كذلك- مؤتمر من أعظم المناسبات التي تمر على الأمة الإسلامية، فيه تتجلى عظمة هذا الدين، من خلال مشاعره ومناسكه العظيمة؛ فحري بالمسلم استغلال هذا الموسم والخروج منه بالقدر الأكبر من تزكية النفس، واستغلال الأوقات.

стр. 46

مدخل إلى مواسم الطاعات إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فهذه ليلة الأربعاء الموافق للخامس من الشهر الحادي عشر للعام (١٤١٥هـ) وفي هذا المكان الطيب المبارك في مدينة الرس، ومع هذا الموضوع الذي هو بعنوان: (أربعون وسيلة لاستغلال موسم الحج) وهذه وسائل وتوجيهات، وهي بعض الأفكار والاقتراحات حول استغلال موسم الحج، لم أراع فيها التقديم والتأخير، ولا الترتيب والتنظيم، اقتضاها الخاطر المكدود على عجره وبجره، والذهن المشغول على نقصه وتقصيره، والقلب بكل واد منه شعبة، والهمة قد تفرقت شذر مذر، لكن حسبي أنها من أخ ناصح غيور، دفعه حبه ونصحه للأمة، فأرجو قبولها على ما فيها من النقص والتقصير، فهي بحاجة لاشك لكثير من المزيد والتطوير، فإذا تقاربت الآراء، وتلاقحت الأفكار، منضبطة بالكتاب والسنة، مشروطة بالإخلاص، مؤديةً للغرض المطلوب منها، عندها تكون الوسيلة صحيحة شرعية إن شاء الله. أيها الأخ الحبيب! ويا أيتها الأخت المسلمة! كم هو جميل أن تكمل هذه الوسائل والتوجيهات، وهذه الأفكار والاقتراحات برأيك الصائب، وبنظرك الثاقب، فإن وجدت فيها خللاً سددته، وإن وجدت فيها نقصاً جبرته، وإن كان هناك مزيد من الوسائل والتوجيهات فأرجو ألا تبخل بها عليّ ولا على إخوانك، فإن الدال على الخير كفاعله. وقبل البداية، وكلي أمل أيها المحب! أن تنظر لهذه الكلمات بعين الرضا: فعين الرضا عن كل عيب كليلة كما أن عين السخط تبدي المساويا وأسأل الله أن يغفر لي الخطأ والزلل، وأن يعفو عن النقص والتقصير، وأن يعينك على سماعها والعمل بها، فإن العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل. فأقول مستعيناً بالله، مستلهماً منه الصواب والتوفيق، راجياً منه القبول والعون؛ أقول: قبل أن أبدأ بهذه الوسائل فإني أقدم بمدخل أسأل الله أن يجد منفذاً للقلب: فأقول أيها المحب! إنني في حيرة من أمرك! وأعجب من شأنك! وأتألم لحالك! فأنت صالح إن شاء الله، وأنت مستقيم على طاعة الله، وتحمل بين جنبيك لا إله إلا الله، فأنت تعرف أنك على حق، وتعرف أنك صاحب مبدأ، وتعلم أنك خلقت لهدف، ولحمل هذا الحق وتبليغه لكل إنسان، ومع ذلك كله فإني أراك تركن إلى الخمول والكسل، وتتعلق بالدنيا وكأنك مخلد فيها. فأين العمل؟! وأين الهمة العالية؟! وأين الهمّ للمبدأ؟! لماذا هذه السلبية المقيتة؟! ولماذا هذا الجمود الذي نراه على كثير من إخواننا وأخواتنا؟! كل أهل المبادئ تحركوا وعملوا وضحوا لكل شيء وبكل شيء وهم على باطل، وأنت صاحب الحق، فإن تعش تعش عزيزاً، وإن تمت تمت شهيداً، فالله معك، والجنة موعدك، فلماذا إذن التردد؟! ولماذا هذا الهوان؟! ولماذا تضيع المناسبات ونخسر المواسم بدون استغلال يناسب هذه المناسبات؟! فموسم الحج مؤتمر إسلامي من أعظم المناسبات التي تمر على الأمة الإسلامية، قال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج:٢٧] . إذاً: فهذا الموسم يأتي الناس إليه منذ أذن فيهم إبراهيم ﵇ بالحج، يفدون إلى بيت الله الحرام في كل عام من أصقاع الأرض كلها، وأرجاء المعمورة جميعها، مختلفة ألسنتهم، متباينة بلدانهم، متمايزة ألوانهم، يفدون إليه وأفئدتهم تتلهف إلى رؤيته والطواف به الغني القادر والفقير المعدم، ومئات الألوف من هؤلاء يتقاطرون من فجاج الأرض البعيدة، لماذا؟ تلبيةً لدعوة الله التي أذن بها إبراهيم ﵇ منذ سنين عديدة. إن الحجاج إذ يستبدلون بزيهم الوطني زي الحج الموحد، ويصبحون جميعاً بمظهر واحد، لا يُميَّز شرقيهم عن غربيهم، ولا عربيهم عن أعجميهم، كل لباسهم واحد، وتوجهوا إلى رب واحد، بدعاء واحد (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك) وتراهم وقد نسوا كل الهتافات الوطنية، وخلفوا وراءهم كل الشعارات القومية، ونكسوا كل الرايات العصبية، ورفعوا رايةً واحدةً هي راية (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) يطوفون حول بيت واحد، مختلطة أجناسهم وألوانهم ولغاتهم، ويؤدون نسكاً واحداً. فأقول: فمهما اختلفت اللغات، ومهما تعددت الجهات، ومهما تنوعت الجنسيات، فديننا واحد، وربنا واحد، ونبينا واحد، وقبلتنا واحدة، إذن فنحن أمة واحدة رغم أنف الأعداء، ورغم كل من حاول تشتيت هذه الأمة، فما أحلى استغلال هذه المناسبة لتوحيد كلمة المسلمين! وما أحلى استغلال المناسبة لجمع القلوب وتصفيتها! وما أحلى توجيه الحجاج لهذه المعاني الجميلة! وتكرارها عليهم، وإحياء مثل هذه المفاهيم في نفس كل مسلم ومسلمة لتتقارب هذه القلوب، وتتحابَّ هذه النفوس، وحتى تحب لأخيك ما تحبه لنفسك، فيسرك ما يسره، ويفرحك ما يفرحه، وإذا اشتكى أخ لك أو تألمت مسلمة، أحزنك ما أحزنها وساءك ما أساءها. هنا وبمثل هذه المفاهيم، وإذا اجتمعت القلوب على مثل هذه المبادئ، هنا يتحرك الجميع للعمل، وينطلق الجميع للميدان، ونضع اليد باليد، والكف بالكف، ونرص الصف إلى الصف ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠] ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢] (والدال على الخير كفاعله) (ومن سن في الإسلام سنةً حسنةً، كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة) هنا أستطيع أن أرسم مبدأ يعيش كل مسلم لأجله.

стр. 47

مقترحات ووسائل لاستغلال موسم الحج من هنا ألج إلى هذه الوسائل، فأقول:

стр. 48

إخلاص النية لله الوسيلة الأولى: إخلاص النية لله، فما تركت بيتك وأهلك وأولادك، وصرفت مالك، وتكبدت متاعب الطريق ومشقة السفر وحرارة الشمس والزحام وغير ذلك؛ إلا ابتغاء مرضاة الله وقبول العمل. إذاً: فاحرص على كل خير واجتنب كل شر، فما هي إلا أيام معلومات سرعان ما تنقضي هذه الأيام، فتذكر دائماً الإخلاص لله ، ليكون هذا الأمر معيناً لك على استغلال كل ساعة من ساعات هذا الموسم العظيم.

стр. 49

حسن الخلق وخدمة الآخرين الوسيلة الثانية: حسن الخلق، وخدمة الآخرين، والصبر والتحمل خاصةً في أوقات الشدة والزحام من أعظم الوسائل لاستغلال هذا الموسم، وكسب رضا الله ، فإن الرسول ﷺ قال: (أقربكم إليّ منازلاً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً) ، وقال ﷺ : (أثقل شيء في ميزان العبد حسن الخلق، وإن صاحب حسن الخلق ليبلغ ما لا يبلغه الصائم القائم) . فحسن خلق، وصبر جميل، وتحمل مع حسن اتباع للنبي ﵌ في مناسك الحج، كل هذه كفيلة بمشيئة الله بأن تكون سبباً في رجوعك لأهلك كيوم ولدتك أمك خالياً من الذنوب، وهل هذا الفضل يسير؟! كم يتمنى إنسان منا أن يرجع من بعد هذه الأيام كيوم ولدته أمه خالياً من الذنوب. أما سوء الخلق، والانفعال، والسب والشتم؛ فإنها آفات حالقة للدين، مضيعة للحسنات، مزعجة للنفس، مكدرة للخاطر.

стр. 50

اختيار الرفقة الصالحة الوسيلة الثالثة: وهي من أعظم الوسائل لاستغلال هذا الموسم: أن تحرص على أن تذهب مع أحد طلبة العلم، أو مجموعة من الموثوقين منهم ممن عرف بنصحه وحسن استغلاله للوقت، وكثرة ذكره وعبادته لله؛ فإنه خير معين لك لاستغلال هذا الموسم العظيم، فمنه تتعلم كيفية الحج الصحيح كما جاء ذلك عن النبي ﷺ ، ومنه تشعر بزيادة الإيمان وارتفاعه بكثرة توجيهاته وبنصحه وتذكيره، فما أحلى أن يحرص الإنسان على الصحبة الصالحة في مثل هذا الموسم!

стр. 51

استشعار عظمة أيام الحج الوسيلة الرابعة: استشعار عظمة هذه الأيام وقيمتها، وأنك تؤدي ركناً من أركان الدين ترجع فيه كيوم ولدتك أمك. ومن هذا الاستشعار: استشعار عظمة لبس الإحرام، والتجرد من الملابس، فيذكره هذا العمل بتلك اللحظات، لحظات سكرات الموت، والرداءين بالأكفان، والتجرد من الملابس بيوم يجرد من ملابسه ليغُسَل ويكفن. أيضاً واستشعار عظمة الموقف بـ عرفة بزحامه وحره وشدته، فيذكره بيوم الحساب، يوم يقف الناس عند الله حفاةً عراةً غرلاً، بزحامهم وعرقهم وشدة موقفهم. واستشعار عظمة رمي الجمرات، وما فيه من الحكم من عداوة للشيطان، وعدم الاستجابة له ولوساوسه، وكم من إنسان يرمي الجمرات والشيطان قد تمكن من قلبه، فما أكثر معاصيه! وما أشد فسقه! ولو علم هذا الحاج المعنى الحقيقي لرمي الجمرات، لعلم بعد ذلك أنه بحاجة لرميه من قلبه، والاستعاذة من الشيطان قبل أن يرمي تلك الحصوات مجرد رمي فقط، وإن من حكم رمي الجمرات ذلك الاتباع للخليل ولمحمد عليهما الصلاة والسلام. واستشعار عظمة الذبح يوم أن تقوم بذبح الهدي، وإراقة الدم لله وحده لا شريك له، ولذلك قال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج:٣٧] . وهكذا يستشعر عظمة الحج بأركانه وواجباته لمعرفة حكمه وأهدافه، فيزداد حرصاً على استغلاله وتعظيماً لأيامه، ولذلك ذكر الله في آيات الحج قوله: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج:٣٠] ثم ذكر في الآية التي تليها، قال: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢] ومن استشعر عظمة الله هذه الأيام لم يفرط بساعة واحدة منها، وفقنا الله وإياكم للعمل الصالح الخالص لوجهه.

стр. 52

معرفة فضل الحج ومكانته في الدين الوسيلة الخامسة: وهي من أعظم الوسائل التي تدفعنا لاستغلال موسم الحج: سماع الأحاديث في فضائله، فقف مع هذه الأحاديث واسمعها مرات ومرات، وتدبرها جيداً، وتأمل معانيها جيداً؛ لترى فضل هذه العبادة وعظمتها، ولتزداد حرصاً على استغلال أيامها وساعاتها. فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (من حج البيت فلم يرفث ولم يفسق؛ رجع كيوم ولدته أمه) والحديث أخرجه البخاري ومسلم. وعن أبي هريرة أيضاً قال: (سئل النبي ﷺ : أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: ثم جهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟، قال: حج مبرور) والحديث أخرجه البخاري في صحيحه. إذاً: فالحج أفضل الأعمال بعد الإيمان والجهاد. قال النووي ﵀: الحج المبرور هو الذي لا يخالطه إثم. وفي حديث عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه قال: قال ﷺ : (وأن الحج يهدم ما كان قبله) والحديث أخرجه مسلم في صحيحه. وأيضاً من حديث عائشة ﵂ قالت: قلت: (يا رسول الله! نرى الجهاد أفضل الأعمال، أفلا نجاهد؟ قال: لا. لكن أفضل الجهاد حج مبرور) والحديث أخرجه البخاري في صحيحه. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) والحديث أخرجه مسلم في صحيحه. وقوله ﷺ : (تابعوا بين الحج والعمرة؛ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد) والحديث أخرجه ابن ماجة في سننه، وذكره الألباني في صحيح ابن ماجة. فأقول: الحجاج إذن وفد الله، إن سألوه أعطاهم، وإن دعوه أجابهم، وإن استغفروه غفر لهم، ونفقتهم مخلوفة عليهم وهي في سبيل الله. فأسألك بالله يا أيها الأخ الحبيب! ويا أيتها المسلمة! ألا تدفعكم هذه الفضائل لاستغلال موسم الحج في كل عمل تقدرون عليه؟! أَلَا يتحرك الإيمان وأنت تسمع هذه الفضائل لتبذل كل ما في وسعك، وبذل الطاقة والجهد لعمل الخير؟! ألا يحدوك الشوق إلى غفران الذنوب ومحوها؟! أَلَا يحدوك الشوق إلى جنة عرضها السموات والأرض؟! وبمجرد الحرص على استغلال هذا الموسم في أعمال الخير وأعمال البر، فإنك سمعت أن (الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) والموفق من وفقه الله، فنسأل الله أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى. فلله ذاك الموقف الأعظم الذي كموقف يوم العرض بل ذاك أعظم ويدنو به الجبار ﷻ يباهي به أملاكه فهو أكرم يقول: عبادي قد أتوني محبة وإني بهم بر أجود وأكرم فأشهدكم أني غفرت ذنوبهم وأعطيتهم ما أملوه وأنعم فبشراكم يا أهل ذا الموقف الذي به يغفر الله الذنوب ويرحم فكم من عتيق فيه كمل عتقه وآخر يستسعي وربك أكرم وما رئي الشيطان أغيظ في الورى وأحقر منه عندها وهو ألأم وذاك لأمر قد رآه فغاظه فأقبل يحثو الترب غيظاً ويلطم لما عاينت عيناه من رحمة أتت ومغفرة من عند ذي العرش تقسم فيوم عرفة يوم مشهود، وهو من مفاخر الإسلام؛ لأن المسلمين لا يمكن أن يحتشدوا في مكان كهذا المكان لا يعرف بعضهم بعضاً إلا في يوم عرفة، يوم بكاء وخشوع، ويوم دعاء وخضوع، ويوم خوف من الله، ويوم مغفرة للذنوب وتجاوز عنها، وعتق من النار. ففي صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي ﷺ قال: (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبيده من يوم عرفة، ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء) . ولأجل هذه المزايا العظيمة في مثل هذا اليوم أقول: ينبغي للحاج استغلال هذا اليوم والاهتمام به، فيكثر من كل الأعمال الصالحة.

стр. 53

الخلوة بالنفس الوسيلة السادسة: وهنا وسائل وتوجيهات: الحرص كل الحرص على الخلوة بالنفس، وعدم الاختلاط بالآخرين للدعاء، والذكر، وقراءة القرآن، والخشوع، والبكاء، والتضرع، فإنها ساعات قليلة، احرص على أن تختلي فيها بنفسك: فلله كم من عبرة مهراقة وأخرى على آثارها لا تقدم وقد شرقت عين المحب بدمعها فينظر من بين الدموع ويسجم

стр. 54

كثرة الإنفاق والصدقة الوسيلة السابعة في يوم عرفة: كثرة الإنفاق والصدقة، وبذل المال، وإطعام الطعام في ذلك اليوم، ولا بأس إن كانوا جماعةً أن يطرح فكرة جمع مبلغ من الجميع كلٌ بما تجود به نفسه؛ وذلك ليشترى به سيارة ماء-مثلاً- أو سيارة طعام أو شراب، ومن ثم توقف على المسلمين في ذلك اليوم؛ فهم في شدة وحر وزحام وجوع، فما أعظم الصدقة في مثل ذلك اليوم، وهي أدعى لقبول الدعاء والحج.

стр. 55

استغلال ساعة الغروب الأخيرة الوسيلة الثامنة: وقت انصراف الناس من يوم عرفة ساعة غروب ولحظات أخيرة ليوم عظيم، وهي ساعة استجابة، وفي موسم عظيم، يغفل الناس كثيراً في هذه اللحظات بانشغالهم بالانصراف ومزاحمة الناس، وإن كان هذا لا بد منه لسائق أو لبعض الأفراد كما يدعي البعض فأقول: فلماذا انشغال الجميع؟ ولماذا التعليق والغضب وربما السب والشتم في هذا الوقت، ونسيان الدعاء والتلبية وشكر الله على هذا الفضل العظيم؟! وأقول للإخوة جميعاً: لنحرص على مثل هذه اللحظات في ذلك اليوم على الدعاء، فو الله لقد أقسم بعض الصالحين أنه ما دعا الله دعوةً، وطلب من الله طلباً في ذلك اليوم، فما دارت السنة إلا واستجاب الله دعوته كما طلبها، وهذا من فضل الله . فلماذا إذن تضيع علينا هذه الساعات التي من دعا الله -إن شاء الله- استجاب له دعاءه فيها خصوصاً إذا قام بآداب الدعاء كاملةً؟

стр. 56

تطبيق سنة رسول الله ﷺ في ذبح الهدي وتوزيعه - الوسيلة التاسعة: الهدي في الحج دم يراق في سبيل الله في أيام من أعظم الأيام، والحاج إذا دخل المسالخ لا يستطيع أن يمشي على الأرض من كثرة الذبائح المتراكمة على بعضها، والتي تركت على حالها، ومن رأى هذا الوضع يتألم ويحترق قلبه على ضياع مثل هذه الأنعام وعدم استغلالها، وكأنه لا أخوان لنا في كل مكان يتمنون لقمةً يتبلغون بها، وهنا اقتراحات، منها: على الحاج أن يحسن ذبح ذبيحته، وليستغل كل جزء فيها، وليأكل منها وليوزع الباقي، فإنها عبادة عظيمة يؤجر عليها الإنسان، وكلما حرص وأخلص فهي كسائر العبادات، فعلى الإنسان أن يحرص على أن يؤدي هذه العبادة بنفسه، وأن يريق الدم بيده؛ فإن هذه العبادة من أعظم العبادات لله . فلماذا إذن هذا الإهمال العجيب من كثير من الناس؟ والله يقول آمراً: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج:٢٨] . - الوسيلة العاشرة: على أصحاب الحملات ومن يذهبون جماعات إلى الحج أن يكلفوا خمسةً منهم -أقل أو أكثر- يجمعون المبالغ من الحجاج الذين شاركوهم، ويتجهون للأسواق فيشترون الأغنام أو الإبل، ويشرفون على ذبحها وتقسيمها ووضعها في أكياس، ثم ليسألوا عن الأحياء المحتاجة في مكة وما أكثرها، وليذهبوا بأنفسهم لتوزيعها، فكم من الأجر العظيم في ذلك، وإن كان العدد كبيراً فلا بأس من تقسيمها على مجموعات لتذهب كل مجموعة في كل يوم. وأقول: وقد عمل مثل هذا العمل فوجدنا أن الفقراء في مكة بحاجة ماسة لمثل هذه الصدقة، فلماذا إذن نحرمهم؟ ولماذا نحرم أنفسنا الأجر، مع أن الأمر يسير ولا إشكال في مثل هذا العمل؟ - الوسيلة الحادية عشرة: في الهدي: إن لم يتمكن الحاج من ذلك، ولم يستطع أن يذبح أو يشرف على ذبيحته، فالأولى تسليمها إلى أفراد يثق بهم، أو إلى مؤسسات خيرية تقوم باستلام قيمتها وذبحها وتوزيعها على فقراء المسلمين، فهو أولى من ذبحها ورميها وتراكمها في مثل تلك المشاهد التي نراها. وهنا أنبه كل مسلم، وكل محب للخير إلى إرشاد الناس للاهتمام بالهدي، وعدم إهماله أو اللامبالاة فيه، وأن نتناصح فيما بيننا كمسلمين، ولو عُمِل بعض الوسائل للأعاجم لإرشادهم في هذه القضية، كالإعلان عنها في الصحف والمجلات بمجموعة من اللغات، أو بعمل مطويات من قبل مكاتب الدعوة والجاليات، لكان أولى وأفضل. ونسأل الله أن تتلاشى تلك المناظر المؤلمة من أكوام الذبائح التي تحرق وترمى، والمسلمون بأمس الحاجة لها، ولن يكون ذلك إلا بتعاون الجميع.

стр. 57

توزيع الشريط الإسلامي النافع الوسيلة الثانية عشرة: وهي من أعظم الوسائل وأنجعها، فمما لم يعط حقه في هذه المناسبة: هو توزيع الشريط النافع وبلغات متعددة. فإذا قلنا أيها الأحبة: إن مجموع الحجاج أكثر من مليوني حاج، منهم مليون من الخارج، وهم من بلاد مختلفة، ولغات متعددة، فلماذا لا يحرص على الشريط وينظم العمل له بحيث لا يرجع حاج إلى أهله ومدينته ومكان إقامته إلا ومعه على الأقل شريط واحد؟ فما أحلى أن نهتم بمثل هذا المشروع وأن نحرص عليه! فكم من الناس حرموا من مثل هذه الوسيلة، وأقول هذا الأمر من خلال تجربة معينة، فإن المسلمين في أماكن كثيرة تجد أنهم قد يفقدون مثل هذه الوسيلة، وكم نجد من الدعاة إلى الله ممن يحرصون على تبليغ هذا الدين لأهله، لكنهم في كثير من البلاد قلة، وإن وجد من الدعاة من يعمل، فقد لا تخلو عقيدته من شبهة معينة، فلذلك لماذا لا نستغل مثل هذه المادة ومثل هذه الوسيلة في توزيع الأشرطة الموثوقة؟ وهنا تنبيهات على من اقتنع بمثل هذه الفكرة: فأولاً: سلامة موضوع الشريط من الشبهات والعقائد الفاسدة، والتأكد من الملقي ولغته وترجمته إن كان مترجماً، وذلك بالتعاون مع المؤسسات المسئولة، كالجامعة الإسلامية بـ المدينة المنورة -مثلاً- ومكاتب الجاليات، فقد توزع مئات الأشرطة وهي مليئة بالخرافات والأباطيل. ثانياً: الحرص على مواضيع العقيدة الإسلامية وتأصيلها ومحاربة الشرك والسحر -مثلاً- وبعض الكبائر كالزنا -أعزكم الله- والغناء وحكمه، وحقوق المرأة في الإسلام، والمواضيع التي تتحدث عن مثل هذه الأمور، والإكثار منها، فإن المسلمين في كل صقع بحاجة لمثل هذه الأمور. ثالثاً: الاهتمام بالإخراج وجمال الشكل الخارجي، وصفاء التسجيل للشريط وتغليفه؛ ليكون أدعى للقبول، وليناسب الإهداء، وإن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، ولو قامت وزارة الشئون الإسلامية ووزارة الحج ومكاتب الدعوة والجاليات بمثل هذا العمل والاهتمام به، لنفع الله به نفعاً عظيماً في كل مكان. وقد سمعنا -والحمد لله- قيام وزارة الشئون الإسلامية بمثل هذا العمل فشكر الله سعيها، ووفق العاملين فيها لما يحب ويرضى، ولكن نقول -أيضاً-: مزيداً من التنظيم والتكليف، فإن مثل هذه المناسبة جديرة بالاهتمام بها والحرص عليها، وهنا لا يمنع -أيضاً- من قيام الأفراد والجماعات بمثل هذا المشروع كلٌ بحسب طاقته، فإن الدعوة إلى الله مسئولية الجميع وليست وقفاً على أحد بعينه.

стр. 58

توزيع الكتاب الإسلامي - الوسيلة الثالثة عشرة: قل مثل ذلك في الرسائل والكتيبات، وطباعتها طباعةً فاخرةً جميلةً وتكثيفها، وإن كانت طباعة الكتاب في كثير من البلاد الإسلامية وفي خارج البلاد أمرها يسير بخلاف الشريط.

стр. 59

الاستفادة بدعوة ذوي الخبرات إلى الحق الوسيلة الرابعة عشرة: لماذا لا يقوم بعض الشباب بجمع عدد لا بأس به من إخواننا الوافدين أو من غيرهم، خاصةً أصحاب التخصصات كالأطباء والمهندسين والأساتذة وغيرهم، ثم الحج معهم وتوفير النقل وتجهيز السكن لهم هناك، فهي فرصة لدعوتهم وتوجيههم، وهي فرصة لقيامهم بالحج صحيحاً كما شرع، ومثل هذا العمل جهاد عظيم، فإنه مخالف لحظوظ النفس وشهواتها، فإن النفس تحب السفر مع من تعرف وترتاح إليه، ولو علم بعض أهل الخير بمثل هذه الوسيلة لتولوا تكاليف مثل هذه الرحلات والإنفاق عليها، لما فيها من نفع عظيم. ولو قام أصحاب المؤسسات الكبيرة والشركات بمثل هذه الحملات لعمَّالهم، وشاركهم بعض الشباب، لكانت كذلك فرصةً مناسبةً لمخالطتهم وتنظيم برامج لهم واستغلال أوقاتهم، وربما لم يرجعوا من الحج إلا وقد تبدلت أحوالهم، وصلح شأنهم، وهذا اقتراح ونداء نوجهه لشبابنا، فهل يجد آذاناً صاغيةً وهمماً عاليةً، ونفوساً أبيةً مجاهدةً؟! نرجو ذلك!

стр. 60

إقامة الدروس الموجهة والموضحة للمناسك - الوسيلة الخامسة عشرة: أن تكون هناك سلسلة دروس خفيفة من بداية رحلة الحج إلى نهايتها، وتتصف هذه الدروس بيسرها وعدم طولها، ووضعها على شكل نقاط سريعة يلخص فيها خطوات العمل لكل يوم من أيام الحج: فمثلاً: في الطريق: الدرس الأول: في إخلاص النية وحكم الحج ومنافعه. الدرس الثاني: في آداب السفر والصحبة والأخوة. الدرس الثالث: في الصبر والتحمل وحسن الخلق. الدرس الرابع: في كيفية الإحرام ومحظوراته وسننه. الدرس الخامس: من الميقات إلى الحرم، في كيفية أداء العمرة وسننها وبعض المخالفات فيها. الدرس السادس: في الجلوس بـ منى، وفي الأذكار، والدعاء وآدابه، وبعض الأدعية المختارة. الدرس السابع: في أعمال اليوم الثامن وسننه. الدرس التاسع: في صباح يوم عرفة يكون هناك أعمال يوم عرفة وبعض التوجيهات لاستغلاله. الدرس العاشر: في أعمال يوم النحر وسننه. الدرس الحادي عشر: في أعمال أيام التشريق وفضلها وكثرة ذكر الله فيها. فأقول: لو عمل بهذه الوسيلة في رحلة الحج، واختصرت هذه الدروس على شكل نقاط سريعة، وكتب كل درس في ورقة واحدة، ووزعت على الحجاج المشاركين، أو وضعت في لوحة بارزة في أمكانهم بخط واضح كبير، لكانت هذه السلسلة خير وسيلة، وأسهل طريقة لتفقيه الحجاج بركنهم، والحرص عليه وحسن استغلاله.

стр. 61

استغلال موسم الحج بدعوة التجمعات في المخيمات - الوسيلة السادسة عشرة: على الشباب والدعاة وطلاب العلم، استغلال هذا الموسم العظيم وهذه المناسبة الدعوية، وذلك بالذهاب إلى المخيمات والحملات، وزيارة الحجاج في خيامهم، والحديث معهم وتوجيههم، وبيان مناسك الحج كما جاءت عن رسول الله ﷺ . فمن الخطأ أن ننتظر تجمع الناس ومجيئهم إلينا للاستفادة، فإن هناك أناس إن لم تذهب إليهم فلن يأتوك، ومن أفضل الوسائل لهم تنظيم الكلمات الوعظية بعد الصلوات، وقد جرب ذلك فكان له أثر عظيم، ولنا في رسول الله ﷺ أسوة حسنة، فقد كان يعرض نفسه ودعوته على الحجاج في مواسم الحج المختلفة، وكان يذهب إلى منتديات زعماء قريش فيدعوهم، وقد ذهب وحيداً إلى الطائف ليدعو أهلها، وكان يقال -أيضاً- عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أنه رجل عامة يخالط الناس ويغشاهم في مجالسهم ومنتدياتهم، ويقضي حوائجهم. فالأولى بشباب وطلاب العلم والدعاة أن يفعلوا ذلك، ويخالطوا الناس ويغشوهم في مجالسهم وخيامهم.

стр. 62

توجيه أهل كل بلد لدعوة أهلهم الوافدين - الوسيلة السابعة عشرة: لا شك أن لكل مكتب جاليات مجموعةً من طلبة العلم المتقنين للغات عدة، سواءً من العرب أو العجم، فأقول: لم لا تستغل مكاتب الجاليات هذه الطاقات، وهذه المواهب للاستفادة منهم في عقد الدورات والندوات والدروس في المخيمات الكبيرة للمطوفين في الحج، وفي إلقاء المواعظ والكلمات عليهم بعد الصلوات، ولا بأس -أيضاً- في مكافأة هؤلاء الذين يقومون بهذه الدروس وترغيبهم؟ نرجو أن تهتم مكاتب الجاليات بهذا، وأن يوصل بعض الإخوة مثل هذا الاقتراح للقائمين على مثل هذه المكاتب لعل الله أن ينفع بها الأعداد الكبيرة من المسلمين في كل مكان، يوم أن يأتوا لمثل هذه الأماكن فينتظروا منا أن نقدم لهم شيئاً ولو كان يسيراً. أقول: تهتم مكاتب الجاليات لمثل هذه الفكرة وتخطط لها، كأن يُحصَر -مثلاً- هؤلاء في مكاتب الجاليات جميعها، ويوضع لهم جدول مرتب ويرفع إلى وزارة الشئون الإسلامية للإقرار والموافقة عليه، فإنها خير معين لمثل هذه البرامج. وأقول: لو طبقت هذه الفكرة لوجدنا نفعاً عظيماً لهؤلاء المسلمين الذين يفدون إلينا من كل مكان بلغات متعددة.

стр. 63

كثرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الوسيلة الثامنة عشرة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ركن عظيم من أركان الدين، بتركه تكثر الأخطاء والعيوب، وتنتشر المنكرات ويتفشى الجهل، ويضيع الحق، بل قد يصبح الباطل حقاً، وهو من أعظم صفات المؤمنين والمؤمنات، ولذلك قال الله : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٧١] . والتناصح بين المؤمنين والمؤمنات سبب لنشر الحب والإخاء، وصفاء النفوس، وكل مسلم ومسلمة يريد أن يكون محبوباً عند الآخرين، يريد أن يملك قلوب الآخرين بحسن خلقه، ويريد أن يصل إلى الكمال الخلقي الإنساني، ولن يكون ذلك أبداً إلا بأن نعرف عيوبنا، ونعالج هذه العيوب، ونتقبل هذه العيوب بصدر رحب ونفس راضية، ولا يمكن علاجها إلا بمعرفتها، ومن الصعب أن يرى الإنسان عيب نفسه أو أثر عيوب نفسه، ولذلك قال ﷺ : (المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن يكف عليه ضيعته ويحوطه من ورائه) والحديث أخرجه البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود من حديث أبي هريرة وقد حسنه العراقي كما في تخريج الإحياء. - الوسيلة التاسعة عشرة: وهنا اقتراح على كل مخيم وحملة للحج، بوضع صندوق صغير تحت مسمى: صندوق المناصحة أو صندوق التناصح، ويوضع في مكان بارز للجميع، وكل من لاحظ على أخيه أمراً سلباً كان أو إيجاباً فإن من العدل أن نذكر محاسن الشخص كما نذكر مساوئه وأراد أن يكتب لأخيه كلمات ناصحة رقيقة، فإنه يكتبها ويضعها بظرف ويكتب عليها اسم المرسل إليه ويضعها في هذا الصندوق، ويكون هناك شخص أمين يحمل الرسائل إلى أصحابها، ولو وضع بجانب الصندوق -أيضاً- أقلاماً أو أوراقاً وظروفاً لكان أجمل ليسهل على الكاتب الأمر. ولو عُمِل ذلك لرأينا آثاراً جميلةً على أفراد المخيم والرحلة، ولرجع كثير منا وقد سدت تلك العيوب التي ربما تراكمت عليه بدون أن من أحد يناصحه من إخوانه فيها، ولذلك لنجرب ولنقم بمثل هذا الأمر في رحلاتنا وحملاتنا. بل أقول: لو جرب ذلك حتى في مؤسساتنا ومدارسنا وشركاتنا لوجدنا أن التناصح قد يجد له طريقاً؛ لأن كثيراً من الناس ينعقد لسانه عندما يريد أن يناصح أخاً له في منكر أو في عيب أو ملاحظة عليه، لكن إن كان الأمر عن طريق الكتابة والتسجيل فقد يسهل ذلك عليه، فلنجرب ذلك، وقد جُرِّب فآتى ثماراً نافعةً.

стр. 64

إعداد المرأة ما تدعو به في الحج الوسيلة العشرون وهي للمرأة: ألا تذهب الصالحة للحج إلا وقد أعدت على الأقل ثلاثة مواضيع أو أكثر، مع مسابقات ثقافية وأسئلة عن الحج وفقهه، لتنفع الأخريات اللاتي معها؛ فإننا نرى أوقات النساء تضيع هدراً في مثل هذه المناسبة في الجلوس مع بعضهن وكثرة الحديث. ألا تتقي الصالحة ربها، وتزكي صلاحها وعلمها أياً كان، فإن رسول الله ﷺ قال: (بلغوا عني ولو آيةً) وقال ﷺ : (نضر الله امرءاً سمع منا شيئاً فبلغه، فرب مبلغ أوعى من سامع) . أيتها الصالحة! أنت مسئولة أمام الله عن بنات جنسك، فماذا قدمت لدينك؟! فلا يكفي أن تكوني صالحةً، بل لا بد أن تكوني مصلحةً -أيضاً- ليدفع الله عنك الشرور، ألم تسمعي لقول الحق : ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود:١١٧] لم يقل: صالحين! وإنما قال: ﴿مُصْلِحُونَ﴾ ألم تسمعي قول الحق : ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا﴾ [الأعراف:١٦٥] مَن؟ الصالحين؟! لا. ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف:١٦٥] . فأقول: كوني مفتاح خير لأخواتك المسلمات؛ فإنهن بحاجة لمثل هذه المواضيع، وهن بحاجة لاستغلال أوقاتهن في الحج، فكم شكت كثير من الصالحات من ضياع الساعات بل الأيام في هذا الموسم العظيم. فأقول: كوني مفتاح خير، فإن النبي ﷺ قال: كما في الحديث الذي أخرجه ابن ماجة في سننه: (من الناس من هم مفاتيح للخير مغاليق للشر، ومن الناس من هم مفاتيح للشر مغاليق للخير، فطوبى لمن كان مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر، وويل لمن كان مفتاحاً للشر مغلاقاً للخير) أو كما قال ﵌.

стр. 65

إعداد المرأة هدايا شرعية للنساء - الوسيلة الحادية والعشرون وهي للنساء: هدية للنساء تشتمل على الحجاب وغطاء الوجه وقفازين وجوارب، وشريط بنفس اللغة، مع مطوية بأهمية الحجاب وشرعيته. أقول لكل مسلمة تنوي الذهاب للحج: ما رأيك لو حملت معك مثل هذه الهدية، أو على الأقل عددا من العباءات والجوارب لإهدائها إلى أخواتك اللاتي يشاركنك في الحج؟ وقد تقفين على كثير من المسلمات وربما الأعجميات اللاتي لا يملكن ثمن هذا الحجاب، واللاتي ربما لا يعرفن شيئاً عن حكم هذا الحجاب. ولا تحتقري هذا العمل مهما كان، فقد تأخذه مسلمة منك بدون حرص ولا اهتمام في البداية، ولكن مع الأيام قد تؤتي هذه الهدية ثمارها، وكم وقع مثل ذلك من المواقف، كلمة! أو هدية! وبعد أشهر أو حتى سنوات كان لهذه الكلمة بل كان لهذه الهدية أثر عظيم في نفس المهدى إليه، فلنجرب مثل ذلك وسنجد أثراً طيباً بمشيئة الله ولو لم تؤت ثمارها في الدنيا، فلا شك أنها ستؤتي ثمارها في الآخرة.

стр. 66

توجيه المسلمين وإيصال وسائل الدعوة إليهم - الوسيلة الثانية والعشرون: ما أجمل أن يجعل الحاج ضمن أغراض ومستلزمات الحج بعض الأشرطة والكتيبات والرسائل والمطويات المناسبة، ويجعلها بجانبه في السيارة! فما أكثر المحتاجين لها من الحجاج الذين تقابلهم أنت في الطريق، وفي محطات البنزين والاستراحات والميقات وغيرها من أماكنهم في الطريق، فمطوية عن حلق اللحى وحكمه تمدها لحالقها في الميقات وما أكثرهم، تكفيك عن عشرات الكلمات، وتكفيك من ألم الآهات والزفرات لرؤية تلك المنكرات، فها أنت قد بلغت وعملت ما بوسعك، وقل مثل ذلك في التدخين والغناء وغيرها من المنكرات التي نراها على كثير من الحجاج. وكم أعجبتني تلك الزوجة الصالحة التي كتبت لزوجها بعض المشتريات من لوازم الحج، فكان منها عدد كذا من الأشرطة النافعة للتوزيع، وعدد كذا من الرسائل والكتيبات، ثم ذكرت بعض العناوين المناسبة للمرأة. فأقول لتلك المرأة: شكر الله سعيك وبارك فيك، وحجاً مبروراً وسعياً مشكوراً إن شاء الله! فأنت قد حملت في قلبك هم نفع الأخريات وتوجيه المسلمات ولو عبر كتاب أو شريط، فالدال على الخير كفاعله، وكم نحن بحاجة لمثل هذه المسلمة التي تحمل هم نفع الأخريات وإصلاح المسلمات في قلبها، فتحرص على الأقل إن لم تستطع الكلام فما أقل أن تحرص على إيصال الوسائل من كتاب أو شريط أو مطوية أو غير ذلك، فإن ذلك له أجر عظيم في الميزان يوم أن نقدم على الله .

стр. 67

الاستفادة من أصحاب التخصصات لنفع الآخرين - الوسيلة الثالثة والعشرون: في حملات الحج تشارك أعداد كبيرة من الرجال والنساء، ويشارك فيها بعض الأعيان، وأصحاب الشهادات العالية من أطباء ومهندسين وغير ذلك. فأقول: لو أعطي هؤلاء مكانتهم وقدرهم، واستُفيد منهم في تخصصاتهم لنفع الآخرين، من خلال عقد اللقاءات والمناقشات معهم. ثم نذكِّر -أيضاً- أصحاب الحملات بحسن التخطيط والتنظيم للبرامج الدعوية والعلمية والثقافية والحرص على مشاركة الجميع فيها، وخاصةً الاهتمام بالمرأة وتكثيف البرامج لها، ولماذا ذلك؟ لأن مشاركة المرأة للحملة فرصة عظيمة، بل قد يشارك بعض النساء اللاتي ربما لم تسمع يوماً من الأيام تذكيراً أو وعظاً، بل هي ربما أسيرة لوسائل الإعلام بأنواعها، والمرأة بطبيعتها مشغولة في بيتها ومع أولادها وقليلة الحضور للدروس ومجالس الوعظ، فلذلك كم هي بحاجة لأن تستغل عندما تذهب لمثل هذه الحملات. -وأيضاً- البرامج الدعوية للمرأة ضعيفة جداً -وللأسف- بل هي معدومة في كثير من المناطق، فوجودها في الحملة فرصة يجب أن تحظى بالاهتمام من أصحاب الحملات، بارك الله فيهم جميعاً ونفع بهم ووفقهم لما يحب ويرضى. ويجب -أيضاً- استغلال جميع الأوقات، حتى أوقات التنقلات من خلال البرامج الخفيفة والمسابقات الثقافية وسماع الأشرطة. وأخيراً أقول لجميع أصحاب الحملات: إن خير وسيلة للدعوة ولاستغلال موسم الحج ونجاح حملتك هي: القدوة الحسنة، وصدق الكلمة، والوفاء بالعهد، فاتصف بهذه الصفات وأبشر بالخير كله.

стр. 68

الانفراد والخلوة بالله الوسيلة الرابعة والعشرون: من أعظم الأسباب لضياع هذا الموسم وضياع أجمل ساعاته -وللأسف- الجلوس جماعات والحديث عن بعض أمور الدنيا، ولا بأس بقليل من هذا من باب الترويح عن النفس، وإدخال الأنس للصحبة، ولكن أن يستغرق ذلك ساعات، وتصاحبه الضحكات والسخرية والتعليقات، وقد رأينا من يفعل ذلك حتى في أعظم الأيام: (يوم عرفة) .

стр. 69

زيارة الجيران ومعرفة أحوال المسلمين في بلادهم - الوسيلة الخامسة والعشرون: زيارة جيرانك في مخيمات الحج والتعرف عليهم، خاصةً إذا كانوا من الأعاجم، ومعرفة أحوالهم وأوضاع المسلمين هناك، وقد تتعرف على بعض الدعاة أو طلبة العلم من إحدى البلاد الإسلامية، فتقف معيناً له في دعوته برأي، أو بمال، أو بكتاب، أو بشريط، أو بأي وسيلة من وسائل الدعوة، فإن من منافع الحج بل من أعظمها التعرف على إخوانك ومعرفة أحوالهم وأوضاعهم، ولا تحتقر نفسك أو شيئاً تقدمه، فإن الدعوة في البلاد الإسلامية تحتاج لكل شيء، ولو كان هذا الشيء صغيراً أو قليلاً، حتى ولو كان اقتراحاً أو رأياً؛ تشد به من عضد إخوانك الدعاة هناك، وقد يكون من جيرانك من هو بحاجة لمساعدة إرشادية أو مالية أو فقهية، ولو لم يكن ذلك كله لكفى أنك قمت بالزيارة، والزيارة عبادة عظيمة، ولعلي أذكركم بحديث الرجل الذي زار أخاً له في الله، فأرسل الله على مدرجته ملكاً، فإن الزيارة في الله فيها فضائل كثيرة.

стр. 70

استغلال الهواتف بوضع عبارات هادفة للمستخدمين - الوسيلة السادسة والعشرون: مجموعة وسائل أو اقتراحات في الهاتف: لماذا لا يستغل المسئولون في الهاتف تجمع أعداد كبيرة من الحجاج عند الهواتف، وذلك بكتابة بعض التوجيهات المناسبة والكلمات الإرشادية، حتى ولو كانت عن طريق التسجيل بصوت هادئ جميل؟ -وأيضاً- لو استغل هذا التجمع لوضع صناديق لجمع التبرعات للمسلمين في كل مكان، كـ البوسنة والهرسك والصومال وغيرها وقامت بعض المؤسسات التي تعتني بمثل هذا الأمر كالهيئة العليا وغيرها من المؤسسات الخيرية، أقول: لو قامت بهذا الأمر لكان لذلك نفعاً عظيماً.

стр. 71

تجهيز بطاقات هاتفية تحمل أرقام أهل الفتوى - الوسيلة السابعة والعشرون: وسيلة أخرى من وسائل هذا اللقاء: وضع بطاقة صغيرة: لو قام المسئولون في الهاتف بوضع بطاقة فيها أرقام الهواتف التي لا يستغني عنها الحاج، كأرقام هواتف بعض العلماء للإفتاء، أو أرقام المرور والدفاع المدني وغير ذلك وتوزيعها على الحجاج، فإن لها نفعاً عظيماً في تلك الأيام، فكثيراً ما نرى من الضالين الذين قد أضاعوا أماكنهم، أو هم بحاجة ماسة لمسألة فقهية أو غير ذلك، فلو وزعت هذه البطاقة بمثل هذه الأرقام لنفع الله بها نفعاً عظيماً.

стр. 72

إعداد الطعام للناس ليلة مزدلفة الوسيلة الثامنة والعشرون: في ليلة مزدلفة يكون الناس متعبون بعد يوم عرفة وقد لا يجدون وقتاً لإعداد طعام العشاء وأيضاً تلك الليلة هي ليلة راحة، فأقول: ما أحلى أن تستغل هذه الليلة من بعض محبي الخير ومن بعض الشباب فيجمع بعض المال لإطعام الناس في تلك الليلة، فإن عشاء الناس قد لا يتوفر في تلك الليلة لانشغالهم -كما ذكرنا- بيوم عرفة، ولقلة الزاد في مثل هذا الوقت، فما أحلى أن تستغل هذه الليلة الجميلة في إطعام الناس وتوزيع وجبات العشاء عليهم، فما أعظم النفع وما أعظم الأجر في ذلك!

стр. 73

وضع اللوحات الإرشادية والملصقات الدعوية المؤثرة - الوسيلة التاسعة والعشرون: نتمنى أن نرى المشاعر المقدسة -وخاصة منى - وقد ازدانت باللوحات الإرشادية، والكلمات التوجيهية عبر اللوحات المضيئة والمعلقة، وبلغات متعددة، وخاصةً في أماكن تجمع الحجاج في الجمرات وعند الهاتف، وغيرها من الأماكن، وهذا اقتراح نوجهه إلى إخواننا المسئولين في وزارة الشئون الإسلامية، ووزارة الحج، ومكاتب الدعوة، ومكاتب الجاليات، وغيرها من المؤسسات التي يعنيها هذا الأمر، فإنهم لا يألون جهداً في نشر الخير وتوعية المسلمين، جزاهم الله عنا وعن المسلمين خيراً، ووفقهم لما يحب ويرضى.

стр. 74

توزيع الكتيبات في الطرق - الوسيلة الثلاثون: لا بأس بتعليق الصناديق الصغيرة الجميلة في بعض الطرق الرئيسة في المشاعر، يوزع من خلالها بعض الكتيبات والرسائل والمطويات النافعة، ويكتب عليها: خذ نسختك، بعدد من اللغات. لو عملت بعض الملصقات الدعوية الجميلة والمؤثرة، ووضعت على سيارات النقل الكبيرة المتنقلة داخل المشاعر، لكان لذلك أثر كبير في توجيه الحجاج في أمر دينهم.

стр. 75

وضع ملصقات إرشادية على المظلات - الوسيلة الحادية والثلاثون: لو استغلت حتى المظلات الشمسية التي تقي الحجاج من الشمس وحرارتها، في بعض الكلمات والتوجيهات والإرشادات المكتوبة عليها عن أهمية النظافة ووضع المخلفات في أماكنها، بلغات متعددة، لكان ذلك -أيضاً- له نفع لغير الحجاج. ولو تم التنسيق في هذه الأفكار -أقصد لوحات الإعلان والإرشادات وغير ذلك- مع بعض المؤسسات التجارية وأصحاب رءوس الأموال، ولا بأس بجعل بعض مساحات للدعاية والإعلان لشركاتهم ما داموا سيقومون بتكاليف مثل هذه اللوحات، ولو تواصل الإخوة الدعاة وطلبة العلم، والشباب مع وزارتي الحج والشئون الإسلامية، والوقوف معهم ومؤازرتهم في الاقتراحات والتوجيهات وغير ذلك، فإن الحجاج ضيوف علينا جميعاً؛ فيجب التعاون والوقوف يداً واحدة؛ لإنجاح هذا الموسم.
следующие страницы →