Полный текст (230 стр.). Показаны 211–230 · переход к 216.
стр. 211
شرح العقيدة الطحاوية [٢٠]
من عقيدة أهل السنة سلامة صدورهم لأصحاب النبي ﵊، ومعرفة فضلهم وقدرهم، وأنه لم يكن ولن يكون مثلهم، مع تفاوتهم في المرتبة، وتفضيلهم للخلفاء الأربعة.
стр. 212
انتفاع الميت بعمل الحي، والخلاف في بعض الأعمال
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: [وفي دعاء الأحياء وصدقاتهم منفعة للأموات، والله تعالى يستجيب الدعوات، ويقضي الحاجات، ويملك كل شيء ولا يملكه شيء، ولا غنى عن الله تعالى طرفة عين، ومن استغنى عن الله تعالى طرفة عين فقد كفر، وصار من أهل الحين، والله يغضب ويرضى لا كأحد من الورى] .
قوله ﵀: [وفي دعاء الأحياء وصدقاتهم منفعة للأموات] .
هذه المسألة صلتها بكتب الفروع ألصق منها بكتب الاعتقاد، لكن ذكرها المؤلف ﵀ رداً على من قال بأنه لا ينتفع الأموات من عمل الأحياء بشيء، وهذا تكذيب لما أجمعت عليه الأمة من وصول نفع بعض الأعمال إلى الأموات؛ فإن الأمة أجمعت على أن الدعاء ينتفع به المدعو له حياً أو ميتاً وهو ليس من سعيه ولا من عمله إنما من عمل غيره، وقد وقع الخلاف في بعض الأعمال هل ينتفع بها الأموات أو لا، كالصدقات وأشباهها.
فذكر المؤلف لهذه المسألة في كتب الاعتقاد لبيان ما يعتقده أهل السنة والجماعة من انتفاع الأموات بدعاء الأحياء وصدقاتهم، رداً على من نفى ذلك مطلقاً من القدرية وغيرهم، حيث قالوا: لا ينتفع الإنسان بعمل غيره مطلقاً.
وهذا تكذيب لما دلت عليه النصوص من ثبوت أصل الانتفاع، أما تفاصيل الانتفاع فإن في ذلك خلافاً بين أهل العلم، فمنهم من يرى أن الميت لا ينتفع بغير الدعاء، وأما العمل فإنه لا ينتفع منه الميت بل هو لصاحبه؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩] ، وما أشبه ذلك من الآيات التي فيها نفي ملك الإنسان لعمل غيره، ولكن الصحيح في هذه المسألة الفروعية أن الإنسان ينتفع بعمل غيره دعاءً وصلاة وزكاة وحجاً، وغير ذلك من أعمال البر، وليس في الآية ما يدل على امتناع النفع، وقد جاء ما يدل على انتفاع الإنسان بصدقة غيره وبحجه وبصومه، وكذلك بقية العبادات لعدم المانع؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في هذه المسائل كلها سئل فأجاب بالانتفاع والجواز، فدل على أن كل أعمال البر كذلك، فإنه ينتفع بها الميت وتصل إليه، وأما آية: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩] فإنها لا تدل على عدم انتفاع الإنسان بعمل غيره، إنما تدل على أن الإنسان لا يملك إلا سعي نفسه، ثم إذا ملك سعي نفسه فإن له أن يتصرف فيه بما شاء كهبته لغيره، فالآية ليس فيها قطع انتفاع الإنسان بعمل غيره، بل فيها أنه لا يملك إلا سعي نفسه ملكاً وانتفاعاً، فإذا وهب ملكه ونفعه لغيره فذلك له، ولا يمنع من ذلك، ودلت الأدلة على جواز هذا.
وقوله: [وفي دعاء الأحياء وصدقاتهم منفعة للأموات] خص الأموات بالانتفاع مع أن الانتفاع في الدعاء يكون كذلك للأحياء؛ لأن الغالب في ذلك أن يكون للأموات، ولأن الصدقات تكون في الغالب للأموات، والسؤال الذي وجه للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ورد عن الصدقة للميت، وكذلك الحج، وكذلك الصوم، فالنصوص وردت في الأموات، ولا يمنع أن ينتفع الأحياء من ذلك، لكن ذكر ذلك لأنه محل الخلاف، ثم إن الخلاف في الأحياء أشد بين أهل العلم، فمن العلماء من يرى أن الحي لا ينتفع بعمل غيره مطلقاً، وإن كان يجيز أن ينتفع الميت بذلك، والصحيح أن كل عمل صالح يفعله الإنسان ويهديه إلى حي أو ميت فإنه يصل إليه، وليس في النصوص ما يدل على المنع، وأما قول النبي ﷺ : (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث) فهذا ليس فيه دليل على ما ذهب إليه بعض العلماء من أن العمل لا يصل إلى الميت، وهو مذهب بعض العلماء من المتقدمين وغيرهم، ومن أهل السنة وغيرهم؛ لأن الحديث فيه انقطاع عمل الإنسان نفسه، وليس فيه قطع انتفاعه بعمل غيره، بل في الحديث ما يشير إلى انتفاعه بعمل غيره في قوله: (أو ولد صالح يدعو له) ، فدل ذلك على أنه ينتفع بعمل غيره، لكن هل يوجه الناس إلى إهداء الأعمال وإهداء ثوابها إلى الأموات؟
الجواب
لا، فالأصل في العمل أن يكون للإنسان ماعدا الدعاء؛ فإن الدعاء ينتفع منه الطرفان، فينتفع منه الداعي وينتفع منه المدعو له؛ ولذلك وجه النبي ﷺ إلى الدعاء في قوله: (أو ولد صالح يدعو له) ، أما العمل من الحج أو العمرة أو الصدقة فالأولى بها الإنسان نفسه، ولا يعني هذا أنه لا يجوز الوهب، بل يجوز لكن الجواز غير الأفضل الذي يوجه إليه الناس، فالذي يوجه إليه الناس أن يعملوا لأنفسهم، وأن يدعوا لغيرهم، كما قال النبي ﷺ : (أو ولد صالح يدعو له) .
стр. 213
إجابة الله تعالى لكل داع وسائل
ثم قال ﵀: [والله يستجيب الدعوات ويقضي الحاجات] .
الله جل وعلا هو الذي يجيب المضطر إذا دعاه، وما من داع يدعو الله جل وعلا إلا وهو موعود بالخير، قال جل وعلا: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] ، فأمر الله جل وعلا بالدعاء، ووعد بالإجابة، وهذا وجه قول المؤلف ﵀: [والله يستجيب الدعوات] ، لكن تنبه إلى أنه لا يلزم من الاستجابة حصول ما دعوت به، فالله جل وعلا عليم خبير، والله يعلم ما يصلح العبد، فقد يدعو العبد بما يرى صلاحه فيه، ويكون صلاحه في عدم حصول المطلوب، فيكون من الخير والبر والفضل والإحسان من رب العالمين إلى هذا العبد ألا يحقق له المطلوب، حتى وإن كان يظن أنه خير، ويعتقد أنه صلاح له، فالله عليم خبير لا يقدم لعبده إلا ما يصلحه.
ولذلك فما من داع يدعو إلا ويجد الثواب والأجر من رب العالمين هذا أولاً، أما تحصيل مطلوبه وتحقيق دعائه وطلبه فإن هذا ليس بلازم؛ فإن الله قد يجيبه إلى ما دعا ويعطيه ما سأل، وقد يمنعه ذلك، لكن إن منعه ذلك فإنه لا يخلو من أمرين: إما أن يدفع عنه من السوء نظير ما دعا، وإما أن يدخرها له في الآخرة، ولاشك إنه إن ادخرها له في الآخرة فهو أعظم إحساناً؛ لأن الإنسان في الآخرة أحوج ما يكون إلى الخير، وأحوج ما يكون إلى ما ينفعه؛ ولذلك ينبغي للمؤمن أن يحسن الظن بربه، وألا يظن بربه إلا الخير أجيب أم لم يجب، أعطي أم لم يعط؛ فإن الله إذا عامله العبد بهذا كان الله جل وعلا إليه سريعاً في الخيرات، قريباً في تحقيق المطالب، فمن تمام التسليم لرب العالمين أن يسلم العبد لله ، وأن يفوض إليه جل وعلا الاختيار في تحقيق الطلب أو عدم تحقيقه، ولا يمنع هذا من أن يلح العبد في دعائه وسؤاله وضراعته وتكرار المسألة؛ فإن الله أكثر من العبد، فقد قال النبي ﷺ : (ما من داع يدعو الله إلا كان له إحدى ثلاث خصال: فإما أن يعطيه ما سأله، وإما أن يدفع عنه من الشر نظير ما سأل، وإما أن يدخرها له في الآخرة، قال الصحابة: إذن نكثر يا رسول الله! قال النبي ﷺ : الله أكثر) ، أي: أكثر من العبد، فشأن الله تعالى يختلف، وشأن الله أعظم، فهو يتعرض لعباده بالمسألة، فهو جل وعلا الغني الكريم، وهو المتفضل المحسن على عباده، ولا حاجة به إلى أحد، وهو القيوم الصمد الذي تنزل به الحوائج ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ﴾ [محمد:٣٨] ، ومع ذلك ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة يقول: (هل من داع فأجيبه؟ هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟) ، وانظر إلى هذا التدرج، حيث يبدأ بالدعاء الذي يشمل كل سائل، سواء أكان يدعوه بسؤال، أم بغير سؤال، ثم ما هو أخف (هل من سائل فأعطيه) ، ثم ما هو أخف في المسألة: (هل من مستغفر فأغفر له) ، وهذا كله لبيان سعة الفضل، وعظيم المن، وعظيم العناية من رب العالمين بعباده، فالله يجيب الدعوات ويقضي الحاجات، لكن ذلك وفق ما تقتضيه رحمته وحكمته، فقد يكون من الحكمة والرحمة أن يمنع الله جل وعلا العبد ما سأل، لا بخلاً منه؛ فالله جل وعلا يده سحاء بالخير، ينفق في الليل والنهار، لا تغيض النفقة ما في يده، فإذا منعك فإنه لا يمنعك بخلاً فهو الغني الحميد، إنما يمنعك إصلاحاً وتربيةً، فإذا عامل العبد ربه بهذا فإنه سينشرح صدره لما يقع من إجابة أو عدمها، ثم يعلم أن ربه المقدم المؤخر الذي لا يقدم له إلا الخير، ولا يمنع عنه إلا الشر.
قال ﵀: [ويملك كل شيء ولا يملكه شيء] .
وهذا كالجواب على من دعا فلم يعط، وقطع شبهة البخل التي اتهم بها اليهود رب العالمين، وهو جل وعلا الغني الحميد، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥] ، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ [محمد:٣٨] ، وقال الله جل وعلا: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة:٦٤] ، ثم قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤] ، فالمنع ليس لأنه لا يملك ما تسأل، إنما المنع لحكمة ورحمة، وليس فقط لحكمة إنما أيضاً لرحمة بالعبد؛ فإن الله يرحم العبد بمنعه، كما أنك ترحم الصغير -ولله المثل الأعلى- بمنعه من الرضاع، وهو يبكي ويصيح يريد الرضاع، لكن ترى أن مصلحته في منعه من الرضاع، فتمنعه لأنه إن شب على الرضاع لن تنفطم نفسه، بل سيبقى على هذا الذي لا يقيم بدنه، فإن الرضاع في السنتين الأوليين يقوم به البدن، لكن بعد ذلك إذا استقل بالرضاع واستمر عليه لا يمكن أن يقوم بدنه بالحليب، فكان من الرحمة أن تمنعه هذا، فذلك حال العبد مع ربه، بل الشأن أعظم، فالله جل وعلا أرحم بعبده من الوالد بولده.
стр. 214
نعوت كمال للرب ﷻ
يقول ﵀: [ويملك كل شيء] والأدلة على ملك الله كثيرة، قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك:١] ، وقال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران:٢٦] ، وقال تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٥٥] ، والآيات في ذكر ملك الله جل وعلا لكل شيء كثيرة.
قال: [ولا يملكه شيء] ولا إشكال في أنه لا يملكه شيء ، بل هو المالك لكل شيء.
قال: [ولا غنى عن الله تعالى طرفة عين] .
هذا أيضاً فيه الرد على من قال: دعوت فلم يستجب لي.
فيترك الدعاء ويستحسر، كما قال النبي ﷺ : (يستجاب للعبد مالم يدع بإثم أو قطيعة رحم) ، فقوله: (يستجاب) أي: يحصل له جواب سؤاله إما بتحقيق المطلوب أو بغير ذلك مما جاءت به النصوص من أوجه الإجابة، فإن من دفع عنه الشر نظير ما دعا فقد أجيب، ومن ادخر له أجر ما دعا فقد أجيب، فالداعي لا يرجع من رب العالمين إلا بخير، فهو الحيي الكريم الذي يستحيي أن يرد يدي عبده صفراً -أي: خالياً من الخير- بل لابد أن يرجع بخير.
فقوله: [ولا غنى عن الله تعالى طرفة عين] أي: لا غنى للعبد مهما كان حتى لو لم يجب فإنه لا غنى له عن ربه، فيلجأ إليه، ويتوسل إليه، ويتضرع بين يديه، ويسأله ، ولا أعظم ولا أيسر في الوصول إلى رب العالمين وإلى فضله من باب الافتقار إلى الله جل وعلا؛ فإن العبد إذا افتقر إلى الله جل وعلا وأظهر افتقاره إلى ربه وأيقن أنه ما من ذرة في بدنه إلا وهي مفتقرة إلى الله جل وعلى؛ كان ذلك من أسباب الخير له، وقد ذكر ابن القيم ﵀ كلاماً جيداً في هذا فقال عن نفسه: (أقبلت على الله جل وعلا من أبواب الخيرات والطاعات كلها، فوجدت على الأبواب الزحام- يعني: كثرة من يقبل على الله من هذه الأبواب - فلم أسلم من المزاحمة، فولجت باب الافتقار فوجدت قرب حصول المطلوب مع عدم حصول المزاحمة) ، فإن كثيراً من الناس يغفلون عن هذا الوصف الذاتي لهم، وهو افتقارهم إلى الله .
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (من رغب في السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية) ، فالسعادة الأبدية الدائمة التي لا تنقطع في الدنيا والآخرة في لزوم عتبة العبودية، كما نقل ذلك عن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ولزوم عتبة العبودية تحصل للعبد بكمال الذل لله جل وعلا، وغاية الحب له ، ولا غنى عن الله تعالى طرفة عين، لا في ليل ولا في نهار، ولا في يقظة ولا في منام، ولا في صحة ولا في مرض واعتلال، ولا في غنى ولا في افتقار، فالعبد مفتقر إلى الله جل وعلا فقراً ذاتياً لا يمكن أن ينفك عنه، لكن الناس يغفلون ويظنون أنهم أغنياء عن الله بما مكنهم، والإنسان إذا بلي بداء الاغتناء وشعر أنه غني عن الله حصل منه شر عظيم، كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦-٧] ، يعني: إذا رأى غنى نفسه عن الله، لكن مادام يرى فقر نفسه إلى ربه جل وعلا فإنه لا يمكن أن يصيبه الطغيان والخروج عن مقتضى العبودية.
يقول ﵀: [ومن استغنى عن الله طرفة عين فقد كفر وصار من أهل الحين] .
الكفر هنا يشمل الكفر الأصغر والكفر الأكبر، لكن الكفر الأكبر يحصل بأن يظن الإنسان ويعتقد أنه لا حاجة به إلى ربه، ولاشك أن هذا كفر، وهو أعظم الكفر؛ لأنه جحد للربوبية؛ لأن من مقتضى الربوبية أن توقن أن كل خير يصل إليك إنما هو من الله جل وعلا، فمن استغنى عن الله طرفة عين فقد كفر وصار من أهل الحين.
أي: من أهل الهلاك.
стр. 215
الصفات الفعلية ثابتة للرب ﷻ
قال ﵀: [والله يغضب ويرضى لا كأحد من الورى] .
هذا فيه إثبات صفات الفعل للرب جل وعلا، وصفات الفعل ثابتة لله بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، قال الله جل وعلا في وصف نفسه: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٧] ، وأما إثبات الفعل فالأدلة عليه كثيرة، فهو يغفر لمن يشاء، ويحب من يشاء، ويغضب جل وعلا، ويعفو، فالأفعال التي أضافها الله إليه كثيرة في كتابه، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة:٤] ، وقال تعالى: ﴿يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥] ، فالآيات التي فيها إثبات صفات الفعل أكثر من أن تحصى، وهذا الذي فيه التصريح بالفعل.
أما ما دل على الفعل فهو كثير جداً، وكذلك في السنة، فالله جل وعلا موصوف بصفات الفعل، وبعض صفات الفعل هي الصفات التي تتعلق بالمشيئة، فمتى شاء فعل ومتى شاء لم يفعل، ومن ذلك الغضب والرضا، فالغضب صفة كمال لله لا نقص فيها، بل هي من كماله ، فإن من الكمال أن يغضب القادر على من يستحق الغضب، وقد دل عليها قول الله تعالى: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء:٩٣] في حق من قتل مؤمناً متعمداً، ومن أدلة إثبات الغضب قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف:٥٥] ، وأما الرضا فالآيات فيه كثيرة، منها قوله جل وعلا: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة:٨] في حق السابقين الأولين والذين اتبعوهم بإحسان، وقال : ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة:٧٢] ، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨] ، والله يغضب ويرضى، والغضب والرضا أنكرهما المئولة المنحرفون عن طريق أهل السنة والجماعة بجميع أصنافهم من أهل الكلام، فأنكرها المعتزلة، وأنكرها الأشاعرة، فأولوا الغضب والرضا إما بإرادة الثواب والعقاب وإما بالثواب والعقاب نفسه، فمثبتة الصفات من أشاعرة ونحوهم قالوا: الغضب والرضا هو إرادة الإثابة وإرادة العقوبة.
وأما المعتزلة فأولوا الغضب والرضا بالثواب والعقاب نفسه؛ لأنهم لا يثبتون صفة الإرادة للرب جل وعلا.
стр. 216
أهل السنة وأصحاب رسول الله ﷺ
قال ﵀: [ونحب أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم وبغير الحق يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان] .
يقول ﵀: [ونحب أصحاب رسول الله ﷺ ] .
أي: أهل السنة والجماعة يحبون أصحاب النبي ﷺ .
والمحبة هنا محبة قلبية، فنحبهم محبة قلبية لأنهم الذين نقلوا إلينا الخير، ولأنهم الذين نصروا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولأن الله اصطفاهم وخصهم بهذه الخاصية والميزة، حيث جعلهم أصحاب رسوله، وجعلهم حملة الشرع، ونحبهم لما جرى منهم من الخير للأمة؛ فإنهم جاهدوا بأموالهم وأنفسهم لنشر هذا الدين، فما من خير وصلنا إلا من طريقهم ﵃.
وقول المؤلف ﵀: [أصحاب رسول الله] أصحاب: جمع صاحب، والصحبة تثبت لكل من لقي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مؤمناً به ومات على ذلك، ولو ساعة من نهار، لكن اعلم أن المحبة المذكورة في قوله: [ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم] محبة لوصف وهو الصحبة، فكل من تحقق فيه هذا الوصف يزداد نصيباً من المحبة بقدر ازدياد هذا الوصف فيه؛ لأن كل الأعمال والأحكام، والأدلة المعلقة على أوصاف تزداد وتستقر وتثبت بزيادة هذا الوصف، فمحبتنا لـ أبي بكر ﵁ ليست كمحبتنا لـ بلال، فمحبتنا لـ أبي بكر ﵁ أعظم لتحقق الصحبة فيه أكثر من غيره، فمن صحب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم شهراً محبتنا له أعظم ممن صحبه يوماً، ومن صحبه يوماً محبتنا له أعظم ممن صحبه ساعة، فتزداد المحبة بازدياد الوصف وهو الصحبة، ثم الصحبة تعم كل من صحب النبي ﷺ قليلاً أو كثيراً، فليست خاصة بطول المدة، بل هي عامة لكل من صاحب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فنحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى وآله وسلم؛ لأن الله جل وعلا أثنى عليهم في كتابه ثناءً بالغاً في مواضع عديدة، قال الله جل وعلا: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:١٨] ، وقال الله جل وعلا في ثنائه عليهم: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩] ، ثم ذكر من وصفهم ما يوجب محبتهم، كذلك قال الله جل وعلا: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠] ، فأثبت الله جل وعلا للسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار الرضا مطلقاً، وأما تابعوهم فإن الرضا مقيد بالإحسان، وتأمل الآية، قال الله جل وعلا: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ [التوبة:١٠٠] ، فما قيد الرضا عنهم بإحسان، فكفاهم فضلاً سابقتهم، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠] ، فجعل الرضا عن التابع مقيداً بالإحسان، وأما المهاجرون والأنصار فإنه قد أثبت لهم الرضا، ويكفي في فضلهم أن الله جل وعلا اطلع على أهل بدر فقال: (اعملوا ماشئتم فقد غفرت لكم) ، وقول النبي ﷺ في أهل بيعة الرضوان: (لا يدخل النار رجل بايع تحت الشجرة) ، ففضلهم ﵃ ظاهر؛ ولذلك استحقوا ما استحقوه من المحبة، وقول المؤلف ﵀: [ونحب أصحاب رسول الله ﷺ ] يرد على جميع المنحرفين في صحابة النبي ﷺ بزيادة أو نقص، بغلو أو جفاء، فإن أصحاب النبي ﷺ وقع الناس فيهم في إفراط وتفريط، وغلو وجفاء؛ ولذلك قال في ضبط وتحرير عقيدة أهل السنة والجماعة: [ولا نفرط في حب أحد منهم] رداً على الرافضة الذين غلوا في محبة علي حتى ألهوه، أو ألهه بعضهم، وقوله: [ولا نتبرأ من أحد منهم] أيضاً رد على الرافضة الذين تبرءوا من أبي بكر وعمر ﵄، ومن عقائدهم أنه لا ولاء إلا ببراء، فلا ولاء لـ علي وآل البيت إلا بالبراءة من أبي بكر وعمر، وأهل السنة والجماعة يحبون أصحاب رسول الله بلا استثناء، مع التفاوت في المحبة على ما فصلنا وذكرنا في السابق، لكن المحبة ثابتة للجميع، بخلاف الرافضة الذين سبوا أبا بكر وعمر وسائر الصحابة، وبخلاف النواصب الذين ناصبوا علياً العداء، فإن النواصب من الخوارج وممن ناصر بني أمية سبوا علياً رضي الله وقدحوا فيه.
стр. 217
حب أهل السنة لصحابته ﷺ
يقول ﵀: [ونحب أصحاب رسول الله ﷺ ] .
أي: أهل السنة والجماعة يحبون أصحاب النبي ﷺ .
والمحبة هنا محبة قلبية، فنحبهم محبة قلبية لأنهم الذين نقلوا إلينا الخير، ولأنهم الذين نصروا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولأن الله اصطفاهم وخصهم بهذه الخاصية والميزة، حيث جعلهم أصحاب رسوله، وجعلهم حملة الشرع، ونحبهم لما جرى منهم من الخير للأمة؛ فإنهم جاهدوا بأموالهم وأنفسهم لنشر هذا الدين، فما من خير وصلنا إلا من طريقهم ﵃.
وقول المؤلف ﵀: [أصحاب رسول الله] أصحاب: جمع صاحب.
والصحبة تثبت لكل من لقي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مؤمناً به ومات على ذلك ولو ساعة من نهار، لكن اعلم أن المحبة المذكورة في قوله: [ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم] محبة لوصف وهو الصحبة، فكل من تحقق فيه هذا الوصف يزداد نصيباً من المحبة بقدر ازدياد هذا الوصف فيه؛ لأن كل الأعمال والأحكام، والأدلة المعلقة على أوصاف تزداد وتستقر وتثبت بزيادة هذا الوصف، فمحبتنا لـ أبي بكر ﵁ ليست كمحبتنا لـ بلال، فمحبتنا لـ أبي بكر ﵁ أعظم لتحقق الصحبة فيه أكثر من غيره، فمن صحب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم شهراً محبتنا له أعظم ممن صحبه يوماً، ومن صحبه يوماً محبتنا له أعظم ممن صحبه ساعة، فتزداد المحبة بازدياد الوصف وهو الصحبة، ثم الصحبة تعم كل من صحب النبي ﷺ قليلاً أو كثيراً، فليست خاصة بطول المدة، بل هي عامة لكل من صاحب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فنحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى وآله وسلم؛ لأن الله جل وعلا أثنى عليهم في كتابه ثناءً بالغاً في مواضع عديدة، قال الله جل وعلا: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:١٨] ، وقال الله جل وعلا في ثنائه عليهم: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩] ، ثم ذكر من وصفهم ما يوجب محبتهم، كذلك قال الله جل وعلا: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠] ، فأثبت الله جل وعلا للسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار الرضا مطلقاً، وأما تابعوهم فإن الرضا مقيد بالإحسان، وتأمل الآية، قال الله جل وعلا: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ [التوبة:١٠٠] ، فما قيد الرضا عنهم بإحسان، فكفاهم فضلاً سابقتهم، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠] ، فجعل الرضا عن التابع مقيداً بالإحسان، وأما المهاجرون والأنصار فإنه قد أثبت لهم الرضا، ويكفي في فضلهم أن الله جل وعلا اطلع على أهل بدر فقال: (اعملوا ماشئتم فقد غفرت لكم) ، وقول النبي ﷺ في أهل بيعة الرضوان: (لا يدخل النار رجل بايع تحت الشجرة) ، ففضلهم ﵃ ظاهر، ولذلك استحقوا ما استحقوه من المحبة، وقول المؤلف ﵀: [ونحب أصحاب رسول الله ﷺ ] يرد على جميع المنحرفين في صحابة النبي ﷺ ، المنحرفين بزيادة أو نقص، بغلو أو جفاء، فإن أصحاب النبي ﷺ وقع الناس فيهم في إفراط وتفريط، وغلو وجفاء، ولذلك في ضبط وتحرير عقيدة أهل السنة والجماعة قال: [ولا نفرط في حب أحد منهم] رداً على الرافضة الذين غلوا في محبة علي حتى ألهوه، أو ألهه بعضهم، وقوله: [ولا نتبرأ من أحد منهم] أيضاً رد على الرافضة الذين تبرأوا من أبي بكر وعمر ﵄، ومن عقائدهم أنه لا ولاء إلا ببراء، فلا ولاء لـ علي وآل البيت إلا بالبراءة من أبي بكر وعمر، وأهل السنة والجماعة يحبون أصحاب رسول الله بلا استثناء، مع التفاوت في المحبة على ما فصلنا وذكرنا في السابق، لكن المحبة ثابتة للجميع، بخلاف الرافضة الذين سبوا أبا بكر وعمر وسائر الصحابة، وبخلاف النواصب الذين ناصبوا علياً العداء، فإن النواصب من الخوارج وممن ناصر بني أمبة سبوا علياً رضي الله وقدحوا فيه.
стр. 218
بغض أهل السنة لمن يبغض الصحابة
يقول: [ونبغض من يبغضهم] ولا إشكال في هذا؛ فإن من حقهم ﵃ بغض من أبغضهم، وكراهة من كرههم، وبغير الخير يذكرهم، كالرافضة وأشباههم.
قال: [ولا نذكرهم إلا بالخير] وهذا فيه قاعدة فيما يتعلق بالصحابة، وهي أنا لا نذكرهم إلا بالخير، ومن جملة هذا ألا نتكلم فيما شجر بينهم من الخلاف، فإن ذكر ما شجر بينهم من الخلاف يفضي إلى الوقيعة في بعضهم، وإلى إيغار الصدور عليهم ﵃، وإلى نزول مقامهم ومكانتهم، فقوله: [ولا نذكرهم إلا بخير] يشمل حفظ اللسان من الكلام فيهم، والكلام فيما وقع منهم من أخطاء، والكلام فيما وقع فيهم من شجار وخلاف؛ فإنهم ﵃ إما معذورون فيما ثبت، وإما مجتهدون متأولون، وأما غالب ما ينقل فهو كما قال شيخ الإسلام ﵀: كذب، ومنه ما زيد فيه ونقص وغير عن وجهه.
يعني: صرف عن الوجه الذي جرى عليه.
فإن من أصول أهل السنة والجماعة سلامة ألسنتهم وقلوبهم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومن تمام السلامة ألا نذكرهم إلا بخير، وقد وقع الكلام في الصحابة منذ العهد الأول، فإن عائشة ﵂ نقل إليها أن أقواماً يتكلمون في أصحاب النبي ﷺ حتى في أبي بكر، فقالت: (لا عجب؛ فإنه قد انقطع عملهم بالموت، وأحب الله وصل عملهم بعد موتهم) وذلك بمن يقع فيهم؛ فإن الإنسان إذا وقع فيه بغير حق كان ذلك حطاً لسيئاته، ورفعاً لدرجاته، ولابد من هذا.
يقول ﵀: [وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان] قوله: (حبهم دين) أي: عبادة يتعبد الإنسان بها لله .
(وإيمان وإحسان) أي: من خلال الإيمان وأعماله، ومن خلال الإحسان الذي يجازى به أهل الإحسان، فإن إحسان الصحابة إلينا من أعظم الإحسان، حيث إنهم نقلوا لنا الأخبار، وحفظوا لنا سنة المختار صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ونصروا دين رب العالمين، (وبغضهم -أي: بغض الصحابة بالجملة -كفر ونفاق طغيان) فهو كفر لأنه قدح في الشريعة، وتكذيب للقرآن، ونفاق وطغيان؛ لأنه إنما وقع من أهل النفاق، فإن أول ما جرى هذا كان من المنافقين المندسين في صفوف أهل الإسلام الداعين إلى البدعة والفرقة والشر كـ عبد الله بن أبي بن سلول، والطغيان: تجاوز الحق.
وبعد أن فرغ مما يجب لمجموعهم انتقل إلى ما يتعلق ببعض أفرادهم.
стр. 219
إثبات أهل السنة لخلافة الأربعة والمفاضلة بينهم
قال ﵀: [ونثبت الخلافة بعد رسول الله ﷺ أولاً لـ أبي بكر الصديق ﵁ تفضيلاً وتقديماً على جميع الأمة، ثم لـ عمر بن الخطاب ﵁، ثم لـ عثمان بن عفان، ثم لـ علي بن أبي طالب ﵁، وهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهتدون] .
يقول ﵀: (ونثبت الخلافة بعد رسول الله ﷺ أولاً لـ أبي بكر الصديق) .
أبو بكر ﵁ هو عبد الله بن أبي قحافة، وهو خير الأمة بعد رسولها صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وثبتت له الخلافة بإجماع المسلمين، وقد اختلف العلماء في خلافة أبي بكر ﵁ هل كانت بالنص الجلي أم بالنص الخفي أم بالاختيار؟ ولكن من تأمل وجد من النصوص ما يدل على أنه الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لكنها ليست نصوصاً صريحة، بل هي نصوص بمجموعها تدل على أنه الخليفة بعد رسول الله ﷺ بعهد من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد أجمعت الأمة على فضله وتقدمه، وأنه خليفة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأبو بكر ورد له من الفضائل والخصائص ما لم يشاركه فيه غيره، بخلاف الفضائل التي ثبتت في غيره، فإنها فضائل يشارك المفضل فيها غيره، لاسيما ما يذكره الرافضة في فضائل علي بن أبي طالب ﵁، فإن الفضائل الثابتة لـ علي ﵁ ليست من الأمور التي يختص بها دون غيره، بخلاف أكثر فضائل أبي بكر، وهذه المسألة مفيدة، وهي: أن الفضائل التي ثبتت لـ أبي بكر غالبها خاصة به لا يشاركه فيها غيره، وكذلك عمر ﵁، لكن نصيب أبي بكر ﵁ من ذلك أكبر وأعظم وأكثر، فالخليفة بعد النبي ﷺ أبو بكر الصديق.
يقول المؤلف: [أولاً لـ أبي بكر الصديق ﵁ تفضيلاً له وتقديماً على جميع الأمة] .
لا إشكال في هذا؛ فهو خير الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم قال: (ثم لـ عمر بن الخطاب ﵁ وله من الفضائل والخصائص ما لم يشاركه فيه غيره، لكن فضائل أبي بكر أعظم وأجل، ثم قال: (ثم لـ عثمان ﵁، ثم لـ علي ﵁] .
وترتيب هؤلاء في الفضل كترتيبهم في الخلافة، هكذا استقر الأمر عند أهل السنة والجماعة، ولا خلاف بين أهل السنة والجماعة في تفضيل أبي بكر وعمر، وأن أفضل الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ﵄، وقد اشتهر بين الصحابة تقديم عثمان بعدهما، كما ذكر ذلك عبد الله بن عمر في المفاضلة، ولم يذكر بعد عثمان أحداً، وقد سئل علي بن أبي طالب ﵁ -كما جاء في صحيح البخاري- سأله ابنه محمد بن حنفية عن أفضل الأمة بعد نبيها فقال: أو لا تعلم؟ -إنكاراً لهذا السؤال- قال: لا.
قال: أفضل الأمة بعد نبيها أبو بكر.
قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر.
يقول محمد بن حنفية: قلت: ثم أنت خشية أن يقول: عثمان فقال: ما أنا إلا رجل من المسلمين ففضل أبي بكر ﵁ وفضل عمر وتقديمهما على سائر الأمة مما حصل عليه الإجماع وما وقع الخلاف فيه، والذي وقع فيه الخلاف هو المفاضلة بين عثمان وعلي، لكن الخلاف في المفاضلة لا في الخلافة، بل الخلافة بعد عمر لـ عثمان ﵁، وقد نقل عن بعض السلف: أن من قدم علياً على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار؛ لأن المهاجرين والأنصار قدموا عثمان ﵁ في الخلافة، وهو دليل على تقديمه في الفضل؛ لأنهم أجمعوا على الأفضل، والأفضل هو عثمان ﵁، لكن ما انتهت المفاضلة، بل يحتدم فيها الخلاف، وقد ورد فيها الخلاف، فالعلماء منهم من فضل عثمان وهذا الذي عليه أهل السنة والجماعة، واستقر عليه الأمر، ومنهم من توقف في التفضيل بينهما، ومنهم من قدم علياً ﵃، ومنهم من فضل أبا بكر وتوقف بعد ذلك، ومسألة التفضيل لا تضليل فيها على الصحيح من أقوال أهل العلم، أما مسألة الخلافة فإن من شك أو طعن في خلافة هؤلاء أو في ترتيب هذه الخلافة فهو أضل من حمار أهله، كذا قال الإمام أحمد ﵀، ونقل ذلك شيخ الإسلام ﵀.
قال: (وهم الخلفاء الراشدون) ، أي: هم الذين قال النبي ﷺ فيهم (عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي) .
قال: [والأئمة المهتدون] ولو أنه قال المهديون لكان أوفق؛ لما وصفهم به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ووصف الرشد والهداية هل هو وصف واحد أو وصفان؟
الجواب
وصفان، فالرشد ضد الغي، والهداية ضد الضلال، والغي يكون في العلم، والرشد يكون في العمل، والهدى يكون في العلم، كما قال الله جل وعلا: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم:٢] ، فأثبت له الهداية وأثبت له الرشد؛ لأن نفي الضلال إثبات للهدى، ونفي الغي إثبات للرشد؛ لأن الذي يقابل الرشد الغي، والذي يقابل الهدى الضلال.
стр. 220
شرح العقيدة الطحاوية [٢١]
من مسائل العقيدة التي يجب أن ينطوي عليها قلب المؤمن، الاعتقاد بمكانة النبوة، وأن الولاية دونها بكثير، والاعتقاد بفضل الصحابة الكرام ومن بعدهم من أهل العلم الذين كانوا على صلاح واستقامة، والاعتقاد بأن للساعة علامات كبرى هي أشراطها، والاعتقاد بوحدانية دين الله تعالى، ووسطيته في سائر قضاياه.
стр. 221
العشرة المبشرين بالجنة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: [وأن العشرة الذين سماهم رسول الله ﷺ وبشرهم بالجنة نشهد لهم بالجنة على ما شهد لهم رسول الله ﷺ -وقوله الحق- وهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح وهو أمين هذه الأمة ﵃ أجمعين، ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله ﷺ وأزواجه الطاهرات من كل دنس، وذرياته المقدسين من كل رجس؛ فقد برئ من النفاق] .
أي: أن من بشرهم النبي ﷺ بالجنة منهم هؤلاء العشرة.
والمؤلف ﵀ اقتصر على العشرة؛ لأنهم أشرف وأعلى وأعظم من بشر بالجنة من هذه الأمة، وإلا فالمبشرون بالجنة من هذه الأمة الذين بشرهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كثيرون.
والبشارة بالجنة جاءت على نوعين: بشارة جنس، وبشارة عين، فبشارة الجنس كثيرة، وهي التي بشر الله بها أهل الإيمان وأهل الإحسان وأهل التقوى، وأما البشارة الخاصة بمعينين فهي المقصودة بهذا المقطع، فنشهد بالجنة لمن شهد له النبي ﷺ بالجنة وبشره بها، وأشهر هؤلاء وأعظمهم العشرة الذين بشرهم رسول الله ﷺ ؛ حيث قال: (أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة) وذكر بقية العشرة، وهذا من أعظم ما خص به الله هؤلاء، حيث عجل لهم البشرى بالجنة في هذه الدنيا، وهذا يوجب محبتهم وتوليهم، واعتقاد أن الله جل وعلا رضي عنهم، فمن قال: إن أحد هؤلاء في النار فهو كافر؛ لأنه مكذب لما أخبر به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
يقول ﵀: [وقوله الحق] .
أي: الذي يجب قبوله واعتقاده والتسليم له، فإن الحق ينقاد له المؤمن ولا يعارضه.
ثم يقول في بيان هؤلاء العشرة: [وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي] .
وهؤلاء هم الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون، وجاء في فضائلهم ومناقبهم الشيء الكثير.
قال: [وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح] .
هؤلاء شهد لهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالجنة، وشهد أيضاً لغيرهم ﷺ ، كـ ثابت بن قيس بن شماس، وبلال، وغيرهما، وممن شهد لهم بالجنة أزواجه ﷺ ؛ فإن أزواجه في الدنيا أزواجه في الآخرة، وهو في الجنة فهن في الجنة ﵅.
قال ﵀: [وهو أمين هذه الأمة] .
يشير إلى أبي عبيدة بن الجراح ﵁، وخصه بذكر هذه الخاصية لأن النبي ﷺ قال: (لأبعثن عليكم أميناً حق أمين) يريد أبا عبيدة، وقال: (أبو عبيدة أمين هذه الأمة) .
ولعل المؤلف ذكر هذه الخاصية له إشارة إلى أن هؤلاء قد ورد في فضائلهم ما اختص به كل واحد، أي: قد ورد الفضل خاصاً في كل واحد من هؤلاء، فلعله أراد ذلك، ولعله ختمهم بذكر خاصية آخرهم ﵃ أجمعين.
стр. 222
حب الصحابة وأهل البيت براءة من النفاق
قال ﵀: [ومن أحسن القول في أصحاب رسول ﷺ جميعهم] أي: في كل من ثبتت له الصحبة ولو كانت لحظة، [وأزواجه الطاهرات من كل دنس] أي: وأحسن القول في أزواجه ووصفهن بالطاهرات؛ لأن الله جل وعلا طهرهن، قال جل وعلا: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣] ، ولا خلاف بين أهل العلم أن المراد بهذه الآية أزواج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهن المقصودات بقوله: (أَهْلَ الْبَيْتِ) في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣] ، ولا يمنع هذا أن يدخل معهن غيرهن؛ فإن علي بن أبي طالب لا إشكال ولا شك أنه من أهل البيت، وكذلك زوجته فاطمة، وكذلك الحسن والحسين، فإنهم من أهل البيت بلا ريب ولا شك، ولكن هذا لا ينفي أن يكون أزواج النبي ﷺ أيضاً ممن وصف بهذا الوصف، بل وصفهن بهذا الوصف جاء في القرآن، وأما وصف علي ﵁ وفاطمة وغيرهما من أهل البيت بهذا الوصف فقد جاء في السنة.
قال: [وذرياته المقدسين من كل رجس] ، وهذا ليس ثابتاً لكل ذرية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إنما المقصود أن من عرف منهم بالتقوى والإيمان فإنه هو الذي يُحسن فيه القول، وأما من استوجب القول السيئ فإنه يثبت له، لكن من دون أن ينال من نسبه ولا من اتصاله بالنبي ﷺ .
قوله: [فقد بريء من النفاق] أي: سلم من النفاق، وذلك أن من علامات النفاق ودلائله بغض من أحبه الله ورسوله، وبغض الصحابة ﵃، فهم أعظم هذه الأمة وأجلها قدراً وأرفعها مكاناً، فمن أبغضهم فإنه منافق، وبالنظر إلى كل من وقع في قلبه بغض لصحابة النبي ﷺ يعلم أن قلبه غير سالم بل قلبه مشوب بالنفاق.
стр. 223
موقف المسلم من علماء السلف ومن بعدهم
قال رحمه الله تعالى: [وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين أهل الخير والأثر وأهل الفقه والنظر لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل] .
من عقائد أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم على ورثة الأنبياء، وهذا من تمام سلامة قلوب أهل السنة والجماعة، فإن المؤلف ﵀ ذكر سلامة قلوب أهل السنة والجماعة على أصحاب النبي ﷺ بذكر محبتهم وما لهم من الفضل، ثم ثنى ذلك بذكر من لهم الفضل بعدهم، وهم علماء السلف من السابقين -أي: المتقدمين- ومن بعدهم من التابعين، أي: ومن سلك سبيلهم من التابعين، هؤلاء حقهم ألا يذكروا إلا بالجميل.
فلا يذكرون بسوء، بل لا يذكرون إلا بالجميل، فلا تذكر سقطاتهم ولا زلاتهم، بل يذكر خيرهم وإحسانهم وفضلهم، وكل من وقع في هؤلاء بسوء -وذلك بالتنقيب عن أخطائهم والتفتيش عن زلاتهم والإشاعة لما خالفوا فيه الدليل- فإنه على غير السبيل؛ لأنه من كان قاصداً الحق عاملاً به داعياً إليه مجتهداً في إصابته فإنه لا وجه للإساءة إليه حتى لو أخطأ؛ فإن الخطأ لا يسلم منه أحد، وكل ابن آدم خطاء، فالخطأ في الاجتهاد واقع، وقد وقع من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فالوقوع في الخطأ في الاجتهاد فيما فيه الاجتهاد ليس مسوغاً لإيغار الصدور، ولا لإطلاق الألسنة في هؤلاء، بل الواجب الشفقة والرحمة، وهذا من سمات أهل السنة والجماعة؛ فإنهم يعظمون الحق ويرحمون الخلق، فيعظمون الحق بالدعوة إليه وبيانه وتوضيحه والذب عنه، ورد الشبه عنه، لكنهم مع هذا ليسوا ممن يظلمون الخلق، بل هم يرحمون الخلق، فيتطلبون للمخطئ العفو، ويبحثون عن الستر، ويطلبون العذر، ولا يطلقون ألسنتهم ولا أقلامهم في أهل الخير الذين عرفوا بالخير ولو كان منهم خطأ، لكن لا يعني هذا ألا ينبه على خطأ المخطئ، بل خطأ المخطئ من إنكار المنكر الذي يجب، لاسيما إذا كان الخطأ مما يحصل به إذلال للخلق، أما الأخطاء الخاصة كأن يخالف أو يقع في معصية صغيرة أو كبيرة فإن هذا ينصح فيه فيما بين الناصح والمخطئ، أما ما يتعلق بالخطأ العام كالخطأ في العلم أو في التأليف أو في القول فإنه ينبغي أن ينصح المخطئ، فإن رجع وإلا بين خطؤه بأسلوب ليس فيه شدة ولا غلظة، بل بأسلوب مليء بالشفقة والرحمة، وهذا من دواعي قبول النصيحة.
فعلماء السلف هم السابقون ومن بعدهم من التابعين، ثم ذكر أصنافهم فقال: (أهل الخير والأثر، وأهل الفقه والنظر) ، وهم المشتغلون بعلم الحديث والمشتغلون بعلم الفقه، فلا يذكرون إلا بالجميل، أي: بالجميل الحسن الذي يجمل به من ذكر، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل.
стр. 224
الولاية دون النبوة
قال ﵀: [ولا نفضل أحداً من الأولياء على أحد من الأنبياء ﵈، ونقول: نبي واحد أفضل من جميع الأولياء] .
المؤلف ﵀ في هذا المقطع يرد على غلاة الصوفية الذين رفعوا مرتبة الولاية على النبوة، فيقول ﵀: (ولا نفضل أحداً من الأولياء) والأولياء: جمع ولي، والولي: هو من تولاه الله ووفقه إلى الإيمان والتقوى قال : ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢-٦٣] ، فأولياء الله هم المؤمنون المتقون، وكل من حقق الإيمان والتقوى نال شرف وفضل الولاية، فلا نفضل أحداً من الأولياء على أحد من الأنبياء مهما بلغ في الولاية والتقوى؛ لأن الولاية درجة دون النبوة، فالنبوة درجة عالية يقصر دونها كل ولي.
يقول: [ونقول: نبي واحد أفضل من جميع الأولياء] .
فلا إشكال أن النبي أفضل من جميع الأولياء؛ لأن الله رفع هؤلاء الأنبياء، وخصهم من الخصائص والفضائل بما لم يحصل للأولياء، وأول من أحدث بدعة رقي الولي على النبي ابن عربي وأشباهه الذين قالوا: مقام النبوة في منزل فويق الرسول ودون الولي.
فجعلوا الولاية فوق هذه المنازل كلها، وهم في هذا كاذبون، وإنما أرادوا هذا لأنه قطع عنهم النظر في النبوة؛ فإن الله جل وعلا قد ذكر في كتابه ختم النبوة فقال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠] ، فلما انقطع رجاؤهم ونظرهم في حصول النبوة لهم طلبوا طريقاً آخر يحصل لهم به ما يزعمونه من سقوط التكاليف، فاخترعوا هذا المقام، وجعلوه فوق النبوة ليحصلوا به مآربهم من التسلط على الخلق وإفساد الشرائع والأديان، فهذا هو سبب هذا القول.
стр. 225
الإيمان بكرامات الأولياء
قال ﵀: [ونؤمن بما جاء من كراماتهم، وصح عن الثقات من رواياتهم] .
هذا أيضاً مما يتعلق بالأولياء، فنؤمن بما جاء من كراماتهم، أي: من كرامات الأولياء، الكرامات: جمع كرامة، والكرامة: هي كل خارق للعادة يجري على يد متق مؤمن.
فهي كل خارق للعادة مما يجريه الله على يد تقي مؤمن.
وقيدنا هذا بهذا حتى نخرج ما يكون من خوارق العادات التي تجري على أيدي السحرة والكهان والمشعوذين والمبطلين؛ فإنها ليست كرامات، إنما هي خوارق للعادات، لكنها لا يمكن أن توصف أو تسمى بالكرامات.
وكذلك نخرج ما يجريه الله على يد الرسل؛ فإن هذا لا يسمى كرامة، إنما هي آيات، وهي أعلى مما يجريه الله على أيدي الأولياء من كرامات.
فقوله: (نؤمن بما جاء من كراماتهم) أي: بما صح من إثبات ذلك، ولا يلزم الإيمان بكل كرامة ثبتت لكل شخص؛ لأنه فرع عن ثبوت هذه الكرامة، وقد لا تثبت عنه، لكن نؤمن في الجملة بأن لهم كرامات يكرمهم الله بها، وهذه الكرامات تنقسم إلى أنواع، منها ما هو من جنس العلم، وهي كرامات العلوم، وهو ما يسمى بـ (المكاشفات) ، وذلك بأن يرى ما لا يراه غيره، أو يسمع ما لا يسمعه غيره، أو يفتح له في العلم ما لا يفتح لغيره، أو يوفق لدراسة صادقة لا يوفق لها غيره.
القسم الثاني من الكرامات ما هو من جنس القدرة، أي: ما يكون في القدرة، بأن يمكن مما لا يتمكن منه غيره، وهذا كثير جداً، والغالب في الكرامات هو من هذا النوع، وقد جرى للصحابة ﵃ والتابعين من هذا شيء كثير، وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ كثيراً من هذا في كتاب الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، ومن ذلك أيضاً القسم الثالث من أنواع الكرامات، وهو ما كان من جنس الاستغناء، فيستغني عن كل ما يحتاج إليه الإنسان عادة في المأكل والمشرب وغير ذلك، وهذا يندرج في الحقيقة في النوع الثاني.
فالكرامات هي كل خارق للعادة يجريه الله على يد الولي، ومما يحصل به الفرق بين الكرامات وشعوذة المشعوذين، وباطل السحرة والكهنة والدجالين أنهما يفترقان في السبب والغاية، ففرق بين ما يجريه الله على أيدي أوليائه الصالحين، وبين ما يكون على أيدي الفسقة من السحرة والدجالين والكهان والمشعوذين، والفرق بينهما في السبب والغاية، فالسبب في الكرامة طاعة الله وطاعة رسوله، والسبب فيما يجري على أيدي الكهان والسحرة والمشعوذين تكذيب الله ورسوله، ومعصية الله ورسوله، فبقدر ما يكون معهم من معصية الله ورسوله بقدر ما يكون معهم من الخارق للعادة.
وفي الغاية والمقصد المقصود من الكرامات إقامة الحجة أو دفع الحاجة، فمقصودها تحقيق العبودية لله والطاعة والنصر للحق، ومقصودها إظهار دين الله وما جاء به الرسول ﷺ ، أما ما يجري على أيدي الكهان والمشعوذين والسحرة فمقصوده وغرضه الباطل من الفساد في الأرض، وانتهاك الحرمات، وكسب الأموال.
فهذا أبرز ما يفرق بين كرامات الأولياء وخوارق السحرة والمشعوذين.
ومما يفرق به بين الصنفين أن كرامات الأولياء تزداد بذكر الله وتقوى بذكر الله جل وعلا، أما ما يجري من الخوارق على أيدي السحرة والمشعوذين يبطل عند ذكر الله جل وعلا، فإذا ذكر الله عند هؤلاء المشعوذين بطل ما عندهم من الخارق للعادة.
ورابع الفروق أن الكرامات لا يمكن أن تعارض ولا أن يؤتى بأقوى منها، بخلاف ما يكون على أيدي السحرة والمشعوذين فمعارضته ممكنة بمثلها أو بما هو أقوى منها، فهذه أربعة فروق بين ما يكون من كرامات الأولياء وشعوذة المشعوذين.
فقوله: (نؤمن بما جاء من كراماتهم، وصح عن الثقات من رواياتهم) أي: رواياتهم في العلم.
أو رواياتهم في الكرامات.
стр. 226
الإيمان بأشراط الساعة
قال رحمه الله تعالى: [ونؤمن بأشراط الساعة من خروج الدجال ونزول عيسى بن مريم من السماء، ونؤمن بطلوع الشمس من مغربها، وخروج دابة الأرض من موضعها] .
أشار المؤلف ﵀ في هذا المقطع إلى أشراط الساعة، فقال: (نؤمن بأشراط الساعة) ، وأشراط الساعة علاماتها، وقد ذكر الله جل وعلا ذلك في قوله: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد:١٨] ، أي: علاماتها، والساعة المراد بها هنا القيامة الكبرى، وليست الساعة الخاصة وهي موت كل إنسان، فإن الله جل وعلا قد جعل للساعة الكبرى التي يقوم فيها الناس لله رب العالمين -وهي إيذان بانتهاء الدنيا- جعل لها علامات، وهذه العلامات أبرزها بعثة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإن بعثة النبي ﷺ من علامات الساعة، قال الله جل وعلا: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١] ، وانشقاق القمر جرى وقت النبي ﷺ آية له؛ فإن مشركي مكة طلبوا منه آية فشق الله له القمر فلقتين شهدهما الناس، لكنهم كذبوا وقالوا: سحر مستمر، وسحر ذاهب باطل، وقال بعضهم لبعض: سلوا أهل الأسفار، فإن كانوا قد رءوا ما رأيتم من انشقاق القمر فإنه حق، وإن كانوا لم يروا ذلك فإنه ليس بحق، وإنما سحر سحركم به، فسألوا المسافرين من كل وجه فكلهم أثبت رؤية الانشقاق.
ومما يدل على أن الانشقاق وقع أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة العيد بـ (ق) و (اقتربت الساعة) ، والناس يسمعون هذا، ويسمعون قوله تعالى: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١] ، ولم يقم واحد منهم ينكر ويكذب انشقاق القمر.
فمن علامات الساعة بعثة النبي ﷺ ، والعلامات تنقسم إلى قسمين: علامات كبيرة وعظيمة، وعلامات صغرى دون ذلك، فالعلامات الصغرى كثيرة جداً، وأما العلامات الكبرى فهي التي إذا ظهرت آذن ذلك باختلال العالم، وأول هذه الآيات الكبرى العظيمة خروج الدابة، وطلوع الشمس من مغربها، فإنها أول الآيات العظمى.
وأما خروج الدجال وخروج يأجوج ومأجوج ونزول عيسى ابن مريم من السماء فهذا ليس من الآيات الكبرى؛ لأنه من جنس ما يدركه البشر؛ لأن الدجال من البشر، ويأجوج ومأجوج من البشر، وعيسى ابن مريم من البشر، فهي آيات كبرى لكنها ليست كالآيات التي تؤذن بخروج العالم عن المألوف؛ ولذلك إذا طلعت الشمس من مغربها انقطعت التوبة، وانتهى الأمر، وكذلك الدابة تخرج وتميز المسلم من الكافر، فالأمر منته؛ ولذلك جاء في صحيح مسلم (إن أول الآيات طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة) وأيهما خرجت أولاً فالأخرى في أثرها، والمراد بهذا الحديث أول الآيات التي تخرج عن المألوف والمعتاد، وليس أول ما يجري.
فالمقصود الأول الخروج عن المألوف والمعتاد، ثم بعد ذلك تتتابع الآيات التي أخبر النبي ﷺ بها.
يقول المؤلف ﵀: (ونؤمن بأشراط الساعة من خروج الدجال) (وهو شر غائب ينتظر) كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ فإنه أشد الفتن على بني آدم، ولذلك ما من نبي إلا أنذر قومه منه، والدجال رجل يبتلي الله به الناس، يدعي أول الأمر الصلاح، ثم النبوة، ثم الإلهية والربوبية، ويكذبه الله جل وعلا، وآيات كذبه منقولة معه؛ فإنه أعور والله جل وعلا ليس بأعور، ولو كان رب العالمين لدفع عن نفسه النقص، لكنه لا يملك أن يدفع عن نفسه النقص، فهو مربوب مخلوق نسأل الله أن يكفينا شر فتنته، لكن يمكنه الله من القدرة ما تحصل به الفتنة، ولكن هذا التمكين ليس دائماً بل هو زائل مضمحل؛ فإنه يظهر كذبه لكل مؤمن.
يقول: (ونزول عيسى ابن مريم ﵇ من السماء) أي: إنزال عيسى ابن مريم من السماء، كما جاء ذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف:٦١] أي: علم من أعلام الساعة، وذلك بنزوله في آخر الزمان، وقد أخبر النبي ﵌ بنزول عيسى ابن مريم، وأنه ينزل ويحكم بشريعة النبي ﷺ ، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، فيكسر الصليب إشارة إلى إبطال ما اعتقدته النصارى واليهود في أنه قد قتل، ويقتل الخنزير إشارة إلى إبطال ما استباحه النصارى ونسبوه إليه؛ فإن الخنزير لم يبحه عيسى ابن مريم ﵊، وهذا الفعل منه إيذان منه أنه قد انتهى كل دين غير دين الإسلام؛ ولذلك لا يقبل من أحد إلا الإسلام، ويضع الجزية، أي: لا يقبل الجزية.
يقول: (ونؤمن بطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة من موضعها) .
طلوع الشمس من مغربها جاء في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام:١٥٨] ، والمشار إليه في هذه الآية خروج الشمس من مغربها، وأما الدابة ففي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ [النمل:٨٢] ، وقد تواترت في ذلك الآثار عن النبي ﷺ ، وينبغي لأهل الإيمان أن يتحروا في مسائل أشراط الساعة، وألا يتعجلوا في إثبات ما جاءت به الأحاديث، أو في تنزيل ما جاءت به الأحاديث على الواقع؛ فإن هذه من الفتن التي صارت في الناس، وخاض فيها من لا علم له، فتجده يحدث بما صحت به الأحاديث من الأخبار على أعيان ووقائع وأحداث ومناطق، وهذا ليس بصحيح؛ لأن هذا يحتاج إلى علم وبصيرة وتأمل ونظر، وهذا في الغالب يفقده من يشتغلون بهذه الأمور.
стр. 227
موقف المسلم من دعوى الغيب ومخالفة الشرع
قال رحمه الله تعالى: [ولا نصدق كاهناً ولا عرافاً، ولا من يدعي شيئاً يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة] .
يقول ﵀: (ولا نصدق كاهناً ولا عرافاً) لأن تصديق الكهان والعرافين مما نهى عنه رسول الله ﷺ ، قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد) ، وفي الرواية الثانية: (من أتى كاهناً أو عرافاً فسأله لم تقبل له صلاة أربعين ليلة) ، فدل ذلك على تحريم تصديق هؤلاء، وتصديقهم في الإخبار بالمستقبل كفر بالله العظيم، وتصديقهم في الإخبار بالغيب النسبي مهدد بقول النبي ﷺ : (لم تقبل له صلاة أربعين ليلة) ، فتصديقهم على درجات، فمنه ما يكون كفراً، وذلك تصديقهم بكل ما يكون في الغيب في المستقبل، كأن يقول الكاهن: سيجري لك غداً كذا أو ستتزوج فلانة ولا تتوفق معها أو سيأتيك ولد، فمن صدقه في هذا فهو كافر بالله العظيم، قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل:٦٥] ، فمن صدق الكاهن في الخبر المستقبل فهو كافر؛ لأنه مكذب بالقرآن الذي فيه أن الغيب لا يعلمه إلا الله جل وعلا.
وأما من صدقه في الخبر الذي في الغيب النسبي الذي يخفى ويعلمه بعض الناس، كالإخبار عن مكان الضالة، وكالإخبار عن مكان المسروق، وما أشبه ذلك فإن هذا لا يكفر، لكنه على خطر عظيم، ويكفي في التحذير منه أن النبي ﷺ قال: (لم تقبل له صلاة أربعين ليلة) ، ثم من صدقه في هذا يوشك أن يصدقه في خبر المستقبل، فيجب الحذر من هذا.
يقول ﵀: (ولا نصدق كاهناً ولا عرافاً) والفرق بين الكاهن والعراف أن الكاهن هو من يخبر عن الغيب في المستقبل، والعراف من يخبر عن المغيبات بأمور يستدل بها، وقد نص شيخ الإسلام ﵀ على أن الكاهن والعراف اثنان لمسمىً واحد، وهو كل من يخبر بالغيب، لكن الفرق بين الكاهن والعراف هو الطريق التي يتوصل بها إلى معرفة الغيب.
قال رحمه الله تعالى: (ولا من يدعي شيئاً يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة) .
لا إشكال أنه لا يجوز تصديق هذا، والجامع بينه والذي قبله في قوله: (لا نصدق كاهناً ولا عرافاً، ولا من يدعي شيئاً يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة) هو أن الجميع مبطل، فالكاهن والعراف مبطلان، ومن ادعى شيئاً يخالف ما جاء في الكتاب والسنة فهو مبطل أيضاً، ولا يجوز تصديقه ولا قبول خبره، فلا يصدق ما خالف الكتاب، وما خالف السنة، وما خالف إجماع الأمة.
стр. 228
وجوب الاجتماع مع المسلمين
قال رحمه الله تعالى: [ونرى الجماعة حقاً وصواباً، والفرقة زيغاً وعذاباً] .
من عقائد أهل السنة والجماعة أنهم يرون الاجتماع، وهو الاجتماع على الحق، والاجتماع مع أهل الحق، والاجتماع على من ولي أمر المسلمين، فهم ليسوا أهل فرقة وخلاف، بل هم أهل ألفة واجتماع، قال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣] ، فالآيات التي أمر الله جل وعلا فيها بالائتلاف والاتفاق والاجتماع كثيرة، والتي ذم فيها أهل الفرقة والخلاف كثيرة جداً، بل جعل من الشرع الذي أوصى به هذه الأمة: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى:١٣] ، وهو ليس خاصاً بهذه الأمة بل بجميع الأمم، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى:١٣] ، فالاجتماع على الدين والحق والهدى مما تواترت فيه النصوص، وقد نهى الله جل وعلا عن الفرقة في قوله: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران:١٠٥] ، والآيات والأحاديث في هذا كثيرة، والمراد بالاجتماع الاجتماع على الحق ومع أهل الحق، وأما الاختلاف فهو الخروج عن الحق وعن أهل الحق.
يقول ﵀: و (نرى الجماعة -أي: الاجتماع والقبول بالإجماع، والاجتماع على ولاة الأمر من المسلمين- حقاً وصواباً، والفرقة -وهي مخالفة أهل الكتاب والسنة، ومخالفة أهل الحق، ومخالفة ولاة الأمور من المسلمين- زيغاً وعذاباً) .
أما الزيغ فلأنه مخالف للسنة ومخالف لما أمر الله به ورسوله، وأما قوله: (عذاباً) فهذا فيه بيان ما يئول إليه الافتراق وهو أنه عذاب، وإن كان في نظر صاحبه إصلاح، لكنه في الحقيقة عذاب.
стр. 229
دين الله واحد وهو وسط بين الغلو والتفريط
قال رحمه الله تعالى: [ودين الله في الأرض والسماء واحد وهو دين الإسلام، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] ، وقال تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] ، وهو بين الغلو والتقصير، وبين التشبيه والتعطيل، وبين الجبر والقدر، وبين الأمن والإياس] .
ليس هناك إشكال في أن دين الله في الأرض والسماء واحد وهو الإسلام، كما قال الله جل وعلا ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] ، والإسلام المقصود به الاستسلام لله جل وعلا بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة؛ فهذا هو الدين الذي جاءت به جميع الرسل، فهو دين آدم، ودين نوح، ودين موسى، ودين إبراهيم، ودين عيسى، ودين جميع الرسل، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] ، وهو دين أشرفهم وخاتمهم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهذا الدين واحد لا خلاف فيه ولا افتراق، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] ، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥] .
فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] يعني: الدين المقبول الذي يحصل به للعبد النجاة والفوز، وحصول الرضا والجنة الإسلام.
وقال تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] ، فقد رضي الله جل وعلا لهذه الأمة ما رضيه للأمم السابقة مع مزيد تخصيص وتفضيل لهذه الأمة بتكثير الشرائع.
والمؤلف ﵀ بين دين الإسلام واقتصر في البيان على دين الإسلام لأنه دين أهل السنة والجماعة، فأهل السنة والجماعة هم أهل الإسلام الحق الصافي، وهم كما قال شيخ الإسلام: هم نقاوة المسلمين، وهم الصفوة، وهم الأخيار، وهم الذين قال الله جل وعلا فيهم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] ، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣] ، وذكر المؤلف ﵀ وسطية هذا الدين، وهو يثبت بذلك وسطية أهل السنة والجماعة؛ لأن أهل السنة والجماعة وسط في الفرق الإسلامية، كما أن دين الإسلام وسط بين الأديان، والوسطية ليست في جانب واحد، بل هي في جميع الجوانب، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] ، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣] ، فالوسطية في كل شيء، وليست فقط في الاعتقاد، بل في الاعتقاد والعمل والقول، وفي كل أمر من أمور هذه الأمة.
يقول: (وهو بين الغلو والتقصير) .
الإسلام عند أهل السنة والجماعة بين الغلو والتقصير، والغلو: الزيادة، والتقصير: النقص.
فأهل السنة والجماعة طريقهم وسط لا غلو فيه ولا نقص، وقد نهى الله جل وعلا عن الزيادة كما نهى عن النقص، قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء:١٧١] ، وقال النبي ﷺ : (إياكم والغلو.
إياكم والغلو.
إياكم والغلو) وقال: (هلك المتنطعون.
هلك المتنطعون) ، والأحاديث والآثار في النهي عن الغلو كثيرة.
وكذلك التقصير، فالنصوص كثيرة في النهي عن المعاصي؛ فإن كل معصية في اعتقاد أو قول وعمل من التقصير الذي نهى الله عنه.
قال: (وبين التشبيه والتعطيل) .
أهل الإسلام سالمون من هاتين الآفتين، فأهل السنة والجماعة سالمون من هاتين البدعتين، والتعطيل: نفي ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إما نفياً كلياً أو نفياً جزئياً، ويجمع نفي هاتين البدعتين قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ، فقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] نفي لبدعة التشبيه، وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] نفي لبدعة التعطيل.
قال: (وبين الجبر والقدر) .
أي: بين الذين يقولون بأن الإنسان لا مشيئة له ولا اختيار، وهم الجبرية، والذين يقولون: الإنسان يخلق فعل نفسه، والعبد يخلق فعل نفسه، فليس لله مشيئة ولا اختيار في فعل العبد ولا قدرة في فعل العبد.
وأهل السنة والجماعة يقولون كما قال الله جل وعلا: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٨-٢٩] ، فيثبتون للعبد قدرة وكسباً ومشيئة، ويثبتون أن هذه القدرة وهذه المشيئة وهذا الكسب لا يخرج عن تقدير الله جل وعلا ومشيئته، بل الله محيط بالعبد ومشيئته وقدرته، والعبد مخلوق للرب، كما أن ذاته وصفاته مخلوقة للرب جل وعلا.
قال رحمه الله تعالى: [وبين الأمن والإياس] .
هذا فيه بيان توسط أهل السنة والجماعة بين فريقين ضالين، وهم من عبد الله بالمحبة وحدها، ومن عبد الله بالخوف وحده، فأهل السنة والجماعة يعبدون الله بالمحبة والرجاء والخوف، وتقدم تقرير ذلك.
ثم قال رحمه الله تعالى: [فهذا ديننا واعتقادنا ظاهراً وباطناً، ونحن برآء إلى الله تعالى من كل من خالف الذي ذكرناه وبيناه] .
قوله: (فهذا) المشار إليه ما تقدم من العقائد، وقوله: (ديننا واعتقادنا ظاهراً وباطناً) ، يعني: الذي ندين الله به، ديننا: أي: الذي نتعبد الله جل وعلا به، واعتقادنا: أي ما طوينا عليه قلوبنا، وشددنا وربطنا عليه قلوبنا.
وقوله: (ظاهراً وباطناً) ، يعني: ليس عندنا ظاهر وباطن كحال الباطنية الذين لهم ظاهر وباطن.
ثم قال: (ونحن برآء إلى الله تعالى من كل من خالف الذي ذكرناه وبيناه) .
برآء أي: نتبرأ من كل من خالف الذي ذكرناه وبيناه.
وهذا هو الواجب، أن يتبرأ الإنسان من كل من خالف عقيدة أهل السنة والجماعة، لكن هذه البراءة كالمحبة في الله والبغض في الله، فالبراءة تتفاوت بتفاوت المخالفة، فلو كانت مخالفته عظيمة كان نصيبه من البراءة عظيماً، ومن كانت مخالفته كبيرة كان نصيبه من البراءة يسيراً، على أن المؤلف ﵀ ذكر في هذه العقيدة ما خرج به عن عقيدة أهل السنة والجماعة، لاسيما في مسألة الإيمان.
стр. 230
الثبات عزيز لا يطلب إلا من الله تعالى
قال رحمه الله تعالى: [ونسأل الله تعالى أن يثبتنا على الإيمان، ويختم لنا به، ويعصمنا من الأهواء المختلفة، والآراء المتفرقة، والمذاهب الرديئة، مثل المشبهة، والمعتزلة، والجهمية، والجبرية، والقدرية، وغيرهم من الذين خالفوا السنة والجماعة، وحالفوا الضلالة، ونحن منهم برآء، وهم عندنا ضلال وأردياء، وبالله العصمة والتوفيق] .
يقول ﵀ في ختم هذه العقيدة: [ونسأل الله تعالى أن يثبتنا على الإيمان ويختم لنا به، ويعصمنا من الأهواء المختلفة، والآراء المتفرقة، والمذاهب الرديئة] ، آمين.
بعد أن قال ﵀: (فهذا ديننا واعتقادنا ظاهراً وباطناً) ، لجأ إلى الله جل وعلا في التثبيت على الحق، وهذا هو حال المؤمن التقي الذي يرجو ما عند الله ، ولا يعتمد على نفسه في الثبات، بل يقرر الحق، ويسأل الله الثبات عليه؛ ولذلك قال ﵀: (ونسأل الله تعالى أن يثبتنا على الإيمان ويختم لنا به) والثبات: هو الاستمرار.
والختم: هو أن يكون منتهى ما نعمل به ونغادر هذه الدنيا به هو الإيمان.
قوله: (ويعصمنا من الأهواء -أي: يحفظنا ويمنع منا الأهواء- المختلفة، والآراء المتفرقة، والمذاهب الرديئة) الأهواء: جمع هوى، وهو ما تهواه الأنفس، ويطلق على ما تهواه الأنفس في الأعمال، وفي العقائد.
والآراء المتفرقة لاشك أنها الآراء المخالفة لأهل السنة والجماعة، وأما ما وافق أهل السنة والجماعة فإنه لا يفترق ولا يتفرق، بل عقيدة أهل السنة والجماعة الاجتماع، كما قال ﵀، والمذاهب الرديئة: أي المسالك الرديئة المخالفة، ثم مثل لذلك بالمشبهة والمعتزلة، فبدأ بالمشبهة، ويريد بـ المشبهة الممثلة؛ لأن النفوس ترفض هذه البدعة، فإن كل نفس مفطورة على أن الخالق ليس كالمخلوق، وأنه لا مماثلة بين الخالق والمخلوق، بل الله جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ، والمعتزلة والجهمية والجبرية والقدرية هذه الفرق كلها من الفرق الضالة، وأنواع الضلال فيها مختلفة، فمنها ما هو في الأسماء والصفات، ومنها ما هو في القدر، ومنها ما هو في اليوم الآخر.
يقول: (وغيرهم من الذين خالفوا السنة والجماعة، وحالفوا الضلالة) أي: صالحوا الضلالة والتزموها والتحفوها، وكانت مرافقة لهم.
قوله: (ونحن منهم برآء) هذا فيه البراءة من كل من خالف أهل السنة والجماعة.
قال: (وهم عندنا ضلال أردياء) ولاشك في ذلك؛ فإن هذه الفرق من الفرق الضالة الرديئة المخالفة للكتاب والسنة.
ثم قال ﵀: (وبالله العصمة والتوفيق) أي: به جل وعلا تحصل العصمة للعبد من الوقوع في شيء من الضلال، والتوفيق إلى طريق أهل السنة والجماعة، وهذا ختم بديع؛ لأنه به يحصل للإنسان السعادة في الدارين، أن يعصمه الله من أهل الشر، وأن يوفقه إلى الخير والعمل به، نسأل الله أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا، وأن يجعلنا هداة مهتدين، وبهذا تكون قد انتهت هذه العقيدة المباركة التي نسأل الله أن يثيب مؤلفها خيراً، وأن يغفر له ما كان فيها من خطأ، وأن ينفعنا بما فيها من علوم نافعة.