← Акыда

Акыда · id 7712

شرح العقيدة الطحاوية - خالد المصلح

خالد المصلح

Полный текст (230 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وجوب اتباع السنة والجماعة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: [ونتبع السنة والجماعة، ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة، ونحب أهل العدل والأمانة، ونبغض أهل الجور والخيانة، ونقول: الله أعلم فيما اشتبه علينا علمه، ونرى المسح على الخفين في السفر والحضر، كما جاء في الأثر. والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين، برهم وفاجرهم، إلى قيام الساعة، لا يبطلهما شيء ولا ينقضهما. ] . قال المؤلف ﵀: (ونتبع السنة والجماعة) هذا اعتقاد أهل السنة والجماعة، وبيان مسلكهم العملي في أنهم أهل اتباع للسنة، فهم يعظمون سنة النبي ﷺ ، وبها يستمسكون، وعنها يصدرون، وإليها يتحاكمون، وبها يفصلون ويقومون الأقوال والأعمال، فمصدرهم سنة رسول الله ﷺ ، فما صح منها وثبت فإنه حاكم على أقوالهم وأعمالهم وآرائهم وكل شأنهم، كما قال الله جل وعلا: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥] ، فأهل السنة من أخص الناس التزاماً بسنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لا يردونها ولا يعارضونها ولا يتأولونها تأويلات باطلة، بل يقبلون ما صح منها ويرجعون إليه؛ ولذلك وصفوا بهذا الوصف، ولا يوصف به غيرهم. قال: (والجماعة) وهذا فيه بيان خاصية أخرى من خصائص أهل السنة والجماعة: أنهم أهل اجتماع، وسموا بالجماعة؛ لأنهم يتبعون الجماعة، والجماعة هي الحق ولو كان الإنسان وحده، وليس المقصود بالجماعة الكثرة، فإن الكثرة ليست دالة على الحق في كل الموارد، بل قد قال الله جل وعلا: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦] ، وقال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٨] ، وقال : ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣] .

стр. 177

مفهوم الجماعة المقصود بالجماعة: جماعة أهل الحق، فهم أهل إجماع ويعتدون بالإجماع، وأهل اجتماع على من ولاه الله أمر المسلمين، فلا خروج عندهم ولا منابذة، وأهل اجتماع على الحق، وهو: ما كان عليه سلف الأمة في القرون المفضلة. هم الجماعة الذين من انحاز إليهم انحاز إلى الحق واتصف بهذا الوصف، وليس الحق مع الأكثر في كل زمان، بل هو ما كان عليه أهل الصدر الأول والسلف الصالح: الصحابة أولاً ثم تابعوهم ثم تابعو تابعيهم، فهم أهل القرون المفضلة الثلاثة الذين قال فيهم النبي ﷺ : (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) . هؤلاء هم أهل الجماعة، فمن اجتمع إليهم، وانحاز لهم؛ فهو على الحق ولو كان وحده، ولا يضره التوحد في متابعة السلف الصالح. المهم أن الجماعة تصدق بالأخذ بالإجماع، وأيضاً الاجتماع على ولاة الأمر، وعدم الخروج عليهم، وموافقة ما كان عليه سلف الأمة في القرون المفضلة.

стр. 178

خطورة الشذوذ والفرقة قال ﵀: (ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة) وكل هذا ناشئ عن التفريط في اتباع السنة والجماعة، فكل من فرط في اتباع السنة، وفي الأخذ بالجماعة؛ فإنه يقع في أحد هذه الخلال الثلاث المذمومة: الشذوذ وهو: الانفراد، ولكنه ليس الانفراد بمعنى: التوحد على الحق، وإنما هو: الخروج عن الصراط المستقيم، والخلاف، والفرقة. والفرقة: هي مفارقة الجماعة، وقد جعل النبي ﷺ مفارقة الجماعة سبباً مما يستباح به الدم، بل كل من سعى في تفريق المؤمنين فإنه يستحق أن يقتل كما قال النبي ﷺ : (إذا جاءكم أحد وأمركم جميع يريد أن يفرق بينكم فاقتلوه كائناً من كان) وهذا يدل على أن كل من سعى في الفرقة بين المسلمين، وفي اختلال اجتماعهم فإنه من أهل الفرقة الذين يستحقون هذه العقوبة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولا شك أن الاختلاف وقع بعد الصحابة ﵃، أما الخلاف في العمليات فهو واقع في زمنهم ﵃، بل حتى في زمن النبي ﷺ فيما لم يعلموا فيه قولاً عنه ﷺ ، لكن الخلاف المذموم هو: الاختلاف الذي فيه المخالفة لهدي السلف الصالح، ولما كان عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الاعتقاد، هذا الذي يذم صاحبه، وكذلك تقصد مخالفة النبي ﷺ فيما عُلِمَ أنه من فعله أو قوله أو هديه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقد حذر النبي ﷺ من الاختلاف فقال في وصيته: (فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً) ثم وجه إلى المخرج من هذا الاختلاف فقال: (فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ) ووصفهم بالوصفين الدالين على المسوغ للاتباع: الرشد والهداية، الرشد: ضد الغي، والهداية: ضد الضلال، وبهما يسلم الإنسان من الزيغ والانحراف.

стр. 179

قوله: ونحب أهل العدل والأمانة ثم قال ﵀: (ونحب أهل العدل والأمانة، ونبغض أهل الجور والخيانة) المقصود بالمحبة هنا: المحبة العبادية، بمعنى أننا نتعبد لله جل وعلا بمحبة أهل العدل والأمانة، وأهل العدل هم: أهل الإسلام أهل السنة والجماعة الذين اجتمعوا على الحق، ويخرج بقوله: (أهل العدل) أهل البغي وأهل البدعة، أما أهل البغي فهم: الذين يخرجون على الحكام سواء كان خروجهم بمسوغ أو بغير مسوغ، فهؤلاء ليسوا أهل عدل. وكذلك يخرج بقوله ﵀: (ونحب أهل العدل) أهل البدعة، فإن أهل البدعة ليسوا أهل عدل، ولو كانوا أهل عدل لما عدلوا بسنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم شيئاً. قال ﵀: (ونبغض أهل الجور والخيانة) أي: أهل الظلم، وقد يجتمع في الإنسان عدل وظلم، وهذا متصور وموجود، فالواجب في مثل هذا أن يحب لما معه من العدل والاستقامة والأمانة، وأن يبغض بما معه من الجور والخيانة، فيعامل الإنسان بما تقتضيه حاله من هذين الأمرين.

стр. 180

رد العلم إلى عالمه قوله: (ونقول: الله أعلم فيما اشتبه علينا علمه) وهذا فيه بيان ما عليه أهل السنة والجماعة من رد العلم إلى عالمه، وأنهم لا يقولون ولا يعتقدون إلا ما ظهر لهم من الكتاب والسنة، وما اشتبه عليهم علمه مما في الكتاب والسنة لم يدخلوا فيه بآرائهم وتأويلاتهم، لا سيما فيما يتعلق بالله ، بل يردون العلم إلى عالمه، فيردون علم ما اشتبه واختلط ولم يتبين ولم يتضح إلى عالمه وهو الله جل وعلا، هذا هو سبيلهم، وهذه هي طريقهم، وهي طريق النجاة والسلامة.

стр. 181

من علامات أهل البدع ترك المسح على الخفين ثم قال ﵀ في بيان ما عليه أهل السنة والجماعة: (ونرى المسح على الخفين) نرى، أي: نعتقد المسح على الخفين، أي: مشروعيته، والمسح على الخفين ليس من مسائل الاعتقاد، وإنما هو من مسائل العمل، وإنما ذكره المؤلف ﵀؛ لأن ترك المسح على الخفين صار علامة على فرقة من فرق المبتدعة، فارقوا بها أهل السنة والجماعة، وهم: الرافضة، فإنهم لا يرون المسح على الخفين، مع أن الأحاديث في ذلك متواترة، والأدلة في ذلك مستفيضة، فذكر المؤلف ﵀ هذه المسألة الفقهية العملية في مسائل الاعتقاد لتمييز أهل السنة والجماعة عن غيرهم، فقال ﵀: (ونرى المسح على الخفين في السفر والحضر) يعني: نرى مشروعية ذلك، والعمل به في السفر والحضر؛ لثبوت ذلك عن النبي ﷺ كما قال المؤلف: (كما جاء في الأثر) والمراد بالأثر هنا: معناه العام الذي يشمل الأحاديث النبوية، وإلا فالأثر يطلق في الغالب على غير قول النبي ﷺ بمفهومه الخاص. وأما مفهومه العام فيشمل كل ما جاء وأثر عن النبي ﷺ وعن غيره، وقد ثبت عن النبي ﷺ بما لا شك فيه أن المسح على الخفين مما يتعبد الله جل وعلا به، وقد جاء في القرآن ما يشير إلى ذلك في القراءة المشهورة في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦] فاستدل بعض العلماء بقراءة الكسر على مشروعية المسح على الخفين، فالمسح على الخفين ثابت، وهو مما نقل نقلاً متواتراً، وعرفنا سر أو سبب إدخال هذا في كتب الاعتقاد؛ وذلك لأن عدم المسح على الخفين شعار لبعض أهل البدعة المخالفين لأهل السنة والجماعة.

стр. 182

مشروعية الحج والجهاد مع كل بر وفاجر من المسلمين ثم قال ﵀: (والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين) فرغ مما يتعلق بالصلاة فيما مضى في قوله: (ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة) ، ثم ذكر ثاني ما يحصل به الاجتماع، وما لا يمكن أن يكون إلا باجتماع فقال: (والحج والجهاد ماضيان) الحج أي: فريضته، وهو الحج مع الأمراء والأئمة، والجهاد كذلك أي: مع الأمراء أبراراً كانوا أو فجاراً كما قال شيخ الإسلام ﵀: فأهل السنة والجماعة يرون الحج والجهاد وإقامة الجمعة والأعياد مع الأمراء أبراراً كانوا أو فجاراً. وتقدم الكلام على الصلاة، وأتى المؤلف ﵀ بما يتعلق بالحج والجهاد فقال: (ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين) يعني: هما مع ولاة الأمر من المسلمين ماضيان لا ينقطعان، ومن رأى أن الجهاد لا يكون وقد انتهى فإنه مخطئ، كما تقول الرافضة: لا يكون الجهاد إلا مع الإمام المعصوم! بل الجهاد ماض مع كل ولي من ولاة أمر المسلمين، وكذلك الحج باق وماض مع كل ولي من ولاة أمر المسلمين. قال: (برهم) أي: مستقيمهم وعدلهم (وفاجرهم) أي: من لم يكن على صراط الاستقامة والهداية، قال: (إلى قيام الساعة) قال: (لا يبطلهما شيء ولا ينقضهما شيء) ، بل هما ماضيان كما قال ﵀: (إلى قيام الساعة) .

стр. 183

الإيمان بالكرام الكاتبين قال ﵀: [ونؤمن بالكرام الكاتبين، فإن الله قد جعلهم علينا حافظين، ونؤمن بملك الموت الموكل بقبض أرواح العالمين، وبعذاب القبر لمن كان له أهلاً، وسؤال منكر ونكير في قبره: عن ربه ودينه ونبيه، على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ وعن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، والقبر إما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران] . يقول ﵀: (ونؤمن بالكرام الكاتبين) تقدم أن من الإيمان: الإيمان بالملائكة، فالإيمان بالملائكة من أركان الإيمان، وتقدم الكلام في ذلك، ولكن المؤلف ﵀ أعاد البحث في الإيمان بالملائكة لكنه ليس بحثاً عاماً، بل ذكر الإيمان ببعض الملائكة، ونحن ذكرنا أن الإيمان بالملائكة يتضمن: الإيمان بأن الله جل وعلا خلقهم من نور، وأنه أوكل إليهم من المهام الشيء الكثير، وأنه سمى لنا بعضهم، وأنهم خلق عظيم، وأنهم أجسام لكن الله جل وعلا أغناهم عن الأكل والشرب، وسخرهم للعبادة والخدمة، فهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون. وقولنا: إنهم أجسام، المراد بذلك: أنهم أعيان، وليسوا كما يقول الفلاسفة: خيالات لا حقيقة لها، ولكنهم أعيان -الله أعلم بحقيقة أعيانهم- خلقت من نور. يقول ﵀: (ونؤمن بالكرام الكاتبين) ذكر هنا نوعاً من أنواع الملائكة، وهذا النوع مما جاء وصفه في القرآن وفي السنة، والملائكة يذكرون في القرآن والسنة إما بالأعمال أو بالأشخاص، فممن ذكر بالأعمال، يعني: ذكر عمله ولم يذكر عينه: الملائكة الكاتبين الحفظة، وهم المشار إليهم في قول المؤلف: (ونؤمن بالكرام الكاتبين) كما قال الله جل وعلا: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار:١٠-١١] فهم كرام على الله جل وعلا، كاتبين لأعمال بني آدم، فهم يكتبون كل شيء من أعمال بني آدم، ومنه قول الله جل وعلا: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] يسجل ويقيد ما يكون منه. يقول: (فإن الله قد جعلهم علينا حافظين) أي: يحفظون أعمالنا، ويقيدون ما يكون منا، فكل ما يكون من الإنسان من قول أو عمل فإنه مرصود مقيد، له ملائكة يسجلونه، ويحفظونه كما قال : ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٩] فالملائكة تكتب كل ما يكون من بني آدم، وهؤلاء ملائكة متعددون، وليس هو ملكاً واحداً، كما قال النبي ﷺ : (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، يجتمعون في صلاة الصبح وفي صلاة العصر) هؤلاء الملائكة مهمتهم حفظ ما يكون من الإنسان.

стр. 184

هل ملك الموت متعدد أم واحد ؟ يقول: (ونؤمن بملك الموت الموكل بقبض أرواح العالمين) أيضاً هذا ذكر لجنس من الملائكة، وذكرهم بعملهم، ولم يصح في اسم الملك الموكل بالموت حديث، وما روي من أنه عزرائيل فهو من الأحاديث الضعيفة والإسرائيليات، وليس في ذلك ما يستند إليه، ويعتمد عليه، وملك الموت ذكره الله جل وعلا في قوله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة:١١] ، وقال في توفي الملائكة: ﴿إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام:٦١] فأضاف التوفي إلى رسل. ومن هنا قال جماعة من العلماء: إن ملك الموت ليس واحداً بل هو متعدد؛ لأن الله جل وعلا ذكر توفي الرسل: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [الأنفال:٥٠] فجعل التوفي لمجموع وليس لواحد، فذهب بعض العلماء إلى أن ملك الموت ليس واحداً، بل هم عدد كما دلت عليه الآيات التي فيها أن التوفي يكون من جماعة. وقال جماعة من العلماء: إن ملك الموت واحد، وله أعوان، وكلا القولين محتمل، وفي حديث البراء بن عازب ما يشهد أو ما يشير إلى أنه واحد له أعوان؛ وذلك أن النبي ﷺ لما ذكر الاحتضار -احتضار الإنسان- ذكر أن الملائكة ينزلون ويجلسون منه مد البصر، هذا في حال الاحتضار، (ثم يأتي ملك الموت، فينزع روحه، فتأخذها الملائكة ولا تدعها في يد ملك الموت طرفة عين) فدل هذا على أن الذي يباشر النزع هو ملك الموت وحده. وقال آخرون: بل هم متعددون، ويدل لذلك قول الله جل وعلا: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾ [النازعات:١-٢] فالنازعات: هم جماعات الملائكة الذين ينزعون أرواح بني آدم، ونزع الروح على حالين: إما نزع بشدة كحال أهل الفسق والكفر والشرك والمعصية، أو بيسر كقوله تعالى: ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾ ، كما قال النبي ﷺ : (فتخرج روحه كخروج القطرة من في السقاء) في وصف خروج روح المؤمن. بخلاف روح المنافق فإن روحه تتفرق في بدنه وتنزع من كل عضو، كما ينزع السفود من الصوف المبلول، وفي إخراجه عناء ومشقة. المراد أن ملك الموت اختلف فيه العلماء على قولين: القول الأول: أنه واحد له أعوان. والقول الثاني: أن ملك الموت متعدد وليس واحداً، وكلا القولين له ما يشهد له، وعلى كل حال فالتحقيق هل هو واحد أو متعدد؟! يحتاج إلى تأمل وطول نظر، لكن ما تبين لي شيء في هذا.

стр. 185

الكلام على الروح ثم قال: (ونؤمن بملك الموت الموكل بقبض أرواح العالمين) أرواح: جمع روح، والروح خلاف البدن، فالإنسان مكون من روح وجسد، والجسد هو: ما يدركه النظر، وأما الروح: فهو أمر خفي، اختلف العلماء في تعيينه، وبيان حقيقته، ولم يقفوا على كنهه في شيء، وليس فيما يتعلق بالروح أكثر مما دلت عليه النصوص: من أن الروح عين، تصعد وتهبط وتقبض وتبسط، هذا أكثر ما جاء في بيان حقيقة الروح، لكن الروح ليست كما يقول الفلاسفة: عرض، بل هي عين؛ لأن النبي ﷺ أخبر عنها بأخبار تدل على أنها تبصر وتقبض وتبسط ويعرج بها، ولها تعلق بالبدن. أما كيفية تعلقها بالبدن فإننا لا نقف على ذلك في شيء، وأيضاً كيفية الروح لا نقف في ذلك على شيء إلا ما ذكره الله جل وعلا في قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:٨٥] أي: من مأمور ربي جل وعلا، فهي من الأمور التي قدرها الله جل وعلا، ليس فيها ما يعرف أكثر مما جاءت به النصوص، ومن طلب أكثر مما جاءت به النصوص فإنه لا يقف في حقيقة ذلك على شيء.

стр. 186

الإيمان بعذاب القبر ثم قال ﵀: (وبعذاب القبر) أي: ونؤمن بعذاب القبر (لمن كان له أهلاً) أي: لمن كان له مستحقاً، والقبر المقصود به ما يكون بعد الموت وقبل البعث من نعيم وعذاب، هذا المقصود بعذاب القبر، وليس المقصود أن العذاب لا يكون إلا في القبر، بل يكون العذاب في القبر وفي غير القبر، فكل ميت يموت -قبر أو لم يقبر- فإنه إما في نعيم أو عذاب، لا يخلو أحد الموتى من هذا. فقوله: (وبعذاب القبر) يعني: العذاب الذي محله القبر، والقبر هو مدفن الموتى، وأضيف العذاب إلى القبر؛ لأنه محله في الغالب، ولكنه لا يقتصر عليه، قال: (لمن كان له أهل) أي: مستحقاً، ولم يبين المؤلف ﵀ من هم أهل عذاب القبر؟ وذلك أن عذاب القبر له أسباب توجبه ومن أسبابه: الشرك والكفر، وهذا لا إشكال فيه قال الله جل وعلا: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦] فذكر الله جل وعلا عذابهم في فترة قبل البعث وقبل يوم القيامة، وقال : ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ﴾ [السجدة:٢١] قيل: إن العذاب الأدنى هو عذاب القبر، وهو الذي يكون في البرزخ، وقال : ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ [نوح:٢٥] وهذا الإدخال بعد موتهم، ومعلوم أن الدخول الذي يكون مستقراً دائماً ومتوعد به أهل الكفر لا يكون إلا بعد البعث، وهذا دخول مباشر بعد الإغراق، فهذا الذي يكون في البرزخ. وعذاب القبر غالبه على الروح، وقد يلحق البدن شيء من ذلك، لكن الغالب فيما يكون من عذاب القبر ومن نعيمه إنما هو للأرواح.

стр. 187

شرح العقيدة الطحاوية [١٨] من أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة الإيمان بعذاب القبر وفتنته، وسؤال منكر ونكير، والبعث وما يتبعه من العرض والحساب وقراءة الكتاب والثواب والعقاب، وقد بين العلماء أدلة هذا كله من الكتاب والسنة.

стр. 188

تابع الإيمان بعذاب القبر بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: [وبعذاب القبر لمن كان له أهلاً، وسؤال منكر ونكير في قبره: عن ربه ودينه ونبيه على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ وعن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، والقبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران] . قال المؤلف ﵀: (وبعذاب القبر لمن كان له أهلاً) هذه معطوفة على قوله: (ونؤمن بملك الموت) ، وهذا المقطع من هذه الرسالة فيه ذكر ما يعتقده أهل السنة والجماعة فيما يتعلق باليوم الآخر، وتقدم لنا أن اليوم الآخر هو كل ما أخبر الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم مما يكون بعد الموت، ومن أول ما يكون بعد الموت ما أخبر به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من العذاب والنعيم الذي يكون للناس في قبورهم، فإن الناس في قبورهم معذبون أو منعمون، يقول ﵀: (وبعذاب القبر لمن كان له أهلاً) أي: نؤمن بعذاب القبر، (لمن كان له أهلاً) أي: لمن كان له مستحقاً، واكتفى بذكر عذاب القبر؛ لأنه محل إنكار من أنكر من المعتزلة وأشباههم الذين أنكروا عذاب القبر، وعذاب القبر ثابت ثبوتاً لا مرية فيه، وقد دلت الأدلة على عذاب القبر ونعيمه، أما الكتاب ففيه من الأدلة ما تقدم ذكر بعضها، ومن ذلك قول الله جل وعلا: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر:٤٥-٤٦] ، ثم قال: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ [غافر:٤٦] ، فالعرض قبل قيام الساعة: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦] ، وأما السنة فإن الأحاديث في عذاب القبر متواترة لا ينكرها إلا منكر، فأدلة ثبوت عذاب القبر في السنة مستفيضة قد بلغت حد التواتر، واشتهر ذلك عن الصحابة اشتهاراً لا يمكن إنكاره، ففي كلامهم ما يدل على إيمانهم بأن القبر محل للعذاب والنعيم مما لا يمكن دفعه؛ ولذلك قال المؤلف ﵀: (على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ ، وعن الصحابة ﵃ فقول المؤلف ﵀: (وعن الصحابة ﵃ ليس فيه أن ثبوت ذلك إنما كان عن طريق الصحابة؛ لأن الصحابة ﵃ كسائر الأمة يتلقون عن النبي ﷺ ، وليس قولهم حجة لكن إجماعهم حجة، وليس قول أحدهم حجة إلا من جعل النبي ﷺ قوله متبعاً، وجعل له سنة متبعة كـ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وهم الخلفاء الراشدون المهديون، فإن لهم من الخصوصية ما ليس لغيرهم، لكن قوله ﵀: (وعن الصحابة) أي: أن هذا الأمر تلقي عن الصحابة تلقياً مستفيضاً حتى صار مجمعاً عليه عندهم، فهو كما لو قال: على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ ، وأجمعت عليه الأمة، فإنه قد أجمع الصحابة ﵃ على نعيم القبر وعذابه، ومن ينكره إنما ينكره بعقله، وليس له دليل وليس له مستند يعتمد عليه في نفي العذاب والنعيم في القبر. واعلم أن العذاب والنعيم في القبر غالبه على الروح، وقد ينال البدن من ذلك شيء، ودليل أن البدن يناله من التعذيب والتنعيم شيء ما جاء في ضمة القبر، وهو أن القبر ينضم على صاحبه حتى تختلف أضلاعه، فدل ذلك على أن البدن يناله مما ذكر في القبر من نعيم وعذاب، وهذه الضمة كتبها الله على كل أحد، (لو سلم منها أحد لسلم منها سعد بن معاذ) ، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

стр. 189

عذاب القبر قسمان العذاب في القبر ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: عذاب دائم لا انقطاع له، وهذا عذاب أهل الكفر والشرك، وقد يكون لبعض أهل المعاصي ممن عظمت ذنوبهم واشتدت خطاياهم، أما دليل دوامه فقول الله جل وعلا: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر:٤٥-٤٦] ، إلى متى؟ ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ [غافر:٤٦] ، فدل ذلك على أن هذا العرض وهذا العذاب مستمر بهم، ويدل له أيضاً حديث ابن عباس في الصحيحين: أن النبي ﷺ مر بقبرين ثم قال: (إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستنزه -وفي رواية: لا يستتر- من البول) ، وهذا فيه عقوبة أهل المعاصي؛ لأنه إنما ذكر معصيتين، ولو كان عندهما كفر لاستقل بالذكر، ولما كانت هذه المعاصي موجبة لهذا العذاب الدائم، لكن الذي يظهر أنهما قبرا رجلين مسلمين، وعلى كل حال الشاهد في الحديث أن النبي ﷺ أخذ جريدة رطبة فوضعها في القبر، ثم لما سئل عن ذلك قال: (لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا) ، فدل ذلك على استمرار العذاب، وأن ما جرى ببركة وضع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هذه الجريدة الرطبة هو مجرد تخفيف لا رفع. القسم الثاني: عذاب منقطع، وهو الذي يكون لأهل السيئات والمعاصي، فيعذبون بقدر ما يكون معهم من السيئات. ثم هذا التعذيب الذي يكون في القبر -نسأل الله السلامة منه- يخفف به عن أهل الإيمان وأهل التوحيد، فلا يؤاخذون بسيئاتهم يوم القيامة، ويكون ما نالهم من عذاب القبر مكفراً لهم، حاطاً لسيئاتهم وخطاياهم، كما أن التنعيم والتعذيب في القبر متفاوت تفاوتاً عظيماً لا يدرك حده؛ وذلك بتفاوت أعمال الناس في الصلاح والفساد.

стр. 190

سؤال منكر ونكير في القبر ثم قال ﵀: [وسؤال منكر ونكير في قبره عن ربه ودينه ونبيه] ، نؤمن بسؤال منكر ونكير، وهذه هي الفتنة التي تكون لأهل القبور، وهي فتنة عظيمة ليست بالسهولة كسهولة قراءتها ومطالعتها وسماعها، إنما هي فتنة عظيمة؛ ولذلك كان من السؤال المتردد: (اللهم إني أعوذ بك من فتنة القبر) ، ففتنة القبر ما يكون من سؤال منكر ونكير، والدلالة على هذا السؤال جاء في السنة مستفيضاً متواتراً، فلا سبيل لإنكاره، ومن ينكر عذاب القبر ينكر السؤال، وسؤال منكر ونكير بين المؤلف ﵀ أنه يكون عن ربه ودينه ونبيه، فالسؤال والفتنة مدارها على هذه الأشياء الثلاثة: يسأل عن ربه وعن دينه وعن نبيه. وقد اختلف العلماء ﵏ في هذه الفتنة هل هي لكل الأمم أو لهذه الأمة؟ والظاهر أنها لكل الأمم، فكل أمة تسأل عن نبيها. واختلفوا في الأنبياء، هل تنالهم هذه الفتنة أم لا؟ والصحيح أنهم لا يسألون؛ لأنهم هم المسئول عنهم. واختلفوا فيمن لم يكلف كالصغار والمجانين، هل يسألون أو لا؟ على قولين لأهل العلم، والمراد أنه وقع الخلاف في بعض الناس، ولكن ثبوتها للمكلفين من غير الأنبياء والشهداء أمر متفق عليه. ومما اختلف فيه أهل العلم تسمية الملكين، فالمؤلف ﵀ ذكر اسمين لملكين كريمين (منكر ونكير) ، وقد اختلف العلماء في ثبوت هذه التسمية مع اتفاقهم على الفتنة، وأن الذي يتولاها ملكان، والأمر في هذا سهل، فمن العلماء من قال: إنه لم يثبت حديث يستند إليه في تسمية الملكين، فنؤمن بأنهما ملكان تجري على أيديهما الفتنة دون تعيين لاسميهما، والصحيح أن هذين الاسمين ثابتان كما في الترمذي وفي صحيح ابن حبان بسندٍ لا بأس به، فهذه التسمية ثابتة لهذين الملكين منكر ونكير، ولا غرابة في هذين الاسمين، فهذان الاسمان لا يتضمنان قدحاً في الملكين، وسميا منكراً ونكيراً باعتبار ما يفزع الإنسان في قبره، فلهما من المنظر، ولهما من المخبر في السؤال؛ ما ينكره الإنسان، ويزعج قلبه، ويفزعه؛ فلذلك سميا بهذين الاسمين، وليس قدحاً لهما، ولا يتضمن هذا الاسم ذماً لهذين الملكين الكريمين. وقوله ﵀: (وسؤال منكر ونكير في قبره) ، كقوله في عذاب القبر، ولا يختص هذا بعذاب القبر، ولكن لما كان غالب ما يجري من العذاب وسؤال منكر ونكير في القبور التي هي مدافن الموتى؛ أضيف العذاب والسؤال إليها، لكن من لم يدفن أو من احترق أو أكلته السباع أو غرق في البحار هل يجري له ما ذكر؟ الجواب نعم، يجري له ما ذكر من العذاب إن كان مستحقاً للعذاب، ومن النعيم إن كان مستحقاً للنعيم، ويجري له ما ذكر من سؤال منكر ونكير.

стр. 191

القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار ثم قال ﵀: (والقبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار) ، هذا فيه انقسام الناس في القبور إلى منعم ومعذب، القبر هو مدفن الموتى، والروضة تطلق في لغة العرب على ما كثر ماؤه، وحسنت خضرته واتسع مكانه، فالمكان الفسيح المتسع الذي يكثر ماؤه وخضرته يسمى في كلام العرب روضة، والقبر لا إشكال أنه منزل من منازل الآخرة، يكون فيه من التنعيم ما يصدق عليه أنه روضة من رياض الجنة؛ لأنه إذا مات الإنسان ودفن يرى مقعده من الجنة إن كان من أهل الجنة، ويرى مقعده من النار إن كان من أهل النار؛ فلذلك ما يكون في القبر من التنعيم هو شيء مما وعده أهل الإيمان؛ لأنه يعرض له مكانه من الجنة، وليس في هذا أن الجنة تكون في القبر، لا، لكنه يعرض له ما يكون في الجنة من النعيم، ثم إن الروح ليست ملازمة للبدن، بل هي في الجنة إن كانت من أرواح المؤمنين، وفي سجين إن كانت من أرواح أهل الجحيم، أعوذ بالله من الخسران! وقوله: (أو حفرة من حفر النار) النار فيها حفر؛ ولذلك قال الله جل وعلا: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٠٣] ، فالنار فيها حفر، وهذا يدل على أنها ليست مستوية، بل فيها من التنكيل والتنغيص وسوء المآل ما الله به عليم، فإن الطريق في الدنيا الذي فيه حفر يعافه الإنسان ويتجنبه لما فيه من المضار والمشاق، فكيف إذا كانت هذه الحفر تلتهب على أهلها؟ نعوذ بالله من الخسران! والإنسان إذا نظر إلى ما أخبر الله ورسوله مما يكون بعد الموت من النعيم والعذاب؛ حمله ذلك على الاستكثار من الطاعات، والتخفف من السيئات؛ لأنه لابد أن يرد هذا المورد، فهذا المورد كل سيرده، ولكن نسأل الله أن يكون وروداً مستقيماً، وصدوراً إلى جنة عدن.

стр. 192

الإيمان بالبعث وما بعده ثم قال ﵀: (ونؤمن بالبعث وجزاء الأعمال يوم القيامة والعرض والحساب وقراءة الكتاب والثواب والعقاب والصراط والميزان) . نؤمن أي: نعتقد مقرين منقادين قابلين ما جاءت به النصوص من الخبر بالبعث، والبعث هو الإحياء بعد الإماتة، وهذا البعث لا ينكره مؤمن، بل من أنكره فهو كافر، وقد أقام الله جل وعلا من الأدلة في كتابه وفي سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما يدل عليه دلالة واضحة، وكل من أنكر البعث فإنه كافر بالله رب العالمين، وهذه العقائد ليست لتمييز عقائد أهل الإسلام عن أهل الكفر، فلماذا ذكر المؤلف ﵀ البعث في جملة ما يعتقده أهل السنة والجماعة؟ ذكر ذلك ليرد على المنحرفين من الفلاسفة المنتسبين إلى الإسلام الذين يقولون: إن البعث ليس بعثاً للأجساد، إنما هو بعث للأرواح فقط، وأما بعث الأجساد فليس كائناً ولا واقعاً. إذاً: ذكر البعث في جملة اعتقاد أهل السنة والجماعة ليرد على من أنكر بعث الأجساد، وهم الفلاسفة الذين قالوا: إن ما أخبرت به الملائكة إنما هو تخييل، يعني وهم وخيال ليس له حقيقة، قالوا: والبعث لا يكون للأبدان إنما يكون للأرواح، وعلى هذا ابن سيناء ومن سار في طريقه من المتفلسفة المنتسبين للإسلام، فإنهم ينكرون ما أخبرت به الرسل من بعث الأرواح والأبدان، وأنه تعاد الأرواح إلى الأجساد، ويقوم الناس لرب العالمين حفاة عراة غرلاً، وهذا يدل على البعث للجسد والروح، وبهذا البعث يكتمل اقتران الأرواح بالأبدان؛ لأن اقتران الأرواح بالأبدان متفاوت؛ ففي الدنيا الحكم للبدن والروح تابع، وفي البرزخ الحكم للروح والبدن تابع، وفي الآخرة يكتمل اقتران الروح بالبدن، فما يكون من نعيم للبدن ينال الروح منه نفس النصيب، وكذلك العكس، لكمال الاقتران بين الأرواح والأبدان يوم القيامة. هذا البعث ما حكمته؟ ما غايته؟ ما المراد منه؟ هو ما ذكره ﵀ بقوله: (وجزاء الأعمال يوم القيامة) أي: ونؤمن بجزاء الأعمال يوم القيامة؛ لأن البعث ليس لمجرد البعث، بل هو ليلقى الإنسان مقابل عمله، فقول المؤلف ﵀: (جزاء الأعمال) ، جزاء في اللغة هو الغنى والكفاية، وهو ما يكون مقابل العمل، وقوله ﵀: [الأعمال] جمع عمل، والعمل يطلق على العمل الصالح والعمل السيئ، ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء:١٢٣] ، ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [طه:١١٢] ، فالعمل يطلق على العمل الصالح والعمل السيئ، والغالب في العمل أن يكون مقترناً بنية خلافاً للفعل، فالفعل قد لا يكون بنية؛ ولذلك لم يذكر الله جل وعلا في كتابه الإثابة على الأفعال إنما الإثابة للأعمال، والعمل يصدق على القول وعلى الفعل، وعلى العمل الضار والعمل النافع، وعلى عمل الجوارح، كل هذا يصدق عليه أنه عمل، وجزاء الأعمال أي: ثوابها، ومقابلها الإساءة بمثلها، وذلك يوم القيامة يوم يقوم الناس لرب العالمين، وسمي يوم القيامة بهذا الاسم؛ لأنه تقوم فيه الأبدان لرب العالمين، قال الله جل وعلا: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] ، وأيضاً سمي بيوم القيامة لأنه يقوم فيه الأشهاد، فالأشهاد يقومون ويشهدون، ولأنه تقام فيه الموازين، فيوزن فيها الأعمال والعمال كما سيأتي.

стр. 193

العرض يوم القيامة ثم قال: (والعرض) ، أي: ونؤمن بالعرض، والعرض هنا فسره بعض العلماء بالعرض على رب العالمين كما قال الله جل وعلا: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨] ، وقوله تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف:٤٨] ، فالناس يعرضون على الله جل وعلا، بل الخلق كلهم يعرضون ويحشرون إلى رب العالمين، فيقضي الله جل وعلا فيهم بما يشاء، وقيل: العرض هنا هو ما يكون لأهل الإيمان من عرض أعمالهم عليهم دون محاسبتهم عليها، فيعرض على المؤمن ما يكون من عمله، ولا يؤاخذ على السيئة، بل يقرر بما كان منه من عمل دون مؤاخذة، ومنه قول النبي ﷺ : (من نوقش الحساب عذب) ، فقالت عائشة ﵂ مستشكلة لقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق:٨] : كيف هذا وقد قلت: من نوقش الحساب عذب؟ فقال لها النبي ﷺ (إنما ذلك العرض) ، يعني: يعرض عليه عمله الصالح فيسر به، ويعرض عليه عمله السيء الذي لم يتب منه، أما ما تاب منه فإن التوبة تهدم ما كان قبلها، وهذا من فضل الله ورحمته أنه إذا وقع الإنسان في سيئة ثم تاب منها لم تعرض عليه، وكأنه لم يفعلها وتمحى من كتابه، ففضل الله واسع، لكن مالم يتب منه من الذنوب يعرض عليه، والعرض عرض خفي، ليس عرضاً معلناً، بل يدنيه الله جل وعلا -كما في صحيح مسلم- ويضع عليه كنفه أي: ستره، ويقرره بذنوبه ثم يقول: (سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم) ، وهذا فضل الله، نسأل الله من فضله! ويقابل هذا حال الكافر الذي يشاد بعمله، يشاد أي: يعلن وينادى بعمله السيئ على رءوس الخلائق، فالعرض يحتمل هذا، ويحتمل هذا.

стр. 194

الحساب ثم قال: [والحساب] ، يعني: ونؤمن بالحساب، والحساب مأخوذ من المحاسبة، والمحاسبة أصلها مأخوذ من العد والإحصاء، والمراد بالمحاسبة ما يكون من المناقشة وما يكون من العرض، فإن العرض يطلق عليه حساب كما قال الله جل وعلا: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق:٨] ، فإذا قلنا: نؤمن بالعرض أي: العرض الذي يكون لجميع الخلائق على رب العالمين، كما قال الله: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف:٤٨] ، وما أشبه ذلك من الآيات الدالة على عرض الخلق على الله فيكون الحساب هنا شاملاً لنوعين: الحساب الذي هو الموازنة بين الحسنات والسيئات، والحساب الذي هو العرض للسيئات دون المؤاخذة بها، والحساب الذي بمعنى الموازنة لا يكون إلا لأهل الإسلام، أما أهل الكفر فإنه لا توزن حسناتهم، بمعنى أنها لا توزن أعمالهم كموازنة الأعمال التي فيها حسن وسيئ؛ لأنه لا حسنات لهم قال الله جل وعلا: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣] ، وإنما الحساب المضاف إلى أهل الكفر حساب العرض لأعمالهم السيئة، وتوبيخهم عليها، وتقريعهم بها، هذا الذي يكون من الحساب للكفار، أما حساب الموازنة بين الحسنات والسيئات فلا يكون لأهل الكفر؛ لأنه لا حسنات لهم فتوزن بل قال الله جل وعلا: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣] ، والحساب بمعنى الموازنة بين الحسنات والسيئات يكون لأهل الإسلام، ونؤمن أيضاً بالعرض الذي يكون لأهل الإحسان، وكذا عرض التوبيخ والتقريع الذي يكون لأهل الكفر.

стр. 195

قراءة الكتاب ثم قال ﵀: [وقراءة الكتاب] أي: نؤمن بقراءة الكتاب، فكل إنسان يقرأ كتابه يوم القيامة، قال الله جل وعلا: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٣-١٤] ، وقد ذكر الله جل وعلا انقسام الناس في قراءة الكتاب: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩] ، ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٥] ، لما فيه من السوء والعذاب الذي يسوءه يوم القيامة، نسأل الله السلامة! فنؤمن بقراءة الكتاب بدلالة الكتاب والسنة على ذلك.

стр. 196

الثواب والعقاب قال: [والثواب والعقاب] ، وهذا يعقب ما تقدم، فالثواب والعقاب مرتب على العرض والحساب وقراءة الكتاب؛ ولذلك أهل اليمين -نسأل الله أن نكون منهم- إذا أخذوا كتبهم فرحوا بذلك فرحاً عظيماً حتى أن أحدهم يقول: هاؤم اقرءوا كتابيه، أي: خذوا أو هلموا اقرءوا كتابيه، وهذا -يا إخواني- له نظير في الدنيا، وهو ما يحصله الناس من الشهادات على دراساتهم وأعمالهم، فإذا كانت الشهادة حسنة، والتفوق فيها ظاهر؛ تجده يبرزها عند كل أحد، ويرغب أن يقرأ كتابه، وإذا كانت الأخرى أخفاها وسترها نسأل الله فوز الآخرة! قوله: (والثواب والعقاب) أي: يوم القيامة، ويكمل الثواب والعقاب بالاستقرار في الجنة أو النار.

стр. 197

الصراط ثم قال ﵀: (والصراط والميزان) أي: نؤمن بالصراط والميزان، والصراط ككتاب، فعال بمعنى مفعول، وهو ما ضربه الله جل وعلا من الجسر على جهنم، فالصراط هو الجسر المضروب على متن جهنم، يعني ظهرها، ومن هنا نعلم أن المرور على الصراط لا يلزم منه دخول النار، بل هو ورود كما قال الله جل وعلا: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٧١] ، لكن الورود لا يلزم منه الدخول، وهذا الصراط ورد في وصفه أنه أدق من الشعر، وأحد من السيف، وأحر من الجمر، وورد في وصفه أنه مدحضة مزلة، والأصل في الصراط أنه الطريق المستقيم، وعلى كل حال هو جسر على متن جهنم، لا تضر دقته وحدته أهل الإيمان كما أنه لا ينفع سعته -إذا قيل بسعته- أهل العصيان؛ لأن الناس سيرهم في ذلك الموقف وفي هذا الاجتياز على حسب الأعمال ليس على حسب سعة الطريق وضيقه، والناس متفاوتون في اجتيازهم هذا الصراط، فمنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم يمر كالريح، ومنهم من يمر كأجاويد الخيل، ومنهم من يمر كركاب الإبل، ومنهم من يعدو عدواً، ومنهم من يمشي مشياً، ومنهم من يزحف زحفاً، ومنهم من تخطفه الكلاليب، نسأل الله السلامة والعافية! وهذا التفاوت العظيم في السير هو لتفاوت الناس في سيرهم إلى الله جل وعلا في هذه الدنيا، فبقدر ما مع الإنسان من العلم النافع والعمل الصالح بقدر ما يحصل له من السرعة، فمطايا الناس يوم القيامة أعمالهم، (ومن بطأ به عمله، لم يسرع به نسبه) ، فمن أخره عمله لن ينفعه شيء، وإنما ذكر النسب لأن النسب يكون معه يوم القيامة، فإنه ينسب إلى أبيه حتى في القيامة، أما المال والمنصب والجاه فكله يزول، فذكر النسب في حديث: (من بطأ به عمله، لم يسرع به نسبه) ، لأن النسب باق مع الإنسان حتى وهو في النار نسأل الله السلامة والعافية! بمعنى أنه ينسب إلى أبيه، فهذا الذي بقي معه يوم القيامة، وهو أن نسبته إلى قبيلته أو إلى أهله أو إلى أبيه أو إلى عشيرته ما تنفعه يوم القيامة إذا لم يكن له عمل صالح يجوز به.

стр. 198

الميزان ثم قال: (والميزان) أي: ونؤمن بالميزان، والميزان اختلف العلماء ﵏ هل هو واحد أو متعدد؟ وقد اتفق أهل السنة والجماعة على أن الميزان ميزان حقيقي له كفتان يزن الله به الأعمال، ودلت الأدلة أنه توزن السجلات، وأنه يوزن العمال، فالوزن ورد أنه للعمل وهذا هو الأصل، وورد أنه للسجلات الحاوية للأعمال، وورد أنه للعاملين كما قال النبي ﷺ في ابن مسعود لما ضحك الصحابة من دقة ساقيه: (إنهما أثقل في الميزان من جبل أحد) ، وهذا الثقل ثقل الأعمال، وأما الكفار فقال الله جل وعلا عنهم: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف:١٠٥] ، فيأتي الرجل العظيم من أهل الكفر لا يزن عند الله شيئاً؛ لأن الوزن في حقيقته للعمل، وقد أنكر الميزان المعتزلة وأشباههم حيث قالوا: الميزان كناية عن العدل، فالمراد بالميزان عندهم في قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء:٤٧] ، العدل، وهم في هذا كاذبون محرفون للقرآن. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.

стр. 199

الأسئلة

стр. 200

القياس على الفضائل السؤال هل يقاس على ما ورد من الفضائل؟ الجواب الفضل الخاص ما يلزم منه التعليل والقياس، ومسألة الفضائل والأجور ليست مما يدخل في القياس، فإذا قلنا: إن الشهيد لا يفتن في القبر للأدلة على ذلك، لا يلزم منه أنه لا يفتن الصدِّيق، بل النص ورد في الشهيد، وهذا فضل خاص، والفضائل وأجور الأعمال ليست محل قياس لا في الدنيا ولا في الآخرة، والله تعالى أعلم.

стр. 201

شرح العقيدة الطحاوية [١٩] من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان، وأن الخير والشر مقدران على العباد، وأفعالهم خلق الله وكسب من العباد، ودلائل هذه المسائل ظاهر في الكتاب والسنة، وقد خالف فيها كثير من أهل البدع والأهواء.

стр. 202

الجنة والنار مخلوقتان بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: [والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان أبداً ولا تبيدان، وأن الله تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق، وخلق لهما أهلاً، فمن شاء منهم إلى الجنة فضلاً منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلاً منه] . قول المؤلف ﵀ في بيان عقد أهل السنة والجماعة: (والجنة والنار مخلوقتان) ، الجنة هي دار النعيم الكامل التي أعدها الله جل وعلا لعباده المتقين التي فيها (ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) ، والنار هي دار العذاب التي أعدها الله جل وعلا للكفار والمشركين، والعصاة من أهل التوحيد. الجنة والنار مخلوقتان أي: أنهما مخلوقتان الآن، وهذا ما عليه أهل السنة والجماعة، ولا خلاف بينهم في ذلك كما دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، كما أنه يدل على ذلك العقل، فإن في خلقهما وإعدادهما من الحكم ما تقتضيه العقول، وقد جرى على هذا أهل السنة والجماعة وأهل هذه الملة، حتى تكلم في ذلك أهل الاعتزال والقدرية الذين قالوا: إنه ليس من الحكمة خلق الجنة والنار؛ لأنه يجب على الله جل وعلا فعل الأصلح، وليس في خلقهما الآن -قبل الدخول وقبل مجيء الوقت الذي يصير فيه أهل كل دار إليها- حكمة بل هو عبث، تعالى الله عما يقولون، فأوجبوا عدم خلق الجنة والنار، ونفوا أنهما مخلوقتان، وخلق الجنة والنار أمر مستقر وظاهر لكل من قرأ الكتاب أو سمع قول النبي ﷺ ، فالله أعد الجنة للمتقين كما قال : ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣] ، وأعد النار للكافرين كما قال جل وعلا: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤] ، والإعداد يقتضي التهيئة والوجود، أما الأحاديث في السنة فهي مستفيضة ولا إشكال فيها، وإذا كان الأمر واضحاً ظاهراً لا يحتاج الإنسان إلى الإسهاب أو التطويل في ذكر الدليل لظهور ذلك، ومما يدل في السنة على وجودهما أن النبي ﷺ دخل الجنة، ورأى النار صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ورأى الجنة والنار وهو في صلاة الكسوف مع أصحابه ﵃، ولا يمكن أن يرى ما لا وجود له، وما قيل: إنه رأى خيالاً ومثالاً ليس بصحيح؛ لأن الأصل فيما أخبر عنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه حق على حقيقته لا مجاز فيه، المهم أن الجنة والنار مخلوقتان معدتان، ولا يلزم من كونهما مخلوقتين أنه قد تم خلقهما من كل وجه، فإن الله يحدث فيهما ما يشاء؛ ولذلك كان قول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله، غرس الجنة، فدل ذلك على أنها تهيأ وينشئ فيها الله جل وعلا ما يشاء، لكن من حيث الوجود هما موجودتان، ويكمل الله جل وعلا خلقهما على وجه الاستمرار إلى أن يقضي الله جل وعلا بدخول أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار، لكنهما موجودتان قبل أن يخلق الله جل وعلا الإنس والجن، ويدل لذلك حديث عائشة في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال لها: (إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلاً وهم في أصلاب آبائهم، وخلق النار وخلق لها أهلاً وهم في أصلاب آبائهم) ، فدل ذلك على تقدم خلق الجنة والنار، ثم إن قول المعتزلة: إنه لا فائدة من خلق الجنة والنار، كذب؛ لأنه وإن كان دخول الأبدان وتنعم الأرواح على وجه الكمال لا يكون إلا في الدار الآخرة، وكذلك النار، إلا أن الأرواح تدخل الجنة، فإن أرواح المؤمنين في الجنة تسرح وتتنعم، وكذلك أرواح الكافرين في سجين، فقولهم لا معنى له، وهو من التحكم، والله جل وعلا هو الحكيم الخبير ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٧] ، ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] .

стр. 203

الجنة والنار لا تفنيان ولا تبيدان يقول ﵀: (لا تفنيان ولا تبيدان) ، هذا أيضاً من عقد أهل السنة والجماعة، أن الجنة والنار لا تفنيان، بل هما باقيتان بقاءً أبدياً، ولا تبيدان أي: ولا تزولان، ولا تهلكان، ولا يجري عليهما زوال أو فناء، بل هما باقيتان بقاءً أبدياً سرمدياً، ولا خلاف في أن الجنة باقية، فإن هذا عقد أهل السنة والجماعة، ولا خلاف بينهم في ذلك، فإن الله جل وعلا ذكر تأبيد النعيم في آيات كثيرة، وأما النار فقد ذهب جماعة من السلف من الصحابة ومن بعدهم إلى أن النار تفنى، ولكن الذي عليه جمهور السلف والأئمة على تعاقب العصور أن النار باقية لا تفنى، وما ورد مما ظاهره عدم تأبيد النار تقضي عليه النصوص التي ذكر فيها التأبيد، فإن الذين قالوا: إنها لا تبقى، بل تبيد وتفنى، استدلوا بأدلة من ذلك قوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ:٢٣] ، أي: مدداً طويلة، واستدلوا بمثل قوله تعالى لأهل النار: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٧] ، في حين أنه قال في أهل الجنة: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٨] ، أي: غير مقطوع، فهذا دل على استمرار وبقاء، لكن هذا وأمثاله لا يجب الاستدلال به، بل هو مفسر بالآيات التي فيها الإخبار بتأبيد النار، وأنها باقية بقاءً لا زوال له، وقد ذكر الله جل وعلا تأبيد تعذيب النار في ثلاثة مواضع من كتابه، في سورة النساء حيث قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء:١٦٨-١٦٩] ، وذكر الله جل وعلا التأبيد أيضاً في سورة الأحزاب في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب:٦٤-٦٥] ، وذكر ذلك أيضاً في سورة الجن في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن:٢٣] ، فهذه ثلاث آيات في القرآن الحكيم تدل على أن النار مؤبدة، فهذا التوضيح والتبيين يقضي على ما يوهمه قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّك﴾ [هود:١٠٨] ، وعلى قوله: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ:٢٣] ؛ ولذلك كان جمهور أهل السنة والجماعة على أن النار لا تفنى ولا تبيد، بل أهلها فيها إلى أبد الآباد، وأما الجهمية فقالوا: إن الله يفني الجنة ويفني النار، وهؤلاء كذبوا بما دلت عليه النصوص، ولم يوفقوا إلى خير، وهناك أقوال أخرى لا داعي للإسهاب في ذكرها، وقد ذكرها أهل العلم ﵏ في شرحهم وبيانهم لأقوال المختلفين المخالفين لأهل السنة والجماعة في هذه المسألة، والذي استقر عليه الأمر بدلالة الكتاب والسنة أن الجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان أبداً، ولا تبيدان.

стр. 204

من أدخله الله الجنة فبفضله ومن أدخله النار فبعدله ثم قال ﵀: (أن الله خلق الجنة والنار قبل الخلق) المراد: قبل خلق الإنس والجن، وليس الجنة والنار هي أول ما خلق الله ، بل الذي دلت عليه النصوص أن الجنة والنار مخلوقتان قبل خلق الإنس والجن، يقول: (وخلق لهما أهلاً) أي: وخلق لهما أهلاً من الجن والإنس، وينشئ الله جل وعلا يوم القيامة خلقاً فيدخلهم الجنة أما النار فإنه لا يدخلها إلا من استحق ذلك، قال: (فمن شاء منهم) من شاء الله جل وعلا (منهم) أي: من الخلق (إلى الجنة فضلاً منه) ، وهذا من أحسن ما ذكر المؤلف ﵀ في هذه المسألة، حيث بين أن دخول الجنة ليس بعمل الإنسان، بل هو فضل الله جل وعلا، وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (واعلموا أنه لا يدخل أحداً منكم عمله الجنة) ، فالعمل لا يستقل بدخول الجنة، إنما فضل الله السابق واللاحق هو الذي يؤهل الإنسان لدخول الجنة (ومن شاء منهم) أي: من الخلق (إلى النار عدلاً منه) فالنار لا يدخلها إلا من استحقها ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام:٨٣] ، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً﴾ [يونس:٤٤] ، ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل:١١٨] ، ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦] ، والنصوص الدالة على نفي الظلم تدل على أنه لا يمكن أن يدخل النار أحد إلا ممن استحقها، ويرى أن الله جل وعلا لم يظلمه شيئاً، فهو إذا دخل النار يؤمن باستحقاقه لها، وأنه مستحق لأن يكون من أهل النار، ومستحق لهذا العقاب الذي هو فيه، وإنما يطلبون التخفيف والرحمة: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧] ، وأيضاً يستجيرون بالملائكة ويسألونهم أن يشفعوا لهم إلى الله فيقولون: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٩] ، ولا يقولون: لسنا مستحقين، وظلمنا ربنا بدخولنا، بل يقولون: ﴿غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾ [المؤمنون:١٠٦] ، فهم يشهدون على أنفسهم باستحقاق الدخول، فلا يدخل أحد النار أبداً إلا وهو أهل لها، نسأل الله السلامة منها! ولذلك لا يهلك على الله إلا هالك.

стр. 205

كل ميسر لما خلق له قال ﵀: (وكل يعمل لما قد فرغ له، وصائر إلى ما خلق له) ، الخلق يعملون لما فرغ لهم، فهم يعملون وفق ما قدر لهم كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما سئل: (ففيم العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له) ، فالله جل وعلا سبق علمه بأهل الجنة وبأهل النار على وجه الكمال، لا نقص ولا زيادة، والخلق كلهم ميسرون لما خلقوا له؛ ولذلك قال النبي ﷺ : (اعملوا فكل ميسر لما خلق له) ، وقد ذكر الله جل وعلا تيسير الناس إلى ما قدر لهم في قوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل:٤] ، أي: مختلف متنوع ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٥-١٠] ، وهذا فيه حث الناس على العمل، وعدم الاتكال والاعتماد على القدر والكتابة والعلم، فإنه لا علم لأحد ما الذي كتب له؟ وهل هو من أهل الجنة أو من أهل النار؟ فلا حجة لأحد في سابق العلم والتقدير، إنما الحجة لله على خلقه حيث أمرهم ونهاهم وسهل لهم ومكنهم من الاختيار والعمل، وهذا الكلام صلة ما تقدم فيما يتعلق بالجنة والنار، ومدخل لما سيبحثه في المباحث التالية من الكلام على بعض مسائل القدر.

стр. 206

الخير والشر مقدران على العباد يقول ﵀: [والخير والشر مقدران على العباد، والاستطاعة التي يجب بها الفعل من نحو التوفيق الذي لا يوصف المخلوق به تكون مع الفعل، وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع والتمكين وسلامة الآلات فهي قبل الفعل وبها يتعلق الخطاب] . قال الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ، يقول ﵀: (والخير والشر مقدران على العباد) ، لاشك في هذا، وقد مرت الآيات الدالة على ذلك كقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] ، فكل شيء في الكون مخلوق لله جل وعلا من خير أو شر، لا يخرج عن تقدير الله جل وعلا شيء من شئون الخلق، بل الجميع تحت قهره وقدرته وخلقه ، وهذا الذي ذكره من تمام الإيمان بالقضاء والقدر؛ لأن النبي ﷺ لما سئل عن الإيمان قال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره) ، والقدر لاشك أن فيه خيراً وفيه شراً، لكن اعلم أن الشر الذي في القدر ليس هو فعل الرب جل وعلا، بل فعل الله جل وعلا خير لا شر فيه، إنما هو في المقدور المقضي المخلوق، ثم إن الشر في المقدور المقضي المخلوق شر نسبي ليس شراً محضاً.

стр. 207

الاستطاعة في التكليف يقول ﵀ مبيناً فرعاً من فروع ومسائل القدر، وهو الاستطاعة: [والاستطاعة التي يجب بها الفعل من نحو التوفيق الذي لا يجوز أن يوصف المخلوق به؛ فهي مع الفعل -أي: فعل الله- وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع والتمكين وسلامة الآلات؛ فهي قبل الفعل، وبها يتعلق الخطاب] ، يشير المؤلف ﵀ إلى اختلاف الناس في الاستطاعة، والاختلاف هنا بين فريقين، بين المعتزلة القدرية وبين الجبرية الجهمية في تعريف الاستطاعة، وهذا له صلة بمسألة هل يكلف الله جل وعلا الخلق بما لا يطيقون أو لا؟ ننظر إلى الاستطاعة ماهي؟ يقول ﵀: (الاستطاعة التي يجب بها الفعل من نحو التوفيق الذي لا يجوز أن يوصف المخلوق به فهي مع الفعل وأما الاستطاعة) ثم ذكر نوع الفعل من الاستطاعة، فالاستطاعة نوعان: استطاعة سابقة للفعل، واستطاعة مقارنة للفعل، الاستطاعة السابقة للفعل هي التي أناط الله جل وعلا بها التكليف، وتعريفها: هي ما يحصل به القدرة على الفعل دون ضرر راجح، هذا تعريف الاستطاعة: ما يحصل به القدرة على الفعل دون ضرر راجح كالقيام في الصلاة، والصيام الواجب، والاستطاعة هنا أن يقدر الإنسان على فعل هذا دون أن يلحقه ضرر راجح، فإن لحقه ضرر راجح فهو غير مستطيع، هذه الاستطاعة هل هي سابقة للفعل أو ليست سابقة له؟ سابقة للفعل بلا إشكال؛ ولذلك هذا النوع من الاستطاعة لولاه لما حصل التكليف، فهو مناط التكليف، وهو الذي أشار إليه المؤلف ﵀ في قوله: (وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع والتمكن وسلامة الآلات فهي قبل الفعل وبها يتعلق الخطاب) ، يعني: بها يتعلق الأمر والنهي، والخطاب خطاب الشارع في الأمر والنهي، فهذا النوع به يتعلق أمر الله ونهيه، وهو المذكور في قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧] ، ومنه قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب) ، فهذا النوع من الاستطاعة سابق للفعل، وبه يصح الأمر والنهي، وهو الذي يقر به القدرية، وينكره الجبريون، لماذا؟ لأنهم يقولون: لا قدرة للعبد على فعل شيء إلا ما أقدره الله عليه، فهم ينفون الاستطاعة؛ ولذلك فالجبرية وقعوا في الخلل في باب الأمر والنهي، فعطلوا الأمر والنهي، فعندهم لا قدرة للعبد ولا استطاعة، إنما الفعل كله لله، والعبد حركاته إنما هي كحركات المرتعش وكحركات الشجر وكنبض العروق لا اختيار له فيها ولا أثر، فهم أنكروا الاستطاعة السابقة للفعل. والذي أقر به القدرية الذين يقولون: إن العبد يخلق فعل نفسه، هو النوع الثاني من الاستطاعة، وهي الاستطاعة المقارنة للفعل، وهي بمعنى القدرة عليه، وهذا النوع يثبته الجبرية وتنفيه القدرية، فعندهم أن العبد لا يقدر، وعندهم أن هذه القدرة لا تدخل في تقدير الله جل وعلا، ولم يعلق الله بها شيء، أما الجبرية فإنهم يثبتون هذا النوع من الاستطاعة، والذي عليه جمهور السلف والخلف ممن تبع الكتاب والسنة إثبات النوعين من القدرة، إثبات القدرة السابقة للفعل، وهي المصححة للأمر والنهي، وهي التي يتعلق بها الخطاب أمراً ونهياً؛ والاستطاعة المقارنة للفعل، وبهذا تجتمع النصوص، ويبطل قول القدرية نفاة خلق الله لأفعال العباد، وقول الجبرية الذين قالوا: لا فعل للعبد ولا قدرة ولا مشيئة، وإنما هو كالشعرة والريشة في مهب الريح، لا اختيار له ولا قدرة، قال الله تعالى: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود:٢٠] ، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً﴾ [الكهف:١٠١] . فهذه الآية والتي قبلها نفى الله جل وعلا الاستطاعة، فما هي الاستطاعة المنفية؟ هل الاستطاعة المنفية هي التي بمعنى القدرة على الفعل السابقة لوجوده؟ الجواب لا، وعلى قول من فسر القدرة بالسابقة، والقدرة المقارنة فتكون الاستطاعة المنفية هنا هي القدرة المقارنة للفعل ﴿وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً﴾ [الكهف:١٠١] ، والآية الأخرى ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود:٢٠] ، فالاستطاعة المنفية هي القدرة، يعني: ما كانوا يقدرون سمعاً وقت الاستماع، وما كانوا يستطيعون سمعاً وقت الاستماع، فنفى القدرة المقارنة لا القدرة التي يحصل بها التثبيت، هذا على قول من فصل في القدرة، وقول جمهور السلف وهو التفسير المشهور عند الأئمة: إن النفي في الآيتين ليس هو نفي القدرة التي يحصل بها التثبيت، ولا القدرة المقارنة، إنما فيه إثبات مشقة ذلك عليهم؛ لفساد قصودهم وإراداتهم وانحراف قلوبهم، فأصبحوا لما في نفوسهم من الفساد ولما في إراداتهم من الانحراف؛ لا يستطيعون سماع الحق، ولا إبصاره، ولا الأخذ به، وأما على قول من يقول بالقدرة المقارنة فإنه يفسرها بقوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود:٢٠] . ثم اعلم -بارك الله فيك- أن الأدلة دلت على هذين النوعين من الاستطاعة، وأن الاستطاعة التي تسبق الفعل هي التي يقترن بها التثبيت. يقول المؤلف: (والاستطاعة التي يتعلق بها الفعل من نحو التوفيق الذي لا يجوز أن يوصف المخلوق به) يعني: أنها ليست منه، إنما هي من الله ، فهو الذي وفقه إليه (فهي مع الفعل) يعني: مقارنة له، وهي المنفية في قوله: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود:٢٠] ، (وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع) ، يعني: القدرة، (والتمكن وسلامة الآلات فهي قبل الفعل، وبها يتعلق الخطاب) ، وأهل السنة والجماعة يثبتون هذا وهذا، ثم قال: [وهو كما قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]] أي: إلا ما تسعه وتقدره وتطيقه، فالتكليف المنفي هنا هو التكليف السابق للفعل وليس المقارن له.

стр. 208

أفعال العباد مخلوقة قال ﵀: [وأفعال العباد خلق الله، وكسب من العباد، ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون، ولا يطيقون إلا ما كلفهم] قال: (وأفعال العباد خلق الله) تقدمت أدلة هذا، وأن أفعال العباد خلق له جل وعلا لا يخرج عن خلقه شيء، ومع كونها خلقه فهي كسب العباد، أي: مضافة إليهم، وقد أضاف الله جل وعلا الأفعال إلى فاعليها، قال سبحانه: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف:١٤] ، وما إلى ذلك من الآيات الكثيرة في القرآن التي يضيف الله جل وعلا فيها الفعل للعبد، فالفعل خلق الله جل وعلا، وهو كسب للعبد، له عليه قدرة، وله مشيئة، فالعباد فاعلون لأفعالهم حقيقة، وهم وأفعالهم خلق الله جل وعلا، فالعبد ذاته، وفعله، وصفته؛ خلق لله جل وعلا، وأفعال العبد كسبه، فهو الذي فعلها، أي: هو الذي فعلها وباشرها بمشيئته، وإرادته تضاف إليه، وتنسب إليه حقيقة، فالعباد فاعلون لأفعالهم، وتضاف إليهم حقيقة لا على وجه المجاز كما يقوله من يقوله، وهي خلق الله جل وعلا، لا تخرج عن خلقه كما قال الله جل وعلا: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٨-٢٩] ، فأثبت في هذه الآية للعبد مشيئة وفعلاً فقال: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير:٢٨] ، فأثبت مشيئة للعبد، وفعلاً للعبد، ثم أخبر أن مشيئة العبد لا تخرج عن إرادة الله ، بل مشيئته محيطة بفعل العبد، لا خروج للعبد عن مشيئته كما قال ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان:٣٠] . وقوله ﵀: (وكسب من العباد) رد على الأشاعرة وعلى الجبرية، الأشاعرة يقولون قولاً عجيباً في هذا الأمر! يقولون: الأفعال خلق للرب، كسب للعبد، وما معنى الكسب؟ قالوا: معنى الكسب أنها تضاف إليه مجازاً، وإلا فإن العبد لا قدرة له على فعله، فهم أثبتوا أنها كسب للعبد، ونفوا قدرة العبد على فعل نفسه، فأتوا بقول من أعجب الأقوال؛ ولذلك عد هذا القول من محالات الأقوال التي تحيلها العقول وهي ثلاثة: كسب الأشعري، وطفرة النظار، وأحوال أبي هاشم. ثم قال ﵀: (ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون) ، أي: لم يكلف الله جل وعلا الخلق إلا ما يطيقون ويستطيعون، كما قال الله جل وعلا: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ، وكما قال: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [الأنعام:١٥٢] ، فأخبر الله جل وعلا بأنه لا يكلف الناس ما لا يطيقون، كما قال : ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة:٢٨٦] ، قال الله جل وعلا: (قد فعلت) ، كما في صحيح مسلم، فإن الله فعل ما دعا به المؤمنون: ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة:٢٨٦] ، فدل ذلك أن الله جل وعلا لم يكلف عباده إلا ما يستطيعونه، ويطيقون حمله. ثم قال: (ولا يطيقون إلا ما كلفهم) هذه الجملة فيها إشكال؛ لأن مفهومها أنهم لا يطيقون إلا ما جرى به التكليف، فالتكليف مساوي وموازي وقد بلغ المنتهى في الطاقة، وهذا ليس بصحيح، بل التكليف دون الطاقة، ويدل لذلك قول الله تعالى:: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ، انظر في قوله تعالى: ﴿إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ، فهو يفيد معنى السعة، وأنه ليس في التكليف ما يحصل به على الإنسان ضيق أو حرج، بل التكليف فيه سعة وانشراح، ولا يلحق المكلف به ضيق أو حرج؛ ولذلك نفى الله تعالى الحرج على المكلف في الدين فقال : ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨] ، فنفى الله جل وعلا الحرج، بل أنفذ التخفيف كما في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء:٢٨] ، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥] ، ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨] ، والأدلة في هذا كثيرة، بل من أصول الدين نفي الحرج، ولا يمكن مع هذا أن نقول: ولا يطيقون إلا ما كلفهم، بمعنى: لو زاد قليلاً لخرج عن الطاقة، ثم إنه في الواقع أن الإنسان قد يكلف ما يطيقه، لكن يلحقه به مشقة، وهذا ليس في الشريعة منه شيء، فمثلاً لو قيل لك: احمل هذا الدولاب، وأنت تطيق أن تحمله، لكن فيه عليك مشقة وحرج، فهذا لا يخرج عن الطاقة، وتكاليف الشريعة في الجملة ليست من هذا، إنما تكاليف الشريعة في الجملة هي مما يطيقه الإنسان، ولا يلحقه بفعله حرج أو ضيق، وانتبه لقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ، والوسع يقتضي السعة والراحة والانشراح، فهذه الجملة لعل المؤلف ﵀ أراد تأكيد معنى: ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون، لكنه لم يحرر العبارة، فالعبارة فيها إشكال، على أن بعضهم فسر قوله: (ولا يطيقون إلا ما كلفهم) فسر الطاقة هنا بالقدرة المقارنة للفعل، لكن هذا فيه تكلف، وقد علق شيخنا الشيخ/ عبد العزيز ﵀ على هذه العبارة بأن فيها نظراً، والنظر ما بيناه آنفاً.

стр. 209

تفسير: لا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال ﵀: [وهو تفسير لا حول ولا قوة إلا بالله، نقول: لا حيلة لأحد، ولا حركة لأحد، ولا تحول لأحد عن معصية الله إلا بمعونة الله؛ ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله، والثبات عليها إلا بتوفيق الله تعالى] . قال ﵀: (وهو تفسير لا حول ولا قوة إلا بالله) ، المشار إليه ما تقدم من تقرير مسائل القدر، ولا شك أن قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، من أعظم الأدلة على إثبات القدر، ومن أعظم الأدلة في الرد على القدرية الذين يقولون: إن العبد يخلق فعل نفسه؛ لأن معنى قوله: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ ما قاله المؤلف: لا حيلة لأحد، فالحول اسم للتحول، وهو الانتقال من حال إلى حال، وهذا يشمل كل الأحوال الظاهرة الباطنة، العامة الخاصة، لا تحول لأحد من حال إلى حال، ولا قوة له على ذلك التحول إلا بالله العلي العظيم، فكل حركة وسكون، وكل انتقال وتغير، وكل تحول فإنه بمشيئة الله وقدرته، لا قدرة للعبد على ذلك مهما أوتي من القدرة والمكنة والاستطاعة إلا بتقدير الله جل وعلا. يقول: [نقول: لا حيلة لأحد، ولا حركة لأحد، ولا تحول لأحد عن معصية الله إلا بمعونة الله؛ ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله] ، وهذا فيه كمال التفويض لله جل وعلا، وهذه الجملة من الجمل التي لا تخصيص لها، والعموم فيها على إطلاقه ولا مخصص له، وقد قال النبي ﷺ في فضلها: (إنها كنز من كنوز الجنة) ، وذلك لما تتضمنه من تمام الإخلاص والتفويض والإيمان بالله جل وعلا، ولما فيها من الخير العظيم لمن اعتقد معناها، وقر في قلبه مقتضاها ومفادها، ومما يعين الإنسان على الانتقال من حال إلى حال استحضار هذا؛ ولذلك لها تأثير عجيب في تحمل المشاق، وفي ركوب الأهوال، وفي تحصيل المطالب، ومن لزمها وفق إلى خير كثير، ويكفي في فضلها أن النبي ﷺ سماها كنزاً فقال لـ أبي موسى: (ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟) والكنز اسم لنفيس المال الذي يخفى على الناس نفعه، وهذا هو المطابق لهذه الكلمة، فإن الكنز لا يطلق على المال الظاهر الذي يراه كل أحد، إنما ما خفي من المال وكان نفيساً، فملازمة هذه الكلمة من أنفع ما يكون للعبد، والمقصود من سياق المؤلف ﵀ لهذه الكلمة في هذا الموضع هو بيان ما يدل على قوله ﵀: (وأفعال العباد خلق الله، وكسب من العباد) فهي مقررة لإثبات القدر.

стр. 210

قضاء الله وقدره ليس فيه ظلم قال ﵀: [وكل شيء يجري بمشيئة الله تعالى وعلمه وقضائه وقدره، غلبت مشيئته المشيئات كلها، وغلب قضاؤه الحيل كلها، يفعل ما يشاء وهو غير ظالم أبداً، تقدس عن كل سوء وحين، وتنزه عن كل عيب وشين، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون] . هذا فيه تقرير ما تقدم من الإيمان بالقدر، قال رحمه الله تعالى: (وكل شيء في الكون يجري بمشيئة الله تعالى وقضائه وقدره) ، ولا يؤمن أحد بالقدر حتى يؤمن أن كل شيء بعلم الله وكتابته وخلقه ومشيئته، فلا شيء خارج عن هذا، (غلبت مشيئته المشيئات كلها) ، قال جل وعلا: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩] ، فمشيئة الله محيطة بمشيئة الخلق، (وغلب قضاؤه الحيل كلها) ، فإذا لم يقض الله جل وعلا الأمر فمهما احتال عليه المرء فإنه لا يحصله، لا حول ولا قوة إلا بالله، يفعل ما يشاء ، تقدست أسماؤه، وهو غير ظالم أبداً ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس:٤٤] ، (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً) ، [تقدس] أي: تنزه وتطهر وتعالى جل وعلا عن كل سوء، أي: عن كل عيب وعن كل شر وحين، وهو بمعنى السوء والشر والعيب والظلم، فلا شيء مثله تقدست أسماؤه سبحانه وبحمده ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] ، بل من سأل الله: لم فعلت كذا؟ فقد اعترض على الرب جل وعلا ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] ، وإذا اجتمع في قلب العبد هذه المعاني سلم من كل ما يمكن أن يعرض له في باب القدر. وأحسن المؤلف ﵀ حيث ختم ما يتعلق بمسائل القدر في هذا المقطع بنفي الظن عن الرب جل وعلا، ونفي لحوق العيب والسوء والشين والحين له ، ثم قال: (لا يسأل) ، حتى يقطع اعتراض المعترضين ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] ، وقد جاء رجل إلى أبي بن كعب ﵁ فقال: (في نفسي شيء من القدر فحدثني حديثاً يذهب به الله عني ذلك) ، فقال ﵁ مقولة عظيمة تبين عظيم فقه الصحابة ﵃ قال له: (إن الله لو عذب أهل سماواته وأرضه عذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم، واعلم أنه لو كان لك مثل أحد ذهباً فأنفقته في سبيل الله؛ لم ينفعك حتى تؤمن بالقدر، وأن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك) ، قال الديلمي -وهو الذي سأل أبي بن كعب -: فسألت عبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وزيد بن ثابت عن ذلك، وكلهم أجابني بمثل ما أجابني أبي، وهذا الأثر حسن كما قال شيخ الإسلام ﵀، وهو يدل على عظيم فقه الصحابة، وأنه لا سلامة للعبد مما يعلق في قلبه من وساوس الشيطان مما يتعلق بالقدر إلا باعتقاد كمال الله جل وعلا، وأنه لا يظلم الناس شيئاً، ومع هذا يؤمن بالقدر، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأنه جل وعلا ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] ، ويكفي في هذا ما قاله ﵀ في أول كلامه في القدر: (القدر سر الله في خلقه، لم يطلع عليه ملك مقرب، ولا نبي مرسل. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 211

شرح العقيدة الطحاوية [٢٠] من عقيدة أهل السنة سلامة صدورهم لأصحاب النبي ﵊، ومعرفة فضلهم وقدرهم، وأنه لم يكن ولن يكون مثلهم، مع تفاوتهم في المرتبة، وتفضيلهم للخلفاء الأربعة.

стр. 212

انتفاع الميت بعمل الحي، والخلاف في بعض الأعمال بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: [وفي دعاء الأحياء وصدقاتهم منفعة للأموات، والله تعالى يستجيب الدعوات، ويقضي الحاجات، ويملك كل شيء ولا يملكه شيء، ولا غنى عن الله تعالى طرفة عين، ومن استغنى عن الله تعالى طرفة عين فقد كفر، وصار من أهل الحين، والله يغضب ويرضى لا كأحد من الورى] . قوله ﵀: [وفي دعاء الأحياء وصدقاتهم منفعة للأموات] . هذه المسألة صلتها بكتب الفروع ألصق منها بكتب الاعتقاد، لكن ذكرها المؤلف ﵀ رداً على من قال بأنه لا ينتفع الأموات من عمل الأحياء بشيء، وهذا تكذيب لما أجمعت عليه الأمة من وصول نفع بعض الأعمال إلى الأموات؛ فإن الأمة أجمعت على أن الدعاء ينتفع به المدعو له حياً أو ميتاً وهو ليس من سعيه ولا من عمله إنما من عمل غيره، وقد وقع الخلاف في بعض الأعمال هل ينتفع بها الأموات أو لا، كالصدقات وأشباهها. فذكر المؤلف لهذه المسألة في كتب الاعتقاد لبيان ما يعتقده أهل السنة والجماعة من انتفاع الأموات بدعاء الأحياء وصدقاتهم، رداً على من نفى ذلك مطلقاً من القدرية وغيرهم، حيث قالوا: لا ينتفع الإنسان بعمل غيره مطلقاً. وهذا تكذيب لما دلت عليه النصوص من ثبوت أصل الانتفاع، أما تفاصيل الانتفاع فإن في ذلك خلافاً بين أهل العلم، فمنهم من يرى أن الميت لا ينتفع بغير الدعاء، وأما العمل فإنه لا ينتفع منه الميت بل هو لصاحبه؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩] ، وما أشبه ذلك من الآيات التي فيها نفي ملك الإنسان لعمل غيره، ولكن الصحيح في هذه المسألة الفروعية أن الإنسان ينتفع بعمل غيره دعاءً وصلاة وزكاة وحجاً، وغير ذلك من أعمال البر، وليس في الآية ما يدل على امتناع النفع، وقد جاء ما يدل على انتفاع الإنسان بصدقة غيره وبحجه وبصومه، وكذلك بقية العبادات لعدم المانع؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في هذه المسائل كلها سئل فأجاب بالانتفاع والجواز، فدل على أن كل أعمال البر كذلك، فإنه ينتفع بها الميت وتصل إليه، وأما آية: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩] فإنها لا تدل على عدم انتفاع الإنسان بعمل غيره، إنما تدل على أن الإنسان لا يملك إلا سعي نفسه، ثم إذا ملك سعي نفسه فإن له أن يتصرف فيه بما شاء كهبته لغيره، فالآية ليس فيها قطع انتفاع الإنسان بعمل غيره، بل فيها أنه لا يملك إلا سعي نفسه ملكاً وانتفاعاً، فإذا وهب ملكه ونفعه لغيره فذلك له، ولا يمنع من ذلك، ودلت الأدلة على جواز هذا. وقوله: [وفي دعاء الأحياء وصدقاتهم منفعة للأموات] خص الأموات بالانتفاع مع أن الانتفاع في الدعاء يكون كذلك للأحياء؛ لأن الغالب في ذلك أن يكون للأموات، ولأن الصدقات تكون في الغالب للأموات، والسؤال الذي وجه للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ورد عن الصدقة للميت، وكذلك الحج، وكذلك الصوم، فالنصوص وردت في الأموات، ولا يمنع أن ينتفع الأحياء من ذلك، لكن ذكر ذلك لأنه محل الخلاف، ثم إن الخلاف في الأحياء أشد بين أهل العلم، فمن العلماء من يرى أن الحي لا ينتفع بعمل غيره مطلقاً، وإن كان يجيز أن ينتفع الميت بذلك، والصحيح أن كل عمل صالح يفعله الإنسان ويهديه إلى حي أو ميت فإنه يصل إليه، وليس في النصوص ما يدل على المنع، وأما قول النبي ﷺ : (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث) فهذا ليس فيه دليل على ما ذهب إليه بعض العلماء من أن العمل لا يصل إلى الميت، وهو مذهب بعض العلماء من المتقدمين وغيرهم، ومن أهل السنة وغيرهم؛ لأن الحديث فيه انقطاع عمل الإنسان نفسه، وليس فيه قطع انتفاعه بعمل غيره، بل في الحديث ما يشير إلى انتفاعه بعمل غيره في قوله: (أو ولد صالح يدعو له) ، فدل ذلك على أنه ينتفع بعمل غيره، لكن هل يوجه الناس إلى إهداء الأعمال وإهداء ثوابها إلى الأموات؟ الجواب لا، فالأصل في العمل أن يكون للإنسان ماعدا الدعاء؛ فإن الدعاء ينتفع منه الطرفان، فينتفع منه الداعي وينتفع منه المدعو له؛ ولذلك وجه النبي ﷺ إلى الدعاء في قوله: (أو ولد صالح يدعو له) ، أما العمل من الحج أو العمرة أو الصدقة فالأولى بها الإنسان نفسه، ولا يعني هذا أنه لا يجوز الوهب، بل يجوز لكن الجواز غير الأفضل الذي يوجه إليه الناس، فالذي يوجه إليه الناس أن يعملوا لأنفسهم، وأن يدعوا لغيرهم، كما قال النبي ﷺ : (أو ولد صالح يدعو له) .

стр. 213

إجابة الله تعالى لكل داع وسائل ثم قال ﵀: [والله يستجيب الدعوات ويقضي الحاجات] . الله جل وعلا هو الذي يجيب المضطر إذا دعاه، وما من داع يدعو الله جل وعلا إلا وهو موعود بالخير، قال جل وعلا: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] ، فأمر الله جل وعلا بالدعاء، ووعد بالإجابة، وهذا وجه قول المؤلف ﵀: [والله يستجيب الدعوات] ، لكن تنبه إلى أنه لا يلزم من الاستجابة حصول ما دعوت به، فالله جل وعلا عليم خبير، والله يعلم ما يصلح العبد، فقد يدعو العبد بما يرى صلاحه فيه، ويكون صلاحه في عدم حصول المطلوب، فيكون من الخير والبر والفضل والإحسان من رب العالمين إلى هذا العبد ألا يحقق له المطلوب، حتى وإن كان يظن أنه خير، ويعتقد أنه صلاح له، فالله عليم خبير لا يقدم لعبده إلا ما يصلحه. ولذلك فما من داع يدعو إلا ويجد الثواب والأجر من رب العالمين هذا أولاً، أما تحصيل مطلوبه وتحقيق دعائه وطلبه فإن هذا ليس بلازم؛ فإن الله قد يجيبه إلى ما دعا ويعطيه ما سأل، وقد يمنعه ذلك، لكن إن منعه ذلك فإنه لا يخلو من أمرين: إما أن يدفع عنه من السوء نظير ما دعا، وإما أن يدخرها له في الآخرة، ولاشك إنه إن ادخرها له في الآخرة فهو أعظم إحساناً؛ لأن الإنسان في الآخرة أحوج ما يكون إلى الخير، وأحوج ما يكون إلى ما ينفعه؛ ولذلك ينبغي للمؤمن أن يحسن الظن بربه، وألا يظن بربه إلا الخير أجيب أم لم يجب، أعطي أم لم يعط؛ فإن الله إذا عامله العبد بهذا كان الله جل وعلا إليه سريعاً في الخيرات، قريباً في تحقيق المطالب، فمن تمام التسليم لرب العالمين أن يسلم العبد لله ، وأن يفوض إليه جل وعلا الاختيار في تحقيق الطلب أو عدم تحقيقه، ولا يمنع هذا من أن يلح العبد في دعائه وسؤاله وضراعته وتكرار المسألة؛ فإن الله أكثر من العبد، فقد قال النبي ﷺ : (ما من داع يدعو الله إلا كان له إحدى ثلاث خصال: فإما أن يعطيه ما سأله، وإما أن يدفع عنه من الشر نظير ما سأل، وإما أن يدخرها له في الآخرة، قال الصحابة: إذن نكثر يا رسول الله! قال النبي ﷺ : الله أكثر) ، أي: أكثر من العبد، فشأن الله تعالى يختلف، وشأن الله أعظم، فهو يتعرض لعباده بالمسألة، فهو جل وعلا الغني الكريم، وهو المتفضل المحسن على عباده، ولا حاجة به إلى أحد، وهو القيوم الصمد الذي تنزل به الحوائج ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ﴾ [محمد:٣٨] ، ومع ذلك ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة يقول: (هل من داع فأجيبه؟ هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟) ، وانظر إلى هذا التدرج، حيث يبدأ بالدعاء الذي يشمل كل سائل، سواء أكان يدعوه بسؤال، أم بغير سؤال، ثم ما هو أخف (هل من سائل فأعطيه) ، ثم ما هو أخف في المسألة: (هل من مستغفر فأغفر له) ، وهذا كله لبيان سعة الفضل، وعظيم المن، وعظيم العناية من رب العالمين بعباده، فالله يجيب الدعوات ويقضي الحاجات، لكن ذلك وفق ما تقتضيه رحمته وحكمته، فقد يكون من الحكمة والرحمة أن يمنع الله جل وعلا العبد ما سأل، لا بخلاً منه؛ فالله جل وعلا يده سحاء بالخير، ينفق في الليل والنهار، لا تغيض النفقة ما في يده، فإذا منعك فإنه لا يمنعك بخلاً فهو الغني الحميد، إنما يمنعك إصلاحاً وتربيةً، فإذا عامل العبد ربه بهذا فإنه سينشرح صدره لما يقع من إجابة أو عدمها، ثم يعلم أن ربه المقدم المؤخر الذي لا يقدم له إلا الخير، ولا يمنع عنه إلا الشر. قال ﵀: [ويملك كل شيء ولا يملكه شيء] . وهذا كالجواب على من دعا فلم يعط، وقطع شبهة البخل التي اتهم بها اليهود رب العالمين، وهو جل وعلا الغني الحميد، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥] ، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ [محمد:٣٨] ، وقال الله جل وعلا: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة:٦٤] ، ثم قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤] ، فالمنع ليس لأنه لا يملك ما تسأل، إنما المنع لحكمة ورحمة، وليس فقط لحكمة إنما أيضاً لرحمة بالعبد؛ فإن الله يرحم العبد بمنعه، كما أنك ترحم الصغير -ولله المثل الأعلى- بمنعه من الرضاع، وهو يبكي ويصيح يريد الرضاع، لكن ترى أن مصلحته في منعه من الرضاع، فتمنعه لأنه إن شب على الرضاع لن تنفطم نفسه، بل سيبقى على هذا الذي لا يقيم بدنه، فإن الرضاع في السنتين الأوليين يقوم به البدن، لكن بعد ذلك إذا استقل بالرضاع واستمر عليه لا يمكن أن يقوم بدنه بالحليب، فكان من الرحمة أن تمنعه هذا، فذلك حال العبد مع ربه، بل الشأن أعظم، فالله جل وعلا أرحم بعبده من الوالد بولده.

стр. 214

نعوت كمال للرب ﷻ يقول ﵀: [ويملك كل شيء] والأدلة على ملك الله كثيرة، قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك:١] ، وقال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران:٢٦] ، وقال تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٥٥] ، والآيات في ذكر ملك الله جل وعلا لكل شيء كثيرة. قال: [ولا يملكه شيء] ولا إشكال في أنه لا يملكه شيء ، بل هو المالك لكل شيء. قال: [ولا غنى عن الله تعالى طرفة عين] . هذا أيضاً فيه الرد على من قال: دعوت فلم يستجب لي. فيترك الدعاء ويستحسر، كما قال النبي ﷺ : (يستجاب للعبد مالم يدع بإثم أو قطيعة رحم) ، فقوله: (يستجاب) أي: يحصل له جواب سؤاله إما بتحقيق المطلوب أو بغير ذلك مما جاءت به النصوص من أوجه الإجابة، فإن من دفع عنه الشر نظير ما دعا فقد أجيب، ومن ادخر له أجر ما دعا فقد أجيب، فالداعي لا يرجع من رب العالمين إلا بخير، فهو الحيي الكريم الذي يستحيي أن يرد يدي عبده صفراً -أي: خالياً من الخير- بل لابد أن يرجع بخير. فقوله: [ولا غنى عن الله تعالى طرفة عين] أي: لا غنى للعبد مهما كان حتى لو لم يجب فإنه لا غنى له عن ربه، فيلجأ إليه، ويتوسل إليه، ويتضرع بين يديه، ويسأله ، ولا أعظم ولا أيسر في الوصول إلى رب العالمين وإلى فضله من باب الافتقار إلى الله جل وعلا؛ فإن العبد إذا افتقر إلى الله جل وعلا وأظهر افتقاره إلى ربه وأيقن أنه ما من ذرة في بدنه إلا وهي مفتقرة إلى الله جل وعلى؛ كان ذلك من أسباب الخير له، وقد ذكر ابن القيم ﵀ كلاماً جيداً في هذا فقال عن نفسه: (أقبلت على الله جل وعلا من أبواب الخيرات والطاعات كلها، فوجدت على الأبواب الزحام- يعني: كثرة من يقبل على الله من هذه الأبواب - فلم أسلم من المزاحمة، فولجت باب الافتقار فوجدت قرب حصول المطلوب مع عدم حصول المزاحمة) ، فإن كثيراً من الناس يغفلون عن هذا الوصف الذاتي لهم، وهو افتقارهم إلى الله . ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (من رغب في السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية) ، فالسعادة الأبدية الدائمة التي لا تنقطع في الدنيا والآخرة في لزوم عتبة العبودية، كما نقل ذلك عن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ولزوم عتبة العبودية تحصل للعبد بكمال الذل لله جل وعلا، وغاية الحب له ، ولا غنى عن الله تعالى طرفة عين، لا في ليل ولا في نهار، ولا في يقظة ولا في منام، ولا في صحة ولا في مرض واعتلال، ولا في غنى ولا في افتقار، فالعبد مفتقر إلى الله جل وعلا فقراً ذاتياً لا يمكن أن ينفك عنه، لكن الناس يغفلون ويظنون أنهم أغنياء عن الله بما مكنهم، والإنسان إذا بلي بداء الاغتناء وشعر أنه غني عن الله حصل منه شر عظيم، كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦-٧] ، يعني: إذا رأى غنى نفسه عن الله، لكن مادام يرى فقر نفسه إلى ربه جل وعلا فإنه لا يمكن أن يصيبه الطغيان والخروج عن مقتضى العبودية. يقول ﵀: [ومن استغنى عن الله طرفة عين فقد كفر وصار من أهل الحين] . الكفر هنا يشمل الكفر الأصغر والكفر الأكبر، لكن الكفر الأكبر يحصل بأن يظن الإنسان ويعتقد أنه لا حاجة به إلى ربه، ولاشك أن هذا كفر، وهو أعظم الكفر؛ لأنه جحد للربوبية؛ لأن من مقتضى الربوبية أن توقن أن كل خير يصل إليك إنما هو من الله جل وعلا، فمن استغنى عن الله طرفة عين فقد كفر وصار من أهل الحين. أي: من أهل الهلاك.

стр. 215

الصفات الفعلية ثابتة للرب ﷻ قال ﵀: [والله يغضب ويرضى لا كأحد من الورى] . هذا فيه إثبات صفات الفعل للرب جل وعلا، وصفات الفعل ثابتة لله بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، قال الله جل وعلا في وصف نفسه: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٧] ، وأما إثبات الفعل فالأدلة عليه كثيرة، فهو يغفر لمن يشاء، ويحب من يشاء، ويغضب جل وعلا، ويعفو، فالأفعال التي أضافها الله إليه كثيرة في كتابه، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة:٤] ، وقال تعالى: ﴿يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥] ، فالآيات التي فيها إثبات صفات الفعل أكثر من أن تحصى، وهذا الذي فيه التصريح بالفعل. أما ما دل على الفعل فهو كثير جداً، وكذلك في السنة، فالله جل وعلا موصوف بصفات الفعل، وبعض صفات الفعل هي الصفات التي تتعلق بالمشيئة، فمتى شاء فعل ومتى شاء لم يفعل، ومن ذلك الغضب والرضا، فالغضب صفة كمال لله لا نقص فيها، بل هي من كماله ، فإن من الكمال أن يغضب القادر على من يستحق الغضب، وقد دل عليها قول الله تعالى: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء:٩٣] في حق من قتل مؤمناً متعمداً، ومن أدلة إثبات الغضب قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف:٥٥] ، وأما الرضا فالآيات فيه كثيرة، منها قوله جل وعلا: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة:٨] في حق السابقين الأولين والذين اتبعوهم بإحسان، وقال : ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة:٧٢] ، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨] ، والله يغضب ويرضى، والغضب والرضا أنكرهما المئولة المنحرفون عن طريق أهل السنة والجماعة بجميع أصنافهم من أهل الكلام، فأنكرها المعتزلة، وأنكرها الأشاعرة، فأولوا الغضب والرضا إما بإرادة الثواب والعقاب وإما بالثواب والعقاب نفسه، فمثبتة الصفات من أشاعرة ونحوهم قالوا: الغضب والرضا هو إرادة الإثابة وإرادة العقوبة. وأما المعتزلة فأولوا الغضب والرضا بالثواب والعقاب نفسه؛ لأنهم لا يثبتون صفة الإرادة للرب جل وعلا.
следующие страницы →