← Акыда

Акыда · id 7712

شرح العقيدة الطحاوية - خالد المصلح

خالد المصلح

Полный текст (230 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

شرح العقيدة الطحاوية [١] من أولى ما ينبغي على طالب العلم أن يهتم به ما يتعلق من الدروس بالاعتقاد، لا سيما مع كثرة الضلال في هذا الباب، واشتباه الحق بالباطل على كثير من الناس، فيلزمه أن يعتني بمسائل الاعتقاد، حتى يبني معتقده وما يدين الله به على أرض صلبة، وعلى حجة وبرهان من كتاب الله وسنة نبيه، وهذا لا يتأتى إلا بالنظر فيما ذكره الله جل وعلا في كتابه من العقائد، وفيما ذكره رسوله ﵊ في سنته، وفيما كان عليه سلف الأمة من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين.

стр. 2

لمحة تاريخية في سبب تأليف العقائد وتدوينها بسم الله الرحمن الرحيم الحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: قال العلامة حجة الإسلام أبو جعفر الوراق الطحاوي بمصر ﵀: [هذا ذكر بيان عقيدة أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة: أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري وأبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني رضوان الله عليهم أجمعين، وما يعتقدون من أصول الدين ويدينون به رب العالمين] . فهذا الدرس هو قراءة في كتاب الطحاوية عقيدة الإمام أبي جعفر الطحاوي رحمه الله تعالى. ولا شك أيها الإخوان أن ما يتعلق بالاعتقاد من الدروس والمؤلفات والبحوث هو من أولى ما ينبغي لطالب العلم أن يهتم به لاسيما مع كثرة الضلال في هذا الباب، واشتباه الحق بالباطل على كثير من الناس، وليس هذا خاصاً بالمبتدئين من طلاب العلم، ولا حتى المتوسطين بل هو عام وقع فيه كثير من المحققين من أهل العلم. ولذلك ينبغي لطالب العلم أن يعتني بمسائل الاعتقاد، وأن يحرر فيها القول، وأن يبني عقده وما يدين الله به على أرض عزاز على أرض صلبة على حجة وبرهان من الكتاب والسنة، وهذا لا يتأتى إلا بالنظر فيما ذكره الله جل وعلا في كتابه من العقائد، وفيما ذكره رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سنته، وفيما كان عليه سلف الأمة القرون المفضلة فإنهم خير القرون لاسيما ما كان عليه الصحابة، فإنهم أفضل الناس وخيرهم بعد النبي ﷺ . فينبغي للمؤمن أن يتحرى ما كانوا عليه، فإنهم على الحق والهدى، تلقوا عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الاعتقاد والعمل، فعملوا بما اعتقدوا، وكانوا على معين صافٍ، وعلى حجة بينة، وعلى هدى وبرهان، لم يختلط بما اختلط به حال من بعدهم من العقائد المختلفة، والأقوال المبتدعة، والآراء الناشئة عن عقائد وأقوال فاسدة، فينبغي لطالب العلم أن يحرر هذا القصد. ومن رحمة الله جل وعلا بهذه الأمة أن جعل كتابها محفوظاً، وقيض لسنة النبي ﷺ من يميز الحق فيها من الباطل، ومن يميز الصحيح من غير الصحيح، وأيضاً يسر الله جل وعلا من يدون عقائد السلف ويبين أقوالهم وما كانوا عليه، ويبين ضلال الضالين ويرد على المنحرفين. ولذلك كانت كتب الردود في العقائد من أوائل ما ألف في الاعتقاد؛ لأن الناس كانوا على صراط الله المستقيم، وعلى هدى وحجة وبرهان، لم يلتبس عليهم الحق، ولم يختلط عندهم الأمر، بل كانوا على محجة واضحة بيضاء نقية، ثم حصل الزيغ والانحراف، واحتاج أهل العلم أن يردوا على المنحرفين، فرد من رد في القرن الأول في الصدر الأول من التابعين، بل رد الصحابة ﵃ على ما ظهر من البدع في أوقاتهم، كما جرى من ابن عمر مع القدرية وابن عباس مع الخوارج وغيرهما من صحابة رسول الله ﷺ . وهكذا سار على هذا المنوال وهذا الطريق الأئمة المهديون من بعدهم الذين تلقوا عنهم وساروا على طريقهم، فردوا البدع، ولم يكونوا بحاجة إلى أن يؤلفوا عقائد؛ لأن الناس يستقون عقائدهم من الكتاب والسنة، ويتلقون من قال الله وقال الرسول، ليس عندهم في ذلك شك ولا ريب. فلما حدثت البدع وتنوعت الطرق وتكاثرت الأقوال الفاسدة احتاج العلماء إلى أن يؤلفوا عقائد يميزون فيها صراط أهل السنة والجماعة، وطريق الفرقة الناجية المنصورة عن غيرها من الطرق، فكان من أوائل المؤلفات ما ألفه حماد بن أبي سليمان في الفقه الأكبر، وكذلك ما كتبه أبو حنيفة ﵀ في كتابه الفقه الأكبر، وهي ورقات معدودة زيد فيها ما ليس منها. ثم بعد ذلك نقلت العقيدة عن الإمام أحمد من رواية بعض أصحابه، ونقل الاعتقاد المشهور عن الإمام الشافعي عن بعض أصحابه. وهكذا كانت العقائد تنقل عن الأئمة وتدون، ثم جاء بعد ذلك من العلماء من ألف وكتب في عقائد السلف، في مطولات ومختصرات، ومن أوائل من ألف في المختصرات أبو جعفر الطحاوي ﵀ في هذه العقيدة التي بين أيدينا، وسندرسها إن شاء الله تعالى، وهي عقيدة مشهورة ذائعة الصيت، تكلم عنها العلماء المتقدمون واعتمدوها، ونقلوا عنها، حتى إنهم ينقلون منها فصولاً ومقاطع طويلة في الاستدلال لعقيدة السلف. وممن فعل ذلك الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فإنه ذكر عقيدة الطحاوي ونقل منها، وكذلك ابن القيم ﵀ وغيرهما من أهل العلم، فالعقائد كانت مؤلفة منذ وقت طويل، وعرفتم سبب ذلك وهو: أن الناس حصل عندهم اشتباه وحدثت الأقوال المنحرفة والآراء المبتدعة في دين الله ؛ فاحتاجوا إلى أن يميزوا الحق عن الباطل وأن يبينوا صراط أهل السنة والجماعة عن غيره. وهذا لا يعني أن ما تضمنته هذه العقائد قد حوى جميع عقيدة أهل السنة والجماعة، ولا يعني أيضاً أن هذه العقائد اقتصرت فقط على ذكر ما يتعلق بالعقيدة دون غيره من المسائل، بل فيها من مسائل الفقه ما هو معروف مشهور سيمر علينا بعضه في هذه الرسالة. ومنها ما اقتصر على أبواب من أبواب الاعتقاد، وعلى جوانب من العقيدة ركز عليها للحاجة -فيما يظهر للكاتب المؤلف- إلى البيان والتوضيح في هذه الأبواب وهذه الجوانب.

стр. 3

تعريف بعقيدة الإمام الطحاوي عقيدة الطحاوي ﵀ عقيدة مختصرة تكلم فيها عن أصول الإيمان، وعن ما يتعلق بأكثر أبواب الاعتقاد، إلا أنه ﵀ كان في كلامه شيء من التكرار.

стр. 4

ملاحظات على العقيدة الطحاوية فإن هذه العقيدة وقع فيها تكرار في عدة مواضع، فكرر فيها كلاماً في مسائل تقدم له تقريرها، ولا حاجة إلى إعادة الكلام فيها، ولعل ذلك ناشئ عن نظر المؤلف إلى أهمية هذه المسائل، وإلى الحاجة إلى تكرارها وتأكيدها. كذلك مما يلاحظ على هذه العقيدة: أنها لم تحرر عقيدة أهل السنة والجماعة وعقيدة السلف الصالح فيما يتعلق في باب الإيمان، بل وقع فيها خلط واشتباه فيما يتعلق بالإيمان، حيث أن المؤلف ﵀ سار على ما كان عليه مرجئة الفقهاء في قولهم في مسائل الإيمان، وسنبين ذلك إن شاء الله تعالى ونوضحه.

стр. 5

شروحات العقيدة الطحاوية هذه العقيدة شروحها كثيرة في القديم والحديث، فلها من الشروح ما هو على طريق أهل السنة والجماعة، ومنها ما هو على طريق المبتدعة الذين لووا أعناق النصوص، وحرفوا الكتاب والسنة فضلاً عن كلام البشر، فإنهم حرفوا كلام الطحاوي وحملوه على ما يوافق العقائد المنحرفة من عقائد الأشاعرة والماتريدية وغيرهم من مثبتة الصفات الذين خالفوا أهل السنة والجماعة. وأشهر هذه الشروح وأخلصها وأصفاها من الاشتباه ما كتبه ابن أبي العز ﵀، حيث إنه كتب شرحاً موسعاً ضمنه بياناً واضحاً لكثير من مسائل الاعتقاد، وكثير من مواد هذا الكتاب ومحتوياته -يعني: ومما فيه- ما هو منقول عن شيخ الإسلام ﵀ وعن تلميذه ابن القيم يعرف هذا من عرف كلام الشيخين، بل هناك نصوص ومقاطع طويلة منقولة من كلام الشيخين، ولا ضير في ذلك فإن المؤلف ﵀ أراد بيان الكتاب بكلام مبتدأ منه وبكلام مستفاد من غيره. وأيضاً مما تميز به هذا الشرح: أنه شرح محرر من حيث الاستدلال، فهو مليء بالأدلة النقلية من الكتاب والسنة التي تقرر ما تضمنته هذه العقيدة من مسائل الاعتقاد على اختلاف أبوابها. فهذا الشرح من أوفى الشروح أجمعها وأوسعها، إلا أنه في الحقيقة لا يناسب المبتدئين؛ لكثرة التشعبات التي فيه، ولكونه حوى مسائل في الحقيقة هي من فضول المسائل، وليست من أصول مسائل الاعتقاد، كمسألة التسلسل على سبيل المثال، وكمسالة أيهما أفضل الملائكة أم البشر؟ وما أشبه ذلك من المسائل الكلامية هل الاسم غير المسمى؟ وما أشبه ذلك. وهذا الكتاب في الجملة كتاب جيد من أفضل شروح هذه العقيدة المباركة. وللمتأخرين هناك عدد من الشروح وعدد من التعليقات، فقد علق عليها شيخنا عبد العزيز بن باز ﵀ تعليقات مفيدة في كتاب مختصر وله شرح وتعليق على شرح ابن أبي العز، وهو تعليق مفيد جيد، قرأ عليه شرح الطحاوية وعلق عليه في مواضع عديدة تعليقات مفيدة جيدة لطالب العلم، إلا أن الصوت فيها رديء، وفي الجملة فإن الذي يتقن سماع الشيخ ﵀ لا يجد إشكالاً في فهم الكلام. وهناك تعليقات للشيخ ناصر الدين الألباني ﵀ في الشرح وفي الاستدراك، وفي بيان هذه العقيدة، وهو شرح مختصر، وقبل هذين الشرحين هناك شرح لـ ابن مانع وهو من علماء هذه البلدة، وهو شرح مفيد جيد، قرر فيه عقيدة أهل السنة والجماعة، وبين فيه ما في هذه العقيدة من العقائد المباركة. هذا أبرز ما لهذه العقيدة من شروح المتأخرين، وهناك شرح جديد للشيخ صالح الفوزان أثابه الله، لخص فيه الكلام على جمل هذه العقيدة، وهو شرح مفيد مختصر مناسب لطالب العلم المبتدئ.

стр. 6

بيان منهج الإمام الطحاوي في عقيدته المختصرة بين المؤلف ﵀ في مقدمته على هذه العقيدة ما الذي يريد تحقيقه، وما الذي يريد الكتابة فيه. قال ﵀: (بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين) فبدأ الرسالة بما جرى عليه أهل العلم ﵏ من البداءة بالبسملة؛ تأسياً بكتاب الله ؛ واتباعاً لسنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وسيراً على ما جرى عليه عمل أهل العلم ﵏ في مؤلفاتهم وكتاباتهم، والبداءة بالبسملة سنة جارية في الكتاب والسنة، وفي عمل أهل العلم قديماً وحديثاً، والبسملة تقدم الكلام عليها وأنها جملة اسمية أو فعلية تامة مفيدة، المتعلق فيها إما أن يكون اسماً أو فعلاً مقدراً مؤخراً مناسباً. قال ﵀: (وبه نستعين) . بعد أن بدأ بـ (بسم الله) أعقب ذلك بالاستعانة به، والاستعانة بالله من أعظم ما يحصل به الإنسان مقصوده. قال النبي ﷺ : (ومن يستعن بالله يعنه) . فإن الإنسان إذا استعان بالله على تحصيل مطلوبه يسر الله له مطالبه، أما إذا اعتمد على نفسه وجهده وكده وعمله في تحصيل أموره فإنه لا يوفق إلى تحصيل المطلوب، بل كثيراً ما يفوته غرضه ومقصوده، فينبغي للمؤمن أن يكل أمره إلى الله، وقد قال الله جل وعلا في السورة المتكررة التي يقرؤها أهل الإيمان في صلواتهم: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] . فجعل بعد إفراد الله بالعبادة إفراده بالاستعانة، وذلك أنه: (إذا لم يكن عوناً من الله للفتى فأول ما يجني عليه اجتهاده) فينبغي للمؤمن ألا يغتز بقوته وحوله، بل لا حول ولا قوة له إلا بالله، فيستعين بالله على مطلوبه دقيقاً كان أو جليلاً، فإن الله جل وعلا إذا لم ييسر لك الأمر لم يتيسر؛ لأنه لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ولا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يدفع السيئات إلا هو جل وعلا، فينبغي للمؤمن أن يعلق قلبه بالله ، مستعيناً به في فهم العلم ونشره وبذله وفي إفادة الناس به، فإنه إذا أعان الله عبداً وفق إلى خير كثير. قال ﵀: (الحمد لله رب العالمين) . وهذه المقدمة هل هي من المؤلف أو من غيره؟ على كل حال: الظاهر أنها من كاتب هذه العقيدة ومؤلفها وهو الطحاوي ﵀، فبعد البسملة والاستعانة حمد الله وهو أحق من حمد جل وعلا، وحمده إثبات الكمال له، فإن الحمد هو: ذكر المحمود بصفات الكمال محبة وتعظيماً. وهذا أحسن ما قيل في تعريف الحمد، ولابد من هذين القيدين الأخيرين أنه: ذكر لصفات المحمود على وجه المحبة والتعظيم، فإذا لم يكن محبةً ولا تعظيماً فإنه لا يسمى حمداً.

стр. 7

بيان عقيدة أهل السنة والجماعة (قال العلامة حجة الإسلام أبو جعفر الوراق الطحاوي بمصر) . وهو من علماء القرن الثالث والرابع الهجري، توفي ﵀ في سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، وله مؤلفات مشهورة نافعة في الحديث والفقه، وهو على مذهب الإمام أبي حنيفة، وإن كان في الأصل شافعياً إلا أنه انتقل إلى مذهب الإمام أبي حنيفة، وسار عليه وإن لم يكن متمذهباً به بالمعنى الضيق؛ لأنه له اجتهادات خالف فيها الحنفية، وإنما ارتضى سبيلهم وطريقهم في التفقه في الدين. يقول ﵀: (هذا ذكر بيان عقيدة أهل السنة والجماعة) المشار إليه ما سيأتي تفصيله في هذه العقيدة. فقوله ﵀: (ذكر بيان) . المقصود توضيح وتجلية عقيدة أهل السنة والجماعة. والعقيدة: هي ما طوى الإنسان قلبه عليه، وأصلها من العقد والشد؛ لأن الإنسان يعقد على ما يعتقد ويربط قلبه عليه، فالعقيدة هي ما طوى الإنسان قلبه عليه مما يتعلق بالله ، وما يتعلق بأصول الإيمان، وهذا الذي يبينه الشيخ ﵀ في هذه العقيدة. وقوله ﵀: (أهل السنة والجماعة) . ليخرج غيرهم، فـ (أهل السنة) أخرج به أهل البدعة، و (أهل الجماعة) أخرج به أهل الفرقة، وهذان الوصفان متلازمان؛ لأنه لا يمكن أن يكون الإنسان من أهل السنة إلا إذا كان من أهل الجماعة، ولا يمكن أن يكون من أهل الجماعة إلا أن يكون من أهل السنة فهما وصفان متلازمان، وإنما نصوا عليهما مع أن أحد الوصفين يغني عن الآخر؛ لأن هذين الوصفين يميزان أهل السنة عن غيرهم، فهما أبرز أوصاف أهل السنة والجماعة، وأبرز صفات هذه الفرقة، فهم بالسنة مستمسكون، وإليها راجعون، وعنها صادرون، لا يعدلون بها شيئاً، ولا يقدمون عليها شيئاً، بل هي الحاسم على أقوالهم وعقائدهم وأعمالهم وآرائهم، فما جاءت به السنة أخذوا به، وما ردته السنة ردوه، وما خالف السنة ابتعدوا عنه؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) . وأما الجماعة فهم أهل اجتماع ليسوا أهل فرقة، وهذا وصف لابد لأهل السنة أن يعتنوا به، فإن الله جل وعلا في كتابه ذم الافتراق والاختلاف، وحث على الائتلاف والاجتماع، ونصوص ذلك كثيرة، بل هو من الشرع السابق الذي سار عليه النبيون: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى:١٣] . (أن أقيموا الدين) إقامته بالقيام به عقداً وعملاً، (ولا تتفرقوا فيه) أي: ولا يكن شأنكم فيه شأن المتفرقين، وهذا بيان أن الائتلاف والاجتماع هو دين النبيين وليس خاصاً بهذه الأمة؛ ولذلك كانوا أهل اجتماع وليسوا أهل افتراق، واجتماعهم ليس على هوى، إنما اجتماعهم على الكتاب والسنة، وعلى إقامة الدين الذي جاء به نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

стр. 8

الفقهاء الذين اعتمد على مذهبهم في العقيدة الطحاوية قال ﵀: [على مذهب فقهاء الملة أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم] إلى آخر ما قال. قوله ﵀: (على مذهب فقهاء الملة) أي: أن هذه العقيدة التي ألفها ﵀ وكتبها مستقاة مستفادة من أقوال فقهاء الملة؛ وسبب ذلك: أن من ذكرهم تميزوا عن غيرهم بالفقه من بين بقية العلوم، فـ أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن اشتهروا بين أهل العلم في القديم والحديث بالعناية بالفقه، والكتابة والتأصيل فيه، ولذلك ذكرهم بأخص ما اتصفوا به، وليس معنى هذا أنهم لا يتقنون إلا الفقه، فإنما أراد ﵀ بيان أخص ما تميزوا به عن غيرهم من العلماء. وقوله: (الملة) . الملة: هي الطريقة، والمقصود بالملة هنا: ملة النبي ﷺ ، وهو ما يدين به صلى الله عليه وعلى آله وسلم وما جاء به من ملة إبراهيم ﵇، ومن هذا نعلم: أن أبرز ما يوصف به الإنسان أن يكون من علماء الملة؛ لأن العلماء ينقسمون إلى ثلاثة أقسام كما قال شيخنا محمد ﵀: - عالم ملة. - وعالم أمة. - وعالم دولة. والذي ينبغي لطلبة العلم أن يسعوا لتحقيقه في أخلاقهم وأعمالهم أن يكونوا من علماء الملة الذين ينظرون إلى النصوص ويحكمونها في أقوالهم وعقائدهم وأعمالهم، ويدعون إليها ويعملون بها. عالم الأمة: هو الذي ينظر إلى ما يشتهيه الناس وما يحبونه ويميلون إليه فيفتيهم بما يريدون وهذا مذموم؛ لأنه لا يدل الناس على الخير، إنما يدلهم ويجيبهم لما يحبون وما يشتهون. ومثل هذا في السوء عالم الدولة: الذي ينظر إلى ما يشتهي أهل السلطة فيقول بقولهم. والواجب على أهل الإيمان أن يكونوا من علماء الملة الذين ينظرون إلى قول الله وقول رسوله، ولا يقدمون عليهما لا شهوة الأمة ولا شهوة غيرهم بل يعملون بكتاب الله وسنة رسوله. ذكر في هذه العقيدة ثلاثة علماء هم: أبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي ﵀. وأبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري. وأبو عبد الله محمد بن الحسن الشيباني. أما أبو حنيفة فهو الإمام المقدم في هذا المذهب والمسلك، وكانت وفاته عام خمسين ومائة، وهو من الفقهاء المحققين إلا أن بضاعته في الحديث قليلة ﵀. تبعه صاحباه في كثير من أقواله، وخالفاه حتى أنهما اشتهرا وأصبح لهما قول يعدل بقوله، وقد يقول المذهب ما قالاه لا ما قاله أبو حنيفة وهما: أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري وكانت وفاته عام ثلاثة وثمانين ومائة. وأبو عبد الله محمد بن حسن الشيباني وكانت وفاته سنة تسع وثمانين ومائة رضوان الله عليهم أجمعين.

стр. 9

اختلاف أئمة المذاهب في المذاهب الفقهية العلمية واتفاقهم في مسائل الاعتقاد قال ﵀: [على مذهب فقهاء الملة أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم] إلى آخر ما قال. قوله ﵀: (على مذهب فقهاء الملة) أي: أن هذه العقيدة التي ألفها ﵀ وكتبها مستقاة مستفادة من أقوال فقهاء الملة؛ وسبب ذلك: أن من ذكرهم تميزوا عن غيرهم بالفقه من بين بقية العلوم، فـ أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن اشتهروا بين أهل العلم في القديم والحديث بالعناية بالفقه، والكتابة والتأصيل فيه، ولذلك ذكرهم بأخص ما اتصفوا به، وليس معنى هذا أنهم لا يتقنون إلا الفقه، فإنما أراد ﵀ بيان أخص ما تميزوا به عن غيرهم من العلماء. وقوله: (الملة) . الملة: هي الطريقة، والمقصود بالملة هنا: ملة النبي ﷺ ، وهو ما يدين به صلى الله عليه وعلى آله وسلم وما جاء به من ملة إبراهيم ﵇، ومن هذا نعلم: أن أبرز ما يوصف به الإنسان أن يكون من علماء الملة؛ لأن العلماء ينقسمون إلى ثلاثة أقسام كما قال شيخنا محمد ﵀: - عالم ملة. - وعالم أمة. - وعالم دولة. والذي ينبغي لطلبة العلم أن يسعوا لتحقيقه في أخلاقهم وأعمالهم أن يكونوا من علماء الملة الذين ينظرون إلى النصوص ويحكمونها في أقوالهم وعقائدهم وأعمالهم، ويدعون إليها ويعملون بها. عالم الأمة: هو الذي ينظر إلى ما يشتهيه الناس وما يحبونه ويميلون إليه فيفتيهم بما يريدون وهذا مذموم؛ لأنه لا يدل الناس على الخير، إنما يدلهم ويجيبهم لما يحبون وما يشتهون. ومثل هذا في السوء عالم الدولة: الذي ينظر إلى ما يشتهي أهل السلطة فيقول بقولهم. والواجب على أهل الإيمان أن يكونوا من علماء الملة الذين ينظرون إلى قول الله وقول رسوله، ولا يقدمون عليهما لا شهوة الأمة ولا شهوة غيرهم بل يعملون بكتاب الله وسنة رسوله. ذكر في هذه العقيدة ثلاثة علماء هم: أبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي ﵀. وأبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري. وأبو عبد الله محمد بن الحسن الشيباني. أما أبو حنيفة فهو الإمام المقدم في هذا المذهب والمسلك، وكانت وفاته عام خمسين ومائة، وهو من الفقهاء المحققين إلا أن بضاعته في الحديث قليلة ﵀. تبعه صاحباه في كثير من أقواله، وخالفاه حتى أنهما اشتهرا وأصبح لهما قول يعدل بقوله، وقد يقول المذهب ما قالاه لا ما قاله أبو حنيفة وهما: أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري وكانت وفاته عام ثلاثة وثمانين ومائة. وأبو عبد الله محمد بن حسن الشيباني وكانت وفاته سنة تسع وثمانين ومائة رضوان الله عليهم أجمعين. فهذه العقيدة مستفادة من أقوال هؤلاء، وليست العقيدة مذهباً خاصاً يعمل به ويفرق الناس عليه، يعني: ليست كالمذاهب الفقهية العملية، إنما العقيدة قول لم تختلف الأمة في أصوله، وفي كثير من فروعه وتفاصيله فهم متفقون عليه. ولذلك لا يقال: هذا في العقيدة حنفي أو هذا في العقيدة شافعي، فإن الشافعية والحنفية والحنابلة والمالكية وغيرهم من المذاهب الفقهية إنما هي مذاهب وأقوال في المسائل العملية، وأما مسائل الاعتقاد فإنها مبنية على الكتاب والسنة لا تفرق فيها. ولا يعني هذا أنه لا خلاف بين أهل السنة في مسائل الاعتقاد بالكلية لا في الأصول ولا في الفروع، لكن الكلام على أن الخلاف محدود، وهو في الفروع لا في الأصول، ليس بين أهل السنة والجماعة خلاف في مسائل الاعتقاد، بخلاف مسائل العمل فإن فيها خلافاً بيناً واضحاً. قال ﵀: [وما يعتقدون من أصول الدين] . (ما يعتقدون) أي: ما يدينون به وما يعتقدونه في أصول الدين، و (أصول الدين) المراد به مسائل الاعتقاد، وهذا التقسيم ثابت منذ زمن بعيد، فقسم الدين إلى أصول وفروع، الأصول: هي ما يتعلق بالعقائد، والفروع: هي ما يتعلق بالأعمال، وإن كان هذا التقسيم غير مطرد؛ لأنه في الحقيقة يجعل ما هو أصل فرعاً، فمثلاً الصلاة أصل وذلك لقوله النبي ﷺ : (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر) . وعلى هذا التقسيم هي من مسائل الفروع، وهذا لا شك أنه نزول برتبتها وهي عمود الدين، لكن هذا التقسيم جرى عليه العلماء، وليس المراد بتقسيم الأصول والفروع التقليل من شأن الفروع، إنما المراد هو تمييز ما يتعلق بالاعتقاد عما يتعلق بالعمل، فلما كان غالب ما يتعلق بالعمل هو من الفروع سمي جميع ما يتعلق بالعمل فروعاً، وإن كان في مسائل الاعتقاد فليس من الفروع، كمسألة: أيهما أفضل الملائكة أو البشر؟ فإن الإنسان لو مات ولم يكن له فيها اعتقاد دين ما ضره ولا نقصه، بل لا يزيد الإيمان ولا ينقص بمعرفة الراجح في مثل هذه المسألة، فالتقسيم إلى أصول وفروع إنما هو لأجل تمييز مسائل الاعتقاد عن مسائل العمل. قال: [ويدينون به رب العالمين] . (يدينون) أي: يتعبدون، أصلها من دان يدين، والمراد في ذلك ما في هذه العقيدة مما يتعبد الله جل وعلا بها، فقوله: (يدينون به رب العالمين) أي: يتعبدون بها لله جل وعلا، ومن هذا نفهم أن العقيدة ليست أقوالاً جامدة كما يقول بعض الناس، إنما هو عقد يتعبد العبد به الله جل وعلا، ويدين به ربه ، ويتقرب إلى الله بهذا الاعتقاد، فالعقيدة مما يتقرب به إلى الله جل وعلا، بل هي من أجل ما يتقرب به إلى الله سبحانه؛ لأن العقيدة من أعمال القلوب، ومعلوم أن جنس أعمال القلوب أعظم عند الله من جنس أعمال الجوارح، فكان العناية بالاعتقاد مما ينبغي لطالب العلم أن يهتم به تعبداً وعملاً.

стр. 10

أنواع التوحيد وما دعت إليه الرسل يقول ﵀ بعد هذه المقدمة التي بين فيها منهجه في هذه العقيدة المختصرة المباركة: [نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله] . (نقول في توحيد الله) وتوحيد الله هنا بمعناه العام الذي يشمل توحيد الإلهية والربوبية والأسماء والصفات؛ لأن هذه العقيدة لم تختص فقط ببيان نوع من التوحيد، وإنما قررت ما يتعلق بتوحيد الربوبية، وما يتعلق بتوحيد الإلهية، وما يتعلق بتوحيد الأسماء والصفات، فهي عقيدة شاملة واسعة تناولت جميع هذه الأبواب، فليست خاصة بنوع من أنواع التوحيد، فمثلاً كتاب التوحيد للإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ يقرر في الغالب توحيد الإلهية، والواسطية على سبيل المثال الغالب فيها تقرير ما يتعلق بالأسماء والصفات، كذلك الحموية فيها تقرير توحيد الأسماء والصفات فقط وهلم جراً، أما هذه العقيدة فقررت ما يتعلق بالتوحيد على وجه العموم. والتوحيد في الأصل مأخوذ من وحد يوحد توحيداً، فهو مأخوذ من وحد، وأصل هذا الفعل دائر على معنى الإفراد أي: أفرد، فالتوحيد هو إفراد الله ، وبماذا يحصل إفراده؟ إفراده يختص به في الإلهية وفي الربوبية وفي الأسماء والصفات، وأهم ذلك ما يتعلق بتوحيد الإلهية؛ لأنه الأصل الذي جاءت الرسل بالدعوة إليه، وهو المقصود من النوعين الآخرين، وهما: توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات. فإن المقصود من توحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الربوبية: تقرير الإلهية، ولذلك استدل الله جل وعلا في الكتاب على إلهيته بأسمائه وصفاته، وبما ذكره من معاني ربوبيته في كتابه ، وأنه رب كل شي. ولا يعني هذا أن توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات ليس لهما أهمية، بل إن توحيد الأسماء والصفات مما يزداد به الإيمان ويرسخ، ويتحقق توحيد الإلهية بقدر ما يتحقق في قلب الإنسان من توحيد الأسماء والصفات، فهي متلازمة يبنى بعضها على بعض، لكن في بيان ما جاءت الرسل بالدعوة إليه، وجرت الخصومة بينهم وبين أقوامهم إنما هو في توحيد الإلهية، وإن كان وقعت مخالفات في توحيد الربوبية ومخالفات في توحيد الأسماء والصفات، لكن الخلاف الأساسي والأصلي الذي جرى بين الرسل وأقوامهم هو في توحيد الإلهية.

стр. 11

عقيدة أهل السنة إفراد الله في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته يقول ﵀: (نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله) . أي: أن هذا الاعتقاد وهذا القول ليس من جهدنا، ولا من كدنا، ولا من عملنا، ولا من جودة أفكارنا وعقولنا، بل هو بتوفيق الله، وهذا فيه تفويض الأمر إلى الله جل وعلا، لينفي العبد عن نفسه العجب، فإن الإنسان إذا نظر إلى عمله على أنه كسبه ومن جهده وكده اغتر ووقع في العجب الذي يحبط العمل، لكنه إذا أوكل ذلك إلى فضل الله ، وأسند ما هو فيه من خير إلى نعمة الله ورحمته كان ذلك من أسباب زيادة الخير فيه، وشكره لهذه النعمة، وفرحه بها، وعمله بها بتوفيق الله. ثم بين ﵀ في أول ما ذكره في هذه العقيدة المباركة: تقرير توحيد الإلهية، بل قرر ﵀ في هذا الإلهية والربوبية والأسماء والصفات، فقال: [إن الله واحد لا شريك له، واحد في أسمائه وصفاته، واحد في ربوبيته، واحد في إلهيته] وهذا فيه غاية التوحيد في جميع أبوابه وأصنافه؛ في توحيد الربوبية، وفي توحيد الإلهية، وفي توحيد الأسماء والصفات. (لا شريك له) هذا فيه تقرير أنه لا شريك له في إلهيته، ولا في ربوبيته، ولا في أسمائه وصفاته، ففي هذه الجملة: أثبت التوحيد بأنواعه الثلاثة، وأن الله جل وعلا لا شريك له في هذه الأنواع الثلاثة كلها، وحقيقة توحيد الربوبية اعتقاد أن الله الواحد في ربوبيته، وأن تعتقد بأنه الخالق الرازق المالك المدبر المحيي المميت. وحقيقة اعتقاد أن الله واحد في صفاته: أن تثبت له ما أثبت لنفسه من الأسماء والصفات، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، وأنه ليس كمثله شيء في صفاته . ومما يتحقق به أن الله واحد بإلهيته: أن تفرده بالعبادة، فلا تشرك معه ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً، بل جميع العبادات له وحده دون غيره، وبهذا يتحقق عقد: إن الله وحده لا شريك له. وقد أحسن المؤلف ﵀ حيث قدم هذه العقيدة بهذا الاعتقاد، وبهذه الجملة التي تضمنت إثبات الكمال بالتوحيد لله في الإلهية وفي الربوبية وفي الأسماء والصفات. مسألة: هل هناك أنواع أخرى من التوحيد تدخل في قول: إن الله واحد لا شريك له؟ الجواب لا. جميع أنواع التوحيد مندرجة تحت هذه الثلاثة، فمثلاً ما يتكلم عنه ابن القيم ﵀ من توحيد المحبة، فهو من جملة توحيد الإلهية، وتوحيد التوكل أيضاً من جملة توحيد الإلهية والربوبية، فجميع الأقسام التي تذكر على وجه الانفراد من أنواع التوحيد لابد وأن تندرج تحت أصل من هذه الأصول الثلاثة: - إما توحيد الإلهية. - أو توحيد الربوبية. - أو توحيد الأسماء والصفات. ولذلك جرى عمل العلماء ﵏ منذ زمن بعيد على الاقتصار في ذكر أقسام التوحيد على هذه الأقسام الثلاثة، ولا حاجة إلى مزيد تقسيمات؛ لأن كثرة التقسيمات يحصل بها التشويش، ومعلوم أن التقسيم مقصوده في الأصل التسهيل، فإذا أكثرنا التفصيل انفرط العقد، وأصبح للمحبة توحيد، وللخشية توحيد، وللخوف توحيد، وللحكم توحيد وهلم جراً، مع أن هذه كلها يمكن أن تندرج في الأقسام التي جرى عليها كلام أهل العلم، واستقر عليها الأئمة من تقسيم التوحيد إلى: توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية، وتوحيد الأسماء والصفات، ولا حاجة إلى المزيد، بل كل من زاد نقول له: هذا القسم يندرج تحت هذا النوع وانتهى الأمر، ولا حاجة إلى تشقيق أكثر من هذا. فجميع صور التوحيد وأنواعه تندرج في قوله ﵀: (إن الله واحد لا شريك له) . والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله.

стр. 12

شرح العقيدة الطحاوية [٢] الله واحد لا شريك له في ملكه وألوهيته وأسمائه وصفاته، له الإرادة الكاملة بنوعيها فلا يعجزه شيء، ومهما تخيل الإنسان وأعمل فكره في الله فإنه لا يستطيع إدراك علمه وخلقه وذاته.

стр. 13

اعتقاد أن الله لا مثيل له من مخلوقاته بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد: قال رحمه الله تعالى: [نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، ولا شيء يعجزه، ولا إله غيره، قديم بلا ابتداء، دائم بلا انتهاء، لا يفنى ولا يبيد، ولا يكون إلا ما يريد، لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام، ولا يشبه الأنام، حي لا يموت، قيوم لا ينام، خالق بلا حاجة، رازق بلا مؤنة، مميت بلا مخافة، باعث بلا مشقة] . فتقدم معنا في أول هذه العقيدة ما ذكره المؤلف ﵀ في افتتاحها من ذكر توحيد الله جل وعلا في قوله: (إن الله واحد لا شريك له) وقلنا: إن هذا فيه إثبات جميع أنواع التوحيد لله رب العالمين: توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية، وتوحيد الأسماء والصفات، وبينا كل نوع من هذه الأنواع. ثم قال المؤلف ﵀: (ولا شيء مثله) ولا ريب أن الله جل وعلا ليس كمثله شيء، فإن الله جل وعلا الكامل في صفاته الذي دلت العقول والنصوص على أنه لا نظير له ، لا مثيل له في ربوبيته لا مثيل له في إلهيته لا مثيل له في أسمائه وصفاته، ولذلك نفى الله جل وعلا عن نفسه النظير والمثيل في كتابه بألفاظ متنوعة، فقال : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] وهذا نفي واضح للمثيل. ومنه قوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥] فنفى عن نفسه السمي وهو النظير والمثيل. ونفى أيضاً الند فقال: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢] . ونفى أن يدرك بالأمثال فقال : ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل:٧٤] . ونفى العديل والكفء فقال : ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] . وكل هذا لتقرير هذا الأمر الذي أجمع عليه أهل السنة والجماعة، ودل عليه الكتاب والسنة والعقل، وهو أن الله جل وعلا لا مثيل له، ومهما طلب العقل مثيلاً للرب فإنه ينحصر ويقف دون إدراك ذلك، بل هو الذي لا نظير له ولا كفء، ولا سمي ولا ند له جل وعلا، وهذا ليس خاصاً في أسمائه وصفاته فقط، بل وفي ربوبيته وإلهيته ، فلا مثيل له فيما يتعلق بالربوبية، ولا مثيل له فيما يتعلق بالأسماء والصفات، ولا مثيل له فيما يجب له من الحقوق، وهو ما يعرف بتوحيد الإلهية، فلا مثيل له في إلهيته .

стр. 14

أنواع النفي في صفات الله ثم قال ﵀: (ولا شيء يعجزه) وهذا كالجملة السابقة في أن المؤلف ﵀ ذكر وصف الله بالنفي المتقدم في قوله: (ولا شيء مثله) نفي مجمل قد دلت على مجيئه في صفات الله النصوص من الكتاب والسنة، والنفي المجمل في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ ليس نفياً وعدماً محضاً، بل هو نفي لإثبات الكمال للرب ، فإنه إذا قرأ قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] كان ذلك مفهماً ومعلماً أنه الكامل في صفاته، الذي لا يلحقه نقص بوجه من الوجوه.

стр. 15

النفي المجمل في صفات الله وكذلك النفي في بعض أنواعه -وهو النفي التفصيلي- يفيد إثبات الكمال للرب ، فالنفي في صفات الله يرد على أمرين: - يرد نفياً مجملاً كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] وكقوله : ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥] ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] وما أشبه ذلك من النفي المجمل.

стр. 16

النفي المفصل في صفات الله - ويرد النفي عن أوصاف خاصة وهو ما يسمى بالنفي المفصل، وهذا النوع من النفي في صفات الله قليل في الكتاب والسنة، ولا يرد إلا لفائدة: إما أن يكون لإثبات كمال الضد كما هو في قول المؤلف: (ولا شيء يعجزه) فإن نفي الإعجاز عن الرب في مثل هذا إنما هو لإثبات كمال قدرة الله جل وعلا، فلما كملت قدرته نفى جل وعلا النقص في هذه القدرة بنفي العجز، فلا يعجزه شيء . يأتي النفي مفصلاً في صفات الله لنفي ما اعتقده الجاهلون في رب العالمين، ومن ذلك قوله جل وعلا: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨] ، وكقوله : ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] فهذا إثبات لنفي ما تقدم من كلام اليهود: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤] فهنا ليس فيه نفي محض لكنه نفي معنوي للمعنى السابق بصيغة الإثبات.

стр. 17

المراد من إيراد النفي في صفات الله المراد أن النفي قد يرد في صفات الله ، ويراد به نفي ما اعتقده الجاهلون في رب العالمين ، وما وصفه به أهل الإلحاد والكفر وأهل الشرك، ونفي التنقص لرب العالمين. والنفي يرد في صفات الله ويقصد به نفي النقص فيها، والمراد به: إثبات كمال الصفة، مثال هذا ما ذكره الله جل وعلا في أعظم آية من كتابه : ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] فأثبت الله في هذه الآية الحياة والقيومية له ، ثم نفى فقال: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] والغرض من هذا النفي هو إثبات كمال الصفة، وأنه لا نقص فيها، فالذي لا تأخذه سنة ولا نوم إنما اتصف بهذا لكمال حياته وقيوميته جل وعلا. فقول المؤلف ﵀: (ولا شيء مثله) من أي أنواع النفي؟ من النفي المجمل؛ لأنه نفي عام وليس نفياً لصفة خاصة، فنفى المثيل له في قوله: (ولا شيء يعجزه) ؛ إنما هو لإثبات كمال قدرته .

стр. 18

اعتقاد تفرد الله بالإلهية ثم قال رحمه الله تعالى: (ولا إله غيره) معنى الإله: المعبود المألوه الذي تألهه القلوب محبة وتعظيماً ورقة، والإله في أصل كلام العرب: اسم جنس لما قصد بشيء من العبادة، لكنه غلب على الله جل وعلا؛ لأنه مستحق للعبادة، فما سمي من الإله دون الله إنما هو تسمية خالية من معناها، فإنه لا إله إلا الله، ولا معبود بحق إلا هو جل وعلا، وهذه الكلمة هي أصل الإسلام وأساسه، ولا يقر الإيمان، ولا يستقيم الإسلام، ولا يصلح حال أحد إلا بهذه الكلمة، فبها صلاح الدنيا والآخرة، وهي أول مطلوب وآخر مطلوب، وكونه أول مطلوب لأنه لا يدخل أحد الدين إلا بلا إله إلا الله: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله) . وآخر مطلوب: (من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة) فكانت لا إله إلا الله هي أول المطالب وما يخاطب به الناس، وهي آخر ما يندب الناس إليه ويطلب منهم، وذلك لعظم هذه الكلمة التي من أجلها أوجد الله جل وعلا الجن والإنس، قال الله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] ولا تتحقق العبادة إلا بالإقرار بأنه لا إله إلا الله -لا إله غيره جل وعلا- والاستقامة على هذه الكلمة، والعمل بمقتضاها، فإن العبادة كلها مشمولة بهذه الكلمة داخلة فيها، ولذلك كان شأنها عظيماً، فإذا قالها الإنسان صادقاً من قلبه حرمه الله على النار، وكان من أهل الجنة. فقول المؤلف ﵀: (ولا إله غيره) فيه إثبات إلهية الرب ، فمعنى الكلمة لا إله إلا الله: لا معبود بحق إلا الله، لماذا احتجنا إلى تقدير (حق) ؟ حتى نخرج المعبودات الباطلة، ولو قلنا: لا معبود إلا الله لوقعنا في الإشكال، وهو وجود من يعبد غير الله، ألم يعبدوا الشمس والقمر والأصنام والملائكة والأنبياء؟ فهؤلاء عبدوا من دون الله، فهذا القيد ضروري لإخراج كل من عبد من دون الله وهو باطل، أيضاً لابد من هذا القيد؛ لأن الكلام بدون هذا القيد يفهم منه معنى باطل، وهو أن كل ما عبد من دون الله فهو إله حق. فإذا قال قائل: لا معبود إلا الله. تفهم منه أن كل من توجه إليه العبادة فهو إله ومعبود، وهذا المعنى هو ما كان يقوله أهل وحدة الوجود الذين جعلوا كل شيء معبوداً من دون الله، فالذي يعبد الصنم إنما يعبد الله، والذي يعبد الشمس إنما يعبد الله، والذي يعبد الملائكة إنما يعبد الله، والذي يعبد الكلاب والخنازير إنما يعبد الله، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، ومنه قول شاعرهم: وما الكلب والخنزير إلا إلهنا وما الرب إلا عابد في كنيسة فجعل كل معبود من دون الله إنما هو في الحقيقة يعبد الله، وهذا المعنى باطل، لكن الذين قالوا: لا معبود إلا الله ولم يقدروا (بحق) يقين أنهم لا يقصدون هذا القول، لكن لما كان يترتب على عدم التقدير معنى باطل احتجنا إلى تقدير (حق) فكلمة (حق) ضرورية لإخراج المعبودات من دون الله ولنفي ما يعتقده أهل وحدة الوجود من أن كل معبود في الأرض هو الله جل وعلا؛ لأن هؤلاء يعتقدون أن كل شيء تعبده أو كل شيء عبد من دون لله فهو على حق ولا تنكر على عبدة الأصنام ولا على عبدة الفروج ولا على عبدة الأحجار لأن هؤلاء إنما يعبدون الله عندهم، وهذا كذب وضلال وتحريف لدين رب العالمين. لكن ما الدليل من الكتاب على هذا التقرير، (لا إله حق) ؟ الدليل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ [الحج:٦] وقوله تعالى ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ﴾ [يونس:٣٢] فكل هذا يدل على وجوب تقدير (حق) ؛ لأن ما عبد من دونه فإنما يعبد من غير حق وبدون استحقاق.

стр. 19

اعتقاد أن الله قديم بلا ابتداء، دائم بلا انتهاء ثم قال ﵀: [قديم بلا ابتداء، دائم بلا انتهاء] . (قديم بلا ابتداء) أي: أنه جل وعلا لا بداية له، ولا أول له، فهو الأول الذي ليس قبله شيء. (دائم بلا انتهاء) : هذا فيه الخبر عن آخريته ، وأنه ليس بعده شيء، وهذان الوصفان في كلام المؤلف ﵀ مأخوذان من قوله تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ﴾ [الحديد:٣] وهذان الاسمان للرب جل وعلا اللذان يتضمنان إثبات وصف الأولية والآخرية، ويفيدان معنى واحداً للرب جل وعلا، وهو الإحاطة الزمنية، فالله جل وعلا قد أحاط بكل شيء زمناً، فهو الأول الذي ليس قبله شيء، وهو الآخر الذي ليس بعده شيء جل وعلا، ولا ينافي هذا أن أهل الجنة يقال لهم: (خلود بلا موت) فإن خلودهم إنما هو بإعطاء الله جل وعلا وهبته ومنته، فليس خلودهم ذاتياً، بخلاف آخريته جل وعلا وبقائه، فإنه وصف له ذاتي ليس مكتسباً من شيء، وهذا معنى قول الله جل وعلا: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ﴾ [الحديد:٣] ، وقد فسر النبي ﷺ ذلك حيث قال: (أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء) . ثم اعلم أن قوله: (قديم بلا ابتداء) علق عليه بعض الشراح فقالوا: إنه لا يصح تسمية الله بالقديم، وإن ذكر القديم إنما هو على وجه الوصف، والحقيقة أن الكلام على ظاهره ليس في أسماء الله القديم، ولكن كلام المؤلف ليس فيه ما نحتاج بسببه إلى هذا التحليل؛ لأنه لم يقل القديم، وإنما قال: (قديم بلا ابتداء) على وجه الخبر والتفسير لقول النبي ﷺ : (الأول) وقول الله : ﴿هُوَ الأَوَّلُ﴾ [الحديد:٣] فهو ترجمة وبيان لقوله ﷺ : (الأول الذي ليس قبلك شيء) . وأما لفظ (القديم) فإنها عند أهل الكلام تقابل ما دل عليه من الكتاب والسنة من اسمه جل وعلا (الأول) ، فإن القديم عندهم هو الأول، ولذلك عندهم القديم: الذي لا بداية له، ويسمونه القدم الأزلي. والتعبير الذي في الكتاب والسنة أفضل، وما تكلم به الله جل وعلا وما جاء في السنة أكمل وأحسن فيما يتعلق بالخبر عنه، لكن من القواعد التي ينبغي لنا أن نفهمها فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته: أن الأسماء توقيفية، والصفات كذلك توقيفية إلا أنها أوسع من الأسماء. ثم بعد ذلك تأتي المرتبة الثالثة، وهي: ما يسمى بالإخبار عن الله ، فالإخبار عنه جل وعلا أوسع من الصفات، فتخبر عنه فيما لم يأت ذكره في الكتاب والسنة، فتقول: يصنع الله كذا. وهذا لا بأس به؛ لأن الأخبار أمرها واسع، فتقول: هو قديم جل وعلا. وتقصد بالقديم: أنه المتقدم على غيره الذي ليس قبله شيء، لكن فيما يتعلق بالأسماء وبالصفات لابد من النص الدال على الاسم والصفات. فقوله: (قديم بلا ابتداء) هذا معنى ما ذكره الله في اسمه الأول، كذلك: (دائم بلا انتهاء) أي: أنه لا نهاية له فهو الآخر جل وعلا الذي ليس بعده شيء.

стр. 20

اعتقاد البقاء الدائم لله تعالى واختصاصه بهذه الصفة ثم قال ﵀: [لا يفنى ولا يبيد] . الفناء: هو الهلاك. والبيد: هو الانقطاع والانتهاء. وهو قريب من معنى الفناء، فنفى المؤلف ﵀ عن الله جل وعلا هذين الوصفين، ونفي هذين الوصفين دل عليه قول الله جل وعلا: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨] فأثبت لنفسه الحياة، وهي البقاء الدائم، ثم قال: (الذي لا يموت) وهذه الصفة اختص الله جل وعلا بها دون غيره، فإن حياته حياة كاملة لا تنقضي ولا تنقطع، وأما ما عداه فإنه يهلك: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] وقد قال الله جل وعلا فيمن هم على الأرض: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦-٢٧] فبقاء الله جل وعلا دائم بلا انتهاء، فقوله: (لا يفنى ولا يبيد) تأكيد لمعنى قوله (دائم بلا انتهاء) ، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] . ويدل عليه أيضاً التأكيد لهذين الوصفين في قوله تعالى: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] .

стр. 21

اعتقاد الإرادة المطلقة لله تعالى ثم قال ﵀: [ولا يكون إلا ما يريد] هذا فيه إثبات الإرادة لله جل وعلا، والإرادة ثابتة له بالكتاب والسنة والإجماع والعقل، ولذلك فالإرادة من الصفات التي يثبتها من يعتمد العقل في إثبات الصفات، وهم مثبتة الصفات كالأشاعرة والماتريدية والكلابية، وعلى هذا فهي صفة ثابتة لله في الكتاب والسنة والإجماع والعقل.

стр. 22

الإرادة الشرعية واعلم أن الإرادة الثابتة لله تنقسم إلى قسمين: - إرادة دينية شرعية أمرية. - وإرادة كونية خلقية قدرية. يعني: تسمى إرادة أمرية وتسمى إرادة شرعية وتسمى إرادة دينية وهي شيء واحد، والمراد بالإرادة الدينية: كل ما أمر الله به عباده من الطاعات الواجبة والمستحبة يعني: كل المأمورات التي أمر الله بها جل وعلا على وجه التعبد، وهذا النوع من الإرادة يتعلق بمحبته ورضاه جل وعلا، فلا يأمر جل وعلا شرعاً إلا بما يحب، ولا يأمر شرعاً إلا بما يرضى. الوصف الثاني الذي تختص به هذه الإرادة: أنها فيما هو غير لازم للوقوع أي: قد يقع وقد لا يقع، فالإرادة الشرعية لا تستلزم الوقوع، فالله جل وعلا أراد من الخلق العبادة والدليل ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] فهل هذا تحقق من جميع الخلق؟ لم يتحقق من جميعهم ولو كان المراد هنا مراداً كوناً وقدراً لكان لابد أن يتحقق لكنه مراد ومحبوب له شرعاً فكان غير لازم الوقوع.

стр. 23

الإرادة الكونية القسم الثاني من الإرادة: الإرادة الكونية الخلقية القدرية، وهذا هو الذي يصدر عنه كل ما يقع في الكون، فالإرادة القدرية الكونية هي مشيئة الله جل وعلا التي عنها يصدر كل شيء، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وقول: (ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن) هذا هو الإرادة الكونية، فكل ما وقع في الكون من خير أو شر، من بر أو معصية، مما يحب الإنسان أو يكره، مما يحب الله ويكرهه، مما يرضاه ومما لا يرضاه، كالإيمان والكفر والطاعة والمعصية والاستقامة والغي كل هذا داخل في الإرادة الكونية. عرفنا من هذا أن الإرادة الكونية تختلف عن الإرادة الشرعية في أنها لا تتعلق بالمحبة والرضا، الفرق الثاني: أن الإرادة الكونية لابد أن تقع، فما أراده الله كوناً لابد أن يقع ما فيه، لا محالة من وقوعه، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ما شاء وجد وما لم يشأ لم يوجد، هذا الذي يميز الإرادة الكونية عن الإرادة الشرعية. واعلم أن هذا التفريق اليسير الذي دلت عليه النصوص من الكتاب والسنة انطمس على كثير من أهل الكلام؛ فلم يميزوا بين نوعي الإرادة، بل الإرادة عندهم شيء واحد، فلا فرق عندهم بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية، وهذا الانطماس في التفريق وعدم التمييز بين نوعي الإرادة أوقعهم في أنواع من الضلال فيما يتعلق بالقدر، وفيما يتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأشياء كثيرة.

стр. 24

الأمثلة على الإرادة الشرعية والكونية ولنضرب مثالاً للإرادة الشرعية من كلام الله : فمن أمثلة الإرادة الشرعية قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥] . هل الإرادة هنا شرعية أو كونية؟ شرعية: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٢٦] ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء:٢٨] . كل هذه إرادات شرعية غير لازمة الوقوع، قد لا يتوب الله على بعض من عصى، إنما هو يريد التوبة إرادة شرعية يحبها ويرضاها، لكن قد لا تقع من العبد. مثال النوع الثاني من الإرادة، وهي الإرادة الكونية قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥] . ومثاله أيضاً قول الله تعالى فيما ذكره عن نوح: ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود:٣٤] . إرادة الإغواء هنا هل هي مما يحبه الله ويرضاه؟ لا. إنما هي من مقتضى حكمته جل وعلا، فهي من الإرادة الكونية والذين لا يفرقون بين نوعي الإرادة يجعلون جميع الإرادة متعلقة بالمحبة، فكل ما أراده الله فهو محبوب له، وكل ما وقع فهو محبوب له. وعلى هذا فإن الزنا محبوب له أعوذ بالله! لماذا؟! لأنه أراده ووقع، ولو لم يرده ويحبه لما وقع، ولكنهم ضلوا لعدم التمييز بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونية، وهؤلاء الذين يقولون: إن كل ما يقع محبوب له وهم الجبرية الجهمية، يقابلهم القدرية الذين يقولون: إن الله جل وعلا لم يرد الزنا من الجاهلين، فهو واقع من غير إرادته جل وعلا، وهؤلاء كذبوا على الله جل وعلا، فإنه لا يقع شيء في الكون إلا بإرادته، فما من حركة ولا سكون ولا ذهاب ولا إياب ولا قيام ولا قعود إلا بإرادة الله جل وعلا ولا معصية ولا طاعة إلا بإرادته جل وعلا، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير:٢٩] فكل ما في الكون هو بإرادته جل وعلا، لكن هؤلاء قالوا: إنه ليس مراداً لله؛ لأنه ليس محبوباً له، والله لا يريد إلا ما يحب، فأخرجوا المعاصي عن إرادة الله جل وعلا. ولذلك قال أحدهم كلمةً ظاهرها التعظيم لله وباطنها التعطيل لصفة الإرادة فقال: سبحان من تنزه عن الفحشاء. فهذه كلمة جيدة، فلما فهمها العالم السلفي قال له: سبحان من لا يكون في ملكه إلا ما يشاء؛ لأن الأول مراده أن الزنا والسرقة وما يكون من المخالفات إنما هي واقعة من غير إرادة الله، ولذلك هو منزه عن إرادة الفحشاء، فرد عليه العالم السلفي فقال: سبحان من لا يكون في ملكه إلا ما يشاء. فأيهما أبلغ تعظيماً؟ اللفظ الثاني لا إشكال فيه؛ لأن فيه تمام الملك والتصرف من رب العالمين، وأنه لا يقع في ملكه إلا ما يشاء جل وعلا، وهو المطابق لقوله: (ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن) . المهم أن هذه القضية الواضحة التي دل عليها الكتاب والسنة من أجلى ما يكون لمن سلم من الشبهات والخيارات الفاسدة، والظنون الكاذبة هي ملتبسة على أصحاب الأهواء من أهل الكلام، حيث جعلوا الإرادة بنوعيها نوعاً واحداً، ففسروا الإرادة بالمحبة، فما شاءه الله فهو محبوب له، وهذا يستوي فيه القدرية والجبرية، فالجبرية يوسعون ويقولون: كل ما وقع فهو محبوب له، ويقابلهم القدرية الذين يخرجون عن إرادة الله المعاصي، فيقولون: المعاصي ليست مرادة له .

стр. 25

اعتقاد عجز الأفهام والخيالات عن إدراكه ثم قال ﵀: [لا تبلغه الأوهام ولا تدركه الأفهام] (لا تبلغه) يعني: الأفكار والخيالات والظنون فمهما شد الإنسان ذهنه وأعمل فكره وأشغل عقله في التوصل لصفات الله وما له من الكمال فإنه يعود منكسراً حقيراً لا يصل إلى شيء؛ لأنه جل وعلا ليس كمثله شيء، فإذا كان ليس كمثله شيء فمهما وقع في باله أو خطر في ذهنه أو دار في خاطره فليعلم أن الله ليس كذلك؛ لأنه جل وعلا ليس كمثله شيء، والعباد لا يمكن أن يحيطوا بصفة من صفاته فكيف به جل وعلا؟! قال الله جل وعلا في صفة العلم وهي من صفاته: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] هذا في صفة من صفاته بجزء يسير من علمه فكيف به؟! فنفى جل وعلا الإحاطة به بصفة من صفاته، ونفى الإحاطة به فقال: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ [طه:١١٠] . ثم اعلم أن الله جل وعلا لكماله وعظيم ما يتصف به لا يدركه الإنسان حتى لو نظر إليه، نسأل الله أن نكون من الناظرين إليه سبحانه، فإنه إذا نظر الإنسان إلى ربه يوم القيامة فهذا النظر لا يحصل به الإدراك، كما قال جل وعلا: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٠٣] بل إن هذه السماوات لو أراد الإنسان أن يحيط بها لما استطاع، ولذلك قال الله جل وعلا: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك:٤] فلا يمكن أن يدرك عظم هذا الخلق العظيم، والبناء الكبير، وهو مخلوق من مخلوقات الله جل وعلا فكيف به ، فهو جل وعلا لا تبلغه الأوهام. ولذلك ينبغي للمؤمن أن يقطع الوساوس، وأن يقطع الطريق على الشيطان، بأن يذكر قول الله جل وعلا إذا ورد عليه خاطر أو ما أشبه ذلك: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ليريح باله، ويهنئ فؤاده، ويطمئن قلبه، ويسلم من كثير مما يصطلي به أصحاب الوساوس والأفكار. قال: (ولا تدركه الإفهام) أي: لا تحيط به الأفهام، وهذا مستفاد من الآيات التي ذكرناها في قوله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ [طه:١١٠] ومن قوله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] ومن قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] . كيف نستدل بقول (لا تدركه الأبصار) على أنه لا تدركه الأفهام؟ نقول: إن قوله تعالى: (لا تدركه الأبصار) يدل على صحة قوله (لا تدركه الأفهام) ؛ لأنه إذا كان إدراك البصر مع سهولته ويسر حصول المطلوب من طريقه لا يحصل فيما يتعلق بالله وصفاته، فكيف بما هو أصعب وهو إدراك الأفهام. فإذا كان لا تدركه الأبصار مع سهولة إدراك البصر فإدراك الأفهام من باب أولى. هذا وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 26

شرح العقيدة الطحاوية [٣] الله متصف بصفات الكمال والجمال والعظمة، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، له الأسماء الحسنى المتضمنة للصفات العلى، وصفاته صفات ذاتية قديمة، وصفات فعلية يثبت في آحادها الحدوث لتعلقها بمشيئته سبحانه.

стр. 27

الفرق بين مصطلح المماثلة والمشابهة فيما يتعلق باعتقاد أن الله ليس كمثله شيء بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد: فقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا يشبه الأنام، حي لا يموت، قيوم لا ينام، خالق بلا حاجة، رازق بلا مؤنة] . تصح مئونة أو مؤنة، لكن المشهور عند مشايخنا مئونة. [خالق بلا حاجة، رازق بلا مئونة، مميت بلا مخافة، باعث بلا مشقة، ما زال بصفاته قديماً قبل خلقه، لم يزدد بكونهم شيئاً، لم يكن قبلهم من صفته، وكما كان بصفاته أزلياً كذلك لا يزال عليها أبدياً، ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق، ولا بإحداث البرية استفاد اسم الباري، له معنى الربوبية ولا مربوب، ومعنى الخالق ولا مخلوق، وكما أنه محيي الموتى بعد ما أحيا استحق هذا الاسم قبل إحيائهم، كذلك استحق اسم الخالق قبل إنشائهم، ذلك بأنه على كل شيء قدير، وكل شيء إليه فقير، وكل أمر عليه يسير، لا يحتاج إلى شيء] . قوله ﵀: (ولا يشبه الأنام) ، هذا فيه ما تقدم في قوله: (لا شيء مثله) ، وقد تقدم الكلام على نفي المثلية لله ، وأنه جل وعلا ليس كمثله شيء، دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع والعقل. فإن الله لا مثيل له في ذاته، ولا مثيل له في أسمائه وصفاته، ولا مثيل له في أفعاله، ولا مثيل له فيما يجب له. فقول المؤلف ﵀ هنا: (لا يشبه الأنام) تكرار لما تقدم، وهذا من المواضع التي كرر فيها المؤلف ﵀ القول، وسيأتي أيضاً مزيد تكرير لهذا الأمر. وقوله: (الأنام) المراد بهم الخلق، (لا يشبه الأنام) فهو ليس بينه وبين خلقه مشابهة، فالمنفي هنا هو المشابهة. وإذا نظرنا إلى نصوص الكتاب والسنة لم نجد فيهما ما يدل على نفي المشابهة، إنما الذي في الكتاب والسنة هو نفي المثلية: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ، ولذلك ذهب جماعة من المحققين من أهل العلم: إلى أن الذي ينفى عن الله هو المثل لا الشبيه؛ وذلك أنه جل وعلا أخبرنا بصفات عن نفسه، وهذه الصفات نحن لا ندرك كيفيتها، وإنما نعقل معناها ونفهم معناها لما أدركناه في المشاهدة مما هو شبيه لها، والمشابهة ليست في الصفة التي اتصف بها الله جل وعلا، بل هي في أصل الصفة. فمثلاً: العلم ندرك معناه، فالعلم ضد الجهل، وقد وصف الله جل وعلا نفسه بالعلم، ونحن ندرك أن العلم الذي يتصف به المخلوق هو ضد الجهل، فبين العلم الموصوف به الرب جل وعلا والعلم الموصوف به العبد مشابهة من حيث أصل المعنى وهو عدم الجهل، ولكن هل علم الله كعلم المخلوق؟ لا، لا إشكال أن علم الله جل وعلا ليس كمثله شيء كسائر صفاته ، فثبوت أصل المشابهة لا يعارض نفي المثلية، وإنما ذكر المؤلف ﵀ وغيره من أهل السنة نفي المشابهة؛ لأن نفي المشابهة في اصطلاح المتكلمين يوازي ويعني نفي المماثلة، فعندهم لا يشبه الأنام أو ليس له شبيه مرادهم بذلك أنه ليس له مثيل، مع أن بعضهم يستعمل هذا في نفي كل الصفات فيقول: (لا يشبه الأنام) ومعنى هذا: أنه ما أخبر به عن نفسه من الأوصاف لا نعقله، فيستعملون هذا لنفي الصفات المتقررة التي يثبتها أهل السنة والجماعة، والصحيح في النفي أن ننفي المماثلة، أما المشابهة فإننا إذا نفيناها بالكلية يلزم من ذلك أننا لا نعقل ما أخبر الله به عن نفسه، فلا نعقل معنى العلم؛ لأنه لا يوجد مشابهة، ولا نعقل معنى الحلم؛ لأنه لا يوجد مشابهة، ولا نعقل معنى البصر والسمع والكلام وما إلى ذلك مما وصف الله به نفسه، إذا كان المنفي هو أدنى مشابهة فإنه يتعذر علينا فهم ما أخبر الله به عن نفسه؛ ولذلك تحرير القول في نفي المشابهة أن نقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ، وأما المشابهة فلابد منها بين كل شيئين، ولكن المشابهة لا تستلزم إثبات النقص لله ، أو إثبات الصفة للمخلوق كصفة الخالق، أو جعل صفة الخالق كصفة المخلوق؛ ولذلك الأحسن في النفي أن نقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] . وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حين كتب عقيدة الواسطية تحرى ألا يكون فيها إلا ما جاء النص عليه في كتاب الله أو في سنة رسوله ﷺ ، ولما أراد نفي المماثلة لم يستعمل نفي المشابهة، بل استعمل النص القرآني فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] . وقال أيضاً في النفي: من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، ولم يقل: تشبيه، فلم يذكر المشابهة؛ لأن المشابهة لفظ مجمل قد يتوصل به إلى نفي أصل الصفات التي يثبتها أهل السنة والجماعة. والمراد: أن الله جل وعلا لما كان الغاية في الكمال فإنه جل وعلا لا مثيل له ولا نظير ولا سمي ولا كفء لا في ذاته ولا في أسمائه ولا في صفاته، ولا في أفعاله، ولا فيما يجب له .

стр. 28

اعتقاد الحياة الكاملة والقيومية لله ثم قال المؤلف ﵀: [حي لا يموت] . وهذا دليله قول الله : ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨] ، وهو معنى قول المؤلف ﵀: (قديم بلا ابتداء، دائم بلا انتهاء) ، فإن حياته جل وعلا لا مبدأ لها، ولا منتهى لها، بل هو الحي القيوم جل وعلا، فهو حي حياة كاملة؛ ولذلك أكد المؤلف ﵀ هذا المعنى بقوله: (لا يموت) ، وقد استفاد ذلك من كتاب الله في قوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨] ، مع أن إثبات الحياة يكفي فيه قوله تعالى: ﴿الْحَيِّ﴾ [الفرقان:٥٨] لكن قال: (لا يموت) لأجل أي شيء؟ لأجل أن ينفي كل نقص عن هذه الحياة، فإن حياته لا يتطرق إليها نقص بوجه من الوجوه، بل هي الحياة التامة الكاملة الدائمة الباقية التي لا انتهاء لها ولا نقص، وهذا فائدة النفي في قوله: (الذي لا يموت) فإن وصف الله بالنفي هنا في قوله (الذي لا يموت) مقصوده إثبات كمال الصفة، وهي صفة الحياة. ونظير هذا قول الله جل وعلا في أعظم آية من كتابه: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] ، ثم أكد كمال الحياة وكمال القيومية بقوله: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] ؛ لكمال حياته وقيوميته . ثم قال المؤلف: [قيوم لا ينام] (قيوم) هذا من أسمائه ومن صفاته جل وعلا، فمن أسمائه القيوم، ومن أوصافه القيومية، ومعنى القيوم أنه جل وعلا قائم بنفسه، فلا حاجة به إلى خلقه، وهو جل وعلا مقيم لخلقه، فكل أحد محتاج إليه، فهو الصمد الذي لا تستغني عنه الخلائق، وليس به الحاجة، ولا غنى عنه : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥] . فمعنى القيوم: أنه القائم بنفسه فلا حاجة به إلى غيره، وأنه جل وعلا المقيم لغيره، فكل أحد قيامه بإقامة الله ، فالسماوات والأرض إنما تقوم بإقامة الله ، كما قال جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر:٤١] يعني: لا يمسكهما أحد من بعده إن رفع إمساكه لهما. والقيومية يصدر عنها كل فعل لله جل وعلا، ولذلك كان اسم الحي واسم القيوم يرجع إليهما جميع معاني أسماء الله وصفاته، فالحياة تستلزم كل وصف كمال من أوصاف الذات، والقيومية تستلزم كل وصف كمال من أوصاف الفعل؛ ولذلك قيل: إن الاسم الأعظم هو الحي القيوم، وهذا من أسباب كون آية الكرسي أعظم آية في كتاب الله ؛ لكونها احتوت على هذين الاسمين اللذين إليهما ترجع أوصاف الكمال وأسماء الله الحسنى. قال ابن القيم ﵀: وله الحياة كمالها فلأجل ذا ما للممات عليه من سلطان وكذلك القيوم من أوصافه ما للمنام لديه من غشيان وكذاك أوصاف الكمال جميعها ثبتت له ومدارها الوصفان قال: (ومدارها الوصفان) أي: وجميع صفات الكمال هذه ترجع إلى هذين المعنيين أنه الحي القيوم جل وعلا، وهذا هو السر في كون هذين الاسمين يمثلان الاسم الأعظم لله جل وعلا، بل قال شيخ الإسلام ﵀: إن اسم الحي وصفة الحياة التي أثبتها الله لنفسه يدل بالالتزام على جميع أسماء الله وصفاته، فناسب أن يبدأ المؤلف ﵀ ذكر الصفات بهذين الاسمين العظيمين اللذين يرجع إليهما كل اسم من أسماء الله الحسنى، وكل وصف من أوصافه العلى.

стр. 29

اعتقاد أن الله يخلق الخلق بلا حاجة إليهم ويرزقهم بلا تعب أو مشقة ثم قال: [خالق بلا حاجة] فأثبت صفة الخلق لله جل وعلا، ونفى في هذه الصفة أن يكون الخلق عن حاجة؛ لأن من يخلق ومن يصنع قد يكون سبب خلقه وصناعته حاجته إلى ما يخلق، فإذا احتاج إلى شيء خلقه، كما أن الإنسان إذا احتاج إلى قلم صنعه، وإذا احتاج إلى بيت بناه وعمره، وإذا احتاج إلى مركب سواه وركبه، وهلم جراً، إلا أن الله جل وعلا خالق بلا حاجة. وهذا قد أشار الله جل وعلا إليه في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾ [الذاريات:٥٦-٥٧] ، فذكر الخلق والغاية منه ثم نفى أن يكون هذا الخلق للحاجة ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٧-٥٨] . فخلقه ناشئ عن شدة قوته، وكمال غناه جل وعلا، لا عن حاجته إلى خلقه، والخلق من صفات الله العظيمة، وهي تعني: الإبداع والإيجاد والتكوين، ومعنى الخالق: المبدع الموجد المكون . ثم قال: [رازق بلا مئونة] أي: أنه جل وعلا يرزق عباده، ورزقه جل وعلا لا يكلفه ولا يتعبه ولا يشق عليه، بل رزقه للواحد كرزقه للخلق، ليس فيه كلفة، ويدل على ذلك قول الله جل وعلا لما ذكر ملكه للسماوات: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة:٢٥٥] أي: لا يكلفه ولا يثقله ولا يتعبه حفظ السماوات والأرض ومن فيهما؛ لأن الحفظ ليس فقط لجرم السماء وجرم الأرض، بل حفظه جل وعلا لمن في السماء ومن في الأرض. ومن تمام الحفظ الرزق فإنه لا يقوم الحفظ إلا بالرزق؛ فلذلك كان جل وعلا رازقاً بلا مئونة، ويدل على ذلك أيضاً ما في الصحيح من حديث أبي ذر أن النبي صل الله عليه وسلم قال: (قال الله تعالى: يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا على صعيد واحد فسألوني، فأعطيت كل واحد منهم مسألته لم ينقص ذلك من ملكي شيئاً) ، فملك الله جل وعلا لا ينفد، ولا ينقصه سؤال السائل، ولا إعطاء الداعي، فهو جل وعلا رازق بلا مئونة، أي: بلا كلفة.

стр. 30

اعتقاد أن الله مميت لخلقه دون خشية منازعتهم له، باعث لهم بعد ذلك دون مشقة ثم قال: [مميت بلا مخافة] لما ذكر الخلق جل وعلا ذكر الإماتة، وذلك أن من تمام الإيمان بالله أن يؤمن العبد بأنه المحيي، المميت، الخالق، الباعث. قال ﵀: (مميت بلا مخافة) أي: أنه قضى بالموت على كل حي، وأذل به قوة الأقوياء جل وعلا، فإنه كتب الموت على كل خلقه، فلا أحد من خلقه من الناس سالم من الموت، بل قد جعل الله جل وعلا الموت لكل نفس: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥] ، لكن هذا الموت ليس عن خوف من منازعة المخلوق بل هو من تمام قدرته وقوته، واقتداره على خلقه؛ لأن الإنسان قد يميت شخصاً مخافة أن ينازعه في الملك، أو أن ينزع منه شيئاً مما هو له من الصفات أو من الملك أو من غير ذلك، فالله جل وعلا مميت بلا مخافة، وهذه الصفات لله بعضها يستفاد من الاسم كما دل عليه الكتاب والسنة في مثل الخالق، فقد جاء هذا الاسم لله ، وكذلك الرازق ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٨] ، أما المميت فإنه لم يثبت تسمية الله تعالى به في الكتاب ولا في السنة، فليس من أسمائه ، وجاء ذلك في حديث أبي هريرة الذي فيه ذكر الأسماء لكنه لم يثبت، والحديث معلوم أنه لا يصح عند أئمة الحديث والعلماء بهذا الشأن. يقول ﵀: [باعث بلا مشقة] ، بعد أن ذكر الإماتة ذكر البعث؛ وذلك أنه من تمام الإيمان بربوبية الله جل وعلا الإيمان بأنه باعث يبعث الخلق، والبعث: هو الإحياء بعد الإماتة، وهذا عام لكل من فيه حياة، فإن كل من فيه حياة يبعثه الله جل وعلا، ويحشره يوم القيامة ويبعثه بلا مشقة، كما قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٩] ، وكما قال : ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان:٢٨] ، وهذا يدل على سهولته ويسره على رب العالمين، وأنه جل وعلا لا مشقة عليه في الخلق، قال : ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم:٢٧] ، فلا مشقة في بعث الخلق كلهم، إنسهم وجنهم، دوابهم وطيورهم، ما في البحر وما في البر، كلهم يبعثهم الله ، ثم يحشرهم يوم القيامة، كل أمة تأتي في موقف عظيم مهول تشيب له رءوس الولدان.

стр. 31

اعتقاد أن صفات الله الذاتية قديمة ثم قال بعد أن قرر البعث: [ما زال بصفاته قديماً قبل خلقه] . هذا فيه الرد على معطلي الصفات من الجهمية والمعتزلة، فإن المؤلف ﵀ أبطل بعض الشبه الكبار التي يعتمدها الجهمية والمعتزلة في إنكار الصفات. واعلم -بارك الله فيك- أن صفات الله جل وعلا تنقسم إلى قسمين: صفات ذاتية، وصفات فعلية، أي: صفات ذات، وصفات فعل. القسم الأول: صفات الذات: وهي التي لم يزل ولا يزال متصف بها، فهو متصف بها في الأزل والأبد كصفة الحياة، فهو الحي جل وعلا أزلاً وأبداً، وكصفة العلم، وكصفة القيومية، وغير ذلك من صفات الذات، فهو متصف بها أزلاً وأبداً. القسم الثاني من الصفات: صفات الفعل، أو الصفات الفعلية: وهذا النوع من الصفات يفارق النوع السابق في أن الله جل وعلا متصف بها إذا شاء، فهي صفات متعلقة بمشيئته ، ومثال ذلك: الإحياء والإماتة، والاستواء، فهذه من صفات الفعل؛ لأنه لما شاء أن يستوي استوى جل وعلا. ومنها أيضاً النزول، فكل صفات الفعل يسميها بعض العلماء الصفات الاختيارية للدلالة على أنها معلقة بالمشيئة والاختيار، إذا شاء اتصف بها وإذا شاء لم يتصف بها. والنوع الأول من حيث اتصاف الله جل وعلا بها في الأزل ليس فيه إشكال، فالله حي قيوم سميع بصير عليم أزلاً وأبداً، فقول المؤلف ﵀: (ما زال بصفاته قديماً) المراد بذلك: صفات الذات، ولا إشكال أن صفات الذات داخلة في هذا؛ لأنه لم يزل متصفاً بهذه الصفات، فهو الحي ولا أولية لحياته، وهو الأول الذي ليس قبله شيء ، وكذلك العلم، وكذلك السمع، والبصر، والإرادة، كل هذه من الصفات الذاتية التي اتصف بها منه الأزل، فهي قديمة، والمراد بالقديم هنا: أنها لا أول لها، فقوله: (ما زال بصفاته قديماً) ، دخل في هذا صفات الذات. وهل صفات الفعل قديمة؟ هي قديمة من حيث الجنس، ومعنى قديمة: أنه لا أول لها، يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج:١٦] ، ويدل على ذلك أيضاً أنه جل وعلا القيوم وهو موصوف بهذا أزلاً وأبداً، لكن أفراد الصفات الفعلية الاختيارية حادثة بعد أن لم تكن، فعندنا في صفات الفعل جنس الأفعال وهذا قديم ليس قبله شيء، أما أفراد الأفعال وآحاد الأفعال فهذه حادثة بعد أن لم تكن. استواء الله جل وعلا على العرش هل هو من الأزل أم أنه جرى وحدث بعد أن لم يكن؟ حدث بعد أن لم يكن، فإنه جل وعلا بعد خلق السماوات والأرض استوى على العرش، وقبل ذلك لم يكن مستوياً على العرش، لكن من حيث فعل الله جل وعلا هل هو حادث أم قديم؟ جنس الفعل وأصل الفعل قديم فإنه جل وعلا فعال لما يريد، وهذا وصف لا يتقيد بزمن، بل هو جل وعلا فعال لما يريد.

стр. 32

اعتقاد أن الله اتصف بصفات الخالق والبارئ وغيرها من صفات الكمال قبل أن يخلق الخلق ويحدثهم قال المؤلف ﵀: [مازال بصفاته قديماً قبل خلقه] يعني: قبل أن يخلق خلقه [لم يزدد بكونهم شيئاً] أي: بخلقهم وإيجادهم ورزقهم وإمدادهم وإحيائهم وإماتتهم، لم يزدد بهذه الأفعال وهذه الأوصاف شيئاً [لم يكن قبلهم من صفته] ، بل هو الموصوف بصفات الكمال أزلاً قبل كل شيء. الآن فرغ المؤلف من تقرير أن الله جل وعلا متصف بهذه الصفات أزلاً، ومعنى الأزل: الذي لا أول له، قال: [وكما كان بصفاته أزلياً] أي: أنه لا أول لصفاته، [كذلك لا يزال عليها أبدياً] أي: أنه لا آخر لهذه الصفات، بل هي ممتدة؛ لأنه الآخر، وهذا الوصف للذات، فهو الآخر جل وعلا ليس بعده شيء. ثم قال في تقرير المعنى وتوضيحه وتبيينه: [ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق] ، بل هو الخالق قبل أن يخلق الخلق جل وعلا [ولا بإحداث البرية استفاد اسم الباري] ، والبرية: هم الخلق، وهو جل وعلا الموصوف والمتسمي بهذا الاسم قبل أن يخلق الخلق : ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ﴾ [الحشر:٢٤] أزلاً وأبداً، فليس بعد أن خلق البرية وأوجدهم استفاد اسم الباري، والخالق والباري اسمان من أسماء الله دل عليهما الكتاب في قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ﴾ [الحشر:٢٤] والفرق بين الخالق والبارئ: أن الخالق الموجد، والبارئ المبدع، وقيل في الفرق: إن الخالق هو المقدر، والبارئ هو الموجد لهذا التقدير، ومعناهما متقارب. ثم قال: [له معنى الربوبية ولا مربوب] أي: أن الله متصف بأنه الرب ولا مربوب؛ لأنه بصفاته قديم، وهو الأول الذي ليس قبله شيء، [ومعنى الخالق ولا مخلوق] أي: أنه جل وعلا موصوف بأنه الخالق ولا مخلوق وهذا تكرار لقوله [ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق] . ثم قال في الاستدلال لصحة هذا التقرير: [وكما أنه محيي الموتى بعدما أحيا؛ استحق هذا الاسم قبل أحيائهم، كذلك استحق اسم الخالق قبل إنشائهم] . يقول المؤلف ﵀ في الاستدلال لكونه بصفاته قديماً قبل أن يخلق الخلق: كما أنه محيي الموتى، والموتى لم يحصل لهم بعد الإحياء العام، وإنما يكون بعد قيام الساعة ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] ، فإذا نفخ في الصور بعث الله الخلق وأحياهم، هل هذا موجود أو ليس بموجود؟ لم يوجد بعد، ومع هذا يوصف الله جل وعلا بأنه محيي الموتى. يقول المؤلف ﵀: [فكما أنه محيي الموتى بعدما أحيا] يعني: كما أنه متحقق بهذا الوصف بعد إحيائه يوم القيامة لخلقه وهو استحق هذا الاسم قبل إحيائهم يعني: استحقه في الدنيا قبل أن يحصل الأحياء؛ كذلك استحق اسم الخالق قبل إنشائهم، وهذا دليل واضح يبين بأن الله جل وعلا موصوف بصفات الكمال أزلاً، وأنه لم يحدث له شيء من الصفات بعد أن لم يكن، والمقصود صفات الذات، وجنس صفات الفعل. وفي هذا الموضع يبحث بعض العلماء مسألة تسلسل الحوادث، وهي مسألة لا خير في بحثها إلا على وجه الرد على أهل الشبه الذين يريدون إبطال ما دلت عليه النصوص من أن الله جل وعلا موصوف بصفات الكمال أزلاً وأبداً، والنظر في هذه المسألة لا يزيد به الإيمان ولا يزداد به العلم، وإنما اضطر إليه أهل السنة والجماعة في الرد على المبتدعة الذين تكلموا بهذه الأمور. ولذلك ينبغي لطالب العلم -لاسيما المبتدئ- ألا يشتغل بهذه المسائل؛ لأنه مما يحصر عنه فكره، ويضيق عنه فهمه، وقد يورثه شبهاً لا ينفك منها، لكن ينبغي له أن يؤمن بأن الله هو الأول الآخر الظاهر الباطن، وأنه فعال لما يريد جل وعلا، وأنه موصوف بصفات الكمال أزلاً وأبداً، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. ثم إذا احتاج الرد على المبتدعة في شبهة شبة من الشبه أو قول من الأقوال فلا بأس، عند ذلك يطلب ويستعين بالله وينظر في جواب هذه الشبه، أما أن يطلب ذلك ويقرأه ويصرف فيه الوقت وهو لم يُبتلى به فهذا من تفويت ما هو أهم من العلم؛ لأن العلم كثير والإنسان إذا اشتغل بفضول العلم وحواشيه صرفه ذلك عن أصوله ومقاصده.

стр. 33

الرد على شبهة الجهمية في قولهم: إثبات الصفات يلزم منه تعدد الذات الشبه التي رد عليها الشيخ ﵀ بهذا الكلام هي مسألة ما يدعيه الجهمية من أنه يلزم من إثبات الصفات تعدد القدماء، وهذه الشبهة الكبيرة عند أهل الكلام يجعلونها سيفاً مسلطاً على النصوص؛ لإبطال ما دلت عليه من اتصاف الله بصفات الكمال، يقولون: إذا كان الله جل وعلا موصوفاً بالعلم وبالحياة وبالقدرة وبالكلام وبالسمع وهو قديم وصفاته قديمة، إذاً هذا يفيد تعدد القدماء، وإذا أصبح عندنا عدة قدماء فهذا يدل على أن الله ليس موصوفاً بهذه الصفات. ونقول لهم: إن الله جل وعلا قديم بصفاته، وليس هذا من تعدد القدماء، وليس فيه أن غير الله جل وعلا يشاركه في أنه الأول الذي ليس قبله شيء؛ لأن الله جل وعلا هو بصفاته قديم؛ ولذلك قال المؤلف ﵀ في إبطال هذه الشبهة: [مازال -أي: الرب جل وعلا- بصفاته قديماً قبل خلقه] ، فجعل القدم له بصفاته التي هو متصف بها وهي له. وهذه شبهة باطلة ناقشها شيخ الإسلام ﵀ في مواضع عديدة، ومن هذه المواضع كتاب درء تعارض العقل والنقل، فقد أبطلها وبين عوارها. أيضاً: مما يرد به على المعتزلة وغيرهم من الجهمية من خلال هذا الكلام: ما يذكرونه من أن إثبات الصفات يقتضي حلول الحوادث، والله جل وعلا لا تحله الحوادث؛ ولذلك هم يقولون: لا تحله الحوادث، أي: أنه لا تقوم به الصفات الاختيارية، وهذه من أكبر الشبه التي يستندون إليها أيضاً في إبطال الصفات، فبيّن المؤلف ﵀ بأن الله موصوف بصفات الكمال أزلاً وأبداً، وأنه لا يلزمه النقل بهذا بوجه من الوجوه، وعلل المؤلف ﵀ ما تقدم من قوله: [ما زال بصفاته قديماً قبل خلقه، لم يزدد بكونهم شيئاً، لم يكن قبلهم من صفته، وكما كان بصفاته أزلياً كذلك لا يزال عليها أبدياً] علل ذلك بقوله: [ذلك بأنه على كل شيء قدير] ، فهذه الجملة كالتعليل لما تقدم من التقرير. فالمشار إليه في قوله: (ذلك) قول المؤلف ﵀: (ما زال بصفاته قديماً) ، ذا: اسم إشارة، والمشار إليه قوله: (ما زال بصفاته قديماً) ، (ذلك بأنه على كل شيء قدير) ، فاتصاف الله بهذه الصفات العظيمة، وأنه موصوف بها أزلاً وأبداً؛ ذلك بأنه جل وعلا على كل شيء قدير، قال الله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٨٤] ، وهذا يعم كل شيء، فالله جل وعلا على كل شيء قدير، لكنه سيأتي الكلام فيما يخرج من هذا العموم كإخراج الممتنعات، فإنها لا تدخل في هذا، إنما الذي يدخل فيه الممكنات فإنه عليها جل وعلا قدير، أما الممتنع فلا يدخل في هذا.

стр. 34

اعتقاد أن كل شيء فقير إلى الله ويسير عليه وهو غني عما سواه ثم قال ﵀: [وكل شيء إليه فقير] كل شيء من خلقه إليه فقير محتاج إلى ربه ، لا غنى به عنه جل وعلا، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر:١٥] ، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر:٤١] فهذا يدل على أن خلقه محتاجون إليه، ويدل عليه أيضاً قوله: ﴿وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة:٢٥٥] فإن حفظ السماوات والأرض ومن فيهما لا يقوم إلا بالله جل وعلا، ويدل عليه أيضاً اسم القيوم، فإنه مقيم لكل نفس، ومقيم لكل شيء، لا قيام لشيء إلا به . ثم قال: [وكل أمر عليه يسير] من تمام قدرته جل وعلا أنه لا يصعب عليه شيء، ولا يمتنع عليه شيء، أي: لا يرده شيء ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] ، وكما قال : ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان:٢٨] ، فهذا يدل على عظمة هذا الرب جل وعلا وعلى عظيم قدرته. ثم قال: [لا يحتاج إلى شيء] وهذا لكمال غناه ، فهو الغني الحميد، والعباد هم المحتاجون إليه، وهم المفتقرون إليه، أما الله جل وعلا فهو الغني الحميد، كما قال : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥] .

стр. 35

شرح العقيدة الطحاوية [٤] الله سبحانه وسع كل شيء علماً، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، يهدي من يشاء فضلاً، ويضل من يشاء عدلاً، وقد خالف هذا المعتقد القدرية والمعتزلة من جهة قولهم بأن العبد يخلق فعله، والجبرية حيث عطلوا الأمر والنهي احتجاجاً بالقدر.

стр. 36

الكلام على قوله تعالى: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: قال رحمه الله تعالى: [لا يحتاج إلى شيء، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ، خلق الخلق بعلمه، وقدر لهم أقداراً، وضرب لهم آجالاً، ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم، وأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته، وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته، ومشيئته تنفذ، لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم، فما شاء لهم كان وما لم يشأ لم يكن، يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلاً، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلاً، وكلهم يتقلبون في مشيئته بين فضله وعدله، وهو متعالٍ عن الأضداد والأنداد. لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره. آمنّا بذلك كله، وأيقنّا أن كلاً من عنده] . قال المؤلف رحمه الله تعالى: ( ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ) هذه آية من كتاب الله جعلها المؤلف ﵀ ضمن ما قرره من عقيدة أهل السنة والجماعة الفرقة الناجية المنصورة، وقد تقدم الكلام على نفي المثلية عن الله جل وعلا في موضعين مما تقدم من كلام المؤلف ﵀ في قوله: (لا شيء مثله) وفي قوله: (ولا يشبه الأنام) ، ثم قال: ( ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ) ولعل المؤلف ﵀ أراد بهذه الآية بيان إثبات الصفات، أو لعل المؤلف ﵀ أراد بهذه الآية الرد على من ضل في باب الأسماء والصفات، وليس مقصوده تقرير نفي المثلية؛ لأن نفي المثلية تقدم في قوله: (لا شيء مثله) ، (ولا يشبه الأنام) ، لكنه ساق هذا ليرد على طائفتين ضالتين وفريقين منحرفين عن صراط الله المستقيم، وعن مذهب أهل السنة والجماعة وعقيدة الفرقة الناجية المنصورة؛ وهم أهل التعطيل وأهل التمثيل، فإن هذه الآية ردت على جميع البدع الواقعة في باب أسماء الله وصفاته، وعلى اختصار هذه الآية ووجازة لفظها وقلة كلماتها إلا أنها سدت أبواب الضلال فيما يتعلق بالأسماء والصفات، قال الله جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] وهذا رد على أهل التمثيل الذين يثبتون لله مثيلاً ونظيراً وسمياً وكفؤاً في أسمائه أو صفاته أو أفعاله أو ما يجب له. وفي قوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] رد على أهل التعطيل الذين عطلوا صفات الله جل وعلا، فأهل التعطيل عطلوا الله عن صفاته وأخلوه منها إما على وجه الكلية، أو تعطيلاً جزئياً. والمقصود: أن هذه الآية ردت على هاتين الفرقتين. ولو قلنا: ما هي أبواب الضلال في أسماء الله وصفاته؟ فإن الجواب على ذلك: إن جميع البدع في هذا الباب ترجع إلى بدعتين: بدعة أهل التمثيل، وبدعة أهل التعطيل، والممثلة والمعطلة يصلون إلى التمثيل والتعطيل من طريقين: أما الممثلة فيصلون إلى التمثيل عن طريق التكييف، فيطلبون كيفية ما أخبر الله به عن صفاته؛ ولذلك كان من عقيدة أهل السنة والجماعة إثبات الصفات من غير تكييف ولا تمثيل، فنفي التمثيل هو نفي الغاية والمنتهى والمقصد، ونفي التكييف هو نفي للطريقة والواسطة التي يتوصل بها المبتدعة إلى التمثيل. وكذلك من عقيدتهم: أنهم لا يعطلون الله جل وعلا عن صفاته بل يثبتون له ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من غير تعطيل، ومن لوازم نفي التعطيل نفي الطريق الموصل إليه، وهو التحريف الذي يسميه أهله تأويلاً؛ ولذلك كان من العقيدة السلفية عقيدة أهل السنة والجماعة إثبات الصفات من غير تحريف ولا تعطيل، فنفي التحريف هو نفي للطريق الموصل إلى التعطيل، ونفي التعطيل هو نفي للغاية والمقصد الذي ينتهي إليه طريق هؤلاء وهم القسم الثاني من أقسام المبتدعة في باب أسماء الله وصفاته ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] . ولما كانت هذه الآية متضمنة لهذين المعنيين من إثبات كمال الصفات، ونفي مماثله المخلوقين؛ ضاقت بها صدور نفاة الصفات، حتى إن أحدهم اقترح على المأمون أن يبدل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] بقوله: (وهو العزيز الحكيم) فقال له: أزل من ستار الكعبة قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] فاكتب: (ليس كمثله شيء وهو العزيز الحكيم) حتى ينفي إثبات هاتين الصفتين اللتين يظن أن إثباتهما يقتضي إثبات المماثلة للمخلوق، تعالى الله عما يقول علواً كبيراً، فالله جل وعلا كلامه حق: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢] ، بل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] وهذا فيه نفي المماثلة، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] وهذا فيه إثبات كمال الصفات للرب جل وعلا.

стр. 37

إثبات صفة العلم لله بعد أن فرغ المؤلف ﵀ من تقرير ما يتعلق بصفات الرب انتقل إلى تقرير أمر من أصول الدين، وهو من أصول الإيمان، وهو ما يتعلق بالقضاء والقدر فقال ﵀: [خلق الخلق بعلمه] . الخلق: هو الإيجاد والإبداع والإنشاء، خلق الخلق وهو الخالق جل وعلا لكل شيء، كما تقدم ذكر ذلك في كلام المؤلف ﵀ حيث قال: (خالق بلا حاجة) ، فالله جل وعلا خالق بلا حاجة، خلق كل شيء جل وعلا، فكل شيء مخلوق للرب ، وليس مراد المؤلف ﵀ في هذه العبارة إثبات الخلق، فإنه قد تقدم ذكره، إنما مراد المؤلف بهذه العبارة أن يقرر أنه خلق الخلق وهو عالم بهم، ولاشك أنه لا يمكن أن تثبت صفة الخلق لله إلا بالعلم؛ لأنه لا يمكن أن يكون خالقاً إلا من كان عالماً، ولذلك قال ﵀: (خلق الخلق بعلمه) والباء هنا للملابسة والمصاحبة وهي التي تفيد المعية، يعني: خلق الخلق حال كونه عالماً بهم ، فالباء هنا للمصاحبة، ومعنى المصاحبة أنها تفيد المعية، يعني: خلق الخلق مع علمه بهم أو عالماً بهم، فإما إن تقدر مع أو أن تقدر حالاً حتى يتبين معنى الملابسة والمصاحبة. (خلق الخلق بعلمه) ، ولا شك في ذلك، وقد قرر الله علمه بكل شيء، فعلم الله جل وعلا متعلق بكل شيء، فهو بكل شيء عليم . والعلم هو من أوسع الصفات تعلقاً، بل هو متعلق بكل شيء، فهو متعلق بالماضي وبالحاضر وبالمستقبل؛ متعلق بالممكن، ومتعلق بالواجب، ومتعلق بالممتنع، فهو من أوسع الصفات تعلقاً؛ ولذلك لا تخصيص في قوله تعالى ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات:١٦] ؛ لأنه يتعلق بكل شيء، حتى إنه يتعلق بالمعدوم، ويتعلق بالممتنع أي: الذي لا يكون، ومثال تعلقه بالممتنع قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢] هل يمكن أن يوجد آلهة حق غير الله؟ الجواب لا، ومع ذلك قال: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢] ، فأخبر بما سيكون لو كان هناك آلهة، ومما يدل على تعلق العلم بالممتنع قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٨] . والرد بعد الموت هل هو ممكن أو ممتنع؟ ممتنع، وهل هو ممتنع لعدم القدرة عليه أو لحكمة رب العالمين؟ لحكمته جل وعلا، فإنه يمتنع أن يرد الناس بعد موتهم، ومع ذلك أخبر بحال الناس لو ردوا بعد موتهم كيف يكونون. فالمراد أن الله جل وعلا عالم بكل شيء، وعلمه من الصفات التي فتعلقت بكل شيء، تعلقت بذاته وبصفاته وبأفعاله وبخلقه، فكل شيء تتعلق به المشيئة، بل تعلقت بالممكن والواجب والممتنع.

стр. 38

من أدلة علم الله لخلقه اعلم أن الله استدل على علمه لخلقه بثلاث صفات من صفاته، قال : ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] ، فأثبت الله جل وعلا علمه بخلقه، فـ (من) هنا فيها وجهان: - فإما أن تكون في محل رفع فاعل. - وإما أن تكون في محل نصب مفعول به. المعنى الأول: ألا يعلم الذي خلق، يعني: كيف لا يعلم الذي خلق؟ فجعل من لوازم إثبات صفة الخلق، وأنه خالق؛ أنه عالم بكل شيء، وهذا المعنى صحيح ولا إشكال فيه. المعنى الثاني: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك:١٤] يعني: ألا يعلم مخلوقه، ولا إشكال في أن الله عالم بمخلوقه. فعلى المعنى الأول وأن (من) مرفوعة في محل رفع فاعل؛ يكون من دلائل علمه وشواهد علمه بخلقه أنه خلقهم ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك:١٤] يعني: كيف لا يعلم بخلقه وهو الخالق لهم؟ فاستدل على علمه بخلقه بهذه الصفة، وهي أنه خالق جل وعلا. الثاني: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] فجعل هاتين الصفتين دالتين على علمه بخلقه. واللطيف: هو من يدرك ما دق من الأشياء، والخبير: هو من يدرك ما خفي من الأشياء، فإذا كان يدرك الدقيق ويدرك الخفي فكيف لا يعلم بخلقه، فهو اللطيف الخبير العالم بما دق وبما خفي، فإذا كان يعلم الدقيق والخفي؛ فهو جل وعلا عالم بخلقه لا إله غيره، هو بكل شيء عليم وبحمده. إذاً: قوله: (خلق الخلق بعلمه) يدل على إثبات علم الله المتقدم على خلق كل مخلوق ولا إشكال في ذلك، فإن الله بكل شيء عليم، وهو جل وعلا عالم بكل شيء قبل خلقه، وسيأتي مزيد تقرير لهذا في كلام المؤلف ﵀ في مسألة القدر، والمؤلف ﵀ وغفر له فرق ما يتعلق بمبحث القدر، ولم يجمعه في موضوع واحد، بل أعاد وأبدع ورد وكرر في هذه المسألة؛ ولعل ذلك لأهميتها وشدة الحاجة إليها في وقته ﵀.

стр. 39

اعتقاد تقدير الله لأقدار خلقه وآجالهم ثم قال: [وقدر لهم أقداراً] تقدم أن الله عالم بخلقه، وأنه خلقهم بعلمه، فعلمه محيط بخلقه جل وعلا، فهو محيط بكل شيء، وعالم بكل شيء، ثم أتى هنا إلى تقرير أنه ما من شيء إلا بقدر فقال: (وقدر لهم أقداراً) قدر لهذا الخلق الذي خلقه أقداراً، فالله جل وعلا خلق كل شيء بقدر كما قال : ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] ، فما من شيء إلا وسبق به تقدير رب العالمين، فلا يخرج شيء مما يكون عن تقدير الله جل وعلا العليم القدير، فالعباد كلهم أحاطت بهم قدرة الله جل وعلا. قال الله في بيان إحاطة تقديره بخلقه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد:٨] ، ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق:٣] ، وما إلى ذلك من الآيات التي لا تحصر في إثبات أن الله جل وعلا قدر لخلقه أقداراً. ثم قال ﵀: [وضرب لهم آجالاً] ، (ضرب) أي: حدد (لهم آجالاً) أي: مدداً مضروبة، فكل عباده لا يتجاوزون ما قدره الله جل وعلا من الآجال، بل هي آجال محتومة، وآجال مقدرة، وقد دل على هذا كتاب الله جل وعلا، ودلت على ذلك السنة، دليل الكتاب قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ [الرعد:٣٨] ، ومن السنة قول النبي صلى الله وعليه وسلم: (إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة) . فالله جل وعلا قدر لخلقه الأقدار، وبينها ووضحها وكتبها وأثبتها، فلا يخرج شيء عن قدره، ومن تمام تقديره أن ضرب لهم آجالاً.

стр. 40

الرد على خصماء الله في القدر من قدرية وجبرية ثم قال ﵀: [ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم] هذا فيه تأكيد ما تقدم من أنه عالم بهم قبل الخلق، لم يخف عليه جل وعلا شيء قبل أن يخلقهم، بل هو المحيط بهم العالم بهم قبل خلقهم. ثم قال: [وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم] هذا تأكيد لما تقدم من إثبات علم الله بالخلق قبل أن يخلقهم، فالله جل وعلا عالم بكل شيء قبل خلقهم. لما قال المؤلف ﵀: (ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم) ، فهل مراده من هذا الكلام مجرد تأكيد ما تقدم؟ الجواب إنه أكد ما تقدم، وأجاب عن قول خصماء الله في القدر، فإن قوله ﵀: (ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم، وأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته) هذا المقطع من كلام المؤلف ﵀ رد على خصماء الله في القدر. وخصماء الله في القدر فريقان: الفريق الأول: هم الذين نفوا تقدير الله للأشياء قبل وجودها، فنفوا القضاء والقدر، وهم غلاة القدرية الذين قالوا: إن الله لم يقدر شيئاً، وإن الأمر أنف، وهذه بدعة ظهرت في أواخر عهد الصحابة ﵃، وردها ابن عمر وغيره من صحابة رسول الله ﷺ ، وأصل هذه البدعة كانت في الذين خاصموا النبي ﷺ من المشركين في القدر، كما جاء في حديث أبي هريرة: (أن المشركين جاءوا يخاصمون النبي ﷺ في القدر، فأنزل الله جل وعلا قوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] ) فإن هذا جواب على من خاصم النبي ﷺ في تقدير الله للأشياء قبل وقوعها. إذاًَ: الفريق الأول الذين خاصموا الله في القدر: هم غلاة القدرية الذين نفوا القضاء والقدر وعطلوه، وقالوا: إن الله جل وعلا لم يقدر شيئاً. الفريق الثاني: هم الذين عارضوا الشرع بالقدر، فعطلوا الأمر والنهي، وهم الجبرية الذين قالوا: إنه ما من شيء إلا بقضاء الله وقدره، وعلى هذا لا يلام العاصي على معصيته، ولا يشكر المحسن على إحسانه؛ لأن إحسان المحسن بقدر الله، ومعصية العاصي بقدر الله، فعلى هذا جعلوا القدر حجة على تعطيل الشرع، وهذا قد ذكره الله جل وعلا عن الكفار في مواضع من كتابه، كقول الله جل وعلا: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام:١٤٨] ، فاحتجوا على تعطيل الطاعة والتوحيد بالقدر. ومن المواضع التي أبطل الله جل وعلا فيها الاحتجاج بالقدر على ترك الطاعة قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس:٤٧] ، هناك كان الاحتجاج بالقدر على ترك التوحيد، وهنا الاحتجاج بالقدر على ترك الطاعة، وبقي الاحتجاج بالقدر على المعصية وهو في قول إبليس: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف:١٦] ، فجعل فعله ومعصيته بسبب إغواء الله ، فنسبها إلى الله جل وعلا، واحتج بها على استمراره في الغي والضلال. فتبين أنه لا حجة في القدر على ترك التوحيد، ولا حجة في القدر على إتيان المعصية، ولا حجة في القدر على ترك الطاعة، بل لله الحجة البالغة على كل أحد، فإنه ما من أحد إلا وله الاختيار الكامل في فعل ما شاء وترك ما شاء، وهذه المشيئة لا تخرج عن مشيئة الله كما سيأتي. والمراد أن كلام المؤلف ﵀ في هذا الموضع فيه رد على فرقتين ضالتين في باب القضاء والقدر، وهما: غلاة القدرية والجبرية، الذين عارضوا الشرع بالقدر، والذين نفوا القدر وعطلوه، قال ﵀: (وأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته) هذا الرد على الفريق الثاني ممن خاصم الله في القدر.
следующие страницы →