← Акыда

Акыда · id 7712

شرح العقيدة الطحاوية - خالد المصلح

خالد المصلح

Полный текст (230 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الكلام على قوله تعالى: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: قال رحمه الله تعالى: [لا يحتاج إلى شيء، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ، خلق الخلق بعلمه، وقدر لهم أقداراً، وضرب لهم آجالاً، ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم، وأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته، وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته، ومشيئته تنفذ، لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم، فما شاء لهم كان وما لم يشأ لم يكن، يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلاً، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلاً، وكلهم يتقلبون في مشيئته بين فضله وعدله، وهو متعالٍ عن الأضداد والأنداد. لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره. آمنّا بذلك كله، وأيقنّا أن كلاً من عنده] . قال المؤلف رحمه الله تعالى: ( ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ) هذه آية من كتاب الله جعلها المؤلف ﵀ ضمن ما قرره من عقيدة أهل السنة والجماعة الفرقة الناجية المنصورة، وقد تقدم الكلام على نفي المثلية عن الله جل وعلا في موضعين مما تقدم من كلام المؤلف ﵀ في قوله: (لا شيء مثله) وفي قوله: (ولا يشبه الأنام) ، ثم قال: ( ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ) ولعل المؤلف ﵀ أراد بهذه الآية بيان إثبات الصفات، أو لعل المؤلف ﵀ أراد بهذه الآية الرد على من ضل في باب الأسماء والصفات، وليس مقصوده تقرير نفي المثلية؛ لأن نفي المثلية تقدم في قوله: (لا شيء مثله) ، (ولا يشبه الأنام) ، لكنه ساق هذا ليرد على طائفتين ضالتين وفريقين منحرفين عن صراط الله المستقيم، وعن مذهب أهل السنة والجماعة وعقيدة الفرقة الناجية المنصورة؛ وهم أهل التعطيل وأهل التمثيل، فإن هذه الآية ردت على جميع البدع الواقعة في باب أسماء الله وصفاته، وعلى اختصار هذه الآية ووجازة لفظها وقلة كلماتها إلا أنها سدت أبواب الضلال فيما يتعلق بالأسماء والصفات، قال الله جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] وهذا رد على أهل التمثيل الذين يثبتون لله مثيلاً ونظيراً وسمياً وكفؤاً في أسمائه أو صفاته أو أفعاله أو ما يجب له. وفي قوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] رد على أهل التعطيل الذين عطلوا صفات الله جل وعلا، فأهل التعطيل عطلوا الله عن صفاته وأخلوه منها إما على وجه الكلية، أو تعطيلاً جزئياً. والمقصود: أن هذه الآية ردت على هاتين الفرقتين. ولو قلنا: ما هي أبواب الضلال في أسماء الله وصفاته؟ فإن الجواب على ذلك: إن جميع البدع في هذا الباب ترجع إلى بدعتين: بدعة أهل التمثيل، وبدعة أهل التعطيل، والممثلة والمعطلة يصلون إلى التمثيل والتعطيل من طريقين: أما الممثلة فيصلون إلى التمثيل عن طريق التكييف، فيطلبون كيفية ما أخبر الله به عن صفاته؛ ولذلك كان من عقيدة أهل السنة والجماعة إثبات الصفات من غير تكييف ولا تمثيل، فنفي التمثيل هو نفي الغاية والمنتهى والمقصد، ونفي التكييف هو نفي للطريقة والواسطة التي يتوصل بها المبتدعة إلى التمثيل. وكذلك من عقيدتهم: أنهم لا يعطلون الله جل وعلا عن صفاته بل يثبتون له ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من غير تعطيل، ومن لوازم نفي التعطيل نفي الطريق الموصل إليه، وهو التحريف الذي يسميه أهله تأويلاً؛ ولذلك كان من العقيدة السلفية عقيدة أهل السنة والجماعة إثبات الصفات من غير تحريف ولا تعطيل، فنفي التحريف هو نفي للطريق الموصل إلى التعطيل، ونفي التعطيل هو نفي للغاية والمقصد الذي ينتهي إليه طريق هؤلاء وهم القسم الثاني من أقسام المبتدعة في باب أسماء الله وصفاته ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] . ولما كانت هذه الآية متضمنة لهذين المعنيين من إثبات كمال الصفات، ونفي مماثله المخلوقين؛ ضاقت بها صدور نفاة الصفات، حتى إن أحدهم اقترح على المأمون أن يبدل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] بقوله: (وهو العزيز الحكيم) فقال له: أزل من ستار الكعبة قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] فاكتب: (ليس كمثله شيء وهو العزيز الحكيم) حتى ينفي إثبات هاتين الصفتين اللتين يظن أن إثباتهما يقتضي إثبات المماثلة للمخلوق، تعالى الله عما يقول علواً كبيراً، فالله جل وعلا كلامه حق: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢] ، بل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] وهذا فيه نفي المماثلة، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] وهذا فيه إثبات كمال الصفات للرب جل وعلا.

стр. 37

إثبات صفة العلم لله بعد أن فرغ المؤلف ﵀ من تقرير ما يتعلق بصفات الرب انتقل إلى تقرير أمر من أصول الدين، وهو من أصول الإيمان، وهو ما يتعلق بالقضاء والقدر فقال ﵀: [خلق الخلق بعلمه] . الخلق: هو الإيجاد والإبداع والإنشاء، خلق الخلق وهو الخالق جل وعلا لكل شيء، كما تقدم ذكر ذلك في كلام المؤلف ﵀ حيث قال: (خالق بلا حاجة) ، فالله جل وعلا خالق بلا حاجة، خلق كل شيء جل وعلا، فكل شيء مخلوق للرب ، وليس مراد المؤلف ﵀ في هذه العبارة إثبات الخلق، فإنه قد تقدم ذكره، إنما مراد المؤلف بهذه العبارة أن يقرر أنه خلق الخلق وهو عالم بهم، ولاشك أنه لا يمكن أن تثبت صفة الخلق لله إلا بالعلم؛ لأنه لا يمكن أن يكون خالقاً إلا من كان عالماً، ولذلك قال ﵀: (خلق الخلق بعلمه) والباء هنا للملابسة والمصاحبة وهي التي تفيد المعية، يعني: خلق الخلق حال كونه عالماً بهم ، فالباء هنا للمصاحبة، ومعنى المصاحبة أنها تفيد المعية، يعني: خلق الخلق مع علمه بهم أو عالماً بهم، فإما إن تقدر مع أو أن تقدر حالاً حتى يتبين معنى الملابسة والمصاحبة. (خلق الخلق بعلمه) ، ولا شك في ذلك، وقد قرر الله علمه بكل شيء، فعلم الله جل وعلا متعلق بكل شيء، فهو بكل شيء عليم . والعلم هو من أوسع الصفات تعلقاً، بل هو متعلق بكل شيء، فهو متعلق بالماضي وبالحاضر وبالمستقبل؛ متعلق بالممكن، ومتعلق بالواجب، ومتعلق بالممتنع، فهو من أوسع الصفات تعلقاً؛ ولذلك لا تخصيص في قوله تعالى ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات:١٦] ؛ لأنه يتعلق بكل شيء، حتى إنه يتعلق بالمعدوم، ويتعلق بالممتنع أي: الذي لا يكون، ومثال تعلقه بالممتنع قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢] هل يمكن أن يوجد آلهة حق غير الله؟ الجواب لا، ومع ذلك قال: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢] ، فأخبر بما سيكون لو كان هناك آلهة، ومما يدل على تعلق العلم بالممتنع قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٨] . والرد بعد الموت هل هو ممكن أو ممتنع؟ ممتنع، وهل هو ممتنع لعدم القدرة عليه أو لحكمة رب العالمين؟ لحكمته جل وعلا، فإنه يمتنع أن يرد الناس بعد موتهم، ومع ذلك أخبر بحال الناس لو ردوا بعد موتهم كيف يكونون. فالمراد أن الله جل وعلا عالم بكل شيء، وعلمه من الصفات التي فتعلقت بكل شيء، تعلقت بذاته وبصفاته وبأفعاله وبخلقه، فكل شيء تتعلق به المشيئة، بل تعلقت بالممكن والواجب والممتنع.

стр. 38

من أدلة علم الله لخلقه اعلم أن الله استدل على علمه لخلقه بثلاث صفات من صفاته، قال : ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] ، فأثبت الله جل وعلا علمه بخلقه، فـ (من) هنا فيها وجهان: - فإما أن تكون في محل رفع فاعل. - وإما أن تكون في محل نصب مفعول به. المعنى الأول: ألا يعلم الذي خلق، يعني: كيف لا يعلم الذي خلق؟ فجعل من لوازم إثبات صفة الخلق، وأنه خالق؛ أنه عالم بكل شيء، وهذا المعنى صحيح ولا إشكال فيه. المعنى الثاني: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك:١٤] يعني: ألا يعلم مخلوقه، ولا إشكال في أن الله عالم بمخلوقه. فعلى المعنى الأول وأن (من) مرفوعة في محل رفع فاعل؛ يكون من دلائل علمه وشواهد علمه بخلقه أنه خلقهم ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك:١٤] يعني: كيف لا يعلم بخلقه وهو الخالق لهم؟ فاستدل على علمه بخلقه بهذه الصفة، وهي أنه خالق جل وعلا. الثاني: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] فجعل هاتين الصفتين دالتين على علمه بخلقه. واللطيف: هو من يدرك ما دق من الأشياء، والخبير: هو من يدرك ما خفي من الأشياء، فإذا كان يدرك الدقيق ويدرك الخفي فكيف لا يعلم بخلقه، فهو اللطيف الخبير العالم بما دق وبما خفي، فإذا كان يعلم الدقيق والخفي؛ فهو جل وعلا عالم بخلقه لا إله غيره، هو بكل شيء عليم وبحمده. إذاً: قوله: (خلق الخلق بعلمه) يدل على إثبات علم الله المتقدم على خلق كل مخلوق ولا إشكال في ذلك، فإن الله بكل شيء عليم، وهو جل وعلا عالم بكل شيء قبل خلقه، وسيأتي مزيد تقرير لهذا في كلام المؤلف ﵀ في مسألة القدر، والمؤلف ﵀ وغفر له فرق ما يتعلق بمبحث القدر، ولم يجمعه في موضوع واحد، بل أعاد وأبدع ورد وكرر في هذه المسألة؛ ولعل ذلك لأهميتها وشدة الحاجة إليها في وقته ﵀.

стр. 39

اعتقاد تقدير الله لأقدار خلقه وآجالهم ثم قال: [وقدر لهم أقداراً] تقدم أن الله عالم بخلقه، وأنه خلقهم بعلمه، فعلمه محيط بخلقه جل وعلا، فهو محيط بكل شيء، وعالم بكل شيء، ثم أتى هنا إلى تقرير أنه ما من شيء إلا بقدر فقال: (وقدر لهم أقداراً) قدر لهذا الخلق الذي خلقه أقداراً، فالله جل وعلا خلق كل شيء بقدر كما قال : ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] ، فما من شيء إلا وسبق به تقدير رب العالمين، فلا يخرج شيء مما يكون عن تقدير الله جل وعلا العليم القدير، فالعباد كلهم أحاطت بهم قدرة الله جل وعلا. قال الله في بيان إحاطة تقديره بخلقه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد:٨] ، ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق:٣] ، وما إلى ذلك من الآيات التي لا تحصر في إثبات أن الله جل وعلا قدر لخلقه أقداراً. ثم قال ﵀: [وضرب لهم آجالاً] ، (ضرب) أي: حدد (لهم آجالاً) أي: مدداً مضروبة، فكل عباده لا يتجاوزون ما قدره الله جل وعلا من الآجال، بل هي آجال محتومة، وآجال مقدرة، وقد دل على هذا كتاب الله جل وعلا، ودلت على ذلك السنة، دليل الكتاب قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ [الرعد:٣٨] ، ومن السنة قول النبي صلى الله وعليه وسلم: (إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة) . فالله جل وعلا قدر لخلقه الأقدار، وبينها ووضحها وكتبها وأثبتها، فلا يخرج شيء عن قدره، ومن تمام تقديره أن ضرب لهم آجالاً.

стр. 40

الرد على خصماء الله في القدر من قدرية وجبرية ثم قال ﵀: [ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم] هذا فيه تأكيد ما تقدم من أنه عالم بهم قبل الخلق، لم يخف عليه جل وعلا شيء قبل أن يخلقهم، بل هو المحيط بهم العالم بهم قبل خلقهم. ثم قال: [وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم] هذا تأكيد لما تقدم من إثبات علم الله بالخلق قبل أن يخلقهم، فالله جل وعلا عالم بكل شيء قبل خلقهم. لما قال المؤلف ﵀: (ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم) ، فهل مراده من هذا الكلام مجرد تأكيد ما تقدم؟ الجواب إنه أكد ما تقدم، وأجاب عن قول خصماء الله في القدر، فإن قوله ﵀: (ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم، وأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته) هذا المقطع من كلام المؤلف ﵀ رد على خصماء الله في القدر. وخصماء الله في القدر فريقان: الفريق الأول: هم الذين نفوا تقدير الله للأشياء قبل وجودها، فنفوا القضاء والقدر، وهم غلاة القدرية الذين قالوا: إن الله لم يقدر شيئاً، وإن الأمر أنف، وهذه بدعة ظهرت في أواخر عهد الصحابة ﵃، وردها ابن عمر وغيره من صحابة رسول الله ﷺ ، وأصل هذه البدعة كانت في الذين خاصموا النبي ﷺ من المشركين في القدر، كما جاء في حديث أبي هريرة: (أن المشركين جاءوا يخاصمون النبي ﷺ في القدر، فأنزل الله جل وعلا قوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] ) فإن هذا جواب على من خاصم النبي ﷺ في تقدير الله للأشياء قبل وقوعها. إذاًَ: الفريق الأول الذين خاصموا الله في القدر: هم غلاة القدرية الذين نفوا القضاء والقدر وعطلوه، وقالوا: إن الله جل وعلا لم يقدر شيئاً. الفريق الثاني: هم الذين عارضوا الشرع بالقدر، فعطلوا الأمر والنهي، وهم الجبرية الذين قالوا: إنه ما من شيء إلا بقضاء الله وقدره، وعلى هذا لا يلام العاصي على معصيته، ولا يشكر المحسن على إحسانه؛ لأن إحسان المحسن بقدر الله، ومعصية العاصي بقدر الله، فعلى هذا جعلوا القدر حجة على تعطيل الشرع، وهذا قد ذكره الله جل وعلا عن الكفار في مواضع من كتابه، كقول الله جل وعلا: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام:١٤٨] ، فاحتجوا على تعطيل الطاعة والتوحيد بالقدر. ومن المواضع التي أبطل الله جل وعلا فيها الاحتجاج بالقدر على ترك الطاعة قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس:٤٧] ، هناك كان الاحتجاج بالقدر على ترك التوحيد، وهنا الاحتجاج بالقدر على ترك الطاعة، وبقي الاحتجاج بالقدر على المعصية وهو في قول إبليس: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف:١٦] ، فجعل فعله ومعصيته بسبب إغواء الله ، فنسبها إلى الله جل وعلا، واحتج بها على استمراره في الغي والضلال. فتبين أنه لا حجة في القدر على ترك التوحيد، ولا حجة في القدر على إتيان المعصية، ولا حجة في القدر على ترك الطاعة، بل لله الحجة البالغة على كل أحد، فإنه ما من أحد إلا وله الاختيار الكامل في فعل ما شاء وترك ما شاء، وهذه المشيئة لا تخرج عن مشيئة الله كما سيأتي. والمراد أن كلام المؤلف ﵀ في هذا الموضع فيه رد على فرقتين ضالتين في باب القضاء والقدر، وهما: غلاة القدرية والجبرية، الذين عارضوا الشرع بالقدر، والذين نفوا القدر وعطلوه، قال ﵀: (وأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته) هذا الرد على الفريق الثاني ممن خاصم الله في القدر.

стр. 41

اعتقاد أن كل شيء يجري بتقدير الله ثم قال ﵀: [وكل شيء يجري بتقديره] . كل شيء يشمل جميع الأشياء، فكل شيء في الكون، وكل موجود ومخلوق؛ هو بتقدير الله جل وعلا، لا نظر في ذلك إلى كونه محبوباً لله أو غير محبوب، فإن الله جل وعلا شاء ما كان وما يكون؛ لحكمة بالغة، ولا تعلق لذلك بالمحبة، فلا يلزم أن يكون ما وقع محبوباً لله جل وعلا، بل قد يكون مبغوضاً، بل إن كثيراً مما يقع يكون مبغوضاً لله جل وعلا، فكل شيء يجري بتقديره، وإذا اعتقد المؤمن أن كل شيء يجري بتقدير الله اطمأن قلبه فيما يتعلق بالمصائب ورضي بما قدره الله له، ولن يقع في قلبه معارضة لتقديره جل وعلا، ولا ضيق مما يجري عليه من الأقدار.

стр. 42

إثبات مشيئة الله قال ﵀: [ومشيئته تنفذ، لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم] . يبيّن المؤلف ﵀ في هذا المقطع: أن إثبات المشيئة والإرادة للمخلوق ليس ذلك على وجه الاستقلال والانفصال والانفكاك عن مشيئة الله ، بل ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن؛ ولذلك قال: [ومشيئته تنفذ] أي: مشيئة الرب جل وعلا تنفذ أي: تجوز، فهو جل وعلا ذو المشيئة النافذة، والقدرة النافذة، لا راد لما شاء، ولا مانع لما قدر وقضى، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، مشيئته تنفذ ولا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم، فإثبات المشيئة للعبد لا يعطل مشيئة الله ، وليس ذلك خارجاً عن مشيئة الله، بل مشيئة الله محيطة بمشيئة عبده، كما قال : ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان:٣٠] ، وكما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩] . فمشيئة الله سبحان وتعالى محيطة بمشيئة العبد، لا خروج للعبد عن مشيئة الله [فما شاء لهم كان، وما لم يشأ لم يكن] وهذه المشيئة المذكورة في قوله: ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، يدخل في الإرادة الكونية، والإرادة الكونية هي معنى قول المؤلف ﵀ وقول المسلمين: (ما شاء الله كان) -أي: حصل ووجد، (وما لم يشأ لم يكن) أي: لا حدوث له ولا حصول.

стр. 43

اعتقاد أن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء والرد على المعتزلة والقدرية في ذلك ثم بعد أن أثبت عموم مشيئة الرب لكل شيء، وأنه لا خروج لمشيئة العبد عن مشيئة الله ؛ قال ﵀: [يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلاً، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلاً] جل وعلا، وفي هذه العبارة الرد على المعتزلة والقدرية الذين قالوا: إن العبد يخلق فعل نفسه، فالهدى والضلال ليس من فعل الله ولا من مشيئته ولا من إرادته، إنما هي من مشيئة العبد وإرادته وفعله المستقل عن الله جل وعلا. فقوله: (يهدي من يشاء) يرد بذلك على المعتزلة والقدرية الذين قالوا: إن الله لا يخلق فعل العبد، بل أفعال العباد خارجة عن قدرته ومشيئته وإرادته ، ثم كيف يفسرون الهداية المذكورة في الكتاب؟ يفسرون الهداية المذكورة في الكتاب بأنها هداية البيان والإرشاد والدلالة، فيحملون كل آية أضاف الله فيها الهداية إليه على أنها هداية بيان وإرشاد ودلالة، وهذا لا إشكال أنه تحريف للكلم عن مواضعه، فإن الآيات التي فيها أن الله يهدي من يشاء، تشمل هداية الدلالة والإرشاد والبيان، وتشمل هداية التوفيق للعمل، فإنه إذا لم يوفق الله جل وعلا العبد للعمل فإنه لا إصابة في عمله، ولا توفيق له. ومما يدل على أن الهداية المضافة إلى الله جل وعلا تشمل هداية التوفيق للعمل قول الله جل وعلا فيما ذكره في أبي طالب ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦] ، فالهداية المنفية عن النبي ﷺ هي هداية التوفيق والعمل، وأما الهداية المثبتة لله فهي هداية الإرشاد والدلالة والبيان وهداية التوفيق إلى العلم. فقوله: (يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلاً) أي: أن الهداية منه فضلاً ومنة على العبد، وهذا فيه الجواب عن السؤال كيف يهدي فلاناً ولا يهدي فلاناً؟ نقول: الهداية فضل الله ومنته ورحمته وهو جل وعلا أعلم بمحال الفضل من غيره، فإن الله سبحانه تعالى يمن على من يشاء من عباده لعلمه بأن الممتن عليه بالهداية المتفضل عليه بالاستقامة أهل لذلك، أي: أنه يستحق ذلك، وأنه صالح لهذا، قال الله في جواب المعترضين على الرسل في أنهم خصوا بالرسالة: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤] ، الله جعل الفضل في محله، وجعله لفضل الرسالة في الرسل لعلمه بأنهم أهل لها. قال ابن القيم ﵀: والله جل وعلا أعلم بمحال الفضل في الرسل وأتباعهم، فإن الله أعلم بالمهتدين كما قال : ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص:٥٦] أي: أعلم بمن يستحق الهداية فيوفقه إليها وأعلم بمن يستحق الاستقامة فيوفقه إليها، وهذا معنى قوله ﵀: (يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلاً) أي: الهداية إلى الصراط المستقيم توفيقاً وعملاً، ويعصم من المعاصي ويعافي من الذنوب والخطايا فضلاً منه . قوله: (ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلاً) أي: عدلاً، فهو جل وعلا لا يظلم الناس شيئاً، ولكن الناس أنفسهم يظلمون، ما منعهم الله جل وعلا الفضل وهم أهل له، بل الأمر كما قال الله جل وعلا: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف:٥] ، فإنهم لما استحقوا الزيغ أضلهم وخذلهم وخلى بينهم وبين أنفسهم؛ ولذلك اعلم أن كل معصية تقع فيها فإنها من خذلان الله جل وعلا؛ لأنه خلى بينك وبينها، ولو أن الله جل وعلا أكرمك لعافاك وعصمك، وهذا معنى قوله ﵀ في هذه العبارة: (يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلاً، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلاً) .

стр. 44

الأسئلة

стр. 45

تقسيم المشيئة إلى كونية وشرعية السؤال هل المشيئة نوعان: شرعية وكونية؟ الجواب لا، المشيئة لا تنقسم إلى مشيئة شرعية وكونية، بل المشيئة واحدة، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.

стр. 46

تعريف التعطيل السؤال ما هو التعطيل؟ الجواب التعطيل: عدم إثبات الصفات لله ، إما كلياً أو جزئياً.

стр. 47

الفرق بين المشيئة والقدر السؤال ما الفرق بين المشيئة والقدر؟ الجواب المشيئة: هي القدر، لكن هي من مراتب الإيمان بالقدر كما سيأتينا إن شاء الله تعالى؛ لأن القدر يتضمن العلم والخلق والمشيئة والكتابة، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد.

стр. 48

شرح العقيدة الطحاوية [٥] النبي ﷺ هو النبي المختار الذي أرسله الله تعالى للثقلين بالهدى ودين الحق، وهو خاتم الأنبياء فليس بعده نبي، اصطفاه الله على جميع الخلق، فيجب أن نعرف حقه وقدره ﷺ من غير إفراط ولا تفريط، فنثبت له النبوة والاصطفاء على الخلق، كما نثبت له العبودية لله جل وعلا.

стр. 49

قضاء الله وقدره في خلقه بسم الله الرحمن الرحيم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكلهم يتقلبون في مشيئته بين فضله وعدله. وهو متعالٍ عن الأضداد والأنداد. لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره. آمنا بذلك كله، وأيقنا أن كلاً من عنده. وأن محمداً عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى، وأنه خاتم الأنبياء، وإمام الأتقياء، وسيد المرسلين، وحبيب رب العالمين، وكل دعوى النبوة بعده فغي وهوى، وهو المبعوث إلى عامة الجن وكافة الورى بالحق والهدى، وبالنور والضياء] الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد: فصلة ما تقدم من كلام المؤلف ﵀ في مسائل القدر قال ﵀: (وكلهم) أي: كل عباده وخلقه (يتقلبون في مشيئته بين فضله وعدله) ، فالله جل وعلا لا يظلم الناس شيئاً، بل الخلق لا يخرجون عن فضل الله جل وعلا، فإن قصروا عن الفضل فلا يخرجون عن العدل، قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس:٤٤] فالله لا يظلم الناس شيئاً، فمن هداه فبفضله، ومن وقع في الضلال فإنما يضل على نفسه، كما قال الله جل وعلا: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥] والله جل وعلا أعلم بالمهتدين، وهو يعلم محال الفضل ومحال المن ومواضعه. فلذلك لا يعترض على الله جل وعلا في هداية فلان وفي إضلال فلان، فهذا مما ينبغي أن يقر في قلب المؤمن، فإن الله جل وعلا حكم عدل، ليس في حكمه الكوني ولا في حكمه الشرعي نقص ولا ظلم، بل الظلم منتفٍ عن الرب، وهو مما حرمه الله جل وعلا على نفسه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس:٤٤] ، وقال النبي ﷺ في الحديث الإلهي: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً) فنفي الظلم عن الله يدل على أنه العدل الذي لا ظلم في شيء من أحكامه، وقد اعترض على ذلك بعض من بُلي في مسائل القدر، فلقي أحد العلماء فقال له: أرأيت إن منعني الهدى ثم أمرني به أيكون قد ظلمني؟ فقال له العالم الرباني العالم بربه جل وعلا: إن كان قد منعك شيئاً هو لك فقد ظلمك، والله جل وعلا لا يظلم الناس شيئاً، بل الله جل وعلا لا ينفك عباده مسلمهم وكافرهم من خيره وفضله. فلا أحد أصبر على أذىً من الله ، فإنهم يشتمونه ويسبونه وينسبون إليه الولد وهو جل وعلا يعافيهم ويرزقهم ويمدهم بما تقوم به حياتهم ويصلح به معاشهم، فكل العباد المسلم والكافر يتقلبون في مشيئته، يعني: فيما يقدره ويقضيه بفضله وعدله، . ثم قال المؤلف ﵀: (وهو متعالٍ عن الأضداد والأنداد) . الأضداد: جمع ضد، والضد: هو المناوئ المعارض المقابل، والله جل وعلا لا ضد له، فإنه لا يقوم شيء لإرادته ولا يقوم شيء أمامه ، بل هو القوي العزيز الذي لا راد لقضائه جل وعلا. وقول المؤلف ﵀: (متعالٍ عن الأضداد) يرد بذلك على المعتزلة الذين يقولون: إن العبد يخلق فعل نفسه، وإن العبد يشاء ما لا يشاؤه الله، وإن العبد يخرج بأفعاله عن أقدار الرب جل وعلا، فهذا فيه الرد على هؤلاء. وهذه الكلمة: (متعالٍ عن الأضداد) يستعملها أهل العلم ﵏ في كلامهم، فقد ذكرها ابن القيم ﵀ في افتتاح كتاب (إغاثة اللهفان) ومعناها كما ذكرنا: أنه لا أحد يقوم في مضادة الرب جل وعلا، فهو لا يقوم له شيء. وأما قوله: (والأنداد) فالأنداد: جمع ند، والند هو: المثيل والمكافئ والنظير، ويطلق أيضاً على المناوئ، لكن المراد به هنا: المثيل والنظير، فنزه المؤلف ﵀ الرب جل وعلا عمن يعارضه ويضاده ويخالف أمره، ونزهه عن أن يكون له ند ونظير ومثيل، كما قال الله : ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا﴾ [البقرة:٢٢] ، وكما قال : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ، فهذا أمر واضح وقد تقدم تقريره.

стр. 50

قضاء الله الكوني نافذ لا يرد ثم قال ﵀: (لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره) جل وعلا، فقوله: (لا راد لقضائه) أي: لا أحد يقوم برد قضاء الله جل وعلا، بل كما قال عن نفسه: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة:١١٧] ، فأمر الله جل وعلا وقضاؤه ماضٍ لا راد له. والمراد بالقضاء هنا: القضاء الكوني الخلقي القدري، وأما القضاء الشرعي فإنه يُرد؛ لأنه ليس لازم الوقوع، فقوله: (لا راد لقضائه) أي: أنه لا يُرد ما قضاه وقدره، فإذا قضى الله جل وعلا بالموت على أحد فلا يمكن لأحد أن يرده، وإذا قضى لأحد بالنجاح فلا يمكن لأحد أن يرده، وإذا قضى بالسعادة لأحد فلا يمكن أن يرده أحد، (لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع) ، بل قضاؤه جل وعلا ماضٍ. والقضاء هنا المراد به: القضاء الكوني، وأما القضاء الشرعي فيرد، ولذلك رد أهل الشرك قضاء الله في عبادته، فإن الله قال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣] ، فردوا هذا القضاء وعبدوا غير الله، فقول المؤلف: (لا راد لقضائه) أي: لا راد لقضائه الكوني القدري الخلقي. قال ﵀: (ولا معقب لحكمه) أي: لا مؤخر لحكمه، فإذا قضى الله جل وعلا أمراً فإنه لا يؤخر، كما قال : ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤] ، فإذا قضى الله أجلاً معيناً في وقت معين فإنه لا يتأخر ولا يتقدم. وهذا من معاني قوله: (لا معقب لحكمه) وقد وصف الله جل وعلا نفسه بذلك في قوله: ﴿لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد:٤١] فإنه لا معقب لحكم الله جل وعلا. وكذلك من معاني قوله: (لا معقب لحكمه) أي: لا متتبع لحكمه، بل حكمه نافذ لا يتتبعه أحد ولا ينظر فيه ويتأمل، ولا يرد البعض ويقبل البعض، بل حكمه جل وعلا الكوني نافذ ولا معقب له ولا راد له ولا متتبع له، بل هو جل وعلا الحكيم الخبير الذي إذا حكم وقضى فإنه لا يُرد قضاؤه ولا يُعقب حكمه . ثم قال: (ولا غالب لأمره) بل الله جل وعلا غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون، وقال تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق:٣] فالله جل وعلا يسوق المقادير إلى المقدورات أي: إلى مواضع القدر، فهو يسوق عباده إلى ما قضاه وقدره، وكل ميسر لما خلق له. قال ﵀: (لا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره) ، والحكم والقضاء والأمر هنا هو كله في القضاء والحكم والأمر الكوني. وكذلك يمكن أن يقال: لا معقب لحكمه الشرعي من حيث أنه لا يبدل ولا يغير، ولكن من حيث الفعل فإنه قد يُرد وقد يعقب عليه وينتقد، لكن هذا لا يضر حكم الله جل وعلا بشيء. والظاهر أن الجميع؛ القضاء، والحكم، والأمر، في هذه العبارات كلها تدور على معنى القضاء والحكم والأمر الكوني. ثم قال ﵀: (لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره، آمنا بذلك كله، وأيقنا أن كلاً من عنده) أي: آمنا بما تقدم مما تقرر في هذه العقيدة. وقوله: (آمنا بذلك كله، وأيقنا أن كلاً من عنده) أي: ما قضاه الله جل وعلا وقدره وشاءه فذلك كله بتقديره، فسعادة السعيد بتقديره، وشقاء الشقي بتقديره. والمؤلف ﵀ ختم هذا المقطع بهذه العبارة؛ لأنه سينتقل إلى تقرير عقد أو أصل جديد من أصول الاعتقاد وأصول الإيمان، فناسب أن يختم ما تقدم بهذه العبارة تأكيداً وتقريراً لما تضمنه قوله ﵀: (نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له. إلخ) . فيقول: (آمنا بذلك) يعني: بكل ما ذكرنا أننا نعتقده، (وأيقنا أن كلاً من عنده) أي: أن اعتقادنا ذلك إنما هو امتثال لله وامتثال لما جاء في كتابه وما جاء في سنة رسوله ﷺ .

стр. 51

الإيمان بالنبي ﷺ ثم بعد ذلك انتقل المؤلف ﵀ إلى تقرير الأصل الثاني الذي لا يصح الإيمان والإسلام إلا به، وهو شهادة أن محمداً رسول الله فقال: [وأن محمداً عبده المصطفى ونبيه المجتبى ورسوله المرتضى] هكذا عندي في هذه النسخة بفتح همز إن، والصحيح الكسر؛ لأنه معطوف على قوله: (نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله إن الله واحد لا شريك له وإن محمداً عبده المصطفى ونبيه المجتبى) ومعلوم أن همز إن يكسر بعد القول وما في معناه: قال ﵀: (وإن محمداً) محمد المذكور في هذه الجملة هو رسول الله ﷺ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي، وهو خاتم النبيين صلى الله عليهم وسلم، وسيأتي تفصيل ما يجب اعتقاده في النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. المهم أن محمداً هو نبينا ﷺ ، وقد أتى به بعد ذكر ما يتعلق بالله؛ لأن الإيمان بالنبي ﷺ هو ثاني ما يطلب من المكلف، فإن المكلف مطالب بعبادة الله وحده، ومطالب بالإقرار برسالة النبي ﵌، وهو الأصل الثاني من الأصول التي يطلب من المكلفين الإقرار بها، فأولها: الإيمان بالله وثانيها: الإيمان برسله، فالإيمان بالرسل من أصول الإيمان التي لا يقر الإيمان ولا يستقيم إلا بها.

стр. 52

إثبات عبودية النبي ﷺ قوله: (أن محمداً عبده) أي: عبد الله جل وعلا فذكر الضمير هنا عائد إلى ما تقدم في قوله: (نقول في توحيد الله معتقدين وإن محمداً عبده المصطفى) ووصف النبي ﷺ بالعبودية من أعظم ما يوصف به صلى الله عليه وعلى آله وسلم خلافاً لما يظنه كثير من الجهال من أن وصف النبي ﷺ بالعبودية نقص في حقه ونزول في رتبته، بل وصفه بالعبودية هو أكمل ما يكون. ولذلك ورد وصف الله لنبيه محمد ﷺ بالعبودية في أشرف مقامات النبي ﷺ ، فوصفه بالعبودية في أشرف لياليه ﷺ في الإسراء حيث قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء:١] . ووصفه في مقام الدعوة وهو من أشرف مقامات النبي ﷺ حيث قال: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن:١٩] . ووصفه بالعبودية في مقام المنافحة والمدافعة عنه في مقام التحدي حيث قال سبحانه: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾ [البقرة:٢٣] . ووصفه بالعبودية في مقام الإيحاء في ليلة المعراج فقال جل وعلا: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم:١٠] وهذه أشرف مقامات النبي ﷺ ، لم يصفه الله جل وعلا بوصف زائد على هذا، فدل ذلك على أنه من أعظم أوصافه ﷺ .

стр. 53

إثبات اصطفاء الله للنبي ﷺ وقول المؤلف ﵀: (المصطفى) هذا فيه بيان ما خص الله به رسوله محمداً ﷺ من الاصطفاء، فإن الله اصطفى نبيه محمداً ﷺ ، والاصطفاء: هو الاختيار، والاصطفاء: افتعال من الاختيار، وأصله اصتفى، لكن الصاد إذا جاءت بعده التاء فإنها تنقلب إلى طاء، وهذا مطرد، فحيثما جاء الصاد وجاءت بعده التاء فإن التاء تنقلب طاءً للمناسبة بينهما، فإن الصاد والطاء من حروف الاستعلاء، بخلاف التاء، فالاصطناع أصلها اصتنع، والاصطلام أصلها: اصتلم، وهلم جراً. والمراد: أن الاصطفاء معناه: الاختيار، والاختيار حق لله جل وعلا دون غيره، كما قال الله : ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص:٦٨] فذكر الله جل وعلا فعلين من أفعاله: - الخلق، وهذا لا منازع له فيه. - والاختيار، وهذا الذي وقعت فيه المنازعة من المشركين لرب العالمين. فقال الله جل وعلا: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص:٦٨] والوقف على هذا تتم به الجملة، ثم قال: ﴿مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص:٦٨] فنفى الخيرة عن غيره ممن نازعه جل وعلا الاختيار فقال جل وعلا: ﴿مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص:٦٨] فنزه نفسه عن الشركة في الاختيار؛ وذلك لأن الاختيار حق الله جل وعلا، فالله يخلق ما يشاء، ويختار من خلقه ما يشاء. ولذلك اصطفى الله جل وعلا من خلقه ما شاء الله أن يختار، سواء كان زماناً أو مكاناً أو شخصاً، فاختار الله من الأزمان على سبيل المثال الجمعة، واختار شهر رمضان، واختار أشهر الحج، واختار الأشهر الحرم. واختار الله من الأماكن مكة، فاصطفاها وخصها بما خصها به من الأحكام. وأما الأشخاص فاختار الله من خلقه الرسل والأنبياء، وخصهم بخصائص دون غيرهم، قال سبحانه: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:٧٥] ، فالاصطفاء واقع من الملائكة ومن الناس يصطفي الله جل وعلا منهم من يرسلهم. فالله اصطفى رسوله ﷺ وخصه بخصائص كثيرة، وسيأتي ذكر بعض هذه الخصائص في كلام المؤلف ﵀، لكن هل هذا الوصف أخص أوصاف النبي ﷺ ؟ الجواب لا. ومن هذا نعلم أن الذين لا يذكرون النبي ﷺ إلا بقولهم: المصطفى، أو قال المصطفى، أو فعل المصطفى، يقصرون في حق النبي ﷺ عن رتبته التي أنزله الله إياها؛ لأن الاصطفاء ليس خاصاً بالنبي ﷺ ، بل هو له ولكثير من خلقه كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:٧٥] فالمصطفون من خلق الله كثر، لكن النبي صلى لله عليه وسلم له الغاية من الاصطفاء، وله أوفر حظ ونصيب من اصطفاء رب العالمين جل وعلا. والذي اختص به ورضيه ﷺ هو أن يكون عبد الله ورسوله، ولذلك قال ﷺ : (لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله) فهذا أفضل ما يوصف به النبي ﷺ ، ولو أن المؤلف ﵀ ذكر هذا في مقدم أوصاف النبي صلى عليه وسلم لكان أوفق. قال: (وأن محمداً عبده المصطفى) فالله اصطفاه من بين الخلق، قال النبي ﷺ : (إن الله اصطفى كنانة من بني إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى بني هاشم من قريش، واصطفاني من بني هاشم) فهذا اصطفاء وراء اصطفاء فهو خيار من خيار ﷺ .

стр. 54

إثبات الاجتباء والارتضاء للنبي ﷺ والتفريق بين المعنيين قال ﵀: [ونبيه المجتبى] المجتبى: من الاجتباء، والاجتباء معناه مطابق للاصطفاء، فالاجتباء والاصطفاء معناهما واحد. قال ﵀: [ورسوله المرتضى] والمؤلف ﵀ تدرج في أوصاف النبي ﷺ تدرجاً مرتباً، فبدأ بالعبودية، ثم انتقل إلى النبوة، ثم انتقل إلى الرسالة، والعبودية ليست خاصة به ﷺ ، بل هي له ولغيره، والنبوة له ولكثير من الناس، وأخص وأرفع هذه الدرجات درجة الرسالة، فهي له ﷺ ولخاصة خلق الله من البشر. (ورسوله المرتضى) المرتضى: مأخوذ من الارتضاء، والارتضاء مأخوذ من الرضا، والرضا: هو معنىً يثبت به للمرضي الخير الكثير، والمرتضى هو الذي يكون ممتثلاً للأمر منتهياً عن النهي مسارعاً إلى الخير، والنبي ﷺ مرضي من رب العالمين، ولذلك خصه بما لم يخص به غيره. وعلى كل حال الرضا فيه معنىً زائد على الاصطفاء والاجتباء؛ لأنه اصطفاء واجتباء وزيادة، فقول بعض الشراح: إن الاصطفاء والاجتباء والارتضاء متقاربة في المعنى فيه نوع نظر، بل الارتضاء فيه زيادة عن معنى الاصطفاء والاجتباء؛ لأنه اصطفاء واجتباء وزيادة.

стр. 55

إثبات أن النبي ﷺ خاتم النبيين ثم قال المؤلف ﵀: (وإنه خاتم الأنبياء) هذا وصف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهو خاتم الأنبياء. والخاتم هو: الذي لا يأتي بعده شيء، فالله ختم النبوات بالنبي ﷺ ، ودليل ذلك قول الله جل وعلا: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠] ، فهو ﷺ خاتم النبيين، ختم الله به النبوات، فلا نبي بعده صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقد جاء تقرير ختم النبوة في سنة النبي ﷺ من وجوه عديدة: الوجه الأول: ضرب الأمثال، فإن النبي ﷺ ضرب مثلاً لنبوته فقال: (إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بناءً فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة في زاوية، فجعل الناس يطوفون في هذا البناء ويقولون: ما أجمله! إلا هذه اللبنة، فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين) وهذا ضرب مثل لختم النبوات به ﷺ ، وهذا أحد الطرق التي قرر بها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ختم النبوة. الوجه الثاني من الطرق التي ذكرها النبي ﷺ في سنته في ختم النبوة: أنه ﷺ أخبر بمجيء كذابين فقال: (سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي، ولا نبي بعدي) فتكذيب النبي ﷺ لهؤلاء في دعوى النبوة دل ذلك على أنه خاتم النبيين. الوجه الثالث مما يستدل به من السنة على ختم النبوة: أسمائه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإن من أسمائه: العاقب، وقد فسر النبي ﷺ هذا الاسم فقال: (العاقب الذي لا نبي بعده) فلا نبي بعد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. الوجه الرابع: ومما سلكه النبي ﷺ في تقرير ختم نبوته أن في جملة خصائصه ذكر ختم النبوة، ففي بعض روايات حديث: (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي) وفي بعض رواياته: (أعطيت ستاً) وذكر آخرها فقال: (وختم بي الرسل) فختم الله بالنبي ﷺ الرسل. ولو قال قائل: إن ختم النبوة لا يستلزم ختم الرسالة فما الجواب؟ الجواب هذا كذب؛ لأنه ما من رسول إلا ولابد أن يكون نبياً، فالرسالة مرتبة أعلى من النبوة، فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً، فإذا ختم الله بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم النبوات دل ذلك على أنه خاتم الرسل صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فختم النبوة يدل على ختم الرسالة، فما يدعيه الكذابون ممن يدعون الرسالة أن النبي ﷺ لم يخبر بختم الرسالات وإنما أخبر بختم النبوات حجتهم داحضة باطلة واضحة العوار.

стр. 56

إثبات أن الرسول ﷺ إمام الأتقياء قال ﵀: [وإمام الأتقياء] لا ريب أن النبي ﷺ إمام الأتقياء، والإمام هو: المقدم، ودليل هذا أن النبي ﷺ قال: (والله! إني لاتقاكم لله وأخشاكم له) فاقسم النبي ﷺ أنه أتقى الأمة للرب جل وعلا، فإمام الأتقياء هو رسول الله صلى الله وعليه وسلم؛ لأنه مقدمهم، ولأنه محل الأسوة لهم، فبه يتأسون وبه يقتدون، وعن فعله يسيرون صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب:٢١] وقال الله جل وعلا: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١] فجعله الله إماماً لهم في العمل وفي الأسوة، فهو إمام الأتقياء ﷺ . إذاً: قول المؤلف ﵀: (وإمام الأتقياء) يشمل معنيين: الأول: الإمامة، بمعنى: التقدم، ودليل ذلك قسم النبي ﷺ وإخباره بأنه أتقى الأمة. الثاني: والإمام، بمعنى محل القدوة والأسوة والاهتداء بهديه، وهذا أدلته كثيرة في الكتاب والسنة.

стр. 57

مبحث في إطلاق: (سيد المرسلين) على النبي ﷺ ثم قال ﵀ في وصف النبي ﷺ : [وسيد المرسلين] ولا إشكال في أن النبي ﷺ سيد المرسلين، لكنه لم يرد -فيما أعلم- وصفه ﷺ بذلك في السنة، وإنما الذي ورد في السنة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة) فأخبر ﷺ بأنه سيد ولد أدم يوم القيامة. وورد ذلك مطلقاً حيث قال: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر في الدنيا والآخرة) وإنما خص العلماء سيادة النبي ﷺ للمرسلين لأن صفوة ولد آدم هم المرسلون، فإذا كان النبي صلى الله عليه سلم سيدهم فهو سيد ولد آدم جميعاً. وعندي أن الأحسن أن يوصف صلى الله عليه وعلى آله وسلم بما وصف به نفسه، فإن قول القائل: إن النبي ﷺ سيد ولد آدم أكمل من كونه سيداً للمرسلين؛ لأنه أوسع معنىً وأوسع مدلولاً، فهو سيد ولد آدم المسلم والكافر، البر والفاجر، وهذا هو المعنى الذي يلمح من قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (أنا سيد ولد أدم يوم القيامة) فإن تخصيص السيادة بيوم القيامة يظهر بها مكانه وفضله، حيث يتخلى الجميع ولا يجدون من يقوم بالشفاعة العظمى إلا نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فينبغي أن يقتصر في الوصف على ما جاء عن النبي صلى عليه وسلم، فإنه مهما بالغ الإنسان في إيفاء النبي حقه فلن يبلغ ما جاءت به النصوص.

стр. 58

الفرق بين الخلة والمحبة وبأيهما يوصف النبي ﷺ ثم قال: [وحبيب رب العالمين] هذا فيه وصف النبي ﷺ بالمحبة، وأنه حبيب رب العالمين، أي: محبوب رب العالمين فحبيب فعيل بمعنى: مفعول، فهو محبوب رب العالمين جل وعلا، ولا شك في إثبات محبة الله لرسوله ﷺ ، إلا أن في هذا التعبير قصور عما ينبغي أن يكون للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإن النبي ﷺ خليل رب العالمين، والخلة مرتبة أعلى من المحبة، فالخلة هي الغاية والمنتهى في مراتب المحبة، والخلة أخص من مطلق المحبة وتخصيصها -أي: الخلة- من وجهين: الوجه الأول: أن الخلة تكون محبة لذات الشيء، أي: محبة ليست لغرض وإنما لكون المحبوب مستحقاً للمحبة. الوجه الثاني: أن الخلة تمنع الشركة، فلا شركة في الخلة، بخلاف المحبة فإنها تقبل الشركة. وهذان الوجهان واضحان في قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل؛ فإن الله قد اتخذني خليلاً) أي: صيرني خليلاً له جل وعلا، فهو خليل الرحمان، فتبرأ النبي صلى الله عليه سلم من كل خلة؛ لأن الخلة لا تقبل الشريك، ولأن المحبوب محبوب لذاته، فهذا ما اختصت به الخلة. وذكر شيخ الإسلام ﵀ أن الخلة تستلزم كمال العبودية، وهذا في الحقيقة ليس من لوازم الخلة في كل مكان؛ لأن الخلة تكون بين الناس ولا تستلزم أن يعبد الخليل خليله، لكن ما تختص به الخلة عن المحبة هما الوجهان السابقان. وبعض العلماء يرى أن المحبة أعلى من الخلة، ويستدلون بحديث ضعيف: (إبراهيم خليل الله، وأنا حبيب الله ولا فخر) لكن الحديث لا يصح، وكل حديث في هذا المعنى لا يصح، بل الخلة أعلى درجة من المحبة، ولذلك قال النبي ﷺ : (إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً) . والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 59

شرح العقيدة الطحاوية [٦] خص الله دعوة النبي ﷺ بكثير من الخصائص والمميزات عن غيرها من دعوات الأنبياء، من أهمها: أنها خاتمة الرسالات، وأنها عامة للجن والإنس، ومن أعظم ما خص الله تعالى به دعوة النبي ﵊: القرآن العظيم، وهو كلام الله رب العالمين.

стр. 60

خصائص دعوة النبي ﷺ

стр. 61

دعوة النبي خاتمة الدعوات بسم الله الرحمن الرحيم الحمد الله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: [وكل دعوى النبوة بعده فغي وهوى، وهو المبعوث إلى عامة الجن وكافة الورى، بالحق والهدى، وبالنور والضياء] . قال المؤلف ﵀ في تكملة ما يتعلق بتقرير رسالة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (وكل دعوى النبوة) ، أي: وكل ادعاء للنبوة بعد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فغي وهوى، فوصفها المؤلف ﵀ بوصفين: (غي وهوى) ، والغي: هو الجهل عن اعتقاد فاسد، فادعاء النبوة بعد نبوة النبي ﷺ جهل ناشئ عن اعتقاد فاسد، وهو أنه تجوز النبوة بعده صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقول المؤلف: (وهوى) أي: واتباع للهوى وهو ما تشتهيه النفس وتميل إليه، فالهوى: مأخوذ من هوى يهوى إذا مال إلى الشيء والتذ به وانجذب إليه، فكل من ادعى النبوة بعد محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فدعواه لا تخرج عن هذين: - عن كونها جهلاً ناشئاً عن اعتقاد فاسد، أو اتباعاً للهوى.

стр. 62

دعوة النبي عامة للإنس والجن لقد بيّن النبي ﷺ أنه مبعوث إلى الناس كافة؛ وهذا يوجب على كل أحد يبلغه خبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يتبعه وينقاد له، ويشهد له بالرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومما يدل على عموم رسالة النبي ﷺ : أن الله أمره بمخاطبة اليهود والنصارى، وهم بقية من الأمم السابقة الذين معهم كتب، وخاطبهم ﷺ وأمرهم بالاستجابة إليه: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٦٤] . فكل من لم يأت بما أمر به النبي ﷺ من الإقرار له بالرسالة فهو كافر بالله العظيم، وما يدعيه أهل الكتاب من أن رسالة النبي ﷺ خاصة بالعرب أو بالأميين فهو كذب وضلال، وهذا في الحقيقة طعن وتكذيب للنبي ﷺ ، فأهل الكتاب الذين يقولون: نحن نؤمن بالنبي محمد ﷺ لكنه خاص بالعرب، هؤلاء كاذبون مكذبون للنبي ﷺ ؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخبر -وهو لا ينطق عن الهوى- بعموم رسالته، وإنما نحتاج إلى تقرير هذا حتى نرد على الذين يقولون في هذه الأزمان المتأخرة: اليهود على حق والنصارى على حق، ويسوون بين أهل الإسلام وغيرهم من أهل الكتاب ولا سواء؛ فهؤلاء يؤمنون بالله الواحد القهار الذي لا إله غيره، ويصدقون النبي ﷺ بالرسالة وبما جاء به، وأولئك يكذبونه في الأصلين، فهم يشركون بالله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠] ، ويكذبون النبي ﷺ حيث قالوا: إنه إنما بعث للعرب خاصة وليس لعموم الناس. وأما عموم رسالة النبي ﷺ للجن، فذلك مستفاد من سورة الجن، فإن سورة الجن الدلالة فيها ظاهرة في مواضع عديدة على أن النبي ﷺ مبعوث إليهم، ويدل على ذلك أيضاً ما ذكره الله جل وعلا في سورة الأحقاف حيث قال : ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ﴾ [الأحقاف:٢٩] ، أي: قضيت قراءة القرآن وقضي سماعه ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف:٢٩] ، منذرين بأي شيء؟ بما سمعوه وتلقوه عن النبي ﷺ ، ثم قالوا لما ولوا إلى قومهم منذرين وبينوا وجه الإنذار: ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ [الأحقاف:٣٠] ، وهذا يدل على أنهم كانوا متعبدين لله، أو أن منهم من كان يعبد الله بشريعة موسى ﵊: ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ﴾ [الأحقاف:٣٠-٣١] ، فهذا فيه وجوب اتباع ما جاء عن النبي ﷺ ، ووجوب الانقياد لما سمعوه من القرآن العظيم. ولا ريب أن الجن مخاطبون برسالة النبي ﷺ ، وعلى هذا دل الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، ولا خلاف بينهم في أن الجن مخاطبون بدعوة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

стр. 63

وصف ما جاء به النبي من الوحي فرغ المؤلف ﵀ من تقرير هذا الأصل، ثم انتقل إلى تقرير ما يتعلق بالقرآن، لكن المؤلف ﵀ ذكر قبل ذلك شيئاً من أوصاف ما جاء به النبي ﷺ فقال: [بالحق والهدى، وبالنور والضياء] ، وهذا وصف مطابق لفظاً ومعنى لما جاء به النبي ﷺ ، فإن نبينا ﷺ بعثه الله بالهدى ودين الحق، وبالنور والضياء، الحق في القول والعمل، والهدى في العلم والاعتقاد، ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [الفتح:٢٨] ، الهدى: العلم النافع، ودين الحق: العمل الصالح، فبعث الله رسوله بالحق في الأقوال والأعمال، وبالهدى في العلم والاعتقاد، وقد أثبت الله جل وعلا هذا الوصف فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢] ، فجعل الله النبي ﷺ هادياً إلى صراط أثبت له الثبات والاستقرار والاستعلاء والتمكن من الصراط المستقيم، فقال: ﴿إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الزخرف:٤٣] ، وانظر كيف أتى بحرف (على) الذي يفيد الاستعلاء والتمكن والاستقرار، فرسول الله ﷺ ثبتت قدمه على الصراط المستقيم ثباتاً متمكناً عالياً لا زوال له، وكل من سار على طريقه وأخذ بهديه واتبع سنته فإنه موافق له، وله نصيب من هذا الوصف المذكور (إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) . ثم قال: [وبالنور والضياء] ، أي: ما جاء به النبي ﷺ نور وضياء، ولا ريب أن ما جاء به نور وضياء: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ [الأنعام:١٢٢] ، من أهم وأخص ما جاء به النبي ﷺ : إخراج الذين آمنوا من الظلمات إلى النور، فالله أخرج أهل الإيمان بالنبي ﷺ وبما جاء به من الهدى والنور أخرجهم من ظلمات الجهالات والتعاسات والشقاء في الدنيا إلى نور السعادة والعلم والعبادة في الدنيا قبل الآخرة. أما الآخرة فإنها نور ولا إشكال فيه؛ لأن أهل الإيمان يأتون تضيء لهم أعمالهم على قدر استمساكهم بهدي النبي ﷺ ، فبقدر ما مع الإنسان من هدي النبي ﷺ عقداً وعملاً بقدر ما يكون له من النور يوم القيامة. وما الفرق بين النور والضياء؟ أما من حيث دلالة المعنى فالمعنى متقارب، لكن الفرق بين النور والضياء: أن النور: نور لا حرارة فيه، وأما الضياء: فإنه نور مع حرارة، قال الله جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس:٥] ، هل بينهما فرق؟ نعم بينهما فرق؛ الشمس إضاءة ونور مع حرارة، والقمر نور لا حرارة فيه، وهكذا ما جاء به النبي ﷺ ، فمنه ما هو نور لا حرارة فيه، ومنه ما فيه حرارة، لكنها حرارة تعقب سعادة ولذة وطمأنينة.

стр. 64

تقرير أن القرآن كلام الله ليس بمخلوق قال المؤلف بعد هذا في تقرير ما جاء عن أهل السنة والجماعة في مسائل القرآن: [وإن القرآن كلام الله، منه بدا بلا كيفية قولاً، وأنزله على رسوله وحياً، وصدقه المؤمنون على ذلك حقاً، وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة، ليس بمخلوق ككلام البرية؛ فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر، وقد ذمه الله وعابه وأوعده بسقر؛ حيث قال تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر:٢٦] ، فلما أوعد الله بسقر لمن قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥] ؛ علمنا وأيقنا أنه قول خالق البشر، ولا يشبه قول البشر] .

стр. 65

صفة الكلام من دلائل ألوهيته هذا الكلام من أنفس ما في هذه العقيدة من تقرير عقيدة أهل السنة والجماعة في هذه الصفة العظيمة صفة الكلام لله رب العالمين، والكلام صفة ذاتية للرب جل وعلا يثبتها أهل السنة والجماعة بالكتاب والسنة وإجماع السلف والعقل، ولما كانت صفة دل عليها العقل، أثبتها مثبتة الصفات، وإذا رأيتم في كلام العلماء: (مثبتة الصفات) ؛ فالمراد بهم: من يثبتون بعض الصفات وينكرون بعضها كالأشاعرة والكلابية والماتريدية وأشباههم، فهؤلاء يثبتون شيئاً من الصفات وينكرون شيئاً. فمثبتة الصفات يثبتون لله صفة الكلام؛ لأنها صفة كمال لله دل عليها العقل، والكلام صفة ذاتية؛ فلم يزل ولا يزال الله جل وعلا يتكلم أزلاً وأبداً كيف شاء جل وعلا: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ [الكهف:١٠٩] ، فهو متكلم، ومن عطل الله جل وعلا عن هذه الصفة وقال: إنه لا يتكلم. فقد افترى إثماً عظيماً على الرب جل وعلا، وأثبت له نقصاً كبيراً، فإن من دلائل ألوهية الله واستحقاقه العبادة: أنه متكلم. ولذلك لما احتج إبراهيم ﵇ على قومه في تأليههم من عبد غير الله احتج عليهم بأنهم لا يتكلمون، وذلك في قوله: ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٣] كذلك موسى ﵇ احتج على إبطال عبادة العجل من قبل قومه بأنه لا يرجع قولاً، فكل من وصف الله بأنه لا يتكلم فقد عطل الله جل وعلا عن صفة من الصفات الموجبة لإفراده بالعبادة .

стр. 66

أثر تعطيل الله عن الكلام على الإيمان اعلم أن مسألة تعطيل الله جل وعلا عن صفة الكلام لها اتصال بالإيمان بالله، واتصال بالإيمان بالكتب، واتصال بالإيمان بالرسل، ولذلك كان الإخلال بهذه الصفة إخلال في جميع أنواع هذا التوحيد وهذه الأصول؛ الإيمان بالله، وبالكتب، وبالرسل، فإن الكتب كلام الله، والرسل أخبروا عن قول الله، والله جل وعلا متصف بالكلام، فمن قال: إنه لا يتكلم. فقد كذب الرسل فيما أخبروا به عن رب العالمين ولم يحقق الإيمان بالكتب؛ لأن الكتب كلام الله، وهو يعتقد أن الله جل وعلا لا كلام له. ثم هو قدح في الإيمان بالله، ونقص في الإيمان به، ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية: (ومن الإيمان بالله وكتبه ورسله؛ الإيمان بأن القرآن كلام الله؛ منه بدا وإليه يعود) ؛ لأن القرآن كلام الله، ومن تمام الإيمان بالكتب وبالرسول الإيمان بأنه يتكلم، ولذلك كان التعطيل لهذه الصفة تعطيل لأنواع من التوحيد، وإخلال بعدة أصول من أصول الإيمان بالله، وبالكتب، وبالرسل. قال المؤلف ﵀: [وإن القرآن كلام الله] ، فلم يناقش المؤلف ﵀ قولهم في صفة الكلام إنما ناقش قولهم في القرآن؛ فقرر ما يعتقده أهل السنة والجماعة في القرآن؛ لأن القرآن أشرف كلام الله ؛ فالقرآن أعظم ما تكلم به الله ؛ فجعل الكلام منصباً ومتوجهاً إلى هذا الأصل العظيم؛ فإذا ثبت فغيره تابع له.

стр. 67

أقسام كلام الله تعالى كلام الله جل وعلا ينقسم إلى قسمين: - كلام خلقي قدري كوني. - وكلام شرعي ديني أمري. والكلام الخلقي القدري الكوني: هو الذي يصدر عنه كل شيء في هذا الكون، ولا حَدَّ له ولا حصر، وهذا الكلام هو الذي قال فيه النبي ﷺ في تعوذه: (أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بَرٌّ ولا فاجر) ، فإن كلمات الله التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر هي الكلمات الكونية؛ لأنه لا خروج لأحد عن قدر الله، وكل ما يقع في الكون من خير أو شر فهو بكلمات الله الكونية التي لا يتجاوزها ولا يخرج عنها بر ولا فاجر. أما الكلام الشرعي الديني الأمري: فهو كلام الله الذي كلم به رسله، وأنزل به كتبه كالتوراة والإنجيل والقرآن والزبور وغير ذلك من الكتب، وأشرفها القرآن ثم يليه التوراة، ولذلك تجد أن القرآن العظيم يذكر التوراة والقرآن كثيراً، فأشرف الكتب التي أنزلها الله وأشرف كلام الرب جل وعلا هو ما كان في القرآن العظيم وما كان في التوراة، وأشرف ذلك كله ما كان في القرآن: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر:٢٣] ، والآية تشير إلى ما أنزله الله عز جل على نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذا الكلام مما يتعبد به الله . أما الكلام القدري الكوني فإنه لازم لكل أحد، ولا يتعبد لله جل وعلا به، يعني بالتزامه وفعله؛ لأنه لا خروج لأحد عليه. وكلام الله الكوني يقال له أيضاً: الخلقي؛ لأنه الذي يحصل منه الخلق، ويوصف بهذا باعتبار أن الخلق صادر عنه، لا أنه مخلوق، فيسمى بالكلام الكوني القدري الخلقي، فهو مثل القضاء، والحكم، والإرادة الكونية فهي توصف بالخلقية لا لأنها مخلوقة ولكن لأنها تصدر عنها المخلوقات. هذه مقدمة موجزة فيما يتعلق بصفة الكلام لله ، ويأتي إن شاء الله تعالى بقية البحث فيما يتعلق بالقرآن في الدرس القادم.

стр. 68

الأسئلة

стр. 69

سبب كثرة ذكر بني إسرائيل في القرآن السؤال أمة بني إسرائيل كثيراً ما ذكرت في القرآن، لماذا؟ الجواب لأنها أعظم الأمم بعد أمة النبي ﷺ ، فإن النبي صلى لله عليه وسلم كما في حديث المعراج ذكر بأن الأمم عرضت عليه بأنبيائها؛ فلما رأى بني إسرائيل ظن أنهم أمته لكثرتهم.

стр. 70

ما جاء به النبي من وحي فيه نور وضياء السؤال هل ما جاء به النبي ﷺ من الوحي نور بلا حرارة في الترغيب، والضياء بالحرارة في الترهيب والوعيد؟ الجواب يمكن أن يقال هذا، ويمكن أن يقال: إن الضياء باعتبار ما في العبادات من مشقة كالصيام في أيام الحر فإنه ضياء لما فيه من مشقة وهي حرارة، وقد جاء الحديث بذلك؛ فوصف الصوم بأنه ضياء والصبر أيضاً؛ لأن فيه حرارة ومشقة.

стр. 71

مسئولية الأمة في تبليغ دين الله السؤال يقول الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨] ؛ فإذا كان الرسول ﷺ مرسل إلى جميع الناس فمن يبلغ هؤلاء الناس بدينه الذي بعثه الله به؟ وهل الأمة مسئولة عن إبلاغ دينه كل في ثغرٍ يدعو بما يعلم؟ الجواب بعثة النبي ﷺ لا إشكال أنها لجميع الناس، والواجب على جميع الأمة أن تبلغ دين الله كل حسب طاقته وحسب استطاعته، كما قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران:١٠٤] . والصحيح أن كل من لم تبلغه الحجة ولم تبلغه رسالة النبي ﷺ ، ومن كانت هذه حاله فإن الله يمتحنه يوم القيامة، مثلهم مثل المجانين والصغار الذين ماتوا من أطفال أهل الشرك، فهؤلاء يمتحنهم الله ؛ فإن أجابوا دخلوا الجنة، وإن امتنعوا دخلوا النار، واعلم أن الله حكم عدل لا يدخل النار إلا من استحقها: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس:٤٤] .

стр. 72

صفة الكلام صفة ذاتية فعلية السؤال هل صفة الكلام ذاتية فعلية؟ الجواب نعم هي صفة ذاتية فعلية، لكن الأصل فيها أنها صفة ذاتية، وهي فعلية باعتبار الأفراد وسيأتي إن شاء الله مزيد تقرير لهذا.

стр. 73

نفي التقارب المدعى بين اليهود والنصارى والمسلمين السؤال ما صحة دعوى التقريب بين الأديان الثلاثة: اليهودية والنصرانية والإسلام؟ الجواب هؤلاء غلطوا غلطاً عظيماً، كيف يتقارب من يقول: إن معنى: لا إله إلا الله، لا معبود بحق إلا الله، ومن يقول: عزير ابن الله والمسيح ابن الله؟ كيف ويتقارب من يقول: بأن محمداً ﷺ مبعوث إلى عامة الجنِّ وكافة الورى، ومن يقول: إنه ما بعث فقط إلا للأميين العرب ولم يبعث لغيرهم؟ لا يمكن التقارب بين هؤلاء، تقريبهم إلينا بأن ندعوهم إلى الإسلام، وهذا لا بأس به وهو مأمور به، أما أن نتقرب نحن أو نقرب منهم. فهذا لا إشكال فيه أنه من أعظم الفتن. ثم الأمر واضح في خطاب بني إسرائيل وأهل الكتاب: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ [آل عمران:٦٤] ، يعني: مستوية ﴿بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [آل عمران:٦٤] ، فنحن لا نجادلهم ولا نحاورهم ولا نناقشهم إلا على هذا الأصل الأول. أما الدخول معهم في مناقشات أخرى قبل تقرير هذا الأصل ويدعى أن هذا هو التقارب؛ فهذا غلط. والله تعالى أعلم.

стр. 74

شرح العقيدة الطحاوية [٧] تعتبر مسألة كلام الله تعالى من أشد المسائل وأكثرها نزاعاً بين الفرق، فهم بين مثبت ونافٍ، ومثبت لها على عوج لرأي رآه، والقول الحق هو قول الله ورسوله وهو: أنها صفة ذاتية فعلية قائمة بالله ، وقد توعد الله سبحانه من وصف كلامه بقول البشر بسقر، فكيف بمن نفى تلك الصفة العظيمة عن المولى جل وعلا؟!

стр. 75

إضافة القرآن إلى الله من باب إضافة الصفات وإضافته إلى الرسول من باب البلاغ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد: قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: [وإن القرآن كلام الله، منه بدا بلا كيفية قولاً، وأنزله على رسوله وحياً، وصدقه المؤمنون على ذلك حقاً، وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة، ليس بمخلوق ككلام البرية، فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر، وقد ذمه الله وعابه وأوعده بسقر؛ حيث قال تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر:٢٦] ، فلما أوعد الله بسقر لمن قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥] ، علمنا وأيقنا أنه قول خالق البشر، ولا يشبه قول البشر] . تقدم الكلام على أول ما يتعلق بهذا المقطع من كلام المؤلف ﵀ في قوله: (وإن القران كلام الله) ، وقلنا: إن في هذا إثباتاً لصفة الكلام لله جل وعلا، والكلام صفة لله ذاتية فعلية دل عليها الكتاب والسنة والإجماع والعقل؛ فإن صفة الكلام من صفات الباري جل وعلا العظيمة، والتي يقتضي إنكارها القدح في الإيمان بالله وبالرسول وبالكتب، فإن الإيمان بالرسالة من لوازمه: أن تؤمن بالمرسل، ومن لوازم الإيمان بالمرسل: أن تؤمن بالقول الذي أرسل به رسله، فالإخلال بهذا النوع من أنواع الصفات خلل في أنواع عديدة من العقائد وما يجب الإيمان به من أصول الإيمان. وتقدم الكلام على أن الكلام ينقسم إلى قسمين: - كلام كوني. - وكلام شرعي. فالمؤلف ﵀ في هذا المقطع يقرر كلام الله جل وعلا الشرعي؛ لأن القرآن من كلام الله الشرعي. يقول ﵀: (وإن القرآن كلام الله) ، وعلى هذا أهل السنة والجماعة، ودل على ذلك الكتاب في قول الله جل وعلا: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] ، والمراد بكلام الله في الآية: كلامه الذي تكلم به وهو القرآن؛ فإن الله جل وعلا تكلم بالقرآن وقت نزوله، وبلغه جبريل النبي ﷺ ، فهو كلام رب العالمين أضافه الله إلى نفسه إضافة الصفة إلى الموصوف، فليس في هذا مرية ولا شك ولا ريب عند أهل السنة والجماعة. وأما إضافة القرآن إلى النبي ﷺ وإضافته إلى جبريل في بعض الآيات؛ فإن هذا من باب إضافة الكلام إلى مبلغه، وليس إلى قائله، بل المتكلم به وقائله هو رب العالمين جل وعلا، ولذلك أضاف الله القرآن في كتابه إليه، وأضافه إلى جبريل، وأضافه إلى النبي ﷺ وإضافته إليه من باب إضافة الصفات، وإضافته إلى جبريل من باب البلاغ، فهو الرسول الملكي الذي أرسله الله بالقرآن، وإضافته إلى النبي ﷺ ؛ لأنه الرسول البشري الذي جعله الله مبلغاً لرسالاته ﷺ ، فلا يلتبس عليك الأمر؛ فإن الكلام يضاف وينسب إلى من تكلم به أولاً لا إلى من قاله مبلغاً، ولذلك تجد القائل ممن يبلغ قول النبي صلى الله يقول: (قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كذا وكذا) مع أنه لم يسمعه منه، وهذا الكلام ليس كلام المتكلم، أي: أنه ليس منسوباً إليه، وإنما هو مبلغ وناقل لما قاله رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فالكلام يضاف في لغة العرب إلى من تكلم به ابتداءً، وإن أضيف إلى من نقله فهو إضافة نقل وتبليغ لا إضافة ابتداء وكلام؛ ولذلك قال المؤلف ﵀: (منه بدا بلا كيفية قولاً) ، فـ (من) هنا بيانية لبيان ابتداء الغاية، أي: أن الكلام منه ابتدأ ، فـ (من) لابتداء الغاية، والهاء هنا الضمير فيها يعود إلى الرب جل وعلا فلم يتكلم به غيره ولم يخلقه في غيره. وهذه الكلمة منقولة عن السلف، ومرادهم بها كما ذكر شيخ الإسلام ﵀ وغيره: أن الله لم يخلق هذا الكلام في غيره، كما تقول المعتزلة والجهمية إن الكلام كلام والقرآن كلام الله، لكنه كلام الله مخلوق، فللرد عليهم قال ﵀: (منه بدا) أي: هو المتكلم به، فالجهمية يقولون: القرآن كلام الله لكنه خلقه في غيره؛ فهو مخلوق من جملة خلق الله . وقد رد عليهم سلف هذه الأمة، وحصل في هذه الصفة فتنة عظيمة لأهل السنة والجماعة أيام الإمام أحمد ﵀؛ حيث بلي الناس بمسألة القول بخلق القرآن، وامتحن فيها العلماء والقضاة وأهل العلم بل امتحن العامة بهذه المسألة، وثبت الله جل وعلا الإمام أحمد ﵀، وحفظ الله به كتابه وعقد السلف الصالح من الاندثار والضياع؛ حيث ثبت على قوله، وذَبَّ عما دل عليه الكتاب والسنة، ورد قول المبتدعة الجهمية الذين قالوا: إن القرآن كلام الله لكنه مخلوق كسائر المخلوقات، واستدلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:٦٢] ، والقرآن شيء؛ فهو داخل في هذا العموم، لكنه كذب؛ لأن (كل) في كل موضع تفيد العموم بحسب الموضع الذي وردت فيه، فإفادة (كل) للعموم ليست مطلقة مجردة عن السياق الذي وردت فيه. ولذلك الريح التي أرسلها الله على عاد لم تدمر المساكن، مع أن الله قال: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف:٢٥] ، ولو كان المراد أنها تدمر كل شيء لما بقيت حتى الأرض؛ لأنها مرت على الأرض فبقيت الأرض، فدل ذلك على أن (كل) تفيد العموم بحسب السياق الذي ترد فيه وبحسب ما يقتضيه معنى الكلام، ولا تفيد في كل المواضع العموم المطلق الذي لا يخرج عنه شيء. ثم إن القول بأن القرآن مخلوق استدلالاً بهذا: يقتضي أن نجعل جميع الصفات مخلوقة؛ لأن الرحمة شيء والعلم شيء والبصر شيء والسمع شيء والإرادة شيء، ومقتضى هذا: أن تكون جميع صفات الله مخلوقة داخلة في قوله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ، مع أنه الخالق المدبر الذي لا يدخل شيء من صفاته في عموم قوله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ، فالرد على المعتزلة والجهمية في استدلالهم بهذه الآية على أن القرآن مخلوق واضح وبيّن، يدركه كل من فقه اللسان، وعرف موارد الكلام، وفهم وعلم أن إفادة العموم من هذا الفظ ليست واضحة في إدخال كلام الله . المراد: أن القرآن كلام الله حقيقة، والإضافة هنا إضافة أوصاف لا إضافة أعيان، والمعتزلة والجهمية عندهم أن الإضافة إضافة عين؛ لأن الكلام مخلوق فإضافته إلى الله كإضافة بيت الله وناقة الله، وما أشبه ذلك من الإضافات التشريفية التي أضافها الله إلى نفسه للتشريف وبيان المكانة والمنزلة، فناقة الله الإضافة فيها ليست إضافة صفات؛ لأن الناقة عين قائمة بذاتها، فإضافتها إلى الله إضافة تشريف، كذلك بيت الله الإضافة فيها إضافة تشريف؛ لأنه عين قائمة، وكذلك عبد الله الإضافة إضافة تشريف؛ لأن العبد عين قائمة، لكن ما لا يقوم بذاته من الإضافات كالكلام والرحمة والسمع والبصر هذه ليست أعياناً قائمة بذاتها، إنما تقوم بغيرها، فإضافتها إلى الله جل وعلا من باب إضافة الصفات. فالكلام ليس شيئاً يقوم بذاته حتى نقول: إن الإضافة إضافة خلق، بل هذا تلبيس وتشبيه يرده أصحاب العقول النيرة والأفهام البينة.
следующие страницы →