Полный текст (265 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
شرح لمعة الاعتقاد [١]
تعد لمعة الاعتقاد للموفق ابن قدامة، من الكتب السلفية النافعة في معرفة اعتقاد أهل السنة في أصول الإيمان، فقد بين فيها منهج السلف الصالح تجاه الآيات والأحاديث الواردة في أسماء الله وصفاته، وموقفهم من المحكم والمتشابه، وغيرها من عقيدة أهل السنة.
стр. 2
شرح مقدمة المؤلف ﵀
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين،وأصلي وأسلم على نبينا محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه ومن اتبع سنته واقتفى أثره بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول الإمام موفق الدين أبي محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى: [الحمد لله المحمود بكل لسان، المعبود في كل زمان، الذي لا يخلو من علمه مكان، ولا يشغله شأن عن شأن، جل عن الأشباه والأنداد، وتنزه عن الصاحبة والأولاد، ونفذ حكمه في جميع العباد، لا تمثله العقول بالتفكير، ولا تتوهمه القلوب بالتصوير: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ، له الأسماء الحسنى والصفات العلى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ، ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى * وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:٦-٧] ، أحاط بكل شيء علماً، وقهر كل مخلوق عزة وحكماً، ووسع كل شيء رحمة وعلماً: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠] موصوف بما وصف به نفسه في كتابه العظيم، وعلى لسان نبيه الكريم] .
سنقرأ فيه إن شاء الله تعالى هذه العقيدة المباركة التي ألفها الإمام الموفق عبد الله بن محمد بن قدامة المقدسي ﵀، وهذا المتن المختصر من متون الاعتقاد، هو متن (لمعة الاعتقاد) وهو كتاب مختصر في العقيدة ألفه مؤلفه ﵀، وضمَّنه مباحث فيما يتعلق بالإيمان بالله ، والإيمان بكتبه، والإيمان برسله، والإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالقدر، وهذا هو أغلب ما ذكره المؤلف ﵀ في هذا الكتاب.
وقد جرت سنة أهل العلم من أهل السنة والجماعة فيما يؤلفونه من مؤلفات في الاعتقاد أنهم ينسجون مؤلفاتهم ويرتبون كتبهم التي يكتبونها في مسائل الاعتقاد على ضوء ما جاء في حديث جبريل في ذكر أصول الإيمان؛ حيث إن النبي صلى الله عليه وعلى وآله وسلم عندما سأله جبريل عن الإيمان قال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره) .
فإذا تأملت في المؤلفات والمتون والعقائد التي كتبها أهل العلم فستجدها منسوجة على نحو هذه الأصول، فإن العلماء يكتبون في الإيمان بالله، ثم في الإيمان بالملائكة، ثم في الإيمان بالكتب، ثم في الإيمان بالرسل، ثم في الإيمان باليوم الآخر، ثم في الإيمان بالقدر خيره وشره.
وقد يركزون في مؤلفاتهم على نوع من أنواع الإيمان؛ نتيجةً لشدة الحاجة إلى بيان ما يتعلق بذلك الأصل، أو جواباً على شبهة شاعت في هذا الأصل، لكنهم من حيث الأصل إذا تناولوا مسائل الاعتقاد فإنهم يأتون ببيان أصول الإيمان التي جاءت في حديث جبريل.
ولا غرابة في هذا؛ فإن مباحث الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة مبنية على شرح الأصول الستة: الإيمان بالله والإيمان بالكتب والإيمان بالرسل والإيمان بالملائكة والإيمان باليوم الآخر والإيمان بالقدر خيره وشره.
ولكن لما كان بعض هذه الأصول ليس فيه خلاف كبير، ولم تنتشر فيه المخالفات؛ قلَّ كلام أهل العلم فيه في هذه المتون وفي هذه المؤلفات التي ألفت في العقائد.
فمثلاً: الإيمان بالملائكة لا يتكلم عنه المؤلفون في كتب العقائد كلاماً موسعاً، بل يختصرونه ويقتصرون على جمل فيه، وبعضهم قد لا يذكره بالكلية؛ بناءً على وضوحه وظهوره.
وهكذا كل المؤلفات في العقيدة، الغالب أنها جاءت استجابة للحاجة إلى التأليف؛ إما لبيان وتجلية منهج أهل السنة والجماعة وما كان عليه السلف الصالح، ليتميز عن طريق أهل البدع، وإما جاءت في الجواب والرد على الشبه التي يثيرها هذا السبيل -سبيل أهل السنة والجماعة- فيما يتعلق بمسائل الاعتقاد.
وهذه العقيدة هي من العقائد المشهورة المعروفة عند أهل العلم، وهي من تأليف الإمام عبد الله بن محمد بن قدامة، وهو من أئمة فقهاء الحنابلة وعلمائهم، وله مؤلفات مشكورة مشهورة في الفقه، وأما هذا المؤلف فهو مما يتعلق بالاعتقاد، كما أنه ﵀ كتب عدة كتابات في مسائل الاعتقاد في غير هذا المؤلف، فمما كتبه في ذلك واشتهر عنه: كتاب (ذم التأويل) فإنه من الكتب المشهورة التي يستفاد منها في رد وإبطال شبه المنحرفين عن السنة والجماعة في مسائل الاعتقاد؛ لأنه ألفه في بيان ذم التأويل، وذكر أدلة ذلك من الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة.
كذلك له رسالة في (العلو) ، وكذلك له كتاب باسم (تحريم النظر في كتب أهل الأهواء) .
стр. 3
الإيمان وأقسامه من حيث الإجمال والتفصيل
وبعد هذه المقدمة التي ذكر المؤلف ﵀ فيها الصفات العظيمة للرب جل وعلا على وجه الإجمال، ابتدأ ﵀ ذكر ما يتعلق بالأصل الأول من أصول الإيمان؛ وهو الإيمان بالله فقال: [موصوف بما وصف به نفسه في كتابه العظيم، وعلى لسان نبيه الكريم] .
هذا إثبات للصفات على وجه الإجمال، وهذا المسلك تلاحظه في كلام العلماء في عديد من الكتب والمؤلفات، فإنهم إذا ذكروا العقيدة يذكرون في أول اعتقادهم الإيمان المجمل، أعني: الذي ينتظم كل شيء، والذي لا يخرج عنه شيء، بحيث يكون كالمظلة التي يستظل بها جميع ما جاء من مسائل في هذا الأمر.
ففيما يتعلق بالصفات: يجب على المؤمن أن يؤمن بما وصف الله به نفسه في كتابه، وبما وصفه به رسوله ﷺ في سنته، وهذا إيمان مجمل يشمل كل ما يتعلق بصفات الله مما أدركه الإنسان وعلمه، أو خفي عنه ولم يعلمه، أو أنه لم يتبين له معناه، فهذا هو الإيمان المجمل.
وقد ذكر ذلك النبي ﷺ كما جاء في حديث جبريل؛ فإن حديث جبريل تضمن الإيمان المجمل الذي يجب على كل أحد.
والإيمان من حيث الإجمال والتفصيل ينقسم إلى قسمين: إيمان مجمل: وهو الإيمان بكل ما جاءت به الرسل.
وإيمان مفصل: وهو الإيمان بتفاصيل ما جاءت به الرسل.
فإذا قال الإنسان كما قال المؤلف ﵀: (موصوف بما وصف به نفسه في كتابه، وعلى لسان نبيه الكريم) ، فهذا هو الإيمان المجمل بجميع الصفات، والإيمان بكل ما أخبر الله به عن نفسه، وبكل ما أخبر به رسوله ﷺ عن ربه.
وأما الإيمان المفصل فهو: أن تعلم بأن الله سميع بصير قدير عليم قوي متين، وأن له وجهاً ويدين، وما إلى ذلك من سائر ما جاء به التفصيل في الكتاب والسنة.
ففي أول عتبات الإيمان يجب على المؤمن أن يؤمن بكل ما أخبر الله به ورسوله، مما يتعلق بالأسماء والصفات وغيرها.
ونحن نتكلم فيما تكلم به المؤلف ﵀ مما يتعلق بالإيمان بالصفات.
فنؤمن بكل ما أخبر الله به ورسوله مما جاء في الكتاب أو صحت به السنة.
стр. 4
معنى كون أسمائه حسنى وصفاته عليا
ثم قال: (له الأسماء الحسنى، والصفات العلى) أي: ما تقدم من كونه ليس له شبيه، وليس له صاحبة ولا ولد، وأنه لا تمثله العقول، ولا تتوهمه القلوب بالتصوير؛ لا يعني أنه لا يوصف، ولا يعني أنه ليس له أسماء ولا صفات، بل له جل وعلا الأسماء والصفات.
ولذلك بعد أن ذكر ما تقدم من نفي المثل والند والشبيه، وأنه لا تمثله العقول، ولا تتوهمه القلوب بالتصوير، قال: (له الأسماء الحسنى، والصفات العلى) ، فذكر أن له أسماء وصفات.
والأسماء الحسنى، أي: البالغة المنتهى في الحسن، فلا حسن فوق أسمائه، وقد انتهت أسماؤه إلى الحسن جل وعلا، فجمعت كمال المعنى وجمال اللفظ.
قال: (والصفات العلى) فله جل وعلا الصفات العليا التي لا شيء فوقها.
( ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى * وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:٥-٧] ) ، ذكر المؤلف ﵀ هذه الآيات لبيان شيء من أسماء الله وصفاته التي يثبتها أهل السنة والجماعة.
وثبوت أسماء الله جاء من أدلة كثيرة، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف:١٨٠] ، وثبوت الصفات العلى له سبحانه جاء من أدلة كثيرة، ومنها قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠] ، المثل معناه: الصفة، وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [الروم:٢٧] أي: له الصفة العليا.
قال ﵀: (أحاط بكل شيء علماً) ؛ أي: فما من شيء من الخلق إلا وقد أحاط به علم الرب جل وعلا، فلا خروج لشيء عن علم الله، وعلم الله أحاط بالماضي والمستقبل، وأحاط بالممكن والمستحيل، ولذلك قال العلماء: صفة العلم هي أعظم وأوسع الصفات تعلقاً؛ فهي تتعلق بكل شيء: تتعلق بالماضي والمستقبل، وبالممكن والواجب والمستحيل، وتتعلق بما كان وبما لم يكن؛ فالله جل وعلا أحاط علمه بكل شيء، فلا شيء يخرج عن علم الله .
قال ﵀: (وقهر كل مخلوق عزة وحكماً) ؛ وهذا فيه كمال صفاته، مع ما تقدم من الصفات، فهو جل وعلا العزيز الحكيم، لا خروج لأحد عن عزته، ولا خروج لأحد عن حكمه، (ووسع كل شيء رحمة وعلماً، كما قال سبحانه: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ [طه:١١٠] ) .
стр. 5
شرح البسملة
يقول ﵀ في افتتاح هذه الرسالة المباركة: (بسم الله الرحمن الرحيم) .
وهذه الجملة جملة تامة، ومعنى جملة تامة: أنها كاملة تحصل بها الفائدة، مع أنه من حيث النظر الإعرابي للكلمات الموجودة، لا تستقل الكلمات الموجودة بإفادة المعنى، إذ لابد فيها من تقدير، واختلف العلماء ﵏ هذا المقدر على قولين: فمنهم من قدره باسم، ومنهم من قدره بفعل، وهذا الاختلاف ناشئ عن الاختلاف في: هل جملة البسملة جملة فعلية أو جملة اسمية؟ فمن قال: إنها جملة فعلية قدره بفعل، ومن قال: إنها جملة اسمية قدره باسم.
وكلا الوجهين صحيح مقبول، فيصح أن يقدر باسم، ويصح أن يقدر بفعل، والمسألة قريبة والاختلاف فيها ليس بكبير الشأن.
وأكثر العلماء رجحوا تقديره بالفعل، وذهب جماعة من العلماء إلى تقديره بالاسم، لكن ينبغي في هذا المقدر أن يكون مناسباً، أي: أن يكون تقديره مناسباً لحال القائل، أو لحال الكاتب لهذه الجملة.
فمثلاً: عند قراءة كتاب نقدر: بسم الله الرحمن الرحيم قراءتي أو أقرأ، وعند دخول المسجد: بسم الله الرحمن الرحيم دخولي أو أدخل، وعند الذبح: بسم الله الرحمن الرحيم ذبحي أو أذبح، وعند الكتابة: بسم الله الرحمن الرحيم كتابتي أو أكتب وهلم جراً.
وهذا التقدير يناسب أن يكون في آخر الكلام لا في أوله؛ تيمناً بالبداءة بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) .
ويصح أن يتقدم - أي: يصح أن يأتي مقدماً- كما في قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١] ، ولم يقل: باسم ربك اقرأ؛ لأن التقديم في هذه الصورة مناسب، وذلك أن المقصود الأكبر هو القراءة؛ فلذلك قدمه على البسملة.
لكن الأنسب في غالب موارد البسملة أن يكون المقدر المضمر مؤخراً، فتقول: بسم الله الرحمن الرحيم قراءتي، أو: بسم الله الرحمن الرحيم أقرأ.
стр. 6
الحمد والثناء على الله بصفات الكمال وتنزيهه عن صفات النقص
قال المؤلف: (الحمد لله المحمود بكل لسان) ؛ وهذا شروع في الرسالة بالحمد بعد البسملة.
واعلم أن الرسائل والكتب والكلام يفتتح: إما بالبسملة، وإما بالحمد غالباً، وإما أن يفتتح بهما كما فعل المؤلف ﵀ في هذه الرسالة، فإنه افتتح هذه الرسالة بالبسملة، وافتتحها أيضاً بالحمد.
والحمد هو: الإخبار بمحاسن المحمود محبة وتعظيماً.
فقول القائل: الحمد لله، أي: أنه يخبر بمحاسن المحمود وهو الله جل وعلا؛ محبة وتعظيماً له جل وعلا؛ ولذلك يلاحظ أنه بعد ذكر الحمد في كتاب الله ، وفي غالب الكلام أن يأتي بعده ذكر أوصاف المحمود، أو ذكر أفعاله، والأفعال هي في معنى الصفات.
وهنا قال المؤلف ﵀: (الحمد لله المحمود بكل لسان) ، أي: أن من صفاته جل وعلا أنه محمود بكل لسان، وهذا يدل على عظيم استحقاقه للحمد؛ لأنه ما من لسان إلا يحمد الله جل وعلا، واللسان هنا يشمل في الأصل والابتداء لسان المقال، ويشمل لسان الحال، فما من أحد إلا وهو حامد لله بلسان الحال وبلسان المقال.
قال: (المعبود في كل زمان) ؛ أي: المستحق للعبادة في كل زمان، فهو جل وعلا المعبود على مر العصور وتعاقب الدهور وتوالي الأيام وكر الليالي، فهو جل وعلا المستحق أن يعبده العابدون من الإنس والجن والملائكة، وغيرهم من خلق الله على توالي الزمان.
قال: (الذي لا يخلو من علمه مكان) أي: لا يشغر ولا يتعطل مكان من الأمكنة عن علمه، بل أحاط جل وعلا علمه بكل شيء، ووسع كل شيء رحمة وعلماً.
قال: (ولا يشغله شأن عن شأن) ؛ وهذا من بديع صفات الله ، وهو أنه لا يشغله أمر عن أمر، فالشأن هنا بمعنى الأمر، أي: لا يشغله أمر عن أمر، فهو جل وعلا الذي لا تكثر عليه المسائل، ولا تشغله المطالب، يسمع سؤال كل سائل، ويعطي كل من سأله ودعاه.
وهو جل وعلا يدبر أمر الكون، فما يكون شيء إلا بمشيئته وتقديره ، لا يشغله إعطاء هذا عن إعطاء غيره، ولا إحياء هذا عن إماتة غيره، ولا تدبير هذا عن تدبير غيره، بل كل شيء بقضاء وقدر، فهو على كل شيء قدير، أحاط جل وعلا بكل شيء، فلا خروج لشيء من خلقه عن قدره ومشيئته وعلمه، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣] .
قوله: (جل عن الأشباه) : أي عظم عن الأشباه، فهو جل وعلا عظيم عن أن يشبهه شيء، أو أن يكون له ند.
والأشباه: جمع شبيه، والأنداد: جمع ند، فالله متعالٍ عن أن يكون له مثيل، ومتعالٍ عن أن يكون له ند، والند يطلق على المثل ويطلق على الضد، فهو ليس له مثيل وليس له مضاد، بل هو الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد.
قال ﵀: (وتنزه) ، أي: تقدس (عن الصاحبة) ، أي: الزوجة، (والأولاد) أي: تنزه عن أن يتفرع منه شيء ، وعن أن يكون له ولد، فليس له ولد جل وعلا، كما قال عن نفسه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص:١-٣] .
قال: (ونفذ حكمه في جميع العباد) أي: مضى، والحكم هنا حكمه القدري، فحكم الله جل وعلا القدري نافذ في كل أحد، فلا خروج لأحد عن حكم الله ، وكل شيء بقضاء وقدر، وما من شيء إلا ويجري عليه حكم الله جل وعلا.
قوله: (لا تمثله العقول بالتفكير) أي: لا تدرك العقول مثالاً له، ومهما أمضت من الوقت في النظر والتأمل والتفكر والتدبر؛ فإنها لا تصل إلى تمثيله، فالمعنى: أنه لا تصل العقول إلى مثله بالتفكير.
(ولا تتوهمه القلوب بالتصوير) أي: لا تستطيع القلوب أن تدرك صورته جل وعلا، أي: أن تجعله في صورة من الصور، فالقلوب تعجز عن تصويره ، قال جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ؛ أي: أنه جل وعلا ليس له مثيل؛ فليس له ما يمثل به ولا ما يلحق به في الصورة: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ، وقد قال الله جل وعلا في نفي المثل عنه: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [مريم:٦٥] ، أي: ليس له سمي، وليس له نظير كما قال سبحانه: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] وقوله: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً﴾ [البقرة:٢٢] ، وما أشبه ذلك من الآيات التي نفى الله جل وعلا فيها عن نفسه الكفؤ والند والنظير.
стр. 7
منهج السلف في تأليف كتب العقائد
أيها الإخوة! إن النصوص التي حث الله جلَّ وعلا فيها الأمة على اتباع النبي ﷺ كثيرةٌ جداًً، ولا نستطيع أن نأتي على أكثر مما ذكرنا لِقِصَر الوقت، إلَّا أن في سيرة الصحابة وفيما عملوه، وما حفظته دواوين السنة لنا من هديهم في اتباع رسول الله ﷺ ، وما جنوا به من البركات والخيرات؛ شاهدٌ على ذلك، فإن جيل الصحابة أكمل الأجيال، وهو خير القرون كما قال النبي ﷺ : (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) خيريتهم لم تكن لأنهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وفلان وفلان من الصحابة، إنما خيريتهم حصلت لما كانوا عليه من العمل والمسابقة إلى اتباع النبي ﷺ ، والصحابة لهم تمام الانقياد لما كان يفعله ﷺ .
ومن ذلك نموذج حفظته السنة وهو: أن رسول الله ﷺ (كان يصلي بأصحابه في إحدى المرات فخلع نعليه وهو في الصلاة، فما كان من الصحابة ﵃ إلَّا أن خلعوا نعالهم) تأسياً واقتداءً برسول الله ﷺ ، لبس الخاتم فلبسوه، خلع الخاتم فخلعوه، وهكذا كانوا ينظرون إليه ﷺ ، حتى أنهم حفظوا لنا حركة لحيته وهو يصلي؛ لشدة تأسيهم به؛ ونظرهم إلى أفعاله ليقتدوا بها ويتأسوا.
ومن عجيب ما حفظوه لنا: عدد ما في رأسه ولحيته من الشيب! فحفظوا أن في رأسه ولحيته سبع شعرات من الشيب فقط لا غير، وهذا دليل على أن الصحابة جعلوا رسول الله ﷺ تحت المجهر عندهم، يرقبون فعله، وينظرون إلى ما يفعل، وليس نظر ترفُّه وتفكُّه وحب استطلاع، وإنما هو نظر اتباع واقتداء، فكانوا يهتدون ويقتدون به في دقيق الأمر وجليله.
стр. 8
معنى عنوان الكتاب وسبب تسميته
وهذا الاعتقاد الذي في هذه الرسالة هو اعتقاد مختصر؛ ولذلك سماه المؤلف ﵀ بـ (لمعة الاعتقاد) واللمعة هي: البلغة والشيء اليسير من العيش، هذا التعريف من حيث اللغة.
وهذا الكتاب فيه نبذة يسيرة مما يعتقده أهل السنة والجماعة؛ لأنه ذكر فيه نبذاً مختصرة في مسائل الاعتقاد.
وقال بعض أهل العلم: إن سبب تسمية المؤلف ﵀ لهذا الكتاب بـ (لمعة الاعتقاد) ؛ لأن ما ذكره فيه من العقائد ظاهر واضح، تدل عليه الأدلة من الكتاب والسنة، فأدلته من أظهر ما يكون وأوضح ما يطلب؛ ولذلك سماها (لمعة) ، من لمعان الشيء؛ وهو ظهوره وعدم خفائه.
وعلى كل حال: فإنه يصح أن يكون المقصود من هذا الاسم المعنيين، فيصح أن يكون قصده من تسمية هذا الكتاب بـ (لمعة الاعتقاد) أنه نبذة مختصرة، وأنه نبذة ظاهرة واضحة بل جلية في تقرير اعتقاد أهل السنة والجماعة.
أما (الاعتقاد) : فالاعتقاد هو الحكم الذهني الجازم، ولا يلزم من الاعتقاد أن يكون صحيحاً، لكنه اعتقاد وحكم ذهني جازم، أي: لا تردد فيه ولا ارتياب عند صاحبه.
وقد يكون مطابقاً للواقع فيكون اعتقاداً صحيحاً، وقد يكون مخالفاً للواقع فيكون اعتقاداً فاسداً، فالاعتقاد إذا كان موافقاً للحق فيوصف بأنه اعتقاد صحيح، وإذا كان مجانباً للصراط المستقيم وللحق؛ فيكون اعتقاداً باطلاً فاسداً، والمراد أنه لا يلزم أن يكون الاعتقاد في جميع مواده صحيحاً.
وقول المؤلف ﵀ في تسمية هذا الكتاب: (لمعة الاعتقاد) أي: بيان ما ظهر من مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة.
قال ﵀: (الهادي إلى سبيل الرشاد) : الهادي، أي: الدال والمبين والموضح.
إلى سبيل الرشاد؛ أي: إلى الطريق الذي يحصل به الرشد.
وقوله: (الرشاد) هو: ضد الغي، والهداية هي: ضد الضلال، فجمع المؤلف ﵀ في وصف كتابه وتسميته هذه الأوصاف، وهي الهداية والرشاد والوضوح والظهور.
стр. 9
الواجب في النصوص المتعلقة بالأسماء والصفات
قال المؤلف ﵀: [وكل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفى ﵇ من صفات الرحمن وجب الإيمان به، وتلقيه بالتسليم والقبول، وترك التعرض له بالرد والتأويل، والتشبيه والتمثيل، وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظاً، وترك التعرض لمعناه، ونرد علمه إلى قائله، ونجعل عهدته على ناقله، اتباعاً لطريق الراسخين في العلم، الذين أثنى الله عليهم في كتابه المبين بقوله : ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧] ، وقال في ذم مبتغي التأويل لمتشابه تنزيله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] ، فجعل ابتغاء التأويل علامة على الزيغ، وقرنه بابتغاء الفتنة في الذم، ثم حجبهم عما أمَّلوه، وقطع أطماعهم عما قصدوه، بقوله سبحانه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧]] .
ذكر المؤلف ﵀ في هذا المقطع ما يجب العمل به فيما يتعلق بالأسماء والصفات، فقال ﵀: (وكل ما جاء في القرآن، أو صح عن المصطفى ﵇ من صفات الرحمن وجب الإيمان به) أي: وجب اعتقاده، والإقرار به، والطمأنينة له.
والإيمان هو: الإقرار المستلزم للإذعان والقبول، ولذلك قال: (وجب الإيمان به، وتلقيه بالتسليم والقبول، وترك التعرض له بالرد والتأويل والتشبيه والتمثيل) .
فالواجب فيما يتعلق بخبر الله في كتابه، أو ما جاء به الرسول ﷺ من صفات الله هو الإيمان بذلك، وأن نقر به ونصدقه، وأن تطمئن قلوبنا له، وأن نقبله كما ذكر المؤلف ﵀، أي: نتلقاه بالتسليم والقبول.
стр. 10
العمل فيما أشكل من نصوص الصفات
بعد أن بين المؤلف ﵀ الواجب في أسماء الله وصفاته انتقل ﵀ إلى بيان أن ما جاءت به النصوص مما يتعلق بصفات الله ؛ منه ما هو مشكل، ولذلك قال: (وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظاً) .
والنصوص من حيث دلالتها تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: نصوص واضحة الدلالة بينة، ليس فيها لبس؛ فهي واضحة في اللفظ، وواضحة في المعنى، وهذه هي التي تسمى المحكمة.
القسم الثاني من النصوص: ما فيه اشتباه، بمعنى: أن معناه فيه نوع غموض وخفاء، وهذا الغموض والخفاء يرجع شيء منه إلى اللفظ، كأن يكون اللفظ مجملاً ويرجع شيء منه إلى الفهم والعلم.
فالمتشابه من النصوص هو ما احتمل أكثر من معنى.
والواجب في المحكم الذي لا يحتمل إلا معنى واحداً؛ هو الإيمان به وإثباته، أما المتشابه فالواجب فيه هو ما ذكره المؤلف ﵀ فيما سيأتي من كلامه.
وقبل أن نفرغ من هذه النقطة نقول: إن النصوص في القرآن والسنة من حيث الدلالة والمعنى تنقسم إلى قسمين: القسم الأول منها: ما هو محكم، وهذا النوع هو الواضح الذي لا يحتمل إلا معنى واحداً، والنوع الثاني من النصوص: هو الذي يحتمل أكثر من معنى.
والمحكم مثل قول الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ، فهذا النص محكم لأنه يدل على معنى واحد، وهو أن الله أحد جل وعلا، فقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] معناه واضح يدركه كل من عرف لسان العرب.
ومن النصوص التي يمثل بها العلماء للنص المتشابه قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] ، فالمتكلم بالقرآن والمنزل له واحد، وهنا يقول: (إنا نحن) فأتى بضمير الجمع، فهذا الضمير يحتمل أن المنزل للقرآن أكثر من واحد، وأن المتكلم بالقرآن أكثر من واحد، ويحتمل أنه أراد تعظيم نفسه وبيان عظيم قدره؛ لأن العرب تستعمل ضمير الجمع في حق من كان عظيم القدر، رفيع المنزلة والمكانة، فهذا يحتمل هذا المعنى، ويحتمل هذا المعنى.
والنصارى يقولون: إنكم تقرُّون التعدد، وأن الله ليس بواحد، والدليل قوله في كتابكم: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] ، و (إنا) لا يمكن أن تدل على واحد، فهذا من المتشابه.
الواجب في المتشابه أن نرده إلى المحكم، والمحكم في كلام الله هنا هو قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ، فالمتيقن أن الضمير في قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] ، أنه للتعظيم، ونظائر هذا كل ما جاء من الألفاظ التي عبر الله فيها عن نفسه بضمير الجمع، فإن ذلك جاء على وجه التعظيم؛ لأن العرب تستعمل هذا الأسلوب.
إذاً: النصوص الواضحة يجب الإيمان بها، والنصوص المتشابهة يجب ردها إلى المحكم والإيمان بها.
стр. 11
معنى المحكم والمتشابه في القرآن
وهنا إشكال: وهو أن الله وصف القرآن بأنه محكم؛ قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود:١] ، فأخبر بأن القرآن محكم، وأخبر أيضاً بأن القرآن متشابه فقال : ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً﴾ [الزمر:٢٣] ، بينما في آية سورة (آل عمران) قسم الله القرآن إلى قسمين: محكم ومتشابه، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران:٧] ، فقسم آيات القرآن إلى قسمين: محكم ومتشابه،
و
الجواب
أنه لا تعارض؛ لأن الإحكام والتشابه ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: إحكام عام، وتشابه عام.
والقسم الثاني: إحكام خاص، وتشابه خاص.
فالإحكام العام والتشابه العام المراد به؛ إدخال الكلام وتصديق بعضه لبعض، وليس فيه تعارض، فقول الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود:١] أي: أتقنت آياته، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً﴾ [الزمر:٢٣] المقصود به: أنه يصدق بعضه بعضاً وليس فيه تعارض، فليس فيه أن آخره ينقض أوله، أو أن بعضه يرد على بعض، بل يصدق بعضه بعضاً كما قال الله جل وعلا: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢] .
فالقرآن لا اختلاف فيه، بل يصدق بعضه بعضاً، كما قال سبحانه: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢] ، كل هذا من حيث الوصف العام للقرآن.
لكن الآيات؛ منها ما هو محكم، ومنها ما هو متشابه، فالإحكام والتشابه الخاص؛ هو أن بعضها واضح المعنى جلي المقصد والغاية، وبعضها يحتمل أكثر من معنى، فلا تعارض بين الإحكام العام والتشابه العام، وبين الإحكام الخاص والتشابه الخاص.
فما أشكل يجب رده إلى ما تبين، والمشكل وغير المشكل هو في حق الآيات من حيث المعنى، أما من حيث تصديق الكلام بعضه لبعض، ومن حيث اتفاق المعاني وتوافقها؛ فهذا وصف لكل القرآن.
стр. 12
صحة نفي التمثيل وإثبات التشبيه
والتشبيه والتمثيل متقاربان، والمقصود بالتشبيه هو: أن تجعل لله شبيهاً فيما لا يجوز أن يكون له فيه شبيه.
وانظر إلى قولنا: فيما لا يجوز؛ لأنه ليس كل تشبيه ممنوعاً، ولذلك استعمل بعض العلماء من المحققين لفظ التمثيل؛ لأنه هو الذي جاء في الكتاب والسنة، ولم يستعملوا لفظ التشبيه؛ لأن التشبيه لفظ غير مطابق للواقع، فإن ما أخبر الله به عن نفسه، أو أخبر به رسوله ﷺ عنه؛ لابد فيه من قدر من المشابهة في المعنى العام الذي يحصل به فهم النص، فليس كل مشابهة منتفية، ولذلك ليس في القرآن لفظ أنه لا شبيه له، بل الذي في القرآن: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ، والمماثلة أمر زائد على مطلق المشابهة؛ لأن المماثلة هي المساواة من كل وجه، أما المشابهة فهي اتفاق من بعض الوجوه.
فمثلاً: علو الله مفهوم المعنى، وهو: الارتفاع عن الغير، لكن ما لله من العلو ليس كما للمخلوق من العلو.
والسمع مفهوم المعنى، وهو إدراك الأصوات، فسمع الله معناه إدراك الأصوات، لكن الصفة التي اتصف بها ليست هي كسمع المخلوق.
إذاً: ينحصر المحظور في التمثيل، أما التشبيه فلابد منه في قدر، وهذا القدر هو الاشتراك في المعنى العام.
ونقول: إن مراد المؤلف ﵀ بالتشبيه هنا هو التمثيل؛ ولذلك قال ﵀ فيما تقدم: (جل عن الأشباه والأنداد) ومقصوده: أنه تعاظم عن أن يكون له مثيل .
فملخص ما في هذه النقطة هو أن نقول: إن طريق أهل السنة والجماعة هو إثبات النصوص كما أثبتها الله أو أثبتها رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، فلا نكيف صفات الله، ولا نمثل الله بخلقه، ولا نعطل النصوص بتحريف أو تأويل، بل نثبت النصوص كما جاءت في الكتاب والسنة، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.
стр. 13
الطريق التي زاغ بها أهل الضلال والانحراف عن نصوص الكتاب والسنة
ثم بعد أن بيَّن الواجب فيما يتعلق بالأسماء والصفات في كلام الله وفي كلام رسوله ﷺ ، ذكر المؤلف ﵀ ضلال من ضلَّ، وطريق من أخل بمنهج أهل السنة والجماعة- منهج الصحابة- الذين تلقوه عن النبي ﷺ .
قال ﵀: (وجب الإيمان به، وتلقيه، وترك التعرض له بالرد والتأويل والتشبيه والتمثيل) .
وهذه الطرق التي ذكرها ﵀ هي أربع طرق: الرد والتأويل والتشبيه والتمثيل، وحقيقتها ترجع إلى طريقين: التعطيل والتمثيل.
فهذا التفصيل: (الرد والتأويل والتشبيه والتمثيل) ، يرجع إلى طريقين بهما يحصل الزيغ فيما يتعلق بخبر الله عن نفسه، أو خبر النبي ﷺ عن ربه.
الأول: التعطيل: وهو إبطال ما جاءت به النصوص؛ إما إبطالاً كلياً، أو إبطالاً جزئياً.
والثاني: التمثيل: هو أن يجعل ما أخبر الله به عن نفسه، أو أخبر به رسوله ﷺ عن ربه نظير ومثل ما للمخلوق، وهذا لا شك أنه من أعظم المحرمات؛ لأنه شرك بالله .
فالمؤلف أحسن في بيان ما يجب، حيث قال: (وجب الإيمان به، وتلقيه بالتسليم والقبول) ، ثم ذكر بعد ذلك طرق الغي والضلال والزيغ فيما يتعلق بمسائل الاعتقاد فقال: (وترك التعرض له بالرد والتأويل والتشبيه والتمثيل) .
قال ابن القيم ﵀ في نونيته وهو يبين زيغ طريق أهل الضلال، وسلامة طريق أهل الحق قال: فالجحد والإعراض والتأويل والتـ ـجهيل حظ النص عند الجاني فذكر أربع طرق: الجحد والإعراض والتأويل والتجهيل.
وقوله: حظ النص، أي: نصيب النص، وهكذا يقابل أهل الزيغ نصوص الكتاب والسنة: إما بالجحد، وإما بالإعراض، وإما بالتأويل، وإما بالتجهيل، وكل هذا مؤداه واحد؛ وهو ترك العمل بالنص.
هذا حظ النص عند الجناة من أهل التأويل الذين خالفوا طريق أهل السنة والجماعة- طريق سلف الأمة- في معرفة ما يجب لله ، وما أخبر الله به في كتابه، أو أخبر به رسوله ﷺ في سنته.
ثم قال ابن القيم ﵀: لكن لدينا حظ التسليم مع حسن القبول وفهم ذي إحسان وقوله: لكن لدينا أي: أهل السنة والجماعة.
فطريق أهل السنة والجماعة هو التسليم مع حسن القبول، فهو ليس تسليماً مع ضيق وضجر وقلق ورفض، بل تسليم مع حسن قبول، ولذلك قال بعد التسليم: (مع حسن القبول وفهم ذي إحسان) .
وهكذا ينبغي أن نعامل النصوص.
يقول ﵀: (وترك التعرض لها بالرد) ؛ والرد منه التكذيب، ومنه الإبطال.
والتأويل هو: صرف اللفظ عن ظاهره، وتفسيره بما لم يرده الله ورسوله، هذا هو التأويل، ومعنى التأويل هنا هو: تفسير النص هنا بما لم يُرده الله ورسوله.
стр. 14
الأسئلة
стр. 15
الفرق بين التعطيل والتمثيل
السؤال
ما الفرق بين التعطيل والتمثيل؟
الجواب
الفرق بين التعطيل والتمثيل أن التعطيل: إبطال ما دلت عليه النصوص، أو إلغاء ما دلت عليه النصوص؛ إما إلغاءً كلياً أو جزئياً.
والتمثيل: هو أن يجعل لله مثيل.
والله تعالى أعلم.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله.
стр. 16
الفرق بين الإحكام الخاص والتشابه الخاص والإحكام العام والتشابه العام
السؤال
ما هو الفرق بين الإحكام الخاص والتشابه الخاص؟
الجواب
الإحكام الخاص، يعني: أن الآية ليس لها إلا معنى واحد، والتشابه الخاص، يعني: أن الآية تحتمل أكثر من معنى، كما مثلنا بقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ، وبقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] ، فإن الآية الأولى لا تحتمل إلا معنى واحداً.
والآية الثانية يحتمل الضمير فيها معنيين كما تقدم.
أما التشابه العام فهو الذي يعم القرآن كله، والإحكام العام هو الذي يعم القرآن كله، ومعناه: أنه متقن وأنه يصدق بعضه بعضاً، ويندرج تحته الإحكام الخاص والتشابه الخاص، والله قد وصف القرآن بالإحكام في قوله: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود:١] ،ووصفه كله بأنه متشابه في قوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً ٍ﴾ [الزمر:٢٣] ، وفي آية (آل عمران) قسم الله الآيات إلى قسمين فقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران:٧] ، أي: بعض آياته محكمات والأخرى متشابهات، ولا تعارض، فالإحكام العام بمعنى الإتقان، والتشابه العام بمعنى أن يصدق بعضه بعضاً، فليس فيه اضطراب ولا اختلاف، كما قال تعالى: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت:٤٢] .
وأما التشابه الخاص الذي ذكره الله في آية (آل عمران) ، والإحكام الخاص، فالإحكام الخاص هو: الآيات واضحة المعنى التي لا إشكال في معناها.
وأما قوله: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران:٧] ، فهي التي تحتمل أكثر من معنى، أو في معناها خفاء وعدم وضوح، فالإحكام العام والتشابه العام يندرج تحته الإحكام الخاص والتشابه الخاص.
стр. 17
شرح لمعة الاعتقاد [٢]
أثبت السلف ﵃ ما أثبته الله لنفسه من الصفات أو أثبته له رسوله ﷺ من غير تكييف ولا تمثيل، ولا تحريف ولا تعطيل، ورد المحكم إلى المتشابه، فيجب الوقوف حيث وقف السلف رضوان الله عليهم أجمعين.
стр. 18
أحكام المتشابه من الآيات والصفات
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الإمام ابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى في كتابه لمعة الاعتقاد: [وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظاً، وترك التعرض لمعناه، ونرد علمه إلى قائله، ونجعل عهدته على ناقله اتباعاً لطريق الراسخين في العلم، الذين أثنى الله عليهم في كتابه المبين بقوله : ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:٧] ، وقال في ذم مبتغي التأويل بمتشابه تنزيله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ﴾ [آل عمران:٧]] .
стр. 19
جعل عهدة المتشابه على ناقله
قال: (ونجعل عهدته على ناقله) : العهدة: هي الدَرَك وما يترتب على الشيء، فنجعل عهدة الكلام، أي: ما يترتب عليه من إثبات ما يثبت، ونفي ما ينفى، ودرك هذا الكلام على ناقله الذي نقله إلينا، وهذا في نصوص السنة النبوية.
قال: (اتباعاً لطريق الراسخين في العلم) أي: ونحن في هذا متبعون، ولسنا مبتدعين؛ والرسوخ في العلم: هو أن يكون المرء مدركاً لمعاني كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، عالماً بمقاصد الكتاب والسنة، فكلما كان الإنسان راسخ القدم في فهم كلام الله وكلام رسوله فإنه من الراسخين في العلم؛ لأن الرسوخ أصله الثبوت والقرار، ولا يكون ذلك إلا لمن عقل عن الله وعن رسوله ﷺ .
(اتباعاً لطريق الراسخين في العلم الذين أثنى الله عليهم في كتابه المبين بقوله : ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧] ، (آمنا به) أي: آمنا بهذا القرآن، (كلٌ) : أي: كل ما في هذا القرآن من محكم الآيات ومتشابهها، (من عند ربنا) فلا نؤمن ببعضٍ ونكفر ببعض؛ فهذا سبيل الذين حرفوا الكلم عن مواضعه، إنما نؤمن بكل ما في القرآن؛ فما عقلنا معناه واتضح فالحمد لله؛ وما لم يتبين لنا معناه آمنا به على مراد الله، وعلى مراد رسوله ﷺ .
стр. 20
وجوب إثبات اللفظ والإيمان بأن له معنى
تقدم الكلام على جزءٍ من هذا المقطع، وقلنا: إن نصوص الكتاب تنقسم إلى قسمين من حيث الدلالة: ما هو واضح الدلالة، وما هو خفي الدلالة، فواضح الدلالة الذي لا يحتمل إلا معنىً واحداً هو المحكم، وأما ما خفيت دلالته أو احتمل أكثر من معنى فإنه المتشابه، والواجب في المحكم الإيمان به والعمل، والواجب في المتشابه الإيمان به ورد معناه إلى ما دل عليه المحكم، وهذا هو سبيل الراسخين في العلم.
يقول ﵀: (وما أشكل من ذلك) أي: ما وقع فيه إشكال، كأن اشتبه في دلالته ومعناه، ومن ذلك آيات الصفات، فإن البحث هنا فيها بالذات والخصوص، أما من حيث الأصل فإنه يشمل البحث في آيات الصفات وفي غيرها.
يقول ﵀: (وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظاً) وهذا لا إشكال فيه، فإنه لا يمكن أن يلغي أحد شيئاً من كتاب الله ، ولا من سنة النبي ﷺ إذا ثبتت وصحت، لكن البحث في المعنى فيقول: (وجب إثباته لفظاً وترك التعرض لمعناه) أي: وجب إثبات اللفظ، وأما المعنى: فيجب ترك التعرض له، بمعنى: أن نعرض عن قول شيءٍ لم يتبين لنا فيه حجة أو برهان، فلا نقول في آيات الله، ولا فيما جاء عن النبي ﷺ من قبل أنفسنا أو آرائنا، بل ما أشكل علينا إذا أمكن أن نرده إلى المحكم فذاك المطلوب، وهذا الذي ينبغي أن يكون.
وإذا لم نتمكن من ترجيح شيء في معنى هذا المشكل فالواجب ألا نقول فيه شيئاً ليس لنا فيه حجة، وليس لنا فيه برهان، بل نقف ونقول: الله أعلم بمراده.
فمعنى قول المؤلف ﵀: (وترك التعرض لمعناه) أي: يجب علينا أن نقف في المعنى، وليس مقصود المؤلف ومعنى كلامه أننا نقول: إنه ليس له معنى، إذ ليس في كلام الله ما لا معنى له، بل كل كلام الله له معنى؛ لأن الله خاطبنا بلسان عربي مبين، يدرك معناه، ويعرف مبتغاه، لكن إذا اشتبه علينا شيء من المعنى وجب علينا الوقوف في تحديد المعنى.
إذاً: ما أشكل من الآيات، وما أشكل من الأحاديث فلم نفهم المعنى، فيجب علينا إثبات اللفظ الذي جاء به النص، وأما معنى هذا النص فالواجب علينا أن نتوقف فيه حتى يأتينا برهان أو حجة، ونستطيع من خلالها أن نقول: إن معنى الآية كذا وكذا، وهذا هو معنى قول المؤلف ﵀: (وجب إثبات لفظه، وترك التعرض لمعناه) .
وبعض الناس يظن أن المؤلف ﵀ أراد بقوله: (وترك التعرض لمعناه) أي: أنه ليس له معنى، وهذا يأباه سياق الكلام، فإن المؤلف ﵀ يتكلم عن الآيات المشكلة، وإنما جاء الإشكال لكون المعنى فيها غير واضح، فهو لم يقل: ليس لها معنى، أو أنها كلام لا يقصد منه شيء، إنما أراد المؤلف أن الواجب في المشتبه من المعاني إذا لم يتبين معناه التوقف.
إذاً: إذا أشكل عليك شيء من كلام الله ومن كلام رسوله، فما هو الطريق الذي تسلكه؟ الطريق الذي تسلكه: أن تطلب حل هذا الإشكال من كلام الله ومن كلام رسوله، فإن وفقت إلى ذلك فالحمد لله، وهذا المطلوب والمبتغى، وإذا حيل بينك وبين هذا ولم تتوصل إلى المعنى فعند ذلك تثبت أن الكلام له معنى؛ لأن الله خاطبنا بما له معنى، ثم تقول: الله أعلم بمراده.
كما سيأتي في كلام الشافعي ﵀ الذي نقله المؤلف: (ليس في كلام الله ولا في كلام رسوله ﷺ ما لا معنى له) ، ومن قال: إن آيات الصفات لا معنى لها، أو أن كلها معناها لا نعلمه؛ فقد بخس القرآن حقه، وجنى على النصوص) ، وهو ما أشار إليه ابن القيم ﵀ في قوله: فالجحد والإعراض والتأويل والتـ ـجهيل حظ النفس عند الجاني التجهيل: أي: أنه ليس له معنى، هذا معنى قوله ﵀.
فكل من أعرض عن الكتاب، وجحد ما جاءت به النصوص من الصفات وكل من أوَّل وحرف كلام الله عن مواضعه وكل من قال: إن النصوص ليس لها معنى، أو أن لها معنى لا نعلمه في جميع مواردها؛ فإنه قد جنى على النصوص؛ فكل هذا من أنواع الجنايات على كلام الله وكلام رسوله.
стр. 21
رد علم المتشابه إلى قائله
يقول ﵀: (ونرد علمه إلى قائله) أي: علم هذا المعنى، ومعناه: أنه إذا كنا سنرد العلم إلى قائله فإن الكلام له معنى.
стр. 22
ذم التأويل
يقول ﵀: (وقال في ذم مبتغي التأويل) أي: قال الله تعالى في ذم مبتغي التأويل -التحريف- وطلب المعنى لمتشابهه، (فأما الذين في قلوبهم زيغ) أي: انحراف وميل عن الحق إلى الضلال (فيتبعون ما تشابه منه) أي: يفرحون بالمتشابه ويتمسكون به؛ (ابتغاء الفتنة) أي: هذا الفعل منهم إنما أرادوه وفعلوه لأجل أن يوقعوا الفتنة، والفتنة: منها ما يتعلق بالشهوات، ومنها مايتعلق بالشبهات، المراد بالفتنة هنا ما يتعلق بالشبهات التي تزيغ عن الحق، وتصرف عن الهدى.
(وابتغاء تأويله) أي: وطلب معناه مع أن معناه ليس بميسورٍ لهم.
стр. 23
معنى التأويل في الآية على قراءة
(وما يعلم تأويله) أي: وما يدرك معناه وتفسيره.
(إلا الله والراسخون في العلم) ، فالراسخون في العلم يدركون تأويله، وعلى هذه القراءة يكون معنى التأويل في الآية: التفسير.
(وما يعلم تأويله) أي: تفسيره وكشف معناه وبيانه (إلا الله والراسخون في العلم) فالراسخون في العلم يعلمون معنى كلام الله وكلام رسوله، ويردون ما اشتبه عليهم من المعاني إلى ما اتضح؛ فيتبين لهم المعنى.
قال ﵀: (فجعل ابتغاء التأويل) أي: ابتغاء التفسير في المشكل مع عدم العلم (علامةً على الزيغ، وقرنه بابتغاء الفتنة في الذم) لأنه قال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران:٧] .
يقول: (ثم حجبهم عما أملوه) أي: منعهم عما أملوه من إدراك المعاني مع الزيغ الذي في قلوبهم.
(وقطع أطماعهم عما قصدوه بقوله سبحانه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] أي: ما يعلم حقيقة ما أخبر الله به عن نفسه إلا الله.
وأما على القراءة الثانية: (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم) أي: أن أصحاب الزيغ لا يتوصلون إلى فهم المعاني؛ لأنه لم تصح مقاصدهم، بل مقاصدهم تحريف الكلم عن مواضعه، ولذلك لا يمكن أن يصل الإنسان إلى الحق بنية فاسدة، بل لا بد في التوصل إلى الحق من نية صالحة وعقلٍ سليم، فمن فقد النية الصالحة في العقل والنظر فإنه لا يصيب الحق؛ لأن النوايا الفاسدة تحجب وتمنع من الوصول إلى الحق.
стр. 24
منهج الإمام أحمد بن حنبل والشافعي في آيات الصفات
قال ﵀: [فجعل ابتغاء التأويل علامةً على الزيغ، وقرنه بابتغاء الفتنة في الذم، ثم حجبهم عما أملوه، وقطع أطماعهم عما قصدوه بقوله سبحانه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] قال الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل ﵁ في قول النبي ﷺ : (إن الله ينزل إلى سماء الدنيا) أو (إن الله يرى في القيامة) .
وما أشبه هذه الأحاديث: نؤمن بها، ونصدق بها، لا كيف، ولا معنى، ولا نرد شيئاً منها، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق، ولا نرد على رسول الله ﷺ ، ولا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ، ونقول كما قال، ونصفه بما وصف به نفسه، لا نتعدى ذلك، ولا يبلغه وصف الواصفين.
نؤمن بالقرآن كله: محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفةً من صفاته لشناعةٍ شنعت، ولا نتعدى القرآن والحديث، ولا نعلم كيف كنه ذلك إلا بتصديق الرسول ﷺ ، وتثبيت القرآن] .
نعم، هذا الكلام الذي نقله المؤلف ﵀ عن الإمام أحمد بن حنبل بيان لمنهج أهل السنة والجماعه في آيات الصفات، وقد نقل ﵀ عن جماعة من أئمة السلف في هذا لبيان القاعدة التي يسير عليها الإنسان فيما يتعلق بالأسماء والصفات.
стр. 25
معنى عدم التعرض للتأويل
قوله ﵀: (من غير تعرض لتأويله) يحتمل معنيين: المعنى الأول: من غير تعرض لطلب كيفيته وحقيقته، وهذا يشمل المحكم والمتشابه، فما أخبر الله به عن نفسه، وما أخبر به رسوله عنه؛ نثبته دون التعرض لتأويله.
المعنى الثاني: من غير تعرض لتفسيره، وهذا لا يكون في جميع آيات وأحاديث الصفات، لكن في المتشابه فقط؛ فانتبه إلى الكلام.
قوله ﵀: (من غير تعرض لتأويله) ؛ إن كان المقصود جميع آيات وأحاديث الصفات؛ فالمقصود بالتأويل هنا التكييف، أي: تكييف حقيقة ما أخبر الله به عن نفسه أو أخبر به عنه رسوله ﷺ .
وإن كان المقصود بالتأويل هنا التفسير، فإن هذا يختص بالمتشابه من آيات وأحاديث الصفات، لا الجميع.
стр. 26
كلام الإمام الشافعي ومنهج السلف في الصفات
قال ﵀: [قال الإمام محمد بن إدريس الشافعي ﵁: (آمنت بالله، وبما جاء عن الله، على مراد الله، وآمنت برسول الله، وبما جاء عن رسول الله، على مراد رسول الله] .
وهذا من عميق فقه الإمام الشافعي ﵀؛ فيجب على المؤمن أن يقر في قلبه، وأن يطوي فؤاده على هذا العقد: (آمنت بالله، وبما جاء عن الله، على مراد الله) أي: على مقصود الله جل وعلا، وعلى ما أراده الله ، لا على ما أتوهمه أو أظنه أو أتخيله، إنما على مراد الله .
وقوله: (وآمنت برسول الله، وبما جاء عن رسول الله، على مراد رسول الله) ؛ هكذا يجب أن يكون المؤمن في كلام الله ؛ في المحكم والمتشابه، وهذا هو معنى كلام المؤلف ﵀ الذي تقدم معنا في قوله: (وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظاً وترك التعرض لمعناه) ، فترك التعرض لمعناه أن نقول: آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله ﷺ .
يقول ﵀: [وعلى هذا درج السلف وأئمة الخلف ﵃، كلهم متفقون على الإقرار والإمرار والإثبات؛ لما ورد من الصفات في كتاب الله وسنة رسوله، من غير تعرض لتأويله، وقد أمرنا بالاقتفاء بآثارهم، والاهتداء بمنارهم، وحذرنا المحدثات، وأخبرنا أنها من الضلالات، فقال النبي ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة) ،وقال عبد الله بن مسعود ﵁ (اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم) ] .
ما تقدم من النقل عن أبي عبد الله أحمد بن حنبل وأبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رحمهما الله، درج عليه السلف وأئمة الخلف ﵃؛ فـ (كلهم متفقون على الإقرار) أي: الإثبات، (والإمرار) أي: وعدم التعرض لما جاءت به النصوص برد أو تأويل أو تجهيل أو إعراض، (والإثبات) لما ورد من الصفات في كتاب الله وسنة رسوله.
стр. 27
لا نعطل الله من صفاته لأجل تشنيع المبتدعة
قال ﵀: (ولا نزيل عنه صفةً من صفاته لشناعة شنعت) أي: لا نعطل الله عن صفاته لأجل ما يشنعه أهل التشبيه والزيغ، الذين يصفون أهل السنة بصفات لينفروا الناس عن الحق الذي جاءوا به وقالوا به؛ حيث إنهم يصفون أهل السنة والجماعة بأنهم حشوية ومجسمة، وأنهم لا علم عندهم، وما أشبه ذلك من الأوصاف التي تنفر عن الحق، ولا يغرنك ما يجعله أهل الباطل على منهجهم من بهرجة، حيث يقولون: نحن أهل العقول والبصائر، وأهل النظر والفكر والعلم، وأما الذين يثبتون الصفات فهم حشوية مجسمة، مشبهة ممثلة، وما أشبه ذلك من الألفاظ التي ينفرون بها من ينفرون عن الحق.
هذا معنى قول الإمام أحمد: (لا نزيل عنه صفةً من صفاته لشناعة شنعت) أي: لا يمكن أن نعطل الله عما أخبر به عن نفسه، أو أخبر به رسوله؛ لأجل قول من يقول: إنكم مشبهة! إنكم مجسمة! إنكم! إنكم! إنما نقول بما قال الله، وبما قاله رسوله ﷺ .
(ولا نتعدى القرآن والحديث، ولا نعلم كيف كنه ذلك) أي: كيف حقيقة ذلك؛ فالكنه هو الحقيقة، ونحن لا نعلم كيف كنه الصفات ولا حقيقتها؛ فإن علمها إلى الله .
قوله: (إلا بتصديق الرسول ﷺ وتثبيت القرآن) : (إلا) هنا منقطعة، يعني: لكن نصدق الرسول ﷺ ونثبت القرآن، أي: نثبت ما جاء في الكتاب والسنة من الخبر عن الله ، دون أن نلج في معرفة كيفيات ذلك.
стр. 28
معنى قول أحمد: (بلا حد ولا غاية)
قال ﵀: (بلا حد ولا غاية) أي: أننا لا نحد لذلك حداً من قبل أنفسنا، وقوله: (ولا غاية) أي: ولا نحدد نهاية من قبل أنفسنا، ولا يعني هذا الكلام أن صفات الله جل وعلا ليس لها حد، فإن أول من قال: إنه لا حد للصفات ولا غاية ولا نهاية جهم بن صفوان، يقول أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي ﵀ في كتاب (الرد على الجهمية) : لم يعلم عن أحدٍ من العالمين أنه تكلم بهذا الكلام قبل جهم بن صفوان، ومراد جهم بن صفوان بقوله في الصفات: إنه لا حد لها ولا غايه؛ مراده تعطيل الله عن صفاته، ولذلك قيل: (من قال: لا حد ولا غاية، فقد قال بأنه لا إله، وأن الله لا شيء؛ لأنه ما من شيء إلا له حد وغاية.
وقد سئل الإمام أحمد ﵀ عن بعض صفات الله فقيل له: بحد أو لا؟ قال: بحد، واستدل لذلك بقول الله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الزمر:٧٥] قال: حافين من حول العرش، أي: محدقين، وهذا حد، وأهل السنة والجماعة متفقون على أن الله فوق سماواته، على خلقه، بائنٌ من خلقه ؛ ولا شك أن هذا حد.
ولذلك اتفق سلف الأمة على إثبات أن للصفات حداً وغاية؛ لكنهم نفوا أن يكون لهذه الصفات حد يعلمه الإنسان؛ ولذلك قالوا: له حدٌ لا يعلمه غيره، كما ذكر ذلك أبو سعيد ﵀؛ فقال: ولا يجوز لأحدٍ أن يتوهم لحده غاية، ولكن نؤمن بالحد، ونكل علمه إلى الله تعالى.
فافهم معنى قول الإمام أحمد ﵀: (بلا حد ولاغاية) كما اتفق على ذلك سلف الأمة، ونقل ذلك شيخ الإسلام ﵀، وأيضاً نقله قبله أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي ﵀، ونقل عن ابن المبارك والإمام أحمد وعن جماعة من أهل العلم.
قال ﵀: ( ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ الشورى:١١] ) ، ونقول كما قال) ، أي: كما قال الله تعالى وكما قال رسوله.
(ونصفه بما وصف به نفسه لا نتعدى ذلك) أي: لا نتجاوز الكتاب والسنة، (ولا يبلغه وصف الواصفين) أي: لا يدرك حقيقة صفاته وما له من بديع الصفات وصف الواصفين، بل هو العليم الخبير لا يحيط الخلق به سبحانه وبحمده.
قال ﵀: (نؤمن بالقرآن كله: محكمه ومتشابهه) المؤلف ﵀ قسم القرآن إلى قسمين: المحكم والمتشابه، فالمحكم: هو الذي لا يحتمل إلا معنىً واحداً، والمتشابه مثل: (عبد الرحمن) فإنه يحتمل أكثر من معنى.
стр. 29
قبول ما جاء عن الله ورسوله في الصفات وعدم رده
قال ﵀: (ولا نرد شيئاً منها، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق، ولا نرد على رسول الله ﷺ ، أي: فالواجب فيما جاء عن النبي ﷺ الإيمان لا الرد، فكل من رد ماجاء عن النبي ﷺ ؛ فإنه قد زاغ عن الصراط المستقيم، ووقع في مهلكة؛ لأن من رد قول الله يوشك أن تدركه الفتنة، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّة﴾ [الأنفال:٢٥] ، ومن أعظم الفتنة رد قول رسول الله ﷺ .
قال ﵀: (ولا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه) وهذا لا إشكال فيه، فكل من وصف الله بأكثر مما وصف به نفسه زاغ عن الصراط المستقيم؛ لأنه لا سبيل إلى معرفة صفات الله إلا من طريق خبر الله عن نفسه، أو خبر رسوله ﷺ عنه، فلا نزيد في الصفات أكثر مما جاءت به النصوص، بل يجب التوقف والتزام ماجاءت به النصوص.
стр. 30
المراد من كلام أحمد (لا كيف ولا معنى)
الإمام أحمد ﵀ قال في الأحاديث التي جاء فيها الخبر عن صفات الله ؛ كحديث النزول: (إن الله ينزل إلى السماء الدنيا) وحديث: (أن الله يرى يوم القيامة) ، قال ﵀: نؤمن بها ونصدق بها، لا كيف ولا معنى.
وقد فرح كثيرُ من المبتدعة بهذا المنقول عن الإمام أحمد ﵀، وهو مما نقله حنبل عن الإمام أحمد ﵀.
فـ (لا كيف) ، لا إشكال فيها، أي: أننا نثبت ما أخبر الله به من هذه الصفات دون النظر في كيفية ذلك، فإن الكيفيات لا سبيل إلى إدراكها ولا إلى علمها، بل هي مما اختص الله بها نفسه، فلا سبيل إلى علم كيفية نزول الله ، ولا سبيل إلى معرفة كيفية سائر ما أخبر الله به من الصفات عن نفسه، بل الواجب الإيمان بتلك الصفات دون التعرض للكيفيات؛ لأن كيفية الشيء فرع عن معرفة الشيء نفسه، فإذا كنت لا تعرف الشيء ولا تحيط به فأنت جاهل بكيفيته؛ لأن الكلام في الكيفية فرع عن الكلام في الذات وفي الشيء نفسه.
فإذا قال لك قائل: كيف سمع الله؟ فقل له: كيف الله؟ فسيقول لك: لا أعرف، وهو الذي لا يمكن أن يتكلم الإنسان بغيره.
فحينئذٍ تقول: كذلك صفاته لا تعرف، ولا يمكن أن يدركها الإنسان؛ لقصر عقله وضعفه عن إدراك ذلك، فإن الله لم يطلب منا الإيمان بكيفيات الصفات، إنما طلب منا الإيمان بالصفات نفسها لا بكيفياتها، بل كيفياتها تدخل في قول الله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] أي: حقيقة ما أخبر الله به عن نفسه لا يعلم إلا من طريق الله ، والله لم يعلمنا ذلك؛ فلا سبيل إلى علم هذا.
ثم قوله: (ولا معنى) أي: لا تأويل، وليس المراد نفي المعنى مطلقاً؛ فإنه مما ينبغي أن يعرف وأن يعلم أنه ليس مراد الإمام أحمد ﵀ بقوله: (لا معنى) ، أننا لا نعرف معنى ما أخبر الله به عن نفسه من الصفات، بل إن كلام الإمام أحمد ﵀ صريح صراحةً واضحة بأن آيات الصفات لها معان، وقد صرح بذلك في مواضع عديدة، وقد بين ﵀ أنه إنما ينكر تأويلات الجهمية، وليس الإنكار للمعاني، فإنها ثابتة.
المفوضة هم الذين قالوا: إن الله تكلم بكلام لا نعلم ولا ندرك معناه، أو أنه ليس له معنى؛ فرحوا بقول الإمام أحمد وما نقل عنه من قوله: (ولا معنى) ؛ فظنوا أن المعنى المنفي هنا هو أصل المعنى والتفسير لآيات الصفات وأحاديثها، وخفي عليهم أن ما نقل عن الإمام أحمد في هذا الكلام يرد عليهم، كما سيأتي بعد قليل، كما أن المنقول عن الإمام أحمد ﵀ يدل دلالة واضحة على أن مراده: (لا معنى) ، أي: لا تأويل وتحريف للكلم عن مواضعه مما يسلكه الجهمية ومؤولة الصفات.
فمعنى قوله: (لا كيف ولا معنى) ، أي: لا نكيفها ولا نحرفها بالتأويل؛ فنقول: معناها كذا وكذا دون أن يكون عندنا من الله في ذلك برهان.
стр. 31
معنى قوله ﷺ : (وسنة الخلفاء الراشدين المهديين)
قال ﵀: (وقد أمرنا بالاقتفاء لآثارهم -أي: آثار السلف- والاهتداء بمنارهم، وحذرنا المحدثات، وأخبرنا أنها من الضلالات) ، أين ذلك الخبر؟ قال ﵀: (فقال النبي ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي) أي: الزموا سنتي، وسنته هي: طريقته ﷺ ، وهديه.
(وسنة الخلفاء الراشدين المهديين) ؛ أول وأحق من يصدق عليه وصف الخلفاء هم الخلفاء الأربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ أجمعين.
ويدخل فيهم كل من تحقق بالرشد والهداية من علماء الأمة؛ لأن علماء الأمة خلفاء رسول الله ﷺ في أمته؛ فإن النبي ﷺ قال: (العلماء ورثة الأنبياء) ، فالعلماء هم خلفاء الرسل في أممهم.
قال ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين) ، وإنما يكون راشداً مهدياً من سلم من الغي والضلال.
فالراشد: هو السالم من الغي، والمهدي: هو من سلم من الضلال، فمن سلم من هاتين الآفتين كمل علمه وصح عمله، فكمال العلم والعمل في الرشد والهداية؛ لأن المانع من الحق أحد أمرين: الأمر الأول: عدم العلم، الأمر الثاني: اتباع الهوى.
فمن كان مهدياً فقد حصل العلم، ومن كان راشداً فقد سلم من اتباع الهوى، وإذا تحقق للإنسان الرشد والهدى فقد فاز بإصابة الحق وصلاح العمل، ولذلك فذكر الرسول ﷺ لهذين الوصفين ليس عبثاً ولا لغواً، وليست أوصافاً مترادفة، وإنما هي أوصاف مقصودة؛ لتكشف من هم الذين ينبغي للإنسان أن يسلك سبيلهم، وأن يتمسك بهديهم.
وهذا الحديث يفيدنا أن سنة النبي ﷺ وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تسع الإنسان في السلامة من كل ضلال، فكل من لم يسعه هدي النبي ولا هدي الخلفاء الراشدين فإنه ضالٌ لا محالة، ولذلك ينبغي للمؤمن أن يقتصر عند موارد الاشتباه على ما دل عليه الكتاب والسنة، وما كان عليه سلف الأمة، وما كان عليه الخلفاء الراشدون المهديون.
قال ﷺ في بيان عظيم وجوب التمسك بهذا: (عضوا عليها بالنواجذ -أي: الأضراس- وإياكم ومحدثات الأمور! فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة) ، فكل محدثة في الدين بدعة، وكل بدعة ضلالة يحصل بها الزيغ عن الصراط المستقيم، والخروج عن هدي خير المرسلين ﷺ .
стр. 32
وجوب الوقوف على ما كان عليه سلف الأمة
ثم قال ﵀: [وقال عبد الله بن مسعود ﵁: (اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم) ] .
(اتبعوا) أي: اتبعوا سنة من قبلكم من الأئمه المهديين، (ولا تبتدعوا) أي: لا تحدثوا (فقد كفيتم) أي: قد كفاكم الله أن تحدثوا شيئاً في الدين، أو أن تقولوا فيه ما لم يقل، أو ما لم يأت به الخبر عن نبيكم؛ فإن الله قد أتم الدين وأكمله، قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] فكل من لم يقتصر على ذلك فإنه يزعم أن الدين لم يكتمل، وأنه بحاجة إلى مزيد.
قال رحمه: [وقال عمر بن عبد العزيز ﵁ كلاماً معناه: قف حيث وقف القوم؛ فإنهم عن علم وقفوا، وببصرٍ نافذٍ كفوا، وهم على كشفها كانوا أقوى، وبالفضل لو كان فيها أحرى، فلئن قلتم: حدث بعدهم؛ فما أحدثه إلا من خالف هديهم، ورغب عن سنتهم، ولقد وصفوا منه ما يشفي، وتكلموا منه بما يكفي، فما فوقهم محسر، وما دونهم مقصر، لقد قصر عنهم قوم فجفو، وتجاوزهم آخرون فغلو، وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدىً مستقيم.
وقال الإمام أبو عمر الأوزاعي ﵁: عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوه لك بالقول.
وقال محمد بن عبد الرحمن الأدرمي لرجل تكلم ببدعة ودعا الناس إليها: هل علمها رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي أو لم يعلموها؟ قال: لم يعلموها قال: فشيءلم يعلمه هؤلاء علمته أنت؟ قال الرجل: فإني أقول: قد علموها، قال: أفوسعهم ألايتكلموا به ولا يدعوا الناس إليه أم لم يسعهم؟ قال: بلى وسعهم، قال: فشيء وسع رسول الله ﷺ وخلفائه، لايسعك أنت؟ فانقطع الرجل، فقال الخليفة وكان حاضراً: لا وسَّع الله على من لم يسعه ما وسعهم] .
هذه النقول عن الأئمة ﵏ فيها تقرير ما تقدم من وجوب الوقوف في النصوص على ما كان عليه سلف الأمة ﵏.
يقول عمر بن عبد العزيز ﵀ كلاماً معناه: (قف حيث وقف القوم) القوم المراد بهم: سلف الأمة، وما كان عليه صحابة رسول الله ﷺ .
(فإنهم عن علم وقفوا) : هذا فيه الرد على الذين يقولون: إن طريق السلف أسلم وطريق الخلف أعلم وأحكم.
بل طريق السلف أعلم وأحكم وأسلم، وأما طريق الخلف فليس فيه علم ولا سلامة ولا حكمة، بل هو مخالف لما كان عليه سبيل الأقدمين من السلف الصالحين.
فقوله: ﵀: (فإنهم عن علم وقفوا) أي: لم يقفوا عجزاً، ولا كما يزعمون اشتغالاً بالجهاد ونشر الدين، إنما وقفوا عن علم، فوقوفهم وقوف بصيرة، وليس وقوف عجزٍ أو انشغال.
(وببصر نافدٍٍ كفوا) أي: ببصرٍ بعيد النظر كفوا عن التعرض للصفات بطلب كيفياتها وتحريفها عما دلت عليه النصوص، (وهم على كشفها كانوا أقوى، وبالفضل لو كان فيها أحرى) أي: كان لهم من القدرة والمكانة والقوة ما يتمكنون به كشف معاني تلك النصوص، وبيان كيفياتها، لو كان ذلك خير، ولو كان ذلك فضل، لكنهم أعرضوا عن ذلك؛ لأنهم يعلمون أنه لا سبيل إلى علم ذلك.
فهم أهل اللسان وهم شهدوا التنزيل وهم الذين تلقوا عن الرسول ﷺ ، فلما أعرضوا دل ذلك على أن إعراضهم هو الصواب والصحيح، (فلئن قلتم: حدث بعدهم، فما أحدثه إلا من خالف هديهم، ورغب عن سنتهم، ولقد وصفوا منه مايشفي، وتكلموا منه بما يكفي، فالواجب الاقتصار على ما كانوا عليه، فما فوقهم محسر، وما دونهم مقصر، لقد قصر عنهم قوم فجفوا، وتجاوزهم آخرون فغلوا، وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدىً مستقيم) فالواجب لزوم طريقهم.
كذا ما نقله ﵀ عن الأوزاعي، وكذا ما نقله عن الأدرمي في المناظرة، فالواجب على المؤمن أن يقف حيث وقف أولئك، وقد أحسن الخليفة لما قال: لا وسع الله على من لم يسعه ما وسعهم، كما قال رسول الله ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ) .
يقول: [وهكذا من لم يسعه ما وسع رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، والأئمة من بعدهم، والراسخين في العلم، من تلاوة آيات الصفات، وقراءة أخبارها، وإمرارها كما جاءت، فلا وسع الله عليه] .
ونقف على هذا، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
وبهذا يكون المؤلف انتهى من المقدمة، ويبدأ بعد هذا بذكر شيء من الصفات؛ نسأل الله العلم النافع والعمل الصالح.
стр. 33
شرح لمعة الاعتقاد [٣]
لا أحد أعلم بالله من الله، ومن رسوله ﷺ ؛ فما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ ، وجب قبوله والإيمان به من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تعطيل ولا تأويل، وما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسوله ﷺ ، فإنه يجب نفيه.
وذكر المؤلف هنا مجموعة من الصفات الذاتية والخبرية والفعلية لله على منهج السلف الصالح.
стр. 34
بعض صفات الله التي جاءت في القرآن
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين، وبعد: فيقول المؤلف رحمه الله تعالى: [فمما جاء من آيات الصفات قول الله : ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن:٢٧] ، وقوله : ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] ، وقوله تعالى إخباراً عن عيسى ﵇ أنه قال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦] ، وقوله سبحانه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢] ، وقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمْ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢١٠] ، وقوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة:١١٩] ، وقوله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] ، وقوله تعالى في الكفار: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح:٦] ، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ﴾ [محمد:٢٨] ، وقوله تعالى: ﴿كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ [التوبة:٤٦]] .
стр. 35
سبب ذكر المؤلف بعض أنواع الصفات دون غيرها
في هذا المقطع ذكر المؤلف ﵀ عدداً من الآيات التي ذكر الله تعالى فيها شيئاً من صفاته.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى بعد أن فرغ من المقدمة التي بين فيها سبيل أهل السنة والجماعة في صفات الله ، وفي آيات الصفات وأحاديثها؛ قال رحمه الله تعالى: (فمما جاء من آيات الصفات قول الله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن:٢٧] ) إلى آخر ما ذكر.
إن الملاحظ فيما ذكره من آيات الصفات وفيما ذكره من أحاديثها أنه أتى بالآيات المتضمنة للصفات التي وقع فيها مخالفة لأهل السنة والجماعة ولطريق السلف الصالح، فإنه لم يذكر الصفات التي يثبتها مثبتة الصفات.
стр. 36
مذاهب الناس في آيات الصفات
والناس من حيث إثبات الصفات ينقسمون في الجملة إلى قسمين: قسم ينفي الصفات، وهؤلاء هم المعطلة، وقسم يثبت الصفات بالجملة، وهؤلاء أقسام: منهم -وهم أفضل الأمة وخيرها وأوسطها وأتبعها لطريق النبي ﷺ الذين يثبتون ما أثبته الله لنفسه في كتابه أو أثبته له رسوله ﷺ في سنته، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.
القسم الثاني: هم الذين يثبتون بعض الصفات، وينفون بعضها، وهؤلاء يطلق عليهم مثبتة الصفات؛ لأنهم يثبتونها بالجملة وإن كانوا يخالفون أهل السنة والجماعة في إثبات كثير من الصفات، حيث لا يثبتونها، ويخالفونهم أيضاً فيما يثبتون حيث إنهم لا يثبتونها على الوجه الذي أثبته الصحابة ﵃ وسلف الأمة الصالح، ومن هؤلاء الأشاعرة، الماتريدية، والكلابية.
وهناك طائفة غلت في إثبات الصفات وهم الممثلة الذين يثبتون الصفات ويقولون: هي مثل صفات المخلوقين، فهؤلاء مثبتة الصفات، لكنهم غلوا في الإثبات.
والمؤلف ﵀ ذكر آيات وأحاديث الصفات التي خالف فيها مثبتة الصفات، يعني: التي خالف فيها الأشاعرة والماتريدية والكلابية وأشباههم، فبحثه ليس مع الذين نفوا الصفات بالكلية؛ لأن البحث مع أولئك ينحو منحى آخر، يحتاج إلى أن يناقشوا في أصل النفي، أما هؤلاء فمعهم شيء من الحق وهو فيما أثبتوه من الصفات، ولكنهم أخطئوا فيما أولوه من الصفات، فنحتاج إلى أن نقول لهم: إنه يلزمكم فيما أثبتم من الصفات نظير ما نفيتم، ونظير ما فررتم منه فيما نفيتم، فإما أن تثبتوا الجميع وإما أن تنفوا الجميع.
ومقصودي من هذا الكلام: أن نعرف لماذا ذكر المؤلف ﵀ هذه الآيات وهذه الأحاديث المتضمنة للصفات الخبرية والصفات الفعلية، ولم يذكر شيئاً من الصفات المعنوية الذاتية: كصفة السمع، والبصر، والعلم، والقدرة، والحياة، والكلام؛ وذلك لأن المؤلف ﵀ أراد إثبات ما نفاه وتأخر عن إثباته مثبتة الصفات، كالأشاعرة والكلابية والماتريدية.
стр. 37
صفة الوجه
فأولاً: مما ذكر من الصفات: صفة الوجه، وصفة الوجه صفة ثابتة لله بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، دليل ذلك ما ذكره المؤلف ﵀ في قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] حيث أثبت الله لنفسه وجهاً، وأضافه إليه، والأصل فيما أضيف إلى الله وكان لا يقوم بنفسه أن يكون صفة له ؛ لأن المضاف إلى الله نوعان: إما إضافة أعيان تقوم بنفسها وتستقل، وإما إضافة ما لا يقوم بنفسه ولا يستقل.
مثال الأول: إضافة الناقة إلى الله كما في قوله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس:١٣] ، فالناقة عين مستقلة قائمة بذاتها، وإضافتها إلى الله هي إضافة تشريف وتكريم.
ومثله أيضاً قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء:١] (بعبده) هذه الإضافة إضافة تشريف، ومثله أيضاً قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٤] فالإضافة هنا إضافة تشريف، والملاحظ في جميع هذه الإضافات أنها إضافة أعيان مستقلة قائمة، أما إذا كان المضاف لا يستقل ولا يقوم بنفسه، فإنها تكون إضافة صفات، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] ، فالوجه لا يقوم بنفسه مستقلاً، بل لابد أن يكون قائماً بعين، وكذلك اليد، وكذلك سائر الأمور المعنوية التي أضافها الله لنفسه.
والوجه يسميه العلماء صفة خبرية، وفي تصنيف الصفات يصنفونه من جملة الصفات الخبرية.
стр. 38
أقسام الصفات
والعلماء يجعلون الصفات أقساماً، وهذا التقسيم ليس من كلام السلف، أي أنك إذا طلبت في كلام الصحابة والتابعين (صفة خبرية، وصفة ذاتية، صفة فعلية) فلن تجد، لكنه اصطلاح حادث دعت الحاجة إليه؛ فلهذا قبله أهل العلم واستعملوه.
فالصفات الخبرية: هي التي لا يستقل العقل بإثباتها، أي: هي الصفات التي لا يمكن أن يتوصل إليها إثباتاً من طريق العقل، بل لابد من السمع، ولابد من نقل، ولابد من نص، ولابد من وحي في إثباتها، فلو أن أحداً قال لك: أثبت لله وجهاً، ما تمكنت من ذلك بالعقل، لأن العقل لا يستقل في معرفة الغيبيات؛ ولذلك سمى العلماء هذا النوع من الصفات: (الصفات السمعية) ، أو (الصفات الخبرية) ، ومعنى السمعية: أنها جاءت بالسمع -الكتاب والسنة- ومعنى (الخبرية) أنها جاء بها الخبر في كلام الله أو في كلام رسوله ﷺ .
النوع الثاني من أنواع الصفات: الصفات الذاتية، وهي الصفات التي يتصف الله بها أزلاً وأبداً: أزلاً: في القدم، وأبداً: في المستقبل، فهو لا ينفك عنها ، مثاله: صفة الحياة، فإنه جل وعلا متصف بها أزلاً وأبداً، والدليل قول الله تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ﴾ [الحديد:٣] ، فهو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، فهذه الصفة من صفاته الذاتية.
مثاله أيضاً: القومية، والسمع، والبصر، والكلام، والقدرة، والعلم كل هذه من الصفات تسمى الصفات الذاتية.
القسم الثالث: الصفات الفعلية، وهي التي تتعلق بمشيئة الله ، أي: الصفات التي يتصف بها متى شاء، كرضاه، وغضبه، ونزوله جل وعلا إلى السماء الدنيا، واستوائه على العرش وما أشبهها من الصفات، فهذه الصفات تسمى صفات فعلية، وإنما تسمى صفات فعلية؛ لأنها متعلقة بالمشيئة، ويسميها بعض العلماء: الصفات الاختيارية؛ لأنها متعلقة بالاختيار والمشيئة.
والذي بحثه المؤلف ﵀ من هذه الأنواع، أو ذكر له أمثلة من الآيات التي ذكرها، هو الصفات الفعلية والصفات الخبرية؛ لأنها هي التي وقع فيها الخلاف بين أهل السنة والجماعة وبين غيرهم.
стр. 39
ذكر بعض الصفات الخبرية لله جل وعلا
стр. 40
خلاف العلماء في صفة النفس
واعلم أن العلماء من أهل السنة والجماعة ﵏ اختلفوا في النفس على قولين: فمنهم من قال: إن النفس غير الذات، وهي صفة زائدة على الذات كالسمع والبصر، ومنهم من قال: إن النفس هي الذات، وهذا الثاني هو الذي عليه جمهور أهل العلم من أهل السنة، فالذي أضيف إلى الله في قوله سبحانه: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦] أي: تعلم الذي عندي ولا أعلم الذي عندك، فالنفس هنا هي ذاته جل وعلا.
следующие страницы →