Полный текст (265 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
مذاهب الناس في آيات الصفات
والناس من حيث إثبات الصفات ينقسمون في الجملة إلى قسمين: قسم ينفي الصفات، وهؤلاء هم المعطلة، وقسم يثبت الصفات بالجملة، وهؤلاء أقسام: منهم -وهم أفضل الأمة وخيرها وأوسطها وأتبعها لطريق النبي ﷺ الذين يثبتون ما أثبته الله لنفسه في كتابه أو أثبته له رسوله ﷺ في سنته، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.
القسم الثاني: هم الذين يثبتون بعض الصفات، وينفون بعضها، وهؤلاء يطلق عليهم مثبتة الصفات؛ لأنهم يثبتونها بالجملة وإن كانوا يخالفون أهل السنة والجماعة في إثبات كثير من الصفات، حيث لا يثبتونها، ويخالفونهم أيضاً فيما يثبتون حيث إنهم لا يثبتونها على الوجه الذي أثبته الصحابة ﵃ وسلف الأمة الصالح، ومن هؤلاء الأشاعرة، الماتريدية، والكلابية.
وهناك طائفة غلت في إثبات الصفات وهم الممثلة الذين يثبتون الصفات ويقولون: هي مثل صفات المخلوقين، فهؤلاء مثبتة الصفات، لكنهم غلوا في الإثبات.
والمؤلف ﵀ ذكر آيات وأحاديث الصفات التي خالف فيها مثبتة الصفات، يعني: التي خالف فيها الأشاعرة والماتريدية والكلابية وأشباههم، فبحثه ليس مع الذين نفوا الصفات بالكلية؛ لأن البحث مع أولئك ينحو منحى آخر، يحتاج إلى أن يناقشوا في أصل النفي، أما هؤلاء فمعهم شيء من الحق وهو فيما أثبتوه من الصفات، ولكنهم أخطئوا فيما أولوه من الصفات، فنحتاج إلى أن نقول لهم: إنه يلزمكم فيما أثبتم من الصفات نظير ما نفيتم، ونظير ما فررتم منه فيما نفيتم، فإما أن تثبتوا الجميع وإما أن تنفوا الجميع.
ومقصودي من هذا الكلام: أن نعرف لماذا ذكر المؤلف ﵀ هذه الآيات وهذه الأحاديث المتضمنة للصفات الخبرية والصفات الفعلية، ولم يذكر شيئاً من الصفات المعنوية الذاتية: كصفة السمع، والبصر، والعلم، والقدرة، والحياة، والكلام؛ وذلك لأن المؤلف ﵀ أراد إثبات ما نفاه وتأخر عن إثباته مثبتة الصفات، كالأشاعرة والكلابية والماتريدية.
стр. 37
صفة الوجه
فأولاً: مما ذكر من الصفات: صفة الوجه، وصفة الوجه صفة ثابتة لله بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، دليل ذلك ما ذكره المؤلف ﵀ في قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] حيث أثبت الله لنفسه وجهاً، وأضافه إليه، والأصل فيما أضيف إلى الله وكان لا يقوم بنفسه أن يكون صفة له ؛ لأن المضاف إلى الله نوعان: إما إضافة أعيان تقوم بنفسها وتستقل، وإما إضافة ما لا يقوم بنفسه ولا يستقل.
مثال الأول: إضافة الناقة إلى الله كما في قوله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس:١٣] ، فالناقة عين مستقلة قائمة بذاتها، وإضافتها إلى الله هي إضافة تشريف وتكريم.
ومثله أيضاً قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء:١] (بعبده) هذه الإضافة إضافة تشريف، ومثله أيضاً قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٤] فالإضافة هنا إضافة تشريف، والملاحظ في جميع هذه الإضافات أنها إضافة أعيان مستقلة قائمة، أما إذا كان المضاف لا يستقل ولا يقوم بنفسه، فإنها تكون إضافة صفات، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] ، فالوجه لا يقوم بنفسه مستقلاً، بل لابد أن يكون قائماً بعين، وكذلك اليد، وكذلك سائر الأمور المعنوية التي أضافها الله لنفسه.
والوجه يسميه العلماء صفة خبرية، وفي تصنيف الصفات يصنفونه من جملة الصفات الخبرية.
стр. 38
أقسام الصفات
والعلماء يجعلون الصفات أقساماً، وهذا التقسيم ليس من كلام السلف، أي أنك إذا طلبت في كلام الصحابة والتابعين (صفة خبرية، وصفة ذاتية، صفة فعلية) فلن تجد، لكنه اصطلاح حادث دعت الحاجة إليه؛ فلهذا قبله أهل العلم واستعملوه.
فالصفات الخبرية: هي التي لا يستقل العقل بإثباتها، أي: هي الصفات التي لا يمكن أن يتوصل إليها إثباتاً من طريق العقل، بل لابد من السمع، ولابد من نقل، ولابد من نص، ولابد من وحي في إثباتها، فلو أن أحداً قال لك: أثبت لله وجهاً، ما تمكنت من ذلك بالعقل، لأن العقل لا يستقل في معرفة الغيبيات؛ ولذلك سمى العلماء هذا النوع من الصفات: (الصفات السمعية) ، أو (الصفات الخبرية) ، ومعنى السمعية: أنها جاءت بالسمع -الكتاب والسنة- ومعنى (الخبرية) أنها جاء بها الخبر في كلام الله أو في كلام رسوله ﷺ .
النوع الثاني من أنواع الصفات: الصفات الذاتية، وهي الصفات التي يتصف الله بها أزلاً وأبداً: أزلاً: في القدم، وأبداً: في المستقبل، فهو لا ينفك عنها ، مثاله: صفة الحياة، فإنه جل وعلا متصف بها أزلاً وأبداً، والدليل قول الله تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ﴾ [الحديد:٣] ، فهو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، فهذه الصفة من صفاته الذاتية.
مثاله أيضاً: القومية، والسمع، والبصر، والكلام، والقدرة، والعلم كل هذه من الصفات تسمى الصفات الذاتية.
القسم الثالث: الصفات الفعلية، وهي التي تتعلق بمشيئة الله ، أي: الصفات التي يتصف بها متى شاء، كرضاه، وغضبه، ونزوله جل وعلا إلى السماء الدنيا، واستوائه على العرش وما أشبهها من الصفات، فهذه الصفات تسمى صفات فعلية، وإنما تسمى صفات فعلية؛ لأنها متعلقة بالمشيئة، ويسميها بعض العلماء: الصفات الاختيارية؛ لأنها متعلقة بالاختيار والمشيئة.
والذي بحثه المؤلف ﵀ من هذه الأنواع، أو ذكر له أمثلة من الآيات التي ذكرها، هو الصفات الفعلية والصفات الخبرية؛ لأنها هي التي وقع فيها الخلاف بين أهل السنة والجماعة وبين غيرهم.
стр. 39
ذكر بعض الصفات الخبرية لله جل وعلا
стр. 40
خلاف العلماء في صفة النفس
واعلم أن العلماء من أهل السنة والجماعة ﵏ اختلفوا في النفس على قولين: فمنهم من قال: إن النفس غير الذات، وهي صفة زائدة على الذات كالسمع والبصر، ومنهم من قال: إن النفس هي الذات، وهذا الثاني هو الذي عليه جمهور أهل العلم من أهل السنة، فالذي أضيف إلى الله في قوله سبحانه: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦] أي: تعلم الذي عندي ولا أعلم الذي عندك، فالنفس هنا هي ذاته جل وعلا.
стр. 41
صفة النفس
ثم قال ﵀: (وقوله تعالى إخباراً عن عيسى ﵇ أنه قال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦] ) ؛ هذا فيه إثبات أن الله جل وعلا له نفس، وأنه أضاف إليه النفس؛ لأنها صفة من صفاته، فالنفس صفة من صفاته سبحانه وبحمده؛ وذلك لقوله: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾ [المائدة:١١٦] ، ولماذا قلنا إنها صفة من صفاته ولم نقل إن الإضافة هنا إضافة تشريف، ونحن قد ذكرنا أن الإضافة نوعان: إما إضافة تشريف وخلق، وإضافة صفة؟
الجواب
الإضافة هنا من إضافة الصفات، ودليل ذلك أن النفس لا تقوم إلا بعين، فلما أضافها إلى نفسه جل وعلا دل ذلك على أنها صفته.
стр. 42
موقف أهل الكلام من صفة اليد
وأهل الكلام قالوا: إن قول الله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] أي: نعمتاه، فأولوا اليد وحرفوها وقالوا: هي القدرة، والقوة، والنعمة.
ونقول: هذا من تحريف الكلم عن مواضعه، (بل يداه مبسوطتان) لا يمكن أن يفهم منها غير اليد التي هي صفة الله ، وأما النعمة والقدرة، فهذه من لوازم الصفة، لكن لا يمكن أن نفسر الكلام بلوازمه ونترك ما دل عليه في الأصل، أعني أنه لا يجوز أن نترك المعنى الأصلي ونذهب إلى اللوازم، بل نثبت المعنى الأصلي ونثبت ما يلزم على هذا اللفظ من اللوازم الصحيحة، ولا يمكن أن يلزم على كلام الله أو على كلام رسوله ﷺ معنى باطل بوجه من الوجوه.
إذاً: ثاني ما ذكره المؤلف من الصفات هي صفة اليدين لله ، واستدل عليها بقوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] .
стр. 43
صفة اليدين
ثم ذكر ﵀ قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] ، وهذا فيه إثبات اليدين لله .
واليدان صفة للرب جل وعلا دل عليها الكتاب والسنة وأجمع عليها سلف الأمة، وهما يدان اثنتان كما دل عليه قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] ، وقد جاء ذكر هذه الصفة في القرآن بعدة صيغ، وعلى عدة أوجه، فجاءت مفردة، وجاءت مثناة، وجاءت مجموعة، جاءت مفردة في قوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة:٦٤] وجاءت مثناة في قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] ، وجاءت مجموعة في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١] .
أما الآية التي في سورة الذاريات وهي: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ﴾ [الذاريات:٤٧] فالأيد هنا ليست جمع يد، وإنما الأيد هنا القوة من (أيد) إذا قوي.
ثم قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً﴾ [يس:٧١] فيه جمع اليد، فهل يوجد تعارض بين الإفراد والجمع والتثنية؟
الجواب
لا تعارض، والدليل على أنه لا تعارض قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢] ، فلا يمكن أن يكون في كلام الله تعارض أو تضارب، والتعارض والتضارب الذي يرد في النصوص إنما هو من قبل الناظر لا من قبل النص، فالنص ليس فيه تعارض، بل هو محكم كما قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود:١] ، وكما قال تعالى: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢] (حكيم) أي: محكِم، فقد أحكم الله جل وعلا هذا الكتاب، وهو محمود عليه لأنه أحكمه وأتقنه، ولذلك قال: ﴿تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢] إذاً: لا تعارض بين الإفراد والتثنية، وبين الإفراد والجمع، فهل نقول: لله يد أم يدان أم أيد؟ الجواب: إن لله يدين لا أكثر؛ لأن الله جل وعلا ذكر صفة اليد مثناة، والتثنية هي من أسماء الأعداد، وأسماء الأعداد لا يراد بها إلا العدد المذكور، فإذا قال قائل: جاء خمسة، لم يمكن أن نقول: جاء ستة في اللسان العربي، وإذا قال قائل: أعطيته عشرة، لم يمكن أن يقال: لا هو يريد تسعة، أو يريد أحد عشر؛ لأن أسماء الأعداد نصوص لا تقبل الزيادة ولا النقص.
وهل يتعارض التثنية والجمع؟ الجواب: لا تعارض؛ لأن الإفراد جاء ويراد به الجنس، هذا احتمال، الاحتمال الثاني: أن يراد به مطلق اليد ثم جاءت النصوص مبينة لليد، كما قال الله تعالى: ﴿وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة:٦٤] (يد الله) مفردة أضافها إلى نفسه، ومعلوم من قواعد اللغة أن المفرد المضاف يفيد العموم، فيصدق عليه اليد واليدان والثلاث والعشر، إذاً: الإفراد لا يعارض التثنية ولا يعارض الجمع، ولماذا لا يعارض التثنية ولا الجمع؟ الجواب: لأن الإفراد يراد به الجنس، أي: إثبات جنس اليد لله دون تعرض للعدد، ويراد به أيضاً العموم حيث إنه مفرد مضاف، والمفرد المضاف يصدق عليه الواحد وما هو أكثر من الواحد، فتبين أن: الإفراد لا يعارض التثنية، ولا يعارض الجمع.
وهل الجمع يعارض الإفراد والتثنية؟ الجواب: لا يعارضهما؛ لأن الجمع يأتي للتعظيم، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] مع أن المنزل هو الله جل وعلا، فالقرآن نزل من عنده جل وعلا، قال سبحانه: ﴿تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢] ، وقال: ﴿كِتَاب أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود:١] فهو الذي فصل وهو الذي أحكم جل وعلا، ومع ذلك أخبر عن المنزل بصيغة الجمع، فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] فالإتيان بصيغة الجمع فائدته التعظيم.
إذاً: تلخص لنا من هذا أن ما جاء في القرآن في صفة اليد مثنىً لا يعارض الإفراد ولا الجمع، ولا الإفراد يعارض الجمع والتثنية، وكذلك الجمع لا يعارض الإفراد ولا التثنية.
стр. 44
موقف أهل التأويل والتعطيل من صفة الوجه
والوجه صفة خبرية ثبتت بالخبر، وأثبتها أهل السنة والجماعة، أما أهل التعطيل وأهل التأويل فإنهم نفوا هذه الصفة، وقالوا: لا نثبت لله وجهاً، وأن المراد بالوجه هنا هو الأجر والثواب، وقالوا في قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن:٢٧] أي: يبقى ما قصد به الله، وهذا صرف للفظ عن ظاهره بغير مرجح أو من دون مرجح، فهو من التحريف الباطل الذي يسميه أهله تأويلاً.
إذاً: الصفة التي ذكرها المؤلف ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] ، هي صفة الوجه، وهذه الآية من أقوى الآيات التي يثبت بها أهل السنة والجماعة صفة الوجه لله ؛ وذلك لأن الله وصف وجهه بصفتين: ذو الجلال، وذو الإكرام، ومثل هذا لا يسوغ أن يوصف به الأجر والثواب، لأن الأجر لا يوصف بأنه ذو جلال وذو إكرام، إنما الذي يوصف بهذا الوصف هو الله جل وعلا؛ ولذلك ذكر المؤلف هذه الآية لكونها من أصرح الآيات في إثبات صفة الوجه لله .
стр. 45
ذكر بعض الصفات الفعلية لله
стр. 46
صفة الغضب
قال: (وقوله تعالى في الكفار: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح:٦] ) ؛ هذا فيه إثبات صفة الغضب لله ، وهي صفة فعلية أيضاً.
стр. 47
صفة السخط
قال: (وقوله تعالى: ﴿اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَه﴾ [محمد:٢٨] ) الشاهد إثبات صفة السخط له ، والسخط والغضب معناهما متقارب، وهما صفتان ثابتتان لله بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة.
стр. 48
صفة الكراهة
قال: (وقوله: ﴿كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ [التوبة:٤٦] ) ؛ فيه إثبات صفة الكره لله جل وعلا، وهذه الصفات الفعلية لا يلزم عليها أي لازم باطل، بل هي صفات كمال؛ لأن من كمال الله أن يغضب إذا جاء موجب الغضب، وأن يسخط إذا جاء سبب السخط، ويكره إذا جاء موجب وسبب الكره.
стр. 49
صفة المحبة
قال: (وقوله: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] ) ، فيه إثبات صفة المحبة لله ، والمحبة صفة فعلية اختيارية؛ لأنه يحب من يشاء متى شاء، فهي صفة معلقة بمشيئة الله، فهو يحب من يحب، ويبغض من يبغض جل وعلا.
стр. 50
صفة الرضا
قال: (وقوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة:١١٩] ) هذا فيه إثبات صفة الرضا لله ، والرضا معناه: القبول والمحبة للفعل، وأهل الكلام يؤولون الرضا بالثواب، ويقولون: قوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة:١١٩] معناه: أثابهم، فرضاه ثوابه، أو إرادة ثوابه.
стр. 51
صفة المجيء وموقف المخالفين لأهل السنة من هذه الصفة
قال: وقوله سبحانه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ﴾ [الفجر:٢٢] انتقل المؤلف إلى ذكر الصفات الفعلية الاختيارية لله .
واعلم أن الصفات الاختيارية لله ينكرها غير أهل السنة والجماعة ويؤولونها بمجيء الأمر أو بمجيء الرحمة، يئولونها بشيء من مخلوقات الله ، ولا يقولون: إنها من صفاته، يقولون: لأن إثبات الصفات الفعلية يلزم منه أن تقوم به الحوادث، وقيام الحوادث للأعيان يدل على أنها حادثة، هكذا زعموا في إبطال ما دلت عليه النصوص من إثبات صفات الفعل.
والصحيح: أننا نثبت هذه الصفة لله ولا نقول ما يقول هؤلاء من أن الله حادث، بل هو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، وكل من أبطل شيئاً من هذا فقد أبطل ما دلت عليه النصوص من أن الله فعال لما يريد، كما قال جل وعلا في إثبات صفة الفعل: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج:١٥-١٦] فذكر صفة الفعل بصيغة المبالغة للدلالة على كثرة فعله سبحانه وبحمده.
فصفات الفعل يثبتها أهل السنة والجماعة لأن الله أثبتها لنفسه في كتابه وأثبتها له رسوله ﷺ ، وعلى هذا أجمع سلف الأمة، فلم يقل أحد من الصحابة ولا التابعين ولا من أئمة المسلمين: إن قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢] أي: جاء أمره، ولم يقل أحد منهم في قوله: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمْ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنْ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة:٢١٠] : إن الذي يأتي الأمر، أو إن الذي يأتي الملائكة، وإن الله جل وعلا لا يأتي، فإن هذا تشكيك في القرآن، بل الواجب إثبات صفات الفعل لله جل وعلا، كما أثبتها لنفسه في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢] ، وكما قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمْ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنْ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة:٢١٠] أي: ويأتي الملائكة، كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر:٢٢] فالمجيء والإتيان فعل له سبحانه وبحمده يفعله متى شاء وكيف شاء.
стр. 52
بعض صفات الله الفعلية التي جاءت في السنة
قال المؤلف ﵀: [ومن السنة قول النبي ﷺ : (ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا) وقوله: (يعجب ربنا من الشاب ليست له صبوة) وقوله: (يضحك الله إلى رجلين قتل أحدهما الآخر ثم يدخلان الجنة) ، فهذا وما أشبهه مما صح سنده وعدِّلت رواته نؤمن به، ولا نرده، ولا نجحده، ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره، ولا نشبهه بصفات المخلوقين، ولا بسمات المحدثين، ونعلم أن الله لا شبيبه له ولا نظير: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ، وكل ما يخيل في الذهن أو خطر بالبال فإن الله تعالى بخلافه]
стр. 53
صفة العجب
ثم ذكر من أحاديث الصفات ما رواه الإمام أحمد من حديث عقبة بن عامر ﵁، وفيه قوله ﷺ : (يعجب ربك من الشاب ليست له صبوة) ، وفيه إثبات صفة العَجَب لله جل وعلا، والعجب له سببان: الأول: أن يكون العجب ناشئاً عن جهل، وهذا حاشا أن يكون من وصف الله ، فهو العليم الخبير جل وعلا، أحاط بكل شيء علماً، وهو بكل شيء عليم.
الثاني من أسباب العجب: التعظيم لخروج الشيء عن نظائره مع عدم سبق جهل، وهذا هو الذي يوصف به الله جل وعلا، فمعنى يعجب أي: يعظم هذه الحال لخروجها عن نظائرها.
وقد جاء إثبات العجب لله في الكتاب في قوله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات:١٢] وقرئ: (بل عجبتُ) وهي قراءة سبعية، والقراءة التي فيها إضافة العجب إلى نفسه هي التي يستدل بها أهل السنة والجماعة على صفة العجب لله من القرآن، فقوله ﷺ : (يعجب ربك) هل هذا عجب ناشئ عن جهل وعدم علم؟
الجواب
لا، تعالى الله عن ذلك، إنما هو عجب ناشىء عن تعظيم ومحبة لهذه الحال، وقوله: والشاب: هو الناشئ، وهو من بلغ الحلم، واختلفوا في منتهاه فقيل: إلى الثلاثين، وقيل: إلى الأربعين، والمقصود: ثورة الشباب ووقت خفة العقل وسفه الحلم.
وقوله: (ليست له صبوة) ، أي: ليس له ميل إلى الهوى، والصبوة: الميل إلى الهوى، والغالب في الشاب أن يكون ذا صبوة، أي: ذا ميل إلى الهوى، لكن الإنسان إذا أحصن نفسه وعودها على الخير، ورباها على البر، وحبسها عن مشتهياتها في مثل هذا الزمن، كان هذا من دلائل كمال دينه، ورجاحة عقله؛ لأنه لا يفعل ذلك إلا عن وازع عظيم يمنعه من الميل إلى الهوى.
ثم حديث: (يعجب ربك) هو من حديث عقبة، وفي سنده عبد الله بن لهيعة، رواه عنه قتيبة بن سعيد، والحديث ضعيف لضعف عبد الله بن لهيعة؛ لأنه اختلط في آخره، ولكن الصفة لا تبطل بهذا الضعف؛ لأنها قد دلت عليها نصوص أخرى.
стр. 54
صفة الضحك والرد على من عطلها
وقوله: ((يضحك الله إلى رجلين قتل أحدهما الآخر ثم يدخلان الجنة)) ؛ هذا الحديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁، وفيه إثبات صفة الضحك لله جل وعلا، والضحك صفة كمال لله جل وعلا.
والذين عطلوا الصفات قالوا: كيف يضحك الله! والضحك خفة، والله يتعالى عن هذا.
فنقول لهم: هذا جهل منكم؛ لأن الضحك ليس خفة في كل موارده، بل من الضحك ما هو كمال وهو الضحك عند ورود سببه الذي يدعو إليه، ثم إن ضحك الله ليس كضحك المخلوقين، وهؤلاء إنما قالوا: الصحك خفة لأنهم مثلوا ضحك الله بضحك المخلوق.
ونحن نقول: إن ضحك الله جل وعلا ليس كضحك المخلوق؛ لأنه سبحانه كما قال عن نفسه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] فليس كمثله شيء في شيء من صفاته سبحانه وبحمده، وقد روى الإمام أحمد وغيره من حديث أبي رزين العقيلي أن رسول الله ﷺ قال: (ضحك الله جل وعلا من قنوط عباده وقرب غيره، فقال أعرابي: أو يضحك ربنا يا رسول الله؟! قال النبي ﷺ : نعم.
فقال الأعرابي: لا عدمنا الخير من رب يضحك) ، فاستدل بضحك الله على كمال صفاته وقرب خيره، وأن من يضحك فالخير منه قريب، والبر والإحسان منه متوقع، وهؤلاء يقولون: لا نصف الله بالضحك؛ لأن الضحك خفة، بل خفت عقولهم فردوا ما دلت عليه النصوص، ولو أنهم اتبعوا سبيل السلف الصالح لما قالوا مثل هذا القول.
стр. 55
إثبات الصفات مع نفي التمثيل والتكييف
ثم قال ﵀ في بيان القاعدة العامة بعد ذكر الأمثلة: (فإن هذا وما أشبهه مما صح سنده وعدلت رواته، نؤمن به ولا نرده ولا نجحده) ، أي: مما ثبت عن النبي ﷺ نؤمن به ولا نرده، وهذا هو الواجب على كل مؤمن، وهو أن يؤمن بكل ما دلت عليه النصوص، وألا يرد على النبي ﷺ قوله، فإن من رد على النبي ﷺ قوله فقد رد ما يجب قبوله، وعرَّض نفسه للفتنة كما قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣] ، وأي فتنة أعظم من رد قول الله أو قول رسوله ﷺ ، بل نؤمن به ولا نرده، ولا نجحده، ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره.
والرد هو التكذيب أو الإعراض، والمقصود به هنا فيما يظهر هو الإعراض.
والجحد هو التكذيب مع الإيقان بصدق ما أخبر به الرسول ﷺ .
والتأويل هنا هو التحريف.
فنفى المؤلف رحمه الله تعالى عن طريق أهل السنة والجماعة التكذيب والإعراض والتحريف.
قال: (ولا نشبهه بصفات المخلوقين) أي: لا نقول: ضحكه كضحكنا، ولا نقول: إن عجبه كعجبنا، ولا نقول: مجيئه كمجيئنا، بل هو ليس كمثله شيء، فلا نشبهه بصفات المخلوقين ولا بصفات المحدثين، أي: الخلق الذين أحدثوا، بل نعلم أن الله سبحانه لا شبيه له، أي: لا مثيل، فنفي الشبيه هنا معناه نفي المثيل، ويوجد في كلام أهل العلم أنهم ينفون الشبيه ويريدون به المثيل لا مجرد ومطلق المشابهة، فإن المشابهة المطلقة ثابتة كما تقدم.
قال: (ولا نظير: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ) .
ثم قال ﵀ في نفي أن يصور الإنسان صفات الله أو أن يكيفها: (وكل ما تخيل في الذهن أو خطر بالبال فإن الله تعالى بخلافه) أي: على خلاف الصورة التي جاءت في خلدك ودارت في بالك وتحرك بها خاطرك، فالله جل وعلا على خلاف ذلك، وقوله: (فإن الله بخلافه) هذه الجملة يمكن أن يراد بها معنى صحيح ويمكن أن يراد بها معنى باطل، لكن مراد المؤلف هنا صحيح، فمراده أن الله جل وعلا ليس كمثله شيء، وأحسن من هذا في التعبير أن يقال: إن الله تعالى أعظم وأجل من أن يكون كذلك.
стр. 56
صفة النزول
يقول رحمه الله تعالى في ذكر ما جاء في السنة من الصفات: (ومن السنة قول النبي ﷺ : (ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا)) ، وهذا الحديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁، وفيه الخبر عن صفة من صفات الله ، وهي نزوله كل ليلة إلى السماء الدنيا، والنزول من الصفات الفعلية؛ لأنه يقع بمشيئته واختياره سبحانه وبحمده، ونزوله هو نزول حقيقي، ولا تقل: كيف ينزل؟ ولا يشكل عليك ماهية ذلك وحقيقته وكنهه، فإنك لم تكلف بذلك، وإنما كلفت بأن تؤمن بكل ما أخبر الله به عن نفسه، وأخبر به رسوله ﷺ عنه.
وتأويل النزول بغير ما دل عليه ظاهر النص كمن يقولون: تنزل رحمته، أو ينزل ملك من الملائكة، فإن هذا خطأ كبير وتحريف خطير للنص؛ لأن النبي ﷺ يقول: (ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول: هل من داع فأجيبه، هل من سائل فأعطيه، هل من مستغفر فأغفر له) فهل يسوغ أن يقول هذا القول ملك من الملائكة؟
الجواب
لا؛ لأنه لا يملك أن يجيب، ولا يملك أن يغفر، ولا يملك أن يعطي السائل سؤاله إلا الله جل وعلا، والرحمة لا يمكن أن تقول هذا أو أن تفعله، فهذا نزول مضاف إلى الله جل وعلا نؤمن به ونتعبد الله به، بأن نتعرض لنفحاته ورحماته في مثل هذه الساعات، وفي مثل هذه الأوقات.
стр. 57
الكلام على صفتي الاستواء والعلو
قال المؤلف ﵀: [ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] وقوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] وقول النبي ﷺ : (ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك) وقال للجارية: (أين الله؟ قالت: في السماء، قال: أعتقها فإنها مؤمنة) رواه مالك بن أنس ومسلم وغيرهما من الأئمة.
وقال النبي ﷺ لـ حصين: (كم إلهاً تعبد؟ قال: سبعة؛ ستة في الأرض وواحداً في السماء، قال: من لرغبتك ورهبتك؟ قال: الذي في السماء، قال: فاترك الستة واعبد الذي في السماء، وأنا أعلمك دعوتين، فأسلم وعلمه النبي ﷺ أن يقول: اللهم ألهمني رشدي، وقني شر نفسي) ، وفيما نقل من علامات النبي ﷺ وأصحابه في الكتب المتقدمة: أنهم يسجدون في الأرض ويزعمون أن إلههم في السماء.
وروى أبو داود في سننه أن النبي ﷺ قال: (إن ما بين سماء إلى سماء مسيرة كذا وكذا، وذكر الخبر إلى قوله: وفوق ذلك العرش، والله فوق ذلك) ، فهذا وما أشبهه مما أجمع السلف ﵏ على نقله وقبوله، ولم يتعرضوا لرده، ولا تأويله ولا تشبيهه ولا تمثيله.
سئل الإمام مالك بن أنس ﵀، فقيل: يا أبا عبد الله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كيف استوى؟ فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
ثم أمر بالرجل فأخرج] .
стр. 58
صفة العلو
أما صفة العلو التي ذكر المؤلف أدلتها فهي ثابتة بالكتاب والسنة وبإجماع سلف الأمة، والعقل دال عليها، والفطرة المركوزة في نفوس الناس وفي خلق الله تدل عليها، ولذلك يقول شيخ الإسلام: صفة العلو أجمع عليها الناس جميعاً، مسلمهم وكافرهم، وفرعون لما دعاه موسى إلى الله جل وعلا قال لهامان: ﴿ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِباً﴾ [غافر:٣٦-٣٧] ، فلم يطلب الله في يمين، ولا في شمال، ولا في خلف ولا في أمام، وإنما طلبه في العلو، وهذا دليل على أن الإقرار بالعلو أمر مركوز في الفطر، حتى في فطر البهائم، ولذلك لما كان الجويني من أئمة الأشاعرة يقرر عدم علو الله ، قاطعة الهمذاني وهو يتكلم على المنبر فقال: دع عنا العرش وذكره وأخبرنا عن شيء في قلوبنا، فما قال داع قط: يا ألله! إلا وجد من قلبه طلب العلو، فجعل الجويني يضرب على رأسه ويقول: حيرني الهمذاني حيرني الهمذاني؛ لأنه مهما حاول المحاولون أن يبطلوا هذا فإن فطرهم تأباه؛ ولذلك فهم عند الضرورة لا يتوجهون لا إلى يمين ولا إلى يسار، بل يذوب هذا التنظير وهذه المناقشة، ويرجعون إلى ما دل عليه الكتاب والسنة وما أجمع عليه سلف الأمة من الإقرار بعلو الله جل وعلا، فتجد الذي ينكر علو الرب يشير بإصبعه إلى العلو عند الإشارة إلى الله جل وعلا، وهذا أمر فطر الله القلوب عليه، فلا سبيل إلى إنكاره.
والمؤلف ذكر من الأدلة على علو الله عدة أدلة، فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] واقتصر عليه لأنه علو خاص، وإلا فمن الأدلة قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران:٥٥] وقوله: ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] وغير ذلك، والأدلة على علو الله كثيرة.
أما الأحاديث فذكر قول النبي ﷺ : (ربنا الذي في السماء تقدس اسمك) وهذا الحديث رواه أبو داود بسند حسن كما قال شيخ الإسلام ﵀، وهو حديث مشهور بأنه حديث رقية المريض؛ لأنه يقرأ على المريض.
والشاهد فيه قوله: (ربنا الذي في السماء) و (ربَّنا) بالنصب، لأنه منادى، والتقدير: (يا ربنا) فحذفت ياء النداء.
وقال للجارية: (أين الله؟ قالت: في السماء) أي: في العلو؛ لأن السماء اسم جنس لما علا، ويمكن أن يقال: (في السماء) أي: السقف المحفوظ، وتكون (في) هنا بمعنى (على) ، كما قال تعالى حاكياً عن فرعون: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١] والتصليب لا يكون في بطن الجذوع وإنما يكون عليها، فكانت (في) هنا بمعنى (على) ، وكقوله تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك:١٥] ، والناس لا يمشون في داخلها ولكن عليها، فـ (في) تأتي بمعنى على.
فقول الله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] وقوله ﷺ : (ربنا الذي في السماء) معناه: الذي في العلو، وإما أن يكون المراد بالسماء السقف المحفوظ فتكون (في) بمعنى: (على) ، فيكون المعنى: الذي على السماء، والله تعالى أعلم.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
стр. 59
صفة الاستواء على العرش
هذا المقطع عاد به المؤلف ﵀ إلى ذكر مثال من الأمثلة على صفات الله التي جاءت في الكتاب والسنة وأثبتها سلف الأمة، فذكر صفتين: صفة الاستواء، وصفة العلو، والاستواء والعلو صفتان مقترنتان في كلام أهل العلم، وسبب الاقتران بين الاستواء والعلو هو أن الاستواء من أدلة العلو؛ لأنه علو خاص.
يقول ﵀: (من ذلك قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ) أي: من الصفات التي يثبتها أهل السنة والجماعة لله صفة الاستواء في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ، وقد ذكر الله جل وعلا هذا في آيات عديدة من كتابه، ولم يأت في آية من هذه الآيات أن الاستواء بمعنى الاستيلاء، أو أن الاستواء بمعنى مخالف لما تكلم به سلف الأمة من أنه العلو والصعود والاستقرار، فإن سلف الأمة تكلموا في معنى الاستواء في هذه الكلمات كما قال ابن القيم: ولهم عبارات عليه أربع قد حصلت للفارس الطعان وهي استقر وقد علا وكذا ارتفع الذي ما فيه من نكران وكذاك قد صعد الذي هو رابع فهذه أربعة معان ذكرها العلماء في معنى الاستواء، وهي ثابتة عن السلف الصالح، والذين خالفوا منهج أهل السنة والجماعة قالوا: الاستواء معناه الاستيلاء، واستدلوا على ذلك ببيتٍ مهلهلٍ محدثٍ مصنوعٍ: قد استوى بشر على العراق من غير سيف أو دم مهراق وهذا إبطال لما كان عليه سلف الأمة بما لا دليل فيه، وبما يلزم عليه من اللوازم الباطلة مالا يلزم على إثبات الاستواء، فهذه الآية فيها إثبات استواء الله على عرشه، وهذا أمر دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وأجمع عليه سلف الأمة، ولم ينقل عن أحد من الأمة أن الله لم يستو على عرشه، بل إن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يقول: إن الاستواء مذكور في كل كتاب من كتب الرسل، وجاء به كل رسول.
ولعظيم شأن هذه الصفة ذكرها الله في سبعة مواضع في كتابه، فلا يسوغ مع هذا التعدد والتكرار في ذكر هذه الصفة أن (استوى) بمعنى: استولى، فإن هذا من تحريف الكلم عن مواضعه.
стр. 60
شرح لمعة الاعتقاد [٤]
من أصول أهل السنة والجماعة أن الله مستو على عرشه استواءً يليق به، معلوم المعنى مجهول الكيف، عال على خلقه فوق سماواته غير مختلط بالخلق.
وأنه سبحانه يتكلم بكلام حقيقي بصوت وحرف، قديم بقدمه، متجدد بفعله، وأنه تعالى يتكلم متى شاء سبحانه وكيف شاء.
стр. 61
تابع إثبات صفتي العلو والاستواء
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد: فكان آخر ما تكلمنا عليه في هذه العقيدة هو قول المؤلف ﵀: (ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ، وقوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] ، وقول النبي ﷺ : (ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك)) ، وذكرنا أن هذا المقطع الذي ابتدأه المؤلف ﵀ بذكر هاتين الآيتين، ثم ذكر بعدها بعض الأحاديث إنما أتى به المؤلف ﵀ لتقرير عقيدة السلف فيما يتعلق بعلو الله ، فإن هذه الآيات دالة على علوه واستوائه على عرشه.
أما الاستواء فقول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ، قد ذكره الله تعالى في مواضع كثيرة من كتابه، وهو دال على استوائه على عرشه، وقلنا: إن الاستواء يفيد إثبات العلو، ولذلك يذكر دائماً مع آيات العلو في كتب الاعتقاد، ووجه ذلك: أن الاستواء علو خاص، وهذا هو الفرق بين آيات العلو وبين آيات الاستواء، فالاستواء علو خاص، وهو علو اختص الله به العرش دون غيره من المخلوقات، والعرش مخلوق عظيم خلقه الله جل وعلا، واختصه بهذه الخاصية، وهي أنه استوى عليه جل وعلا بعد أن خلقه.
والعرش في لغة العرب: سرير الملك، وهو خلق من خلق الله عظيم.
стр. 62
جواب الإمام مالك للسائل عن الاستواء
يقول ﵀ في آخر ما ذكر في هذا الفصل: [سئل الإمام مالك بن أنس ﵀، فقيل: يا أبا عبد الله! ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كيف استوى؟] : هذه القصة مشهورة عن الإمام مالك ﵀ تناقلها العلماء، فإنه سأله رجل عن قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كيف استوى؟ وكان الإمام مالك ﵀ يحذر من هذا السؤال، فسكت ﵀ سكوتاً طويلاً كما ذكر الذهبي وغيره، حتى علته الرحضاء، أي: حتى علاه العرق من شدة ما اعتراه ﵀ من غرابة هذا السؤال وعظمه، فوفق ﵀ إلى جواب مسدد فقال: (الاستواء غير مجهول) ، وفي بعض الروايات: الاستواء معلوم، والمعنى واحد، فغير المجهول هو المعلوم، أي: أن الاستواء لا يجهل في لسان العرب، فيدركه من له فهم بلغة العرب، هذا معنى قوله ﵀: الاستواء معلوم أو الاستواء غير مجهول.
ثم قال: (والكيف غير معلوم) ، أي: كيفية هذا الخبر لا سبيل إلى علمها، لأن الله جل وعلا لم يبين لنا كيفية استوائه، فليس عندنا خبر من الله جل وعلا كيف استوى، لكن عندنا منه خبر أنه استوى، فالواجب أن نقف حيث وقف النص، فنثبت استواء الله جل وعلا على عرشه دون أن نتطرق إلى ذلك بطلب الكيفية، فإن الكيفية لا سبيل إلى تحصيلها ولا إلى إدراكها، قال الله جل وعلا، ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] وهذا دليل على أن الكيفيات لا سبيل إلى تحصيلها، وأن الكيف مجهول غير معلوم.
فقوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ [آل عمران:٧] معناه: أن حقيقته وكنه خبره وما يئول إليه الخبر لا يعلمه إلا الله جل وعلا، وهذا معنى قول مالك رحمه الله تعالى: (والكيف غير معقول) أي: لا سبيل إلى عقله وإدراكه؛ لأن العلم بالكيفيات فرع عن العلم بالذات، وليس لنا علم بكيفية الذات حتى نعرف ونعلم كيف صفاته .
ثم قال ﵀: (والإيمان به واجب) أي: الإقرار المستلزم للإذعان والقبول، والذي يحصل به طمأنينة القلب وسكونه إلى خبر الله وخبر رسوله في هذه الصفة وفي غيرها واجب، فلا يسوغ لأحد أن ينكر الاستواء لكونه لم يعقل كيفيته، بل الواجب على المؤمن أن يقر بالاستواء الذي أخبر الله به عن نفسه، أما الذي يتعلق بالكيفية فأمرها إلى الله؛ لا سبيل إلى إدراكها ولا إلى العلم بها.
والإيمان به، أي: بالاستواء الذي أخبر به في كتابه واجب.
(والسؤال عنه بدعة) السؤال عن كيفية الاستواء وعن كيفية سائر الصفات بدعة، أي: محدث في الدين، وإذا كان بدعة فإن كل بدعة ضلالة كما قال النبي ﷺ : (وإياكم ومحدثات الأمور! فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة) ، فالواجب الكف عن هذا، ولو كان خيراً لسبقنا إليه سلف الأمة.
ثم أمر بالرجل فأخرج من مسجد رسول الله ﷺ لما أحدثه، وفيما ذكره الذهبي ﵀ من هذه القصة، أن الإمام مالك ﵀ قال لهذا الرجل: (وإني لأظنك ضالاً، أخرجوه) فلما أخرجوه نادى الرجل الإمام مالك ﵀ قال: يا أبا عبد الله! لقد سألت عن هذا أهل الكوفة والبصرة والعراق، فلم أجد أحداً وفق إلى ما وفقت إليه.
كأن هذا الرجل وجد جواب الشبهة التي دارت في صدره وحارت، وطلب جوابها عند علماء البصرة وعلماء الكوفة وعلماء العراق، فلما أجابه الإمام مالك ﵀ بهذا الجواب شفى ما في قلبه من شبهة، وأزال ما في قلبه من عارض، وهذا الجواب لم يكن جواباً مخترعاً من الإمام مالك ﵀، بل إنه قد نقل عن غيره من أئمة السلف، فهو منقول عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن شيخ مالك ﵀، وقد نقل عن بعض الصحابة كـ أم سلمة، فالمراد: أنه منقول عن غير واحد من سلف الأمة، وقد تلقاه علماء الأمة بالقبول، فكثير من أهل العلم يتناقل هذا القول ويحتج به، وهو قول مسدد في جواب هذه الشبهة.
стр. 63
شرح حديث الجارية وما في معناه
وأما قوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] فهذا فيه إثبات صفة العلو لله ، وقوله تعالى: ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] السماء يحتمل أحد معنيين: المعنى الأول: السقف المحفوظ، والمعنى الثاني: أنه العلو؛ لأن السماء في لغة العرب: اسم جنس للعالي، فعلى المعنى الأول، وهو أن المقصود بالسماء: السقف المحفوظ، يكون قوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] أي: من على السماء، فـ (في) بمعنى: (على) .
وعلى المعنى الثاني، وهو أن السماء اسم لجنس ما علا، تكون (في) على بابها، وليست بمعنى (على) ، على أننا نعتقد أن الله جل وعلا محيط بكل شيء، ليس فيه شيء من خلقه، ولا هو في شيء من خلقه جل وعلا، بل هو العالي الذي لا شيء فوقه، فهو سبحانه عال على كل شيء، مستوٍ على عرشه بائن عن خلقه، فليس فيه شيء من خلقه، ولا هو في شيء من خلقه، تعالى الله عما يظن الجاهلون ويقولون علواً كبيراً، وهذا الذي ذكرناه في قوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] يجري في كل ما شابه هذه الصيغة.
فقوله ﵀: (وقول النبي ﷺ : (ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك)) (.
(في السماء) فيها وجهان: الوجه الأول: أن المراد بالسماء السقف المحفوظ، والوجه الثاني: أن السماء المراد بها جنس ما علا، تقول: نزل علينا المطر من السماء، يعني: من جهة العلو؛ لأن المطر لا ينزل من السقف المحفوظ، وإنما ينزل من السحاب، كقوله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج:١٥] يعني: يمدد بحبل إلى جهة العلو، فالسماء تطلق على جنس ما علا في لغة العرب، وتطلق أيضاً على السقف المحفوظ الذي جعله الله طباقاً.
ففي كل الموارد التي يرد فيها الخبر بأن الله جل وعلا في السماء، إما أن تقول: السقف المحفوظ، فتكون (في) بمعنى (على) وإما أن تقول: جهة العلو، فتكون (في) ظرفية على بابها.
قال ﵀: (وقال للجارية: (أين الله؟ قالت: في السماء قال النبي ﷺ : أعتقها فإنها مؤمنة) ، هذا الحديث في صحيح مسلم من حديث معاوية بن الحكم في قصة ضرب جاريته، حيث سألها رسول الله ﷺ : (من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، ثم سألها: أين الله؟ قالت: في السماء، فقال له النبي ﷺ : أعتقها فإنها مؤمنة) يقول: (رواه مالك بن أنس ومسلم وغيرهما من الأئمة) .
стр. 64
حديث الأوعال
قال: [وروى أبو داود في سننه أن النبي ﷺ قال: (إن ما بين سماء إلى سماء مسيرة كذا وكذا) وذكر رسول الله ﷺ كم بين كل سماء والتي تليها، وذكر الخبر إلى قوله: (وفوق ذلك العرش والله سبحانه فوق ذلك) أي: فوق العرش، ويمكن أن يقول: والله سبحانه فوق ذلك، أي: فوق كل ما تقدم، وقوله: (والله سبحانه فوق ذلك) ، يحتمل أن يرجع إلى العرش، ويحتمل أن يرجع إلى ما عداه من السموات المذكورة.
وهذا الحديث أخرجه أبو داود وغيره من حديث العباس بن عبد المطلب ﵁، وهو مشهور عند أهل العلم بحديث الأوعال؛ لأن فيه ذكر الأوعال التي تحمل العرش، وهو حديث صحيح رواه أهل السنن أبو داود والترمذي وابن ماجة، ورواه ابن خزيمة، وقد طعن فيه بعضهم، لكن طعنهم واهٍ، فالحديث ثابت، ولا تنتفي صفة العلو بتشغيب من شغب بتضعيفه لأن الحديث والآيات مستفيضة في الدلالة على أن الله تعالى فوق كل شيء.
يقول ﵀: [فهذا وما أشبهه مما أجمع السلف ﵏ على نقله وقبوله] (هذا) أي: ما تضمنته الآيات والأحاديث المتقدمة من إثبات استوائه جل وعلا وعلوه على عرشه، وما أشبهه مما أجمع السلف على نقله وقبوله، [ولم يتعرضوا لرده، ولا تأويله، ولا تشبيهه، ولا تمثيله] بل جروا في هذه الصفة على ما جروا عليه في سائر الصفات، فهم لا يردون، ولا يكذبون، ولا يحرفون، ولا يمثلون.
واعلم أنه لا سلامة لأحد في خبر الله أو خبر رسوله ﷺ عما يتصف به الرب جل وعلا إلا بسلوك هذا السبيل، فهو أن يثبت ما أثبته الله لنفسه، أو يثبت ما أثبته له رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، فإن هذه الاحترازات الأربع، وهي نفي التحريف ونفي التعطيل، ونفي التمثيل ونفي التكييف، يسلم بها المرء من الضلالات في باب الأسماء والصفات، ولذلك كرر المؤلف ﵀ قوله: (ولم يتعرضوا لرده ولا تأويله، ولا تشبيهه ولا تمثيله) ، فإن أهل السنة والجماعة يثبتون ذلك على الوجه اللائق بالله ، وأذكر دائماً أن حظ النصوص عند أهل السنة التسليم والقبول، مع حسن الفهم كما تقدم ذلك فيما ذكرناه من قول ابن القيم في نونيته: فالجحد والإعراض والتأويل والتجهيل حظ النص عند الجاني أما حظه عندنا فهو التسليم مع حسن القبول وفهم ذي إحسان فإن هذين البيتين يختصران لك الضلالات التي وقع فيها من وقع في باب الأسماء والصفات، ويبينان لك طريق السلامة من هذه الضلالات؛ فيحسن حفظ هذين البيتين.
стр. 65
من علامات النبي ﷺ وأصحابه في الكتب المتقدمة
قال: (وفيما نقل من علامات النبي ﷺ وأصحابه في الكتب المتقدمة) ، أي: كتب الأنبياء كالتوراة والإنجيل (أنهم يسجدون في الأرض ويزعمون أن إلههم في السماء) .
وهذا وصف صادق على الأمة، فإن أهل الإسلام يسجدون في الأرض، ثم إذا سجدوا يقولون: سبحان ربي الأعلى، وبهذا فهم يزعمون أن إلههم في السماء، أي: في العلو؛ وأول ما ينقدح في القلب عند وصف الله أنه الأعلى، علوه جل وعلا بذاته في السماء.
وهذا أمر وقع فيه الخلاف بين أهل السنة وغيرهم، فإن أهل البدعة ينكرون هذا النوع من العلو ويقولون: الأعلى قدراً، والأعلى قهراً، ولا يقولون: الأعلى ذاتاً، والعلو الذي يثبته أهل السنة والجماعة لله هو العلو بأنواعه كلها، فله جل وعلا علو الذات، فهو فوق كل شيء سبحانه وبحمده.
وله علو القدر والشرف، فهو الذي له المثل الأعلى، وله الصفات العلا والأسماء الحسنى، وهو العالي على عباده قهراً كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨] .
والمتكلمون الذين ينكرون علو ذاته جل وعلا يقولون: إن قول الله جل وعلا: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] وقول الساجد: سبحان ربي الأعلى، إنما هو علو القدر والقهر، وهم في هذا باخسو الله جل وعلا علوه الذي اختص به وهو الأصل، فإن الأصل في العلو الثابت له هو علو الذات، وأما علو القدر وعلو القهر فهو من لوازم علوه جل وعلا.
فما ذكر في الكتب المتقدمة من أن هذه الأمة موصوفة بأنهم يسجدون في الأرض ويزعمون أن إلههم في السماء وصف مطابق لحال أمة الإسلام.
стр. 66
حديث النبي ﷺ مع حصين بن المنذر الخزاعي
ثم قال رحمه الله تعالى: (وقال النبي ﷺ لـ حصين) وهو حصين بن المنذر الخزاعي والد عمران بن الحصين ﵁، وكان في مكة أتاه قومه-وكان شيخاً كبيراً- وقالوا له: إن محمداً يسفه أحلامنا، ويذم آلهتنا، فأته لعله يسمع منك، فأتى النبي ﷺ ، فلما أقبل على النبي ﷺ قال النبي لأصحابه: (أوسعوا للشيخ) -لكبر سنه-فقال له ما قال ينكر على النبي ﷺ تسفيه آلهتهم، فقال له رسول الله ﷺ : (يا حصين! كم إلهاً تعبد؟ قال: سبعة، ستة في الأرض وواحداً في السماء، فقال له النبي ﷺ : من لرغبتك ورهبتك؟) يعني: من لما تحب وترغب؟ ومن لما تخاف وترهب؟ ومن الذي تدخره لمطالبك ومطامعك وآمالك فتسأله؟ قال حصين: (الذي في السماء) يعني: الله ، فـ حصين في هذه الحال كافر؛ لأنه أخبر بأنه يعبد سبعة، ولا يكون هذا من مسلم، ومع ذلك يعتقد أن الله في السماء، وهذا دليل من الأدلة التي تضاف إلى ما ذكره شيخ الإسلام وغيره من أن إثبات العلو لا يختص أهل الإسلام بل يقر به كل إنسان من مسلم أو كافر، قال: (فاترك الستة واعبد الذي في السماء) أي: لا تتوجه إليهم بعبادة ولا رغبة، (واعبد الذي في السماء) ، أي: أخلص عبادتك لله الذي في السماء.
(وأنا أعلمك دعوتين -وفي رواية-: كلمتين، فأسلم) ، ظاهر هذا السياق أنه أسلم في الحال، والذي يظهر من الروايات الأخرى أنه أسلم بعد حين، ثم أتى النبي ﷺ فقال: (أوفني ما وعدتني، علمني الكلمتن) ، فعلمه رسول الله ﷺ كلمتين جامعتين تجمع للإنسان خير الدنيا والآخرة: (اللهم ألهمني رشدي، وقني شر نفسي) وفي رواية: (وأعذني من شر نفسي) ومن وفق إلى الرشد وإلى الوقاية من شر النفس فقد جمع الله له الخير؛ لأن الوقاية والرشد تحصل بها الهداية، فإن من ألهم رشده، أي: أعطي الهداية ووفق إليها، ووقي شر نفسه، فقد كمل له العلم النافع والعمل الصالح، فهو سأل الله ما يعين على الهداية واجتناب ما يمنع منها.
لأن الذي يحصل به الضلال وعدم الاستقامة أمران: الجهل، وهذا يتوقاه بقوله: اللهم ألهمني رشدي، واتباع الهوى، وهذا يتوقاه بقوله: وقني شر نفسي، فإن الإنسان قد يكون عالماً بالحق لكن يحول بينه وبين اتباعه والأخذ به نفسه واتباع شهواته، فإذا وقي هذا ووفق إلى ذلك فقد كمل له الخير، وهذا الحديث رواه الترمذي وقال: غريب، وقد حسنه جماعة من العلماء، وهو من رواية الحسن بن أبي الحسن البصري عن عمران ﵁.
стр. 67
إثبات صفة الكلام لله تعالى بالأدلة
قال الإمام الموفق ابن قدامة رحمه الله تعالى: [فصل: ومن صفات الله تعالى أنه متكلم بكلام قديم يسمعه منه من شاء من خلقه، سمعه موسى ﵇ منه من غير واسطة، وسمعه جبريل ﵇، ومن أذن له من ملائكته ورسله، وأنه سبحانه يكلم المؤمنين في الآخرة ويكلمونه، ويأذن لهم فيزورنه.
قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ [النساء:١٦٤] وقال سبحانه: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف:١٤٤] ، وقال سبحانه: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٥٣] وقال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى:٥١] وقال سبحانه: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى﴾ [طه:١١] * ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ [طه:١٢] وقال سبحانه: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه:١٤] ، وغير جائز أن يقول هذا أحد غير الله.
وقال عبد الله بن مسعود ﵁: (إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء، روي ذلك عن النبي ﷺ وروى عبد الله بن أنيس عن النبي ﷺ أنه قال: (يحشر الله الخلائق يوم القيامة عراة حفاة غرلاً بهماً، فيناديهم بصوت يسمعه من بعُد كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان) رواه الأئمة، واستشهد به البخاري.
وفي بعض الآثار أن موسى ﵇ ليلة رأى النار، فهالته، ففزع منها، فناداه ربه: يا موسى! فأجاب سريعاً استئناساً بالصوت، فقال: لبيك لبيك! أسمع صوتك ولا أرى مكانك فأين أنت؟ فقال: أنا فوقك، وأمامك، وعن يمينك، وعن شمالك، فعلم أن هذه الصفة لا تنبغي إلا لله تعالى، قال: كذلك أنت يا إلهي، أفكلامك أسمع أم كلام رسولك؟ قال: بل كلامي يا موسى] .
هذا الفصل خصه المؤلف ﵀ بذكر صفة جليلة من صفات الرب جل وعلا وهي صفة الكلام، والله سبحانه موصوف بالكلام أزلاً وأبداً، فالكلام صفة من صفات الذات، وهي صفة من صفات الفعل باعتبار الآحاد والأفراد، أما باعتبار الأصل فالكلام من الصفات الذاتية.
стр. 68
نداء الله ومناجاته لموسى بحرف وصوت
يقول ﵀: (وقال سبحانه: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى﴾ [طه:١١] * ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّك﴾ [طه:١٢] ) .
(فلما أتاها) أي: أتى الشجرة، (نودي يا موسى) أي: ناداه الله جل وعلا، فالمنادي هو الله جل وعلا، ودليل ذلك ما ذكره المؤلف وهو قوله سبحانه: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه:١٤] ، ولا يسوغ أن يصدر هذا من غير الله جل وعلا، فلا يسوغ أن يصدر من مخلوق كما تقول المعتزلة؛ لأن المخلوق لا يمكن أن يقول لموسى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه:١٤] ، فهذا الكلام لا يجوز أن يصدر إلا من الرب جل وعلا.
ويقول ﵀: (وغير جائز أن يقول هذا أحد غير الله جل وعلا) ؛ لأنه لا يجوز أن يوصف بهذا إلا الله المتكلم بذلك، فلا يجوز أن يكون من خلق خلقه، ولا يجوز أن يكون من الشجرة، ولا من ملك، إنما هو من الله جل وعلا.
فموسى ﵇ اختصه الله جل وعلا بالتكليم، نداءً ونجاءً، والله جل وعلا قد أخبر في عشرة مواضع في كتابه بأنه ينادي، والنداء في لغة العرب: الكلام بصوت عال، فدل ذلك على أن كلام الله بحرف وصوت؛ لأنه لا يمكن أن يكون الكلام نداء إلا إذا كان بصوت، ولذلك ميز الله جل علا في كلامه لموسى بين نوعين من الكلام، بين النداء الذي يدعى به البعيد، ويسمع بصوت عال، وبين النجاء الذي يكون بين المتقاربين الذي لا يحتاج معه إلى رفع الصوت، قال الله : ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾ [مريم:٥٢] فجمع الله لموسى بين النداء وهو الصوت العالي، وبين النجاء وهو الكلام بصوت خفي، فدل ذلك على أن كلام الله جل وعلا بصوت.
وفي قوله جل وعلا: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ [النساء:١٦٤] ذكرنا وجهاً من أوجه التحريف المعنوي، قالوا: (كلم) معناها: جرح، هذا نجعله من أمثلة التحريف المعنوي، وهذه الآية يجتمع فيها أيضاً نوع آخر من أنواع التحريف سلكه بعضهم وهو التحريف اللفظي، حيث نصبوا لفظ الجلالة في قوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] فجعلوا موسى هو المتكلِّم، هكذا طلب أحد أئمة البدع من بعض القراء أن يقرأ الآية، قال له: اقرأ: (وكلم اللهَ موسى تكليماً) ، فأجابه بقوله: إن أجبتك في هذه فكيف تصنع في قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣] يعني: لا سبيل إلى إلغاء تلك القراءة؛ لأنه واضح في تلك القراءة أن الكلام مضاف إلى الله جل وعلا، فهذه الآية حاول بعضهم أن يحرفها تحريفاً لفظياً لكنه عجز.
قال ﵀ بعد ذلك: (قال عبد الله بن مسعود ﵁: (إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء) ، روي ذلك عن النبي ﷺ ، وفي الصحيحين: (إذا تكلم الله في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله، كأنه سلسلة على صفوان ينفذهم) والضمير في (كأنه) يعود إلى كلام الله ، فـ (كأنه سلسلة) أي: أن صوت الله كالسلسلة على الصفوان، والسلسلة: الحديدة التي يربط بعضها بعضاً بحلق صغيرة، أي: كضرب سلسلة على صفوان، والصفوان هو الحجر، أي: يصدر صوت عظيم ينفذهم من جراء تكلم الرب جل وعلا.
ثم قال ﵀: (وروى عبد الله بن أنيس عن الرسول ﷺ أنه قال: (يحشر الله الخلائق يوم القيامة عراة حفاة غرلاً، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان) ، يحشر، أي: يجمع الخلائق يوم القيامة، والخلائق: بني آدم والجن وسائر ما خلقه الله جل وعلا، فكل ما له روح يبعثه الله يوم القيامة، كما قال الله جل وعلا في ذكر الحشر: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير:٥] فالوحوش تحشر يوم القيامة، والوحوش هي كل حيوان متوحش، فإذا كانت الحيوانات المتوحشة التي تفر وتهرب من غيرها تحشر، فما بالك بالحيوانات التي تألف الناس وتكون بينهم! فإن حشرها أيسر، وإنما ذكر الوحوش لأنها في الغالب تهرب ممن يريدها ويطلبها، فهي لا تتمكن يوم القيامة من الهرب من الله جل وعلا، بل يأتي بها الله جل وعلا محشورة، وكما قال تعالى في قوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام:٣٨] أي: كل هؤلاء يحشرون إلى الله ، فكل ما يدب على الأرض ويطير في السماء فإنه يحشر إلى الله جل وعلا، هذا معنى قول النبي ﷺ : (يحشر الله الخلائق يوم القيامة) ، لكن هنا ذكر صفة حشر بني آدم لأنهم هم المقصودون الأولون بحشر يوم القيامة؛ لأن الجزاء والحساب يطغو عليهم قبل غيرهم، وما يكون من جزاء وحساب لغيرهم فهو تابع لهم.
قوله: (حفاة عراة غرلا) أي: مجردين من كل لباس، (حفاة) : أي: ليس معهم ما يقيهم حر وأهوال ذلك اليوم، (غرلاً) : أي: قد كمل خلقهم، فما فرط الله من خلقهم في شيء، بل يأتون غرلاً، أي: غير مختونين كما خلقهم الله جل وعلا: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٤] .
(فيناديهم الله جل وعلا بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب) أي: يسمعه كل أحد، قوله: (أنا الملك أنا الديان) : هذا فيه فائدة، وهي أن الناس في حشرهم متفاوتون في المكان على اتساع المكان، فهم منتشرون فيه، فيهم البعيد وفيهم القريب، يسمعهم الله جل وعلا، يقول: أنا الملك أنا الديان، وهذا لا يكون إلا من الله جل وعلا.
(أنا الملك) : فلا ملك غيره جل وعلا في ذلك اليوم، كما قال تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] ، بل كل ملك يسقط فلا يبقى إلا ملك الله جل وعلا، مع أنه مالك الدنيا والآخرة، ولكن يظهر ملكه في ذلك اليوم؛ لأنه لا منازع له فيه سبحانه وبحمده.
(أنا الديان) : أي: أنا الذي أحاسبكم، فالديان فعال من المحاسب، أي: كثير الحساب، فهو يحاسبهم جل وعلا حساباً سريعاً يقضي به الحقوق، ويجزي به على الأعمال.
يقول ﵀: (رواه الأئمة واستشهد به البخاري) ، والشاهد في هذا الحديث قوله: (يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان) ، وهذا فيه فائدة، وهي أن كلام الله جل وعلا بصوت، فإن الله جل وعلا أخبر بأن النداء بصوت، وإنما ذكر الصوت هنا تأكيداً، وإلا فالنداء لا يكون إلا بصوت رفيع كما ذكرنا عن لسان العرب.
ثم ذكر بعد ذلك: قال: (وفي بعض الآثار أن موسى ﵇ ليلة رأى النار) إلى آخر ما ذكر.
والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 69
أنواع الوحي وكلام الله لبعض الرسل
ثم قال ﵀: وقال الله : ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى:٥١] ، فذكر الله في هذه الآية مراتب الوحي، وجعلها ثلاث مراتب.
المرتبة الأولى: الإلهام.
المرتبة الثانية: التكليم المباشر.
المرتبة الثالثة: التكليم بواسطة، فقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً﴾ [الشورى:٥١] هذه هي المرتبة الأولى، وقوله: ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى:٥١] هذه المرتبة الثانية، وهي التي حصلت لموسى ﵇، وقوله: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى:٥١] وهذه المرتبة الثالثة والتي يشترك فيها جميع الرسل.
فالآية دالة على أن الله جل وعلا يتكلم وأن كلامه جل وعلا أنواع، وهذه الآية احتج بها أهل البدعة على أن كلام الله معنى، ولا يلزم أن يكون كلام الله باللفظ، حيث قالوا: إنكم تقولون: إن من مراتب التكليم: الوحي؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً﴾ [الشورى:٥١] أي: إلهاماً، والإلهام إعلام سريع على وجه الخفاء؛ لأن الوحي في لغة العرب هو الإعلام السريع الخفي، وهذا لا يختص الرسل، بل يكون لكل من شاء الله أن يلهمه، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتاً﴾ [النحل:٦٨] ، فأخبر بإيحائه إلى النحل، ومنه قول الله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ [القصص:٧] ، مع أنها ليست بنبية ولا رسولة، فهذا الوحي هو الإلهام، لكن هل هذا كلام؟
الجواب
ليس بكلام عند الإطلاق، إنما الكلام في لغة العرب عند الإطلاق لابد فيه من ألفاظ، يقول ابن مالك: كلامنا لفظ مفيد كاستقم فالكلام لا يصح أن يوصف بأنه كلام عند الإطلاق إلا إذا توفر فيه وصفان: الوصف الأول: اللفظ، الوصف الثاني: إفادة المعنى، ولذلك يقول: كلامنا-أي: كلام العرب-لفظ مفيد فاستقم فلابد أن يكون لفظاً، ولابد أن يكون مفيداً لمعنى، وإلا فلا يوصف بأنه كلام، والمراد: أن احتجاجهم بهذه الآية ليس في محله؛ لأن الله جل وعلا لم يذكر أقسام الكلام عند الإطلاق، وإنما ذكر أقسام الوحي.
ومن الوحي ما يكون إلهاماً، وهذا لا إشكال فيه، لكنه لا يسمى كلاماً، وإنما الكلام ما تلفظ به صاحبه.
стр. 70
كلام الله قديم لا أول له متجدد حسب فعله سبحانه
والكلام الذي يثبته أهل السنة والجماعة لله كلام قديم، بمعنى أنه كلام لا أول له، فليس الكلام صفة حادثة بعد أن لم تكن، وهذا معنى كلام المؤلف ﵀: إنه متكلم بكلام قديم.
لكن هل هذا الكلام حادث الأنواع، أي: متجدد، أم أنه كلام تكلم به ثم فرغ منه؟
الجواب
أنه كلام متجدد، ولذلك فهو بهذا الاعتبار من صفات الأفعال، فلما نادى الله آدم وحواء بعدما وقع منهما ما وقع من المخالفة، فهو نداء حادث في وقته وليس نداء متقدماً في الأزل.
ولما أنزل الله القرآن على رسوله، فإنه تكلم به وقت نزوله، فالله جل وعلا يتكلم بكلامه متى شاء وكيف شاء، ولكن هذه الصفة لم يزل متصفاً بها، أي: أن الكلام ليس حادثاً بعد أن لم يكن، هذا معنى قول المؤلف ﵀: (أنه متكلم بكلام قديم) .
قال ﵀: (يسمعه منه) ، أي: يسمع كلامه منه جل وعلا لا من غيره، (من شاء من خلقه) ، وهذا السماع سماع مباشرة لا بواسطة؛ ولذلك قال: (سمعه موسى ﵇ منه) ، أي: من الله جل وعلا (من غير واسطة) ، فلم يكن بين الله وموسى ﵇ واسطة في سماع الكلام، بل سمعه مباشرة، وهذا لا يختص بموسى ﵇ من كل وجه، أعني أن أصل سماع الكلام مباشرة ليس خاصاً بموسى، بل كلم الله رسوله ﷺ مباشرة في ليلة الإسراء، بل كلم بعض أفراد هذه الأمة بعد موته كما في حديث جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال له: (إن الله جل وعلا قد كلم أباك كفاحاً) أي: من غير واسطة، وذلك بعد استشهاده ﵁ في غزوة أحد.
وأما في الآخرة فإنه يكلم كل أحد كما قال النبي ﷺ في الحديث الذي في الصحيحين: (ما منكم من أحد إلا وسيكلمه الله يوم القيامة ليس بينه وبينه ترجمان) ، والترجمان: هو المفسر الذي يكشف عن معنى الكلام، بل سيكلمه مباشرة بدون واسطة، لكن ما جرى لموسى ﵇ من الكلام في رسالته أمر زائد على ما جرى للأنبياء، ولذلك يوصف موسى ﵇ بأنه كليم الرحمن، ولما يأتي الناس -كما في حديث أبي سعيد وغيره- في المحشر إلى موسى يقولون له: أنت الذي كلمك الله، وخط لك التوراة بيده.
فذكروا ما اختص به دون غيره، وإذا نظرت إلى ذكر الله للرسل، تجد أن ما اختص الله به موسى مخالف لهم جميعاً، انظر إلى قول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء:١٦٣] وهذا خطاب للنبي ﷺ : ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء:١٦٣] ثم ذكر الرسل: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً * وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء:١٦٣-١٦٤] ثم ذكر موسى مفرداً فقال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ [النساء:١٦٤] ، فدل هذا على أن نصيب موسى من تكليم الله له مخالف لما تقدم حتى للنبي ﷺ ، فإن ما اختص الله به موسى من صفة التكليم مخالف لغيره، فدل ذلك على أن نصيب موسى من هذه الصفة لست لغيره من الرسل.
ولذلك قال المؤلف ﵀: (سمعه موسى ﵇ منه من غير واسطة) ، ولم يذكر النبي ﷺ ؛ لأن نصيب موسى في هذه الفضيلة وفي هذه الصفة لم يشاركه فيها أحد، ودليل ذلك من القرآن واضح في آيات النساء: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء:١٦٣] وذكر جملة من الأنبياء، ثم بعد ذلك قال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ [النساء:١٦٤] ولم يقل فقط: (وكلم الله موسى) ، بل أكد ذلك بقوله: (تكليماً) فدل ذلك على أن حظه ونصيبه من التكليم الذي جرى له ﵇ مخالف للرسل، وهذا هو السبب في كونه ﵇ يوصف بأنه كليم الرحمن، وأن الناس يقولون له يوم المحشر: أنت الذي كتب الله لك التوراة بيده، وكلمك بنفسه.
стр. 71
كلام الله عام لجميع الناس يوم القيامة
يقول ﵀: (وسمعه جبريل ﵇ أي: تلقاه جبريل عن الله جل وعلا، قال: (ومن أذن له من ملائكته ورسله) ، أي: يسمع كلام الله من يأذن الله له أن يسمع كلامه من ملائكته ورسله.
(وأنه سبحانه يكلم المؤمنين في الآخرة ويكلمونه) ، في الآخرة يحتمل أنه في الجنة، ويحتمل أنه في الموقف، ولكن المراد: أنه يكلمهم في الجنة، وخص المؤمنين بالتكليم مع أن ظاهر الحديث: أنه يكلم أهل الإيمان وغيرهم؛ لأن تكليمه لأهل الإيمان أعلى ما يكون من الكلام، أما تكليمه لأهل الكفر فإنه تكليم تقريع وتوبيخ وتعذيب، وليس تكليم إكرام ومنة.
وتكليمه لأهل الكفر لا إشكال فيه، دل عليه قوله ﷺ : (ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه) ، والخطاب هنا ليس خاصاً بالصحابة، بل يعم كل أحد، ويدل له ما رواه الإمام مسلم من حديث أبي هريرة، وفيه: (إن الله يخلو بعبده الكافر، فيقول: ألم أسودك؟ ألم أربعك؟ ألم أجعلك ترأس؟ فيقول: بلى يا رب، فيقول: أكنت تظن أنك ملاقي؟ فيقول الرجل: لا، فيقول الله : اليوم أنساك كما نسيتني) وهذا لا يمكن أن يكون من مسلم، ولا يكون إلا من كافر.
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى في ذكر الآيات الدالة على إثبات هذه الصفة للرب جل وعلا: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ [النساء:١٦٤] وذكرنا أن هذه الآية من أصرح الآيات في إثبات صفة الكلام لله جل وعلا،؛ لأن الله أكد كلامه بالمصدر في قوله: (تكليماً) ، والعجيب أن المحرفين قالوا: إن هذه الآية تدل على أن موسى لم يحصل له من الفضل أكثر من غيره، وإنما معنى الكلام هنا: الجرح، كقول النبي ﷺ : (الله أعلم بمن يكلم في سبيله) ، أي: يجرح، فقالوا: معنى ((وكلم الله موسى تكليما)) ، أي: جرحه بأظافير الحكمة، هكذا حرفوا الكلم عن مواضعه، مع أن المقام مقام بيان وتشريف؛ لأن الله ابتدأ الكلام بقوله: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء:١٦٣] ، ثم إنه ذكر تكليمه جل وعلا لموسى وأكد ذلك بالمصدر، ومع ذلك حرفوا الكلم عن مواضعه وقالوا: إن المراد هنا بالتكليم التجريح، وهذا لاشك أنه يدخل فيما ذكره الله تعالى من تحريف الكلم عن مواضعه.
وقال سبحانه: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف:١٤٤] ، وهذا دليل على أن الله كلم موسى، وأنه اختصه بشيء من الكلام لا يشاركه فيه أحد من الناس.
ولكن هل هذا يدل على أن موسى ﵇ أفضل من نبينا ﵊؟
الجواب
لا، لأن الاختصاص بفضيلة خاصة لا يلزم منه الفضل من كل وجه، وهذه قاعدة مطردة في كل ما ورد من الفضائل، فسيدنا موسى ﵇ فضل على نبينا ﷺ في هذا، لكن النبي ﷺ أفضل منه من حيث العموم، بما خصه الله به وحباه به من الفضائل.
﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف:١٤٤] ، وقال سبحانه: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٥٣] ، فدل ذلك أن تكليم الله لموسى ليس خاصاً بموسى، بل من الرسل من كلم الله .
стр. 72
كلام الله وعلاقته بجميع الرسل
يقول ﵀: (ومن صفات الله تعالى أنه متكلم بكلام قديم) : المقصود بالقديم: الأول الذي ليس قبله شيء، فكلامه ليس صفة حادثة بعد أن لم يكن، بل كلامه جل وعلا من صفاته الذاتية التي لم يزل متصفاً بها ولا يزال متصفاً بها، وقد اتفق على إثبات هذه الصفة لله جل وعلا أهل السنة والجماعة، أئمة هذا الدين من الصحابة فمن بعدهم، فلا خلاف بينهم في إثبات هذه الصفة.
بل هذه الصفة دل عليها كتاب الله جل وعلا وسنة رسوله ﷺ ، فلا مجال لإنكارها، بل إن إنكار هذه الصفة يفضي إلى إنكار الصفات من أصلها، ولذلك فالذين ينكرون أن يرسل الله رسولاً إما أن ينكروا أن الله يكلم أحداً، وإما أن ينكروا أن الله ينزل على رسوله كتاباً كما قال الله : ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾ [يونس:٢] ، فجعل الله سبب تعجب الكفار أن يوحي إلى رجل منهم؛ ولذلك قال القائل منهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥] ، فأنكر أن يكون القرآن كلام الله جل وعلا.
فالإنكار لمسألة تكلم الله وصفة الكلام له جل وعلا من أخطر ما يكون؛ لكونه يوافق قول المكذبين للرسل، فيلغي الرسالة، ويلغي أن يكون الله جل وعلا قد أرسل رسلاً مبشرين ومنذرين، وأنه أوحى إليهم، وأرسل إليهم.
فهذه المسألة من أخطر ما يكون، ولذلك اتفق الرسل جميعاً على إثبات هذه الصفة، فكل الرسل أخبروا أقوامهم بأن الله أوحى إليهم، وأنه كلمهم، وأنه بعثهم وأرسلهم، فإثبات صفة الكلام مما أجمعت عليه الكتب السماوية كلها، فمن أنكر هذه الصفة فقد أنكر ما اتفق عليه الرسل جميعاً.
стр. 73
شرح لمعة الاعتقاد [٥]
صفة الكلام من الصفات التي أجمع سلف الأمة على إثباتها للمولى كما يليق بجلاله، من دون تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل ومن كلام الله سبحانه القرآن العظيم، فهو صفة من صفاته غير مخلوق، وقد أضافه المولى إلى نفسه، ولا يضاف الكلام إلا إلى من قاله مبتدئاً.
والقرآن مكون من سور وآيات، وأجزاء وأبعاض، ومنه محكم ومتشابه، وعام وخاص وناسخ ومنسوخ.
стр. 74
إنكار صفة الكلام لله تعالى يؤدي إلى إنكار الرسالة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول الإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى: [وروى عبد الله بن أنيس، عن النبي ﷺ أن الله قال: (يحشر الله الخلائق يوم القيامة عراة حفاة غرلاً بهماً، فيناديهم بصوت يسمعه من بَعُد كما يسمعه من قُرُب: أنا الملك أنا الديان) ، رواه الأئمة، واستشهد به البخاري.
وفي بعض الآثار: (أن موسى ﵇ ليلة رأى النار؛ فهالته ففزع منها، فناداه ربه: يا موسى! فأجاب سريعاً استئناساً بالصوت، فقال: لبيك لبيك، أسمع صوتك ولا أرى مكانك، فأين أنت؟ فقال: أنا فوقك وأمامك، وعن يمينك وعن شمالك) ؛ فعلم أن هذه الصفة لا تنبغي إلا لله تعالى.
(قال: كذلك أنت يا إلهي، أفكلامك أسمع أم كلام رسولك؟ قال: بل كلامي يا موسى) ] .
هذا تتمة للفصل الذي بدأنا فيه، والذي جعله المؤلف ﵀ لتقرير عقيدة أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بصفة الكلام لله ، وإثباتهم صفة الكلام لله جل وعلا على ما يليق بجلاله وكماله، وذكرنا أن صفة الكلام صفة ثابتة له بالكتاب والسنة وبإجماع سلف الأمة؛ فإن الأمة أجمعت على إثبات هذه الصفة للرب جل وعلا، بل إن الكتب كلها تثبت هذه الصفة، والرسل جميعهم جاءوا مخبرين بأن الله أوحى إليهم وكلمهم، وأنه بعثهم إلى الناس، وأنزل عليهم كتباً تكلم بها، فهذه الصفة ثابتة أجمع عليها أهل الإيمان والإسلام على مَرِّ العصور.
ومن أنكر صفة الكلام فقد شابه أهل الكفر؛ وذلك أن الكفار أنكروا إرسال الله الرسل، وسلكوا في ذلك طريقين: الأول: تكذيب أن يكلم الله جل وعلا أحداً من رسله.
الثاني: أنهم قالوا: ﴿مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٩١] ، فسلكوا في تكذيب رسالات الرسل هذين المسلكين: إما تكذيب أن يبعث الله إلى الناس رسولاً: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾ [يونس:٢] ، ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ﴾ [الأعراف:٦٣] ، ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٩١] ؛ فهذه مسالكهم في إبطال الرسالة؛ ولذا قال العلماء: إن حقيقة إنكار صفة الكلام التطرق والتوصل إلى إنكار بعث الله للرسل.
وتقدم لنا أن الله جل وعلا كلم موسى ﵇، وأن ما خص الله به موسى من الكلام فارق به سائر الأنبياء والرسل، كما قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ [النساء:١٦٤] ، وكما قال جل وعلا في خطابه لموسى: (يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف:١٤٤] .
ثم قال المؤلف ﵀ في الاستدلال على هذه الصفة: وروى عبد الله بن أنيس، عن النبي ﷺ أن الله قال: (يحشر الله الخلائق يوم القيامة) ، وذكر صفة حشر بني آدم، فذكر أربعة أوصاف: (عراة حفاة غرلاً بهماً) ، واللفظ الذي في الصحيح ذكر الأوصاف الثلاثة الأولى: (حفاة، عراة، غرلاً) ، وأما الصفة الرابعة: (بهماً) ، فقد جاءت في مسند الإمام أحمد من حديث عبد الله بن أنيس الذي ذكره المؤلف ﵀.
قالوا: (يا رسول الله! وما بهماً؟ قال: ليس معهم شيء) .
قال: (فيناديهم بصوت) ؛ وهذا هو محل الشاهد في الحديث، (يسمعه من بَعُد كما يسمعه من قَرُب: أنا الملك أنا الديان) ، وهذا الحديث رواه جابر بن عبد الله ﵁ عن عبد الله بن أنيس، وهو الحديث الذي رحل جابر في طلبه من المدينة إلى الشام، لما بلغه أن رجلاً من أصحاب النبي ﷺ يحدث عن فصل القضاء والحكم بين الناس، فاشترى بعيراً؛ فشد عليه رحله، ثم رحل إلى الشام، فطرق الباب على عبد الله بن أنيس، فقال: إنه قد بلغني أنك تحدث حديثاً عن رسول الله ﷺ لم أسمعه، فخشيت أن تموت أو أموت قبلك قبل أن أسمعه، فأخذه منه ﵁، وفيه ما ساقه المؤلف من حشر الخلائق.
قال المؤلف: (رواه الأئمة، واستشهد به البخاري) .
وأصل الحديث في الصحيحين من حيث ثبوت صفة الحشر، ونداء الله للخلائق يوم المحشر في صحيح الإمام مسلم.
ثم قال ﵀: (وفي بعض الآثار) ، أي: عن الأنبياء المتقدمين: (أن موسى ليلة رأى النار) ، هذا الأثر رواه ابن أبي عاصم في كتاب الزهد بسنده إلى وهب بن منبه، ووهب بن منبه من الرواة الذين أكثروا النقل عن بني إسرائيل، قال الذهبي ﵀ في ترجمته: له غزارة علم في الإسرائيليات وصحائف أهل الكتاب.
يعني أن غالب ما عنده من العلم هو من الإسرائيليات وصحائف أهل الكتاب، وهذا من ذلك والله أعلم، وهو يروي عن ابن عباس، وأبي هريرة.
وهذا الأثر من روايته عن أهل الكتاب في الإسرائيليات أو من صحائف أهل الكتاب، يقول فيه: (إن موسى ليلة رأى النار هالته ففزع منها، فناداه ربه: يا موسى! فأجاب سريعاً استئناساً بالصوت، فقال: لبيك لبيك) ، أي: أجيبك إجابة بعد إجابة.
(أسمع صوتك، ولا أرى مكانك، فأين أنت؟) ، وهذا فيه أنه سأل عن الله (بأين) التي هي أعظم الكبائر عند أهل الكلام؛ مع أن النبي ﷺ سأل الجارية، فقال لها: (أين الله؟ وموسى في هذا الأثر الإسرائيلي قال: أين أنت؟ قال: أنا فوقك، وأمامك، وعن يمينك، وعن شمالك) ، وهذا ليس فيه أن الله مخالط للخلق بل هذا لا ينافي ما تقدم مما نعتقده ودل عليه الكتاب والسنة وأجمع عليه سلف الأمة: أن الله جل وعلا بائن من خلقه، ليس فيه شيء من خلقه ولا هو في شيء من خلقه، بل هو العلي جل وعلا مستوٍ على عرشه بائن من خلقه، والإحاطة المذكورة هنا إنما هي إحاطة العلم والقرب، وليست إحاطة المخالطة والممازجة؛ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
(فعلم أن هذه الصفة لا تنبغي إلا لله.
قال: (كذلك أنت يا إلهي) ، يعني: هكذا صفة الإله، (أفكلامك أسمع) يعني: هذا الكلام الذي أسمع، وهو النداء: يا موسى، (أكلامك أسمع أم كلام رسولك؟ قال: بل كلامي يا موسى) ، ولا شك أن الكلام الذي سمعه موسى ﵇ في تلك الليلة هو كلام رب العالمين؛ لا يماري في ذلك صاحب عقل سليم، وصاحب قلب من الشبه سليم؛ لأن الله جل وعلا قال في تلك الليلة: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه:١٢] ، وقال: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه:١٤] ، ولا يمكن أن يكون هذا صادراً عن غير الله جل وعلا؛ لأنه لا يجوز لمخلوق من خلق الله أن يقول: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه:١٤] ، فعلم بهذا أن الكلام الذي سمعه موسى ﵇ هو كلام رب العالمين، وهذا واضح جلي يدركه كل أحد يطلع على كلام الله ، ويقرأ ما جاء في شأن هذه القصة من كلام الله ، وما جاء في السنة النبوية من ذلك؛ لكن هؤلاء لما انحرفت قلوبهم وانصرفت عن الحق شبهوا فشبه عليهم، وخلطوا فاختلط عليهم الأمر، فكانوا كما قال الله : ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [البقرة:١٧٦] ، أي: لفي اختلاف ونزاع وتفرق واضطراب، كما قال الله جل وعلا: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق:٥] ، أي: في أمر مضطرب مختلط فاسد، هكذا هي حال كل من خالف الكتاب، أو أعرض عنه، أو لم يقبل ما جاء فيه.
стр. 75
القرآن الكريم .
سماته والرد على المخالفين فيها
قال المؤلف ﵀: [فصل: ومن كلام الله سبحانه: القرآن العظيم، وهو كتاب الله المبين، وحبله المتين، وصراطه المستقيم، وتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين؛ بلسان عربي مبين، منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود.
وهو سور محكمات وآيات بينات، وحروف وكلمات] .
следующие страницы →