Полный текст (265 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
أصحاب النبي ﷺ والمفاضلة بينهم
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين.
والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [وأصحابه خير أصحاب الأنبياء ﵈، وأفضل أمته أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى ﵃ أجمعين؛ لما روى عبد الله بن عمر ﵄ قال: (كنا نقول والنبي ﷺ حي: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، فيبلغ ذلك النبي ﷺ فلا ينكره) .
وصحت الرواية عن علي ﵁ أنه قال: (خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، ولو شئت سميت الثالث) .
وروى أبو الدرداء: عن النبي ﷺ أنه قال: (ما طلعت الشمس ولا غربت بعد النبيين والمرسلين على أفضل من أبي بكر) ، وهو أحق خلق الله بالخلافة بعد النبي ﷺ لفضله وسابقته، وتقديم النبي ﷺ له في الصلاة على جميع الصحابة ﵃، وإجماع الصحابة ﵃ على تقديمه ومبايعته، ولم يكن الله ليجمعهم على ضلالة.
ثم من بعده عمر الفاروق ﵁ لفضله وعهد أبي بكر إليه، ثم عثمان ﵁ لتقديم أهل الشورى له، ثم علي ﵁ لفضله وإجماع أهل عصره عليه] .
стр. 212
أصحاب محمد ﷺ هم خير الصحاب الأنبياء
ذكر المؤلف ﵀ في هذا الفصل ما يتعلق بصحابة رسول الله ﷺ بعد أن ذكر فضائل النبي ﷺ وفضائل أمته، فذكر ما خص الله به أصحاب النبي ﷺ من عظيم المنزلة ورفيع المكانة، قال ﵀: (وأصحابه) أي: أصحاب النبي ﷺ (خير أصحاب الأنبياء ﵈ وهذا قد أجمعت عليه الأمة، ودل عليه قول الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] ، وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة:١٤٣] فشهادة هذه الأمة على غيرها من الأمم دليل على خيريتها.
وخير هذه الأمة هم أصحاب النبي ﷺ ؛ لما جاء في البخاري وغيره أن النبي ﷺ قال: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) كما في حديث عمران بن حصين وغيره.
هذا الحديث يدل على أن أفضل الأمة بعد نبيها ﷺ هم أصحاب النبي ﷺ ، فهم في الجملة أفضل الأمة، وهم أفضل الناس بعد الأنبياء كما ذكر المؤلف ﵀.
стр. 213
المفاضلة الخاصة بين الصحابة دون التنقص لأحد
هذا الفضل العام في جيل الصحابة ﵃ يشملهم جميعاً، ثم هم بعد هذا الفضل العام يتمايزون في الفضل على درجات متفاوتة، أعلاهم وأرفعهم منزلة وأعظمهم فضلاً أبو بكر ﵁، ولذلك قال المؤلف ﵀: (وأفضل أمته أبو بكر الصديق) فأفضل الأمة بعد نبيها ﷺ أبو بكر الصديق عليه رضوان الله؛ وذلك أن أبا بكر له من الخصائص والفضائل والمزايا ما لا يشركه فيه غيره من أمة النبي ﷺ ، بل اختص بها وهي أعلى الفضائل الخاصة.
ثم وصفه ﵁ بـ الصديق؛ لكونه الذي صدق النبي ﷺ ، كما جاء ذلك في قوله ﷺ لما وقع ما وقع بين أبي بكر وعمر من المخاصمة، قال: (لقد جئتكم فقلتم: كذبت.
وقال أبو بكر: صدقت) فشهد له النبي ﷺ بالتصديق، فهو صديق هذه الأمة وهو الصديق الأكبر ﵁.
ثم عمر الفاروق ويصدق عليه أنه صديق، فقد صدق النبي ﷺ أعظم تصديق، لكنه اختص بهذا الوصف؛ لأن الله فرق به بين الحق والباطل، فـ عمر ﵁ معه من القوة ورباطة الجأش وعظيم العزيمة ما حقق الله على يديه الفرق بين الحق والباطل.
ثم عثمان ذو النورين، أي: صاحب النورين ﵁، والنواران هما بنتا النبي ﷺ ، حيث خصه الله بأن جمع له بين بنتين من بنات النبي ﷺ ، تزوج إحداهما فماتت ثم تزوج الثانية.
ثم بعد ذلك قال: (ثم علي المرتضى) : وعلي هو رابع الصحابة ﵃ في الفضل، والمنزلة والمكانة، ووصفه بأنه المرتضى لما روى البخاري ومسلم من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁، وفيه أن النبي ﷺ استخلفه على المدينة لما خرج إلى غزوة تبوك، فتبع علي رسول الله ﷺ فقال: (أتتركني في النساء والصبيان؟! فقال النبي ﷺ : أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟) ، فرضي ﵁ فسمي بعد ذلك بالمرتضى، هكذا ذكر بعض أهل العلم في سبب تسميته أو وصفه ﵁ بالمرتضى، وقيل: لأنه رضيه الله ورسوله، وقيل غير ذلك.
وعلى كل حال: فهذا وصف شاع بين أهل العلم في وصف علي ﵁.
ورضي الله عن الصحابة أجمعين.
والمفاضلة بين الصحابة لا يترتب عليها النقص أو التنقص للمفضول، بل بيان الفضل لا يترتب عليه همز المفضول ونقصه، بل ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فإذا ترتب على المفاضلة أن يكون هناك تنقص فإنه لا تجوز المفاضلة في هذه الحال، ولذلك قال النبي ﷺ : (لا تفضلوني على يونس بن متى) فنهى عن المفاضلة بين الأنبياء وعن التفضيل بينه وبين يونس بن متى وهو رسول ونبي ﷺ .
والسبب أنه إذا كانت المفاضلة تفضي إلى تنقص المفضول فإنها لا تجوز، فإذا كانت هذه في الأنبياء مع وضوح فضل النبي ﷺ وظهوره وتأكده وتقريره، فكيف بالمفاضلة بين غيرهم؟! فلا يسوغ المفاضلة بين أهل الفضل إذا كان ذلك على وجه التنقص للمفضول، أما إذا كان على وجه بيان الفضل والسبق والمنزلة وما خص الله به أحدهم، فإن هذا لا بأس به، وهذا ليس خاصاً في المفاضلة بين الأنبياء أو الصحابة، بل في المفاضلة بين كل من تجري بينهم مفاضلة، إذا كان يترتب على هذه المفاضلة تنقص المفضول، ولا ينبغي أن يفاضل بين الناس على هذا الوجه؛ لأنه يفضي إلى مفسدة، والمفاضلة ليس المقصود منها إيغار الصدور، ولا تنقص المفضول، وإنما المقصود منها بيان فضل الله ، وما خص به كلاً من أهل الفضل.
стр. 214
ترتيب الخلفاء الراشدين في الفضل كترتيبهم في الخلافة
يقول ﵀: (لما روى عبد الله بن عمر ﵄ قال: (كنا نقول والنبي ﷺ حي -أي بين أظهرهم- أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي) .
الذي في الصحيحين وفي سنن أبي داود وفي غيرهما ذكر أبي بكر وعمر وعثمان دون ذكر علي ﵁، ولذلك قال: ثم نترك المفاضلة بين أصحاب النبي ﷺ بعد ذلك، فقد أجمع الصحابة وأقر النبي ﷺ على فضل أبي بكر ثم عمر ثم عثمان، وأنهم في الفضل والسبق للصحابة ما لا يحتاج إلى منازعة ولا مناقشة؛ لكون الصحابة أجمعوا على هذا، ولكون النبي ﷺ سمع ذلك منهم ولم ينكره، قال: (فيبلغ ذلك النبي ﷺ فلا ينكره) وصحت الرواية عن علي ﵁ أنه قال: (خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر، ولو شئت سميت الثالث) .
واختلف أهل العلم في الثالث، فقيل: إنه يعني نفسه.
وقيل: إنه يعني عثمان.
والصحيح والذي يظهر أنه يعني عثمان ﵁، وإنما امتنع من تسمية الثالث لكون كثير من أتباع علي ﵁ في ذلك الوقت كانوا ممن وقعت منهم الفتنة في موضوع عثمان ﵁، وما جرى له من الحصار والخروج عليه ﵁، فخشي أن يبين الثالث فيكون ذلك سبباً لوقوع فتنة من أتباعه، ويقع في ذلك مزيد شر لأهل الإسلام؛ لأنه قد وقعت الفرقة وتشقق الناس وافترقوا إلى قسمين في مقتل عثمان ﵁، فخشي من زيادة الشر، فقال: (ولو شئت لسميت الثالث) ، فالذي يظهر أن الثالث هو عثمان ﵁.
يقول ﵀: (وروى أبو داود عن النبي ﷺ أنه قال: (ما طلعت الشمس ولا غربت بعد النبيين والمرسلين على أفضل من أبي بكر) ، فـ أبو بكر ﵁ أفضل الأمة بعد نبيها ﷺ ، بل هو أفضل الناس بعد الأنبياء.
стр. 215
خلاف أهل السنة في المفاضلة بين عثمان وعلي
ثم بعد أن ذكر الفضل قال: (وهو أحق خلق الله بالخلافة بعد النبي ﷺ والعلماء ﵏ يذكرون مسألة المفاضلة ببين الصحابة، ثم يذكرون الخلافة؛ وذلك لكون هاتين المسألتين من المسائل التي يجب اعتقادها في الصحابة، فبدأ المؤلف ﵀ بذكر الفضل، وبين عقيدة أهل السنة والجماعة في المفاضلة، واعلم أنه لا خلاف بين أهل العلم في تقديم أبي بكر ثم عمر على سائر صحابة رسول الله ﷺ ، أما عثمان وعلي فبعد أن أجمعت الأمة على أن الذي يلي الأولين هو عثمان وعلي اختلفوا في أيهما أفضل، فمنهم من قال: الأفضل عثمان ثم علي، أي: فيكون الترتيب أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، وهذا الذي عليه جمهور أهل السنة والجماعة، واستقر عليه قولهم، وأن ترتيبهم في الفضل والمنزلة كترتيبهم في الخلافة.
القول الثاني: أن علياً مقدم على عثمان، وهذا قال به جماعة من السلف من أشهرهم سفيان الثوري ﵀، وقيل: إنه رجع عنه لما ناقشه من ناقشه من أهل العلم، وبين له تقدم عثمان على علي.
القول الثالث: التوقف، أي: لا يقول إن عثمان أفضل ولا علي أفضل.
والصحيح من هذه الأقوال هو القول الأول الذي لا ريب في صحته واستقرار قول أهل السنة عليه، وهذه المسألة هل يضلل فيها المخالف؟! الجواب لا يضلل فيها المخالف؛ لأنه قد وقع فيها الخلاف بين السلف، لكن المسألة التي يضلل فيها المخالف هي مسألة الخلافة، فإن ترتيب في الخلافة لا إشكال فيه، وقد اتفق عليه أهل السنة، فمن قال إن علياً أحق ممن تقدمه بالخلافة فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار؛ لأن المهاجرين أجمعوا على تقدم عثمان في الخلافة على علي ﵁، وقد قال عبد الرحمن بن عوف وهو الذي أوكل إليه عمر ﵁ النظر فيمن يخلفه بين من بقي من أهل الشورى يقول بعد بحث ونظر واستشارة
و
السؤال
لم أر الناس يعدلون بـ عثمان أحداً.
فأجمع المهاجرون والأنصار على خلافة عثمان، بل إن خلافة عثمان خلافة إجماعية لم يقع فيها خلاف بالكلية، حتى علي ﵁ بايعه ووافق، فلم يجتمع الناس في خلافة أحد كما اجتمعوا في خلافة عثمان ﵁، فالذي يطعن في خلافة عثمان أو يقول إن علياً أولى بالخلافة منه فإنه أضل من حمار أهله كما قال الإمام أحمد ﵀، لظهور الإجماع على خلافة عثمان ﵁.
стр. 216
أدلة استحقاق الخلفاء الراشدين للخلافة على الترتيب
قال ﵀: (وهو أحق خلق الله بالخلافة بعد النبي ﷺ ؛ لفضله وسابقته وتقديم النبي ﷺ له في الصلاة على جميع الصحابة، وإجماع الصحابة على تقديمه ومبايعته، ولم يكن الله ليجمعهم على ضلالة) هذه المسوغات والاستدلالات ذكرها المؤلف ﵀ لبيان أفضلية أبي بكر ﵁، وأنه أحق الصحابة بالخلافة بعد النبي ﷺ .
واعلم أن خلافة أبي بكر للنبي ﷺ أجمع عليها أهل السنة، ولا خلاف بين علماء الملة في أن أحق الناس بالخلافة وأولاهم بعد النبي ﷺ هو أبو بكر ﵁، وإذا نظرت إلى خلافة أبي بكر وجدت أن خلافة أبي بكر قد أومأ إليها النبي ﷺ .
بل قال بعض العلماء: إن النبي ﷺ قد نص عليها، وأقوى ما يستدل للنص عليها ما رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لها: (ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب كتاباً لا يختلف عليه الناس ثم قال النبي ﷺ : يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر) ، فترك الكتابة بناء على أن استحقاق أبي بكر ﵁ أمر مجمع عليه، وأن الله سيصير الأمر إليه شاء من شاء وأبى من أبى.
ومعنى: (يأبى الله ورسوله والمؤمنون إلا أبا بكر) أي: إلا أن يكون هو الخليفة لرسول الله ﷺ .
وعلى كل حال: فالنظر إلى ما جاء في السنة يجد الإنسان الشواهد المتضافرة العديدة التي تدل على استحقاق أبي بكر ﵁ للخلافة، وأن خلافته أشبه ما يكون بالمنصوص عليها؛ لفضله وسابقته، فهو أفضل الصحابة ﵃، وهو أسبقهم إلى الإيمان بالنبي ﷺ ، وأسبقهم إلى تصديقه، ولم يقاربه أحد في تصديق النبي ﷺ ، وقد قدمه النبي ﷺ في الصلاة على جميع الصحابة ﵃، بل إن عائشة ﵂ لما اعتذرت عن تقديم أبي بكر وقالت: إنه رجل أسف، قال لها النبي ﷺ : (إنكن صواحب يوسف) ؛ لأن عائشة ﵂ كرهت أن يتقدم أبوها الناس في مرض النبي ﷺ خشية أن يتشاءم الناس به، فاعتذرت بأنه بكاء، فأبى رسول الله ﷺ إلا أن يكون المقدم في الصلاة أبا بكر ﵁.
стр. 217
إجماع الصحابة على تقديم أبي بكر ومبايعته
قال ﵀: (وإجماع الصحابة على تقديمه ومبايعته) وهذا مما وقع، فإن الصحابة أجمعوا على مبايعته ﵁، وإن كان قد وقع في أول الأمر نوع تردد كما جرى في سقيفة بني ساعدة، إلا أن خلافته ﵁ أجمع عليها الصحابة، وما ذكر من تأخر علي بن أبي طالب ﵁ فإنه لم يكن تأخراً فيه الرفض وعدم القبول لمبايعته، إنما كان لشيء في نفسه ﵁، وأما المبايعة فإنه قد قبل بيعته وقبل المسلمون بيعته ﵁.
ثم إنه لو قدرنا أن علياً قد صح عنه التأخر للبيعة، فإنه لا يضر وقد أجمعت الأمة وسادات الصحابة وأشرافهم وكبراؤهم وأعيانهم ﵃ على بيعة أبي بكر ﵁، فلا يضر أبا بكر ﵁ تخلف علي عن بيعته، ثم إنه قد رجع إلى الحق ووافق الجماعة إن قلنا بأنه تأخر في بيعته ﵁.
ثم قال ﵀: (ولم يكن الله ليجمعهم على ضلالة) ، ولا شك أن هذه الأمة لا يمكن أن يجمعها الله على ضلالة، لا سيما أولئك الذين إجماعهم هو الإجماع المعتبر ﵃، فأجمعوا واتفق أمرهم وانتظم عقدهم على تقديم أبي بكر وخلافته ﵁.
стр. 218
استخلاف أبي بكر لعمر وفضله
قال: (ثم من بعده عمر ﵁ لفضله وعهد أبي بكر إليه) ؛ أي: لفضله واستحقاقه الخلافة، فإنه قرين أبي بكر في الفضل، وقد قال النبي ﷺ : (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر) وقال ﷺ كما في صحيح الإمام مسلم في حديث أبي قتادة: (إن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا) .
فـ عمر ﵁ قرين أبي بكر في الفضل والمكانة والمنزلة رضي الله عن الجميع، وإن كان السبق لـ أبي بكر ولا شك، لكنه قرنه به رسول الله ﷺ في مواضع عديدة.
стр. 219
فضل عثمان ﵁
(ثم عثمان رضي الله لتقديم أهل الشورى له) ، وأهل الشورى هم الذين أوكل إليهم عمر ﵁ النظر فيمن يكون خليفة بعده ﵁، الستة بقية العشرة، وهم: عبد الرحمن بن عوف ولكن ليس له من الأمر شيء، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وعلي وعثمان رضي الله عن الجميع، وسابعهم عبد الله بن عمر، ولكن ليس له من الأمر شيء.
стр. 220
فضل علي بن أبي طالب ﵁
ثم قال: (ثم علي ﵁ -هذا رابع الخلفاء الراشدين- لفضله وإجماع أهل عصره عليه) ، فله من الفضل والمكانة ﵁ ما تشهد به أهل السنة والجماعة له وتعتقده فيه، وأما إجماع أهل عصره عليه فإنه لم يجمع على خلافة علي ﵁، بل خالف في ذلك من خالف من الصحابة، ووقعت الفتنة بينهم ﵃، فانقسم الناس إلى قسمين: أهل الشام بقيادة معاوية ﵁ ومن معه، وأهل العراق بقيادة علي ﵁ ومن معه.
стр. 221
الالتزام بسنة النبي ﷺ وخلفائه من بعده
ثم قال بعد ذلك: [وهؤلاء الخلفاء الراشدون، والأئمة المهديون الذين قال النبي ﷺ فيهم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ) ، وقال ﷺ : (الخلافة من بعدي ثلاثون سنة) وكان آخرها خلافة علي ﵁] .
هذا المقطع يقول فيه المؤلف ﵀: (وهؤلاء الخلفاء الراشدون المهديون) أي هؤلاء الأربعة: أبو بكر عمر عثمان علي، هم أولى وأصدق من يدخل في قول النبي ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي) ، فإنهم أصدق من يصدق عليه هذا الوصف، وأحق من يتنزل عليه هذا القول بثلاثة أوصاف: الوصف الأول: أنهم خلفاؤه؛ وهم من أتى بعده ﵁ وقام مقامه.
الوصف الثاني: أنهم راشدو؛ وهذا ضد الغي.
الوصف الثالث: أنهم مهديون؛ وهذا ضد الضلال.
فجمع لهم بين الهدى والرشد وبهما يكمل العلم النافع والعمل الصالح، والهدي المستقيم.
(عضوا عليها بالنواجذ) ، أي: تمسكوا بها تمسك العاض على الشيء بأضراسه ونواجذه.
ثم ذكر ﵀ في الاستدلال على أن هؤلاء هم الخلفاء الراشدون حديث: (الخلافة من بعدي ثلاثون سنة) وقد جاء في مسند الإمام أحمد وغيره أن النبي ﷺ قال: (الخلافة من بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكاً) أو (ثم يؤتي الله ملكه من يشاء) فدل ذلك على أن الذين يلونه مدة ثلاثين سنة يصدق عليهم الخلافة.
وبالنظر إلى مدة خلافة هؤلاء ﵃ التي ابتدأت بالسنة الحادية عشرة إلى سنة الأربعين يتبين أنهم ﵃ كلهم داخلون في قوله ﷺ : (الخلافة من بعدي ثلاثون) فإن خلافة علي ﵁ انتهت على رأس الثلاثين، وهذا من الأدلة على أنهم المقصودون بقوله ﷺ : (وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي) فكان آخرها خلافة علي ﵁.
نقف على هذا، ونكمل إن شاء الله تعالى في الدرس القادم، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 222
شرح لمعة الاعتقاد [١٧]
من منهج أهل السنة والجماعة أنهم يشهدون للعشرة المبشرين بالجنة كما شهد لهم النبي ﷺ ، ويشهدون لغيرهم ممن شهد له ﵊ بالجنة، ولا يجزمون لأحد بعد ذلك من أهل القبلة بجنة ولا نار إلا من شهد له النبي ﷺ .
ولا يكفرون أحداً من أهل القبلة بذنب، وأن الجهاد والحج ماضيان خلف كل بر وفاجر.
стр. 223
الشهادة للعشرة المبشرين بالجنة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [ونشهد للعشرة بالجنة كما شهد لهم النبي ﷺ فقال: (أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وسعد في الجنة، وسعيد في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة) وكل من شهد له النبي ﷺ بالجنة شهدنا له بها، كقوله: (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة) ، وقوله لـ ثابت بن قيس: (إنه من أهل الجنة) ] .
الفصل الذي تقدم كان فيما يتعلق بفضائل الصحابة ﵃، وهذا ذكر فيه الشهادة لمن شهد له النبي ﷺ منهم بالجنة، واعلم أن الشهادة بالجنة نوعان: شهادة لموصوفين وشهادة لمعينين.
أما الشهادة التي تكون للموصوفين فهي كثيرة في كتاب الله ، وفي سنة النبي ﷺ ، يأتي فيها ذكر أن من فعل كذا فله الجنة، كقول النبي ﷺ : (لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم: أفشوا السلام بينكم) فكل من أفشى السلام وحصل منه الحب لإخوانه المسلمين فإنه موعود بهذا الفضل، وهو دخول الجنة، فهذه شهادة لمن اتصف بهذا الوصف، وهذا النوع لا إشكال فيه وهو مجمع عليه.
النوع الثاني من أنواع الشهادات بالجنة: الشهادة لمعينين، كالشهادة لمن ذكر المؤلف ﵀، وأول وأبرز من يشهد لهم بالجنة من خصوا بشهادة النبي ﷺ في حديث سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وغيره، وفيه قال النبي ﷺ : (أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وسعد في الجنة، وسعيد في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة) ، هذه الشهادة لهؤلاء المعينين هي أشهر الشهادات، وهم المعروفون بأنهم العشرة المبشرون بالجنة؛ لكون النبي ﷺ جمع ذكرهم في حديث واحد.
يقول المؤلف ﵀: (ونشهد للعشرة) وهم من ذكروا في الحديث، أي: نشهد ونوقن بأنهم من أهل الجنة، وهذه الشهادة مبنية على خبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
يقول ﵀: (كما شهد لهم النبي ﷺ فقال: (أبو بكر في الجنة)) وأبو بكر هو أبو بكر الصديق ﵁.
(وعمر) : هو عمر بن الخطاب ثاني الخلفاء، (وعثمان) وهو ثالث الخلفاء عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عن الجميع، هؤلاء كلهم شهد لهم النبي ﷺ بالجنة؛ فنشهد لهم بأنهم في الجنة، وأن خبر النبي ﷺ فيهم صدق، فهم من أهل الجنة قبل أن يموتوا بخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
стр. 224
كل من شهد له النبي ﷺ بالجنة شهدنا له
كذلك شهد النبي ﷺ لغيرهم من الصحابة، يقول المؤلف ﵀: (وكل من شهد له النبي ﷺ بالجنة شهدنا له بها) ؛ اتباعاً للنبي ﷺ ، وطاعة لأمره، وتصديقاً لخبره، يقول ﵀: كقوله: (الحسن والحسين) وهما الحسن بن علي والحسين بن علي ﵄، سبطا رسول الله ﷺ (سيدا شباب أهل الجنة) أي: لهما السيادة على شباب أهل الجنة، والسيادة: هي العلو والشرف والارتفاع، فهذه شهادة من النبي ﷺ لهذين الصحابيين الجليلين بالجنة.
يقول ﵀: (وقوله لـ ثابت بن قيس: (إنه من أهل الجنة)) وقد شهد له النبي ﷺ بالجنة، وقصة شهادته ﷺ لـ ثابت بن قيس في الجنة مشهورة معروفة، وهي أنه لما نزل قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:٢] اعتزل ثابت بن قيس بن شماس ﵁ في بيته وبكى، ففقده النبي ﷺ ، فقالوا له: إنه يبكي لقوله تعالى: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:٢] ، فإنه كان يرفع الصوت عندك، فهو جهوري الصوت، فخشي أن يدخل في هذه الآية، فقال النبي ﷺ : (إنه من أهل الجنة) فكانت بشارة له بأنه من أهل الجنة.
كذلك شهد النبي ﷺ لخديجة وشهد لـ بلال ولجماعة من الصحابة ﵃ بأنهم من أهل الجنة، فكل من شهد له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالجنة فإن من تمام الإيمان به ﷺ أن نصدقه في ذلك، وأن نشهد لمن شهد له ﷺ .
стр. 225
من اعتقاد أهل السنة أنهم لا يقطعون لأحد بجنة أو نار
يقول ﵀: [ولا نجزم لأحد من أهل القبلة بجنة ولا نار] بعد أن فرغ من بيان حكم من شهد له النبي ﷺ بالجنة وما الواجب تجاهه، انتقل إلى بيان المسكوت عنهم، ما حكمهم؟ فمن سكت عنه ولم يبين رسول الله ﷺ هل هو من أهل الجنة أو لا، هل نشهد له بالجنة أو لا؟
الجواب
يقول: (ولا نجزم لأحد من أهل القبلة بجنة ولا نار) ففهم من هذا: أننا لا نجزم لأحد كائناً من كان بأنه من أهل الجنة أو بأنه من أهل النار، بل الواجب التوقف حتى يأتي بيان من الله أو بيان من رسوله ﷺ بأنه من أهل الجنة أو أنه من أهل النار، وقوله: (لا نجزم) أي: لا نقول ذلك على وجه الجزم والقطع، وهل نقوله على وجه الرجاء؟ الجواب: نعم، نقول فيمن قام فيه دليل الصلاح وعلامات الاستقامة: إننا نرجو أن يكون من أهل الجنة، فنرجو للمحسن ونخاف على المسيء، لكن الرجاء أمر دون الشهادة والجزم، فالبحث في الجزم، فإننا لا نجزم لأحد من أهل القبلة بجنة ولا نار؛ لأن هذا من الغيب، وهو من الخبر الذي لا يمكن أن يقبل إلا بقول الله أو قول رسوله ﷺ .
وقول المؤلف ﵀: (لأحد من أهل القبلة) أي: سواء كان من أهل الفضل والإحسان، أو كان من أهل الإساءة والتقصير، فيشمل كل من توجه إلى القبلة من أهل الإسلام، وأهل القبلة هم أهل الإسلام، ويعبر العلماء عن المسلمين بهذا الاسم لكونهم يجتمعون في هذا الأمر، فكل من ادعى الإسلام فإنه لا بد أن يتوجه إلى القبلة، وقد قال النبي ﷺ كما في الصحيح: (من استقبل قبلتنا، وذبح ذبيحتنا، ونسك نسيكتنا؛ فهو المسلم الذي له ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين) وهذا يبين أن كل من اتصف بهذا الوصف فإنه من أهل القبلة، فهذا الوصف مأخوذ من هذا الحديث ونظائره، ويوصف أهل الإسلام بأنهم أهل الصلاة؛ ولذلك سمى بعض من ألف في مقالات المسلمين قال: ومقالات المصلين، يريد بذلك أهل الإسلام، فقوله ﵀: (ولا نجزم لأحد من أهل القبلة) يعني: لأحد من أهل الإسلام.
(بجنة ولا نار) أي: لا نقول: إنه في الجنة، ولا نقول: إنه في النار [إلا من جزم له الرسول ﷺ ] فلا نجزم لمعين بأنه في الجنة إلا إذا جاءنا الخبر عن الله أو عن رسوله ﷺ ، ولا أنه في النار إلا إذا جاء الخبر عن الله أو عن رسوله ﷺ ، يقول: [لكنا نرجو للمحسن ونخاف على المسيء] ، نرجو الإثابة والفضل والأجر والجنة للمحسن، وهو الذي حقق الإسلام بالعمل الصالح والنية الخالصة، وأما المسيء فهو من خالف ذلك، إما فساد في العمل وإما فساد في النية.
فالمحسن نرجو له فضل الله ورحمته، وأما المسيء فإننا نخاف عليه، وذلك أن الحساب بين يدي الله لا يجري على الظواهر فحسب، بل إنه يجري على ما يقوم في القلب، وقد يظهر من إنسان الاستقامة وحسن الحال، والباطن على خلاف ذلك، فالعبرة بما يقوم في القلوب وتصدقه الأعمال، كما في حديث أبي هريرة في صحيح الإمام مسلم قال النبي ﷺ : (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم) وفي رواية: (وأعمالكم) فالنظر والحساب والجزاء على ما يقوم في القلوب من الإيمان والتصديق، وحسن الاعتقاد الذي يتبعه صلاح العمل، فإنه لا يمكن أن يستقيم القلب ويصلح وتكون الجوارح على خلاف ذلك، ما لم يوجد مانع.
стр. 226
شهادة النبي ﷺ لمعينين بالنار
فهمنا من كلام المؤلف ﵀ أن الشهادة والجزم بالجنة لا يمكن أن يكون إلا لمن شهد له النبي ﷺ ، وكذلك الشهادة بالنار لا يمكن أن تكون إلا لمن أخبر به النبي ﷺ أنه من أهل النار، وقد جاء في الكتاب الخبر عن جماعة أنهم من أهل النار، من ذلك على وجه التعيين أبو لهب وامرأته، فقد شهد الله لهم بالنار: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد:١-٥] فهذان شهد لهم الله جل وعلا بأنهما من أهل النار.
كذلك جاءت الشهادة لمعينين بالنار، كشهادة النبي ﷺ لـ عمرو بن لحي الخزاعي أول من بدل دين إبراهيم ﵇ من العرب، حيث قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (رأيته يجر قصبه في النار) وهذا يدل على أنه في النار، فالشهادة للمعينين جاءت في خبر رسول الله ﷺ .
كذلك شهد لـ أبي طالب بأنه في النار، وجاء في صحيح مسلم الخبر عنه ﷺ أن أباه في النار، لما سأله الرجل عن أبيه فقال: أبوك في النار قال: ثم كأن الرجل وجد في نفسه واشتد عليه الأمر، فهون عليه النبي ﷺ الخبر فقال له: (أبي وأبوك في النار) فهذه شهادة لمعينين.
لكن هل هؤلاء من أهل القبلة؟
الجواب
لا، ليسوا من أهل القبلة؛ لأنهم ممن لم يبعث فيهم النبي ﷺ ، بل كانوا قبله.
أما أهل القبلة فإنه لا يجوز الشهادة لأحد منهم مهما بلغ عصيانه وساءت أحواله وكثرت سيئاته بالنار، ما لم يرتكب مكفراً يخرج به عن ملة الإسلام، ويخلع به عن رقبته ربقة الإيمان، ففي هذه الحال يكون كافراً مرتداً، أما ما دام عصيانه لا يصل به إلى حد الكفر فإنه لا يحكم بكفره، ولا يشهد له بالنار.
كذلك الشهادة بالنار للمرتد، هذه محل خلاف بين أهل العلم؛ لأن كلام المؤلف السابق في أهل القبلة، لكن غير أهل القبلة من الكفار هل يشهد لهم بالنار؟ اختلف العلماء في هذا على قولين: منهم من قال: إنه يشهد لمن علم موته على الكفر بأنه في النار.
وقال آخرون: إن عقيدة أهل السنة والجماعة أن لا نشهد لمعين بجنة ولا نار ولو كان من أهل الكفر؛ لأننا لا نعلم حكم الله فيه، لكننا من حيث الحكم الدنيوي نحكم بكفره، وأنه من أصحاب الجحيم على وجه العموم، أما على وجه التعيين فنحتاج إلى نص ودليل.
فهذه المسألة فيها قولان لأهل العلم، لكل قول ما يسنده ويعضده، والسلامة أن لا نشهد لمعين بنار حتى يقوم الدليل والنص والخبر عن النبي ﷺ بذلك.
стр. 227
أهل السنة لا يكفرون بالذنوب
ثم قال ﵀: [ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب، ولا نخرجه عن الإسلام بعمل، ونرى الحج والجهاد ماضيين مع طاعة كل إمام، براً كان أو فاجراً، وصلاة الجمعة خلفهم جائزة، قال أنس: قال النبي ﷺ : (ثلاث من أصل الإيمان: الكف عمن قال: لا إله إلا الله، ولا نكفره بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بعمل) ] يقول ﵀: (ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب) أي: لا نحكم بالكفر على أحد من أهل القبلة الذين ثبت إسلامهم بإقامة الصلاة واستقبال البيت (بذنب) أي: بسبب ذنب.
الذنب يشمل الصغير والكبير، الدقيق والجليل من الذنوب، ما عدا ما يحصل به الكفر والردة، فمن كفر بالله كفرناه، ومن سب النبي ﷺ أو كذبه كفرناه، ومن امتهن القرآن ودنسه كفرناه، فقوله ﵀: (بذنب) يعني من كبائر الذنوب التي لم يأت النص بأنها كفر، كشارب الخمر والزاني والسارق وغير ذلك من الكبائر والذنوب، فإننا لا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب؛ لأن الأصل أن من كان إسلامه ثابتاً بيقين فإنه لا ينقل عنه إلا بيقين، وهذه قاعدة مهمة يستفيدها طالب العلم لا سيما عند الاشتباه، والأصل بقاء ما كان على ما كان، وأن من حكم بإسلامه فهو باق على هذا الوصف لا يرتفع عنه إلا بدليل، فإذا اشتبه الإنسان هل هذا يحصل به الكفر أو لا يحصل به الكفر؟ فالأصل أنه لا يحصل به الكفر، وأنه باق على الإسلام.
(فلا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب) ينبغي أن تقيد هذه الجملة بما عدا ما وقع الخلاف فيه بين أهل العلم من المسائل هل يكفر بها صاحبها أو لا، فهناك من المسائل ما وقع فيها الخلاف بين العلماء وهي من جملة الذنوب.
فمثلاً: ترك الصلاة، هذا من الذنوب التي اختلف فيها العلماء ﵏ من حيث الكفر إلى قولين: فمنهم من يرى التكفير بترك الصلاة ولو كانت صلاة واحدة إذا تركها عمداً دون عذر حتى خرج وقتها، لقول النبي ﷺ : (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) والحديث الآخر: قال النبي ﷺ : (بين الرجل والشرك أو الكفر ترك الصلاة) ، فهذا خارج عن قول المؤلف ﵀: (ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب) .
فما وقع فيه الخلاف بين أهل العلم من الذنوب هل يكفر بها صاحبها أو لا فإنها لا تدخل في هذه الجملة، لوقوع الخلاف بين السلف، والمقصود بالذنوب ما اتفق العلماء على أنها ذنب، كالكبائر من الزنا وشرب الخمر وما أشبه ذلك.
فأركان الإسلام مما اختلف العلماء ﵏ في تاركها هل يكفر أو لا؛ أعني الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، فالخلاف بين العلماء في تاركها مشهور، فهذه خارجة عن بحثنا.
قوله ﵀ (ولا نخرجه عن الإسلام في عمل) ما لم يكن هذا العمل ينتقض به إسلامه، ويرتفع به عنه وصف الإسلام، مثاله: الذبح لغير الله، فهذا عمل، فهل نخرجه من الإسلام بذلك؟
الجواب
نعم، لكن المقصود بالعمل: ما كان من كبائر الذنوب والخطايا والآثام، أما الشرك فإنه كفر، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة:٧٢] ، فلا بد من الحكم بمقتضى ما قام بالإنسان من وصف، فإذا قام به وصف الكفر مع اعتقاده دون عذر مع توفر الشروط وارتفاع الموانع فإنه يحكم بكفره.
стр. 228
من عقيدة أهل السنة الحج والجهاد مع كل إمام
ثم قال ﵀: (ونرى الحج والجهاد ماضيين مع طاعة كل إمام، براً كان أو فاجراً) ، وهذا بيان لعقيدة أهل السنة والجماعة في هذا الشأن، وهو ما يتعلق بنظر أهل السنة والجماعة للأئمة، وهم ولاة الأمر الذين يتولون أمر أهل الإسلام، وذكر الحج والجهاد لأن الحج والجهاد من الأعمال التي لا بد فيها من اجتماع، ولا بد لكل اجتماع من أمير، يصدر عن رأيه، ويرجع إليه في تدبير شأنه، فذكر الحج والجهاد ليس قصراً على هذين العملين، بل هو نموذج للأعمال التي تحتاج إلى اجتماع ولأنها من العبادات التي يحتاج فيها الناس إلى رأي، وإلى أمير يأتمرون به، ويقتدون بعمله، ويسيرون خلفه يرتبهم وينظمهم ويدير شئونهم ويصلح أمورهم: لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا فلا بد للناس في مثل هذه الاجتماعات من تدبير، ولذلك نص العلماء ﵏ على مضي الجهاد والحج مع كل أمير براً كان أو فاجراً.
قوله: (نرى الحج والجهاد ماضيين) أي: قائمين، لا يجوز إبطالهما، ولا التوقف عنهما لفساد من يتولاهما أو لتقصيره.
قوله: (براً كان أو فاجراً) براً: أي قائماً بالطاعة، عاملاً بها، عادلاً بين الخلق، أو فاجراً: أي فيما يتعلق بنفسه أو فيما يتعلق بولايته، ففيما يتعلق بنفسه كأن يكون شارباً للخمر، أو زانياً، أو غاشاً، وفيما يتعلق برعيته كالغاش، أو الذي يظلم ويأخذ حقوق الناس، فإن هذا يجب له من الطاعة ما يجب لغيره من ولاة الأمر، لما أخبر به النبي ﷺ من وجوب الاجتماع والطاعة حتى ولو حصل التقصير من ولي الأمر.
وهذا مما تميز به أهل السنة والجماعة، وإنما تميزوا به لاستمساكهم بهدي النبي ﷺ ، ولاستمساكهم بما أرشد إليه الله من الاعتصام بحبله، والاجتماع على طاعته، وحذراً وتجنباً لما نهى عنه من الفرقة والاختلاف، فإن الله نهى عن الفرقة والاختلاف، ولو أن كل أحد رأى من أميره أو إمامه أو وليه ما يكره من المعصية، فجعل ذلك مسوغاً لنزع يده عنه وعدم طاعته لما استقام الأمر لأحد؛ لأنه ما من أحد إلا ويخطئ، وما من أحد إلا وعنده تقصير، والتقصير يتفاوت؛ لكن ينبغي للمؤمن أن يصبر على الخطأ، وأن لا يوافق على المعصية، ومع هذا فينبغي ألا ينزع يداً من طاعة كما دلت على ذلك النصوص المتواترة.
يقول ﵀: (وصلاة الجمعة خلفهم جائزة) ، صلاة الجمعة يقع بها الاجتماع خلفهم مع فجورهم وتقصيرهم، فهي: (جائزة) أي: تبرأ بها الذمة، وفي قوله: (جائزة) رد على من يرى أنه لا تجوز الصلاة خلف أئمة الجور، ولا يعني أن الإنسان مخير بين أن يصلي أو لا يصلي، بل الواجب عليه أن يصلي خلفه، وذكر الجواز هنا لا لاستواء الطرفين، وإنما لرد قول من يقول: إنه لا يصلى خلفهم، وقد صلى صحابة رسول الله ﷺ خلف الحجاج، وحجوا مع الحجاج مع ظلمه وظهور شره، وقتله لأهل الفضل والعلم، وتسلطه على عباد الله، ومع ذلك لم ينزعوا يداً من طاعة، بل صلوا خلفه وحجوا معه، ولم يكن في ذلك طعن عليهم، بل كانوا في ذلك مهتدين بهدي النبي ﷺ متبعين لسنته.
ثم قال ﵀: [قال أنس: قال النبي ﷺ : (ثلاث من أصل الإيمان: الكف عمن قال: لا إله إلا الله ولا نكفره بذنب ولا نخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماض منذ بعثني الله حتى يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل، والإيمان بالأقدار) ] فاجتمع لنا في هذا الحديث ثلاث خلال الصفة الأولى: الكف عمن قال لا إله إلا الله، ثم بين معنى الكف فقال: ولا نكفره بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بعمل؛ فهذا معنى الكف عمن قال: فلا إله إلا الله، لا نكفره بذنب ما لم يكن هذا الذنب مكفراً، ودلت النصوص على أنه كفر، ولا نخرجه من الإسلام بعمل ما لم تدل النصوص الأخرى على أنه من الكفر والشرك الذي يخرج به الإنسان عن ملة الإسلام.
ثم قال: (والجهاد ماض) ، أي: مستمر لا ينقطع ولا يقف، (منذ بعثني الله حتى يقاتل آخر أمتي الدجال) ، وذلك بقيادة عيسى بن مريم ﵇، يقول: (لا يبطله) أي: لا يبطل الجهاد (جور جائر) أي: ظلم ظالم (ولا عدل عادل) بل هو ماض باق إلى قيام الساعة.
قال: (والإيمان بالأقدار) هذا ثالث الأصول التي ذكرها النبي ﷺ في هذا الحديث، قال المؤلف ﵀: [رواه أبو داود] ، وهذا الحديث أخرجه أبو داود وسكت عنه، وقد ذكر أبو داود في سننه أن ما رواه وسكت عنه فإنه حسن عنده، إلا أن هذا الحديث في بعض رجاله بعض المقال الذي يقصر به عن درجة الصحاح، وما جاء فيه من خلال هي خلال تشهد لها الأحاديث الأخرى فلا إشكال فيما تضمنه من المعاني، ثم ذكر المؤلف ﵀ ما يجب لأصحاب النبي ﷺ وأزواجه، ونؤجل ذلك إن شاء الله إلى الدرس القادم، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 229
شرح لمعة الاعتقاد [١٨]
جيل الصحابة رضي الله تعالى عنهم هو خير جيل وجد على وجه الأرض، فقد اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ ، فالواجب على كل مسلم موالاتهم وحبهم، فإن حبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان.
ويجب أيضاً معرفة حقوق أمهات المؤمنين زوجات رسول الله ﷺ الطاهرات المبرآت من كل رجس ودنس رضي الله تعالى عنهن.
стр. 230
حقوق الصحابة ﵃
بسم الله الرحم الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن السنة: تولي أصحاب رسول الله ﷺ ، ومحبتهم وذكر محاسنهم، والترحم عليهم والاستغفار لهم، والكف عن ذكر مساوئهم وما شجر بينهم، واعتقاد فضلهم ومعرفة سابقتهم، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر:١٠] ، وقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩] ، وقال النبي ﷺ : (لا تسبوا أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) ] .
يقول المؤلف ﵀ في بيان ما يجب اعتقاده فيما يتعلق بصحابة رسول الله ﷺ : (ومن السنة) أي: التي يجب اعتقادها والعمل بها، وليس المقصود هنا السنة الاصطلاحية التي يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها، بل السنة هنا هي الطريقة التي يسلكها أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بالصحابة ﵃.
قوله: (تولي أصحاب رسول الله ﷺ التولي: مأخوذ من ولي الشيء إذا قرب منه، والمقصود بالتولي هنا القرب من صحابة رسول الله ﷺ ؛ وذلك بمحبتهم وإجلالهم وتقديرهم ومعرفة سابقتهم.
وهذا بيان مجمل لما يجب للصحابة ﵃، ثم جاء تفصيل ذلك في قوله: (ومحبتهم وذكر محاسنهم، والترحم عليهم والاستغفار لهم، والكف عن ذكر مساوئهم وما شجر بينهم، واعتقاد فضلهم ومعرفة سابقتهم) ، فكل هذا إنما هو من معاني التولي، فإن من لوازم التولي ما ذكر ﵀ من هذه الواجبات التي تجب لصحابة رسول الله ﷺ .
стр. 231
تعريف الصحابي وتفاوت الصحابة في الصحبة
قول المؤلف ﵀: (تولي أصحاب رسول الله) أصحاب: جمع صاحب، والصحابي: هو من لقي النبي ﷺ مؤمناً به ومات على ذلك ولو كان ذلك ساعة من ليل أو نهار، ولكن لا شك أن الصحابة ﵃، يتفاوتون في الحقوق بقدر تحقق الصحبة لهم، فالذين صحبوه ﷺ أطول وكانت صحبتهم له أحسن وأكمل، فإن لهم من الحق والفضيلة والمزية أكثر مما هي لمن قصر نصيبه من ذلك، فالصحبة وصف كلما ازداد في الشخص تحققه كلما علا حقه وارتفعت قدمه فيما ذكره المؤلف ﵀ من المحبة وذكر المحاسن.
وأعلى الصحابة صحبة هو: أبو بكر ﵁، فله من المحبة والفضل والسبق والتولي ما ليس لغيره من صحابة رسول ﷺ ، فعلى سبيل المثال: من أسلم بعد الفتح ليس كمن أسلم قبل الفتح، كما ميز الله جل وعلا ذلك فقال: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد:١٠] ، فهذه الآية ميزت بين طبقات الصحابة، فحق الذين أسلموا قبل الفتح -وهو صلح الحديبية- من المحبة وذكر المحاسن والترحم والاستغفار والولاية أعظم من حق من جاء بعد ذلك؛ لأن من أسلموا قبل الفتح تحقق الصحبة فيهم أعظم من تحقق الصحبة فيمن أسلموا بعد الفتح، وهذا هو معنى قولنا: الصحبة وصف يزداد فيه الحق بازدياد هذا الوصف، فكلما ازداد نصيب الإنسان من صحبة النبي ﷺ كلما ازداد حقه من هذه الخصال الذي ذكرها المؤلف ﵀.
стр. 232
وجوب محبة الصحابة وتوليهم والكف عن ذكر مساوئهم
يقول ﵀: (ومن السنة تولي أصحاب رسول الله ﷺ ومحبتهم) أي: محبة قلبية، وذلك لما كانوا عليه من عظيم الإيمان وصدق اليقين ورسوخ القدم في سبيل المتقين، ولما كانوا عليه من الذب عن رسول الله ﷺ ، ولما كانوا عليه من الدعوة إلى الله والنصح للخلق، فهم ﵃ لهم القدم السابقة في هذه الأمور كلها التي لا يمكن أن يُحلقوا فيها ﵃.
ويكفيهم فضلاً أن النبي ﷺ قال فيهم: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم) فهم خير الناس، وهم أحق من يدخل في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] وهم أحق من يدخل في قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣] ، وهم المعنيون بقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠] فالمهاجرون والأنصار السابقون منهم هم الذين ﵃ رضاً مطلقاً فلم يقيد ذلك باتباع بإحسان فيما كان منهم، بل قال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة:١٠٠] فاشترط الإحسان في التابعين لا فيهم هم.
فهم ﵃ لهم من الفضائل ما ليس لغيرهم، ولهم من المنزلة والمكانة ما ليس لغيرهم، فحقهم أن يحبوا؛ لأن محبة الصالحين من عبادة الله ومن طاعته التي يؤجر عليها الإنسان ويثاب، فينبغي للمؤمن أن يستشعر هذا المعنى وأن يلاحظه، فليست المحبة لكوننا مأمورين بمحبتهم، بل نحن نحبهم محبة قلبية لما كانوا عليه من الفضل، ولما كانوا عليه من الخير، ولما وصلنا عن طريقهم من الشريعة، فهم حفظة الشريعة وحملتها ﵃.
يقول: (وذكر محاسنهم) ، فالواجب ذكر محاسنهم؛ لأن ذكر المحاسن مما يزداد به حبهم ويزداد به توليهم.
قال: (والترحم عليهم) أي: والواجب أيضاً أن نترحم عليهم وأن ندعو لهم بالرحمة والمغفرة، وأن ندعو لهم بالرضى وبكل خير.
قال: (والاستغفار لهم) ؛ أيضاً يجب طلب المغفرة لهم؛ لأنه ما من إنسان إلا ويخطئ كما قال النبي ﷺ : (كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون) فنحن لا نقول: إنهم معصومون، لكننا نقول لهم: من السبق والفضل والمكانة والخير والتقوى ما يستوجب أن يحبوا وأن يذكروا بإحسان، وأن يترحم عليهم وأن يستغفر لهم ﵃.
يقول ﵀: (والكف عن ذكر مساوئهم) الكف: الامتناع، فيجب الامتناع عن ذكر مساوئهم، أي: عن ذكر ما ينسب إليهم من المساوئ سواء كانت صحيحة النسبة أو لم تصح؛ لأنهم قد ﵃، ومن ﵁ فلا يسوغ لمؤمن أن يبحث عن عيوبه أو أن يتلقط زلاته أو أن يبحث عن عثراته، فإن هذا مما يضعف مكانتهم وينزل في منزلتهم التي أنزلهم الله إياها.
ثم اعلم أن كثيراً مما يذكر من المساوئ المنسوبة إلى الصحابة: إما أنها آثار لا تصح، وإما أنها صحيحة لكن فيها زيادة أو نقص، وإما أنها غيرت عن الوجه الذي جاءت عليه، فبدل أن تكون إحساناً حولت إلى أن تكون سيئة ومثلبة.
كذلك إذا ثبت هذا الذي ينسب إليهم فالواجب أن نعتقد أنهم مجتهدون ﵃، ولا يخلو حالهم عن إصابة فيكون لهم أجران، أو أن يكونوا قد أخطئوا فيكون لهم أجر واحد ﵃، وهذا لا يعني أننا نقول: إنهم معصومون كما تقدم قبل قليل، لكننا نعتقد فيهم كل خير، ونعتقد فيهم كل بر، ونسأل الله لهم العفو والعافية والمغفرة، ﵃ وأرضاهم.
стр. 233
وجوب اعتقاد فضل الصحابة والكف عما شجر بينهم
قال: (والكف عن ذكر مساوئهم وما شجر بينهم، واعتقاد فضلهم) يعني: الكف عن ذكر مساوئهم وعن ذكر ما شجر بينهم، أي: اشتبك ووقع بينهم من خلاف، فإن الواجب الكف عما شجر بينهم، فلا يجوز لمؤمن يرغب في النجاة ويحب السلامة أن يقع في ذكر ما وقع بين الصحابة من خلاف، بل الواجب الإعراض عن تلك الفتنة وعدم الوقيعة فيها أو التكلم بها أو ذكرها.
قال ﵀: [واعتقاد فضله] أي: يجب أن يعتقد فضلهم، فالواجب أن نعتقد فضلهم ﵃، وأن نعرف ما لهم من السابقة والمكانة؛ ولذلك قال: (واعتقاد فضلهم ومعرفة سابقتهم) أي: أنهم سبقوا إلى الخير، وسبقوا إلى الفضل، وسبقوا إلى نصرة الشريعة ونصرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ثم استدل المؤلف ﵀ لما تقدم من واجبات في حق صحابة رسول الله ﷺ فقال: [قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر:١٠]] هذه الآية جاءت في سياق بيان الذين يستحقون الأخذ من الفيء، والفيء: هو ما يوقف عليه من أموال الكفار بلا قتال، فجعل الله الحق فيها: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الحشر:٨] ثم ذكر الله ممن يستحق الفيء بعد ذكر المهاجرين والأنصار: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: من بعد المهاجرين والأنصار، لكن ليس كل أحد جاء بعدهم إنما من كان على هذه الصفة ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠] ، فهذا فيه الدعوة لهم بالرحمة والدعوة لهم بالمغفرة.
قال: [وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩]] وهذا من أبرز ما تميز به الصحابة ﵃ أنهم أشداء على أعداء الله الذي يحادون الله ويكذبون رسله، وهم فيما بينهم أهل رحمة وتواضع وخفض جناح وذلة وتقارب، حتى إنه وصفهم الله بهذا الوصف في قوله تعالى: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩] والرحماء: جمع رحيم، والرحيم: هو الذي يسعى في إيصال الخير وقطع الشر عن المرحوم، فهم ﵃ كانوا يسعون في إيصال كل خير لكل من يعرفونه من أهل الإسلام، ويسعون في قطع كل شر عمن يعرفونه من أهل الإسلام ﵃ وأرضاهم، وكفى بتزكية الله لهم تزكية في هذه الآية وفي غيرها من الآيات.
стр. 234
حرمة سب الصحابة
قال: [وقال النبي ﷺ : (لا تسبوا أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) ] هذا الحديث رواه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد ﵁، وقد ذكر مسلم له قصة وهي: أن خلافاً وقع بين خالد بن الوليد ﵁ وبين عبد الرحمن بن عوف، فتكلم خالد ﵁ في عبد الرحمن وسبه، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: (لا تسبوا أصحابي) يقول هذا ويوجه هذا لـ خالد بن الوليد، وخالد صحابي، لكنه من الذين أسلموا بعد الفتح، أي: بعد صلح الحديبية، فهو ممن تأخر إسلامه، فنهى رسول الله ﷺ أصحابه الذين تأخر إسلامهم أن يسبوا وأن يتكلموا فيمن تقدم إسلامهم كـ عبد الرحمن بن عوف وغيره من الصحابة الذين أسلموا قبل الفتح، فكيف بمن جاء من غير الصحابة من بعدهم؟! فإذا كان الصحابة فيما بينهم يتفاضلون هذا التفاضل ففضل الصحابة -على وجه الإجمال- على من بعدهم كفضل الأولين منهم على المتأخرين.
معنى هذا: أن هذا النهي نهي لكل مسلم عن أن يسب أحداً من أصحاب النبي ﷺ سواء كان ممن تقدم إسلامه أو ممن تأخر إسلامه؛ لأن نسبة من بعد الصحابة إلى الصحابة كنسبة المتأخرين منهم إلى المتقدمين، وهذا دليل على ما ذكرنا قبل قليل من أنه كلما ازداد وصف الصحبة في شخص فإنه يستحق من الفضل والمكانة والمحبة وسائر ما يلزم من التولي أكثر من غيره، فإن عبد الرحمن بن عوف يستحق من المحبة والتولي والاستغفار والترحم، أكثر ممن جاء بعده كـ خالد بن الوليد، وإن كان الجميع يشتركون في أصل الحق وهو التولي والمحبة والاستغفار والكف عن مساوئهم والكف عما شجر بينهم والاستغفار لهم، وما إلى ذلك مما تقدم ذكره في كلام المؤلف.
فنهى رسول الله ﷺ أهل الإسلام عن سب أصحابه، فكل من كان صاحباً للنبي ﷺ فإنه لا يجوز سبه، لكن أيهما أعظم وأشد في السب: أن يسب الإنسان أبا بكر ﵁ أو أن يسب وحشياً ﵁؟
الجواب
أن يسب أبا بكر.
وأيهما أعظم أن يسب عمر أو أن يسب من تأخر إسلامه أو من تأخر إيمانه من الصحابة ﵃؟ الجواب: لا شك أن سب عمر ﵁ أعظم، ولذلك يجب أن يكف المؤمن عن سب كل أهل الإيمان من صحابة رسول الله ﷺ ، لكن يشتد الأمر بالمؤاخذة والذنب بقدر ما يكون من الوقيعة فيهم ﵃، فسب معاوية -مثلاً- ممن أسلم بعد فتح مكة، أو عمرو بن العاص ﵁ محرم؛ لكن سب أبي موسى وأبي هريرة أعظم من سبهما، وكذلك سب طلحة والزبير وسعد وسعيد أعظم من سب أبي موسى وأبي هريرة، وكذلك سب أبي بكر وعمر أعظم من سب من دونهم من الصحابة ﵃.
فقوله: (لا تسبوا أصحابي) نهي عن سب الجميع، ويتأكد هذا النهي في حق من عظمت منزلته في الصحبة وطالت صحبته لرسول الله ﷺ .
وقوله ﷺ : (فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً) أي: مثل جبل أحد وهو جبل معروف بالمدينة، يقع في جهة الشمال منها، فلو أنفق غير الصحابي مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم، أي: ما بلغ في الأجر والمثوبة قدر ما ينفق أحد المتقدمين من الصحابة ملء يديه، فالمد هو: ملء اليدين أو نصيفها أي: نصف المد، وهذا يبين أن الفضل فيما يقوم في القلب، وأن السابقة لها فضل عند الله كما قال الله جل وعلا: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة:١٠] .
فكل من سبق إلى الفضل فله من المنزلة والمكانة ما ليس لغيره ممن تأخر عن هذا الفضل وعن هذا الخير، فمعنى الحديث: لو أنفق قدر ما تملأ اليدين نفقة في سبيل الله، فإن نفقة الواحد منهم نصف المد خير من أن ينفق غيره مثل جبل أحد ذهباً.
стр. 235
فضل أمهات المؤمنين ﵅ وحقوقهن
قال المؤلف ﵀: [ومن السنة: الترضي عن أزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين المطهرات المبرآت من كل سوء، أفضلهن خديجة بنت خويلد، وعائشة الصديقة بنت الصديق، التي برأها الله في كتابه، زوج النبي ﷺ في الدنيا والآخرة، فمن قذفها بما برأها الله منه فقد كفر بالله العظيم.
ومعاوية خال المؤمنين، وكاتب وحي الله، أحد خلفاء المسلمين ﵃] .
стр. 236
حكم سب الصحابة
يقول المؤلف ﵀: (ومن السنة الترضي عن أزواج رسول الله ﷺ وقبل أن نتكلم عن هذا المقطع نسأل: ما هو حكم سب أصحاب رسول الله ﷺ ؟
الجواب
سب أصحاب رسول الله ﷺ لا يخلو من أحوال: الحالة الأولى: أن يسبهم بالكفر، بمعنى أن يكفر من علم إسلامه منهم، ويقول -مثلاً-: الصحابة كفروا إلا نفراً قليلاً، فهذا لا شك في كفره.
الحالة الثانية من أحوال السب: أن يسبهم ويلعنهم ولا يتهمهم بالكفر، فهذا لا شك أنه ذنب عظيم كبير يوجب المؤاخذة والعقوبة، وهذا باتفاق أئمة الدين ولا خلاف بينهم.
الحالة الثالثة: أن يصفهم بما لا يقدح في دينهم من بغض أو ما أشبه ذلك، فهذا أيضاً من المحرمات، والفارق بين هذا والذي قبله أن الذي قبله اختلف العلماء فيه على قولين: فقيل: إنه يكفر، وقيل: إنه لا يكفر، أما هذا الذي هو سب بما يقدح وينقص منزلتهم لكن بما لم يلحقهم به نقص في دينهم فإنه يكون من الكبائر والآثام.
فهذه هي منازل ومراتب سب الصحابة ﵃.
وأشهر من عرف بسب الصحابة هم الباطنية الرافضة عليهم من الله ما يستحقون، فإنهم يتقربون إلى الله بسب الصحابة، وهم لا يزدادون بهذا من الله إلا بعداً، ويسوغون هذا ويبررونه بحب آل البيت، وأهل السنة والجماعة أعظم منهم حباً لآل البيت، وأعظم منهم نصرة لله ورسوله، وقد جمعوا بين الفضيلتين، وليس بين حب آل البيت وحب الصحابة تعارض، بينما عند الرافضة أنه لا ولاء إلا ببراء، ولا ولاء لأهل البيت إلا بالبراءة من أبي بكر وعمر، والسابقين الأولين من الصحابة ﵃.
ونحن نقول: لا ولاء إلا بولاء، فلا ولاء لأهل البيت إلا بمحبة وولاء صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
стр. 237
من هن أمهات المؤمنين؟ وكم عددهن ؟
ومن جملة حقوق الصحابة ما بينه المؤلف ﵀ في هذا المقطع حيث قال: (ومن السنة الترضي عن أزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين المطهرات المبرآت من كل سوء) ؛ أزواج النبي ﷺ أي: من نكحهن ﷺ .
وهن ﵅ قد أثنى الله عليهن وبين منزلتهن في قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب:٦] وهذا الخبر من الله فيه بيان ما لهن ﵅ من المنزلة، فهن أمهات المؤمنين، ومعنى الأمومة هنا أي: في الحرمة والاحترام والتوقير والإعظام والإكرام، وليست أمومة نسب بلا شك، ولا توجب محرمية، أي: ليست أمومة تبيح الخلوة، وتبيح ما يستبيحه الإنسان من النظر إلى أمه وما إلى ذلك، وإنما هي أمومة احترام وإجلال وتقدير لما لهن ﵅ من المنزلة، فهن أزواج النبي ﷺ في الدنيا وأزواجه في الآخرة.
والمؤلف ﵀ أثبت هذا لجميع أزواج النبي ﷺ وهو كذلك، فهن ﵅ في أصل هذه المنزلة سواء باستحقاقهن ذلك.
يقول: (المطهرات المبرآت من كل سوء) المطهرات: اللواتي طهرهن الله جل وعلا، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣] فلا شك أن المراد بأهل البيت في هذه الآية زوجات النبي ﷺ ، فهن من أهل البيت بنص القرآن؛ لأن الكلام السابق واللاحق كله في شأن زوجاته ﷺ وفي شأن نساء النبي ﷺ .
وقوله: (المبرآت من كل سوء) أي: أنهن سليمات بريئات من كل سوء يلحقه أحد بهن، وزوجات النبي ﷺ منهن من توفيت في حياته وهن خديجة بنت خويلد أول زوجات النبي ﷺ ، وزينب بنت خزيمة الهلالية ﵂، وهي مشهورة بـ أم المساكين، هاتان الزوجتان توفيتا في حياة النبي ﷺ .
وبقي من أزواجه: عائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وصفية بنت حيي، وزينب بنت جحش، وجويرية بنت الحارث الهلالية، وميمونة بنت الحارث المخزومية، وأم سلمة هند بنت أبي أمية المخزومية وسودة بنت زمعة.
وأما مارية فليست زوجته، وإنما هي سريته ﵂.
فتلك هن اللواتي توفي عنهن رسول الله صلى اله عليه وسلم، أضف إليهن الثنتين اللتين توفيتا قبله، فيكون المجموع إحدى عشرة امرأة تزوجها النبي ﷺ .
هؤلاء هن زوجات النبي ﷺ ولهن من الحق والمكانة ما ذكر ﵀.
стр. 238
أفضل أمهات المؤمنين خديجة وعائشة
ثم ذكر التفضيل بين زوجات النبي ﷺ فقال: (أفضلهن خديجة بنت خويلد -وهي أول زوجاته- وعائشة الصديقة بنت الصديق التي برأها الله في كتابه) ذكر المؤلف ﵀ في المفاضلة عائشة وخديجة، وقد اختلف العلماء ﵏ في التفضيل بين هاتين الزوجتين من أزواج النبي ﷺ ، وأما من بقي من الزوجات فإنهن لم يذكرن، أي: لم يذكر العلماء ﵏ التفاضل بينهن، فالخلاف في التفضيل بين زوجات النبي ﷺ إنما هو في خديجة وعائشة، وعلم بذلك أن أفضل زوجات النبي صلى اله عليه وسلم هما: خديجة بنت خويلد وعائشة بنت أبي بكر ﵄.
وأما أقوال العلماء: فمنهم من قال: خديجة أفضل، ومنهم من قال: عائشة أفضل، ومنهم من توقف وقال: لا نفضل، ومنهم من قال: إن خديجة أفضل من وجه وعائشة أفضل من وجه، خديجة في صدر الإسلام لما كان لها من المكانة في نصرة النبي ﷺ وإعانته وتثبيته على الرسالة، وعائشة أفضل في آخر حياة النبي ﷺ لما كان لها من حفظ الشريعة وحسن التبعل للنبي ﷺ ، حتى إنه لما سئل ﷺ : (من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة، ثم قال: فمن الرجال؟ قال: أبوها) فلها من المنزلة ﵂ ما لم يشاركها فيه أحد، فيكون الفضل مقسوماً بين خديجة ﵂، وبين عائشة، وكل لها فضل.
стр. 239
حكم من قذف أمهات المؤمنين
يقول ﵀ في حق عائشة: (التي برأها الله في كتابه) أي: برأها من الإفك الذي اتهمت به ﵂، فهي زوج النبي ﷺ في الدنيا والآخرة، وهذا لا تختص به عائشة ﵂ بل يشركها فيه جميع زوجات النبي ﷺ .
قال: (فمن قذفها) أي: قذف عائشة ﵂ (بما برأها الله منه) أي: بما طهرها الله من الإثم ومن الزنا والفاحشة: (فقد كفر بالله العظيم) ، ولماذا كفر بالله العظيم؟
الجواب
لأنه كذب القرآن الذي فيه البراءة واضحة جلية في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور:١١] فسماه الله إفكاً لكذب وفداحة ما وقعوا فيه من وصف عائشة ﵂ بما وصفوها به من الزنا الذي برأها الله منه! ﵂.
стр. 240
فضل معاوية ﵁
يقول ﵀: (ومعاية خال المؤمنين، وكاتب وحي الله، وأحد خلفاء المسلمين ﵃ جاء ذكر معاوية على وجه الخصوص للرد على الذين سبوه وكفروه ووقعوا فيه ﵁، فـ معاوية بن أبي سفيان وقع فيه الرافضة والخوارج فكفره الخوارج، وكفره الرافضة وسبوه وشتموه، وهو ﵁ من صحابة رسول الله ﷺ ، له من الحق مثلما لغيره، فهو داخل في كل ما للصحابة من فضائل وما لهم من الحقوق ﵁.
стр. 241
هل يعد أقارب أمهات المؤمنين أقارباً للمؤمنين
ووصفه المؤلف ﵀ بقوله: (خال المؤمنين) لأنه أخو أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان ﵂ زوج النبي ﷺ ، وهذا الوصف اختلف العلماء ﵏ فيه على قولين: هل يوصف إخوان زوجات النبي ﷺ بأنهم أخوال المؤمنين وأخواتهن بأنهن خالات المؤمنين فتكون -مثلاً- أسماء بنت أبي بكر خالة المؤمنين، ويكون عبد الله بن عمر خال المؤمنين؟ وكذلك اختلفوا في بناتهن هل يوصفن بأنهن أخوات المؤمنين؟ واختلفوا أيضاً في آبائهن -آباء أمهات المؤمنين- هل يوصفون بأنهم أجداد المؤمنين وأمهاتهن جدات المؤمنين؟ الذي عليه جمهور العلماء أنهم لا يوصفون بذلك؛ لأن هذه الفضيلة خاصة بزوجات النبي ﷺ دون غيرهن، وهي أمومة حرمة واحترام وتقدير وفضل وإجلال، وليست أمومة نسب حتى تنتشر وتتسع، فوصف معاوية بخال المؤمنين هو من هذا الوجه، وقد ذهب الشافعي ﵀ إلى أنه يجوز أن يوصف بهذا الوصف.
يقول: (وكاتب وحي الله) أي: أنه كتب الوحي للنبي ﷺ ، فهو من كتبة الوحي ﵃، وأحد خلفاء المسلمين ﵃ إذ اجتمع عليه المسلمون بعد تنازل الحسن بن علي ﵁ عن الخلافة، فاجتمع المسلمون في سنة إحدى وأربعين على معاوية ﵁، وأصبح بذلك الخليفة للمسلمين الذي ولي من قبله من الخلفاء.
والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 242
شرح لمعة الاعتقاد [١٩]
من ضروريات حياة الناس أن يكون لهم إمام، لتستقيم حياتهم وتصلح معيشتهم، حتى قيل: إمام غشوم ولا فتنة تدوم.
ولما كانت الإمامة بهذه المنزلة أمر الشرع بطاعة ولاة الأمور ما لم يأمروا بمعصية، فإن أمروا بمعصية فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
стр. 243
طاعة ولاة أمور المسلمين
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد: فيقول المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن السنة: السمع والطاعة لأئمة المسلمين وأمراء المؤمنين، برهم وفاجرهم، ما لم يأمروا بمعصية الله، فإنه لا طاعة لأحد في معصية الله، ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به، أو غلبهم بسيفه حتى صار الخليفة وسمي (أمير المؤمنين) ، وجبت طاعته، وحرمت مخالفته والخروج عليه وشق عصا المسلمين] .
عاد المؤلف ﵀ إلى ذكر ما يجب لولاة الأمر من أئمة المسلمين، وقد بينا أن قوله ﵀: (من السنة) أي: من الطريقة التي سار عليها أهل السنة والجماعة، وسلكها أئمة هذا الدين من الصحابة فمن بعدهم.
قوله: (السمع والطاعة لأئمة المسلمين) السمع معناه: القبول، والطاعة معناها: الامتثال، وليس المراد بالسمع هنا إدراك الأصوات، إنما المراد بالسمع في مثل هذا المقام القبول، والطاعة: التنفيذ والامتثال، ومنه قول القائل في صلاته: سمع الله لمن حمده، أي: أجاب الله من حمده، فالسمع ليس المراد منه في مثل هذه الموارد إدراك الأصوات، بل المراد به ما هو أكثر من ذلك من قبول ما يقول وامتثال ما يأمر.
والأئمة جمع إمام، والإمام هو من يؤتم ويقتدى به ويجتمع عليه.
وقوله ﵀: (لأئمة المسلمين) أي: الذين يأتم بهم أهل الإسلام ويجتمعون عليهم.
قال: (وأمراء المؤمنين) أي: من تأمروا على أهل الإيمان، فحقهم أن يسمع لهم وأن يطاع لهم، وأدلة هذا أكثر من أن تحصى، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] فأمر الله بطاعته وطاعة رسوله وطاعة أولي الأمر الذين لهم ولاية، وهذه الآية لا تختص بمن له الولاية العليا فحسب، بل هي شاملة لمن له الولاية العليا ومن كان دونه من أصحاب الولايات، فإنه يطاع كل ولي فيما له فيه ولاية، هذا هو الواجب، وهذا هو الذي دلت عليه الآية.
وأما السنة فقد جاء ذلك في أحاديث كثيرة ففي الصحيحين من حديث ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (على المرء المسلم السمعُ والطاعة فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا طاعة، أو فلا سمع ولا طاعة) وهذا يدل على وجوب السمع والطاعة لولاة الأمر، وقد قال جرير بن عبد الله ﵁ في بيان ما بايع عليه رسول الله ﷺ : (بايعت رسول الله ﷺ على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والسمع والطاعة، والنصح لكل مسلم) ، وفي حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: (بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في المنشط والمكره والعسر واليسر على أثرة علينا، وأن نقوم أو نقول بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم) .
كل هذه الأدلة وغيرها كثير في سنة النبي ﷺ تدل على السمع والطاعة، بل إن النبي ﷺ أمر بوجوب السمع والطاعة عند الاختلاف والتفرق كما في حديث العرباض بن سارية: (إنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين) الحديث.
ومن سنته ﷺ : السمع والطاعة، ولو كان المتأمر عبداً حبشياً، أي: ممن لا يرى له العرب حقاً في الولاية، هذا هو المقصود من التمثيل بالعبد الحبشي، وليس ذماً له أو انتقاصاً له، لكن لما كانت العرب تأبى نفوسهم في ذلك الوقت أن يتأمر عليهم مثل هذا ذكره رسول الله ﷺ ، يعني: حتى ولو كان على هذه الصفة.
стр. 244
حكم الطاعة في المعصية
ولما أخبر ﷺ باختلاف الأمور بعده كما في صحيح الإمام مسلم لما قالوا له: (أفلا ننابذهم؟ فقال النبي ﷺ : لا، ما أقاموا فيكم الصلاة) ، وفي حديث عبادة: (وألا ننازع الأمر أهله قال: إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان) .
فهذا كله يدل على وجوب السمع والطاعة في المعروف فيما فيه مصلحة العباد والبلاد، أما إذا كان الأمر في معصية الله فلا طاعة لمخلوق في معصية كائناً من كان، لأن الله فرض طاعة ولاة الأمر وجعلها فرعاً عن طاعته، وهذا هو السر في أن الله لم يُعد ذكر الأمر في الطاعة في ذكر طاعة ولاة الأمر؛ لأن طاعتهم ليست طاعة مستقلة بل هي طاعة تابعة، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ لم يقل: وأطيعوا أولي الأمر منكم، وإنما قال: ﴿وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] فلم يذكر فعل الطاعة في حق ولاة الأمر؛ لأنها تابعة لطاعة الله ورسوله، أما طاعة الله فهي واجبة استقلالاً، وطاعة النبي واجبة استقلالاً كما قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧] .
وهذه مسألة تميز بها أهل السنة والجماعة عن غيرهم، وإذا راقبت وتأملت خيرة سلف الأمة من الصحابة فمن بعدهم وجدتهم على هذه السنة الظاهرة المشتركة بينهم ﵏ ورضي الله عنهم، لتضافر الأدلة عليها.
ولا يعني هذا ألا يأمر الإنسان بالمعروف ولا ينهى عن المنكر، بل الواجب هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن على ما تقتضيه الشريعة.
يقول ﵀: (برهم وفاجرهم) أي: تجري الطاعة لمن كان براً ولمن كان فاجراً، سواء كان براً في خاصة نفسه وولايته أو كان فاجراً في خاصة نفسه وولايته، ما لم يبلغ الفجور إلى الكفر، فإذا بلغ فلا طاعة لكافر، ومما حكى القاضي عياض إجماع المسلمين عليه أنه لا طاعة للكافر إذا تولى على المسلمين.
قال ﵀: (ما لم يأمروا بمعصية الله فإنه لا طاعة لأحد في معصية الله) ، لا إشكال في هذا، والأدلة على هذا الأمر واضحة وجلية.
стр. 245
المقصود بالولاية
قال ﵀: (ومن ولي الخلافة) أي: من تولى الأمر.
والخلافة المقصود بها الولاية سواء كانت الخلافة متسعة الرقعة كخلافة الراشدين وخلافة بني أمية وبني العباس في أولها، أو كانت الخلافة ضيقة، كالحال في أواخر الدولة العباسية، فإن حال الناس في آخر الخلافة الإسلامية -خلافة بني العباس- تقسمت بلاد المسلمين وأصبح لكل جهة ولاية وولي، بل إن هذا الأمر كان في عهد الصحابة ﵃، فكان معاوية على الشام وكان علي ﵁ على العراق ومصر واليمن والحجاز، فهذا التقسم ليس أمراً حادثاً، ومع هذا يجب طاعة كل من ولي أمر المسلمين في تلك الجهة التي هو فيها.
стр. 246
طرق الولاية
قال ﵀: (ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به وجبت طاعته، أو غلبهم بسيف حتى صار خليفة وجبت طاعته) وهذا فيه بيان طريقة الولاية: منها: ما تكون عن اجتماع ورضاً.
ومنها: ما يكون عن غلبة وظهور، والواجب في الولايتين من حيث السمع والطاعة واحد؛ لأنه يجب السمع والطاعة لمن اجتمع عليه أهل الإسلام ورضوا به ونصبوه خليفة عليهم أو إماماً لهم، وكذلك يجب طاعة من تغلب وظهر بقوة على المسلمين، جمعاً للكلمة ودفعاً للشر الذي يحصل بالفرقة والاختلاف والمنازعة وإراقة الدماء.
стр. 247
فائدة ولاة الأمر
قال ﵀: (وسمي أمير المؤمنين وجبت طاعته، وحرمت مخالفته والخروج عليه وشق عصا المسلمين) كل هذا مما يجب لولاة الأمر، وبه تنتظم مصالح الدنيا ومصالح الآخرة، ففي هذا الأصل تنتظم مصالح الناس في دينهم وفي دنياهم فإنه لا استقامة للناس في دنياهم بلا ولاة، ولا يمكن أن يقوم الدين بلا ولاية، وهذا أمر لا إشكال فيه، ولذلك جاءت الشريعة بالتأمير في الاجتماع العارض، فإذا سافر ركب من ثلاثة فأكثر أمروا عليهم أميراً كما جاء ذلك في السنة، فكيف بالاجتماعات الدائمة القائمة؟! فالإمارة والولاية فيها من باب أولى، ومن باب آكد ولا خلاف في هذا، وقد قال الشاعر: لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا وأمثلة وشواهد هذا في حال غياب الولاية وما يحصل من فساد بين الناس موجودة في التاريخ الحديث والتاريخ القديم؛ لأن الناس إذا لم يكن لهم سلطان يردعهم ويصلح شئونهم ويدير أمورهم -ولو كان في سلطته جور وظلم وتعد ومعصية- فسدت أحوالهم ومعيشتهم.
стр. 248
التعامل مع أهل البدع
قال المؤلف ﵀: [ومن السنة: هجران أهل البدع ومباينتهم] .
стр. 249
هجر أهل البدع
(من السنة) أي: من طريقة السلف التي كان عليها صحابة رسول الله ﷺ ومن بعدهم من أئمة الدين هجران أهل البدع، والهجر: هو الترك والإعراض، والهجر سنة في محلها، وذلك فيمن يستحق الهجر، فقد هجر النبي ﷺ الثلاثة الذين تخلفوا عنه في غزوة تبوك، وأمر المسلمين بهجرهم.
فالهجر يختلف حكمه باختلاف الباعث عليه وما يحققه، لكن ندرك أن الهجر مصلحة، أي أن الهجر مقصوده تحصيل المصلحة كما هو الشأن في جميع أحكام الشريعة، فإذا كان الهجر يترتب عليه مفسدة فإنه لا يؤمر به وليس من الشرع، إنما يؤمر به ويعمل به إذا كان مصلحة.
يقول ﵀: (هجران أهل البدع) المقصود بأهل البدع هنا: من كانوا على طريقة مخالفة لطريق السلف ينافحون عنها ويدعون إليها ويعملون بها، وليس المراد بأهل البدع من وقع في مخالفة لطريق أهل السنة والجماعة في أمر من الأمور، إنما المقصود من كان طريقه مختلفاً عن طريق أهل السنة، يدعو إلى غير هدي السلف الصالح، ويعمل به وينافح عنه، وسيمثل المؤلف ﵀ لأهل البدع الذين يقصدهم ويعنيهم بكلامه بقوله: (كالرافضة والجهمية والخوارج والقدرية والمرجئة والمعتزلة والكرامية والكلابية ونظائرهم) أي: ممن كان على مرتبتهم ودرجتهم، فالمقصود بأهل البدع الذين من السنة هجرهم هم: من كان على طريق مخالف لطريق أهل السنة والجماعة في قوله وعقده، وعمله ودعوته.
قال ﵀: (هجران أهل البدع ومباينتهم) أي: عدم الاختلاط بهم حتى لا يشتبه حالهم على الناس فيقبلون منهم.
стр. 250
ذم الجدال والخصومة في الدين
قال المؤلف ﵀: [وترك الجدال والخصومات في الدين] : الجدال المقصود به: المماراة والمناقشة التي لا مصلحة فيها ولا فائدة، وليس المراد بالجدال ما كان محققاً للمصالح مبيناً للحق ذابَّاً عن السنة، فإن هذا مأمور به في أهل الكفر الذين هم أشد من أهل البدعة كما قال الله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] فأمر الله بالمجادلة وأمر بصفة هذا الجدال أن يكون بالتي هي أحسن، يعني: بأحسن ما يحصل به بيان الحق وتوضيحه، وإيصاله إلى المقصود بالمجادلة.
следующие страницы →