← Акыда

Акыда · id 7713

شرح لمعة الاعتقاد لخالد المصلح

خالد المصلح

Полный текст (265 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

سؤال منكر ونكير للميت وسبب تسميتهما بهذين الاسمين ثم قال ﵀: (وسؤال منكر ونكير حق) : هذا بيان تفصيل الفتنة، وأن الفتنة تكون بسؤال منكر ونكير. ومنكر ونكير ملكان كريمان، وإنما سميا بهذين الاسمين منكَر-بفتح الكاف- ونكير؛ لأنهما لا يعرفهما الإنسان، فهما غير معروفين لمن يأتيان إليه، فالنكارة هنا ليست لفعلهما، ولا لحالهما، وإنما النكارة لكون الإنسان يجهلهما. وقيل: إنهما يأتيانه على صورة منكرة فظيعة، تدهش العقول وتذهب الألباب، وتذيب القلوب، وهذا الموقف هو الذي يحصل به الفضل لأهل الفضل كما في قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧] ، فالثبات الذي يكون في الآخرة منه ما يكون في القبر عند سؤال منكر ونكير، بل هو سبب نزول هذه الآية كما في الصحيح، فهذان الاسمان لهذين الملكين إنما هما في الحقيقة وصف لحالهما وليس تقليلاً لشأنهما، فهما من الملائكة الكرام الذين سخرهم الله . وقد جاء إطلاق هذين الاسمين عليهما في السنة فيما رواه ابن حبان في صحيحه، وأيضاً جاء في مسند الإمام أحمد، فهذان الاسمان لهذين الملكين ثبتا بالسنة، وإن كان بعض أهل العلم يضعف ما ورد في ذلك. ثم قال: (والبعث بعد الموت حق) : البعث هو ما أخبر به الله به من قيام الناس لرب العالمين حفاة عراة غرلاً، ولعلنا نترك التفصيل بما يتعلق بالبعث إلى الدرس القادم، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 177

شرح لمعة الاعتقاد [١٣] من عقيدة أهل السنة والجماعة الإيمان بكل ما ورد من أخبار النبي ﷺ في أمور الآخرة، ومن ذلك: الشفاعة العظمى الخاصة بالنبي ﷺ ، وهي المقام المحمود الذي يحمده عليه أهل الموقف، ثم ما يتبع ذلك من حساب ونصب للموازين، ووزن للأعمال، وتطاير الصحف، ونشر للدواوين، والجواز على الصراط.

стр. 178

الإيمان بحشر الخلائق بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فيقول المؤلف رحمه الله تعالى: [ويحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً بهماً، فيقفون في موقف القيامة حتى يشفع فيهم نبينا محمد ﷺ ، ويحاسبهم الله ﵎، وتنصب الموازين، وتنشر الدواوين، وتتطاير صحائف الأعمال إلى الأيمان والشمائل ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ [الانشقاق:٧-١٢] . والميزان له كفتان ولسان توزن به الأعمال: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٢-١٠٣]] . هذا صلة لما تقدم من الكلام على الإيمان باليوم الآخر، والمؤلف ﵀ ذكر شيئاً مما يتعلق بالإيمان باليوم الآخر ولم يستوعبه، وقد تقدم أن الإيمان باليوم الآخر يقتضي الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مما يكون بعد الموت، كما قال ﵀: (والبعث بعد الموت حق) ، ثم قال: (وذلك حين ينفخ إسرافيل ﵇ في الصور) (فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ [يس:٥١] ) . وقد جاء النفخ في القرآن في ثلاثة مواضع: الموضع الأول قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل:٨٧] ، هذه النفخة الأولى وتسمى نفخة الفزع. والنفخة الثانية والثالثة في سورة الزمر في قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨] ، فحصل من هذا ثلاث نفخات: نفخة الفزع، ونفخة الصعق، ونفخة القيام والبعث. والمؤلف ﵀ ذكر في هذه الآية نفخة البعث التي يقوم بها الناس لرب العالمين، كما قال الله : ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين:١-٣] ، ﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٤-٦] ، فهذا القيام عقب النفخ هو الذي يقوم به الناس من قبورهم، ويحشرون به إلى ربهم، قال ﵀ في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ [يس:٥١] أي: يأتون من كل مكان، ويجتمعون من كل صوب، والنسل في قوله تعالى: (ينسلون) يدل على كثرة وعظم هذا البعث، وأنه بعث عظيم يأتي بالناس ويجمعهم من كل مكان. قال ﵀: (ويحشر الناس يوم القيامة) . بعد أن ذكر البعث وقيام الناس لرب العالمين ذكر الحشر، ويحشرون: أي يجمعون، وهذا الجمع ليس خاصاً بالناس، وإنما خصهم المؤلف ﵀ بالذكر لكونهم هم الذين يقصدون بالبعث والنشور والحشر؛ لأن مقصود الحساب والجزاء أن يتبين أهل السعادة وأهل الشقاء، وأما بعث ونشر وحشر غيرهم فهو تابع، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير:٥] ، فالوحوش تحشر وتجمع، وقال تعالى في حشر الخلائق:: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام:٣٨] ، أي: كل ما طار وما درج وكل ما خلقه الله يحشر يوم القيامة، فكل ذي حياة يبعث يوم القيامة ويؤتى به إلى أرض المحشر. قوله ﵀: (ويحشر الناس) تخصيص لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] ، فيحشرون ويجمعون على الصفة التي ذكرها الله . وسمى اليوم بيوم القيامة؛ لأنه ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] ، ولأنه اليوم الذي يقام فيه الميزان بالقسط، ولأن الله يقيم فيه العدل؛ فهذا هو سبب تسمية هذا اليوم بيوم القيامة. قال ﵀ في صفة حشر الناس: (حفاة عراة غرلاً بهماً) ، وهذه الأوصاف جاءت بها السنة، ففي حديث ابن عباس في الصحيحين قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إنكم ملاقو ربكم حفاة عراة غرلاً) ، وأما زيادة: (بهماً) فجاءت في مسند الإمام أحمد بسند لا بأس به، قال رسول الله ﷺ : (يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً بهماً، قالوا: ما بهماً يا رسول الله؟ قال: ليس معهم شيء) ، أي كما قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء:١٠٤] ، ﴿وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾ [الأنعام:٩٤] ؛ فكل الناس يأتي يوم القيامة ليس معه شيء من هذه الدنيا إلا ما كان من العمل الصالح، كما قال النبي ﷺ في الصحيحين: (يأتي الرجل يوم القيامة فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه -جهة شماله - فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أمامه فلا يرى إلا النار) ، وإنما ذكر العمل عن اليمين وعن اليسار؛ لأن به يحصل فكاكه مما بين يديه. يقول المؤلف ﵀ في بيان ذلك الموقف: (حفاة) : أي ليس معهم شيء يقي أقدامهم، (عراة) : ليس معهم ما يستر أجسادهم، (غرلاً) : قد تم خلقهم فلا نقص فيهم بوجه من الوجوه، حتى هذه القطعة التي تؤخذ من الذكور عند ختنهم بعد ولادتهم تعاد: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٤] ، فلا يضيع شيء من خلق الناس: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ [ق:٤] ، أي: يحفظ كل قطعة وكل جزء وكل ذرة من خلق الإنسان، ويعلم أين ذهبت؛ فيجمعها الله ويتركب منها هذا الخلق يوم القيامة. قال: (فيقفون في موقف القيامة) ، أي: في أرض المحشر يقفون قياماً على أقدامهم في ذلك اليوم الشديد العصيب.

стр. 179

الشفاعة العظمى للنبي في الموقف قال ﵀: (حتى يشفع فيهم نبينا محمد ﷺ . فإنهم يقفون مدة طويلة، وهذه المدة ليست مدة لهو وابتهاج ونظر؛ إنما هي مدة عظيمة طويلة يطولها الله على أهل المعصية والكفر، ويقصرها جل وعلا ويخففها على أهل الإيمان والتقى والصلاح الذين قال الله فيهم: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:٣٨] ، اللهم اجعلنا منهم! يقول النبي ﷺ فيما رواه الإمام مسلم من حديث المقداد بن الأسود: (تدنو الشمس يوم القيامة من رءوس الخلائق. قدر ميل أو ميلين، فيكون الناس في عرقهم على قدر أعمالهم، فمنهم من يأخذه العرق إلى عقبيه، ومنهم من يأخذه العرق إلى حقويه - يعني إلى منتصف جسمه - ومنهم من يأخذه العرق إلى ثدييه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً) ، هكذا يتفاوت الناس في شدة ذلك اليوم بسبب صهر الشمس لهم بقدر ما كان من أعمال لهم في هذه الدنيا قف الآن في الشمس وانظر مدى أثرها عليك، وهل تطيق ذلك أو لا؟ فما ظنك بهذه الشمس عندما تدنو من رءوس الخلائق قدر ميل أو ميلين، والميل إما أن يكون ميل المكحلة، وهو الجزء الذي يدخل في أداة الاكتحال، وإما أن يكون المسافة المعروفة، وكلاهما قريب. يقف الناس في ذلك الموقف العصيب الشديد، ثم يضيقون لطول الموقف وشدته، فيطلبون فكاكاً من ذلك الموقف، ويطلبون شفاعة سادات الخلق وهم الرسل الكرام، فيبدءون بآدم أبي البشر، فيأتون إليه ويقولون له: يا آدم! أنت الذي خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، فاشفع لنا، ألا ترى ما نحن فيه؟! ألا ترى ما قد بلغنا؟! يعنون: من الشدة والكرب، فيقول: لست لها، اذهبوا إلى نوح، فيذهبون إلى نوح فيعتذر ويحولهم إلى إبراهيم، فيعتذر إبراهيم ويحولهم إلى موسى، فيعتذر موسى ويحولهم إلى عيسى وهكذا أربعة من أولي العزم من الرسل خامسهم آدم ﵇، فيحولهم عيسى ﵇ إلى النبي ﷺ . فيأتون إليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في ذلك الموقف الشديد العظيم فيقولون: ألا ترى ما نحن فيه؟! ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟! فيقول النبي ﷺ : (أنا لها، أنا لها) ، فيقوم ﷺ ويخر لله ساجداً، فيقال له: (ارفع رأسك، واشفع تشفع) فيشفع النبي ﷺ في فصل القضاء، أي: أن يأتي الله جل وعلا لفصل القضاء بين الخلائق، وهذه هي الشفاعة العظمى التي اختص بها رسول الله ﷺ ، وهو المقام المحمود الذي يحمده عليه الناس كلهم مسلمهم وكافرهم. وهذه الشفاعة لجميع الخلق مسلمهم وكافرهم؛ لأن الموقف موقف عظيم يضيق بالناس، سواء المسلم منهم والكافر، ولذا فإن هذه الشفاعة فيها نوع شفاعة للكفار، لكنها لا تنفعهم في الحقيقة، إذ إن ما يقبلون عليه وما يقدمون إليه أعظم مما خلفوا، فهو يشفع فيهم ليتخلصوا من شدة وكرب الموقف وينتقلوا إلى النار؛ نعوذ بالله من الخذلان والكفران، وهناك يكون الأمر أشد وأعظم. وهذه الشفاعة مشار إليها أيضاً عند أنواع الشفاعة، وهي الشفاعة العظمى والمقام المحمود الذي يحمد فيه النبي ﷺ كل الخلائق.

стр. 180

حساب الله للخلائق يوم القيامة قال: (ويحاسبهم الله ﵎ ، أي يحاسب الناس، وظاهر هذا أن الحساب لجميع الخلق مؤمنهم وكافرهم.

стр. 181

كيفية محاسبة الله للمؤمنين والكافرين ذكر الله جل وعلا المحاسبة، ووصف حسابه بأنه سريع، ووصف نفسه بأنه سريع الحساب، وهذه المحاسبة لا تختص بأهل الإيمان، بل تكون لأهل الإيمان وأهل الكفر، إلا أن أهل الإيمان حسابهم يسير، كما قال الله : ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق:٨] . أما من نوقش الحساب فإنه يعذب، كما في الصحيحين من حديث عائشة ﵂: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (من نوقش الحساب عذب، قالت: يا رسول الله! ألم يقل الله : ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق:٨] فقال: لا، إنما ذلك العرض) ، أي: أن الله يعرض الأعمال على أهل الإيمان ويقررهم عليها، لكنه لا يحاسبهم عليها ولا يعاقبهم بها. أما الكفار فإنهم يحاسبون؛ لكن محاسبتهم ليست محاسبة موازنة تحصى فيها حسناتهم وسيئاتهم، فينظر أيهما يرجح؛ لأن الكافر لا حسنات له، وقد قال الله جل وعلا: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣] ، والهباء هو الأشياء المتطايرة في شعاع الشمس، وهل هذه توزن أو يتكون منها شيء؟ لا يتكون منها شيء؛ ولذلك قال الله في الكافر: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف:١٠٥] ، أي: لأنه لا عمل له يوزن، لكن المحاسبة التي ثبتت لأهل الكفر هي إحصاء الأعمال وعرضها على الكفار. وأما المحاسبة التي توضع فيها الحسنات في كفة والسيئات في كفة؛ فلا تكون لأهل الكفر، لأنهم ليس لديهم حسنات حتى توزن وينظر هل ترجح بما معهم من السيئات أو لا؛ إنما معهم سيئات، وهي التي تهوي بهم في النار، نسأل الله السلامة والعافية. أما أهل الإيمان فهم يحاسبون، وحسابهم عرض أعمالهم عليهم، وأيضاً الموازنة بين الحسنات والسيئات، وينقسم الناس في هذا إلى أقسام: منهم من ترجح حسناته، ومنهم من ترجح سيئاته، ومنهم من تستوي الحسنات والسيئات.

стр. 182

نصب الموازين للحساب يقول ﵀: (وتنصب الموازين) ، أي: تقام كما قال الله : ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء:٤٧] ، فالله يضع الموازين. وقول المؤلف: (الموازين) ، يظهر منه أن الوزن ليس بميزان واحد بل بموازين متعددة، لقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ ، أي: الموازين العدل التي لا تحيف ولا تضل، فلا يهضم صاحب الطاعة شيئاً ولا يبخس شيئاً، ولا يحمل صاحب السيئات شيئاً من السيئات لم يعمله، بل هي موازين قسط. والميزان معروف في كلام العرب، وهو ما يوزن به الشيء، والوزن للأعمال هو الأصل، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم) . ولا تقل: كيف يوزن العمل؟ فيوم القيامة شأنه مختلف عن شأن الدنيا؛ فإن الأعمال يكون لها وزن عند الله يزنها بها ، فنحن نؤمن بالميزان، لكن لا ندرك كيفية الوزن؛ لأن حقائق ما أخبر الله به مما يكون في الآخرة أمر لا تتصوره العقول بل نؤمن بما أخبر الله به ورسوله على مراد الله وعلى مراد رسوله دون أن نلج وأن ندخل في طلب الكيفيات والحقائق لتلك الأخبار. إذاً: ذكرنا أن الأصل في الوزن أن يكون للأعمال، ولكن هل يوزن غير الأعمال؟ نعم يوزن العمال وتوزن الصحائف، كما في حديث عبد الله بن مسعود في مسند الإمام أحمد، حيث قال النبي ﷺ لما ضحك الصحابة من دقة ساقي عبد الله: (أتضحكون من دقة ساقيه! فوالله إنهما لفي الميزان أثقل من جبل أحد) ، وفي صحيح الإمام مسلم: أن النبي ﷺ قال: (يؤتى بالرجل الكافر العظيم -العظيم الوزن والجرم- فلا يزن عند الله جناح بعوضة) ، فهذا يدل على أن الوزن يكون للعمال كما يكون للأعمال، لكن هل هذا عام في الجميع، الله أعلم؟ والذي نوقن بأنه عام وللجميع هو وزن الأعمال. كذلك توزن السجلات، والسجلات هي دواوين العمل التي يسجل فيها ما يكون من الإنسان، ودليل ذلك: ما رواه الإمام الترمذي في جامعه والحاكم في مستدركه، من حديث عبد الله بن عمرو بسند جيد قال: (يؤتى برجل يوم القيامة ويؤتى معه بتسعة وتسعين سجلاً كل سجل مد البصر، فتوضع في كفة من السيئات، ويؤتى ببطاقة فتوضع في الكفة الأخرى فتطيش تلك السجلات) ، وهذه البطاقة فيها لا إله إلا الله، فدل هذا على وزن سجلات الأعمال. فقوله ﵀: (وتنصب الموازين) ، المقصود فيه الموازين التي توزن بها الأعمال والعمال وسجلات العمل، وهذا كله في حق أهل الإيمان، أما الكفار فليس لهم حسنات توزن، بل كل ما قدموه من حسنات يذهب هباء منثوراً، وهل هذا ظلم؟ الجواب لا، تعالى الله عن أن يظلم أحداً: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦] (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً) ، هذا لكونهم جوزوا وكوفئوا على هذه الأعمال في الدنيا، والله لا يظلم الناس شيئاً؛ فيقدمون يوم القيامة ليس لهم عمل.

стр. 183

نشر الدواوين وتطاير الصحف بأعمال العباد يقول ﵀: (وتنشر الدواوين) ؛ النشر ضد الطي، وهو: البسط والكشف والإشاعة، والدواوين: جمع ديوان، وأصل الديوان: الجريدة التي يتكون منها الكتاب، فالديوان قرطاس من قراطيس الكتاب، فالدواوين هي القراطيس التي يكون فيها عمل بني آدم، وتنشر هذه الدواوين على الخلق، وقد ذكر الله في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ [الانشقاق:٧-١٢] . يقول ﵀: (وتتطاير الصحائف) الصحائف: جمع صحيفة، وهي الدواوين، وهي صحف الأعمال. (إلى الأيمان والشمائل) ، أي: أن من الناس من يأخذ كتابه بيمينه -نسأل الله أن نكون منهم- ومنهم من يأخذ كتابه بشماله، واستدل لذلك بقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ، وهؤلاء هم أهل السعادة أهل التوحيد والإيمان، أهل الإسلام يؤتون كتبهم بأيمانهم، ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ ، الحساب اليسير هو عرض العمل عليه؛ فيعرضه الله عليه ويقرره به ويقول له: قد غفرت لك، وتطوى تلك الصحائف ويئول إلى الجنة، ﴿وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ بفوزه ونجاته. ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾ وهذا يأخذ كتابه بيده اليسرى، وإنما قال: (وراء ظهره) بناء على سوء الحال، وأن الإنسان يخفي هذه الصحيفة ولا يفرح بها، ويتمنى أن لم تصل إليه لما فيها من سوء الشهادة عليه، وبيان مآله ومصيره، وأنه من أهل النار، ولذلك يخفيها، ولذا قال الله تعالى في صفة أخذها: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ [الانشقاق:١٠-١١] ، أي يقول: يا ثبوراه! يا ثبوراه! وذلك لما بان له واتضح من عظيم الخسارة، وكثير الفوات الذي حصله في ذلك الموقف. ﴿وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ [الانشقاق:١٢] ، أي: ويحرق بالنار -نعوذ بالله- ويُصلَى كما تصلي ما تطبخه على النار، كذلك هذا الذي أخذه كتابه وراء ظهره يصلى سعيراً، وقد ذكر الله الأخذ بالأيمان والشمائل في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي﴾ [الحاقة:١٩-٢٥] هذا السر يبينه لنا الله فيه كيف يأخذ كتابه من وراء ظهره (فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ [الحاقة:٢٥-٢٧] ، يا ليت الموتة السابقة كانت القاضية ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٨-٢٩] . هذا الخبر في سورة الحاقة ذكر الله فيه انقسام الناس في أخذ الكتاب؛ فذكر الأخذ بالشمائل، وهنا ذكر موضع الأخذ، وأنه يؤخذ من وراء الظهر. ومن العلماء من قال: إن الناس في أخذ الكتاب ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: منهم من يأخذ كتابه بيمينه، ومنهم من يأخذ كتابه بشماله، ومنهم من يأخذ كتابه بشماله من وراء ظهره، والذي يظهر والعلم عند الله: أن الناس ينقسمون في ذلك إلى قسمين: - قسم يأخذ كتابه بيمينه. - وقسم يأخذ كتابه بشماله من وراء ظهره. ولا تعارض بين ما في آية الحاقة، وبين ما في آية الانشقاق؛ فإن آية الانشقاق أخبرت بأنه يأخذه من وراء ظهره، وآية الحاقة أخبرت بأنه يأخذه بشماله.

стр. 184

وصف الميزان قوله ﵀: (والميزان له كفتان ولسان) ، هكذا جاء في بعض الآثار، ويشهد لهذا ما في حديث عبد الله بن عمرو في جامع الترمذي ومستدرك الحاكم؛ حيث ذكر أن السجلات توضع في كفة، والبطاقة التي كتب فيها لا إله إلا الله توضع في الكفة الأخرى، قال ﵀: (وتوزن به) أي بالميزان (الأعمال) وذكرنا أن الوزن يكون للعمل وللعامل وللصحائف ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ ، أي: وأعماله ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٢] اللهم اجعلنا منهم. ما معنى وصفهم في الآية بالمفلحين، في قوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ؟ المفلح هو من أمن من الطالب وأدرك المطلوب، فهؤلاء أمنوا مما يخافون ويرهبون، وأدركوا ما يطلبون ويرجون، فتحقق لهم الفلاح. ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ ، أي: خفت وطاشت ولم يكن لها ثقل ترجح بالميزان ﴿فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٣] هذا في حق أهل الكفر، وهذا مما يستدل به على أن الكفار يحاسبون وتوزن أعمالهم، لكن الوزن ليس وزن الموازنة بين الحسنات والسيئات؛ لأنهم كما ذكرنا لا حسنات لهم إنما توضع سيئاتهم وتبين بها سوء حالهم ومنقلبهم.

стр. 185

صفة الحوض قال المؤلف ﵀: [ولنبينا محمد ﷺ حوض في القيامة، ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، وأباريقه عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً] . هذا بيان شيء مما يكون في ذلك الموقف، قال: (ولنبينا محمد ﷺ حوض في القيامة) ، الحوض: هو مجتمع الماء، فيكون لنبينا محمد حوض في أرض المحشر، دليل ذلك: أن الله جل وعلا قال لنبيه: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١] ، ومن الكوثر الذي أعطاه الله رسوله ﷺ ذلك الحوض في ذلك الموقف، والأصل في معنى الكوثر: الخير الكثير، والله قد أعطى رسوله ﷺ خيراً كثيراً في الدنيا والآخرة، من ذلك ما خصه به من الحوض المورود، وإنما وصف الحوض بأنه حوض مورود؛ لكثرة من يرده من الناس، وذلك أن حوض النبي ﷺ أكثر أحواض الأنبياء وارداً. وفي جامع الترمذي من حديث سمرة: (أن لكل نبي حوضاً، وأعظم الأنبياء حوضاً النبي ﷺ ، والحوض كما هو ثابت في الكتاب فقد تواترت به سنة النبي ﷺ ، وأجمع عليه سلف الأمة وعلماؤها وأئمتها، وهو من أعظم ما خص الله به رسوله ﷺ في أرض المحشر. قوله: (ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، وأباريقه عدد نجوم السماء؛ من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً) ، هكذا جاء وصف الحوض عن النبي ﷺ في الصحيحين من حديث أبي ذر وثوبان وغيرهما من الصحابة. فإن النبي ﷺ أخبر: (بأن الله قد أعطاه حوضاً ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وعدد كيزانه كعدد نجوم السماء، من شرب منه فلا يظمأ بعده أبداً) ، وجاء في رواية أبي ذر عند مسلم: (طعمه أحلى من العسل) ، وجاء أيضاً في رواية ثوبان، وجاء في رواية أبي ذر أيضاً أن: (طوله وعرضه سواء طوله شهر) هكذا جاءت الأحاديث في وصف هذا الحوض، نسأل الله أن نكون ممن يرد على رسول الله ﷺ فيه؛ فمن شرب منه لم يظمأ بعده أبداً. وموضع هذا الحوض قبل الصراط فيما يظهر من سياق ما يكون في الموقف: أنهم يشربون منه قبل أن يردوا الصراط.

стр. 186

صفة الصراط ومن يجوزه ثم ذكر المؤلف ﵀ الصراط قال: [والصراط حق يجوزه الأبرار، ويزِل عنه الفجار] . الصراط على وزن فعال بمعنى مفعول، أي: مصروط، والصراط في لغة العرب يطلق على الطريق الواسع الرحب الذي لا ضيق فيه؛ ولذلك قال جماعة من العلماء: إن الصراط واسع؛ لأنه لا يطلق هذا الوصف إلا على ما اتسع، وقال آخرون في وصفه حسب ما جاءت به بعض الآثار من أنه: (أدق من الشعرة وأحد من السيف) ، ولا يعارض هذا وصفه بالصراط لكونه صراطاً مسلوكاً يمر عليه الناس، فالصراط هو الجسر المضروب على جسر جهنم، ولا يدخل أحد الجنة إلا بالمرور عليه، فكل من صار إلى الجنة فقد مَرَّ على الصراط. والصراط إنما يمر ويسير عليه أهل الإسلام دون غيرهم، وأقصد بأهل الإسلام كل من كان مسلماً سواء من هذه الملة أو من الأنبياء من قبل، فأهل الكفر لا يجوزون الصراط ولا يأتون إليه، بل يصار بهم إلى النار ابتداءً، كما في حديث أبي سعيد وأبي موسى في الصحيحين: (أنه ينادى في الناس يوم القيامة فيقال: من كان يعبد شيئاً فليتبعه) ؛ فيتبع عباد الشمس الشمس، ويتبع عباد القمر القمر، ويتبع عباد الطواغيت الطواغيت، ويصيرون إلى النار يلقون فيها يكبكبون، كما قال الله : ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ [الشعراء:٩٤-٩٥] ، فيلقون فيها إلقاءً. أما الصراط فإنه لا يجوزه ولا يمر عليه إلا أهل الإسلام، وذلك أن كل أمة كانت تعبد شيئاً فإنها تتبع ما كانت تعبد، ثم يبقى أهل الإسلام في مكانهم في أرض المحشر؛ فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون فيسجدون له، ثم بعد ذلك يجوزون الصراط على حسب أعمالهم. يقول ﵀: (والصراط حق يجوزه) أي: يعبره وينفذ منه (الأبرار، ويزل عنه الفجار) ، أي، يسقط ويتباطأ سير أهل الفجور والفسق، لكنه ليس زللاً أو سقوطاً مؤبداً، إنما على حسب ما يكون من العمل. الناس في عبورهم على الصراط يتفاوتون كما وضحت السنة: (فمنهم كالبرق، ومنهم كالريح الشديدة، ومنهم كأجاويد الخيل، ومنهم كركاب الإبل، ومنهم يمشي على رجليه، ومنهم من يزحف زحفاً، ومنهم من تخطفه الكلاليب) ، أسرعهم من يمر كلمح البصر، ثم بعد ذلك كالبرق، ثم كالريح الشديدة، ثم كأجاويد الخيل، ثم كأجاويد الإبل، على حسب الترتيب السابق، وهذا التفاوت في السير على الصراط ناشئ عن التفاوت في العمل، قال الله : ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة:١٠] ، فالسابقون إلى الطاعات والمبرات والخيرات في الدنيا هم السابقون إلى فضل الله ورحمته، والفوز بالنجاة في الآخرة، والنجاة من النار والفوز بالجنة، نسأل الله أن نكون منهم. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 187

شرح لمعة الاعتقاد [١٤] من مذهب أهل السنة والجماعة إثبات الشفاعة بأنواعها، واعتقاد أن الجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان، وقد خالف في ذلك بعض أهل البدع، وقد ذكر الشيخ حفظه الله في هذه المادة المسائل بدلائلها وما فيها من تفصيلات.

стр. 188

أنواع الشفاعة في الآخرة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [ويشفع نبينا ﷺ فيمن دخل النار من أمته من أهل الكبائر، فيخرجون بشفاعته بعدما احترقوا وصاروا فحماً وحمماً؛ فيدخلون الجنة بشفاعته. ولسائر الأنبياء والمؤمنين والملائكة شفاعات، قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء:٢٨] . ولا تنفع الكافر شفاعة الشافعين] . هذا المقطع من كلام المؤلف ﵀ فيه بيان لما يكون من أنواع الشفاعة في ذلك اليوم العظيم، وقد تقدمت لنا إحدى الشفاعات التي تكون في ذلك اليوم، وهي شفاعة النبي ﷺ في أهل الموقف في أن يأتي الله جل وعلا لفصل القضاء، ومن الشفاعات التي تكون يوم القيامة: ما ذكره المؤلف ﵀ في قوله: (ويشفع نبينا ﷺ فيمن دخل النار من أمته من أهل الكبائر) .

стр. 189

معنى الشفاعة لغة واصطلاحاً الشفاعة في اللغة: من الشفع، وهو جعل الفرد زوجاً، ولذلك تسمى الركعتين شفعاً؛ فالشفع: هو جعل الفرد زوجاً. هذا من حيث اللغة. وأما من حيث المعنى الاصطلاحي: فالشفاعة هي التوسط في جلب الخير أو دفع الضر؛ فتكون الشفاعة دائرة على أمرين: جلب المنفعة ودفع البلاء، وشفاعة نبينا ﷺ وشفاعة من يشفع يوم القيامة هي لدى الله جل وعلا في أن يجلب الخير للمشفوع ويدفع عنه البلاء والشر، وهذه الشفاعة التي تكون يوم القيامة أنواع ودرجات: منها: ما هو للمؤمنين جميعاً؛ وإن كانوا يتفاوتون في نصيبهم منها. ومنها: ما يكون للأنبياء. ومنها: ما يكون للنبي ﷺ دون غيره. فشفاعة النبي ﷺ تنقسم إلى قسمين: ١- شفاعة خاصة به لا يشركه فيها غيره. ٢- شفاعة له ولغيره، أي: تكون منه ومن غيره.

стр. 190

الشفاعات التي اختص بها النبي ﷺ أما الشفاعة التي اختص بها النبي ﷺ دون غيره فهي أنواع: النوع الأول: هو شفاعته في فصل القضاء، وهي الشفاعة العظمى التي يشفع فيها النبي ﷺ عند الله جل وعلا في فصل القضاء وإراحة الناس من الموقف، وقد جاء خبرها في الصحيحين وغيرهما من المسانيد والسنن، وهو أمر مجمع عليه، ولا خلاف فيه بين أهل الإسلام. النوع الثاني: شفاعته ﷺ في دخول الجنة لأهل الجنة، كما في حديث أنس عند مسلم: (أنا أول شفيع في الجنة) ، وقد جاء في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: أن أهل الإيمان يأتون إلى آدم يطلبون منه الشفاعة في دخول الجنة، فيعتذر ويحيلهم إلى نوح، ونوح يحيلهم إلى إبراهيم، وإبراهيم يحيلهم إلى موسى، وموسى يحيلهم إلى عيسى، وعيسى يحيلهم إلى النبي ﷺ في الشفاعة التي تكون في أرض المحشر في فصل القضاء. على أن بعض العلماء يقول: هذه هي تلك؛ لأنه بعد ذكر هذه الشفاعة جاء ذكر الصراط، وما يكون من أحوال الناس في مرورهم عليه. لكن مما لا شك فيه: أن النبي ﷺ هو الذي يشفع لأهل الجنة في دخولها، ويدل على ذلك ما في صحيح مسلم من أن النبي ﷺ قال: (آتي باب الجنة فأستفتح، فيقول الخازن: من؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك) ؛ فدل ذلك على أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم شفيع لأهل الجنة في دخول الجنة. هذا ثاني ما اختص به صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الشفاعات. النوع الثالث: شفاعته في عمه أبي طالب أن يخفف الله عنه من العذاب، كما في الصحيحين من حديث العباس بن عبد المطلب: أنه قال للنبي ﷺ : (يا رسول الله! عمك أبو طالب كان يحوطك وينصرك ويغضب لك، ما أغنيت عنه؟ فقال النبي ﷺ : هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار) ، والضحضاح: هو الماء الرقيق على وجه الأرض الذي لا عمق له، والأصل في الضحضاح ما لا قعر له، وقد جاء في بيان ذلك: (أنه في ضحضاح من نار إلى كعبيه) ، فهو أهون أهل النار عذاباً ممن يخلد فيها، وهذا التخفيف لا يفيده من حيث الواقع؛ فإنه: (عليه نعلان من نار يغلي منهما دماغه) كما قال النبي ﷺ ، وهذا إكرام للنبي ﷺ في تخفيف العذاب وتهوينه؛ فهذا النوع من الشفاعة خاص بالنبي ﷺ . إذاً هذه الأنواع الثلاثة هي مما اختص به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

стр. 191

شفاعة الأنبياء وقت اجتياز الصراط وهناك نوع من الشفاعة خاص بالأنبياء والرسل لا يشركهم فيه غيرهم، وهو شفاعتهم للناس عندما يجوزون الصراط، فإنه عندما يجوز الناس الصراط لا يتكلم أحد إلا الرسل ودعواهم: (اللهم سلم سلم) كما الصحيحين، وفي رواية سهيل قال النبي ﷺ : (وعند ذلك حلت الشفاعة) ، وهذا النوع من الشفاعة هو شفاعة لأهل الإيمان، ولكنها شفاعة خاصة بالرسل، وما جاء في جامع الترمذي من حديث المغيرة بن شعبة: أن النبي ﷺ قال: (شعار المؤمنين على الصراط يوم القيامة: اللهم سلم سلم) ؛ فهذا لا يعارض ما جاء من أنه لا يتكلم أحد على الصراط إلا الرسل؛ فإن الرسل يصدق عليهم وصف الإيمان بل هم أعلى المؤمنين إيماناً، فيكون شعار المؤمنين -الرسل- الذين يتكلمون على الصراط ولا يتكلم أحد من الناس سواهم، شعارهم ودعواهم: اللهم سلم سلم؛ لعظم الأمر وشدة الكرب؛ فهم يدعون لأنفسهم ولأممهم ولمن آمن بهم بالسلامة. هذه شفاعات ثلاث:

стр. 192

الشفاعات المشتركة بين الأنبياء وغيرهم وهناك شفاعات للنبي ﷺ يشركه فيها غيره من الرسل والأنبياء، وسائر أهل التقى من الصديقين والشهداء والصالحين، وذلك كشفاعته في قوم استحقوا النار أن يدخلوها فيشفع لهم ألا يدخلوها، وكذلك شفاعته وشفاعة أهل الإيمان في قوم دخلوا النار أن يخرجوا منها، وكذلك شفاعته ﷺ وشفاعة أهل الإيمان في رفع درجات أهل الجنة، فهذه الأنواع الثلاثة من الشفاعات تكون للأنبياء صلى الله عليهم وسلم وتكون لغيرهم من المؤمنين، لكن نصيبه ﷺ وما يكون له منها هل هو مثل غيره أو أعلى؟ الجواب نصيبه منها أعلى من نصيب غيره، فحظه من هذه الشفاعة أعلى من سائر الخلق. وهذه الشفاعات كلها جاءت بها النصوص، وأجمع عليها سلف الأمة وعلماؤها وأثبتها أهل السنة والجماعة، وخالفت فيها ثلاث طوائف. المعتزلة والخوارج: فهؤلاء لا يثبتون الشفاعة للنبي ﷺ في أهل الكبائر؛ لأن من دخل النار عندهم لا يخرج منها أبداً. ووافقهم في إنكار الشفاعة المرجئة الغلاة: فإنه لا يدخل عندهم النار مؤمن، ولو ارتكب ما ارتكب من الموبقات والسيئات والأعمال القبيحة، فهؤلاء وافقوا الخوارج في نفي الشفاعة، وقالوا: لا شفاعة، وما جاء من نصوص الشفاعة جعلوها في رفع الدرجات، وهذا تكذيب لما دلت عليه النصوص من شفاعة النبي ﷺ وغيره في أهل النار الذين استحقوها، أو الذين دخلوها أن يخرجوا منها. يقول المؤلف ﵀: (ويشفع نبينا ﷺ فيمن دخل النار من أمته من أهل الكبائر) ، أي: أهل الذنوب الكبيرة الموجبة لدخول النار، والكبائر: جمع كبيرة، وهي: كل ما جاءت النصوص بلعن صاحبه، أو التبري منه، أو ذكر عقوبة له في الدنيا أو الآخرة. هذا أقرب ما يقال في ضابط وحدِّ الكبيرة، فهؤلاء أصحاب الكبائر يستحقون النار إن لم يتوبوا منها وكانت سيئاتهم راجحة على حسناتهم، فإذا دخلوها ليمحصوا فقد يشفع فيهم النبي ﷺ أو أحد أهل الإيمان ليخرجوا منها، وأدلة أحاديث الشفاعة أكثر من أن تحصى. يقول ﵀: (فيخرجون بشفاعته بعد ما احترقوا وصاروا فحماً وحمماً) ، يخرجون بعدما احترقوا وعذبوا وعوقبوا وصاروا إلى هذه الحال فيخرجون فحماً وحمماً من جراء الاحتراق بالنار والاصطلاء بها. نسأل الله السلامة والعافية، فيلقون في نهر الحياة عند أبواب الجنة، فينبتون فيه كما تنبت في حميل السيل، فينتعشون ويحيون ويكونون من أهل الجنة، فيدخلون الجنة بشفاعته ﷺ . ثم قال ﵀: (ولسائر الأنبياء والمؤمنين والملائكة شفاعات) ، وإنما قدم شفاعة النبي ﷺ مع أن غيره يشركه في هذا النوع من الشفاعة؛ لكونه ﷺ أعظم الناس شفاعة، وأعظم الخلق شفاعة، فشفاعته فوق كل شفاعة، وإلا فإن الأنبياء والمؤمنين يشفعون والملائكة تشفع.

стр. 193

شروط الشفاعة قال ﵀: (قال الله تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء:٢٨] ) ، هذا فيه بيان أن أهل الإيمان والملائكة يشفعون، وأنهم لا يشفعون إلا لمن ﵁، وهذا فيه بيان شرط الشفاعة، وأنه لا يُشفع إلا فيمن ﵁، فمن لم يرض الله عنه لا تنفع فيه شفاعة. (وهم) ، أي: هؤلاء الشافعون وهم الملائكة (من خشيته مشفقون) ، وهذا يبين لنا أن شفاعة الشافعين لا تكون عن استحقاق للشفاعة وإنما هي محض فضل الله على الشافع والمشفوع. ولذلك كانت حقيقة الشفاعة: إكرام الله للشافع في أن يخلص المشفوع فيه؛ فهي كرامة للشافع بسبب توحيده، وإقراره لله بالإلهية، فيكرمه الله بالشفاعة وينفع بها المشفوع، لكن لا يمكن أن تكون الشفاعة إلا بشرطين: برضا الله جل وعلا عن الشافع والمشفوع وبإذنه، قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨] ، ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦] ، فتبين لنا من هذا: أن الشفاعة لا تكون إلا لمن ﵁، ولمن أذن له جل وعلا في أن يشفع.

стр. 194

الشفاعة المنفية في القرآن عن الكافرين قال ﵀: (ولا تنفع الكافر شفاعة الشافعين) ، قال الله تعالى في ذلك: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨] ، ونفى الله الشفاعة في مواضع كثيرة من كتابه، والشفاعة المنفية في القرآن العظيم هي الشفاعة في أهل الشرك، أو الشفاعة التي يزعمها من يزعمها من المشركين، أو التي يظنها ويتوهمها من لم يفهم كلام الله وكلام رسوله من أن أحداً يشفع فيه دون إذنه ورضاه. وقوله ﵀: (ولا تنفع الكافر شفاعة الشافعين) ، موافقة لقوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨] فنفى الله عن أهل الكفر نفع الشفاعة، وهل هذا نفي للنفع بالكلية؟ الجواب هذا هو الأصل، إلا أن السنة دلت على أن من الكفار من ينتفع بالشفاعة لكنه ليس نفعاً تاماً، إنما هو نوع تخفيف، ومن ذلك الشفاعة الخاصة بالنبي ﷺ في عمه أبي طالب، وقد وسع بعض أهل العلم الدائرة فجعلها شفاعة تشمل كل من نصر النبي ﷺ من الكفار، ومعلوم أن الكفر درجات، وليس على مرتبة واحدة، فكما أن الإيمان شعب ودرجات؛ فكذلك الكفر يتفاوت فيه أهله، قال الله : ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة:٣٧] ، فجعل النسيء: وهو تأخير الأشهر الحرم وتقديمها والتلاعب بها مما يزيد كفر الكافر، والنار معلوم أنها دركات، وهذا التفاوت في دركات النار إنما هو بتفاوت درجات الكفر، فالكفار لا تنفعهم شفاعة الشافعين في رفع العذاب وإزالته، ولكن في تخفيفه، وذلك في مثل عم النبي ﷺ ، وهو واضح؛ حيث بين النبي ﷺ نفعه له حيث قال: (إنه في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار) ، والحديث في الصحيحين. ومن التخفيف للكفار: حديث الشفاعة العظمى؛ فإن الناس يجتمعون يوم القيامة ويأتون إلى الأنبياء طالبين منهم الشفاعة عند رب العالمين في فصل القضاء، هذه الشفاعة هل الذي يطلبها الكفار أو أهل الإيمان؟ كثير من النصوص جاءت مطلقة: (أن الناس يأتون إلى آدم) ، ولفظ الناس يصدق على المسلم والكافر، وفي بعض روايات الحديث عند الإمام مسلم في صحيحه قال: (فيجتمع المؤمنون؛ فيأتون آدم) فيكون الطالب للشفاعة هم أهل الإيمان، لكن حتى على هذه الرواية فإن طلب الشفاعة فيه نوع شفاعة للكفار، لكنها شفاعة تخفيف وليست شفاعة رفع؛ لأن ما يقبلون إليه أعظم وأشد مما أدبروا عنه، والمراد أن قوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨] ، هل يدخلها التخفيف أو لا يدخلها؛ لأن تخفيف العذاب لا ينتفع به الكافر انتفاعاً تاماً، وإنما يحصل النفع الكامل في رفع العذاب وإزالته. فـ أبو طالب مع عظيم نفع النبي ﷺ له في هذه الشفاعة نصيب؛ حيث إنه صار أهون أهل النار عذاباً، فهل ينتفع بهذا؟ لا، فهو يرى أنه أعظم أهل النار عذاباً، وهذا مصداق قول الله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨] .

стр. 195

وصف الجنة والنار ووصف أهلهما قال ﵀: [والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان، فالجنة مأوى أوليائه، والنار عقاب لأعدائه، وأهل الجنة فيها مخلدون: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف:٧٤-٧٥]] . الجنة هي دار النعيم الكامل التي أعدها الله لعباده الصالحين، والنار: هي دار العذاب التام التي أعدها الله للكافرين والعصاة.

стр. 196

عقيدة أهل السنة أن الجنة والنار مخلوقتان يقول المؤلف ﵀: (مخلوقتان) ، أي: الآن، وهذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة، وأجمع عليه سلف الأمة، ودل عليه الكتاب والسنة؛ ففي القرآن يقول الله عن الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣] ، ويقول عن النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤] ، ويقول: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾ [النبأ:٢١] ، ولا يكون هذا إلا فيما أعد ووجد. وأما الأحاديث فهي أكثر من أن تحصى، ومن أبرزها ما رواه الإمام مسلم عن النبي ﷺ قال: (لما خلق الله الجنة والنار، قال لجبريل: اذهب فانظر إلى الجنة وما أعددت لأهلها فيها، فيأتي إلى الجنة فينظر إليها فيقول: يا رب! لا يسمع بها أحد إلا دخلها، ثم توضع المكاره حول الجنة فيقول الله : اذهب فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، فينظر فيأتي فيقول: إني خشيت ألا يدخلها أحد لما حفت به من المكاره، ثم يرسله الله إلى النار لينظر إليها وإلى ما أعد لأهلها فيها، فيقول جبريل ﵇ للرب جل وعلا: إنه لا يسمع بها أحد فيدخلها، فتحف بالشهوات، فيأتي إليها فينظر إليها فيقول: إني خشيت ألا ينجو منها أحد لما حفت به من الشهوات) . الشاهد في هذا الحديث: قول النبي ﷺ : (لما خلق الله الجنة والنار) ، فالجنة وما أعده الله لأهلها موجود، والأدلة على هذا في السنة أكثر من أن تحصى، منها ما رواه أنس وعائشة وابن عباس في الصحيح من قول النبي ﷺ في صلاة الخسوف: (رأيت في مقامي هذا الجنة والنار، وهَمَّ النبي ﷺ أن يتناول قطفاً من الجنة، ولما رأى النار يحطم بعضها بعضاً تأخر) ، فالأدلة على وجود الجنة والنار في الكتاب والسنة كثيرة، وهذا مما أجمع عليه أهل الإسلام. أما أهل الاعتزال الذين بلاهم الله بمحاكمة النصوص إلى عقولهم فقد قالوا: ما فائدة وجود الجنة والنار الآن؟ لا فائدة، ووجودها الآن عبث، والله منزه عن العبث، وعليه فالجنة والنار ليستا موجودتين، فنفوا وجود الجنة والنار، وقالوا: يخلقهما الله عند الحاجة إليهما، وكذبوا بذلك النصوص الدالة على وجود الجنة والنار، لكن هذا التكذيب هل معهم فيه نص؟ هل لهم فيه بينة؟ الجواب لا، إنما معهم عقول كليلة وبصائر حسيرة حكموا بها على النصوص، فأبطلوا ما دلت عليه من وجود الجنة والنار، وما ذكره المؤلف ﵀ من الأدلة على أن الجنة والنار مخلوقتان واضحة وظاهرة يدركها كل من قرأ كتاب الله ، أو سمع ما صح عن النبي ﷺ في ذلك.

стр. 197

الجنة والنار لا تفنيان قال المؤلف ﵀: (لا تفنيان) أي: لا تضمحلان وهما باقيتان، وهذا الذي عليه جمهور أهل العلم من السلف والخلف، والأدلة عليه دالة. واعلم أنه لا خلاف بين أهل السنة وأهل الإسلام في بقاء الجنة وأنها لا تفنى، وإنما الخلاف الذي وقع بين أهل السنة في فناء النار، فذهب جماعة من السلف والخلف من أهل السنة والجماعة إلى أن النار تفنى، ونقل ابن القيم هذا القول عن جماعة من الصحابة منهم عمر وأبو هريرة ﵄ وغيرهما، والذي عليه جمهور السلف والخلف: أن النار باقية، فإن الله ذكر عذاب النار وخلوده، وذكر تأبيده في ثلاثة مواضع من كتابه. فما ورد من النصوص مما يوهم انقطاع عذاب النار يجب حمله على المحكم الدال على بقائه وتأبيده، فمثلاً قول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ﴾ [هود:١٠٦] ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٧] ، فقد قيل: إن قوله تعالى: (إلا ما شاء ربك) يدل على عدم الخلود، وكذلك قوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ:٢٣] ، أي: مدداً متطاولة، لكن قالوا: هي مدد متطاولة تنتهي، وما أشبه ذلك من النصوص التي ليس فيها ذكر التأبيد. ولكن مثل هذه النصوص يجب حملها على ما جاء من النصوص الدالة على أن عذاب النار ممتد مؤبد لا ينقطع، وقد ذكر الله ذلك في ثلاثة مواضع من كتابه. الموضع الأول: في سورة النساء في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء:١٦٨-١٦٩] ، ولا يمكن أن يقال: هذا لا خلود فيه، فإن الله ذكر الخلود والتأبيد. والموضع الثاني: في سورة الأحزاب في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب:٦٤-٦٥] . والموضع الثالث: في سورة الجن في قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن:٢٣] . فهذه المواضع ذكر فيها التأبيد، وهي تقضي على غيرها من النصوص التي قد يتوهم أو يفهم منها أن النار تفنى، فعلم بهذا صحة ما ذهب إليه المؤلف ﵀ وذكره في عقد أهل السنة والجماعة، حيث قال: (لا تفنيان) ، وهذا هو الصحيح الذي نؤمن به ونجزم بأنه الصواب، بدلالة الكتاب والسنة، لكن هل هذه المسألة يبدع فيها المخالف؟ الجواب لا، لأنه قد نقل عن بعض سلف الأمة هذا القول؛ فهو من المسائل التي وقع فيها الخلاف بين أهل السنة. والذي انفرد بقول: إن الجنة تفنى هو جهم بن صفوان وتبعه عليه من تبعه، وهو قول محدث لم يسبق إليه، ولم يسبقه إليه أحد من السلف ولا من الخلف. فيميز بين فناء النار وفناء الجنة!

стр. 198

صفات أهل الجنة والنار قال ﵀: (فالجنة مأوى أوليائه) أي: أي مصير ومآل أوليائه، والأولياء هم أهل التقوى، قال الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢-٦٣] ، فكل من حقق الإيمان واتصف بالتقوى فإنه من أولياء الله الموعودون بالجنة، كما في الصحيحين، قال النبي ﷺ : (قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) ، فالأولياء هم الصالحون الذين أصلحوا بواطنهم وظواهرهم. قال: (والنار عقاب لأعدائه) ، وهم كل من حادَّ الله من أهل الكفر والمعصية، ولكنها متفاوتة؛ فالنار دركات: منها ما يكون للعصاة، ومنها ما يكون لأهل الكفر. ثم قال ﵀: (وأهل الجنة مخلدون) ، وسكت ﵀ عن ذكر حال أهل النار، لكنه أجاب عن حالهم بالآية، والسبب -والعلم عند الله-: أن أهل الجنة لا خلاف في أنهم مخلدون، فلا قائل من السلف ولا من الخلف بأن أهل الجنة لا يخلدون، لكن لما كان الخلاف في أهل النار قال المؤلف ﵀: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف:٧٤-٧٥] ، فأتى بالآية الدالة على تخليد أهل النار. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 199

شرح لمعة الاعتقاد [١٥] النبي ﷺ أفضل الأنبياء والمرسلين، وقد خصه الله بخصائص كثيرة في الدنيا والآخرة، ومن ذلك الشفاعة العظمى التي يحمده عليها الأولون والآخرون، وشفاعته لأهل الجنة أن يدخلوها، وهو صاحب الوسيلة والفضيلة يوم القيامة، إلى غير ذلك من الخصائص التي شرفه الله بها.

стр. 200

ذبح الموت يوم القيامة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين. قال المؤلف ﵀: [ويؤتى بالموت في صورة كبش أملح؛ فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة! خلود ولا موت، ويا أهل النار! خلود ولا موت] . تقدم الكلام على أول هذا البحث عند قول المؤلف ﵀: (والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان) ، وصلة لهذا الموضوع قال ﵀: (ويؤتى بالموت في صورة كبش أملح) الموت هو مفارقة الحياة، والصحيح أنه خلق من خلق الله ، ولذلك يؤتى به في صورة كبش أملح، ودليل ذلك قول الله جل وعلا: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:٢] ، فالموت ليس مجرد العدم؛ إذ العدم ليس بشيء، إنما الموت خلق من خلق الله جل وعلا، وهو مفارقة الحياة، ويؤتى به يوم القيامة إذا استقر أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار -نعوذ بالله من الخسران- في صورة كبش أملح، أي: يمثله الله على صورة كبش أملح، فيذبح بين الجنة والنار على مرأى من أهل الجنة والنار، وكل يراه ويعرفه؛ لأنه قد ذاقه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥] ، فإذا جاء لا يؤتى به على صورة منكرة غير معروفة مجهولة للمخاطبين، بل على صورة معروفة معلومة لمن يدعون ويخاطبون من أهل الجنة وأهل النار، فيذبح بين الجنة والنار، أي: يذبح وينتهي الموت، فلا موت بعد هذا الذبح، ثم يقال: (يا أهل الجنة! خلود ولا موت، ويا أهل النار! خلود ولا موت) ، وهذا يدل على بقاء كل من أهل الجنة والنار فيما هو فيه إلى أبد الآباد. وقد تقدم أن خلود الجنة لا خلاف فيه بين أهل العلم، وأن أول من أحدث القول بفناء الجنة هو الجهم بن صفوان، وهو قول مبتدع أنكره عليه أهل الإسلام، وأما خلود النار ففيه قولان لأهل العلم من السلف والخلف، وجمهور العلماء من السلف والخلف على أن النار باقية خالدة لا تتحول ولا تفنى. والقول الثاني: أنها تفنى، وهو قول لجماعة من الصحابة ومن بعدهم من سلف الأمة وخلفها، والصحيح من هذين القولين بقاء النار، وأنها لا تفنى، كما دل على ذلك ثلاث آيات في كتاب الله في ثلاثة مواضع: الآية الأولى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء:١٦٨-١٦٩] . والشاهد ذكر التأبيد، وإلا فإن ذكر التخليد في مواضع كثيرة، لكن الكلام على التأبيد، وأنه لا نهاية للنار. الآية الثانية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب:٦٤-٦٥] . الآية الثالثة: في سورة الجن: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن:٢٣] . هذه ثلاثة مواضع في كلام الله تدل على صحة ما ذهب إليه جمهور العلماء من السلف والخلف من أن النار باقية لا تفنى، نسأل الله السلامة منها! وقد يرد سؤال وهو: كيف فهم الصحابة القائلون بفناء النار ذلك الفهم من النصوص؟ فنقول: الأفهام تختلف، لكن العبرة بفهم الغالب العام، والذي عليه جمهور الصحابة ومن بعدهم من سلف الأمة وخلفها أن النار باقية لا تفنى، وقد تكون خفيت عليهم هذه الآيات، بمعنى أنهم ما استحضروها، وربما أجابوا عليها بما في الآيات الأخرى أن التأبيد طول المدة وليس التخليد المطلق، وهذه مسألة أطال العلماء البحث فيها، لكن الكلام على دلالات النصوص لا على ما قال المخالف فيها؛ لأن المخالف قد يخفى عليه النص لما تكلم بالكلام، وقد يكون عنده مانع من القول بدلالة آية أخرى، والمراد أننا بالنظر إلى الأدلة تبين لنا فيما يظهر أنه الصواب: أن النار خالدة لا تفنى كما دلت عليه هذه النصوص، لكن هل يبدع من قال: إن النار تفنى؟ الجواب لا، إنما يبدع الذي يقول: إن الجنة تفنى، أما النار ففيها خلاف العلماء المتقدم.

стр. 201

خصائص النبي ﷺ في الدنيا قال المؤلف ﵀: [فصل: ومحمد رسول الله ﷺ خاتم النبيين، وسيد المرسلين، لا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته، ويشهد بنبوته، ولا يقضى بين الناس في يوم القيامة إلا بشفاعته، ولا تدخل الجنة أمة إلا بعد دخول أمته. صاحب لواء الحمد، والمقام المحمود، والحوض المورود، وهو إمام النبيين وخطيبهم، وصاحب شفاعتهم، أمته خير الأمم، وأصحابه خير أصحاب الأنبياء ﵈] . هذا الفصل ذكر المؤلف ﵀ في أوله ما خص الله به محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الفضائل والخصائص، والنبي ﷺ أعطاه الله جل وعلا من الخصائص والفضائل ما لم يعط نبياً غيره، كما في حديث جابر في الصحيحين: (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي) ، فله من الخصائص والفضائل ما ليس لغيره، وهذه الخصائص منها ما يتعلق به، ومنها ما هو له ولأمته، ومنها ما هو في الدنيا، ومنها ما هو في الآخرة: منها ما هو له خاصة، كقوله: (وبعثت للناس عامة) . ومنها ما هو له ولأمته كقوله: (نصرت بالرعب) ، وأوضح من هذا قوله: (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) . ومنها ما هو في الدنيا كهذه التي ذكرناها. ومنها ما هو في الآخرة: كشفاعته ﷺ في الموقف؛ فهذه له دون غيره. ومنها: أن أمته تدخل الجنة قبل الأمم، وهذا له ولأمته صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ فما خصه الله به شيء كثير، وما شاركه فيه غيره من الأنبياء ففي غالب موارده له فيه التقدم، وإن كان في بعض الخصائص يتقدم عليه غيره، لكن هذا التقدم لا يعني أنه أفضل منه، بل هو أفضل الخلق ﷺ ، كما قال في حديث أبي هريرة وغيره: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر) ، وسيادته يوم القيامة تدل على سيادته في الدنيا ولا شك؛ لأنه ﷺ إذا قدمه الله في يوم الجزاء فهو المقدم في هذه الدنيا؛ لأن التقديم يوم القيامة دليل على التقدم في الدنيا، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة:١٠] .

стр. 202

دلائل نبوة النبي ﵊ قال ﵀: (ومحمد رسول الله) ، أي: أرسله الله جل وعلا، وأدلة هذا كثيرة جداً من الكتاب ومن السنة، والشواهد الدالة على صدقه، والآيات والبراهين الدالة على صحة رسالته؛ كثيرة جداً لا تنحصر في قول الله ولا في قول النبي ﷺ ، بل دلائل صدق نبوة النبي ﷺ منها ما هو حالّ فيه، ومنها ما هو في خبره، ومنها ما هو في أسماء الله وصفاته؛ فدلائل النبوة متعددة كثيرة كلها تدل على صحة رسالة النبي ﷺ ، وأنه رسول رب العالمين صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أرسله الله إلى الناس عامة. يقول المؤلف ﵀: (خاتم النبيين) ، أي: ختم الله به النبيين، وقد جاء هذا في قول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠] ، فختم الله به الرسالات. خاتم لها وجهان: خاتَم وخاتِم، الخاتِم بالكسر هو الذي ختمهم وأغلقت به الرسالة. والخاتَم بالفتح كالخاتم الذي يلبس فيتجمل ويتزين به، ورسول الله ﷺ هو جمال الأنبياء وزينتهم وإمامهم ﷺ ، وهو خاتِمهم أي: الذي ختم الله به الرسالات، فلا نبي بعد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وخاتم المرسلين أيضاً؛ لأنه إذا كان خاتم النبيين فهو خاتم المرسلين؛ لأن كل رسول نبي، فإذا كان قد ختم الله به النبوات فإنه قد ختم به الرسالات صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: (وسيد المرسلين) ، أي: صاحب الشرف والعلو والمقام الرفيع فيهم ﷺ ، ولا ريب أنه ﷺ سيد المرسلين، ويدلك على ذلك تدافع أولي العزم من الرسل للشفاعة في ذلك الموقف حتى تصير إليه ﷺ ، فيقول: (أنا لها، أنا لها) ؛ فهذا يدل على سيادته وشرفه وعلو مكانته ورفيع منزلته صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقد قال النبي ﷺ كما في صحيح الإمام مسلم من حديث أبي هريرة: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة) ، فهو سيد كل من ولده آدم، وسيادته لولد آدم تدل على سيادته للمرسلين؛ لأن المرسلين جميعهم من ولد آدم.

стр. 203

وجوب الإيمان برسالة النبي ﷺ قال ﵀: (لا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته) ، ولا شك أنه لا يصح إيمان عبد حتى يؤمن بأن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب القرشي الهاشمي رسول الله ﷺ ، بعثه الله بين يدي الساعة بالحق بشيراً ونذيراً، من لم يؤمن بهذا فإنه لا يصح له إيمان، ولا يثبت له عقد، ولا يستقر له في الإسلام قدر، ولذلك كان مفتاح الدخول إلى هذه الشريعة أن يقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله) ، فمن لم يشهد بذلك لم يتحقق له إسلام ولا إيمان. يقول ﵀: (ويشهد بنبوته) ، هذا مكمل للأول، ودليله دليل السابق.

стр. 204

خصائص النبي ﷺ في الآخرة

стр. 205

شفاعته للقضاء بين أهل الموقف قال ﵀: (ولا يقضى بين الناس في القيامة إلا بشفاعته) ، وهذا قد جاءت به النصوص عن النبي ﷺ ، منها ما في الصحيحين من حديث أبي سعيد وأبي هريرة: أن الأنبياء يتدافعون الشفاعة إذا جاءهم الناس يطلبون منهم، فتصير إلى النبي ﷺ فيقول: (أنا لها، أنا لها) ، فيسجد تحت العرش ثم يقول الله له: (ارفع رأسك، وقل يسمع، واشفع تشفع) ، فيشفع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أن يأتي الله لفصل القضاء والحكم بين الناس؛ فإذا شفع ﷺ جاء الرب جل وعلا للفصل بين الناس فيما يكون بينهم، هذا معنى قوله ﵀: (ولا يقضى بين الناس في القيامة إلا بشفاعته) ، أي: بتوسطه لدى الله جل وعلا أن يأتي لفصل القضاء، وهذا مما لا شك فيه، وقد ثبتت به السنة، وجاءت الإشارة إليه في قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩] ؛ فالمقام المحمود جاء بيانه في سنة النبي ﷺ بأنه مقامه بين الناس حين يشفع لهم في فصل القضاء، فإنه يحمده على هذا كل أحد.

стр. 206

شفاعته لأهل الجنة بدخولها قال ﵀: (ولا تدخل الجنة أمة إلا بعد دخول أمته) ، الجنة هي دار النعيم الكامل التي أعد الله فيها لعباده الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. نسأل الله أن نكون من أهلها! هذه الدار لا يدخلها أحد قبل أمة النبي ﷺ ، وقد قال النبي ﷺ : (نحن الآخرون الأولون يوم القيامة) أول الأمم دخولاً الجنة أمة الإسلام، أمة النبي ﷺ ؛ مع كونها آخر الأمم من حيث الزمن والتاريخ في الحياة الدنيا، لكن هذا التأخر الزمني لم يمنع من أن يسبقوا الأمم قبلهم في دخول الجنة، وذلك لما خصهم الله به من كمال الشريعة، وتمام العبودية لله . ويدل لهذا: أن أول شفيع في دخول الجنة هو النبي ﷺ ، والنبي ﷺ أشفق ما يكون على أمته؛ ولذلك يشفع في أمته، والأحاديث التي جاءت في ذكر الشفاعة العظمى ومجيء الناس للنبي ﷺ لطلب الشفاعة، إذا نظرت إلى سياقها في أكثر ما ورد في الصحيحين وغيرها من دواوين السنة؛ تجد أنه إذا جاءه الناس لطلب فصل القضاء يشفع النبي ﷺ لدى الله في أمته (فأقول: أمتي أمتي، فيقول الله : أخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان) . وهذه الشفاعة التي ذكرها أهل العلم في داويين السنة ليست هي الشفاعة العظمى التي هي المقام المحمود، إنما هي شفاعته في بعض من دخل النار من أمته أن يخرج منها، أو من استحق النار ألا يدخلها، والسبب في ذكر هذا دون ذكر الشفاعة العظمى في أكثر هذه الأحاديث: أن الشفاعة العظمى لم ينكرها الخوارج ولا المعتزلة، إنما أنكروا وناقشوا وخالفوا في شفاعة النبي ﷺ في أهل الكبائر، أما شفاعته في الأمم لفصل القضاء فإنهم لم ينكروا ذلك، ولم يخالفوا فيه. والمراد: أن هذه الأمة هي أول الأمم دخولاً الجنة، وهذا معنى قوله ﵀: (ولا يدخل الجنة أمة إلا بعد دخول أمته) .

стр. 207

لواء الحمد المعقود للنبي ﷺ في الموقف ذكر المؤلف ﵀ شيئاً مما اختص الله به رسول الله ﷺ ، فقال: (صاحب لواء الحمد) ، واللواء هو الراية التي يحملها قائد الجيش في الغالب؛ فرسول الله ﷺ يرفع له يوم القيامة لواء يحمله، وهذا اللواء يسمى بلواء الحمد، ولذلك أضاف اللواء إلى الحمد فقال: (صاحب لواء الحمد) ، والحمد أي حمد الله جل وعلا، وهو: ذكر المحمود بصفات الكمال محبة وتعظيماً، فالنبي ﷺ هو أعلى الناس حمداً لربه في ذلك الموقف، ويدل لذلك ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة وغيره: أن النبي ﷺ لما ذكر الشفاعة قال: (فأسجد فأحمد الله بمحامد يفتحها علي لا أعلمها الآن) ، محامد يدركها ويعلمها في تلك الساعة، وفي ذلك الوقت؛ ولذلك يعطى لواء الحمد ﷺ ؛ لكونه أعظم الخلق حمداً لربه في ذلك الموقف. وهذا اللواء للعلماء فيه قولان: منهم من قال: إنه لواء معنوي، ومنهم من قال: إنه لواء حقيقي، والصواب أنه لواء حقيقي؛ لأن الأصل فيما أخبر به النبي ﷺ الحقيقة لا المجاز، ولا تقل: كيف يكون حقيقياً، نقول: أمر الآخرة ليس مما تدرك العقول حقائقه وتتبين كيفياته، بل نؤمن به على ما جاء عن النبي ﷺ دون أن نلج في كيفية ذلك، فإن النصوص قد أخبرت بألوية تكون يوم القيامة، ففي الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (ينصب لكل غادر يوم القيامة لواء، يقال: هذه غدرة فلان) ، وهذا اللواء حقيقي، ولذلك يشار إليه ويقال: هذه غدرة فلان، وهذا اللواء الذي عقد للغادر لواء حقيقي يدرك، فما المانع من أن يكون لواء الحمد الذي ذكره النبي ﷺ هو لواء حقيقي، وهذا هو الأصل?! واختلف العلماء ﵏ في سبب اللواء، فقيل: إن اللواء سببه أنه يفتح للنبي ﷺ من الحمد ما لا يفتح لغيره، وقيل: إن هذا اللواء سببه موقف النبي ﷺ في ذلك اليوم، حيث يفتح الله له من الفضل والمكانة والعمل ما ينفع به جميع الناس مسلمهم وكافرهم في الشفاعة في فصل القضاء؛ لأنه قد جاء في بعض الآثار: أن الكفار يطلبون الخلاص من موقف القيامة حتى ولو كان ذلك إلى النار؛ لأن الإنسان في الشدة قد يتصور أن هذا أعلى ما يكون من العذاب، ويغيب عنه أن ما سيقبل عليه أعظم وأشد؛ ولذلك جاء في بعض الآثار: أن شدة الموقف على أهله تحمل الكفار أن يقولوا: ربنا خلصنا ولو إلى النار، ويظنون أن النار أهون من ذلك الموقف، وهي في الحقيقة أشد وأنكى، نسأل الله السلامة والعافية! والمراد أن النبي ﷺ يحمده في ذلك الموقف كل أحد حتى الكفار، وهذا من معاني اللواء المحمود، وثم أقوال أخرى في سبب اللواء المحمود منها: أنه لإجلاس الله نبيه ﷺ على العرش، والذي يظهر: أنه لما له من المنزلة في ذلك الموقف، والفضائل العامة التي تعم كل أحد، والخاصة التي تختص بها أمته، وتختصه هو صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

стр. 208

حوض النبي ﵊ ثم قال: (والمقام المحمود) ، أي: صاحب المقام المحمود، والمكان هو مكان القيام؛ وذلك أن النبي ﷺ يقوم المقام المحمود الذي يحمده عليه كل أحد، وهو: شفاعته لفصل القضاء. ثم قال: (والحوض المورود) ذكرنا ذلك فيما تقدم عند قول المؤلف ﵀ على الحوض: (ولنبينا محمد ﷺ حوض في القيامة) ، وقلنا: إن معنى الحوض: مجمع الماء، وهو مجمع عظيم يكون للنبي ﷺ ، ثبت ذلك للنبي ﷺ بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١] ، وبما جاء متواتراً عنه ﷺ من إثبات حوضه يوم القيامة.

стр. 209

إمامته وقدوته للأنبياء في الموقف قال: (وهو إمام الأنبياء) أي: مقدمهم الذي يؤمه الأنبياء، ويأتمون به، ويقتدون به؛ لعظيم منزلته ورفيع مكانته، وهو إمامهم في الدنيا وإمامهم في الآخرة، أما إمامته لهم في الدنيا؛ فلأنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلى بهم وأمهم في بيت المقدس ليلة المعراج، وأما إمامته لهم في الآخرة؛ فأولوا العزم وأصحاب العلو والرفعة والمكانة من الأنبياء يتدافعون الشفاعة حتى تصير إليه ﷺ ، وهذا من إمامته لهم ﷺ . قال: (وخطيبهم) الخطيب هو الذي يتكلم في بيان الحاجة، وقوله: (خطيبهم) أي: خطيب الأنبياء، وقد جاء هذا في جامع الترمذي من حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ (أخبر بأنه خطيب الأنبياء إذا وفدوا) ، أي: إذا وفدوا على الله في أرض المحشر؛ وذلك أنه هو الذي يطلب من الله الشفاعة للخلق، ويتأخر عنها كل الأنبياء، ولا يتكلم عندها أحد ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه:١٠٩] ، وأولهم رسولنا ﷺ ، فهو أول من يكلم الله جل وعلا في المحشر، فهو خطيبهم إذا وفدوا، وشعيب ﵇ خطيب الأنبياء، وقد جاء في وصفه في بعض الآثار: (أنه خطيب الأنبياء) ، لكنه خطيبهم في الدنيا، وذلك لجميل بيانه وحسن كلامه في دعوته لقومه ﷺ ، أما الخطيب الذي يكون يوم القيامة فهو رسول الله ﷺ . (وصاحب شفاعتهم) يعني الذي تصير إليه الشفاعة في ذلك الموقف؛ فإن الأنبياء يتدافعونها حتى تصل إليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يقول: (أمته خير الأمم) ، ولا شك أن هذه الأمة خير الأمم، قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠] ، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣] ، فهاتان الآيتان تدلان على خيرية الأمة في الدنيا، والخيرية في الدنيا تدل على الخيرية في الآخرة. وأما الخيرية في الآخرة فقد قال النبي ﷺ كما في حديث علي في مسند الإمام أحمد في بيان ما أعطاه الله وخصه: (وجعلت أمتي خير الأمم) ، فأمة النبي ﷺ خير الأمم، خيريتها في التوحيد والعمل به، والثواب عليه، وفي الشريعة، وخيريتها في الآخرة لتقدمها على الأمم وسبقها لهم إلى كل فضل، فخيرية الأمة لها من الأوجه والجوانب ما يطول تتبعه وذكره. ثم قال ﵀: (وأصحابه خير أصحاب الأنبياء ﵈ ، بدأ بهذه الجملة في الكلام عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ونشرح ذلك إن شاء الله تعالى في الدرس القادم، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 210

شرح لمعة الاعتقاد [١٦] أصحاب النبي ﷺ خير أصحاب الأنبياء، وأجمع أهل السنة والجماعة على أن أفضل الأمة بعد نبيها أبو بكر ﵁، وأنه أحق بالخلافة من غيره، ثم يليه في الفضل عمر، ثم اختلفوا في عثمان وعلي، ثم استقر الإجماع بعد ذلك على أن التفضيل يكون على ترتيب الخلافة، وقد أوصانا النبي ﷺ بالالتزام بسنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده رضوان الله عليهم أجمعين.

стр. 211

أصحاب النبي ﷺ والمفاضلة بينهم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين. والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [وأصحابه خير أصحاب الأنبياء ﵈، وأفضل أمته أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى ﵃ أجمعين؛ لما روى عبد الله بن عمر ﵄ قال: (كنا نقول والنبي ﷺ حي: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، فيبلغ ذلك النبي ﷺ فلا ينكره) . وصحت الرواية عن علي ﵁ أنه قال: (خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، ولو شئت سميت الثالث) . وروى أبو الدرداء: عن النبي ﷺ أنه قال: (ما طلعت الشمس ولا غربت بعد النبيين والمرسلين على أفضل من أبي بكر) ، وهو أحق خلق الله بالخلافة بعد النبي ﷺ لفضله وسابقته، وتقديم النبي ﷺ له في الصلاة على جميع الصحابة ﵃، وإجماع الصحابة ﵃ على تقديمه ومبايعته، ولم يكن الله ليجمعهم على ضلالة. ثم من بعده عمر الفاروق ﵁ لفضله وعهد أبي بكر إليه، ثم عثمان ﵁ لتقديم أهل الشورى له، ثم علي ﵁ لفضله وإجماع أهل عصره عليه] .

стр. 212

أصحاب محمد ﷺ هم خير الصحاب الأنبياء ذكر المؤلف ﵀ في هذا الفصل ما يتعلق بصحابة رسول الله ﷺ بعد أن ذكر فضائل النبي ﷺ وفضائل أمته، فذكر ما خص الله به أصحاب النبي ﷺ من عظيم المنزلة ورفيع المكانة، قال ﵀: (وأصحابه) أي: أصحاب النبي ﷺ (خير أصحاب الأنبياء ﵈ وهذا قد أجمعت عليه الأمة، ودل عليه قول الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] ، وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة:١٤٣] فشهادة هذه الأمة على غيرها من الأمم دليل على خيريتها. وخير هذه الأمة هم أصحاب النبي ﷺ ؛ لما جاء في البخاري وغيره أن النبي ﷺ قال: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) كما في حديث عمران بن حصين وغيره. هذا الحديث يدل على أن أفضل الأمة بعد نبيها ﷺ هم أصحاب النبي ﷺ ، فهم في الجملة أفضل الأمة، وهم أفضل الناس بعد الأنبياء كما ذكر المؤلف ﵀.

стр. 213

المفاضلة الخاصة بين الصحابة دون التنقص لأحد هذا الفضل العام في جيل الصحابة ﵃ يشملهم جميعاً، ثم هم بعد هذا الفضل العام يتمايزون في الفضل على درجات متفاوتة، أعلاهم وأرفعهم منزلة وأعظمهم فضلاً أبو بكر ﵁، ولذلك قال المؤلف ﵀: (وأفضل أمته أبو بكر الصديق) فأفضل الأمة بعد نبيها ﷺ أبو بكر الصديق عليه رضوان الله؛ وذلك أن أبا بكر له من الخصائص والفضائل والمزايا ما لا يشركه فيه غيره من أمة النبي ﷺ ، بل اختص بها وهي أعلى الفضائل الخاصة. ثم وصفه ﵁ بـ الصديق؛ لكونه الذي صدق النبي ﷺ ، كما جاء ذلك في قوله ﷺ لما وقع ما وقع بين أبي بكر وعمر من المخاصمة، قال: (لقد جئتكم فقلتم: كذبت. وقال أبو بكر: صدقت) فشهد له النبي ﷺ بالتصديق، فهو صديق هذه الأمة وهو الصديق الأكبر ﵁. ثم عمر الفاروق ويصدق عليه أنه صديق، فقد صدق النبي ﷺ أعظم تصديق، لكنه اختص بهذا الوصف؛ لأن الله فرق به بين الحق والباطل، فـ عمر ﵁ معه من القوة ورباطة الجأش وعظيم العزيمة ما حقق الله على يديه الفرق بين الحق والباطل. ثم عثمان ذو النورين، أي: صاحب النورين ﵁، والنواران هما بنتا النبي ﷺ ، حيث خصه الله بأن جمع له بين بنتين من بنات النبي ﷺ ، تزوج إحداهما فماتت ثم تزوج الثانية. ثم بعد ذلك قال: (ثم علي المرتضى) : وعلي هو رابع الصحابة ﵃ في الفضل، والمنزلة والمكانة، ووصفه بأنه المرتضى لما روى البخاري ومسلم من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁، وفيه أن النبي ﷺ استخلفه على المدينة لما خرج إلى غزوة تبوك، فتبع علي رسول الله ﷺ فقال: (أتتركني في النساء والصبيان؟! فقال النبي ﷺ : أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟) ، فرضي ﵁ فسمي بعد ذلك بالمرتضى، هكذا ذكر بعض أهل العلم في سبب تسميته أو وصفه ﵁ بالمرتضى، وقيل: لأنه رضيه الله ورسوله، وقيل غير ذلك. وعلى كل حال: فهذا وصف شاع بين أهل العلم في وصف علي ﵁. ورضي الله عن الصحابة أجمعين. والمفاضلة بين الصحابة لا يترتب عليها النقص أو التنقص للمفضول، بل بيان الفضل لا يترتب عليه همز المفضول ونقصه، بل ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فإذا ترتب على المفاضلة أن يكون هناك تنقص فإنه لا تجوز المفاضلة في هذه الحال، ولذلك قال النبي ﷺ : (لا تفضلوني على يونس بن متى) فنهى عن المفاضلة بين الأنبياء وعن التفضيل بينه وبين يونس بن متى وهو رسول ونبي ﷺ . والسبب أنه إذا كانت المفاضلة تفضي إلى تنقص المفضول فإنها لا تجوز، فإذا كانت هذه في الأنبياء مع وضوح فضل النبي ﷺ وظهوره وتأكده وتقريره، فكيف بالمفاضلة بين غيرهم؟! فلا يسوغ المفاضلة بين أهل الفضل إذا كان ذلك على وجه التنقص للمفضول، أما إذا كان على وجه بيان الفضل والسبق والمنزلة وما خص الله به أحدهم، فإن هذا لا بأس به، وهذا ليس خاصاً في المفاضلة بين الأنبياء أو الصحابة، بل في المفاضلة بين كل من تجري بينهم مفاضلة، إذا كان يترتب على هذه المفاضلة تنقص المفضول، ولا ينبغي أن يفاضل بين الناس على هذا الوجه؛ لأنه يفضي إلى مفسدة، والمفاضلة ليس المقصود منها إيغار الصدور، ولا تنقص المفضول، وإنما المقصود منها بيان فضل الله ، وما خص به كلاً من أهل الفضل.

стр. 214

ترتيب الخلفاء الراشدين في الفضل كترتيبهم في الخلافة يقول ﵀: (لما روى عبد الله بن عمر ﵄ قال: (كنا نقول والنبي ﷺ حي -أي بين أظهرهم- أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي) . الذي في الصحيحين وفي سنن أبي داود وفي غيرهما ذكر أبي بكر وعمر وعثمان دون ذكر علي ﵁، ولذلك قال: ثم نترك المفاضلة بين أصحاب النبي ﷺ بعد ذلك، فقد أجمع الصحابة وأقر النبي ﷺ على فضل أبي بكر ثم عمر ثم عثمان، وأنهم في الفضل والسبق للصحابة ما لا يحتاج إلى منازعة ولا مناقشة؛ لكون الصحابة أجمعوا على هذا، ولكون النبي ﷺ سمع ذلك منهم ولم ينكره، قال: (فيبلغ ذلك النبي ﷺ فلا ينكره) وصحت الرواية عن علي ﵁ أنه قال: (خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر، ولو شئت سميت الثالث) . واختلف أهل العلم في الثالث، فقيل: إنه يعني نفسه. وقيل: إنه يعني عثمان. والصحيح والذي يظهر أنه يعني عثمان ﵁، وإنما امتنع من تسمية الثالث لكون كثير من أتباع علي ﵁ في ذلك الوقت كانوا ممن وقعت منهم الفتنة في موضوع عثمان ﵁، وما جرى له من الحصار والخروج عليه ﵁، فخشي أن يبين الثالث فيكون ذلك سبباً لوقوع فتنة من أتباعه، ويقع في ذلك مزيد شر لأهل الإسلام؛ لأنه قد وقعت الفرقة وتشقق الناس وافترقوا إلى قسمين في مقتل عثمان ﵁، فخشي من زيادة الشر، فقال: (ولو شئت لسميت الثالث) ، فالذي يظهر أن الثالث هو عثمان ﵁. يقول ﵀: (وروى أبو داود عن النبي ﷺ أنه قال: (ما طلعت الشمس ولا غربت بعد النبيين والمرسلين على أفضل من أبي بكر) ، فـ أبو بكر ﵁ أفضل الأمة بعد نبيها ﷺ ، بل هو أفضل الناس بعد الأنبياء.

стр. 215

خلاف أهل السنة في المفاضلة بين عثمان وعلي ثم بعد أن ذكر الفضل قال: (وهو أحق خلق الله بالخلافة بعد النبي ﷺ والعلماء ﵏ يذكرون مسألة المفاضلة ببين الصحابة، ثم يذكرون الخلافة؛ وذلك لكون هاتين المسألتين من المسائل التي يجب اعتقادها في الصحابة، فبدأ المؤلف ﵀ بذكر الفضل، وبين عقيدة أهل السنة والجماعة في المفاضلة، واعلم أنه لا خلاف بين أهل العلم في تقديم أبي بكر ثم عمر على سائر صحابة رسول الله ﷺ ، أما عثمان وعلي فبعد أن أجمعت الأمة على أن الذي يلي الأولين هو عثمان وعلي اختلفوا في أيهما أفضل، فمنهم من قال: الأفضل عثمان ثم علي، أي: فيكون الترتيب أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، وهذا الذي عليه جمهور أهل السنة والجماعة، واستقر عليه قولهم، وأن ترتيبهم في الفضل والمنزلة كترتيبهم في الخلافة. القول الثاني: أن علياً مقدم على عثمان، وهذا قال به جماعة من السلف من أشهرهم سفيان الثوري ﵀، وقيل: إنه رجع عنه لما ناقشه من ناقشه من أهل العلم، وبين له تقدم عثمان على علي. القول الثالث: التوقف، أي: لا يقول إن عثمان أفضل ولا علي أفضل. والصحيح من هذه الأقوال هو القول الأول الذي لا ريب في صحته واستقرار قول أهل السنة عليه، وهذه المسألة هل يضلل فيها المخالف؟! الجواب لا يضلل فيها المخالف؛ لأنه قد وقع فيها الخلاف بين السلف، لكن المسألة التي يضلل فيها المخالف هي مسألة الخلافة، فإن ترتيب في الخلافة لا إشكال فيه، وقد اتفق عليه أهل السنة، فمن قال إن علياً أحق ممن تقدمه بالخلافة فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار؛ لأن المهاجرين أجمعوا على تقدم عثمان في الخلافة على علي ﵁، وقد قال عبد الرحمن بن عوف وهو الذي أوكل إليه عمر ﵁ النظر فيمن يخلفه بين من بقي من أهل الشورى يقول بعد بحث ونظر واستشارة و السؤال لم أر الناس يعدلون بـ عثمان أحداً. فأجمع المهاجرون والأنصار على خلافة عثمان، بل إن خلافة عثمان خلافة إجماعية لم يقع فيها خلاف بالكلية، حتى علي ﵁ بايعه ووافق، فلم يجتمع الناس في خلافة أحد كما اجتمعوا في خلافة عثمان ﵁، فالذي يطعن في خلافة عثمان أو يقول إن علياً أولى بالخلافة منه فإنه أضل من حمار أهله كما قال الإمام أحمد ﵀، لظهور الإجماع على خلافة عثمان ﵁.
следующие страницы →