Полный текст (265 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
كلام الله عام لجميع الناس يوم القيامة
يقول ﵀: (وسمعه جبريل ﵇ أي: تلقاه جبريل عن الله جل وعلا، قال: (ومن أذن له من ملائكته ورسله) ، أي: يسمع كلام الله من يأذن الله له أن يسمع كلامه من ملائكته ورسله.
(وأنه سبحانه يكلم المؤمنين في الآخرة ويكلمونه) ، في الآخرة يحتمل أنه في الجنة، ويحتمل أنه في الموقف، ولكن المراد: أنه يكلمهم في الجنة، وخص المؤمنين بالتكليم مع أن ظاهر الحديث: أنه يكلم أهل الإيمان وغيرهم؛ لأن تكليمه لأهل الإيمان أعلى ما يكون من الكلام، أما تكليمه لأهل الكفر فإنه تكليم تقريع وتوبيخ وتعذيب، وليس تكليم إكرام ومنة.
وتكليمه لأهل الكفر لا إشكال فيه، دل عليه قوله ﷺ : (ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه) ، والخطاب هنا ليس خاصاً بالصحابة، بل يعم كل أحد، ويدل له ما رواه الإمام مسلم من حديث أبي هريرة، وفيه: (إن الله يخلو بعبده الكافر، فيقول: ألم أسودك؟ ألم أربعك؟ ألم أجعلك ترأس؟ فيقول: بلى يا رب، فيقول: أكنت تظن أنك ملاقي؟ فيقول الرجل: لا، فيقول الله : اليوم أنساك كما نسيتني) وهذا لا يمكن أن يكون من مسلم، ولا يكون إلا من كافر.
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى في ذكر الآيات الدالة على إثبات هذه الصفة للرب جل وعلا: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ [النساء:١٦٤] وذكرنا أن هذه الآية من أصرح الآيات في إثبات صفة الكلام لله جل وعلا،؛ لأن الله أكد كلامه بالمصدر في قوله: (تكليماً) ، والعجيب أن المحرفين قالوا: إن هذه الآية تدل على أن موسى لم يحصل له من الفضل أكثر من غيره، وإنما معنى الكلام هنا: الجرح، كقول النبي ﷺ : (الله أعلم بمن يكلم في سبيله) ، أي: يجرح، فقالوا: معنى ((وكلم الله موسى تكليما)) ، أي: جرحه بأظافير الحكمة، هكذا حرفوا الكلم عن مواضعه، مع أن المقام مقام بيان وتشريف؛ لأن الله ابتدأ الكلام بقوله: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء:١٦٣] ، ثم إنه ذكر تكليمه جل وعلا لموسى وأكد ذلك بالمصدر، ومع ذلك حرفوا الكلم عن مواضعه وقالوا: إن المراد هنا بالتكليم التجريح، وهذا لاشك أنه يدخل فيما ذكره الله تعالى من تحريف الكلم عن مواضعه.
وقال سبحانه: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف:١٤٤] ، وهذا دليل على أن الله كلم موسى، وأنه اختصه بشيء من الكلام لا يشاركه فيه أحد من الناس.
ولكن هل هذا يدل على أن موسى ﵇ أفضل من نبينا ﵊؟
الجواب
لا، لأن الاختصاص بفضيلة خاصة لا يلزم منه الفضل من كل وجه، وهذه قاعدة مطردة في كل ما ورد من الفضائل، فسيدنا موسى ﵇ فضل على نبينا ﷺ في هذا، لكن النبي ﷺ أفضل منه من حيث العموم، بما خصه الله به وحباه به من الفضائل.
﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف:١٤٤] ، وقال سبحانه: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٥٣] ، فدل ذلك أن تكليم الله لموسى ليس خاصاً بموسى، بل من الرسل من كلم الله .
стр. 72
كلام الله وعلاقته بجميع الرسل
يقول ﵀: (ومن صفات الله تعالى أنه متكلم بكلام قديم) : المقصود بالقديم: الأول الذي ليس قبله شيء، فكلامه ليس صفة حادثة بعد أن لم يكن، بل كلامه جل وعلا من صفاته الذاتية التي لم يزل متصفاً بها ولا يزال متصفاً بها، وقد اتفق على إثبات هذه الصفة لله جل وعلا أهل السنة والجماعة، أئمة هذا الدين من الصحابة فمن بعدهم، فلا خلاف بينهم في إثبات هذه الصفة.
بل هذه الصفة دل عليها كتاب الله جل وعلا وسنة رسوله ﷺ ، فلا مجال لإنكارها، بل إن إنكار هذه الصفة يفضي إلى إنكار الصفات من أصلها، ولذلك فالذين ينكرون أن يرسل الله رسولاً إما أن ينكروا أن الله يكلم أحداً، وإما أن ينكروا أن الله ينزل على رسوله كتاباً كما قال الله : ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾ [يونس:٢] ، فجعل الله سبب تعجب الكفار أن يوحي إلى رجل منهم؛ ولذلك قال القائل منهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥] ، فأنكر أن يكون القرآن كلام الله جل وعلا.
فالإنكار لمسألة تكلم الله وصفة الكلام له جل وعلا من أخطر ما يكون؛ لكونه يوافق قول المكذبين للرسل، فيلغي الرسالة، ويلغي أن يكون الله جل وعلا قد أرسل رسلاً مبشرين ومنذرين، وأنه أوحى إليهم، وأرسل إليهم.
فهذه المسألة من أخطر ما يكون، ولذلك اتفق الرسل جميعاً على إثبات هذه الصفة، فكل الرسل أخبروا أقوامهم بأن الله أوحى إليهم، وأنه كلمهم، وأنه بعثهم وأرسلهم، فإثبات صفة الكلام مما أجمعت عليه الكتب السماوية كلها، فمن أنكر هذه الصفة فقد أنكر ما اتفق عليه الرسل جميعاً.
стр. 73
شرح لمعة الاعتقاد [٥]
صفة الكلام من الصفات التي أجمع سلف الأمة على إثباتها للمولى كما يليق بجلاله، من دون تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل ومن كلام الله سبحانه القرآن العظيم، فهو صفة من صفاته غير مخلوق، وقد أضافه المولى إلى نفسه، ولا يضاف الكلام إلا إلى من قاله مبتدئاً.
والقرآن مكون من سور وآيات، وأجزاء وأبعاض، ومنه محكم ومتشابه، وعام وخاص وناسخ ومنسوخ.
стр. 74
إنكار صفة الكلام لله تعالى يؤدي إلى إنكار الرسالة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول الإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى: [وروى عبد الله بن أنيس، عن النبي ﷺ أن الله قال: (يحشر الله الخلائق يوم القيامة عراة حفاة غرلاً بهماً، فيناديهم بصوت يسمعه من بَعُد كما يسمعه من قُرُب: أنا الملك أنا الديان) ، رواه الأئمة، واستشهد به البخاري.
وفي بعض الآثار: (أن موسى ﵇ ليلة رأى النار؛ فهالته ففزع منها، فناداه ربه: يا موسى! فأجاب سريعاً استئناساً بالصوت، فقال: لبيك لبيك، أسمع صوتك ولا أرى مكانك، فأين أنت؟ فقال: أنا فوقك وأمامك، وعن يمينك وعن شمالك) ؛ فعلم أن هذه الصفة لا تنبغي إلا لله تعالى.
(قال: كذلك أنت يا إلهي، أفكلامك أسمع أم كلام رسولك؟ قال: بل كلامي يا موسى) ] .
هذا تتمة للفصل الذي بدأنا فيه، والذي جعله المؤلف ﵀ لتقرير عقيدة أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بصفة الكلام لله ، وإثباتهم صفة الكلام لله جل وعلا على ما يليق بجلاله وكماله، وذكرنا أن صفة الكلام صفة ثابتة له بالكتاب والسنة وبإجماع سلف الأمة؛ فإن الأمة أجمعت على إثبات هذه الصفة للرب جل وعلا، بل إن الكتب كلها تثبت هذه الصفة، والرسل جميعهم جاءوا مخبرين بأن الله أوحى إليهم وكلمهم، وأنه بعثهم إلى الناس، وأنزل عليهم كتباً تكلم بها، فهذه الصفة ثابتة أجمع عليها أهل الإيمان والإسلام على مَرِّ العصور.
ومن أنكر صفة الكلام فقد شابه أهل الكفر؛ وذلك أن الكفار أنكروا إرسال الله الرسل، وسلكوا في ذلك طريقين: الأول: تكذيب أن يكلم الله جل وعلا أحداً من رسله.
الثاني: أنهم قالوا: ﴿مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٩١] ، فسلكوا في تكذيب رسالات الرسل هذين المسلكين: إما تكذيب أن يبعث الله إلى الناس رسولاً: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾ [يونس:٢] ، ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ﴾ [الأعراف:٦٣] ، ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٩١] ؛ فهذه مسالكهم في إبطال الرسالة؛ ولذا قال العلماء: إن حقيقة إنكار صفة الكلام التطرق والتوصل إلى إنكار بعث الله للرسل.
وتقدم لنا أن الله جل وعلا كلم موسى ﵇، وأن ما خص الله به موسى من الكلام فارق به سائر الأنبياء والرسل، كما قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ [النساء:١٦٤] ، وكما قال جل وعلا في خطابه لموسى: (يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف:١٤٤] .
ثم قال المؤلف ﵀ في الاستدلال على هذه الصفة: وروى عبد الله بن أنيس، عن النبي ﷺ أن الله قال: (يحشر الله الخلائق يوم القيامة) ، وذكر صفة حشر بني آدم، فذكر أربعة أوصاف: (عراة حفاة غرلاً بهماً) ، واللفظ الذي في الصحيح ذكر الأوصاف الثلاثة الأولى: (حفاة، عراة، غرلاً) ، وأما الصفة الرابعة: (بهماً) ، فقد جاءت في مسند الإمام أحمد من حديث عبد الله بن أنيس الذي ذكره المؤلف ﵀.
قالوا: (يا رسول الله! وما بهماً؟ قال: ليس معهم شيء) .
قال: (فيناديهم بصوت) ؛ وهذا هو محل الشاهد في الحديث، (يسمعه من بَعُد كما يسمعه من قَرُب: أنا الملك أنا الديان) ، وهذا الحديث رواه جابر بن عبد الله ﵁ عن عبد الله بن أنيس، وهو الحديث الذي رحل جابر في طلبه من المدينة إلى الشام، لما بلغه أن رجلاً من أصحاب النبي ﷺ يحدث عن فصل القضاء والحكم بين الناس، فاشترى بعيراً؛ فشد عليه رحله، ثم رحل إلى الشام، فطرق الباب على عبد الله بن أنيس، فقال: إنه قد بلغني أنك تحدث حديثاً عن رسول الله ﷺ لم أسمعه، فخشيت أن تموت أو أموت قبلك قبل أن أسمعه، فأخذه منه ﵁، وفيه ما ساقه المؤلف من حشر الخلائق.
قال المؤلف: (رواه الأئمة، واستشهد به البخاري) .
وأصل الحديث في الصحيحين من حيث ثبوت صفة الحشر، ونداء الله للخلائق يوم المحشر في صحيح الإمام مسلم.
ثم قال ﵀: (وفي بعض الآثار) ، أي: عن الأنبياء المتقدمين: (أن موسى ليلة رأى النار) ، هذا الأثر رواه ابن أبي عاصم في كتاب الزهد بسنده إلى وهب بن منبه، ووهب بن منبه من الرواة الذين أكثروا النقل عن بني إسرائيل، قال الذهبي ﵀ في ترجمته: له غزارة علم في الإسرائيليات وصحائف أهل الكتاب.
يعني أن غالب ما عنده من العلم هو من الإسرائيليات وصحائف أهل الكتاب، وهذا من ذلك والله أعلم، وهو يروي عن ابن عباس، وأبي هريرة.
وهذا الأثر من روايته عن أهل الكتاب في الإسرائيليات أو من صحائف أهل الكتاب، يقول فيه: (إن موسى ليلة رأى النار هالته ففزع منها، فناداه ربه: يا موسى! فأجاب سريعاً استئناساً بالصوت، فقال: لبيك لبيك) ، أي: أجيبك إجابة بعد إجابة.
(أسمع صوتك، ولا أرى مكانك، فأين أنت؟) ، وهذا فيه أنه سأل عن الله (بأين) التي هي أعظم الكبائر عند أهل الكلام؛ مع أن النبي ﷺ سأل الجارية، فقال لها: (أين الله؟ وموسى في هذا الأثر الإسرائيلي قال: أين أنت؟ قال: أنا فوقك، وأمامك، وعن يمينك، وعن شمالك) ، وهذا ليس فيه أن الله مخالط للخلق بل هذا لا ينافي ما تقدم مما نعتقده ودل عليه الكتاب والسنة وأجمع عليه سلف الأمة: أن الله جل وعلا بائن من خلقه، ليس فيه شيء من خلقه ولا هو في شيء من خلقه، بل هو العلي جل وعلا مستوٍ على عرشه بائن من خلقه، والإحاطة المذكورة هنا إنما هي إحاطة العلم والقرب، وليست إحاطة المخالطة والممازجة؛ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
(فعلم أن هذه الصفة لا تنبغي إلا لله.
قال: (كذلك أنت يا إلهي) ، يعني: هكذا صفة الإله، (أفكلامك أسمع) يعني: هذا الكلام الذي أسمع، وهو النداء: يا موسى، (أكلامك أسمع أم كلام رسولك؟ قال: بل كلامي يا موسى) ، ولا شك أن الكلام الذي سمعه موسى ﵇ في تلك الليلة هو كلام رب العالمين؛ لا يماري في ذلك صاحب عقل سليم، وصاحب قلب من الشبه سليم؛ لأن الله جل وعلا قال في تلك الليلة: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه:١٢] ، وقال: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه:١٤] ، ولا يمكن أن يكون هذا صادراً عن غير الله جل وعلا؛ لأنه لا يجوز لمخلوق من خلق الله أن يقول: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه:١٤] ، فعلم بهذا أن الكلام الذي سمعه موسى ﵇ هو كلام رب العالمين، وهذا واضح جلي يدركه كل أحد يطلع على كلام الله ، ويقرأ ما جاء في شأن هذه القصة من كلام الله ، وما جاء في السنة النبوية من ذلك؛ لكن هؤلاء لما انحرفت قلوبهم وانصرفت عن الحق شبهوا فشبه عليهم، وخلطوا فاختلط عليهم الأمر، فكانوا كما قال الله : ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [البقرة:١٧٦] ، أي: لفي اختلاف ونزاع وتفرق واضطراب، كما قال الله جل وعلا: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق:٥] ، أي: في أمر مضطرب مختلط فاسد، هكذا هي حال كل من خالف الكتاب، أو أعرض عنه، أو لم يقبل ما جاء فيه.
стр. 75
القرآن الكريم .
سماته والرد على المخالفين فيها
قال المؤلف ﵀: [فصل: ومن كلام الله سبحانه: القرآن العظيم، وهو كتاب الله المبين، وحبله المتين، وصراطه المستقيم، وتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين؛ بلسان عربي مبين، منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود.
وهو سور محكمات وآيات بينات، وحروف وكلمات] .
стр. 76
القرآن أجزاء وأبعاض يتلى ويحفظ ويكتب ويسمع
ثم قال: (له أول وآخر) ، ولا إشكال في أن للقرآن أولاً وآخراً، فأوله بسم الله الرحمن الرحيم في سورة الفاتحة، وآخره ما ذكر الله في آخر سورة الناس: ﴿مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس:٦] .
يقول ﵀: (وأجزاء وأبعاض) ، هذا يرد به على الأشاعرة والكلابية الذين قالوا: إن كلام الله معنى قائم في النفس، ليس له حرف ولا أجزاء ولا أبعاض، وليس فيه أحرف ولا كلمات، بل حتى الذين قالوا: إنه معنى واحد أو ثلاثة أو خمسة يقولون: هذا التقسيم ليس أجزاء ولا أبعاضاً، بل الكلام الذي يصفون به الله معنى قائم أزلي أبدي؛ فهو في الأزل والأبد لا يتبين منه حرف ولا صوت، معناه واحد؛ إن عبر عنه بالعربية كان قرآناً، وإن عبر عنه بغير ذلك كان على حسب ما عبر عنه من توراة أو إنجيل، هكذا قالوا، وهم بهذا يكذبون القرآن، ويكذبون ما جاء عن النبي ﷺ ، وما أجمعت عليه الأمة.
إذاً: مراد المؤلف من قوله: (وأجزاء وأبعاض) ، أي: أن كلام الله حروف وكلمات وأجزاء كما تقدم، وليس معنى قائماً بالنفس.
قال: (متلو بالألسنة محفوظ في الصدور) ، أي: تقرؤه ألسنة المسلمين، محفوظ في صدورهم، فلا يخرج عن كونه متلواً بالألسنة ولا يخرج بكونه محفوظاً في الصدور عن أن يكون كلام رب العالمين.
وذكر المؤلف هذا حتى لا يقول قائل: إن القرآن الذي بين أيدينا ليس كلام الله، وإنما هو شيء في صدورنا، وفي صحائف من كتب، وألسنة من قرأ، فنقول له: لا؛ لأن الكلام يضاف إلى من تكلم به ابتداء لا إلى من قرأه أو كتبه أو حفظه، فنحن نقول: قال رسول الله ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) ، هذا كلام النبي ﷺ ، والرواة الذين نقلوه نقلوه على أنه كلامه ﷺ ، والأمة لما تلقت هذا الحديث تلقته عنهم على أنه من النبي ﷺ ، فهو من النبي تلفظ به من تلفظ، وكتبه من كتبه، وحفظه من حفظه، ولا يخرجه هذا كله عن أن يكون كلامه، وهذا هو مراد المؤلف بقوله: (متلو بالألسنة، محفوظ في الصدور، مسموع بالآذان، مكتوب في المصاحف) ، فكل هذا لا يخرج القرآن عن كونه كلام رب العالمين، فهو كلام الله سواء كان متلواً أو مسموعاً أو محفوظاً أو مكتوباً.
стр. 77
أجر قارئ القرآن
يقول ﵀: (من قرأه فأعربه، فله بكل حرف عشر حسنات) ، ليس معنى (فأعربه) أن يقول: هذا مبتدأ وهذا خبر، وهذا فعل وهذا فاعل، وهذا جار وهذا مجرور، بل معنى (أعربه) : أتقن قراءته، فيكون المعنى: رتله؛ لأن قول الله تعالى: ﴿وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ [المزمل:٤] ، قيل: الترتيل: هو أن تقرأ القرآن كما أنزل معرباً، فلا تجر المفتوح، أو ما أشبه ذلك من أنواع اللحن التي تجري بسبب ضعف اللسان، فقوله ﵀: فأعربه، أي: أتقن قراءته على الوجه الذي نزل به.
من قرأه، أي: القرآن، فأعربه فله بكل حرف، أي: بكل كلمة، عشر حسنات، كما قال النبي ﷺ فيما رواه الترمذي من حديث ابن مسعود: (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: (آلم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف) ، قال الترمذي ﵀: حديث حسن صحيح.
стр. 78
القرآن سور وآيات وكلمات
قال ﵀: (وهو -أي: القرآن- سور محكمات) ، والدليل على ذلك قول الله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود:١] ، فالإحكام هنا في قوله ﵀ المراد به: سور متقنات، ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت:٤٢] ، فليس فيه اضطراب، ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢] ، وهذا هو الإحكام الذي يوصف به القرآن كله، ومنه قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً﴾ [الزمر:٢٣] ، فمعنى المتشابه: الذي يصدق بعضه بعضاً، ليس فيه تعارض، ولا ينقض آخره أوله، ولا يكذب بعضه بعضاً، بل يصدق بعضه بعضاً، وهذا من الإحكام.
إذاً: قوله ﵀: (وهو سور محكمات) ، يريد أنه متقن يصدق بعضه بعضاً، لا فيه خلل ولا عيب، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
قال ﵀: (وآيات بينات) ، المؤلف ﵀ بين لنا مما يتكون القرآن، فيتكون من سور.
وهذا أكبر ما يكون من الاجتماعات في القرآن، فأكبر التقسيمات للقرآن: سور، ثم آيات، ثم أحرف؛ ولذا قال: (وهو سور محكمات وآيات بينات) ، ومعنى بينات: أي: واضحات الدلالة لا لبس فيها ولا غموض لمن فتح الله بصيرته وهدى قلبه.
قال: (وحروف وكلمات) ، إما أن يريد بالحرف الكلمة، وهذا الاستعمال العربي الأول الفصيح الذي جاءت به السنة؛ فالحرف يطلق على الكلمة لا على المفرد الهجائي، ومنه ما رواه ابن مسعود ﵁، في قوله ﷺ : (من قرأ حرفاً من كلام الله فله به حسنة) ، فليس المراد بالحرف هنا المفرد الهجائي، إنما المراد بالحرف: الكلمة، ولذا قال: (لا أقول: آلم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف) لأن القارئ لا يقول: ألم، ولكن: ألف، لام، ميم، فكل حرف من هذه الأحرف هو كلمة؛ لأنه لا ينطق حرفاً واحداً؛ فالحرف في كلام العرب معناه: كلمة.
فمثلاً: قول الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ، كم فيها من أحرف؟ أربعة؛ لأن الحرف كلمة (قل.
هو.
الله.
أحد) هذا هو الحرف في كلام النبي ﷺ ولسان العرب.
أما الاصطلاح الحادث بعد ذلك من أن الحرف هو المفرد الهجائي، فـ (قل) فيها حرفان، ولفظ الجلالة (الله) فيه خمسة إذا حسبنا التشديد، و (أحد) فيها ثلاثة أحرف.
فهذا المقصود بالكلمة في قول النبي ﷺ : (من قرأ حرفاً من كلام الله) ، أن الهمزة والحاء والدال ثلاثة حروف في قوله: (أحد) ؛ فقول المؤلف ﵀: (وحروف وكلمات) ، قد يكون هذا من عطف الترادف؛ لأن الحروف هي الكلمات، وقد يكون مراده بالحروف الحرف الهجائي؛ لأن الكلمة تتكون من حروف هجائية، فيكون بهذا قد جرى على الاصطلاح الحادث.
стр. 79
القرآن بدأ من الله وإليه يعود
قوله ﵀: (منه بدأ) ، هذه اللفظة جاءت عن جماعة من السلف الصالح، ومعناها: أنه هو المتكلم به ولم يبتدئ من غيره، فهو المتكلم بالقرآن سبحانه وبحمده، فـ (من) هنا لابتداء الغاية، والضمير يعود إلى الله جل وعلا، فهو الذي بدأه وتكلم به، لم يكن من غيره ولم يبدأ من غيره؛ لأن الجهمية يقولون: كلام الله، لكنه بدأ من غيره، ففي قصة موسى يقولون: بدأ من الشجرة، والشجرة هي التي تكلمت، أو من ملك، فهو الذي تكلم، وهم بهذا كاذبون مكذبون للقرآن الكريم، مكذبون لما عليه النبي ﷺ والصحابة والتابعون.
دليل ذلك الآيات الكثيرة في كلام الله جل وعلا، التي تخبر بأن القرآن تكلم به الرب، من ذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل:٦] ؛ فـ (من) هنا لابتداء الغاية، ومنه قول الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة:١٣] ، وكذلك قوله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود:١] ، ومنه قوله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنْ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر:١] ؛ فـ (من) في هذه الآيات كلها وما يشابهها تفيد ابتداء الغاية، وهذا دليل قول المؤلف ﵀: (منه بدأ) .
ويعبر بعض السلف عن هذه الكلمة بقولهم: (منه خرج) ، ويريدون بهذا أن الكلام خرج ابتداء من الله جل وعلا، وقد جاء ذلك في بعض الأحاديث، ففي جامع الترمذي من حديث أبي أمامة ﵁، قال النبي ﷺ : (وما تقرب العباد إلى الله بمثل ما خرج منه) ، قال أبو النضر -أحد رواة الحديث-: يعني القرآن، وهذا الحديث قال عنه الترمذي: غريب، وقد جاء ما يعضده من طريق جبير بن نفير مرسلاً في مسند الإمام أحمد، وذكره الترمذي، قال: قال رسول الله ﷺ : (إنكم لن ترجعوا إلى الله بأفضل مما خرج منه) ، وقد تكلم بهذا السلف، ومرادهم بهذه العبارة: أن الكلام من الله ابتدأ ولم يخلقه في غيره كما تقول المعتزلة والجهمية، ومرادهم أيضاً من هذه العبارة: أن الكلام صفة الله ، فالمتكلم إذا خرج منه الكلام هل يخرج مخلوقاً أو صفة له؟ صفة له؛ ولهذا قال جل وعلا: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [الكهف:٥] ، هل يخرج الكلام الذي منهم خلق وعين أم أن الكلام صفة له وإن تكلم به وظهر منه؟! الكلام صفة له، وإن ظهر منه وخرج منه، لكنه يكون على وجه الصفة.
قال ﵀: (وإليه يعود) ، أي: إلى الله جل وعلا يعود القرآن، وإليه يرجع، وقد جاء ذلك في عدة آثار، منها عن ابن مسعود ﵁: قال ﷺ : (يوشك أن ينزع القرآن منكم، قالوا: يا رسول الله! كيف ينزع وقد أثبته الله في قلوبنا، وأثبتناه في كتبنا، فقال: يسرى عليه في ليلة، فلا يبقى في الصدور منه كلمه، ولا في الصحف منه آية، ويصبح الناس منه فقراء) ، أي: ليس معهم منه شيء، وهذا معنى ما ذكره السلف ﵏ من قولهم: (وإليه يرجع) ، فالقرآن يرجع إلى الله ، ولكن بعدما يتعطل العمل به ولا ينتفع الناس منه؛ وذلك في آخر الزمان، وهذا لعظيم مكانة القرآن عند الرب جل وعلا، فكما أن البيت يرفع وهو القبلة، فكذلك القرآن يرفع وهو صفة الله ، لأن الناس يعرضون عنه، فإذا أعرضوا عنه رفعه الله لعدم انتفاع الناس به.
стр. 80
القرآن منزل غير مخلوق
قال ﵀: (منزل غير مخلوق) ، هذا فيه رد على الجهمية والمعتزلة، فقوله: (منزل) ، رد على من قال: إن القرآن ليس من لدن الله جل وعلا، وقوله: (غير مخلوق) ، رد على من قال: إنه منزل من الله، وهو كلام الله لكنه مخلوق، وهذا قول الجهمية الذين جرت منهم فتنة عظيمة على أهل الإسلام في أول القرن الثالث الهجري، حيث فتنوا الناس وعذبوا العلماء في مسألة خلق القرآن، وآزرهم في ذلك المأمون، فلما توفي سنة ثمان عشرة ومائتين للهجرة تولى كبر هذه الفتنة بعده ابنه المعتصم.
واستمرت الفتنة حتى رفعها الله وأنقذ الأمة بالإمام أحمد بن حنبل، كما قال علي بن المديني ﵀: إن الله أنقذ هذا الدين بـ أبي بكر في الردة، وبـ أحمد يوم الفتنة أو يوم المحنة؛ فإن الله ثبت الإمام أحمد على الحق والهدى حتى غدا إمام الدنيا في زمانه وما بعده، حيث ربط الله قلبه وسدده ووفقه إلى التمسك بما دل عليه الكتاب والسنة؛ من أن القرآن كلام الله غير مخلوق، فقول المؤلف ﵀: (منزل غير مخلوق) يرد به على الجهمية الذين قالوا: القرآن كلام الله لكنه مخلوق، فقال: (منزل) كما يعتقد أهل السنة والجماعة وكما تعتقد الجهمية، لكنه غير مخلوق.
فكلام الله صفة من صفات الله، وليس خلقاً من خلقه.
стр. 81
القرآن صراط الله المستقيم المنزل من عند الله
قال: (وصراطه المستقيم) : وصف القرآن بأنه الصراط المستقيم، والصراط في لغة العرب الطريق الواسع، وقد فسر جماعة من العلماء قول الله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] ، بأنه القرآن، وقد قال الله في وصف رسوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢] ؛ فالصراط المستقيم هو كتاب الله الحكيم.
قال ﵀: (وتنزيل رب العالمين) ، يدل على ذلك الآيات الكثيرة التي أخبر الله فيها بتنزيل الكتاب: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [السجدة:٢] ، ﴿تَنزِيلٌ مِنْ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت:٢] ، وما إلى ذلك من الآيات الكثيرة التي يخبر الله فيها بتنزيل الكتاب من لدنه جل وعلا.
(نزل به الروح الأمين) ، أي: جبريل، (على قلب سيد المرسلين) ، أي: محمد ﷺ ، (بلسان عربي مبين) ، قال الله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل:١٠٢] ، فأنزل الله هذا القرآن على قلب محمد ﷺ كما قال المؤلف ﵀، ولا إشكال في أنه نزل بلسان عربي، أي: بكلام عربي، ليس فيه اشتباه ولا التباس، فهو مبين ظاهر واضح الدلالة والمعاني.
стр. 82
القرآن العظيم من كلام الله سبحانه
بعد أن قرر المؤلف ﵀ في الفصل السابق إثبات صفة الكلام لله جل وعلا من الكتاب والسنة والآثار، انتقل إلى الحديث عن القرآن الذي وقع الخلاف فيه بين طوائف من أهل الإسلام؛ فأنكروا أن يكون القرآن كلام الله جل وعلا، كما كان عليه سلف الأمة من الصحابة والتابعين وأئمة الدين ومن بعدهم.
يقول ﵀: (ومن كلام الله سبحانه القرآن العظيم) : (من) هنا للتبعيض؛ لأن كلام الله جل وعلا لا يقتصر على القرآن، كما قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ [الكهف:١٠٩] ؛ فكلام الله جل وعلا كثير متنوع، منه ما يتعلق بالخلق، ومنه ما يتعلق بالشرع، فكلامه الشرعي: هو الذي أوحاه إلى رسله، وكلامه الكوني الخلقي هو الذي يوجد به ما يوجد ويحدث به ما يحدث من أمره سبحانه وبحمده؛ وبه يدبر أمر مملكته جل وعلا.
قوله ﵀: (ومن كلام الله) .
أي: من كلامه الشرعي الذي تلكم به فيما يتعلق بالشرائع والأديان القرآن العظيم، فهو كتاب الله الحكيم الذي أنزله على النبي محمد ﷺ ، وهو حجة الله على هذه الأمة، وهو أعظم آيات الأنبياء، قال النبي ﷺ كما في صحيح الإمام مسلم وغيره: (ما من نبي إلا وأوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي) ، يعني: كان أعظم وأجل ما أوتيه النبي ﷺ من الآيات: القرآن؛ ولذلك لم يذكر غيره ﷺ ، ثم بين عظيم هذا الذي خص به ﷺ ؛ فقال: (فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً) ، لعظيم بركة القرآن وأثره؛ لأنه ليست آية محصورة في زمان أو مكان بل هي آية ممتدة في كل زمان ومكان، فهي آية باقية، ولذا فإن تأثيره وأثره ما زال إلى الآن من أعظم ما يكون.
والمراد: أن هذا القرآن كلام الله جل وعلا، ما الدليل على هذا؟ الأدلة على هذا تفوق الحصر؛ فإن الله أخبر بأنه أنزل القرآن من لدنه جل وعلا، وأنه تكلم به، ووصفه بأنه كلامه، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] ، ولا خلاف بين أهل التفسير أن المراد بكلام الله في الآية القرآن، فالأدلة من الكتاب والسنة على أن القرآن كلام الله أكثر من أن تحصر، وهذا مما أجمع عليه السلف، وهو معلوم من الدين بالضرورة.
ولذلك من جحد أن القرآن كلام الله فهو كافر، وقد تلكم بهذا سلف الأمة، فقالوا: من جحد أن القرآن كلام الله كفر، وذلك لأن الأدلة على هذا من أوضح وأكثر ما يكون، ولذلك قالوا: مما يعلم من الدين بالضرورة أن القرآن كلام الله، أي: لا يحتاج الإنسان إلى أن يصل إلى هذه النتيجة من خلال التفكير والنظر والتدبر وإعادة الفكر في النصوص حتى يستنتج ويتوصل إلى أن القرآن كلام الله، بل إنه يصل إلى ذلك بأدنى نظر في كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، وآثار الصحابة والتابعين وسلف الأمة الصالحين، وكون القرآن من كلام الله من أظهر ما يكون.
стр. 83
القرآن كتاب الله المبين وحبله المتين
يقول ﵀: (وهو كتاب الله المبين) ، كتاب الله أضافه إلى نفسه؛ لأنه الذي تكلم به، ووصفه بأنه المبين؛ لأنه أبان السبل هدى الله به من الضلالة، وأخرج به من الظلمات إلى النور، وهو الكتاب الذي يهدي إلى الصراط المستقيم.
قال: (وحبله المتين) ، أي: حبله جل وعلا الممدود منه بينه وبين خلقه.
وقد روى الترمذي من حديث زيد بن أرقم: أن النبي ﷺ وصف الكتاب بأنه (حبل ممدود من السماء) ، والمقصود بالحبل المدود من السماء: القرآن، حيث قال ﷺ : (إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً؛ كتاب الله حبله المدود من السماء) ، وقد جاء هذا عن عبد الله بن مسعود وغيره.
وقد فسر جماعة من أهل العلم قول الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً﴾ [آل عمران:١٠٣] ، بأنه القرآن، وقيل: الإسلام، وقيل: عهد الله، وقيل: طاعته وأمره، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وكل هذا حق.
يعني: كل هذا يجب الاعتصام به، وكله من حبل الله ، ويجمع هذا أن يقال: إن حبله القرآن؛ لأنه إذا اعتصم بالقرآن فقد اعتصم بطاعة الله وأمره، واعتصم بدين الإسلام، فالقرآن هو أجمع هذه المعاني، ولذلك قال رحمه الله تعالى: وكل هذا حق.
المقصود: أن المراد بقوله: (وحبله المتين) ، أي: وحبله الشديد القرآن الكريم هو حبله، وقد وصفه الله بذلك، وقد جاء وصفه في سنة النبي ﷺ كما في حديث زيد بن أرقم.
стр. 84
من أقسام علوم القرآن
стр. 85
القرآن فيه خاص وعام وأمر ونهي
قال: (وخاص وعام) ، الخاص: ما كانت دلالته قاصرة على حكم معين، والعام: هو اللفظ الذي يندرج تحته أفراد متعددة، وهذا يتوصل إليه على وجه التفصيل في كتب التفسير ودراستها.
مثال الخاص: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٠] ، هذا حكم خاص بالنبي ﷺ لا يشركه فيه أحد، أما العام فأكثر آيات الكتاب عامة، قال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء:١١] ، هذه تعم كل من مات وترك ولداً من أهل الإسلام؛ فهي آية عامة.
قال ﵀: (وأمر ونهي) ، أي: فيه أمر ونهي، فالأمر والنهي كقول الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ [النساء:٣٦] ، (اعبدوا الله) هذا أمر، (ولا تشركوا به شيئاً) هذا نهي.
ومراد المؤلف بهذا أن القرآن ليس -كما يقولون- معنى واحداً، إنما هو معانٍ، فإن الأشاعرة قالوا: إن القرآن معنى واحد؛ فيه أمر ونهي، وأحكام وقصص، وحكم، المهم أنهم جعلوا القرآن الذي فيه من المعاني ما فيه معنى واحداً، وهذا تكذيب لما في القرآن من المعاني المتعددة، وهذا مراد المؤلف ﵀ بقوله: (وخاص وعام، وأمر ونهي) .
ثم قال ﵀: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢] ، يعني: هو في هذا كله مؤتلف متفق لا يعتريه باطل ولا يتسرب إليه خلل، بل لا يأتيه الباطل لا من أمامه ولا من خلفه (تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) وهذا معناه: أن القرآن منزل من عند الله جل وعلا.
стр. 86
القرآن ناسخ ومنسوخ
قال ﵀: (وناسخ ومنسوخ) ، ناسخ: أي ناقل للحكم السابق إلى حكم جديد، والنسخ في اللغة: النقل والإزالة، تقول: نسخت الشمس الظل، أي: أزالته، وتقول: نسخت الكتاب، أي: نقلته، فالنسخ في اللغة بمعنى النقل والإزالة، أما في الاصطلاح: فهو رفع حكم شرعي أو لفظه بحكم آخر أو لفظ آخر.
ومن هذا نفهم أن النسخ يكون للألفاظ، ويكون للأحكام دون الألفاظ.
مثال الناسخ في كلام الله : قوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٤٩] ؛ فإن هذه الآية ناسخة للتوجه للقبلة إلى بيت المقدس.
ومنسوخ، أي: ومرفوع الحكم، مثاله: قول الله : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة:١٨٠] ، فإن الله في هذه الآية طلب الوصية للوالدين والأقربين، وفي آية المواريث بين أنصباء الورثة من الوالدين والأقربين، ثم بين النبي ﷺ أنه: (لا وصية لوارث) .
стр. 87
القرآن محكم ومتشابه
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فمنه محكم ومتشابه، وناسخ ومنسوخ، وخاص وعام، وأمر ونهي، ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢] ، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء:٨٨] .
وهو هذا الكتاب العربي الذي قال فيه الذين كفروا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ [سبأ:٣١] ، وقال بعضهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥] ، فقال الله سبحانه: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر:٢٦] ، وقال بعضهم: هو شعر، فقال الله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس:٦٩]] .
قول المؤلف ﵀: (وفيه محكم ومتشابه) ، الضمير يعود إلى القرآن، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران:٧] ، (هن) يعني: أصله، (وأخر متشابهات) ، فالقرآن فيه محكم ومتشابه، ومعنى الإحكام في قوله تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ [آل عمران:٧] الإتقان؛ فهو صفة لكل القرآن.
لكنه قال في تقسيم القرآن: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران:٧] ، فما معنى الإحكام والتشابه هنا؟ الإحكام هنا هو الآيات التي ليس فيها إلا معنى واحد؛ فهي آيات واضحة المعاني ليس فيها التباس ولا اشتباه.
والتشابه في قوله: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران:٧] ، أي: آيات تحتمل أكثر من معنى، فقوله ﵀: (فمنه محكم ومتشابه) ، أي: فيه ما هو واضح لا التباس فيه، وفيه ما خفي معناه واحتمل أكثر من معنى، وهذا القسم نصل إلى فهمه برده إلى المحكم.
стр. 88
شرح لمعة الاعتقاد [٦]
أجمع سلف الأمة رضوان الله عليهم على أن القرآن الكريم كلام الله ، وليس شعراً، ولا نثراً من كلام بني البشر، وإلا لأتى بمثله العرب، وقد تحداهم أن يأتوا ولو بسورة مثله؛ إذ هو معجز في معانيه وألفاظه.
ثم إن القرآن كلام الله بحرف وصوت لفظه ومعناه من الله .
стр. 89
دحض شبه الطاعنين في القرآن
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المؤلف ﵀: [وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء:٨٨] ، وهذا هو الكتاب العربي الذي قال فيه الذين كفروا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ [سبأ:٣١] ، وقال بعضهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥] ، فقال الله سبحانه: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر:٢٦] ، وقال بعضهم: هو شعر، فقال الله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس:٦٩] ، فلما نفى الله عنه أنه شعر وأثبته قرآناً؛ لم يبق شبهة لذي لب في أن القرآن هو هذا الكتاب العربي الذي هو كلمات وحروف وآيات؛ لأن ما ليس كذلك لا يقول أحد إنه شعر.
وقال : ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٣] ، ولا يجوز أن يتحداهم بالإتيان بمثل ما لا يدرى ما هو ولا يعقل، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ [يونس:١٥] ، فأثبت أن القرآن هو الآيات التي تتلى عليهم.
وقال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٩] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٧-٧٩] ، بعد أن أقسم على ذلك.
وقال تعالى: ﴿كهيعص﴾ [مريم:١] ﴿حم * عسق﴾ [الشورى:١-٢] ، وافتتح تسعاً وعشرين سورة بالحروف المقطعة.
وقال النبي ﷺ : (من قرأ القرآن فأعربه؛ فله بكل حرف منه عشر حسنات، ومن قرأه ولحن فيه؛ فله بكل حرف حسنة) ، حديث صحيح.
وقال ﵊: (اقرءوا القرآن قبل أن يأتي قوم يقيمون حروفه إقامة السهم، لا يجاوز تراقيهم، يتعجلون أجره ولا يتأجلونه) .
وقال أبو بكر وعمر ﵄: إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه.
وقال علي ﵁: من كفر بحرف منه فقد كفر به كله.
واتفق المسلمون على عد سور القرآن وآياته وكلماته وحروفه.
ولا خلاف بين المسلمين في أن من جحد من القرآن سورة أو آية أو كلمة أو حرفاً متفقاً عليه أنه كافر، وفي هذا حجة قاطعة على أنه حروف] .
هذا صلة ما في الفصل من تقرير أن القرآن كلام الله جل وعلا؛ فقد افتتح المؤلف ﵀ هذا الفصل بقوله: (ومن كلام الله سبحانه: القرآن العظيم) ، ويقول ﵀: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢] ، وقد تكلمنا على هذا وقلنا: إن قوله تعالى: ﴿تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ، دليل على أن القرآن منزل من الله جل وعلا؛ لأن (من) هنا لابتداء الغاية، فالله جل وعلا هو المتكلم بالقرآن، وهو المنزل له، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل:٦] .
стр. 90
تكذيب الله لمن وصف القرآن بالشعر
قال ﵀: (وهو هذا الكتاب العربي الذي قال فيه الذين كفروا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ [سبأ:٣١] ) ، يعني: أن الذي تحدى الله الإنس والجن بأن يأتوا بمثله هو هذا القرآن الذي كذب به أهل الكفر حيث قالوا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ:٣١] ، أي: ولا بالذي تقدمه وسبقه من الكتب.
(وقال بعضهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥] ) ، و (إن) هنا بمعنى ما النافية، فهي تنفي أن يكون هذا القرآن شيئاً من الأشياء إلا قول البشر، أي: قول محمد ﷺ ، وقد كذبهم الله جل وعلا بهذا، وقال: فإذا كان قول البشر فأتوا بمثله؛ فإنكم لا تعجزون بأن تأتوا بمثله وأنتم أصحاب اللسان والبيان.
قال الله تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر:٢٦] ، وهذا في حق من قال: إن القرآن قول البشر، فقد تهدد الله جل وعلا وتوعد أنه سيصليه سقر، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر:٢٧-٣٠] ، وهي نار جهنم، نسأل الله السلامة والعافية؛ فتهدد الله وتعود كل من قال: إن القرآن كلام البشر بهذا الوعيد الشديد.
قال المؤلف: (وقال بعضهم -أي: بعض العرب- هو شعر، فقال الله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس:٦٩] ) ، أي: ما علمنا محمداً ﷺ الشعر، فهو لا يقول شعراً، وما يكون منه من بيت أو شبهه، فإنه لا يوصف بسببه بأنه شاعر، إنما هو شيء مما قد يرد عن كل أحد، ولا يوصف من قال بيتاً أو بيتين أو ثلاثة بأنه شاعر، فرسول الله ﷺ لم يعلمه ربه الشعر، وذلك أن الشعر وظيفة أهل البيان الذين ينشئون المعاني والألفاظ من قبل أنفسهم، ويتجاوزون الحدود في وصف ما يصفون أو قول ما يقولون، وقال الله : ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمْ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٤-٢٢٦] ، فلما كان هذا هو الوصف الغالب لهؤلاء نفى الله جل وعلا عن رسوله أن يكون شاعراً، بل نفى عنه تعلم الشعر فضلاً عن أن يكون قائلاً له.
(وما ينبغي له) : أي: ويستحيل عليه، (إن هو) أي: ما هذا القول وهذا الذي جاء به محمد ﷺ ﴿إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس:٦٩] ، وشتان بين قول رب العالمين وبين ما ينشئه الشعراء أو يقوله أصحاب البيان من الفصحاء؛ فالبون بينهما شاسع، والفرق بينهما كالفرق بين صفات الله وبين صفات المخلوقين: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] .
وكل من سمع القرآن وقرأه يعلم أنه ليس قول البشر إنما هو قول رب العالمين، أما قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [يوسف:١٠٤] ، فـ (إن) هنا بمعنى ما النافية، أي: ما هو إلا ذكر وقرآن مبين، (فلما نفى الله عنه أنه شعر وأثبته قرآناً لم يبق شبهة لذي لب أو عقل وبصيرة، بأن القرآن هو هذا الكتاب العربي الذي هو كلمات وحروف وآيات؛ لأن ما ليس كذلك لا يقول أحد إنه شعر) .
стр. 91
تحدي الله للمكذبين أن يأتوا بمثل القرآن
قال: (وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء:٨٨] ) .
أتى المؤلف بهذه الآية كدليل من الأدلة على أن القرآن كلام الله وليس بكلام البشر أو غيرهم، ووجه الدلالة هو أن الله جل وعلا تحدى كلاً من الإنس والجن أن يأتوا بمثل هذا القرآن ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً، أي: معيناً، ومع هذا فإنهم يعجزون عن أن يأتوا بمثله، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ ، أي: لا يتمكنون ولا يتوصلون إلى الإتيان بمثله، ﴿وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ ، أي: ولو كان بعضهم يعين بعضاً في طلب ذلك وتحصيله.
وهذه الآية هي من الآيات المعجزة الدالة على أن هذا القرآن كلام الله ؛ لأن النبي ﷺ قد أوحى الله إليه بأن يتحدى كلاً من الإنس والجن أن يأتوا بمثل هذا القرآن، وهذا التحدي ليس مقصوراً على وقت النبي ﷺ وزمنه، بل هو ممتد بامتداد الزمان والمكان؛ فمع كثرة المعارض المكذب وشدة سعيه في إبطال دعوة النبي ﷺ وتكذيب رسالته مع ذلك لم يأت أحد من الخلق يدعي أنه جاء بمثل هذا القرآن، وهذا دليل معجز واضح بين على أنه كلام رب العالمين، وأنه لا يأتي به بشر بل لا يأتي بمثله بشر.
стр. 92
القرآن كلمات وحروف وألفاظ من الله
يقول ﵀ في الاستدلال: (فلما نفى الله عنه أنه شعر) ، أي: نفى عن القرآن أنه شعر، (وأثبته قرآناً لم يبق شبهة) ، الشبهة هي: عارض يعتري القلب ويحول بينه وبين رؤية الحق ومعرفته وإدراكه.
يقول ﵀: (لم يبق شبهة لذي لب) ، أي: لصاحب عقل، وصاحب بصر (في أن القرآن هو هذا الكتاب العربي الذي جاء به محمد ﷺ .
(الذي هو كلمات) ، أي: أنه مكون من كلمات وحروف وآيات؛ (لأن ما ليس كذلك لا يقول أحد: إنه شعر) ، ولولا أن هذا القرآن الذي يخبر الله أنه منه وأنه قوله، ونفى أن يكون قول البشر لو لم يكن محل الخلاف هو القرآن لما نفى أنه شعر، فلما نفى أنه شعر وبين أنه ليس بقول البشر علم أنه قول رب العالمين، كما قال الله جل وعلا: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢] ، في ما ساقه المؤلف من الآيات الدالة على أن القرآن كلام الله جل وعلا.
قوله: (وقال : ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٣] ) ، ذكر المؤلف دليلاً آخر من الأدلة الدالة على أن القرآن كلام الله، واستدل لذلك بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ ، أي: في شك واشتباه وعدم بصيرة، (فأتوا بسورة من مثله) ، فتحداهم الله جل وعلا أن يأتوا بسورة من مثل ما أنزل الله جل وعلا على رسوله، فـ (من) هنا بيانية، أي: فأتوا بسورة مثل إحدى سور القرآن.
وهذا يبين لنا أن التحدي لهؤلاء كان على مراتب: فتحداهم الله جل وعلا أن يأتوا بمثل القرآن، وتحداهم أن يأتوا بعشر سور مثله، ثم انتهى التحدي إلى أن يأتوا بسورة من مثله، فلم يأتوا، وأقل سورة في القرآن عدد آياتها ثلاث، وهي سورة الكوثر، وهذا يدل على عظيم إعجاز هذا القرآن، وأنه من البيان والفصاحة والقوة في الألفاظ والمعاني، وأنه في أعلى طبقات الكلام لفظاً ومعنى بما لا يمكن أن يدرك شأوه وأن يبلغ حده أبلغ البلغاء وأعظم الفصحاء، بل إن رسول الله ﷺ الذي أوتي جوامع الكلم يميز المؤمن بين كلامه وبين كلام رب العالمين، وترى الفرق واضحاً بيناً بين كلام الله وبين كلام الذي أوتي جوامع الكلم، فكيف بغيره؟! فيتميز للإنسان ما قاله رسول الله ﷺ من الكلام وما جاء به كلام رب العالمين.
يقول ﵀: (ولا يجوز أن يتحداهم بالإتيان بمثل ما لا يدرى ما هو ولا يعقل) ، هذا فيه بيان أن القرآن ألفاظه ومعانيه من كلام رب العالمين، فإن الله جل وعلا تحداهم ليس فقط أن يأتوا بألفاظ مثل ألفاظ القرآن، بل أن يأتوا بمثل القرآن، أو بعشر سور من مثله، أو بسورة من مثله في ألفاظه ومعانيه، فإن إعجاز القرآن لا يقتصر على إعجاز الألفاظ، بل إعجاز القرآن في لفظه ومعناه، وهذا هو الذي وقع عليه التحدي.
قوله: (قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ [يونس:١٥] ) ، أي: واضحات لا لبس فيها لا في ألفاظها ولا معانيها، ( ﴿قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ [يونس:١٥] ) ، أي: قال الذين لا يخافون، أو لا يطمعون؛ فالرجاء يطلق على الخوف الطمع، فقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ [يونس:١٥] ، أي: الذين لا يطمعون في لقائنا، أو الذين لا يخافون لقاءنا، ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ [الكهف:١١٠] ، أي: من كان يخاف لقاء ربه، أو من كان يطمع في لقاء ربه، فالرجاء يطلق على الخوف والطمع، فهو من المعاني المشتركة، يقول: ( ﴿قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس:١٥] ) ، يقولون هذا في معرض الاحتجاج والاعتراض على القرآن وعلى ما جاء به الرسول ﷺ : ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا﴾ ، أي: أحضر لنا قرآناً غير هذا، أو بدله، أي: غير فيه بحذف بعضه أو بالزيادة عليه أو ما أشبه ذلك من أنواع التبديل والتغيير، فجاء الجواب من رب العالمين: ( ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ [يونس:١٥] ) ، ولو كان من قول النبي ﷺ ، أو كان هو الذي تكلم به وأنشأه، أو كان قول جبريل، لكان يمكن أن يبدل أو أن يغير، لكن الله أخبره بأنه لا يمكنه أن يبدله أو أن يأتي بغيره؛ لأنه رسول رب العالمين، ولذلك قال: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ ، أي: ما أتبع إلا ما أوحاه الله إلي، فإذا كان رسولاً متبعاً فليس إليه تبديل القرآن ولا الإتيان بغيره.
قال ﵀: (فأثبت أن القرآن هو الآيات التي تتلى عليهم) بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا﴾ [يونس:١٥] ؛ فالقرآن هو كلام الله الذي تلاه رسوله ﷺ على هؤلاء.
(وقال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٩] ) : الضمير (هو) يعود إلى القرآن، فهو آيات بينات، أي: واضحات في صدور الذين أوتوا العلم، وهذه الآية لها معنيان: الأول: أن القرآن آيات واضحات في صدور الذين مَنَّ الله عليهم بالعلم، فليس فيه التباس ولا اشتباه.
الثاني: أنه آيات محفوظات في صدور الذين أوتوا العلم، ولذلك قال: (في صدور الذين أوتوا العلم) .
فقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ ، يحتمل أنه يريد: أنه بين في صدورهم، ويعلمون أنه الحق ويدركون معانيه، ويحتمل أنه: محفوظ في صدورهم، ويحتمل أنه يريد الأمرين، وهو الصواب، أي: أن القرآن في صدور الذين أوتوا العلم حفظاً وفهماً، فكلما علا نصيب الإنسان من فهم كتاب الله كلما كان داخلاً في هذه الآية وكان حقيقاً بها.
فقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ ، لا يقتصر على حفظه بل على فهمه وهو الأهم ففهم القرآن أهم من حفظ بعض حروفه كما نقل ذلك عن أبي بكر وعمر ﵄، حيث قالا: (إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه) ، وليس هذا دعوة إلى أن يترك الإنسان حفظ القرآن، لكنه دعوة إلى أن يجتهد في فهم معناه، وإدراك معانيه، كاجتهاده في حفظه أو أشد، بل ذكر شيخ الإسلام ﵀: أن الصحابة كانت عنايتهم الفائقة في فهم الكتاب، وكان الذي يحفظ الكتاب منهم هم القلة، فالأكثرون كانوا يعتنون بمعاني كلام الله ، ولهم عناية بالحفظ، لكن كانت عنايتهم بالفهم أعظم؛ لأن الفهم هو المقصود الأول من هذا الكلام الذي أوحاه الله لرسوله ﷺ .
стр. 93
إقسام الله على أن القرآن كلامه
قال ﵀: (وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٧-٧٩] ) : (إنه لقرآن كريم) أي: هذا الكلام الذي جئت به يا محمد قرآن كريم، ومعنى: (كريم) : كثير الخير والبركة والإحسان والفضل والأجر، فالكريم فعيل بمعنى فاعل مكرم لأهله، يشفع لهم في القبر، ويشفع لهم في الآخرة، ويحصلون به خيراً كثيراً، كما قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص:٢٩] ، فهو مبارك في لفظه ومعناه مبارك على حافظه والعامل به مبارك في الدنيا والآخرة والبرزخ والمحشر، بركته من أعظم البركات، نسأل الله أن يرزقنا بركة هذا الكتاب المبين.
(فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ) أي: محفوظ، والمراد بالكتاب المكنون هنا: اللوح المحفوظ؛ فالكتاب في الكتاب المكنون، ولا يخلو هذا من أحد معنيين: المعنى الأول: أن يكون ذكره في الكتاب المحفوظ، لا جميع آياته وكلماته، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء:١٩٦] ، أي: هذا القرآن مذكور في زبر الأولين، وليس أنه قد جاءت به الرسل التي سبقت النبي ﷺ .
المعنى الثاني: أن القرآن بجميع آياته وألفاظه في الكتاب المكنون قبل أن يتكلم الله جل وعلا به، وهذا معنى ثانٍ لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٧-٧٩] ، والمقصود به اللوح المحفوظ والمطهرون هم الملائكة، ومن استدل بهذه الآية على أنه لا يجوز مس المصحف إلا بطهارة؛ فإن استدلاله لا يصح على هذا المعنى؛ لأن الكتاب المكنون ليس القرآن، إنما الكتاب المكنون هو اللوح المحفوظ.
يقول رحمه الله تعالى: (بعد أن أقسم على ذلك) ، أي: أقسم على قوله: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة:٧٧-٧٨] ، والقسم هو قوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة:٧٥-٧٧] .
وقوله: (لا أقسم) : للعلماء فيها أقوال: منهم من قال: إن (لا) هنا زائدة صلة، والتقدير: أقسم بمواقع النجوم، وقيل: هي لنفي كلام سابق مقدم، أي: لا أنظر إلى ما تقولون، ولا أستمع إلى شبهكم، وأقسم بمواقع النجوم، فهي لنفي كلام سابق، وقيل: إنها تفيد التوكيد والتحقيق لهذا القسم؛ فإن العرب تزيد (لا) في القسم لتوكيده، وقيل: هي للنفي، أي: لست محتاجاً إلى أن أقسم لوضوح الأمر وبيانه، والصحيح: أن (لا) هنا صلة تفيد توكيد القسم، ولا نحتاج إلى أن نقدر منفياً كما ذكرت في الأقوال السابقة.
стр. 94
القرآن كلام الله لفظه ومعناه
قال رحمه الله تعالى: (وقال تعالى: ﴿كهيعص﴾ [مريم:١] ﴿حم * عسق﴾ [الشورى:١-٢] وافتتح تسعاً وعشرين سورة بالحروف المقطعة) .
أراد المؤلف ﵀ بهذا أن القرآن حروف ومعان، وأن الحروف كلام الله، وأن المعاني كلام الله، لا أن الحروف كلام الله دون المعاني، ولا أن المعاني كلام الله دون الحروف، بل القرآن حروفه ومعانيه كلام الله تعالى، وهذا الذي أجمع عليه سلف الأمة، وهو يرد بهذا على من قال: إن القرآن كلام الله من حيث المعنى، أما الحروف فإنها ليست كلام الله كما هو قول الكلابية والأشعرية، وأول من قال إن المعاني هي كلام الله دون الحروف هو عبد الله بن سعيد بن كلاب، وهو أول من أظهر هذا القول في الإسلام، ثم تبعه عليه أبو الحسن الأشعري، ثم قال به كثير من الناس ممن يتبع هذين بعد ذلك، والذي عليه سلف الأمة ودل عليه الكتاب والسنة: أن القرآن كلام الله لفظه ومعناه، فليس كلام الله الحروف دون المعاني، ولا المعاني دون الألفاظ، بل الحروف والمعاني هي كلام الله جل وعلا.
أما هذه الحروف المقطعة التي افتتح الله بها بعض السور، فقد اختلف العلماء ﵏ في تفسيرها على أقوال كثيرة نجملها في ثلاثة: القول الأول: أنه لا معنى لها مطلقاً، وليس لها معنى في ذاتها، وهذا القول قول مجاهد بن جبر إمام التفسير، وقد أخذ تفسيره عن ابن عباس وغيره من الصحابة، لكنه ممن اختص بـ ابن عباس ﵁.
هذا القول استدل له بأن الله وصف القرآن بأنه كتاب عربي مبين، وأنه أنزله بلسان عربي مبين، والعرب لا تعرف لهذه الحروف المقطعة معاني؛ هذا القول الأول.
القول الثاني: أن هذه الحروف لها معانٍ، وانقسم هؤلاء إلى قسمين، قسم قالوا: لها معنى الله أعلم به، ولا ندرك نحن معناها، والقسم الثاني قالوا أقوالاً في بيان معانيها، فمنهم من قال: إنها أسماء للسور، ومنهم من قال: إنها أسماء للرسول، ومنهم من قال: إنها أسماء من أسماء الله ، ومنهم من قال: إنها تعبر عن عمر هذه الأمة، وقيل غير ذلك.
القول الثالث: التوقف، ومعنى التوقف: أنهم لا يجزمون بأحد القولين، لا يقولون: إن لها معنى، ولا يقولون: ليس لها معنى، بل يتوقفون.
هذه ثلاثة أقوال لأهل العلم في الحروف المقطعة التي افتتح الله بها بعض سور القرآن، والراجح من هذه الأقوال الثلاثة هو القول الأول، وهو: أن ليس لها معنى مطلقاً.
وإذا كان ليس لها معنى، فهل منها فائدة؟
الجواب
نعم، منها فائدة، وفائدتها بيان إعجاز القرآن، وذلك الملاحظ في جميع موارد هذه الأحرف: أنه يأتي بعدها ذكر القرآن تعظيماً وامتناناً، ولم ينخرم هذا الاطراد إلا في موضعين فقط من جميع المواطن، حيث كانت هذه الأحرف معقبة متلوة بذكر القرآن: ﴿الم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [السجدة:١-٢] ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة:١-٢] ﴿حم * تَنزِيلٌ مِنْ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت:١-٢] وما أشبه ذلك من المواطن التي تذكر فيها هذه الحروف، ثم بعد ذلك يشيد الله جل وعلا بالقرآن الكريم، ولم ينخرم هذا إلا في سورة الروم: ﴿الم * غُلِبَتْ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم:١-٣] .
وأيضاً في العنكبوت ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:١-٢] .
لكن إذا تأملت في هذه السور التي لم يأت فيها ذكر القرآن صريحاً تجد أنه ذكر فيها ما لا يتلقى إلا من القرآن، فمثلاً قال تعالى في سورة الروم: ﴿الم * غُلِبَتْ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ﴾ [الروم:١-٣] ، هذا خبر عن واقع، وهو ما حدث من ظهور فارس على الروم: ﴿غُلِبَتْ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم:٢-٣] ، وهذا لا يتلقى من غير القرآن، فلذلك تجد أنه ما لم يذكر فيه القرآن صريحاً في المواضع التي ذكرت هذه الحروف المقطعة ذكر فيها شيء يتعلق بالقرآن، أو لا يمكن ألا يتوصل وألا يحصل إلا من القرآن، فعادت كسائر المواضع أنها بيان للإعجاز.
ووجه الإعجاز في هذه الأحرف: أنها من كلام العرب الذي يتكون من هذه الكلمات، ومع ذلك عجزوا عن أن يأتوا بمثل هذا القرآن أو بسورة من مثله.
стр. 95
منزلة إعراب القرآن في الشرع
قال المؤلف ﵀: (وقال النبي ﷺ : (من قرأ القرآن فأعربه) أي: أفصح في قراءته وأبان، ولم تلتبس عليه الكلمات، (فله بكل حرف منه عشر حسنات، ومن قرأه ولحن فيه) أي: مال عن القراءة التي جاء بها النبي ﷺ ، (فله بكل حرف حسنة) ، وقد روي هذا من حديث ابن مسعود ﵁ في جامع الترمذي وفيه: (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول آلم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف) ، والحديث صحيح، قال عنه الترمذي: حديث حسن صحيح غريب.
ثم ذكر حديث رسول الله: (اقرءوا القرآن قبل أن يأتي قوم يقيمون حروفه إقامة السهم) ، أي: يعتنون بإقامة كلماته، (لا يجاوز تراقيهم) ، أي: أنه لا ينفذ إلى قلوبهم؛ لأن الترقوة هي العظمة التي تحيط بالنحر؛ فهم يقتصرون في قراءة القرآن على إقامته على اللسان دون أن ينفذ إلى قلوبهم إصلاحاً وتزكية وتربية، هذا معنى قوله ﷺ : (لا يجاوز تراقيهم) وقوله: (يتعجلون أجره ولا يتأجلونه) ، أي: يتعجلون تحصيل نفعه والكسب من ورائه في الدنيا ولا يتأجلونه، أي: ولا يحتسبون ذلك عند الله في الآخرة، فهم يقرءون إما ليحصلوا كسباً دنيوياً أو ما أشبه ذلك من الأمور التي يدركها بعض من يقرأ القرآن في الدنيا، ولا ينظرون إلى ثواب الآخرة وأجرها، وما أعد الله لأهل القرآن فيها.
وقال أبو بكر وعمر ﵄: (إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه) ، إعراب القرآن، أي: الإفصاح به وإدراك معانيه.
لماذا جاء التركيز على الإعراب؟ لأن الإعراب سلم الفهم، فلا يمكن للإنسان أن يفهم كلام الله إلا إذا أعربه، ولذلك قال ابن عطية ﵀: إعراب القرآن أصل في الشريعة؛ لأن به تقوم معانيه التي هي من الشرع.
فالمقصود: أن إعراب القرآن بلغ هذا الشأن وهذه الأهمية وهذه المنزلة؛ لأنه سبيل فهم الألفاظ، فإذا لم يقم الإنسان الإعراب لم يتمكن من فهم القرآن، وليس الإعراب أن يعرف الفاعل من المفعول دون أن يفهم ما يترتب على هذا الفهم من الفاعل والمفعول.
بل المقصود من الإعراب: أن يفهم كلام الله ، وأن يدرك المعنى الذي جاءت به الآيات.
стр. 96
حكم من جحد حرفاً من القرآن
وقال علي بن أبي طالب ﵁: (من كفر بحرف فقد كفر به كله) ، وهذا مما لا إشكال فيه: فمن أنكر كلمة أجمعت الأمة أنها من القرآن فقد كفر به كله، أي: كفر بجميعه؛ لأن الإيمان لا يتم ولا يثبت بناؤه ولا يستقر قراره إلا بعد أن نؤمن بجميع القرآن، فمن آمن ببعضه وكفر ببعض فإنه لم يؤمن به؛ لأن الله لم يرض من الإيمان بالكتاب إلا أن يؤمن بجميع ما أخبر به ، وجميع ما أخبر به رسوله ﷺ .
وإنما قلنا: ما أجمع عليه العلماء؛ لما وقع من الخلاف في بعض الحروف، هل هي من القرآن أم لا؟ وذلك تبعاً لاختلاف أهل القراءات، فلذلك من كفر بحرف أجمع العلماء على أنه من القرآن فقد كفر به كله.
قال ﵀: (واتفق المسلمون على عد سور القرآن، وآياته، وكلماته وحروفه) ، فأهل الإسلام اعتنوا بهذا القرآن عناية فائقة في ضبطه والإحاطة به، ومعرفته، وهذا من نعمة الله على هذه الأمة: فإنه لم يكل حفظ القرآن إلى فئة من الناس، بل إن الأمة تلقت هذا القرآن جيلاً بعد جيل ينقله السلف عن الخلف بكلمات ثابتة واضحة تلقته الأمة قرناً بعد قرن، ولم يجر فيه أي تغيير، فاذهب حيث شئت من أرض ِأو في سماء تجد أن الأمة متفقة على هذا القرآن ليس بينهم اختلاف فيه، نعم.
قد يختلفون في طريقة أداء القرآن من حيث القراءة، لكنهم لا يختلفون على حروفه وكلماته وآياته، فهي محفوظة بحفظ الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] .
يقول: (ولا خلاف بين المسلمين في أن من جحد من القرآن سورة أو آية أو كلمة أو حرفاً متفقاً عليه أنه كافر؛ لأنه آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض، وفي هذا حجة قاطعة على أنه حروف) .
وكل هذا لبيان وإبطال قول الذين قالوا: إن القرآن معاني لا حروف، والمؤلف ﵀ أطال في مسألة الحرف والمعنى؛ لكونه يرد على الأشاعرة الذين يقولون: إن القرآن معناه من الله وحروفه من جبريل أو محمد ﷺ .
ولو كانت الحروف من غير الله لما بلغت هذا المبلغ من التعظيم والحفظ والصيانة والمكانة، وأنتم تعلمون أن كلام النبي ﷺ قد أجاز العلماء نقله بالمعنى، لكن هذا لم يأت في القرآن، فالأمة مجمعة أنه لا يجوز نقل القرآن إلا كما سمع، وكما تلقته الأمة عن النبي ﷺ .
وبهذا يكون قد انتهى الفصل المتعلق بتقرير أن القرآن كلام الله، ونقف عليه، ونكمل إن شاء الله تعالى في الدرس القادم.
стр. 97
شرح لمعة الاعتقاد [٧]
إن مما أجمع السلف رضوان الله عليهم وجاء به القرآن والسنة إثبات رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة، وقد فصل الشيخ أدلتهم والرد على غيرهم في هذه المسألة وما يتعلق بها تفصيلاً حسناً.
стр. 98
إثبات رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد الله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول الإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى: [فصل: والمؤمنون يرون ربهم في الآخرة بأبصارهم، ويزورونه ويكلمهم ويكلمونه، قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣] ، وقال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] ، فلما حجب أولئك في حال السخط دل على أن المؤمنين يرونه في حال الرضا وإلا لم يكن بينهما فرق، وقال النبي ﷺ : (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته) حديث صحيح متفق عليه، وهذا تشبيه للرؤية بالرؤية لا للمرئي بالمرئي، فإن الله تعالى لا شبيه له ولا نظير] .
стр. 99
مذاهب الفرق في إثبات الرؤية
هذا الفصل عقده المؤلف رحمه الله تعالى لبيان عقيدة أهل السنة والجماعة في مسألة الرؤية، فإن أهل السنة والجماعة يؤمنون بما دل عليه كلام النبي ﷺ صراحة من أن المؤمنين يرون ربهم، وإثبات الرؤية جاء في كتاب الله وفي سنة النبي ﷺ ، واتفق عليه صحابة رسول الله ﷺ والتابعون ومن تبعهم من أئمة الدين.
فالرؤية من أعظم ما ينعم به أهل الجنة نسأل الله أن نكون منهم، والأدلة متواترة مستفيضة في إثبات هذا الفضل.
وقد خالف في إثبات الرؤية المعتزلة والرافضة والجهمية، وكذلك خالف في هذا الأشاعرة، فهم يقولون: بأن المؤمنين يرون ربهم، لكنهم يخالفون أهل السنة والجماعة في هذا الإثبات، فيقولون: يرونه من غير معاينة ولا مواجهة، وهذا القول انفردوا به دون سائر الناس، وهو من عجائب الأقوال؛ لأن إثبات الرؤية في غير جهة ومن غير معاينة أمر لا يعقل، إذ لابد للرؤية من أن يكون المرئي في جهة وأن يعاين، وإلا فلا تقع رؤية، ولذلك قال محققوهم -أي محققو الأشاعرة-: إن قولهم في الحقيقة قول المعتزلة الذين ينفون الرؤية، أي: ينفون رؤية المؤمنين لله في الآخرة.
فهذه الصفة يثبتها أهل السنة والجماعة كما دل عليها الكتاب والسنة وإجماع السلف.
يقول المؤلف ﵀: (والمؤمنون يرون ربهم) ، المؤمنون: هم كل من آمن بالله وباليوم الآخر وأتى ببقية أصول الإيمان، (يرون ربهم بأبصارهم) ، فأثبت الرؤية وأثبت آلتها، فالباء بقوله: (بأبصارهم) للاستعانة، أي: لبيان الآلة التي تحصل بها الرؤية، أي يرونه بأعينهم، وإنما نص على الأبصار نفياً لقول من يقول: إن الرؤية ليست رؤية بصر وإنما هي رؤية كشف، فيكشف لهم من المعارف والعلوم ما ليس لغيرهم، يكشف لهم يوم القيامة من معرفة الرب جل وعلا مالم يكن يعرفونه، وأيضاً للرد على الأشاعرة بالتنصيص على الأبصار لأنهم يقولون: إنهم يرونه من غير معاينة ولا في جهة، فإنه لا يدرك ولا يعقل رؤية بالبصر إلا ما كان في جهة.
والمعتزلة أولوا هذا الذي جاءت به النصوص إلى أنه رؤية كشف أو رؤية ثواب الله ، فالذين لا يثبتون الرؤية يؤولونها برؤية الثواب أو برؤية كشف يحصل لأهل الإيمان.
стр. 100
حصر الرؤية في الآخرة على المؤمنين
وقوله ﵀: (والمؤمنون يرون ربهم بأبصارهم) يفيد حصر الرؤية في أهل الإيمان، فخرج بذلك أهل الكفر وأهل النفاق، أما أهل الكفر فلأنهم ليسوا مؤمنين لا في الظاهر ولا في الباطن، وأما أهل النفاق فلأنهم لم يحققوا الإيمان الذي به يحصل الفضل والسبق، وإن كانوا قد أتوا بالإسلام في الظاهر، لكنه لم ينفذ إلى قلوبهم فلم ينتفعوا به.
أما دليل حصر الرؤية بالمؤمنين فالأدلة في ذلك كثيرة: منها: قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣] كما ذكر المؤلف ﵀، فالوجوه التي بشرها الله بالنضارة يوم القيامة هي وجوه المؤمنين ولا تكون للكفار، بل وجوه الكفار عليها غبرة ترهقها قترة.
فالوجوه الناضرة هي وجوه أهل الإيمان كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [آل عمران:١٠٦] ، فالمسودة هي وجوه أهل الكفر، وكذلك قول الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] فقد جاء تفسير الزيادة: بأنها النظر إلى الله كما في الصحيح للإمام مسلم من حديث صهيب وفيه: (إذا دخل أهل الجنة الجنة ناداهم الله أو ناداهم مناد: إن لكم موعداً عند الله يريد أن ينجزكموه، فيقولون: ألم يبيض وجوهنا؟ ألم يثقل موازيننا؟ ألم يدخلنا الجنة ويعيذنا من النار؟ فيقول: بلى، فيكشف الحجاب، فينظرون إلى الله فما يكون من نعيم الجنة شيء عندهم ألذ ولا أطيب ولا أكمل ولا أرضى من النظر إلى الله جل وعلا!!
стр. 101
شبهات حول مسألة الرؤية
стр. 102
الجواب على المستدلين لنفي الرؤية بقوله تعالى: (لا تدركه الأبصار)
فالأدلة متواترة على إثبات النظر لأهل الإيمان، ولا يلزم منه أن يدرك الناظر ربه جل وعلا، فإن النظر لا يلزم منه الإحاطة والإدراك، ولذلك قال الله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣] ، وقد استدل نفاة الرؤية بهذه الآية على ما ذهبوا إليه من أنه لا يرى جل وعلا، يقول الله جل وعلا: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] ، فإذا كانت لا تدركه الأبصار فإنه لا يرى.
نقول في الجواب على هذا: إن نفي الإدراك أمر زائد على نفي النظر، ولم يأت دليل ينفي النظر، وأما نفي الإدراك فقد تنظر إلى الشيء لكن لا تدركه، فالإنسان ينظر إلى السماء لكنه لا يحيط بها ولا يدركها، وينظر إلى القمر ولكنه لا يدركه ولا يحيط به، وينظر إلى الشمس ولكنه لا يدركه ولا يحيط به، بل ينظر إلى المخلوق الصغير الذي يمكن أن يحاط بوصفه ولكن قد لا يدركه ولا يحيط به، فليس من لازم الرؤية الإدراك، والمنفي في الآية هل هو مجرد النظر أو أصل النظر أم أنه الإدراك؟ المنفي هو الإدراك، وفرق بين نفي الإدارك ونفي الرؤية.
стр. 103
الجواب على المستدلين لنفي الرؤية بقوله تعالى: (لن تراني)
واستدلوا على نفي الرؤية بقول الله تعالى لموسى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] ولكن هذا الاستدلال في غير محله؛ لأن نفي الرؤية في قول الله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] هو في تلك الساعة، ولو كان يستحيل أن يرى لقال لموسى: إنني غير مرئي، أو لا تمكن رؤيتي بالكلية، أما ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] فهو نفي للطلب الذي طلبه في تلك الساعة، و (لن) لا تفيد تأبيد النفي كما زعمه بعض المعتزلة حيث قالوا: (لن) تفيد التأبيد، وقد رد عليهم أهل اللغة وأئمة اللسان وقالوا: إن (لن) لا تفيد التأبيد، فسقط استدلالهم.
وبقية الأدلة سالمة محفوظة من أن يطرأ عليها ما يناقضها أو يردها: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَرُنَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢] .
стр. 104
خلاف أهل السنة والجماعة في إثبات رؤية الكفار لربهم يوم القيامة
هل يرى الكفار الله جل وعلا يوم القيامة؟ ذكرنا قول المؤلف ﵀: (والمؤمنون يرون ربهم بأبصارهم) ، في حصر الرؤية للمؤمنين، فإن أهل الكفر لا يوصفون بالإيمان وأهل النفاق لا يوصفون بالإيمان وإن كانوا مسلمين في الظاهر، وهذا في الجنة لا إشكال فيه، فإن الجنة لا يدخلها إلا مؤمن، فما ذكر من نعيم أهل الجنة من التنعم بالنظر إلى الله لا يكون إلا لأهل الإيمان؛ لأنه لا يدخلها إلا مؤمن.
أما في عرصات القيامة فاختلف العلماء ﵏ من أهل السنة في رؤية الكفار لله على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه لا يراه في أرض المحشر يوم القيامة إلا أهل الإيمان دون غيرهم؛ لقوله تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] ، فأخبر الله عن حجب الكفار عن الرؤية، فقوله: (يومئذ) يعني: يوم القيامة، وهذا عليه أكثر أهل العلم من المتأخرين.
القول الثاني: أنه يراه المؤمنون من هذه الأمة ويراه أيضاً أهل النفاق، أي: أهل الكفر الباطني، أما من أظهر الكفر فإنه لا يراه، واستدلوا لهذا بحديث أبي سعيد وأبي هريرة في الصحيحين وفيه: قال النبي ﷺ : (إذا جمع الله الناس نادى مناد: ليتبع من كان يعبد شيئاً ما كان يعبد، فيتبع أهل الشمس الشمس، ويتبع عباد القمر القمر، ويتبع عباد الطواغيت الطواغيت، فلا يبقى إلا هذه الأمة وفيها منافقوها، فيأتيهم الله في صورة غير التي يعرفون، ثم يأتيهم بالصورة التي يعرفونها؛ فيسجد أهل الإيمان وفيهم أهل النفاق، فيريدون أن يسجدوا فلا يتمكنون من السجود) فقالوا: إن هذا الحديث يدل على أنهم يرونه.
القول الثالث: أنه يراه أهل المحشر مسلمهم وكافرهم، ولكن هذه الرؤية يختلف فيها الناس، كما أن رؤية الله جل وعلا في الجنة يختلف فيها أهل الجنة تفاضلاً ومنزلة، فكذلك الرؤية في المحشر، فإنهم يتفاوتون فيها تفاوتاً بيناً كبيراً، فأهل المحشر ينقسمون إلى قسمين في الرؤية، فأهل الإيمان يرونه رؤية تعريف، وهذه دون ما يكون لهم في الجنة، أي: أنها أنزل مما يكون لهم في الجنة، ولذلك إذا رأوه جل وعلا في الجنة لم يكن شيء أنعم ولا أطيب من النظر إليه ، فدل ذلك على أنها خلاف ما كان في أرض المحشر.
ثم إن أهل الجنة إذا قال لهم المنادي: إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه، يقولون: ألم يبيض وجوهنا؟ ألم يدخلنا الجنة؟ ألم ينجنا من النار؟ ولم يذكروا تلك الرؤية التي جرت في المحشر، فالرؤيا التي تكون لأهل الإيمان في المحشر دون ما يكون لهم في الجنة، فهي رؤية تعريف.
أما رؤية الكفار على هذا القول بأنهم يرونه في المحشر، فإنها رؤية تعذيب وتحسير، وليست رؤية تنعيم وتكليم، واستدلوا لهذا بقوله تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] ، بنفس الآية التي استدل بها القائلون بعدم الرؤية، كيف ذلك؟ قالوا: إن الحجب لا يكون إلا بعد اطلاع، وهذه الأقوال كلها مما تكلم به أهل السنة والجماعة، فالخلاف في هذا خلاف محتمل، لا يخرج من اختار قولاً من هذه الأقوال عن دائرة أهل السنة باختياره.
стр. 105
ترك التخصيص إذا أوهم معنى قبيحاً
يبقى تنبيه مهم: أنه على القول بالثالث، وهو أن أهل المحشر جميعهم يرون الله مسلمهم وكافرهم، لا يسوغ أن يطلق بأن الكفار يرون الله، فلا يسوغ أن يأتي أحد ويقول: الكفار يرون الله؛ لأن إطلاق الرؤية يقتضي التكريم والتنعيم، ورؤية الكفار لله ليست رؤية إكرام وتنعيم، فلا يسوغ هذا الإطلاق؛ لأن الإطلاق يوهم الإنعام والتكريم، وأفضل النعيم هو نعيم أهل الجنة، فلا يسوغ إشراك الكفار فيها، أو تسويتهم بأهل الإيمان.
الوجه الثاني الذي يمتنع به الإطلاق: أنه ما ورد في الشريعة من الأحكام العامة كقول: الله خالق كل شيء، إذا كان يلزم من تخصيصه نقص فإنه لا يسوغ التخصيص، وكذلك إذا كان يلزم من التخصيص معنى قبيح فإنه لا يسوغ التخصيص، مثاله كما قلنا: الله خالق كل شيء، هل يسوغ للإنسان أن يقول: الله خالق الكلاب، أو يدعو فيقول: يا خالق الكلاب! ارزقني؟ لا يسوغ، لماذا لا يسوغ مع أن الله خالق كل شيء ومن ذلك الكلاب؟ لأن مثل هذا يوهم معنى قبيحاً، والحكم العام إذا كان تخصيصه يقتضي معنى قبيحاً فإنه لا يسوغ أن يأتي به الإنسان.
مثله أيضاً: الإرادة، فما من شيء في الكون إلا أراده الله تعالى، ولكن لا يسوغ للإنسان أن يقول: يا مريد الزنا! ارزقني العفاف؛ لأن الإرادة وردت عامة في كل شيء، فتخصيصها إذا كان يترتب عليه إيهام معنى قبيح فإنه لا يجوز التخصيص.
مثاله الرؤية، جاء الخبر بأنه ما من أحد إلا سيرى الله: (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته) ، وهذا من الأدلة التي استدل بها القائلون بأن الكافرين يرون الله في المحشر، وفي رواية: (ما منكم أحد إلا وسيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان) قالوا: إن هذا يلزم منه أنهم يرونه في المحشر حتى الكفار، فإذا ورد النص المطلق فلا يسوغ أن نخصص ونقول: يراه الكفار يوم القيامة، وذلك للمعنى الأول الذي ذكرناه؛ ولأن التخصيص يوهم معنى قبيحاً، فلأجل هذين المعنيين منع أهل العلم من إطلاق إضافة الرؤية للكفار، بل لابد من التخصيص، يقال: يرونه في المحشر ثم يعذبون بالاحتجاب أو ما أشبه ذلك من التقييدات.
стр. 106
حقيقة الرؤية وذكر بعض أدلتها
стр. 107
حجب الكافرين عن رؤية الله ومعناه
يقول ﵀: وقال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] (إنهم) أي: أهل الكفر، (عن ربهم لمحجوبون) فهم محجوبون عن النظر إلى الله ، وهذا في حق الكفار.
يقول المؤلف ﵀: (فلما حجب أولئك في حال السخط دل على أن المؤمنين يرونه في حال الرضا) ، فدلالة الآية على إثبات الرؤية من وجهين: الأول: حجب الكفار عن ربهم.
الوجه الثاني: مفهوم المخالفة وهو أن المؤمنين يرون ربهم جل وعلا، ولذلك ذكر المؤلف ﵀ نوعي الدلالة في الآية: دلالة المطابقة، ودلالة المخالفة، فدلالة المطابقة في قوله: حجب أولئك في حال السخط، ودلالة المخالفة في قوله: أن المؤمنين يرون ربهم في حال الرضا.
فإذا كان من عقوبة أهل الكفر أنهم لا يرونه حال الغضب، فكذلك تدل الآية بمفهوم المخالفة أن المؤمنين يرون ربهم .
قال: (وإلا لم يكن بينهم فرق) أي: إذا لم يكن أهل الإيمان يرونه في حال الرضا وهم كالكفار في الحجب، فما فائدة الإخبار بأن الكفار يحجبون عن الله ؟! فدلت الآية دلالة واضحة على أن أهل الإيمان ينعمون برؤيته جل وعلا كما أن أهل الكفر يعاقبون بحجبهم عنه .
стр. 108
الحكمة في تشبيه رؤية الله برؤية الشمس والقمر
وقال النبي ﷺ : (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته) حديث صحيح متفق عليه، وهذا الحديث رواه الإمام البخاري والإمام مسلم وغيرهما من حديث جرير بن عبد الله، وقد جاء من حديث غيره، لكن هذا اللفظ في حديث جرير بن عبد الله يقول شيخ الإسلام ﵀: وهو من أصح الأحاديث.
وقد أجمعت الأمة على قبوله وتلقيه بالقبول.
وفيه إثبات رؤية المؤمنين لله : (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر) والمشار إليه هو القمر المعروف الذي في السماء، وفي بعض الروايات: (كما ترون الشمس ليس دونها سحاب، والقمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته) أي: لا يلحقكم ضيم في رؤيته، بل ترونه في سعة، وفي رواية أخرى: (لا تضامّون في رؤيته) أي: لا ينضم بعضكم إلى بعض لتروه بل هو جلي واضح؛ فالناس إذا أرادوا أن يتراءوا الشمس، هل يحتاج أحدهم أن يقترب إلى الآخر حتى يرى الشمس أم أن كل واحد يراها وهو منفرد عن الآخر بدون تضام واجتماع؟ وهل يلحقهم ضيم في رؤيتها؟ لا، فمن أوسع ما يكون رؤية القمر والشمس، أما رؤية الهلال في أول إهلاله فيحتاج الناس فيه إلى تضام حتى يروه في الغالب، لذلك تجد أحدهم يقترب من الآخر ليريه مكان الهلال، وكذلك يحصل عليهم ضيم؛ لأن إدراكه ليس بالأمر السهل، أما رؤية الشمس والقمر فإنه لا تضام فيها ولا ضيق على أهلها؛ ولذلك ذكر النبي ﷺ في الرؤيا القمر والشمس لأمرين: الأمر الأول: أنهما أعظم ما يرى في الدنيا، فأعظم ما يراه أهل الدنيا وأوضحه الشمس والقمر.
الثاني: أن كيفية رؤية الشمس والقمر من أسهل ما يكون، فيراها الحاضر والبادي، والصغير والكبير، والذكر والأنثى، فليس هناك إشكال في رؤيته، فلا عسر في الرؤية، فهي من أسهل ما يكون، فاجتمعت سهولة الرؤية ووضوحها، فالوضوح من أوضح ما يكون، والسهولة واليسر من أسهل وأيسر ما يكون، ولذلك قال النبي ﷺ : (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته) .
يقول ﵀: (وهذا تشبيه للرؤية بالرؤية لا للمرئي بالمرئي) ، أي: فلو قال قائل: إن هذا تمثيل، فقد شبه النبي ﷺ ربه بالقمر.
نقول: لا، ليس التشبيه للمرئي بالمرئي، إنما التشبيه للرؤية، فالكاف في قوله ﷺ : (إنكم سترون ربكم كما ترون) لتشبيه الرؤية، ولذلك قال: (كما ترون) ؛ (ما) : هنا مصدرية، و (ترون) فعل، ما المصدرية والفعل الذي بعدها تؤول بمصدر تقديره: كرؤيتكم، هذا معنى قوله ﵀: (هذا تشبيه للرؤية) ، فالمعنى: إنكم سترون ربكم كرؤيتكم القمر، أي: في الوضوح وعدم التضام والضيق في الرؤية، فالتشبيه للرؤية لا للمرئي، أما الله جل وعلا فليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
قال ﵀: (فإن الله لا شبيه له ولا نظير) .
أي: لا مثيل له ولا مساو؛ لأن الله تعالى نفى عن نفسه الند والنظير والمثيل والكفء، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [مريم:٦٥] ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢] ، فليس له ند، ولا يمكن أن يمثل بغيره، كما قال تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل:٧٤] .
فلا يجوز أن يقال: المرئي كالمرئي فالله تعالى كالقمر، بل تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] .
стр. 109
إثبات زيارة المؤمنين لله
يقول ﵀: (والمؤمنون يرون ربهم في الآخرة بأبصارهم ويزورونه) : هذا فيه إثبات زيارة المؤمنين لله ، وحديث الزيارة رواه الدارقطني وغيره عن ابن مسعود وأنس وأبي هريرة وابن عباس وعن غيرهم من الصحابة ﵃، وقد جاء ذلك أيضاً عن جماعة من التابعين.
يقول شيخ الإسلام ﵀ في حديث الرؤية: وهذه الأحاديث عامتها إذا جرد إسناد الواحد منها لم يخل عن مقال قريب أو شديد، لكن تعددها وكثرة طرقها يغلب على الظن ثبوتها في نفس الأمر.
يعني: أن الزيارة ثابتة، وإن كان أفراد هذه الأحاديث ضعيفة.
قال ﵀: بل قد يقتضي القطع بثبوت الزيارة، فقد روي عن الصحابة والتابعين ما يوافق ذلك، وذكرنا أن المروي عن الصحابة في الزيارة من طريق ابن مسعود وابن عباس وأبي هريرة وأنس، وحديث أنس أمتن الأحاديث في ذلك لم تذكر فيه الزيارة، فقد روى الإمام مسلم من حديث حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (إن في الجنة لسوقاً يأتيه أهل الجنة كل جمعة، فتهب ريح الشمال فتحثو على ثيابهم ووجوههم فيزدادون طيباً وجمالاً، فيرجعون إلى أهلهم وقد ازدادوا طيباً وجمالاً أو حسناً وجمالاً، فيقولون لأهليهم: لقد ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً، فيقول أهلهم لهم: وأنتم أيضاً ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً) ، فهذا الحديث في صحيح مسلم ليس فيه زيارة لله ، لكنه جاء عند الدارقطني بأسانيد متعددة عن جملة من الصحابة أن هذه الزيادة ليس سببها الريح فقط، بل سببها الريح ورؤية المؤمنين الله ، كما قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣] (ناضرة) أي: اكتسبت نضرة وجمالاً، ثم ذكر السبب في هذه النضارة وهي النظر إلى الله فقال: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] .
إذاً: أحاديث الزيارة ثابتة، فزيارة المؤمنين لله ثابتة، ولذلك قال المؤلف ﵀: (ويزورونه) .
قوله: (ويكلمهم) فيه إثبات الكلام أيضاً، وهو ثابت في الصحيحين وفي غيرهما: (ما منكم أحد إلا وسيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان) ، وهذا يعم المسلم والكافر، لكن الفرق في نوع التكليم، فإن تكليم الله لأهل الإيمان تكليم رحمة وبر وتنعيم، وأما تكليمه لأهل النفاق فهو تكليم تقريع وتعذيب وذم، وتكليم الله للكفار ليس مقتصراً على أرض المحشر، بل يكلمهم في المحشر ويكلمهم إذا صاروا إلى النار نسأل الله السلامة والعافية منها؛ فإنهم إذا سألوا التخفيف من العذاب يقول الله لهم فيها: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨] ، فهذا كلام رب العالمين لأهل النار، فنفي التكليم إنما هو في حال من الأحوال في أرض المحشر، أو يكون المنفي من التكليم هو تكليم البر والإحسان والرحمة والإنعام.
قال ﵀: (ويكلمونه) فيكلمهم الله ويكلمونه.
قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣] ، وهذه من أقوى الأدلة التي يثبت بها أهل السنة والجماعة نظر المؤمنين لله يوم القيامة، فإن الله أخبر عن وجوه أهل الإيمان بالنضارة، فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢] أي: حسنة جميلة منعمة مكرمة، فيها من البهاء والنور والجمال ما ليس في غيرها، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] أي: إلى الله جل وعلا ناظرة، فأضاف نظر أهل الإيمان إلى الرب، ثم النظر بأي شيء كان؟ بالقلوب أم بالوجوه؟ بالوجوه، ولذلك قال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢] ، فنص على الوجوه التي فيها آلة النظر، وهذا دليل ما ذكره المؤلف ﵀ من أنهم يرونه بأبصارهم؛ لأنه أخبر عن الوجوه بأنها ناضرة إلى ربها، فالوجوه هي التي تنظر إلى ربها وتنظر إليه بأبصارها، بالآلة التي يحصل بها النظر في الوجه وهي البصر، فلا يمكن أن يقول قائل: إنها رؤية كشف؛ لأن الكشف لا يكون للأبصار، بل يكون للقلوب، ولا يمكن إن يقال: إنه نظر إلى النعيم؛ لأن الله أضاف النظر إليه جل وعلا فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا﴾ [القيامة:٢٢-٢٣] فلا يسوغ أن يقال: إلى نعيم ربها، لأنه أضاف النظر إليه جل وعلا، فمن حرف الكلم عن مواضعه وقال: إنه النظر إلى النعيم يكون قد خرج عما دلت عليه الآية من إضافة النظر إليه جل وعلا، فهذه الآية من أقوى وأظهر وأصرح الأدلة في إثبات نظر المؤمنين لربهم جل وعلا، نسأل الله أن نكون منهم.
стр. 110
رؤية الله في الدنيا
следующие страницы →