← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7714

شرح بلوغ المرام لعطية سالم

عطية سالم

Полный текст (2 523 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

زكاة عروض التجارة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليماً. أما بعد: فيقول المصنف ﵀: [وعن أم سلمة ﵂: (أنها كانت تلبس أوضاحاً من ذهب، فقالت: يا رسول الله! أكنز هو؟ قال: إذا أديتِ زكاته فليس بكنز) رواه أبو داود والدارقطني وصححه الحاكم] . فمفهوم: (إذا أديتِ زكاته فليس بكنز) أن ما لم يؤد زكاته فهو كنز، ولما سئل ابن عباس رضي الله تعالى عنه -وهو من الذين يقولون بزكاة الحلي المستعمل-: (ما هو الكنز يا ابن عباس؟! قال: ما لم يؤد زكاته ولو على وجه الأرض، وما أديت زكاته فليس بكنزٍ ولو كان مدفوناً تحت الأرض) . إذاً الكنز في اللغة: المكنوز الموجود دفيناً في الأرض. وفي الشرع: ما أديت زكاته فليس بكنز، وما لم تؤد زكاته فهو كنز. قال المصنف ﵀: [وعن سمرة بن جندب ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعده للبيع) رواه أبو داود، وإسناده لين] . بعدما أنهى المصنف رحمه الله تعالى بيان زكاة الأموال الزكوية المجمع عليها جاء بهذا النوع من أنواع الأموال الزكوية، وإن كان انتهى الخلاف فيها، وصار الأمر فيها إلى الإجماع، لكنه أخرها تبعاً لما قبلها، وتقدم البيان في زكاة بهيمة الأنعام، وفي الذهب والفضة، وفيما تنبته الأرض من حبوب وثمار، على ما فيه خلاف واتفاق. وهنا ما يسمى عند الجمهور بزكاة عروض التجارة، فيأتي المؤلف ﵀ بهذا الحديث عن سمرة بن جندب: (أن النبي ﷺ كان يأمرنا أن نخرج الصدقة مما نعده للبيع) والذي يعد للبيع هو عروض التجارة، وفرق بين ما يكتسبه الإنسان ويقتنيه لشخصه، وبين ما يقتنيه ليتاجر فيه وينتظر الربح، وعروض التجارة كان يوجد فيها خلاف سابق، وقد انتهى الخلاف وحكى ابن المنذر الإجماع على وجوب الزكاة فيها.

стр. 1367

الأدلة على زكاة عروض التجارة ومما يستدل به على وجوب زكاة عروض التجارة قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنْ الأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٦٧] فالطيب: هو الحلال، والخبيث: هو الحرام. والآخرون يقولون: الطيب: الجيد الذي ترتضيه النفس، والخبيث: هو الرديء الذي لا تستطيبه النفس. وذكروا في أسباب نزولها: أن الأنصار كانوا في أول الأمر إذا طابت الثمار يأتي الواحد منهم بالقنو ويعلقه لأهل الصفة يأكلون منه، وكان عامة الناس يأتون بالجيد من أنواع التمر أو الرطب، وكان بعض الناس -كما يقولون- يرائي الآخرين فيأتي بالحشف، وبالنوع الذي ليس مقبولاً أو محبوباً عند الناس، فأنزل الله هذه الآية. وقوله تعالى: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة:٢٦٧] قالوا: الحرام، وقيل: إنه رديء التمر. وقوله سبحانه: ﴿أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة:٢٦٧] وطيبات الكسب قالوا: عطف عليه: ﴿ممَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنْ الأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٦٧] وهذا هو زكاة المزروعات أو ما تخرجه الأرض من حبوب وثمار، أو من نبات على التعميم، و (مَا كَسَبْتُمْ) يختص بالتجارة؛ لأنه العمل الذي يكتسب به الإنسان منفرداً بخلاف ما تخرج الأرض؛ لأن إخراج الأرض فيه جانبٌ آخر: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنْ الأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٦٧] ، فهناك عامل آخر وهو أن المولى هو الذي يعطي: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة:٦٣-٦٤] فالله يعطي العبد من خيرات الأرض. وليس ما تنبته الأرض خالص عمل الإنسان وحده، بخلاف التجارة، وإن كان الكل من عند الله، والربح رزق من الله، والتوفيق في التجارة من الله، لكن السبب المباشر أو اليد المباشرة في التجارة هي الإنسان، والشيء المباشر في الأرض هو الإنسان ومن ورائه القادر على إنبات النبات وعلى إتيان النبات بالحب، وكذلك إنبات الشجر، وإتيان الشجر بالثمر، فهذا فيه صنع المولى . إذاً: (ما أخرج الله من الأرض) قسم، و (طيبات ما كسبتم) قسم، فيكون (طيبات ما كسبتم) المراد منه التجارة، والصناعة، ومن هذا القبيل، وقد انتهى الأمر عند العلماء وأصبح كما قال ابن المنذر: إجماع المسلمين على وجوب الزكاة في عروض التجارة. ومن العمومات أيضاً قوله سبحانه مخاطباً سيد الخلق ﷺ : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة:١٠٣] ، والأموال جمع مال، وأبرز أنواع الأموال التجارة، وهي كما يقال: العنصر الفعال في تنمية الأموال من حيث هي، فـ (مِنْ أَمْوَالِهِمْ) تشمل كل الممتلكات بما فيها مبدئياً وأولياً أمر التجارة. وجاء عنه رضي الله تعالى عنه: أنه لقي فلاناً، فقال: (يا فلان! أدِ زكاة مالك، قال: ما عندي إلا جعاب أذن، قال: قدِّرها وأد زكاتها) ، أي: كان الرجل يحمل جلوداً، فقال: أد زكاة مالك، قال: ما عندي إلا هذه الجلود أعملها حقائب وأبيعها، قال: أدِ زكاتها. وهناك أيضاً آثار ومنها: (كان يأمرنا ﷺ أن نؤدي زكاة البز) ، والبز: بالباء والزاي نوع من القماش بين الحرير والقطن، أو مختلط منهما، وبعض العلماء يقولون: إنما هي محرفة عن البر، والبر مما تنبت الأرض، وليس داخلاً في عروض التجارة، فأجيب عن ذلك: إن التحريف بعيد؛ لأن الأحاديث إنما تروى بالسماع ولا تروى بالكتابة، وما كانت الكتابة إلا متأخرة فيما بعد، وكانت كتابة الحديث في أول الأمر نادرة، فكانت تلقى الأحاديث سماعاً، وفرقٌ بين سماع البر (بالباء والراء) والبز (بالباء والزاي) .

стр. 1368

ما أعد للقنية فلا زكاة فيه، وما أعد للتجارة ففيه الزكاة ولو عقاراً وأجمعوا على أن ما اشتري للقنية ولو كان كثيراً فلا زكاة فيه، فمثلاً: إنسان اشترى مائة كيس ووضعها في البيت، ولديه أولاد وعوائل يأخذون منها السنة والسنتين، فلا زكاة في هذه، وإن كان أخذ عشرة أكياس ووضعها في دكان من أجل أن يبيع فيها ويشتري بأثمانها غيرها، يقصد بذلك الربح والبيع والشراء فإن فيها الزكاة. وأجمعوا على أن كل ما اتخذ للتبادل التجاري بقصد النماء وهو الربح وإن احتمل الخسارة أنه زكوي، أي: من عروض التجارة، سواء كان ذلك من الأراضي البيضاء كأن يتاجر مثلاً في عقار مخطط، فيشتري قطعتين أو ثلاثاً من أجل أن يبيعها فيما بعد عندما ينتهي الحراج، وتنتهي القطع الموجودة وتبدأ الرغبات، فيبيع بما فيه ربح، أو كان من عمائر، كأن اشترى عمارة لا ليسكنها ولا ليؤجرها، ولكن وجدها رخيصة وعلم بأن العمائر والعقار سترتفع أثمانها فاشترى عمارة أو عمائر من أجل أن يبيعها، وسواء كان المالك شخصاً واحداً أو كانوا جماعة اشتركوا في الأرض أو في العمارة؛ ففيه الزكاة. أما إذا اشترى الأرض لنفسه؛ أو ليعطي فيما بعد كل واحد من أولاده قطعة، أو تركها للزمن، حتى إذا احتاج باعها أو عمرها فهذه التي للقنية وللتعمير لا زكاة فيها، والتي للتجارة فيها الزكاة، وإذا اشترى العمارة لا للبيع ولا للشراء، ولكن للاستثمار، كأن يؤجر شققاً ويأخذ أجرتها، وليس عنده نية بيع العمارة بذاتها، ومن بعده يرثه أولاده ويستفيدون من إيجار شققها كمورد رزق لهم، فهذه لا زكاة فيها، وإنما ينظر إلى الأجرة التي تأتيه على حسب رصد البلد، إن كانت تؤخذ الأجرة في أول السنة، أو تؤخذ في آخر السنة، فمطلق أجرة العمارة أو أجرة الأرض، تدخل في الكسب وتكون من نوع زكاة الأموال غير التجارية. إذاً: الأعيان التجارية سواء كانت أرضاً بيضاء أو عمائر، أو سيارات، أو بواخر، أو طائرات، أو من المواد الغذائية، من الملح إلى العسل، كل ذلك إذا أخذه ليبيع ويشتري فإنه عروض تجارة، فلو اتخذ غنماً للبيع والشراء، كهؤلاء الذين يتاجرون بها من خارج المملكة، الذين لا يأتون بها للقنية والحليب والنسل والزيادة، وإنما يأتون بها ليكتسبون بأثمانها، فهذه عروض تجارة، فلا تزكى على عدد الأربعين شاة على أنها بهيمة أنعام بشرط السوم وحولان الحول، بل تزكى على أنها عروض تجارة فتزكى قيمتها، لأنها ليست مقصورة للقنية والنماء والنسل، ولكنها جلبت لتكون عروض تجارة، وكما تقدم أنه لا ثنائية في الزكاة، فلا يؤخذ منها الزكاة باعتبارين: اعتبار القنية، واعتبار التجارة. وكذلك الإبل والبقر إذا جلبها ليبيعها فإنها تعتبر عروض تجارة، فلا تزكى زكاة بهيمة الأنعام، حتى قالوا: لو تاجر في التراب، وقد يكون التراب موضع بيع وشراء، وقد يصنع تراباً مثل الإسمنت، والجبس، والجص؛ فهذا أيضاً إذا عد للتجارة، كأن اتخذ المصنع واكتسب من ورائه، فهذه عروض تجارة. إذاً: عروض التجارة بدون استثناء كل ما أعد للبيع والشراء بقصد الربح.

стр. 1369

أقسام عروض التجارة وهنا قبل الدخول في التفصيل يعتبر العلماء عروض التجارة بالنسبة لصاحبها -صاحب عروض التجارة- على قسمين: تاجرٌ مدير، وتاجرٌ محتكر، وفرق بين المدير والمحتكر، والمحتكر على قسمين: محتكرٌ خاطئ ومحتكر مأجور.

стр. 1370

التاجر المدير فالمدير هو الذي يبيع السلغ يومياً سواء كان بالجملة أو التجزئة، فالمستودع مفتوح يبيع منه بالجملة، أو المعرض والدكان مفتوح يبيع بالتجزئة، بالكيلو، بالحبة، بالدرزن، فهذا كله يسمى مديراً؛ لأن عروض التجارة عنده ليست واقفة بل متحركة، فيبيع هذه السلعة ويشتري بثمنها سلعةً أخرى، مثل الدولاب الذي يدور بحركةٍ دائمة. فهذا النوع من التجار كيف يزكي ما بيده إذا اكتسب ما يساوي النصاب، لأنه يشترط في زكاة عروض التجارة ملك النصاب حولان الحول، فإذا كان هذا التاجر المدير امتلك ما قيمته نصاب الذهب والفضة، وهو عشرون مثقالاً، أي: أحد عشر جنيهاً سعودياً، أو مائتا درهم فضة، أي: ستة وخمسون ريالاً فضة أو ما يعادلها، وحال عليها الحول في يده وهو يدير فيها، نظرنا في نهاية الحول كم يوجد عنده من عروض التجارة، مقدراً موجوداً في المحل من كل صنف، ولا ننظر إلى أعيان الأصناف. فمثلاً: بقالة فيها السكر والشاي والكبريت والملح والصابون. إلخ، فكل ما في البقالة مما يديره للبيع والشراء يقدر، ثم ننظر مجموع قيمته، المجموع ولا ينظر إلى قيمة الشراء ولا إلى تقديرها أو تقييمها عندما اشتريت، بل ينظر لو لو أراد أن يبيعها الآن بمجموعها فبالمقدار الذي تقدر به في نهاية الحول يزكيه. فإذا بدأت تجارة المدير بعشرة آلاف فإنها قد تجاوزت النصاب، ولو كانت نقداً لوجبت زكاتها، فإذاً: نحسب الحول من أول يوم بدأت فيه التجارة إلى أن يحول عليها الحول، فعند نهاية الحول نفترض أنها صارت عشرين ألفاً، إذاً نزكي العشرين الألف الآن، فهذه هي زكاة عروض التجارة التي يديرها صاحبها. وسواء باع بالجملة أو التجزئة فالكل فيه زكاة.

стр. 1371

التاجر المحتكر القسم الثاني من أصحاب عروض التجارة: المحتكر. والاحتكار هو الجمع، فحكرها بمعنى: جمعها، وهو الذي يشتري السلع لا ليبيعها ولا ليعرضها للبيع يوم أن اشتراها أو فيما بعد، وإنما يشتري السلعة ويخزنها وينتظر بها مناسباتها، أي: مناسبة ارتفاع السعر في السوق، فمثلاً: التمر في المدينة من رأس المال الموجود، ومن أهم إنتاجها، فيأتي عند الجذاذ ويكون الصاع رخيصاً، فيجمع ويوضع في المخازن، فلا يباع حتى تنتهي فترة الصيف، ويبدأ الشتاء فيحتاج الناس التمر للتدفئة والتغذية، فيبدأ يبيعها، فهو ينتظر الموسم حتى يأتي الحاج؛ لأنه أربح له وأكثر بيعاً، فيحبسها في المستودع، ثم يبدأ بالبيع في الموسم، سواء باع جملة أو تجزئة. إذاً: استمر وجود السلع في المخزن خمسة أو ستة أشهر فيكون قد احتكرها، ثم بدأ يتعامل ويبيع بالجملة، أو بدأ هو بنفسه يبيع بالتجزئة، بأكثر أو بأقل، فهذا يسمى محتكراً. والمحتكر إن كان يجمع السلعة لا ليبيعها عند الموسم، ولكن عندما يصبح الناس بحاجة إليها، فإذا أمسكها حتى أصبح للناس فيها حاجة، وضمن بها فلم يخرجها، واشتدت حاجة الناس إليها وكانت السلعة من الأشياء الضرورية كمواد الغذاء أو الألبسة، أو ما هو ضروري لحياة الناس، كأن اختزن الدقيق، أو السمن، أو التمر، أو الأرز، والسوق ماشٍ وهو منتظر حتى يشح الصنف في البلد، يريد أن يكون هو صاحب الامتياز، والمتحكم في السوق، فيأتي يتحكم بأسعار السلعة في السوق على ما يشاء. ففي هذه الحالة يثبت عليه قول الرسول ﷺ : (المحتكر خاطئ) ، والخاطئ غير المخطئ، فالمخطئ الذي لم يتعمد الذنب، ولكن الخاطئ هو المتعمد قال تعالى: ﴿لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾ [الحاقة:٣٧] ، (الخاطئون) ولم يقل: (المخطئون) ، فهذا المحتكر آثم؛ لأنه يتحكم في حاجيات الناس عن قصد، ففي هذه الحالة يتفق العلماء على أن لولي الأمر أن يتدخل بإلزامه بإخراج السلعة، ويبيع بما لا ضرر فيه ولا ضرار. فلو كانت معروضة فهو أمرٌ طبيعي، فيسعر ويحدد له جزءاً من الربح، وهذا ما يسمى بالتسعير، فحينئذٍ يكون التسعير واجباً وجائزاً على حسب رأي ولي الأمر، وشدة حاجة الناس إلى ذلك، كما قالوا في امتناع أصحاب الأعمال الضرورية للأمة؛ فإن ولي الأمر يتدخل ويلزمهم بالعمل حتى لا يتحكموا في حاجة الناس كما ذكر ابن تيمية ﵀. فمثلاً كان الماء في السابق لا يأتي للبيوت إلا عن طريق السقاء يحمله على كتفه ويدخله البيت، والخبز الآن في الأفران، والبريد الآن لمصالح الناس، والكهرباء، والسباكة، فهذه حاجات متواصلة، فمثلاً قائد السيارات الأجرة في الخطوط الطويلة، لو أن طائفة من هؤلاء امتنعوا عن العمل من أجل مصلحة خاصة، نظر ولي الأمر في أمرهم، وفي شكايتهم؛ فإن كانت عليهم مظلمة رفعها، وإن لم تكن مظلمة وأرادوا تحكماً ألزمهم بالعمل إجبارياً؛ حتى لا تتعطل مصالح الناس، وعلى مبدأ: (لا ضرر ولا ضرار) .

стр. 1372

كيفية زكاة تجارة التاجر المحتكر نأتي إلى هذا التاجر المحتكر، كيف يزكي تجارته؟ فلم يبع ولم يشترِ، وبضاعته مخزونة، فماذا يفعل؟ يقول الجمهور كـ أبي حنيفة والشافعي وأحمد ﵏: عليه أن يقدر ما عنده من عروضِ احتكرها في نهاية الحول ويخرج زكاتها، فإذا جاء حولٌ آخر ولم يبعها قاصداً للاحتكار، فإنه يقدرها مرةً أخرى ويزكي، وهكذا ما دامت موجودة وهو ممتنع عن إخراجها لأيدي الناس فإنه يزكيها كل سنة. وهذا مذهب الأئمة الثلاثة. والإمام مالك ﵀ يقول: هذا المحتكر -على أساس أنه ليس بخاطئ- الذي أمسكها وليس بالناس الحاجة الضرورية إلى ما بيده، ليس متعمداً إضرار الناس، فما دامت السلعة متوفرة في السوق يخرجها المحتكرون كرهاً أو رضاً، اضطر إلى القيمة أو قنع بالسعر الموجود، وبقي بعض الأشخاص محتكراً، فإنه ينتظر حتى ينتهي هؤلاء، فما دام لا يدخل في نطاق الخاطئ باحتكاره، حتى يقول بعض العلماء: قد يؤجر في ذلك؛ لأنه حفظ للناس السلعة يخرجها عندما يحتاجونها، وحينما يحتاجها السوق، فليس متعمداً التحكم فيهم. إذاً: هذا الشخص إذا حال الحول على عروض تجارته، هل يقدرها ويزكيها؟ فالإمام مالك يقول: المحتكر له حقٌ شرعي في أن يكتنز هذه السلعة، فلا يزكيها إلا إذا باعها. فمثلاً: يكون السعر في السوق منخفضاً، وهو جمعها في وقت الموسم بألف، لكن ورد من خارج البلد من نفس السلعة الكثير، وأصبح ذو ألف يساوي خمسمائة، فانتظر حتى يتوقف الوارد من الخارج ويعتدل السوق ثم باع، فهذا ليس متحكراً خاطئاً، وإنما ينتظر بسلعته السوق النافقة التي يحصل فيها على رزق؛ فهذا الشخص لا يلزمه مالك أن يقدر في نهاية كل حول ويخرج الزكاة، بل يقول: ينتظر الحول بالقيمة؛ لأنه انتظر حولاً وأحوالاً وهي عروض، فالزكاة واجبة فيها من أول، لكن لا نلزمه لأنه لم يبعها، ولو قدر أننا ألزمناه وانخفضت السلعة وكانت أنقص مما قدرها عندما زكاها، فنكون ألزمناه بزكاتها وهو لا يملك الألف. فـ مالك ﵀ يعتبر في ذلك نفاذ السلعة، وهذا في الواقع قد ينفع بعض الناس؛ لأننا جربنا في المدينة وسمعنا أن بعض الناس كان هناك ما يسمونه (طفرة) في الأراضي، وكانت تقع صفقات في المجلس الواحد للقطعة الواحدة أو للمربع الواحد أو للأرض الكاملة، وتتضاعف القيمة، فهذا إذا اشترى في هذه الطفرة والسعر مرتفع، ثم وقف وانتبه الناس وبدأ السعر ينخفض، ولم يعد هناك سوقٌ نافقة، وأصبح يدل بها عند الناس فلا يجد من يشتري، فعند ذلك لو ألزمناه أن يقدرها في كل حول، ومكثت خمس أو عشر سنين، نقول: في تلك العشر السنوات التي نزلت فيها قيمة الأرض قد أخذنا منه زكاةً عليها يمكن أن تقارب قيمتها أو نصف القيمة. فـ مالك يقول: المتحكر غير الخاطئ والذي ينتظر السعر المناسب فإنه لا يزكي عروض تجارته التي احتكرها إلا إذا باعها.

стр. 1373

زكاة الدين وهذه القاعدة عند مالك تطرد في الدين، فلو كان لإنسان دينٌ عند الناس، فجاء الحول على تلك الديون، فالجمهور يقولون: عليه أن يحسب هذا الدين الذي له عند الناس ويزكيه فهو ملكه، وليس على المدين أن يخرج زكاة الدين الذي لغيره، وإلا فسيكون رباً. فإذا كان الدائن له أموال بأيدي الناس، فالأئمة الثلاثة أبو حنيفة والشافعي وأحمد ﵏ قالوا: يقدر الدين ويضمه إلى ما بيده وفي صندوقه ويزكي عن الجميع. فـ مالك ﵀ فصَّل في الدين، فقال: زكاة الدين بحسب المدين وحالته، والمدين عند مالك موسر قادر، أو معسرٌ عاجز، أو مماطل. قال: فالدين إذا كان على موسر قادر غير مماطلٍ بحيث لو أتاه في أي ساعة أعطاه ماله؛ فهذا الدين يعتبر مضمون السداد وكأنه في يد الدائن، وذلك كما في الودائع المصرفية والبنكية، حيث يمكن أن تذهب إلى المصرف أو البنك وتطلب طلبك من رصيدك فيعطيك في الحال؛ قال: هذا النوع من الدين عليه أن يزكيه في نهاية كل حول؛ لأنه في متناول اليد. أما الدين الذي ليس في متناول اليد، وصاحبه معسر ليس عنده، أو موسر مماطل، أو موسر ولكن لا يستطيع أن يستدعيه عن طريق السلطة، لأنه هو السلطة بنفسها، فلا يجرؤ على شكايته أو رفع دعوى عليه في المحكمة، أي: لا يستطيع أن يأخذ حقه منه، فهذا يسميه مالك دينٌ ضمار، أي: لا يستطيع أن يصل إليه، ولا يستطيع أن يستثمره، بخلاف المضمون، فإنه ولو لم يستثمره فهو الذي كف يده عنه، كأمانات في البنوك أو في المصارف فإنه لا أحد يمنعك أن تأخذها وتشغلها، لكن أنت بنفسك آثرت أن تكون أمانة بدلاً من أن تعرضها للتجارة، فإذا كان المال مضمون الدفع فكأنه في يدك، أو كأنك وضعته في صندوقك، أو كأنك دفنته في الأرض، فهو مالك وتحت يدك، فعليك أن تزكيه في نهاية كل حول. أما إذا كان دينٌ لك في يد الغير وهذا الغير مماطل، أو ليس عنده سداد، أو لا تستطيع عن طريق السلطة أن تأخذ حقك منه، فحينئذٍ في هذه الحالة يقول الجمهور: يقدره في نهاية كل حول ويزكيه لأنه ملكه، ومالك يقول: هذا النوع من الدين لا يزكى إلا إذا حصل في اليد، وكلما قبض من هذا الدين شيئاً زكاه في وقته، سواءً استلم في اليوم نصاباً أو أقل من النصاب، ما دام أن مجموع القرض في الأصل نصاب، فإذا كان مجموع القرض ألفاً أو ألفين أو عشرة آلاف وأصحابها معسرون، وبدأ شخص اليوم فأدى خمسة، وآخر أدى عشرة، وآخر أدى سبعة بعد الحول الأول، فعليه أن يزكي كل ما وصل إليه حتى ولو كان عشرة ريالات؛ لأنه زكوي، والزكاة واجبة فيه من وقت بلوغ الحول والنصاب، فعليه أن يزكي كل حصةٍ جاءت في يده بحسبها، فيخرج منها ربع العشر، فلو أعطاه عشرة ريالات فإنه يخرج ربع ريال. وعلى هذا زكاة الدين وكذلك زكاة عروض التجارة.

стр. 1374

توجيه تفصيلات الإمام مالك في الدين الضمار والتاجر المحتكر بقي عندنا: توجيه تفصيلات مالك: لماذا اختلف مالك مع الجمهور في الدين الضمار، وفي التاجر المحتكر غير الخاطئ. يروي مالك ﵀ في الموطأ بأن أشخاصاً أتوا إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه لما ولي الخلافة، واشتكوا بأن الخليفة الأموي الأول كان قد صادر لأبيهم أموالاً في بيت مال المسلمين، وجاءوا يشتكون ويطلبون هذه الأموال كورثة، فكتب عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه إلى عامله أن أخرج إليهم مالهم وخذ منه زكاة السنوات الماضية، فهو -أي المال- قد مكث في بيت مال المسلمين سنوات. ثم أعقبه بكتابٍ آخر: خذ منه زكاة سنةٍ واحدة؛ لأنه كان مالاً ضماراً. واعتبر مالك ﵀ هذه القاعدة في كل ما غاب عن اليد ولم تستطع الوصول إليه كدين مغصوب، أو دين على مماطل، أو وديعة نسيت عند من هي، أو دفين دفنته ونسيت المكان الذي هو فيه، وبعد عشر سنين وجدته مفاجأة، فكل مال لإنسان كانت يده قاصرة عن الوصول إليه، سواءً كان بيدٍ أقوى منها، أو كان بنسيانٍ، أو كان بجهالة أو نحو ذلك فحكمه ما ذكرنا عن مالك، فهذه وجهة نظر مالك أو استدلاله على تقسيم الدين إلى ضمار، وغير ضمار. وبعضهم يذكر ذلك رواية عن أحمد ﵀.

стр. 1375

تحويل المال من قنية إلى تجارة بالنية أو العكس ونذكر في هذا المجال: لو أن إنساناً اشترى مائة كيس أرز ووضعه في البيت له ولأولاده على أنها تمويل سنة أو سنتين، ثم بدا له، فقال: لماذا أنا أدخر المائة؟! فيكفي عشرة، وهذه التسعون الباقية أبيع وأشتري فيها، ولما تنتهي العشرة أخذ عشرة أخرى. فهو مبدئياً اشتراها للقنية، ثم بدا له أن يحول تلك القنية إلى تجارة، قالوا: فيحسب من تاريخ نيته وقصده تحويلها إلى عروض تجارة، فمن تاريخ دخولها في أمر التجارة تحولت من قنية إلى عروض، فعندما فمن تاريخ التحويل يبدأ الحول، فإذا اكتمل الحول زكاها، ولا ينظر إلى تاريخ شرائها؛ لأن المدة التي مضت كانت على نية القنية فلا زكاة فيها، وبعد سنة أو أكثر أو أقل نوى أن تكون للتجارة وأخذ في طرق التجارة وأسبابها فتحولت من قنية إلى تجارة. شيء آخر: اشترى محلاً، وهو سعيد بالمحل الجديد، وعنده رأس مال، فقال: سأذهب قبل أن يرتفع السعر فآخذ خمسين كيس أرز، وعشرين كيس سكر، وكذا صندوق تايت، ثم إنه رأى أن الدكان لا يتحملها قال: سأتركها للبيت. فمن يوم أن اشتراها للدكان فهو اشتراها للتجارة، فمكثت هذه البضاعة في الدكان ستة أشهر، وبعدها وجد أن الدكان ليس بمربح، فتحولها للاستهلاك المنزلي في بيته، وستظل معه سنتين أو ثلاث سنوات، فهذه تحولت إلى القنية، فإذا حال عليها الحول فليس عليها زكاة؛ لأن الشرط في عروض التجارة والنقدين أو في الأموال التي فيها الحول أن يمر عليها حولٌ كامل وهي في طريقها. فهذا مما يتعلق بالقصد في اتخاذ العروض للتجارة أو للقنية.

стр. 1376

حكم زكاة ما يتبع السلعة من الآلات والمصانع يبحثون أيضاً في عروض التجارة، هل الذي يزكى من عروض التجارة هو للسلعة فقط، أم أنه يتبعها شيء؟ ومعنى (يتبعها شيء) أن السكر إذا كان في حوض أو كومة من الأرض أو في أكياس، وهذا الصابون يكون في كراتين وهذه السلعة في صناديق، وهذه في مكاييل، فأدوات التجارة: من الميزان والمكيال وأدوات البيع والشراء، فهذه الأدوات الموجودة في الدكان، والديكور أيضاً الذي صُنع، هل هذا يدخل في عروض التجارة أم أنه خاص لقنيته؟ فهذه أمور ربما تجدون من يبحث في هذه الناحية من أدوات التجارة ومكاييلها وموازينها، أو آلات أو أجرام، أو أظرف توضع فيها أدوات التجارة فهل هذه الأدوات تتبع عروض التجارة فتجب فيها الزكاة؟ الجواب: لا. والخلاف الشديد فيما يتعلق بالمصنع وآلات الإنتاج، فعندنا مثلاً مصنع سكر، ومصنع نسيج، ومصنع صابون، فهل الآلة المصنعة تقدر مع السلعة أم لا؟ الآلة التي تنتج هي عروض تجارة ثابتة، ونحن نقدر إنتاجها، فإذا جئنا إلى مطبعة تطبع الكتب، المطبعة فيها حروف، وفيها مكائن تطبع، وفيها مكائن ترص الورق، وفيها مكائن تجلد، وفيها أشياء عديدة، فهل يا ترى الآليات التي تصنع وتنتج نقدرها مع الأوراق والكتب التي تطبع؟ فالورق الموجود في المستودع للمطبعة، الحبر الموجود في المستودع للمطبعة، والخيط الموجود في المستودع، والصمغ، فكل هذه الأشياء من عروض التجارة، لأنها تباع؛ لكن الآلات التي تصنع ذلك، هل هي تجارية أو غير تجارية؟ فبعضهم يقول: إن أنشئ المصنع من مبدأ الأمر فكل ما فيه للتجارة، والجمهور يقولون: الآلات الثابتة غير الفنية بذاتها قد تُستهلك، والزكاة في إنتاجها يكفي عن الزكاة في ذاتها. والله تعالى أعلم.

стр. 1377

كتاب الزكاة - مقدمة كتاب الزكاة [١١] قد أودع الله في الأرض من الكنوز والمعادن شيئاً كثيراً يمكن الاستفادة منه، والإنسان قد يجد ذلك كنزاً جاهزاً، وقد يحتاج في استخراجه وتصفيته إلى عمل، وما حصل من ذلك فللزكاة منه نصيب بشرطه على ما بينه الشيخ هنا.

стр. 1378

حديث زكاة الركاز قال المصنف ﵀: [وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: (وفي الركاز الخمس) متفق عليه] . حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه الذي ساقه المؤلف هنا جزء من حديث يشتمل على زيادة، وإن كان موضوعها غير موضوع الزكاة؛ لأن الحديث فيه: (العجماء جبار، والبئر جبار، وفي الركاز الخمس) .

стр. 1379

جرح العجماء جبار (والعجماء جُبار) في بعض رواياته كما يسوقه صاحب المنتقى: (جرح العجماء جبار) والجبار: هو المجبور الذي لا دية ولا قيمة. والعجماء: هي الدابة لكونها لا تعرب عما في نفسها، وقالوا: إن كون العجماء جباراً فيه تفصيل؛ لأنها إما أن تكون مروضة كما يقال: مؤدبة، أو لا زالت لم تدرب، وكذلك إما أن تجني بمقدمها أو بمؤخرها، وإما أن تجني وعليها قائدها أو صاحبها، أو تجني وليس عليها أو معها أحد. وكذلك قد تكون جنايتها بالليل أو بالنهار، وكل هذا مما تتطلبه الحياة، وخاصة عندما كانت العجماء وسيلة النقل والحمل دون غيرها. فقالوا: إذا كان إنسان يركب دابة أو يقودها فجنت بمقدمها فإن راكبها أو قائدها مسئول عن جنايتها؛ لأن بيده مقودها، أما إذا جنت بمؤخرها وهو لا يدري، فجرحها جبار، بمعنى: إذا رمحت إنساناً فجرحته فليس على صاحبها شيء. وقالوا: إذا كانت مؤدبة وربطها في طريق عام والطريق واسع، فجاء إنسان ونخزها فرمحته فهي جبار، وإذا كانت غير مؤدبة وربطها في طريق عام ومر إنسان ولم ينخزها ولم يؤذها فرمحته فهو مسئول؛ لأنه يعلم منها أنها ليست مروضة ولا تألف الناس، وتؤذي من يمر بها، فيكون قد عرض الناس لإيذائها فهو مسئول. وهكذا إذا جنت ليلاً أو جنت نهاراً وليس عليها أحد أو لا يقودها أحد، فإن جنت ليلاً فعلى صاحبها جنايتها، وإن جنت نهاراً فليس في جنياتها نهاراً شيء، كما في ناقة البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه، أكلت حرث قوم فحكم ﷺ أن على صاحب الناقة حفظها ليلاً، وعلى صاحب الزرع حمايته نهاراً. وهكذا يذكرون ما يتعلق بجناية الدابة مروضة أو غير مروضة، معها إنسان أو ليس معها إنسان، وكذلك إذا كان يعلم منها أنها غير مروضة ومر بها داخل الأسواق والأسواق مزدحمة فآذت أحداً فهو ضامن، أما إذا كانت مروضة ومتعودة دخول الأسواق فلا تؤذي أحداً، ودخل بها سوقاً فآذت إنساناً، فإن كان بمقدمها فهو ضامن، وإن كان بمؤخرها فليس بضامن. هذا ما يذكره العلماء ﵏ في قوله ﷺ : (العجماء جبار) . ومن هنا -يا إخوان- ننظر إلى مدى شمول السنة النبوية فيما يتعلق بالتعامل بين الناس، سواء كان مباشراً أو عن طريق بهائمهم العجماوات.

стр. 1380

البئر جبار (والبئر جبار) أي: إذا استأجر إنساناً ليحفر له بئراً أو ليصلح له خراباً في بئر، فإن كان هذا الأجير عاقلاً مكلفاً مميزاً فأصابه شيء من عمله في البئر، بأن سقط منه عليه حجر أو انهار البئر عليه، فهذا جبار ولا دية له، أما إذا استعمل مجنوناً أو صغيراً أو معتوهاً أو من لا يتحمل المسئولية، فهو مسئول عنه؛ لأن ذاك -كما يقولون- عديم الأهلية أو ناقص الأهلية، كما لو كلف الصغير أو المجنون أن يطلع شجرة ليجني له منها ثمراً فسقط، فهو مسئول عنه، أما إذا كلف عاقلاً بالغاً مميزاً رشيداً فطلع كالعادة فسقط، فليس عليه في ذلك شيء.

стр. 1381

تعريف الركاز في الشرع قوله: (وفي الركاز الخمس) هذا محل الشاهد والعلاقة بباب الزكاة، والخمس: هو الحصة التي تؤخذ مما لا عناء في تحصيله، وهو تابع للغنيمة؛ لأن قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال:٤١] الخمس في الأموال التي تؤخذ بدون عناء، والركاز: مأخوذ من ركزت الرمح إذا غرزته في الأرض، وتوجد مسميات: الكنز، والركاز، والمعدن، هذه المسميات الثلاث قد يتداخل بعضها مع بعض، وخاصة الركاز، فالركاز أعمها، يطلق على المعدن؛ لأنه مركوز في الأرض، وقد يتميز المعدن بجنسه عن الركاز. والفرق عند المحققين: أن الركاز ما كان من فعل الآدمي فركزه في الأرض، والمعدن ما كان من فعل الله ، وهو ما خلقه في الأرض يوم خلقها من أنواع المعادن أو الأجناس المغايرة للتربة. فهنا الركاز والكنز والمعدن، فالركاز: هو ما وجده الإنسان مركوزاً في الأرض، وشبيه به الكنز، وقد يتعاوران ويطلق بعضهما على الآخر، والركاز أعم.

стр. 1382

الأصل أن الركاز لمن وجده واستخرجه إذا جاء إنسان وكان يعمل في أرض فوجد فيها مالاً مركوزاً، أي: مدفوناً، سواء كان هذا المال ذهباً أو فضة، أو كان جوهراً، أو شيئاً له قيمة، فيقولون باتفاق: إن وجده في ملكه فلا نزاع في شيء، فإنه يؤخذ منه الخمس ويترك له الأربعة الأخماس ملكاً له. وإذا كان يعمل في أرض بيضاء ليست ملكاً له ولا لغيره فوجده فكذلك؛ لأن الأرض التي وجد فيها هذا الركاز ليست مملوكة لأحد. أما إذا عمل في أرض مملوكة للغير فوجد فيها هذا الركاز، فهل يا ترى هذا الركاز للعامل الذي وجده أو لصاحب الأرض؟ فالأكثرون على أنه للذي وجده، وصاحب الأرض لا يعلم عنه شيئاً، فإذا وجد إنسان ركازاً في أي نوع من أنواع الأراضي، فبعضهم يقول: هو لواجده، حتى قالوا: لو أن إنساناً استأجر أجيراً يحفر له بئراً في أرضه فعثر الأجير على ركاز، فإن هذا الركاز للأجير؛ لأنه هو الذي وجده. والآخرون يقولون: هو لصاحب الأرض؛ لأنه يملك الأرض وما فيها. وبعضهم يقول: إن استأجره لحفر بئر فوجد ركازاً فهو للأجير، وإن استأجره للبحث عن ركاز فوجد الركاز فهو لصاحب الأرض بلا خلاف؛ لأنه يكون قد استأجره لعمل مباح له كما لو استأجره في أن يحتطب، فإنه يكون الحطب أو الماء لمن استأجره، وليس للأجير إلا أجرة يده. إذاً: الركاز مأخوذ من ركزت الرمح إذا غرزته في الأرض وهو يكون من المعدن ولا يحتاج إلى عمل يستخرجه منه كما سيأتي في موضوع المعادن. فإذا وجد إنسان معدناً ذهباً أو فضة أو ما له قيمة كجواهر ويواقيت مدفونة، فتسمى: مركوزة، فما حكم هذا الذي وجده الإنسان؟ إن كان وجده في ملكه فلا نزاع في ذلك، وعليه أن يؤدي الخمس، وإن كان وجده في مكان ليس ملكاً لأحد فهو كذلك؛ لأنه ليس هناك من يدعيه ملكاً له في أرضه، فهو لواجده، فعلى هذا: يعطيه الإمام الخمس ويرد عليه الأربعة الأخماس، وجاء في ذلك آثار عن علي رضي الله تعالى عنه: عن رجل وجد ألف دينار فأخذ منها مائتي دينار وأعطاه الباقي، وعن عمر أيضاً رضي الله تعالى عنه أنه أخذ الخمس ورد إليه الباقي. وعلى هذا يتفق الجميع على أن الركاز فيه الخمس. واختلفوا فيمن وجد هذا الركاز إذا كان ذمياً، هل يملكه أم لا؟ فقالوا: إنه يمتلكه. وكذلك العبد إذا وجد الركاز هل يمتلكه أو يكون لسيده (العبد وما ملكت يده لسيده) . وعلى هذا فحكم الركاز الذي يجده الإنسان مدفوناً في الأرض من جواهر ومعادن نفيسة كالذهب والفضة، فإن هذا لواجده ما لم يكن أجيراً للحفر عن ركاز. ومما فيه خلاف: من وجده في أرض الغير، واحتفر فيها حفراً مباحاً فوجد ذلك الكنز، فإنه أيضاً يملكه على خلاف فيما إذا كان يملكه هذا الواجد؟ أو يعود ملكاً لصاحب الأرض. وكذلك يذكرون فيما لو استأجر إنسان داراً ثم أخذ يصلح فيها فوجد ركازاً، هل يكون هذا الركاز الذي وجده المستأجر للمستأجر الواجد أو يكون لصاحب الدار؟ يذكرون عن أحمد روايتين، وكذلك عن الشافعي، ويختلفون لأن صاحب الدار لا يعلم عنه، وليس هو الذي ركزه.

стр. 1383

الفرق بين حكم ركاز الجاهلية وركاز الإسلام ويختلفون أيضاً في موضوع الكنز -النقد- الذي وجده إنسان، إن كان من ركاز الجاهلية أو من ركاز الإسلام، ويعلم ذلك بالأمارات التي توجد على القطع النقدية، بأن كان عليه علامات الجاهلية من صور الأصنام، ومن عبارات أسماء ملوكهم؛ فإن ذلك له فيه الخمس، فيعطي الخمس ويتملك الباقي، وإذا وجد عليه علامات إسلامية بأن كان عليه (لا إله إلا الله محمد رسول الله) أو كان عليه نقش آية من كتاب الله، أو ما يدل على أنه لمسلم؛ فإنه يكون بمنزلة اللقطة، يعرفها سنة وبعد ذلك هو وشأنه بها.

стр. 1384

إذا وجد الركاز في قرية مسكونة أو خربة قال المؤلف: [وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵄: أن رسول الله ﷺ قال في كنز وجده رجل في خربة: (إن وجدته في قرية مسكونة فعرفه، وإن وجدته في قرية غير مسكونة، ففيه وفي الركاز الخمس) أخرجه ابن ماجة بإسناد حسن] . هنا يفرق النبي ﷺ بالمكان الذي وجد فيه الكنز، أهو في قرية مسكونة؟ فهذا مظنة أن يكون أهلها هم الذين دفنوه وركزوه، أو في قرية مهجورة خربة قديمة لا ندري متى عمرت ومتى خربت؟ فإنه يكون كدفن الجاهلية ففيه الخمس. وإذا عرفه السنة فإن وجد من تعرف عليه وأتى بأماراته كما جاء في اللقطة: (احفظ عفاصها ووعاءها ثم عرفها سنة) ، فإذا وجد لقطة في كيس عرف الكيس أهو من صوف أو قطن أو جلد، والرباط أهو من حرير أو من خيوط أو من جلد، فإذا جاء إنسان وذكر الأوصاف المطابقة لهذه اللقطة فهي له، وإذا لم يأته أحد أو جاء بوصف مغاير للحقيقة، فإنها تبقى عنده إلى تمام الحول. وبعد تمام السنة مع تعريفها كما يقولون: في الأسبوع الأول كل يوم، وفي الشهر الأول يوماً كل أسبوع، ثم بعد ذلك في كل شهر يوماً حتى ينقضي الحول، فإذا لم يجد من يتعرف عليها فهي ملكه، ولكن كما يقولون: هو ملك غير تام، بأن يتصدق بها، وإن شاء تملكها ديناً في ذمته، فلو جاء إنسان يطلبها وصدق في تعريفها وجب أن يردها إليه. أو إذا كان بعد هذه المدة لا يريد أن يتحملها في ذمته، وإذا جاء صاحبها ربما لا يجد ردها، تصدق بها على ذمة صاحبها، فإذا جاء صاحبها أخبره، أنه قد عرفها لمدة سنة فلم يأت أحد، فتصدقت بها على ذمة صاحبها، إن قبلت الصدقة على ذمتك فهي ماضية لك، وإن لم تقبلها فتكون الصدقة على ذمتي وأنا أدفع لك بدلها. وهكذا إذا وجد في قرية مسكونة أو طريق مطروق، أو وجد في قرية خربة غير مسكونة، أو طريق مهجور لا يسلكه أحد، وكذلك الأرض إن كانت محياة لأحد أو ميتة لا يملكها أحد.

стр. 1385

المعادن وحكم زكاتها في الشرع [وعن بلال بن الحارث ﵁: (أن رسول الله ﷺ أخذ من المعادن القبلية الصدقة) رواه أبو داود] . صاحب هذا الحديث بلال بن الحارث وفي بعض الروايات هلال بن الحارث: أن النبي ﷺ : أقطعه معدن القبلية، والقبلية: مكان معين في جنوب المدينة من أعمال وادي الفرع، وبينه وبين المدينة كذا ميل، فيقولون: هذا لعله المهد الموجود الآن، وفيه المعدن، وفي هذا الحديث مبحث أو مباحث من عدة جهات: أولاً: ما هو المعدن؟ ثم: ما يؤخذ من المعدن؟ وما هو حكمه من حيث المكان؟ ومن هو مصرف ما يؤخذ منه؟

стр. 1386

المفهوم الشرعي للمعدن المعدن من مادة عَدَن، وعَدَنَ بمعنى: أقام، ومنه كما يقولون: (جنة عدن) بمعنى: دار الإقامة، وهذه المعادن مقيمة في الأرض من يوم أن خلقها الله حتى يكتشفها الإنسان. ولولي الأمر أن يقطع من شاء ما شاء ما لم تتعلق به منفعة الجماعة. فإذا كان هناك ماء يسقي عدة مزارع، فليس لولي الأمر أن يقطع هذا الماء لشخص وحده؛ لأنه يفوت المنفعة على الآخرين، وفيه مضرة، فكذلك المعدن الذي فيه منفعة عامة، كما جاء عنه ﷺ : أنه أقطع فلاناً ملحاً، أي: معدن ملح، ثم قيل له: يا رسول الله! أتدري ما أقطعت فلاناً؟ قال: أرضاً، كان يعتقد ﷺ أنه أقطعه الأرض ليزرعها ويستثمرها، قالوا: إنك أقطعته الماء العدة، والعد أي: الذي يستخلف، وكلما ذهب شيء جاء شيء آخر كالبئر الذي تأخذ الماء ويستخلف غيره، فاسترجعه ﷺ ممن أقطعه إياه؛ لكونه يستفيد منه الجميع فلا يحصره على فرد؛ لأن الذي يستفيد منه الجميع هو ملك للجميع. ولهذا قالوا: إن الإمام يقطع من المواد ما لا يتعلق به مصلحة لفرد أو لجماعة، فإذا كان المعدن يستفيد منه الجماعة كالماء والملح أو الكبريت أو الشيء يرجع على أهل الحي أو أهل المنطقة، فلا ينبغي أن يقطعه الإمام لشخص معين، وإذا أقطعه وهو لا يدري عن حقيقته استرجعه وتركه عاماً لجميع المسلمين، وهنا معدن القبلية. والمعدن ما حكمه وما هو؟ يقول الإمام الشافعي ﵀: المعدن خاص بالذهب والفضة، وما عداه لا يعتبر معدناً ولا يطالب صاحبه بشيء. وعند الحنابلة أن المعدن كل ما كان في الأرض من غير جنسها وله قيمة، كما يقول ابن قدامة في المغني، فهو عندهم كل ما كان في الأرض من غير جنسها، أي: من غير التراب. ويوجد فيها من غير جنسها: الذهب، الفضة، النحاس، الكبريت، الزئبق، القصدير، الكحل، وعدد أشياء كثيرة حتى من الجواهر الألماز يكون أيضاً من الأرض، والأحجار الكريمة إذا كانت في باطن الأرض، حتى الأمور السائلة ومثَّل بالقار وبالنفط والكبريت إذا كانت سائلة في بطن الأرض، فكل ذلك يسمى عند الحنابلة معدناً؛ لأنه عدن في الأرض وهو من غير جنسها وله قيمة. وعند الأحناف أن المعدن: ما كان صالحاً للذوبان والطبع، كأن يطبع سبائك أو قوالب، فيخرج عن ذلك الكبريت والزئبق والقار والنفط، ويخرج عن هذا ما ليس بمعادن؛ لأنها غير قابلة للإذابة بالنار وطبعها سبائك أو قوالب، ويصدق هذا على الذهب والفضة والرصاص والنحاس والقصدير، فهذه كلها تذاب وتصب في قوالب وتكون سبائك أو أحجاماً.

стр. 1387

خلاف العلماء فيمن يتملك المعدن المعادن التي توجد في الأرض لمن تكون؟ فهناك من يقول: هي كالركاز، والفرق بين الركاز والمعدن: أن الركاز وجده على حالته دون عمل، أما المعادن: فهي عروق في الأرض لا يحصل عليها إلا بتصنيع وعمل يجمعها ويصهرها في النار، فيحترق التراب ويذوب المعدن، وتجتمع فلزاته بعضها إلى بعض حتى يخرج منها كتلة، وهذه الطريقة معروفة في الجاهلية ومعروفة في الإسلام، ومعروفة في البادية وفي الحضر، ففي بعض بوادي أفريقيا تعرف بعض المعادن خاصة الحديد في بعض الأماكن، فتجمع التربة وتوقد عليها نار قوية، فتجتمع فلزات الحديد بعضها إلى بعض، ويخرجون بكتلة يصنعون منها الآلات التي ينتفع بها الإنسان. وعلى هذا: فالمعدن من حيث هو هل يقطعه الإمام لأحد؟ الجمهور ما عدا مالك يقولون: كل معدن وجده الإنسان على ذاك التعريف، سواء قصرناه على مذهب الشافعي أو وسعناه على مذهب الأحناف، أو عممنا كل ما تتضمنه الأرض حتى الكحل والكبريت أو الملح، فالجمهور يقولون: إن هذا لواجده. وإن كان على وجه الأرض مثل الملح قالوا: كذلك هذا لصاحبه الذي حصل عليه، وخاصة إذا كان في أرض موات، والآن مجريات الملح، ما اجتمع في أرض سبخة فتجففه فيخرج منه الملح الصالح للطعام، وهناك مواطن أو مياه يستخرجون منها ملح البوتاسيوم كالبحر الميت، فإنه يستخرج منه أملاح البوتاسيوم، وتنوع إلى أنواع، وهناك بحيرات صغيره تجمع فيها المياه وتترك للشمس لتبخرها، ويتجمع الملح الموجود فيؤخذ، ويصنع منه عدة أنواع من الأملاح المعدنية، فهذه يقولون: هي لواجدها ما دامت على وجه الأرض. أما المعادن التي تحتاج إلى كلفة وعمل فبعض العلماء يقفل الباب، ويقول: هي لمن وجدها.

стр. 1388

حكم زكاة المعادن من وجد المعادن وعثر عليها فإنه يستطيع أن يصنعها ويستفيد منها، قالوا: إن استطاع فله ذلك، وكيف يزكي ما يحصل عليه؟ قالوا: الركاز فيه الخمس قليله أو كثيره، وفي المعادن كذلك الخمس، وبعضهم يقول: فيه العشر، بمعنى أنه يعامل معاملة الغنائم ومعاملة الركاز فيؤخذ منه الخمس. وهناك من يقول: ربع العشر. أما الخمس فقياساً على الركاز مع وجود الفارق؛ لأن هذا يحتاج إلى عمل، ومن يقول: العشر فقياساً على ما تنبته الأرض من الحبوب والنبات والثمار: فإن فيه العشر، ومن قال: فيه ربع العشر قياساً على زكاة الذهب والفضة، فإن كان ذهباً وفضةً وأخذ منه ما يؤخذ من الذهب والفضة فيكون مالاً زكوياً، والجمهور على أنه مال زكوي. ويقولون: لا يشترط للحصول عليه وتزكيته حولان الحول ولا بلوغ النصاب. والآخرون كالحنابلة ومن وافقهم والمالكية يقولون: يشترط فيه النصاب، وليس المراد بالنصاب في كل دفعة يحصل عليها، كأن يكون اكتشفه اليوم وبدأ يعمل ويصفي فوجد ربع نصاب، فاحتفظ به، ثم عمل غداً وأخذ ربع نصاب، ثم بعد شهرين أو ثلاثة اكتمل عنده النصاب، فحينئذ يزكي في الحال ولا ينتظر الحول. ثم بعد اكتمال النصاب يزكي كل ما حصل عليه يومياً، ولا ينتظر نصاباً للجديد الذي جاء بعد اكتمال النصاب الأول، فإن استمر العمل فعلى هذا الحال، وإن انقطع العمل أو انقطع النيل منه: فإن كان الانقطاع لعذر ممن وجده كمرض أو سفر أو عجز عن النفقة، وطال انقطاع العمل فإنه يستأنف من جديد، وإن تركه وجاء غيره فإنه يبتدئ ويستأنف من جديد، وإن كان الانقطاع لعدم وجود المعدن لكونه ليس متصلاً كبحيرة أو جبل، وإنما هو أجزاء في أماكن مختلفة، فإذا انقطع نيل المعدن لعدم وجوده في منطقة العمل واستمر يفتش وكان انقطاعه قريباً، فإن هذا الانقطاع لا يقطع حكم الزكاة على ما كان سابقاً، وإن طال الانقطاع وأصبح كأنه وجد معدناً من جديد بعد زمن طويل وعمل طويل، فحينئذ يستأنف النصاب ويبدأ يحسب من جديد كما لو كان قد وجده الآن. الإمام مالك ﵀ يقول: الأمور العامة التي ترجع إلى الأمة لا يملكها واجدها ويمثل بالنفط وبالقار ويقول: إن استخراجها يحتاج إلى نفقات كبيرة، وإن عائداتها لترجع للأمة بأجمعها، وللأمة فيها نصيب، وهنا يقول: إن ولي الأمر يضع يده عليها، وهو الذي يستخرجها، ومصرفها هي المصارف العامة للدولة، كمصرف الفيء الذي يغاير الغنيمة في مصرفه، فالفيء: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الحشر:٧] ، فهنا يكون مصرف هذا المعدن العام الذي تتعلق به مصالح الأمة لولي الأمر ينفقه في المصالح العامة. والمصالح العامة في الدولة هي التي توضع لها الميزانيات، فهناك من المصالح العامة: التعليم، وتموين الجيش، والصحة، والطرق، والبريد وكل ما تلتزم الدولة بإقامته لمصلحة العامة جميعاً، ولا يؤخذ عليه زكاة؛ لأن ولي الأمر أو المسئولين يجمعون المال من الأفراد كزكوات أو ضرائب، يفرضونها في حالة الحاجة أو غير ذلك، وتتكدس عندهم هذه الأموال، فلا يؤخذ عليهم فيها زكاة؛ لأنهم امتلكوها للمصالح العامة. إذاً: لا نأخذ منهم لنرد عليهم، فهذه الفكرة العامة عما يتعلق بأمور المعادن.

стр. 1389

المعدن الذي تتعلق به الزكاة ما هو المعدن الذي تتعلق به الزكاة؟ الشافعي ﵀ قصره على الذهب والفضة. وأبو حنيفة ﵀ جعله كل ما يذاب ويطبع ويكون سبائك، وكذلك المالكية والحنابلة عمموا كل معدن في الأرض من غير جنسها وله قيمة، وأدخلوا في ذلك كل المعادن حتى الكحل، والكبريت، والمضرة، والمضرة: تربة حمراء تكون في بعض الأماكن تؤخذ ويصبغ بها الثياب، وشاهدناها إلى عهد قريب بالمدينة يطلى بها الخشب في السقوف حتى لا تأتيها دودة الأرض التي تسمى الأرضة؛ لأن طعمها مر فلا تعيش فيها الدودة التي تفسد الأخشاب، وعمر رضي الله تعالى عنه لما رأى على عبد الرحمن بن عوف ثوباً أحمر، قال: أتصبغ بالزعفران؟ قال: يا أمير المؤمنين هذا ليس بورس ولا زعفران إنه المضرة، قال: إنكم رهط يقتدى بكم، أي: فيراه جاهل فيقول ابن عوف يصبغ بالزعفران؛ لأنه لا يفرق بين الزعفران وبين المضرة. ومن هنا نعلم أن على السادة أو موضع القيادة والاقتداء أن يراعوا ما يقلدهم فيه العامة، فيتحرزون مما فيه شبهة؛ مخافة أن يقع العامة فيما هو محرم بناءً على ما يتقلده هؤلاء الناس. إذاً: يهمنا نوعية ما يسمى معدناً عند الأئمة الأربعة ﵏: وهذا مجمل ما يمكن أن يقال في موضوع المعادن وما يزكى منها وما لا يزكى.

стр. 1390

زكاة مزارع الدواجن وشركات الأسماك ونحوها ونحب أن ننبه على بعض الأشياء وهي: في خصوص عروض التجارة، أنه قد تجدون في بعض المؤلفات الحديثة: أنها لم تكن موجودة من قبل لا في العصر النبوي الشريف ولا في عصر الخلفاء ولا فيما بعدهم، وإنما استجدت في العصور المتأخرة. وأقول قبل أن نناقش أقوالهم: إن كل ما يستجد أو كل ما استجد اليوم في عصر الحضارة والمدنية وما استجد من أنواع الاستثمار ليس بجديد على الإسلام، بل يوجد له أصل ونظير، والمتحفظ من المتأخرين لا يخرج عما كان قديما ويرد المستحدثات إلى نظائرها التي كانت من قبل، والبعض الذي يريد أن يبرز ربما أغفل ذلك، وحاول أن يجتهد فيلحقها بالزكاة. ومن ذلك نجد من يقول: إن هنالك أموراً استثمارية لم تكن على عهد النبي ﷺ ، وهي تغل على أصحابها النماء والغلة الوفيرة، فيجب أن نجعل فيها زكاة، ويمثلون مثلاً بمزارع الدواجن، يقولون: إنها تغل على أصحابها من البيض ومن لحوم الدجاج والسماد ومن الشيء الكثير، وكذلك شركات صيد الأسماك، لأنها تستثمر فتحصل الشيء الكثير بالآلاف والملايين، خاصةً الآلات المستحدثة كالبواخر أو السفن. وهناك أيضاً: ما يتعلق بمعادن البحر أو غير ذلك، وهناك العمارات الشاهقة كناطحات السحاب تستثمر بالملايين، ويقولون: يجب أن نجعل في أعيانها الزكاة. ونقول: أيها الإخوة! إن من يقول بذلك يفوته الأصل الأساسي إذا قال: إننا نزكي البيض والدجاج والسمك، وهل هناك نصاب للبيض بالعدد أو بالكيل؟ هل هناك نصاب للدجاج بالوزن أم بالحبة؟ وكذلك السمك. وإذا قلنا على قولهم بزكاتها فهل نعطي المسكين طبق بيض أو طبقين؟ ماذا يصنع بها؟! إن ادخرها فسدت، وإن سلقها لم يقدر على أن يأكلها! فسيضيع حقه فيها، وكذلك اللحوم والأسماك. فهذه الأنواع من الأموال المستحدثة لها نظائرها في الخضروات، وكذلك فالأسماك موجودة في زمن النبي ﷺ ، وكذلك اللؤلؤ يستخرج من البحر، والعنبر يستخرج من البحر، كل ذلك كان معلوماً وما سن فيه رسول الله زكاة. وإذا أرجعناه إلى القواعد الأساسية وقلنا: هذا الذي استخرج اللؤلؤ واصطاد السمك وجاء بالعنبر وأقام مزرعة الدواجن، إنه يبيع ويدخل عليه من ثمنها، فيكون ذلك (من طيبات ما كسبتم) ، فأثمان هذه المنتجات الحديثة على رأيه سيكون كسباً ونماءً يدخل في ملكه وفي خزينته، فإذا حال عليه الحول زكاه، كما أنه لا تزكى الخضروات ولكن تزكى قيمتها إذا حال عليها الحول، فنقول: كذلك، صاحب البيض والدجاج وصاحب السمك وصاحب العنبر وصاحب اللؤلؤ، إذا اجتمع عنده بعد نفقته نصاب وحال عليه الحول زكى، فيزكي قيمة ما حصل عليه من تلك الأشياء التي لا أصل للزكاة في أعيانها. أما قيمتها فكما تقدم لنا: لو أنه استثمر التراب لكان عليه من قيمته الزكاة، وبالله تعالى التوفيق.

стр. 1391

كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر فرض الله زكاة الفطر طهرة للصائم وطعمة للمساكين، وقد حدد الشرع مقدارها ومحل وجوبها، وأشار إلى ما يمثله أداؤها من صور التكافل الاجتماعي التي ندب إليها الشرع وحض عليها.

стр. 1392

أهمية صدقة الفطر باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فيقول المؤلف: [عن ابن عمر ﵄ قال: (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة) متفق عليه. ولـ ابن عدي والدارقطني بإسناد ضعيف: (أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم) ] .

стр. 1393

زكاة الفطر طهرة للصائم بعدما أنهى المؤلف رحمه الله تعالى بيان زكاة الأموال بأجناسها المتفق عليه والمختلف فيه جاء إلى هذا الباب العام الشامل، وهو: زكاة الفطرة، ويقال لها أيضاً: زكاة الفطرة، فعلى أنها زكاة الفطر -أي: الفطر من رمضان- حينما يفطر الصائمون يخرجون هذه الزكاة كما بين ﷺ الغرض منها من جانبين: طهرة للصائم، وكما يقول بعض العلماء: زكاة الفطر بالنسبة إلى الصوم كسجدتي السهو، فسجدتا السهو تجبر ما كان من نقص أو خلل في الصلاة بالزيادة أو النقص، وصدقة الفطر تجبر أيضاً ما كان من الصائم من خلل في صومه، فهناك بعض الأمور التي يغفل عنها الصائم: كلمة بلسانه، أو نظرة بعينه، أو حركة بيده أو نحو ذلك. يقول جابر رضي الله تعالى عنه: (لا يتم صوم الصائم حتى تصوم جوارحه) ، وكذلك الحديث الآخر: (من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) . كذلك جاء في الحديث: (الصوم جنة ما لم يخرقها، قالوا: بم يخرقها يا رسول الله؟ قال: بكذب أو بسباب) أو كما قال ﷺ ، والصائم أو المسلم ليس معصوماً، فقد يقع منه بعض تلك الأشياء التي لا تبطل الصوم، ليست بأكل ولا شرب ولا وطء، فصومه صحيح، ولكنه مجروح، فتأتي زكاة الفطر وتعالج تلك الجراح التي وقعت على صومه في نهار رمضان.

стр. 1394

صدقة الفطر طعمة للمساكين والجانب الثاني: طعمة للمساكين في يوم العيد كما سيأتي (أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم) . هذا معنى زكاة الفطر: أي الفطر من رمضان. وسميت زكاة الفطرة، والفطرة: الخلقة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [فاطر:١] أي: خالقها، وقال تعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم:٣٠] أي: خلقهم جبلة عليها، وفطرة الإنسان بمعنى: صدقة عن بدنه وخلقته في جسمه، ويؤيد هذا أيضاً الحديث الآخر: (على كل سلامى كل يوم تطلع فيه الشمس صدقة، وأمر بمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وتعين الرجل على دابته صدقة، وأن تلقى أخاك بوجه طلق صدقة، ويجزئ عن هذا كله ركعتان من الضحى) . فالرسول ﷺ جعل على الإنسان في أعضائه وحركاته صدقة لكل عضو يتحرك، ولعل هذا في مفهوم العصر الحاضر من عوامل الصيانة، فهذا الجسم فيه ثلاثمائة وستون مفصلاً، من فقار الظهر إلى أنامل اليد إلى حركة الفك إلى الأسنان. إلى غير ذلك، وكل عضو يتحرك يحتاج إلى صيانة، فتكون الصدقة هي عوامل الصيانة لجسم الإنسان، وهي شكر لله على سلامى من بدنه بعد أداء فريضة الصوم. وسواء سميت صدقة الفطر أو سميت صدقة الفطرة، إلا أن بعض العلماء علق تسميتها صدقة الفطر حكماً في وقت وجوبها، لأن معنى صدقة الفطر، أي: الفطر من رمضان في آخر يوم يفطر فيه الإنسان، وذلك عند غروب الشمس، فقال: تجب بغروب الشمس من ليلة العيد. والآخرون يقولون: تجب بطلوع فجر يوم العيد، أي: فالخلاف في مدة الليل فقط من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، هذا محل الخلاف، ويترتب على هذا الخلاف أمر بسيط، وهو: أن من قال بغروب الشمس لو ولد مولود بعد الغروب، أو مات ميت بعد الغروب فمن قال بغروب الشمس قال: إنها وجبت عليه، ومن قال بطلوع الفجر قال: لا تجب عليه؛ لأنه لم يدرك الفجر حياً. المهم أن نتيجة الخلاف نتيجة بسيطة وخفيفة وعلى القول بأن زكاة الفطر تكون متعلقة بصوم رمضان. وجاءت بعض الآثار تفيد أن الصوم معلق بين السماء والأرض بزكاة الفطر، وعلى أنها زكاة الفطرة تكون شكراً لله على سلامة البدن.

стр. 1395

فرضية صدقة الفطر وبدأ المؤلف ﵀ بحديث عبد الله بن عمر ﵄ بقوله: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعاً وذكر الأشياء الثلاثة: التمر والزبيب والشعير. عند قوله: (فرض رسول الله) الفرض: بمعنى القطع، تقول: فرض الحبلُ الحجر بمعنى: حز فيه ولم يفصله، ومنه الفرائض: القطعة من الواجبات، وتقول فرض، بمعنى ألزم، أي: أوجب، فهنا الجمهور يقولون: فرض بمعنى أوجب وألزم، كما تقول: فريضة الصلاة، فريضة الصيام، فريضة الحج؛ بمعنى الوجوب، فمعناه: أوجب صدقة الفطر صاعاً، ويكون في هذا الحديث الحكمان: وجوب زكاة الفطر ومقدارها. وبعضهم يقول: فرض بمعنى: قدر، ومنه الفرائض: أي بيان قدر استحقاق الورثة، كل بحسبه وبفرضه، ولكن الجمهور على أن فرض بمعنى أوجب وألزم، والفرق بين القولين: هو الحكم على زكاة الفطر، أهي فريضة واجبة كزكاة المال والصلوات الخمس أم هي ليست واجبة؟ فمن حمل كلمة (فرض) على ظاهرها، وقال: معناها أوجب، تكون فريضة، والأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد لهم أقوال في هذه الناحية، والقول المشهور: أن زكاة الفطر واجبة، وواجبة على رأي الجمهور مع اختلافهم في اصطلاح الوجوب، فالأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد أن الفرض والواجب والركن سواء إلا في الحج، فالفرض فيه شيء والواجب شيء آخر، فالواجب فيه يجبر بدم أو نحوه، والفرض أو الركن لا يجبر ببديل عنه، بل لابد من الإتيان به. والأحناف عندهم فرق عام بين الفرض وبين الواجب في الصلاة وفي الزكاة وفي الصيام وفي الحج، يقولون: هذا فرض، ويقولون: هذا واجب. في كل التكاليف، وهذا اصطلاح خاص بالأحناف، وعندهم أن الفرض: ما ثبت بدليل قطعي الثبوت، فالثابت بخبر قطعي وهو نص القرآن الكريم أو السنة المتواترة يعتبر فرضاً، وما ثبت بأحاديث الآحاد فهذا واجب، أي أنه دون الفرض بشيء. فالأحناف يقولون: صدقة الفطر واجبة، أي: ليست فريضة. والمالكية لهم أقوال وتفصيلات في ذلك، وأما الحنابلة فالثابت عندهم أنها فرض بمعنى الوجوب واللزوم، وكذلك المالكية المشهور عنهم هذا. وبعضهم يورد بعض النصوص فيقول: زكاة الفطر وجبت أولاً، ثم جاءت زكاة الأموال ثانياً، فبعضهم قال: زكاة الأموال نسخت وجوب زكاة الفطر، ولكن حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما في هذا الباب: محمول على الإيجاب ولم يرد له ناسخ، وعلى هذا يمكن أن نقول بعد مضي هذا الزمان، وبعد طول الوقت وعمل المسلمين: الكل يتفق على أنها واجبة، سواء قلنا: وجوب الأحناف، أو قلنا: وجوب الجمهور، فهي واجبة ومن لم يؤدها فهو آثم. إذاً: حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما هو الأصل في هذا الباب، ويبحث في باب زكاة الفطر: فرضيتها -وقد تقدم شيء من ذلك- ومقدارها، وعلى من تجب، وعمن تجب، ولمن تجب، ومتى وجوبها، ومما تجب أيضاً، هذه النقاط الرئيسية -سبع نقاط في هذا الباب- يتناولها الفقهاء، ويبينون ما جاء فيها على اتفاق أو على اختلاف. فقول ابن عمر رضي الله تعالى عنه: (فرض رسول الله) أسند الفرض هنا -وهو الإيجاب والإلزام- لرسول الله ﷺ ، إذاً: في ظاهر هذا اللفظ أن الفرضية والتشريع والإيجاب من رسول الله، وإذا شرع أو فرض رسول الله يكون هذا من عند رسول الله، وهو بلغ عن الله، لأنه لا شك أنه لا ينطق عن الهوى، ولكن هل له حق الفرض والتشريع والندب أم ليس له حق؟ له حق في ذلك، والله أمر بطاعته صلوات الله وسلامه عليه فقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠] . وقد جاءت نصوص فيها تشاريع منها عن الله، ومنها عن رسول الله متممة لما جاء عن الله، فمثلاً: جاء عن الله في المحرمات من النساء الأمهات والبنات والأخوات. ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء:٢٣] بصرف النظر عن النقاش في الأختين بالعقد أو الأختين بملك اليمين، فالجمع بين الأختين محرم بكتاب الله، ثم جاء عنه ﷺ : (نهى أن تنكح المرأة مع خالتها، أو مع عمتها) ، فالقرآن جاء بالنهي عن الجمع بين الأختين، وهنا السنة زادت: الجمع بين المرأة وخالتها، والمرأة وعمتها، إذاً: هذه المحرمات في السنة زائدة عما جاء في القرآن، إذاً: له ﷺ أن يفرض وأن يوجب وأن يندب إلى الفعل؛ لأن له حق التشريع؛ ولأنه لا ينطق عن الهوى؛ ولأنه إنما هو وحي ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٤] . وعلى هذا سواء قلنا: إن الأصل في الفرض كان من الله أو من الرسول ﷺ . وهناك العموم: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣] ثم في بعث معاذ إلى اليمن صرح الرسول ﷺ أن الله الذي فرض الزكاة، والمقصود هنا في بعث معاذ زكاة الأموال: (إنك ستأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم) ، قد يقول قائل: هذا في زكاة الأموال، وهذا الذي قام به معاذ وأبو موسى الأشعري في اليمن، لكن يقال: عموم الزكاة في أموالهم تشمل زكاة الفطر أيضاً لأنها زكاة. إذاً: المشروعية أساساً كانت من الله ، والرسول مبلغ عن الله، سواء ذكر لنا المصدر من الله أو منه ﷺ ، فهو لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى. ثم جاء بالمقدار وبالأصناف التي تخرج منها زكاة الفطر، وإذا أراد إنسان أن يتكلم في النواحي الجانبية أو الاجتماعية أو الأخوية يجد أن هذا التشريع الكريم قوى عوامل ارتباط المسلم بأخيه؛ لأنه العامل الذي يجمع بين طبقات المجتمع على اختلاف أنواعها، فنجد التعميم والشمول: الذكر والأنثى والحر والعبد والصغير، الكبير، فهي أشمل من زكاة المال في من تجب عليه، فكل مسلم عليه زكاة الفطر، ولو كان رقيقاً لا يملك شيئاً، فسيده يدفع عنه، والصغير لا يملك شيئاً فوليه يدفع عنه. وقد يقول بعض القائلين: هي طهرة للصائم، والصغير ليس عليه صيام، فلماذا نخرج الزكاة عنه؟! وقد نقل عن بعض السلف أنه لا زكاة عليه، ولكن نقول: ليست المهمة طهرة للصائم الفعلي فقط، بل إنها لعامة أفراد الأمة المسلمة: الذكر، الأنثى، الحر، العبد، الصغير، الكبير؛ لشمول العطاء. وإذا نظرنا إلى المجتمع الفقير والغني، الأغنياء فيهم كبار وفيهم أطفال صغار، والفقراء فيهم كبار وفيهم أطفال صغار، فتكون زكاة الصغار من الأغنياء تقابل الصغار من الفقراء، ويكون الشمول عاماً، وسيأتي الحديث عنه إن شاء الله عند قوله: (أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم) .

стр. 1396

الصاع النبوي والمسائل المتعلقة به أما قوله ﷺ : (صاعاً) فالصاع وحدة مكيال، وهو المأثور عن النبي ﷺ ، وكان في زمن النبي صلوات الله وسلامه عليه المد، وهو ربع الصاع، والصاع هو المكيال العام، وما كان يوجد أنواع من المكاييل في زمن النبي ﷺ إلا هذين النوعين: الصاع والمد النبويين. والصاع كان معروفاً ومتداولاً، ولا حاجة إلى بيان الرسول لكميته أو مقداره، وكما يقول ﷺ : (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة) ، فلا حاجة إلى التعريف بأن يقول: بيتي يقع في الشرق، المنبر يقع في الغرب، طوله كذا وعرضه كذا لا حاجة لهذا؛ لأنها معروفة بالتواجد والمشاهدة والحس، فكذلك الصاع، ولكننا مع طول الزمن وتغير الأحوال أصبحنا الآن قد لا نجد الصاع، وقد لا يعرفه إنسان، فكيف نعرف هذا؟ سبق أن نبهنا مراراً بأنه واجب على كل مسلم، أو كل حارة، أو كل بيت كبير أن يوجد الصاع لديهم؛ لأنه على هذا الصاع تتوقف أحكام كثيرة: الإطعام في الكفارة، الفطر في رمضان، أنصبة الزكاة، خمسة أوسق، والوسق ستون صاعاً، فإذا فقد الصاع كيف نعرف أنصبة الحبوب والتمور؟ وكيف نعرف مقدار صدقة الفطر؟ وكيف نعرف الإطعام في الكفارات على من كفارته الإطعام؟ فهذه أمور شرعية يكلف بها الإنسان ويضطر إليها، فلابد أن يكون عند كل شخص صاع، وخاصة في المدينة؛ لأنها الأصل الذي يرجع إليها عامة بلاد المسلمين، الذي في الأندلس، والذي في أوروبا أو في أي جهة كانت، وأراد أن يطبق الشريعة الإسلامية فيما يجب عليه من ناحية المقدار بالمكيال، فإنه سيأتي ويسأل أهل المدينة: ما هو الصاع عندكم يا أهل المدينة؟ ولهذا لما اختلف أبو يوسف مع مالك رحمهما الله، وذلك حين جاء أبو يوسف من العراق إلى المدينة وسأل عن الصاع؛ لأن المدينة هي الأصل في ذلك، فالمكيال مكيال المدينة، والوزن وزن مكة، ولهذا ذكرنا سابقاً ضرورة توحيد المكيال والميزان في الدولة، سواء اتفقوا على الصاع أو على الرطل أو على الأوقية -أي: الكيلو- يجب أن تكون الموازين والمكاييل موحدة في الدولة، حتى لا يختلف الناس. ولما جاء أبو يوسف إلى المدينة وكان مع هارون الرشيد سأل مالكاً: كم الصاع عندكم؟ قال: خمسة أرطال وثلث، أي: بالرطل العراقي. قال: لكنه عندنا ثمانية أرطال. يعني: هناك فرق زائد، وهو رطلان وثلثان زيادة، فبماذا أجابه مالك؟ طلب من الحاضرين أن من كان عنده صاع في بيته يخرج عليه زكاة الفطر فليأتنا به غداً، ومن الغد يأتي الآتي ويخرج من تحت ردائه مكيالاً ويقول: حدثني أبي عن جدي أنهم كانوا يخرجون الزكاة به على عهد رسول الله، واجتمع عند مالك في الحلقة نحو خمسون صاعاً، وأبو يوسف حاضر وشاهد، وما هناك اتفاق ولا تواطؤ على أن نصنع صياعاً ونقدمها، فهي موجودة قبل الطلب، وهذا يأتي من يمين وهذا يأتي من يسار، وهذا يروي عن أبيه عن جده عن جدته، فوجد أبو يوسف الأمر قطعياً، وهذا هو مدلول التواتر. فيقول أبو يوسف: فنظرت في تلك الصيعان فوجدتها متحدة. يعني: في مقاس واحد، فأخذت واحدة منها -لأن الواحد يغني عن الجميع- فذهبت إلى السوق فعايرته بعدس الماش فإذا وزنه خمسة أرطال وثلث. ولما رجع إلى العراق قال لهم: أتيتكم بعلم جديد. قالوا: وما هو؟! قال: وجدت الصاع خمسة أرطال وثلث. قالوا: خالفت شيخ القوم! يعني: خالفت الإمام أبا حنيفة ﵀، فقال: رأيت أمراً لم أجد له مدفعاً. وهذا هو العلم الضروري الذي يقول عنه علماء الحديث: إن التواتر يفيد العلم بخلاف الآحاد فإنه يفيد غلبة الظن، وغلبة الظن يمكن أن تنفيها، ويمكن أن تشكك فيها، لكن علم اليقين لا يمكن أن تدفعه عن نفسك، لأنه علم ضروري. ومعنى (ضروري) : لو أردت أن تدفعه عن مخيلتك لم تستطع، هذا رجل وتلك امرأة، لا تستطيع أن تدفع عن ذاكرتك الفارق بين الرجل والمرأة؛ لأنها حقيقة واقعية. وهنا: الصاع كان معلوماً زمن النبي ﷺ ، ولهذا ذكره دون أن يتعرض إلى مقداره، وظل الصاع موجوداً دائماً إلى عهد بني أمية فجعلوا صاعاً للسوق، يسع ثلاثة آصع من صاع النبي ﷺ ، والصاع النبوي أربعة أمداد، وهؤلاء جاءوا بمد يعادل ثلاثة صيعان، يعني: اثني عشر مداً بالمد النبوي، فاختلفت المكاييل. ثم لا زال الناس يتوارثون الصاع في المدينة إلى عهد قريب لا يزيد عن عشر سنوات، وكان هو وحدة المكيال في السوق في البيع والشراء، إلى أن دخل تلاعب في التمور في الأسواق مع الحجاج، فجاء الأمر بإبدال الكيل إلى الوزن، وأصبح الوزن بوحدة الكيلوجرام هي المقدار الذي يتبايع عليه الناس، سواء كان المبيع الأصل فيه الكيل كجميع الحبوب والتمور، أو كان الأصل فيه إنما هو الوزن فهو على طريقه. وجاء عن العز بن عبد السلام ﵀ أنه قال: يجب على الأمة اتباع ولي أمرها في أربعة أمور: وحدة الكيل، ووحدة الوزن، ونوعية النقد، وأمر الحرب إعلاناً أو هدنة: فإذا اختار ولي أمر أمة نوعاً من المكيال سواء الصاع النبوي، أو مكيالاً يسع صاعين أو ثلاثة، أو غير ذلك، وجب اتباعه، وكذلك وحدة الوزن من أوقية أو رطل أو كيلو فعلى الأمة أن تمتثل بذلك لتحقيق وحدة الوزن في الدولة، وهكذا أصبحت كل دولة لها وحدة مكيال تتعامل به في الأسواق، وهذا لا غبار عليه، يبيع الناس كيف شاءوا، إذا قيل: مقدار هذا الوعاء يسع خمسة آصع بعشرة ريال، وجيء بنصفه وبربعه واعتبرت هذه وحدة مكاييل تجزأ بالأنصبة نصف وثلث وربع. إلخ فلا مانع من ذلك؛ لأنها معاوضة سلعة بمال، ولكن إذا جئنا إلى الحكم الشرعي فلابد من تعيين المقدار الذي عينه الشارع، والشارع عين بالصاع. ولهذا نحث الإخوة على أن يكون الصاع موجوداً في بيوتهم، بل إن أهل المدينة إلى العهد القريب -كما قلنا- كانوا يجعلون الصاع في بيوتهم، وعلى موضع الدقيق أو البر أو الأرز يغرفون به التماساً لبركة دعوة النبي ﷺ : (اللهم بارك لنا في صاعنا وفي مدنا) فكان بدلاً من أن يأتي بإناء يغرف به أو يغرف بيده، يأتي بالمد ويغرف به من الدقيق إلى الوعاء الذي يريد أن يصنع فيه الطعام، ويقول: اللهم بارك لنا في مدنا، فاغترافه بالمد يلتمس بركة دعوة رسول الله. ولما أوقف التعامل بالصاع والمد تغافل الناس عن ذلك، وأصبحوا يتعاملون بالوزن على وحدة الكيل كوحدة مئوية -يعني: ألف جرام- وأصبحت وحدة عالمية يتعامل بها العالم كله أو يعرفها العالم كله. والوقت الحاضر بالبحث عن أجرام الصيعان التي كانت موجودة، ووجود بعض النوادر عن بعض من يحتفظ بها، قد يقع بعض الاختلاف، وهناك لجنة المواصفات في الرياض عملت مسحاً لجميع أطراف المملكة، وأخذت نماذج مما يوجد من الصيعان، فتقاربت؛ لأن أصل التقدير التقارب. فالصاع أربعة أمداد، والمد ملء كفين متوسطتين لإنسان متوسط، وطبعاً لا يمكن أن تتعادل جميع الحفنات بالجرام، أنت بنفسك لو حفنت مرة وجعلتها في كفة، ثم حفنت مرة أخرى في كفة ثانية ستختلف، إذاً: المسألة تقريبية، والصيعان التي وجدوها في مناطق المملكة متقاربة، تختلف في مائة جرام في خمسين في مائة وخمسين في مائتين جرام، يعني: حفنة يد لا أقل ولا أكثر. فمما وجدناه بالتجارب أن مكيلة الصاع نوعان: مكيلة تملأ إلى الحافة وتزيد فيها التسنيم الذي فوق حافة الصاع، كالشكل الهرمي الذي يكون على حافة الصاع من فوق، فتبدأ قاعدته بسعة فتحة الصاع وينتهي إلى أعلى على شكل الهرم، هذه التي فوق فتحة الصاع على شكل الهرم تختلف باختلاف فتحات الصيعان، فهناك صاع يكون طويلاً وفتحته قطرها (٥ سم) ، فطبعاً قاعدة هرمها ستكون صغيرة، ومساحة المثلث -كما يقولون- نصف القاعدة في الارتفاع، فإذا كانت فتحة الصاع كبيرة سيكون التسنيم فوق الفتحة كبيراً بلا شك، إذاً: العبرة هنا في التعبير أو في التعيير أو في المعايرة تكون على فتحة الصاع بدون تلك الزيادة، وبتجربة ذلك: أنواع الحبوب يختلف وزنها، كما يقول الفقهاء: فيوجد فرق بين التمر وبين الحمص، فليس الحمص في رزانة وثقل التمر، لأن التمر أثقل. فقالوا: هناك أمور تقديرية؛ لأن بعض الحبوب أرزن وأثقل من بعض، وكذلك بعض الحبوب يكون مرصوفاً، وبعض الحبوب يكون متجافياً -فيه فجوات وفراغ- فعندما تكيل صاعاً من الشعير وتكيل صاعاً من الأرز، هل فجوات الأرز بعضها مع بعض تكون مثل فجوات حبات الشعير، أم أن حبات الشعير فيها فراغ أكثر؟ فيها فراغ أكثر، إذاً: يرجع إلى الرزانة وإلى تلاصق الحبات التي تكيلها. إذاً: المسألة تقريبية، ولكن لو كان التعيير بالماء، فالماء وحدة تتفق في المقياس وفي الوزن، أي: المقياس التعكيبي وهو الجرم، والوزن بالجرام، فبالتجارب وجدنا أن الصاع الذي يتفق مع غلبة الظن بالصاع النبوي الذي كان يتعامل به في المدينة المنورة، وكان الملك عبد العزيز ﵀ إذا صنع الصاع من الخشب، ختم عليه إذا عوير بالصاع المعترف به عند العلماء، ولذلك كانوا يقولون: الصاع المختوم. يعني: الذي ختم بختم الدولة بأنه مطابق للصاع الشرعي. الآن وجدت صيعان من الحديد، ومن الزنك، ومن النحاس، فبتعيير تلك الصيعان التي صنعت جديداً على الصيعان التي وجدت قديماً مختومة، وجدنا سعة الصاع بالماء ثلاثمائة وثلاثة آلاف جرام، فإذا كنا وجدنا أي مكيال: (جلن) ، أو علبة حليب، أو علبة سمن، وكان سعتها بالماء ثلاثة كيلو فهذا أول وزن الصاع، فثلاثة كيلو أحياناً يكون فيها زيادة مائة جرام أو خمسين جراماً على ما أظن، وهذا أمر تقريبي، ومساحتها بالعدس اثنين كيلو وستمائة جرام، فإذا وجدنا أي ظرف، أو أي وعاء يحمل من الماء ثلاثة كيلو ومائة جرام على التحديد فهذا هو الصاع، ثلاثة كيلو وخمسين جراماً، ثلاثة كيلو تنقص شيئاً بسيطاً، فلا يضر، والحق المعتدل: ثلاثة كيلو من الماء، وإذا كان يحمل من العدس خاصة -لأنهم يقولون العدس المجروش يتلاصق ولا

стр. 1397

الأصناف التي تُخرج منها زكاة الفطر وعلى هذا إذا عرفنا مقدار الصاع فإن مكيلة الصاع من الأصناف التي سميت في الحديث هو مخرج زكاة الفطر، والحديث جاء فيه تمر، وجاء فيه زبيب، وجاء فيه طعام، وجاء فيه شعير، وجاء فيه أقط، وجاء فيه دقيق، وجاء سويق، كل هذه المسميات يخرج منها زكاة الفطر. ثم نجد بعض الناس يتكلم على الدقيق أو الأقط، ومنهم من يقول: إن إخراج الأقط يكون إذا كانت الزكاة في البادية؛ لأن أهل البادية هم الذين يستفيدون منه دون أهل الحاضرة، ويلاحظ عند الدقيق أن يكون الكيل زائداً عن الحب؛ لأن الحب إذا طُحن يزيد في مكياله، وإن كان لا يزيد في وزنه، لكن في المكيال قد يختلف، فإذ كان سيكيل دقيقاً فإنه يزيد في المكيال ما يعوض الفرق بين الحب المضغوط وبين الدقيق المنفوش. والله تعالى أعلم.

стр. 1398

إخراج الزكاة من غالب قوت البلد وهنا مسألة: هذا الحديث نص على أعيان بذاتها، إذا لم توجد هذه الأصناف أو وجد غيرها معها، فهل يتعين إخراج زكاة الفطر من المسميات: تمر، زبيب، شعير، قمح، أقط، دقيق، سويق، أو يجوز إخراجها مما يأكل منه الناس؟ نجد الفقهاء يقولون: تجب من غالب قوت البلد، فإذا وجد صنف جديد لم يكن موجوداً من قبل، فمثلاً: الآن وجد الأرز والذرة والدخن، وكل هذه مطعومات، فإذا لم توجد تلك الأصناف المسماة في الحديث فهل تجزئ من هذه الأصناف الجديدة أم لا؟ الجمهور على إجزائها؛ لأنها تتفق مع الأصناف الأخرى في أنها قوت المواطنين، وعلى هذا يجوز إخراج الأرز، بل هو الآن أكثر وأغلب أنواع الأقوات الموجودة، ويجوز إخراج الذرة إذا كانت تستعمل في الخبز، وكذلك الدخن، وكل ما استجد من حبوب تكون قوتاً للناس ومن غالب قوت البلد.

стр. 1399

إخراج الزكاة من غالب قوت المزكي وبعضهم يقول: من غالب قوت المزكي، فإذا كان المزكي يأكل دُخناً، ويوجد البر والشعير والذرة والتمر، فهل يتعين أن يخرج مما يأكل منه؟ قالوا: إن كان يأكل من الأدنى وترك الأعلى شحاً وبخلاً لم يجزئه إلا الأعلى، وإن كان يأكل ذلك لنزوله في البلد فهو كسائر الناس، فإنه يجزئ ذلك. وابن عمر رضي الله تعالى عنه كان يتحرى إخراجها من التمر؛ لأنه عنده أفضل من غيره، وهو في الواقع طعام جاهز لا يحتاج إلى طحن كالبر، ولا إلى عجن وخبز كالحبوب، وكما قيل: (هو طعام المسافر، وفاكهة المقيم، أو: طعام الفقير وفاكهة الغني) فالتمر طعام جاهز، ولهذا كان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يزكي كل سنة بالتمر إلا سنة واحدة أعوز فيها التمر فأخرج البر.

стр. 1400

حديث أبي سعيد الخدري في زكاة الفطر قال المؤلف: [وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (كنا نعطيها في زمن النبي ﷺ صاعاً من طعام أو صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير أو صاعاً من زبيب) ] . قول أبي سعيد ﵁: (كنا نعطيها في زمن النبي ﷺ ، أي: وهذا هو زمن التشريع؛ لأنه بإشراف وتوجيه من النبي ﷺ ، ولا يصلح آخر الأمة إلا بما صلح عليه أولها، وهذا من ميزة المدينة وسكانها زمن النبي ﷺ ومن بعده؛ لأنهم يأخذون مباشرة عن رسول الله، أو يعملون ويقرهم على عملهم رسول الله، ثم بعد ذلك خلفاؤه الراشدون، ثم بعد ذلك التابعون لهم بإحسان، وهلم جرا. فهنا يذكر الشعير مع الحنطة (الطعام) ، وأنه يخرج منها صاع، إذاً: هذا العمل يخالف ما رآه معاوية، ولكن لا ينبغي أن نكثر القول على معاوية؛ لأنه لم يقل: (سمعت رسول الله) فيتعارض مع قول أبي سعيد أو مع قول غيره، وإنما قال: (أرى) ، وما دامت القضية قضية رأي، والرأي متبادل إما قبلتموه أو رفضتموه، فإذا وجدتم غيره أفضل فأنتم ترفضونه، وقد وجدنا هذا الأثر عن أبي سعيد، وأثبت أنه كان يعطي زمن رسول الله ﷺ صاعاً من البر الذي يرى معاوية أن نصف الصاع منه يجزئ، وهذا كاف في رد الرأي الذي رآه معاوية بما ذكره غيره مرفوعاً إلى النبي ﷺ . قال المؤلف: [وفي رواية: (أو صاعاً من أقط) قال أبو سعيد: أما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه في زمن رسول الله ﷺ . ولـ أبي داود: لا أخرجه أبداً إلا صاعاً] . هذا الأسلوب له دلالته البلاغية، يقول: (أما أنا) ، أي: أنا أتحدث عن نفسي، إذاً: هناك من يتحدث عن غيره. أما قوله: (أما أنا) فهو رد على رأي معاوية لأنه يقول: أنا أرى أن نصف صاع من البر يكفي، أي: فأنت ترى نصف صاع من البر يكفي (أما أنا فلا أزال أخرجها كما كنت أخرجها زمن النبي صاعاً) . إذاً: نعلم من هذا الأسلوب (أما أنا) بأن هناك رأياً مقابل رأي، وهذا المقابل مغاير، إذاً: تقابل رأي برأي، وأحد الرأيين مجرد رأي واجتهاد، والرأي الثاني مبني على العمل الذي كان في عهد رسول الله ﷺ . فإذاً: لا شك أننا نأخذ برأي أبي سعيد الخدري، وهذا لم يعد رأياً، بل أصبح قولاً ينقله وخبراً يسوقه إلينا، كأنه يقول: لا تأخذوا برأي معاوية؛ لأننا كنا زمن النبي ﷺ نخرج صاعاً، لكن تأدباً مع ولي الأمر معاوية فلا ينبغي أن يجابه بهذه الصيغة ولا بهذا الأسلوب، ومن أساليب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون بالحكمة والموعظة الحسنة. فكأنه قال: يا معاوية! لك رأيك، ويا من أخذتم برأيه لكم آراؤكم، ولكن أنا في خاصة نفسي، ولا أملك إلزاماً عليكم، ولا أطاوعكم فيما أعتقد خلافه. إذاً: هذا المنهج يعطينا طريقة المغايرة، وطريقة الإنكار بأدب وبحكمة دون تجريح أو مجابهة، فقال: أما أنا، أي: في حد نفسي، والذي يريد أن يأخذ بكلامي فهو حر، والذي يريد أن يأخذ برأي معاوية فهو حر.

стр. 1401

حديث ابن عباس في زكاة الفطر قال المؤلف: [وعن ابن عباس ﵄ قال: (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين، فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات) رواه أبو داود وابن ماجة، وصححه الحاكم] .

стр. 1402

زكاة الفطر تجبر الصوم الناقص حديث ابن عباس هذا رضي الله تعالى عنه قال: (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين) . إذاً: صدقة الفطر لها مهمة مزدوجة، مهمة للمعطي ومهمة للآخذ، فمهمتها مع من يعطيها سلامة صومه، وجبر ما عساه قد طرأ عليه من نقص، وقد جاء عنه ﷺ أنه قال: (الصوم جنة ما لم يخرقه. قالوا: بماذا يا رسول الله؟ قال: بسباب أو فسوق أو شتام أو نحو ذلك) . إذاً: الصوم قد يكون درعاً سابغاً سليماً وافراً، وقد يكون مخرقاً يحتاج إلى ترقيع وتلحيم، فتأتي زكاة الفطر وتلحم هذه الثقوب أو تصلح هذا الفساد الذي طرأ على الصوم من لغو أو رفث. فالزكاة من حيث هي عبادة تجبر النقص، وتكفر المعصية؛ لأن ما خرق جنة الصوم إلا بعصيان، والعصيان يحتاج إلى تكفير، فكانت زكاة الفطر تكفر أخطاء الصائم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] . وهكذا كما جاء عنه ﷺ فيما يتعلق بربط نافلة الصلاة مع فريضتها، وكذلك نافلة الصوم مع فريضتها، ويأتي هذا العامل الجديد وهو زكاة الفطر مع الصوم وهي من غير نوع الصيام، فنافلة الصلاة كما جاء عنه ﷺ أنه حينما يحاسب العبد على الفريضة في الصلاة ويوجد فيها نقص أو خلل، يقول المولى سبحانه للملائكة: (انظروا هل لعبدي من نوافل؟ فيقولون: بلى يا رب. فيقول: اجبروا فريضته من نوافله) . إذاً: هذه النافلة جبرت نقص الفريضة من نوعها، وجاء خبر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فيه: (وكذلك الصيام) ، يعني أنه ينظر في فريضة الصيام، فإذا كان فيها نقص سأل المولى سبحانه الملائكة -وهو أعلم بذلك-: هل له من نافلة في الصوم؟ فيقولون: بلى. فيقول: اجبروا فريضته من نوافله. وسيأتي في نافلة الصدقة المقارنة بينها وبين الفريضة، وفي الحديث: (ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه) وسيأتي التنبيه عليه في باب صدقة التطوع.

стр. 1403

كيف تكون الفطرة طهرة للصغير وليس عليه صوم ؟ قوله: (طهرة للصائم) يفيد أن زكاة الفطر تعمل لمعطيها أعظم نعمة عليه، وهي: أنها تجبر صومه مما يكون قد ألم به. وهنا يقول بعض العلماء: صدقة الفطر طهرة للصائم، وأول حديث سمعناه في هذا الباب: (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر على الصغير والكبير، والذكر والأنثى) فالصغير ليس عليه صيام؛ وفي الحديث الآخر: (طهرة للصائم) فماذا تفعل زكاة الصغير؟ ولماذا نزكي عن الصغير زكاة الفطر؟ فأجابوا عن ذلك بأنه كما يوجد صغير غني لم يصم، هناك صغير فقير لم يصم يحتاج إلى أن يطعم، وجعل الله على ولي هذا الصغير القادر وطعمة للصغير المحتاج الذي يعوزه الطعام، ونحن قلنا: تسمى زكاة الفطر الذي هو ضد الصوم، وتسمى زكاة الفطرة التي هي الخلقة، فعلى تسميتها زكاة الفطرة فالصغير مفطور ومخلوق، عليه شكر النعمة في سلامته، وفي وجوده، والذي يؤدي على الصغير وليه، إذاً: لا اعتراض على ذلك، وتعميم التشريع يكون على الصغير والكبير، وهو له حظ أيضاً في قوله: (طهرة للصائم) . فإذا زكى ولي الصغير عن صغيره، وصغيره ليس يصوم ولا يحتاج إلى طهرة صومه، فيعود أثر هذه الفطرة وهذه الزكاة على ولي الصغير، والله تعالى أعلم.

стр. 1404

علاقة الزكاة بتطهير الغني والفقير قال: (طهرة للصائم وطعمة للمساكين) أي: مقابل ما يحصل عليه المتصدق يحصل عليه الآخذ المتصدق عليه، فتكون الفائدة مشتركة بينهما، وطعمة المسكين في ذلك اليوم هي ما جاء بقوله: (اغنوهم) . وإذا نظرنا إلى القرآن الكريم نجد هذه الازدواجية في مهمة الزكاة العامة وهي زكاة الأموال؛ لأن المولى يقول لرسوله الكريم صلوات الله وسلامه عليه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة:١٠٣] فاسم الصدقة شمل زكاة المال، وشمل صدقة الفطر، فماذا تصنع هذه الزكاة؟ قال: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ﴾ [التوبة:١٠٣] قالوا: ((تطهرهم وتزكيهم)) البعض يقول: تطهر الأغنياء في نفوسهم، وتزكي أموالهم، والآخرون يقولون: لكل واحدة من هاتين الكلمتين جهة، فعندما ينظر الفقير إلى مال الغني، ويذهب الغني ويجني ماله، وليكن مثلاً مما تنبت الأرض، وذهب صاحب البستان وجذ نخله، وأخذ التمر إلى مخازنه، والمسكين يتطلع إليه ولم يجد تمرة واحدة منه، فالذي يحدث في نفس المسكين بغريزته وطبيعته أنه يحسده ويحقد عليه؛ لأنه يرى بعينه ما يتمتع به هذا الغني مما أعطاه الله، وهو والله ما أنبت النخلة حينما غرسها، ولا أطلع طلعها حينما أطلعت، ولا أنضج ثمرتها حينما طابت، ولا أتى بثمارها وتمرها، بل الله الذي صنع له كل ذلك وهو نائم في بيته، نائم في ظل النخلة وهي تعمل كل ذلك بإرادة الله. فهذا الفقير الذي بجانبك هو عبد لله مثلك، صلته بالله كصلتك، وهو مخلوق مثلك تماماً فلماذا لا تفيض عليه مما أفاض الله عليك؟! فإمساك الغني لماله وعدم إخراج زكاته، والفقير يرى بعينه، يجعله يحقد عليه ويحسده؛ ولهذا جاءت المبادئ الإسلامية تلزم الغني أن يشرك الفقير في ماله بقدر معلوم وهو الزكاة. فهنا الفقير إذا تعطلت فريضة الزكاة حقد على الغني، وتدنس الغني بحق الفقير الذي في ذمته، وأصبحت الجريمة في الجانبين، فتأتي الزكاة وتصلح هذا الفقير وتطهره من حقده وحسده ونظرته وعداوته إلى الغني؛ لأنه أخذ حقه وافياً، فيقف ويقول: اللهم بارك له فيما أعطيته، اللهم بارك له في ثمره وفي ماله. ((وتزكيهم)) أي: وتنمي أموال هؤلاء، ولقد علمنا -يا إخوان- وجاءتنا الأخبار الصادقة من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﷺ في الصدقة بعينها، بل نجد القرآن الكريم يذكر قصة أصحاب الجنة: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلا يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم:١٧-١٨] ماذا كانت النتيجة؟ ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ * فَتَنَادَوا مُصْبِحِينَ * أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَارِمِينَ * فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ * أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾ [القلم:١٩-٢٤] فهؤلاء منعوا الصدقة، فماذا كانت النتيجة؟ ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ [القلم:١٩] ، إلى أن قال: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ [القلم:٢٦-٢٨] . وهناك في السنة النبوية: قصة الرجل الذي كان يمشي في فلاة من الأرض فيسمع صوتاً في السحاب: (اذهبي فأمطري في مزرعة فلان) ، فتطلع إلى أن يرى من هو فلان الذي يسوق الله السحاب إلى مزرعته لتسقيها، ولأي شيء؟ فيسير في ظل السحابة، فإذا بها تأتي إلى حرة وإلى مكان متسع فتمطر، والماء يتجمع ويتحول ويمشي في طريقه ويصب في مزرعة فلان، وفلان قائم يحول الماء بمسحاته في الأحواض، فقال له: السلام عليك يا فلان. نظر إليه فلان هذا فلم يعرفه، قال: وكيف عرفت اسمي وأنا لم أعرفك؟! قال: أخبرني أولاً ماذا تفعل في مزرعتك هذه؟ قال: ولماذا تسأل؟ قال: سمعت صوتاً في السحاب. وأخبره بالخبر، قال: فجئت حتى وصلت إليك وعرفت اسمك من صوت السحاب. قال: إن كان الأمر كذلك فإني عندما أحصد أقسم الغلة ثلاثة أقسام، قسم أحتفظ به لأرده فيها، وقسم أدخره لنفسي وأهلي سنة، والقسم الثالث أتصدق به. قال: بهذا سقيت. فهنا المسكين إذا لم يأخذ شيئاً فنار حقده في قلبه تحرق هذا المال؛ لأن فيه حقاً له، وإذا أخذ حقه بات ليله يحرس مال جاره؛ لأنه اطمأن أنه سيأتيه منه الرزق. إذاً: هي طهرة للصائم وطعمة للمساكين، وهما متقابلان، وكذلك هناك: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣] .

стр. 1405

وقت وجوب زكاة الفطر قال: [ (فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات) . رواه أبو داود وابن ماجة وصححه الحاكم] . هذا القسم من الحديث أشكل على كثير من الناس، هي طعمة وهي طهرة، ومع ذلك قال: (فمن أداها قبل صلاة العيد فهي زكاة، ومن أداها بعد صلاة العيد فهي صدقة من الصدقات) فهذه صدقة والأخرى صدقة! لكن قال: صدقة من الصدقات، يعني: كمن تصدق في أي وقت كان وبأي شيء كان قليلاً أو كثيراً، فإنها خرجت عن خصوص فريضة الزكاة إلى مطلق الصدقة، فكأن صاحبها متطوع بها، ومعلوم أن هناك فرقاً بين صدقة الفرض كما تقدمت الإشارة إليه: (ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب مما افترضته عليه) وإذا كانت خرجت عن حدود الفرض دخلت في النوافل، وهي صدقة من الصدقات. وهل تبرأ ذمته من فرضية زكاة الفطر أم لا؟ البعض يقول: نعم، لأنه أداها، ولكن أجرها لا يحتسب له كغيره الذي أداها في فترة الفرضية، إنما تحسب له صدقة من الصدقات التي تحسب الحسنة فيها بعشر أمثالها، أما كونها فريضة فلا يعلم أجرها إلا الله. وهل تسقط الفريضة أم لا؟ الأكثرون على أنها تسقط فريضة زكاة الفطر. وبعض العلماء تباعد وقال: زكاة الفطر لم تؤد وهي باقية في ذمته؛ لأن وقتها خرج، ولا يجزئ عنها صدقة من الصدقات، إذاً: يترك إخراجها؛ لأنها صدقة من الصدقات إن شاء تصدق وإن شاء أمسك! لكن الأكثرين على أنه يخرجها، ولو تأخر في إخراجها إلى ما بعد العيد فهي دين في ذمته وعليه أن يخرجها، مع أنه لن يحصل على الأجر كما لو أداها قبل صلاة العيد في وقتها. والله تعالى أعلم.
следующие страницы →