← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7714

شرح بلوغ المرام لعطية سالم

عطية سالم

Полный текст (2 523 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

ترجيح القول بوجوب الزكاة في مال اليتيم وهذه القضية من القضايا التي تعم بها البلوى، لأنه لا تخلو قرية من يتيم، ولا يخلو يتيم في الغالب من مال، فإذا كانت المسألة على هذه الحال، فربما نجد فيما تقدم لنا من حديث معاذ رضي الله تعالى عنه ما يشهد للأئمة الثلاثة، وهو: أن معاذاً لما أرسله النبي ﷺ إلى اليمن قال له: (فأعلمهم بأن الله افترض عليهم زكاة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم) . ونحن نسأل في كلمة (أغنيائهم) : اليتيم إذا كان عنده ألف رأس من الإبل أو من الغنم، وإذا كان عنده ألف دينار أو ألفا درهم من الفضة، فهو غني أم فقير؟ الجواب: هو غني، فيدخل في عموم الأغنياء، فتؤخذ منه الزكاة كما تؤخذ من الأغنياء الكبار. وإذا جئنا في تقسيم الزكاة: (تعطى إلى فقرائهم) ، هل نعطيها لليتيم الفقير أم نقول: هذا اليتيم ليس مكلفاً، ولا يصح أن يقبض الزكاة؟ الجواب: أنه أحق من غيره، فإذا كان مع اليتم يأخذ من الزكاة، إذاً: مع اليتم يعطي الزكاة، فهذا في عموم (أغنيائهم) وهذا في عموم (فقرائهم) .

стр. 1332

الصلاة على مخرجي الزكاة والدعاء لهم قال المؤلف: [وعن عبد الله بن أبي أوفى قال: (كان رسول الله ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: اللهم صل عليهم) متفق عليه] . هذه القضية، وهي الصلاة على غير الأنبياء، جاء في النص القرآني الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦] . وهنا أنه ﷺ كان عندما يأتيه قوم بزكاتهم، سواء كانوا من أهل المدينة أو من خارجها يصلي عليهم؛ لأننا عرفنا القاعدة: أن بهيمة الأنعام تؤخذ زكاتها على مياههم هناك، فإذا كانت زكاة مال أو زكاة حبوب وجاءوا بها إلى رسول الله، ودفعها إلى المسئول لتوزيعها أخذها منهم وصلى عليهم، اللهم صل على آل فلان، أو اللهم صل على فلان، أو يقول: صلى الله عليك. وكونه ﷺ يصلي على من أتى بزكاته إليه هو امتثال منه لأمر الله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:١٠٣] فهذا أمر من الله لرسوله ﷺ أن يصلي عليهم عندما يأخذ منهم الزكاة. وهنا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] .

стр. 1333

معنى الصلاة الصلاة في اللغة: الدعاء، كما قال القائل: وقابلها الريح في دنها فصلى على دنها وارتسم أي: دعا على دنها، وكما جاء في حديث الوليمة: (شر الطعام طعام الوليمة، يدعى إليها من يأباها، ويمنعها من يأتيها، ومن لم يأتها فقد عصى أبا القاسم، ومن كان صائماً فليصل) ، فبعض العلماء قال: (فليصل) أي: يرجع ويسجد، وبعض العلماء قال: (فليصل) أي: فليدع؛ لأن أصل الصلاة الدعاء، وانتقل اسمها إلى الصلوات الخمس ونوافلها؛ لأن الدعاء موجود فيها من أول لفظ: الله أكبر ثم دعاء الاستفتاح، إلى أن يسلم. قالوا: والصلاة من الله على رسوله أو من الله على عباده كما في الحديث: (من صلى علي مرة صلى الله عليه بها عشراً) فقالوا: الصلاة من الله رحمة، فإذا قال ﷺ : اللهم صل على آل فلان؛ فمعناه: اللهم ارحم آل فلان. والصلاة من العباد دعاء، فإذا قلت: اللهم صل على محمد، فكأنك تدعو الله بأن يعلي شأن محمد ﷺ ، فتدعو له ولآله بالرفعة والثواب الجزيل.

стр. 1334

حكم الصلاة على غير الأنبياء فهنا: هل تجوز الصلاة من الإنسان للإنسان فتقول: اللهم صل على آل فلان؟ فكوننا نقول: اللهم صل على محمد، قد أمرنا بذلك ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا﴾ [الأحزاب:٥٦] فهذا أمر من الله أن نصلي على محمد ﷺ ، فهل نفعل ذلك للخلق فيتساوى أفراد الأمة مع رسولها؟ بعض العلماء قال: لا نصلي عليهم، ولكن ندعو لهم بالخير! بغير صيغة الصلاة، وإنما نقول: اللهم أكرمهم، وبارك لهم فيما رزقتهم، ونمِّ أموالهم، واحفظها، ونحو ذلك. ومن هنا لما انتقل ﷺ إلى جوار مولاه قال بعض الناس: أنا لا أعطي الزكاة لـ ابن أبي قحافة. قال: كنت أعطيها لرسول الله لأنه كان يصلي علينا، وليست صلاة ابن أبي قحافة علينا كصلاة رسول الله، فأنا أؤديها بنفسي. ولكن كما نعلم أنه لم يقبل منهم ذلك. ومن الطريف أنه يذكر في ترجمة سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، أن النبي ﷺ أتاه إلى بيته، فسلم النبي ﷺ ، فرد سعد: وعليكم السلام. بصوت خفيف لم يسمعه رسول الله، فأعاد: السلام عليكم. فرد: وعليكم السلام. وأعاد مرة ثالثة: السلام عليكم. فرد: وعليكم السلام. فانصرف النبي ﷺ ؛ لأنه سلم ولم يسمع جواباً ولم يؤذن له، فقيل لـ سعد:ألم تأذن لرسول الله ﷺ أول ما سلم؟ قال: أريد أن يكرر، فلما انصرف ﷺ لحقه سعد، فقال: والله يا رسول الله! لقد سمعت سلامك من أول مرة، ورددت بصوت خفي لا تسمعه لتكرر (السلام عليكم) ويتكرر لنا سلاماً منك علينا، فرجع معه النبي ﷺ وأكرمه. يهمنا أن هذا الصحابي، الذي كان سيد قومه، حضر بيعة العقبة وكان نقيباً فيها، فيسلم عليه الرسول ولا يقول له: تفضل. ويريد أن يكرر السلام، ألا تأذن لرسول الله؟ قال: دعه يسلم علينا أيضاً. إذاً: كان أولئك القوم يريدون دفع الزكاة لرسول الله لأنه يصلي عليهم، وصلاة الرسول دعاء، ودعاؤه مستجاب، ولهذا قالوا: لا نعطي أبا بكر؛ لأن دعاءه ليس كدعاء رسول الله. إذاً: ما دام أنه جاء النص فلا محل للاجتهاد، ولكن هل هذا عام في كل من يأخذ الصدقة من أهلها؟ البعض يقول: نعم؛ تأسياً برسول الله ﷺ ، والبعض يقول: هذا خاص برسول الله. لماذا خصصتموه؟ قالوا: لقد كتب أبو بكر أنصباء الزكاة وبينها للعمال، وبعث رسول الله عمالاً يجمعون الزكاة، وبعث أبو بكر عمالاً يجمعون الزكاة، ولم يرد عن مبعوث واحد وعامل في الزكاة أنه أوصي بأنه: إذا أخذت من أحد فصل عليه. فما داموا عمال الزكاة لم يعملوا بها في عهده ﷺ ، ولا في عهد الخلفاء من بعده، فقد كانت خاصة برسول الله ﷺ .

стр. 1335

حكم تقديم الزكاة قبل حلول الحول قال المؤلف: [وعن علي: (أن العباس سأل النبي ﷺ في تعجيل صدقته قبل أن تحل، فرخص له في ذلك) رواه الترمذي والحاكم] . هذه المسألة: أن العباس رضي الله تعالى عنه قدم إلى رسول الله ﷺ زكاة العام الحالي ومعها زكاة العام الذي لم يأت، فيكون قد قدم زكاة عام قبل حلول وقتها. وقد تقدم معنا كلام علي رضي الله تعالى عنه: (ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول) ، فالعام الأول حال عليه الحول فنأخذها، لكن العام الثاني لم يدخل بعد، ولا حال الحول على المال، فكيف نأخذ زكاة سنتين؟ وهل يجوز تقديم الزكاة قبل كمال حولها، مع أن الحول شرط في وجوبها؟ فالبعض يمنع مطلقاً، ويقول: تمام وجوب الزكاة بتمام الحول، فتقديم الزكاة قبل الحول كتقديم الصلاة قبل وقتها، والصلاة قبل وقتها لا تصادف محلاً، فكذلك الزكاة قبل حولها لا تصادف محلاً. والآخرون قالوا: هذا اجتهاد وقياس، ولا اجتهاد ولا قياس مع النص، فإن هذا فعل رسول الله ﷺ ، ولكن اختلفوا: هل العباس رضي الله تعالى عنه هو الذي تقدم وجاء لرسول الله بزكاة عامين في وقت واحد، أو أن النبي ﷺ هو الذي طلب من العباس أن يقدم زكاة سنة لم تأت بعد، بأن يدفع زكاة سنتين في سنة حاضرة؟ الجمهور على أن النبي ﷺ هو الذي طلب من العباس، وجاءت الرواية: (قد احتجنا فطلبنا -أو فاستسلفنا- من العباس زكاة عامين) . وهنا يقول بعض العلماء: المتوسط في القول أنه إن وجدت حاجة عند الإمام للمال، وزكاة العام لا تكفي، فله أن يستسلف من أرباب الأموال زكاة سنة متأخرة؛ ليسد بها الحاجة الحاضرة، أما في غير وجود حاجة فليس هناك داع لتقديم زكاة لم يأت شرطها بعد. وعلى هذا فخبر العباس رضي الله تعالى عنه بأنه قدم زكاة سنة متأخرة، لا شك فيه، ولكن البحث في: هل العباس تقدم به لرسول الله، أو أن رسول الله هو الذي استسلف وطلب من العباس، لحاجة حاضرة احتاج فيه زيادة مال؟ هذا هو الأولى والأصح. بقينا هنا في مسألة يمكن أن يكون للاجتهاد فيها مجال، وهي مسألة واقعة بين الناس: وهي أنه إذا كان هناك شخص عنده زكاة النقدين، واعتبر الحول في رمضان، وكل سنة من رمضان يخرج زكاة ماله، فجاء في شعبان أو في رجب ووجد بعض إخوانه في مسيس الحاجة إلى المال، وهو لا يريد أن يعطي من رأس المال شيئاً، وهو عنده الزكاة، ويعلم بأنه عند مجيء الحول سيخرج عشرة آلاف ريال أو مائة ألف ريال، فقال: هؤلاء الإخوان أو الجيران أو الأرحام في أمس الحاجة إلى الريال، فهل ندعهم يموتون جوعاً حتى يأتي رمضان، أم أنه يقدم من زكاة ماله الذي يجب في رمضان للحاجة الموجودة التي أدركها في هؤلاء الناس؟ الجواب: يقدم من ماله ويعطيهم. المهم أنه ﷺ أخذ زكاة سنة مقدمة لحاجة، فماذا يمنعنا أن نقدم جزءاً من زكاة مالنا عن وقته من أجل حاجة حاصلة؟ وهؤلاء في تلك الحالة الاضطرارية لا شك أنهم أشد ما يكونون محتاجين لذلك، وهذا مال ينتظر أوانه، فبدلاً من أن تنتظر أوانه فقد جاءت حاجته، وأنت ما أعددته إلا للفقراء والمساكين تسد به حاجتهم، وهذه حاجة حاضرة، فإذاً: لا بأس في مثل ذلك. ويقولون عن مالك: إنه كان يجيز تقديم زكاة المال عن حولها إلى نصف شهر. وعندهم في زكاة الفطر أنها تخرج يوم العيد ما بين صلاة الفجر إلى صلاة العيد، وهناك من يقول: تقدم اليوم واليومين والثلاثة. والشافعي يقول: إذا انتصف رمضان فلك أن تخرج زكاة الفطر، فأجاز تقديمها على أكثر من أوانها. على كل المسألة اجتهادية، وأرى -والله تعالى أعلم- أنه يجوز له تقديمها عن موعد حولها لسد الحاجة الموجودة. والله تعالى أعلم.

стр. 1336

كتاب الزكاة - مقدمة كتاب الزكاة [٧] من رحمة الله بعباده أنه لم يوجب عليهم الزكاة إلا فيما بلغ النصاب الذي هو مقياس الغنى، وكان قد حال عليه الحول، وقد جاء الشرع بتقدير نصاب الفضة بمائتي درهم، لكن الكثير من الناس يجهل مقدار ذلك خاصة بعد ترك التعامل بالدراهم الفضية، وشيوع العملات الورقية، فجاء البيان هنا للطريقة التي يعرف بها نصاب الفضة بالعملات الحديثة المتداولة اليوم.

стр. 1337

حديث جابر في أنصبة الزكويات بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فيقول المصنف ﵀: [وعن جابر عن رسول الله ﷺ قال: (ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة، وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة، وليس فيما دون خمس أوسق من التمر صدقة) رواه مسلم] . أتى المصنف رحمه الله تعالى إلى هذه المسألة، وقد أجمعوا على أن الأموال المتفق على زكاتها أربعة وهي: بهيمة الأنعام، والذهب والفضة، والزروع والثمار، وعروض التجارة. فهذه الأجناس من حيث هي زكوية، ويختلف التفصيل فيها حسب نوعها وطريقة الحصول عليها. وفي هذا الحديث يبين لنا النبي ﷺ أن الأموال الزكوية لها أنصباء، بخلاف من شذ وقال: كل مال يزكى ولا عبرة بنصاب ولا بحولان الحول! وهذا في الواقع فيه إجحاف على المالك؛ لأنه يحمله الزكاة على كل ما يملكه ولو كانت له فيه حاجة. فاشتراط بلوغ المال الزكوي نصاباً فلأنه يدل على وفرته في يد صاحبه، وكذلك اشتراط الحول يدل على استغنائه عنه حولاً كاملاً، ومن كان في يده مال مستغن عنه لمدة سنة فلا شك أنه غني، أما الفقير فهو إما أنه لا يملك شيئاً، أو إذا ملك شيئاً فإنه لا يستمر في يده إلى حول كامل. ومن هنا قالوا: مشروعية الزكاة بنيت على الإرفاق والتعاون، فهي إرفاق بالمالك فلا يكلف الزكاة إلا في حالة غنى، وحالة الغنى أن يملك نصاباً من المال الزكوي يستغني عنه سنة كاملة، وحالة الإرفاق بالفقير أن يأخذ جزءاً من مال الغني يستعين به، ومن الإرفاق بالغني أيضاً قلة ما يؤخذ منه في النصاب الذي يملكه.

стр. 1338

نصاب الفضة وهنا في حديث جابر أن النبي ﷺ يقول: (ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة) ، إذاً الخمس الأواقي هي النصاب، وما كان أقل منها فلا زكاة فيه؛ لأنها قليلة، والورق إنما هو الفضة كما جاء في قوله سبحانه: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ﴾ [الكهف:١٩] . والخمس الأواقي: مائتا درهم، وقد جاء النص صريحاً في مائتي درهم، وجاء عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها فيما يتعلق بالصداق في الزواج بأن الأوقية أربعون درهماً، وخمس أواق في أربعين بمائتين. وعلى هذا يتقرر عندنا أن الفضة من الأموال الزكوية، وهي من النقدين، وأن لها نصاباً وهو خمس أواق، ثم الخمس الأواقي أو النصاب لا زكاة فيها حتى يحول عليها الحول، وسيأتي النص على أنه يخرج منها ربع العشر، وربع العشر مطرد في الذهب والفضة، والذي يهمنا الأنواع المنصوص عليها في هذا الحديث.

стр. 1339

شروط زكاة الفضة إذاً: المبدأ الأساسي في التشريع: أنه لا زكاة في الفضة على من يملكها إلا بشرطين. الشرط الأول: بلوغ النصاب، وهو خمس أواق، وليس عندنا اليوم أواق، ولكن نحن نقول: هذا المبدأ التشريعي، والخمس الأواقي مائتا درهم؛ هذا الشرط الأول. الشرط الثاني: حولان الحول على هذا النصاب. ومعنى حولان الحول: أن يستمر المبلغ نصاباً لا ينقص، وإذا زاد فبحسابه. وفي ابتداء الحول ننظر في الخمس الأواقي مثلاً، فإن كان اكتسبها مرة واحدة فيبدأ حساب الحول من يوم اكتسبها، وإذا كان يكتسبها على دفعات كل شهر أوقية، كأن يوفر من راتبه، أو يأتيه دخل ما فيوفر أوقية، فيتوفر عنده النصاب على خمسة أشهر، فمن يوم أن اكتمل عنده خمس أواق يبدأ الحول، وإذا كان في ازدياد، وبعد الخمسة الأشهر جاءت خمس أواق ثانية، فأصبح عنده عشر أواق، وبعد شهرين جاءت أوقيتان، فمن أول ما بدأ الحول إلى نهايته صار عنده اثنتا عشرة أوقية، فيزكي الجميع آخر الحول.

стр. 1340

اشتراط بقاء النصاب طوال الحول دون نقص إذا اجتمع عنده خمس أواق في شهر خمسة مثلاً، وبدأ الحول من شهر خمسة، فإذا جاء شهر خمسة من السنة الثانية يكون قد اكتمل الحول فيزكي، لكنه في شهر عشرة نقصت عليه أوقية، فهل النصاب باق أم نقص؟ نقص. وفي شهر أحد عشر جاءته أوقية، فعاد النصاب واكتمل، فهل نزكي هذه الخمس الجديدة على حول الخمس الأولى، أم نبدأ حولاً جديداً من يوم أن اكتملت بعد النقص؟ الجواب: إذا نقص النصاب في أثناء الحول نستأنف الحول من يوم أن يكتمل؛ لأنه إذا استمر على هذا النقص وحال الحول لم نأمره بالزكاة، لأنه لم يملك نصاباً حال عليه الحول، نعم. كان قد امتلك نصاباً ولكن احتاج فنقص منه، ولهذا جعل الحول لأنه مقياس الاستغناء. فإذا مرة عليك سنة وما احتجت منه شيئاً تبين أنك مستغنٍ وأنه زيادة، لكن إذا كان ينقص ويزيد! وينقص ويزيد! فعند نهاية الحول ننظر الخمسة موجودة، ولكن النقص الذي طرأ عليها، والزيادة التي اكتملت بها خمس أواق كانت في الشهر الماضي مثلاً، فيكون الشهر الماضي هو بداية الحول. هذا ما يتعلق بزكاة الفضة؛ لأنها يشترط لها شرطان: ملك النصاب، وأن يستمر هذا الملك تاماً حتى يحول عليه الحول. فإن طرأت عليه زيادة تلحق بالأصل، فالأصل أن تضم، ولكن الفقهاء لهم في هذا بحث وتفريع: فإن كانت الزيادة من جنس الأصل الموجود عنده فإنها تلحق بالأصل وتزكى معه عند تمام حوله، وذلك مثل عروض التجارة، فهو كل يوم يربح أوقية نصف أوقية ربع أوقية، فعندما اكتمل عنده خمس أواق استمر في الربح إلى نهاية السنة، فصار عنده عشرون أوقية، فإذا حصل من العشرين أوقية على واحدة في الأسبوع الماضي فهل نجعل لها حولاً مستقلاً أم هي تابعة في نماء التجارة عنده؟ تابعة. إذاً: هذا هو المبدأ عندنا فيما يتعلق بزيادة النصاب وما يتعلق بنقصان النصاب.

стр. 1341

نصاب الإبل قوله: (وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة) : الذود: العدد الإبل. والمعنى أن الذي عنده أربع أو ثلاث من الإبل أنه لا زكاة فيها. وتقدم لنا في أنصباء الإبل أن في كل خمس شاة إلى عشرين، فإذا بلغت خمساً وعشرين ففيها بنت مخاض، فإذا بلغت ستاً وثلاثين ففيها بنت لبون، إلى آخر الجدول المعروف الذي تقدم معنا. إذاً: هذا الحديث يبين لنا أنصباء الأموال الزكوية: فنصاب الفضة خمس أواق، ونصاب الإبل يبدأ بخمس من الإبل، وما كان أقل من ذلك فلا زكاة فيه.

стр. 1342

أهمية معرفة المعايير والموازين وتوحيدها بين المسلمين قوله: (وليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة) . تقدم معنا أن الفضة لها نصاب، ونصابها خمس أواق، والأواقي قدرها مائتا درهم، وليس المقصود الدرهم المغربي، فتلك عملة خاصة بالمغرب، كم تكون المائتا درهم؟ ما أحد سأل ولا أحد فتش! نحن -يا إخوان- في هذه الآونة الأخيرة تغيّرت كثير من اعتبارات الشرع عندنا، وخاصة المكاييل والموازين، وكل أمة لها معاييرها الخاصة، وأذكر أن مسمى الرطل كان في مصر يبلغ اثنتي عشرة أوقية، وكذلك في إسطنبول، والرطل في القدس أقتان، مع أن الأقة الواحدة تساوي اثنين كيلوا، والرطل في بغداد قريب من الرطل في مصر، فتختلف الموازين على حسب اصطلاح الأمة؛ لأن لكل أمة أن تأخذ لنفسها وتضع لنفسها معاييرها الخاصة، نحن نسمع الآن: (متر، وياردة، وإنش، وقدم، وفوت) . فالمقاييس الرسمية المتعامل بها اليوم هي المتر والياردة والإنش، فهذه مقاييس، وعند المساحات (فدان وهكتار، وقيراط) وكذلك المكاييل: (مد، وصاع، وكيلو، وربع، وملوا، وقدح) ، فهذه مكاييل وموازين ومقاييس قد تصطلح كل أمة على ما يصلح عندها. وقد قال العز بن عبد السلام: على الأمة أن تطيع ولي أمرها في أربعة: أولاً: نوع المكيال، ونوع الميزان الذي يأمر بالتعامل به، فإذا قال: تعاملوا بالأقة، أو قال: تعاملوا بالرطل، أو قال: تعاملوا بهذه الصنجة التي سأصنعها ثم صنع صنجة وسماها، فيجب أن يكون الوزن بها وبأجزائها، ولا يحق لإنسان أن يصنع صنجةً أخرى يزن بها للناس. ووحدة المكاييل والموازين ضرورية في العالم؛ لئلا يأكل الناس أموال بعضهم بعضاً، فيأتي من يقول لك: هذا وزن، ويأتي آخر يقول لك: هذه أوزن هذه أنقص وأنا لا أدري؟ لا. ولذا الرسول ﷺ أشار إلى أنه من السنة وحدة المكيال والميزان؛ لأنه ﷺ قال: (المكيال مكيال المدينة) وقال: (اللهم بارك لهم في صاعهم ومدهم) ، والصاع والمد مكيال، وجعل مكة وحدة الموازين فقال: (الميزان ميزان مكة) . فالعالم الإسلامي عليه بحسب هذا الحديث أن يوحد مكاييله على مكاييل المدينة، وموازينه على موازين مكة، مثل وحدة النقد، فهل يمكن أن يكون في بلد واحد نقدان مختلفان لدولة واحدة؟ لا؛ بل لكل دولة نقد مستقل، فكذلك لكل دولة مكيال وميزان مستقل. ثم قال العز بن عبد السلام: في إعلان الحرب على عدو محارب، وعقد الهدنة مع مقاتل، فإذا أعلن ولي أمر المسلمين حرباً على عدوه وجب على الأمة أن تقوم معه، وإذا أعلن هدنة مع أمة وجب على المسلمين أن يلتزموا بهذه الهدنة. فالمكيال والميزان من الأمور الاجتماعية التي يجب توحيدها. وكان الدرهم أولاً ليس إسلامياً بل كان رومياً. وكذلك المثقال ما كان موجوداً على عهده ﷺ ، ولكن المثقال لم يختلف وزنه في جاهلية ولا إسلام، أما الدرهم فكان يتفاوت، وجاء في صدر الإسلام التعامل بالدراهم الأجنبية، وفي الدولة الأموية كان الدرهم الصغير والدرهم الكبير، فجمع بعض ولاة بني أمية درهماً صغيراً والآخر كبيراً، ثم قسمهما نصفين، واعتبر الدرهم نصف الكبير ونصف الصغير، وتوحّد الدرهم، وصارت عشرة دراهم تزن سبعة مثاقيل. والدرهم وحدة ميزان ووحدة نقد، تقول: الأوقية كذا ليرة، ونحن نقول: الأوقية أربعون درهماً، والدينار يصرف بعشرة دراهم، وكان صرفه في زمن عمر ما بين ثمانية إلى اثني عشر درهماً، واستقر الأمر على أن الدينار يصرف بعشرة دراهم، وعشرون ديناراً هي نصاب الذهب، ومائتا درهم هي نصاب الفضة. يبقى أن الدينار يعادل من الدراهم عشرة؛ لأن عشرين ديناراً تعادل مائتي درهم، إذاً: الدينار وحدة وزن ووحدة نقد، ولهذا ربما نجد في بعض كتب الفقه من يقول: كذا درهماً وزناً، كذا درهماً عدّاً، فإذا قال لك: وزناً، فالمعنى أنه موزون وزنه كذا، وإذا قال لك: عداً، فالمعنى أنه وحدة نقدية يعد كذا درهماً.

стр. 1343

تقدير نصاب الفضة بالعملات الحديثة فكما قلنا: إن لكل أمة أن توجد لنفسها من المكاييل والموازين ما ترتضيه، فمع طول الزمن تتغير الدرهم وتتنوع المكاييل، أنت عندك المد في السوق ليس هو المد النبوي، فقد تغير، والمد الذي في السوق يعادل ثلاثة أمداد، والصاع الذي في السوق يعادل ثلاثة صيعان من صاع النبي ﷺ ، بينما المد النبوي يكون ربع الصاع النبوي، والمد التجاري اثنا عشر مداً نبوياً، إذاً: اختلفت المكاييل في المدينة. كان ريال الفضة السعودي موجوداً وكان وحدة نقد، الآن انتهى عن كونه نقداً وأصبح حلياً وتحفاً وهدايا، ولم يعد يتداول كعملة سائرة بين الناس بوحدة الريال، ووزنه بالدراهم المعروفة عندنا ثلاثة دراهم وثلاثة أرباع الدرهم، بتحرير العلماء بأن المائتي درهم الواردة في نصاب الفضة تعادل ستة وخمسين ريالاً سعودياً، الذي يزن الريال الواحد منها أربعة دراهم إلا ربع، ونحن نأخذ هذا كمعيار موجود عملياً. يبقى نصاب الفضة بالنسبة للريال السعودي الذي كان يتداول، وهو موجود الآن يصاغ ويستعمل على هيئته ووزنه، لكن لا يتداول بين الناس، لأنه لما جاءت هذه الأوراق أصبحت الفضة تعادل الآن عشرين ريالاً ورقاً، إذاً: لا عبرة بهذا؛ لكن كيف نحدد نصاب الفضة التي نمتلكها على المائتي درهم التي جاء الشرع بها؟ نقول: إن العملة هي وسيلة الشراء، وهي الوسيط في التعامل، فننظر إلى الفضة السعودي التي كانت متداولة والتي تعادل المائتي درهم، فنأتي بالستة والخمسين ريالاً السعودي فننظر كم قيمتها الشرائية في الأسواق؟ فهي أبعدت عن السوق وبقيت سلعة تباع وتشترى، فإذا كان نصاب المائتي درهم يعادل وزناً الستة وخمسين ريالاً سعودياً، والريال السعودي أربعة دراهم إلا ربع وقد عمل حساب الرصاص أو النحاس الموجود مع الفضة ليشدها حتى تصلح في سبكها وصياغتها ريالات قابلة وصالحة للتداول دون أن يسري منها شيء. فنأتي للعالم كله في أي بقعة فنسأل: كم قيمة الشراء لمائتي درهم فضة عندكم؟ فإذا قالوا لنا: قيمتها خمسمائة ريال، مائتا روبية، عشرون دولاراً، أو أربعون جنيهاً استرلينياً، أو أي عملة في العالم تتداول كنقد، فالقيمة الشرائية لهذه العملة في بلدها ننظر كم منها يعادل المائتي درهم ثمناً! فما يعادل المائتي درهم الأساسية من الفضة بالقيمة الشرائية يكون هو النصاب، إذا جئت في مصر ففيها الجنيه المصري، فتنظر بكم جنيهاً نشتري المائتي درهم؟ إذا جئنا إلى الهند وباكستان نظرنا كم روبية نشتري بها المائتي درهم، وإذا جئنا إلى أمريكا نظرنا كم دولاراً نشتري به المائتي درهم، إذا جئنا إلى بريطانيا وإسكندنافيا نظرنا كم جنيهاً استرلينياً نشتري به المائتي درهم، وهكذا في دول العالم. وهنا في السعودية نقدر كم ريالاً سعودياً ورقياً يشترى به المائتا الدرهم؛ فيكون النصاب عن الفضة بالعملة الورقية التي هي بديل ما يساوي في القيمة الشرائية مائتي درهم بغير هذا لا يمكن أن تصل إلى تقدير نصاب الزكاة, ولذا لما كثر فيه الأخذ والعطاء في السابق، جاء عن ابن تيمية ﵀ أنه قال: كل بلد دراهمها بحسبها. لكن نحن لا نترك المسألة إلى هذا الحد، وينبغي أن تكون هناك قاعدة عامة شاملة، وهي أن ننظر في كل عملة تصدر في العالم: كم قيمتها الشرائية للفضة بمقدار وزن مائتي درهم؟ فما بلغ قيمته الشرائية مائتي درهم للفضة نقول: هذا هو بداية النصاب.

стр. 1344

مقدار زكاة ما يخرج من الأرض قال المؤلف: [وعن سالم بن عبد الله عن أبيه ﵄ عن النبي ﷺ قال: (فيما سقت السماء والعيون أو كان عثرياً العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر) ، رواه البخاري، ولـ أبي داود: (إذا كان بعلاً العشر، وفيما سقي بالسواني أو النضح نصف العشر) ] . هذا تفصيل لما تقدم، فقد عرفنا بأن ما تنبته الأرض وبلغ خمسة أوسق ففيه صدقة، وبصفة عامة: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) وكلمة (صدقة) تشمل صدقة التطوع والزكاة المفروضة وقد قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة:١٠٣] ، فسمى الفريضة التي يأخذها رسول الله ﷺ صدقة. وعلى هذا: جاءنا التفصيل كم نأخذ مما سقت السماء، أو كم نأخذ مما تنبته الأرض؛ فبين لنا أن ما خفَّت كلفته زادت نسبة صدقته، وما كثرت كلفته نقصت نسبة صدقته، وهذا من الإرفاق، فما سقته السماء أو سقي بالعيون التي تفيض من الأرض وتمشي في السواقي فتسقي الأرض، فزكاته العشر. فإذاً: النبات إما أن يسقى بدون كلفة بالمطر أو بماء من العيون يسيل، أو سيول تأتي وتسقي الأرض، وإما أن يتكلف لسقي الزرع مئونة بالنضح، والنواضح هي الإبل تنضح الماء فتسحبه من البئر أو الدولاب، وكذلك السواني، فكل ذلك بالآلة أو كما يقال: بالدولاب، والآن أصبحت هناك آلات حديثة (مكاين) ، والمكاين لها كلفة، حيث تحتاج إلى محروقات وقطع غيار. إذاً: ما كان سقيه بدون كلفة بأن جاء المطر من السماء أو جاء الماء من العيون أو كان عثرياً، ولفظة (العثري) إلى الآن مستعملة، تسمعونها من باعة الحبحب الذين يقولون: حبحب عثري، والعثري: هو أحسن أنواع الحبحب؛ لأن الأصل فيه أن تكون التربة خصبة، فيأتي السيل أو النهر فيغمرها، ويمكث فيها مدة ثم ينحسر عنها، ويتسرب الماء إلى ثقوب بعيدة، فإلى وقت معين يأتون إلى تلك التربة المشبعة بالماء ويضعون فيها الحبوب سواء كانت ذرة أو من هذا الحبحب أو الخضروات؛ فهذا عثري. وقد شاهدت الذرة العثرية في سامطة تحصد مرتين على مجيء السيل مرة واحدة، فيأتي السيل ويغمر الأرض -والأرض تكون خصبة جداً- ثم بعد ما يمضي عنها الماء وتحتمل مشي الأقدام، يضعون حب الذرة ويحصدونه أولاً، ثم ينبت من محله فيأتي بثمرة ثانية على ذاك العثري. فالعثري: الأرض التي يغمرها الماء من نهر أو سيل أو نحو ذلك، ثم يفيض عنها وقد تشبعت بالماء، فيزرع الحب ولا تحتاج إلى سقي بعد ذلك حتى تحصد. إذاً: هذا هو أيضاً مما سقته السماء أو العيون أي: بدون كلفة. إذاً: ما تخرجه الأرض يشترط فيه أن يكون نصاباً ولا يشترط فيه الحول قال تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام:١٤١] . ولكن الحصة التي تؤخذ في الذهب والفضة وعروض التجارة متحدة، وهي ربع العشر، لكن هنا إما العشر كاملاً وإما نصف العشر بحسب كلفة السقي، أما مئونة الحرث والزرع فهذه أمر ضروري لا بد منه، ولا ينظر إلى الكلفة إلا بعد عملية الزرع بالذات، فإن كان عثرياً أو سقته السماء أو العيون أو السيول، ولم يتكلف صاحبه في سقيه شيئاً ففيه العشر من خمسة أوسق فما فوقها، وما دون الخمسة أوسق ليس فيها زكاة.

стр. 1345

كتاب الزكاة - مقدمة كتاب الزكاة [٨] اتفق الأئمة الأربعة على وجوب الزكاة في الشعير، والحنطة، والزبيب، والتمر، واختلفوا فيما عدا ذلك كالخضروات والفواكه، وبعضهم قاس على الأصناف الأربعة ما شاركها في العلة والأوصاف كالأرز ونحوه، وقد فصل الشيخ سبب الخلاف وذكر الأدلة، كما تطرق إلى عملية الخرص وما فيها من حكم وفوائد للمالك والمسكين.

стр. 1346

ما يزكى مما تنبت الأرض باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فيقول المصنف ﵀: [عن أبي موسى الأشعري ومعاذ ﵄ أن النبي ﷺ قال لهما: (لا تأخذا في الصدقة إلا من هذه الأصناف الأربعة: الشعير، والحنطة، والزبيب، والتمر) رواه الطبراني والحاكم] . أيها الإخوة الكرام! إن مباحث الأموال الزكوية تتسع فروعها وجزئياتها في كتب الفقه ما لا تتسع في كتب الحديث. ونذكر الإخوة بما تقدم في أوائل هذا الباب المبارك: أن المسلمين أجمعوا على أجناس أربعة هي محل الزكاة: بهيمة الأنعام، والنقدان: الذهب والفضة، وعروض التجارة، وما تنبته الأرض، فهذه الأجناس الأربعة هي محل الزكاة، ثم اختلفوا في تلك الأصول الأربعة في بعض أفرادها، فمثلاً: بهيمة الأنعام اختلفوا منها في زكاة الخيل، فقال به الإمام أبو حنيفة ﵀، ولم يقل به الجمهور. وفي الذهب والفضة اختلفوا في الحلي، أي: المصنوع والمستعمل، فأوجبه فيه أبو حنيفة ﵀ ولم يوجبه غيره على خلاف عند الشافعي وأحمد، ولم يوجبها مالك قولاً واحداً. وعروض التجارة من قال بها قال بالعموم، ومن لم يقل بها فلا كلام معه.

стр. 1347

الاتفاق على أربعة أصناف زكوية مما تنبت الأرض واختلفوا فيما تنبته الأرض؛ فأجمعوا على هذه الأصناف الأربعة: الشعير، والبر، والزبيب، والتمر، واختلفوا فيما عدا هذه الأربعة، وهذا الحديث هو الأصل في هذه القضية. يقول المؤلف ﵀: (عن أبي موسى ومعاذ بن جبل رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال لهما) ، أي: عندما بعثهما إلى اليمن، وكانوا قضاة وأمراء، وجباة زكاة وجزية، وكان لكلٍ مخلاف يعمل فيه، ومعاذ رضي الله تعالى عنه كان يطوف في اليمن بأقسامها كلها إلى حضرموت يعلم ويقضي، وهنا محل التعليم له حاجة، فإنه أرسلهما جباة للزكاة والجزية فعلمهما مما يأخذون الزكاة فقال: (لا تأخذا الصدقة إلا) وهذا الأسلوب في العربية يسمى أسلوب الحصر بالنفي والإثبات، كما قالوا في كلمة الشهادة: لا إله إلا الله، فحصرت الألوهية في الله . والحصر يكون حقيقياً ويكون ادعائياً تقديرياً، أي: نسبياً، فتقول: لا شاعر إلا حسان، فحصرت الشعر في حسان، وهل لا يوجد شعراء سوى حسان؟ يوجد ابن رواحة وغيره من الذين ناصروا الإسلام، ويوجد غيرهم من شعراء الجاهلية، فيكون هذا حصراً نسبياً، أي: لا شاعر إلا حسان بالنسبة لخدمته للدعوة الإسلامية. وهنا: (لا تأخذا في الصدقة إلا من) معنى هذا: ما بعد إلا هو المحصور فيه أمر الصدقة. وإلى هنا يتفق الجمهور بصفة عامة -وكما قيل إجماع الأمة- على أن هذه المسميات الأربعة زكوية: الشعير، والبر أو الحنطة أو القمح، والزبيب، والتمر، وما عدا ذلك فهناك فواكه تشاكل الزبيب والتمر.

стр. 1348

اختلاف العلماء في إلحاق أصناف أخرى بالأربعة المتفق عليها هناك حبوب تشاكل الشعير والبر، فهل يا ترى يؤخذ من تلك الأصناف التي خرجت عن النص قياساً على المنصوص هنا، أم لا؟ فنجد في هذه المسألة بالذات أن العلماء فيها على طرفي الوادي، ولا نقول: على طرفي نقيض: فمن العلماء -من غير المذاهب الأربعة- من وقف عند هذه الأصناف الأربعة فقال: لا زكاة في شيء إلا فيما حصرها فيه رسول الله ﷺ . وهناك من توسع وقال: كل ما أنبتت الأرض فيه زكاة، وهو أبو حنيفة. فالذي قال بهذا القول المتوسع هو الإمام أبو حنيفة ﵀، وصاحباه محمد وأبو يوسف مع الجمهور، فـ أبو حنيفة ﵀ قال: كل ما أنبتت الأرض ففيه زكاة إلا الحطب والقصب، ومثل ذلك التبن ونحوه، فهذه لا زكاة فيها عنده، وما بقي من خضروات وبقول وحبوب ففيه الزكاة، وعن الشافعي وأحمد روايتان فيما عدا الأربعة الأصناف. إذاً: أجمع العلماء على أن الأصناف الأربعة زكوية، وهناك من قال: كل ما أنبتت الأرض ففيه زكاة، وهناك من توسط، ومن هذا التوسط أن الأئمة الثلاثة مالكاً والشافعي وأحمد أخرجوا جميع الفواكه: الرمان والخوخ والتفاح والموز والمشمش وغيرها. فنجد الذرة والعدس والأرز واللوبيا، والفاصوليا والبزاليا، وأشياء عديدة كلها مأكولات.

стр. 1349

علة الزكاة فيما تنبت الأرض هل الأصناف الأربعة التي أوجب فيها رسول الله ﷺ الزكاة أوجبها لأعيانها وذواتها أم أنه أوجب الزكاة فيها لعلة موجودة تخصها؟ فالجمهور على أنه أوجب الزكاة فيها لعلة موجودة فيها، فلو قلنا: إن العلة المشتركة بين هذه الأصناف الأربعة أنها مما تنبت الأرض، فكذلك الخضروات والفواكه، فإنها مما تنبت الأرض. وإن قلنا: العلة كونها تجفف وتدخر، فهناك الأرز يجفف ويدخر. فقالوا: العلة الجامعة بين هذه الأصناف الأربعة كونها قوتاً، والقوت تدفع به الحاجة، وهو القدر المشترك في الإرفاق بين الغني والفقير، إذاً: وجبت الزكاة في هذه الأصناف الأربعة لكونها قوت العباد. فإذا كانت العلة الاقتيات فإننا ندخل الأصناف التي تشترك في علة القوت، فالجمهور -خلافاً للشافعي وأحمد في رواية- قالوا: كل ما أنبتت الأرض من حب مكيل مدخر فوق خمسة أوسق، أو مكيل يوزن ومدخر، ففيه الزكاة؛ لأن التمر والزبيب والشعير والبر يخزن في المخازن والبيوت ويدخر، وكان قوتاً؛ فالتمر والشعير والبر قوت، وهل الزبيب قوت مثل التمر أم لا؟ قد يدخل في ذلك وقد لا يدخل، فإذا وجدنا من الحبوب ما يشارك الأصناف الأربعة في العلة ألحقناه بها، فجئنا ووجدنا الذرة تشارك -وفي بعض الروايات ذكرت الذرة ولكن السند ضعيف- الأصناف الأربعة في علة كونها مدخراً، ومكيلاً، وقوتاً، وجئنا إلى الأرز فوجدناه اليوم مقدماً على البر والشعير، وأصبح من عامة أغذية الناس. إذاً: هل نزكي عن الشعير الذي أصبح الآن علفاً للحيوانات ونترك الأرز الذي هو عمدة طعام البشر؟! ثم وجدنا العدس إداماً وليس قوتاً، وكذلك اللوبيا، فهنا يقولون: ما لم يكن قوتاً وكان إداماً أو دواء فلا زكاة فيه؛ لأن الأصناف الأربعة اجتمعت على علة الادخار والاقتيات، فما كان دواءاً للخصوصيات فقد خرج عن كونه قوتاً لأنه لم يشتمل على الأوصاف الثلاثة: الكيل، والادخار، والقوت. وما كان دواء مثل: الكمون، والكراوية، والينسول، وكذلك الحبة السوداء فهي دواء، فإنها خرجت عن كونها قوتاً وإن كانت مكيلة ومدخرة، فقالوا: ما لم يكن قوتاً مدخراً مكيلاً، فلا نلحقه بالأصناف الأربعة؛ لأنه من شرط المقيس أن يتفق في أوصافة مع المقيس عليه، فإذا نقص من أوصافه شيء نكون قد قسنا شيئاً على شيء أكبر منه، فيكون ناقص الوصف. إلى هنا وبصفة إجمالية: هذه الأصناف الأربعة التي ذكرها رسول الله ﷺ لـ معاذ ولـ أبي موسى عند إرسالهما إلى اليمن موضع إجماع، وحصل الخلاف فيما عداها.

стр. 1350

ما لم تتحقق فيه أوصاف العلة كلها من المأكولات وننتقل إلى ما كان مكيلاً ولا يدخر، وما كان مكيلاً مدخراً وليس قوتاً، مثل الفواكه: فالفواكه ليست مكيلة ولا مدخرة، فإذا جففت صارت مكيلة مدخرة، ولكن لا تكون قوتاً. كذلك وجدنا التين غير مدخر وكما يقول بعض العلماء: إن مالكاً ينص على أن التين والتفاح والرمان والخوخ لا زكاة فيه، فقال قائل: لأن التين لم يكن يجفف في بلد مالك، ولو علم أن أنه يجفف لقال به، يا سبحان الله! هو ما يجفف هنا ولكنه يأتي مجففاً من الشام؛ لأن تجارة الشام كانت تأتي إلى المدينة وفيها التين والمشمش مجففاً. وعلى هذا: من أدخل التين في القوت يقول: ألحقوه بالزبيب، ومن أخرجه عن نطاق القوت جعله مع بقية الفواكه، وهكذا. ثم جاءت الآثار عن السلف مختلفة، منها المرسل، ومنها المرفوع، ومنها المنقطع، وقد ناقشها العلماء مناقشة كافية، وأنصح كل طالب علم يريد تحقيق هذه المسألة أو يقف على ما قيل فيها من كتب التفسير أن يقرأ كتاب القرطبي، ومن كتب الفقه المجموع للنووي، والمغني لـ ابن قدامة، وبداية المجتهد لـ ابن رشد، فهذه الكتب إن شاء الله ستكفي طالب العلم فيما أوردوا فيها ﵏ من الخلاف والنقاش لما تجب فيه الزكاة أو لا تجب بعد هذه الأصناف الأربعة. والعمدة في ذلك: هل الزكاة في تلك الأصناف الأربعة لذواتها ومسمياتها أو لعلة فيها؟ قال ابن رشد: أما لذواتها فهذا وصف طردي، إذاً: الأرجح أن تكون لعلة فيها، فما هي العلة؟ قالوا: أن تجتمع فيها ثلاث صفات: الكيل، والادخار، والاقتيات، فما ساواها في هذه الصفات الثلاث ألحق بها قياساً، وما لم يساوها في ذلك أخرج عنها، ولا يصح القياس فيها. وأجمعوا على أن الفاكهة والخضروات لا تدخر وليست قوتاً.

стр. 1351

زكاة ثمن الخضروات والفواكه إذا حال عليها الحول ثم بعد هذا إذا حصل على ثمن للخضروات أو على ثمن للفواكه، فإن النص جاء عن السلف بأن قيمة الخضروات والفواكه تزكى، كما تقدم معنا عن عثمان وعمر رضي الله تعالى عنهما لما كتب إليهما عمالهما في الطائف، وذكروا لهما الفواكه والخضروات، وأنها أكثر من النخيل في المدينة، فقال عثمان ﵁ وأرضاه: (لقد كانت المقاشي بالمدينة على عهد رسول الله ﷺ وعلى عهد الشيخين -يعني: أبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما- ولم يكونوا يأخذون منهم الصدقة فلا صدقة فيها، ولكن انظر ما باعوا منها فخذ الزكاة في أثمانها إذا بلغت النصاب وحال عليها الحول) . من العجيب أن القرطبي ﵀ يقول: قال فلان في تفسيره: إن القائلين بالزكاة في الفواكه والخضروات هم أهل الكوفة، ومعلوم أن الكوفة ما أنشئت بعد وفاة رسول الله ﷺ ، وإنما أنشئت في خلافة عمر، فليس من المعقول أن يوجد تشريع في الكوفة لهذه الأصناف لم يكن موجوداً بالمدينة في عهد رسول الله وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وليس بمعقول أن تكون معطلة من الزكاة زمن رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر ثم توجد عند أهل الكوفة؛ من أين جاءوا بها؟ وهذا كلام في الواقع له ثقله ووزنه. إذاً: لم يكن في عهد رسول الله ولا في عهد أبي بكر ولا في عهد عمر أخذ الصدقة من الفاكهة والخضروات، وعلى هذا اتفق العلماء حتى كان شبه إجماع ما عدا الخلاف المذكور عن الإمام أبي حنيفة ﵀. ونحن نعلم جميعاً بأنه لا يأتي إمام بقول يخالف فيه الأئمة من هواه، أو من رأسه، وإنما يكون الخلاف بينهم في فهم لنصين تعارضا عندهم، والنصان المتعارضان ما قدمناه (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) ، والحديث الآخر: (فيما سقت السماء العشر) ، و (ما) موصولة أي: في الذي سقته السماء.

стр. 1352

دليل الحنفية على إيجاب الزكاة في كل خارج من الأرض والرد عليهم والقرطبي ﵀ يسوق نقاشاً لطيفاً في قوله سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا﴾ [الأنعام:١٤١] ، فيقول: بعض الأحناف تمسكوا بعموم (معروشات) فالعنب يقوم على عريش (وغير معروشات) : النخل والأشجار الأخرى (والنخل والرمان والزيتون، كل هذه) ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ [الأنعام:١٤١] ، (ثمره) : الضمير راجع لكل المذكورات من معروشات وغير معروشات، وإلى الزرع والنخيل والرمان والزيتون. إلى آخره. (وآتوا حقه) : الضمير في (حقه) راجع أيضاً إلى جميع المذكورات، وهذا مما استدل به أيضاً أبو حنيفة ﵀، ولكنه يجيب عن ذلك ويقول: إن هذا الحق غير فريضة الزكاة، وكان في هذه الأنواع حق قبل فرض الزكاة، كما في الحديث: (في المال حقٌ سوى الزكاة) ، قالوا: إذا حضر الجذاذ فأعطه، وإذا حضر الحصاد فأعطه، ثم إذا حصدت وذريت وكلت ووسقت فأخرج الزكاة المفروضة في الموسق، فيجيبون على أن حقه هنا للنافلة وليس للفريضة. ويبدو لي والله تعالى أعلم: أن هذا له نظير، وذلك لما ذكر الرسول ﷺ الحديث الطويل: (ما من صاحب إبل لا يؤدي زكاتها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها في قاع قرقر فتطؤه بخفافها، وتعظه بأنيابها حتى يقضى بين الخلائق، ثم يرى مصيره إما إلى جنة وإما إلى نار، وما من صاحب بقر وما من صاحب غنم فقالوا: والخيل يا رسول الله؟! قال: الخيل ثلاثة: -وذكرها- ثم قال: ولم ينس حق الله فيها) فقالوا: حق الله في الخيل ليست زكاة، ولكن أن يركب المنقطع، وأن يطلق الفحل على فرس غيره، وأن يساعد بها المسكين أو غير ذلك من باب التطوع. (قالوا: والحمر؟ قال: لم ينزل علي فيها إلا هذه الآية الجامعة الفاذة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧] ) . فجعل الرسول ﷺ الحق في الخيل ليس فرض الزكاة، وقد ذكرنا الخلاف في زكاة الخيل. فقوله: (ولم ينس حق الله فيها) بإجماعهم أنها ليست الزكاة، إذاً: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام:١٤١] إنما هو من باب النافلة وليس من باب الفريضة، والنقاش طويل في هذه الآية الكريمة ساقه الإمام القرطبي في تفسيره. إذاً: هذه الأصناف الأربعة مجمع على أنها زكوية، ومختلف فيما عداها، فالذي قال بجميع ما أنبتت الأرض الإمام أبو حنيفة ﵀، وأما صاحباه محمد وأبو يوسف فمع الجمهور. ثم أحمد يعجب الزكاة في كل موسق مدخر ولو لم يكن قوتاً، وعند الشافعي ومالك: ما كان بضميمة كونه قوتاً، وأما ما كان دواءً أو فاكهةً أو غير قوت فليس داخلاً في الزكاة، والله أعلم.

стр. 1353

الدليل على سقوط الزكاة عن الخضروات ونحوها قال المؤلف: [وللدارقطني عن معاذ رضي الله تعالى عنه قال: (فأما القثاء والبطيخ والرمان والقصب، فقد عفا عنه رسول الله ﷺ ، وإسناده ضعيف] . المؤلف ﵀ يعلم بأن هذا الأثر ضعيف، فـ معاذ يأتي وكأنه يقول: أمرنا أن لا نأخذ الصدقة إلا من الأصناف الأربعة، وكأن هناك سؤالاً مقدراً: وما عدا تلك الأصناف مما تنبت الأرض ما حكمه؟ فقال: (أما القثاء والبطيخ والقصب) . فالقثاء يلحق به الخيار، والبطيخ يلحق به الشمام والدباء وقصب السكر. قوله: (فقد عفا عنه رسول الله) معاذ ذكر أنواع الخضروات وأن ما عدا الأصناف الأربعة فإنها لا زكاة فيها، فيكون هذا الخبر من معاذ رضي الله تعالى عنه موضحاً لمفهوم: (لا تأخذا الصدقة إلا من هذه الأصناف الأربعة) أي: وما عداها لا زكاة فيه، فالمفهوم أتى مصرحاً به هنا، ولكنه ضعيف. والخبر الضعيف إنما يبين مفهوم المخالفة فيتقوى في ذاته؛ لأنه لم يكن أصلاً في التشريع، وإنما جاء تابعاً لمفهوم مخالفة الصحيح، فهو يكفي إذا لم يعارضه غيره، وهنا جاء معاذ رضي الله تعالى عنه بالتنصيص على هذه الأصناف الأربعة من الخضروات. ويذكرون بأن البيهقي ﵀ قال: وإن كان هذا الأثر ضعيفاً فإنه قد أيد بآثار أخرى عن السلف، وتقدم لنا قصة عثمان مع عامله في الطائف، وكذلك عمر بن عبد العزيز، والخلاف عن عمر بن الخطاب ﵁ أيضاً. فعلى هذا ينتهي الأمر في البحث على أن الإجماع على الزكاة في الأربعة الأصناف، والخلاف فيما عدا ذلك، واتفق الأئمة الأربعة -دون النظر إلى مخالفة الشافعي وأحمد في قول آخر - على أن كل مكيل مدخر قوت فهو لاحق بتلك الأصناف الأربعة قياساً، وإذا كان هذا ما اتفق عليه الأئمة، فأعتقد أنه ليس هناك إنسان يجرؤ على أن يرد أمراً اتفق عليه الأئمة الأربعة ﵏، ومهما قدم من أدلة أو نصوص معارضة فلن يأتي بجديد؛ لأن تلك النصوص قد مرت على السلف، وعلموها وفهموها ودرسوها، وبعد هذا كله اتفقوا على إلحاق المكيل والقوت والمدخر بالأصناف الأربعة. وأما ما لم يكن قوتاً أولم يكن مكيلاً أو مدخراً، فهذا الخلاف فيه قوي، والله تعالى أعلم.

стр. 1354

خرص الزروع والثمار عند بدو الصلاح قال المؤلف: [وعن سهل بن أبي حثمة رضي الله تعالى عنه قال: (أمرنا رسول الله ﷺ : إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع) ، رواه الخمسة إلا ابن ماجة وصححه ابن حبان والحاكم] . انتقل المؤلف ﵀ إلى جزئية تابعة ومتممة لتشريع الصدقة في الحبوب والثمار. فقوله: (إذا خرصتم) ، يفيد أن هناك خرصاً قبل إخراج الزكاة، فيكون سبقه تشريع للخرص ثم جاء ينبه لهم عن منهج الخرص كيف يكون. إذاً: الخرص مشروع، وأقوى دليل في ذلك قضية خيبر، لما أرسل الرسول ﷺ ابن رواحة ليخرص عليهم النخيل. والخرص في اللغة: التخمين، قال تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ [الذاريات:١٠] ، لكن قال الإمام أبو حنيفة وداود بن علي: لا خرص لأن الخرص ظن، والظن كما يقولون أصل الكذب، فقالوا: لا خرص، ولكن على صاحب النخل والعنب إذا يبس وأصبح عنده التمر أو الزبيب أن يكيل الذي حصل عنده، ثم يزكيه.

стр. 1355

الحكمة من خرص الثمار وتوقيت الخرص قالوا: إذا بدا الصلاح في الثمرة، أما بعد الجفاف والكيل فلا يصلح الخرص، لأنه إذا أمنت الآفة وصلحت الثمرة للأكل امتدت إليها يد صاحبها، فقد يأخذ الثمرة رطبة ويبيع، ويأخذ ليأكل، ويأخذ ليهدي، فهنا لما كان حق الفقراء في الثمرة بمثابة الشريك مع صاحبه: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج:٢٤] ، أي أن الفقراء شركاء للأغنياء بحصة معلومة وهي العشر أو نصف العشر. فما داموا شركاء فحافظوا على حصتهم، وكيف نحافظ عليها؟ أنتركها لهم يأكلون ويهدون ويبيعون ويقبضون الأثمان؟ وهل نمنع أصحاب البساتين فنقول: لا تأكلوا ولا تبيعوا ولا تعطوا أحداً؟ لا. أيضاً كذلك. إذاً: لا بد لصاحب النخيل والعنب أن يتصرف في الثمرة بشخصه أو بغيره.

стр. 1356

كيفية الخرص وترك الربع أو الثلث للمالك إذاً الحل الأمثل هو الخرص عندما تبدو الثمرة، فيكون الخارص من طرف ولي الأمر المسئول عن حق الفقراء؛ لأن الله كلف بها رسوله ﷺ : (خذ) وهذا الأمر تكليف له مع أنه لا حظ له فيها، فهي محرمة عليه وعلى آل بيته، ولكن حفاظاً على حق المساكين وحفظاً لماء وجوههم حتى لا يذهبوا للغني يقولون: أعطنا، فيقول لهم: ائتوني في وقت لاحق عندما نجذ. فعالج الشرع ذلك بأن أوجب على ولي الأمر أن يأخذها قهراً على صاحبها: (من أداها طيبةً بها نفسه فبها ونعمت؛ وإلا أخذناها وشطر ماله، عزمة من عزمات ربنا، ليس لمحمد ولا لآل محمد منها شيء) ، فإذا طابت الثمرة ذهب الخراص -اثنان أو ثلاثة على حسب رأي الإمام- وتمشوا في البستان لينظروا عدد ما فيه من النخل. فإذا كان فيه مائة نخلة بدأنا بنخلة رقم واحد فقلنا مثلاً: هذه تحمل قنوان والقنو أوقية أو كيلو أو كذا على حسب التقدير برؤية العين، فإذا جففت كم سيكون منها تمراً؟ فمثلاً: سيكون منها عشرون صاعاً، فنكتب ذلك. ثم النخلة الثانية الثالثة، إلى المائة، فمجموع ما يتوقع منه من تمر لو بقي على تمامه عشرون وسقاً، فننظر: هل الثمرة على النخلة تبقى على تمامها أم أنها سيذهب منها شيء؟ سيذهب، وجاء بيان ذلك في بعض النصوص: ما تسقطه الريح، وما ينقره الطير، وما يأكله الضيف، وما تأكله الهوام والحيوانات التي تدخل النخيل وتأكل مما سقط. إذاً: هناك عوارض تعرض للثمرة المعلقة. وصاحب البستان يريد أن يأكل فلا نمنعه من حقه لأجل المساكين، بل حقه هو الأول، والضيف الذي يدخل عليه فلا نقول له: لا تعطه، فنعلمه البخل! وشر خصلة في الإنسان هي البخل، بل نقول: أطعم وأكرم ضيفك إذاً: هناك عوامل تعرض للثمرة التي على النخلة، ونحن خرصناها على تقدير أنها كاملة، فلو قدرنا الصدقة على ما يوجد على أنها كاملة لأجحفنا بمالكها فيما له من حق التصرف فيه، فلذلك قال: (دعوا الثلث) أي لأجل هذه العوارض. فلو كانت مائة صاع، فإننا ننظر كم ثلث المائة بالتقريب والتقدير، فنقول: احسبوها سبعين بدل المائة. قال: (فإن لم تسقطوا الثلث فالربع) ، أي أن العامل مخير بين الثلث والربع، أعتقد والله تعالى أعلم: بأن هذا يرجع إلى فطنة العامل الذي يخرص، فإذا كان النخيل في جهة بعيدة من البلد قل الوارد عليه، وكذلك إذا كان الجو معتدلاً، وكان عياله قلة، وضيفه قليلاً، وليس بمشهور عند الناس، فتكون الكلفة عليه قليلة؛ فهذا يكفي أن نترك له الربع. لكن إذا كان هناك بستان على قارعة الطريق، وصاحبه من أهل الوجاهة، وكل يوم والباب لا يغلق، فهذا ضيف طالع، وهذا ضيف داخل، فهل هذا يستوي مع الأول؟ أعتقد أنهما لا يستويان، وأن القول هنا: الثلث أو الربع ليس للتخيير، وإن كنت لم أجد من نبه على ذلك لكن هذا هو الواقع، فيسقط الثلث لمن كان طارقه كثيراً، ويكون الربع لمن كان طارقه قليلاً. وهذا هو الإرفاق والعدل، فلا نساوي بين رجل كثير الضيوف يمكن أن يأكلوا عليه النصف، وبين رجل قليل الضيوف، وبعض الروايات: (خذوا النصف، وأعطوهم من النصف وأعطونا النصف فإنهم يسرقون) ، أي: غصباً عنه سيأكل. إذاً: كان النبي ﷺ يأمر الذين يخرصون على الناس أن يدعوا الثلث، فإن لم يدعوا الثلث فالربع، والظاهر أن هذا يترك الخيار فيه للعامل، ولكن في نظري والله تعالى أعلم وأبرأ إلى الله من خطأ: أن ذلك ليس للتخيير وإنما هو للتنويع، والتنويع يكون بحسب حال صاحب البستان وموقعه الاجتماعي، فمن كان كثير الوارد والضيف والاستهلاك والعيال والعمال قلنا: يترك له الثلث؛ لأن الاستهلاك كثير، ومن كان إنما يذهب عنه القليل فإنه يترك له الربع، والله تعالى أعلم. وهنا قالوا: الخرص أيضاً ليس لمجرد معرفة هذا الموجود، وأنه يأكل أو يكرم ضيفه قالوا: بل يكون لصاحب الثمرة الخيار، فإن شاء أبقى الثمرة إلى أن يأتي الجذاذ فيجذ، ويوضع في الجرين ويجفف ويبيعه تمراً، وإن شاء باعه رطبا ًمبكراً في السوق يوماً بيوم ولو لم يبق في النخيل شيء. فإذا قيل: فأين زكاة الأوسق نصف العشر؟ لما خرصنا عليه أصبح مديناً للفقراء والمساكين بالمقدار الذي قيدناه عليه، ونحن قيدنا عليه سبعة أوسق صدقة، لكنه باعها كلها رطباً في الصناديق، أو باعها كلها عنباً في الصناديق، ولم يزبب كيلو ولا وسقاً ولا نصفاً. لكن هذا خرصنا عليه مثلاً: وسقاً ونصف وسق من الزبيب، فليس عنده شيء، لأنه قد باعه عنباً، فنقول: عليه أن يقدم للجهة التي تجمع الزكاة وتوزعها على أصحابها، فيأخذ من السوق المقدار من التمر الذي سجل عليه، ويأخذ كذلك المقدار من الزبيب الذي سجل عليه ويدفعه لأصاحب الحقوق في ماله من الفقراء والمساكين إلى آخره. إذاً: الخرص يعطي صاحب الثمرة الحرية في أن يستغلها رطباً ويحفظ الثمن، ويلتزم بما ألزمه به الخارصون ويقدمه عيناً، إلا إذا أراد ولي الأمر أن يستبدل بالأعيان نقداً، ويوزعه على الفقراء والمساكين، فهذا لا نعارض فيه. أما إذا ترك الأمر لصاحب النخل والعنب فله أن يتصرف كيف يشاء، وعليه أن يزكي هذه الثمار من تمر وعنب على قدر ما قدر عليه، فيشتريها من السوق من الشيء الوسط الذي لو كان حاضراً عنده لأخذ من وسط المال، ويقدمه إلى مستحقيه، والله تعالى أعلم.

стр. 1357

كتاب الزكاة - مقدمة كتاب الزكاة [٩] اختلف العلماء في زكاة الحلي الذي تتخذه المرأة للزينة، ويكاد الخلاف أن يكون متكافئاً لتكافؤ الأدلة، وقد بين الشيخ أدلة الطرفين، وأجوبة كل فريق على الآخر، ثم بين الأفضل للمرء في ذلك.

стр. 1358

أمر النبي ﷺ أن يخرص العنب كما يخرص التمر الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليماً. أما بعد: فيقول المصنف ﵀: [وعن عتاب بن أسيد ﵁ قال: (أمر رسول الله ﷺ أن يخرص العنب كما يخرص النخل، وتؤخذ زكاته زبيباً) رواه الخمسة وفيه انقطاع] . هذا الأثر وإن كان فيه انقطاع إلا أنه عليه العمل، فيخرص العنب وتؤدى زكاته زبيباً، كما يخرص الرطب وتؤدى زكاته تمراً، لكن يهمنا في هذا الأثر أن العنب يخرص كما يخرص النخل. فمن كان يعارض في خرص العنب يقول: لا يتأتى انضباط خرص العنب كانضباط خرص النخل، يقول: لأن النخلة مكشوفة أمام الخارص وأمام الجميع، أما العنب فقد يكون مختفياً بين الأوراق وقد يخفى على النظر، فلا يتمكن الخارص من رؤيته كما يتمكن في النخلة. ولكن كما جاء في هذا الأثر، وإن كان منقطعاً فقد يكفينا رأي من رواه، فالذين رووه على انقطاعه يقولون به؛ فيكفينا هذا فقهاً، وأنها الطريقة التي يمكن أن يساوى فيها العنب بالرطب. فهذا النص في العنب: أنه يخرص كما يخرص النخل وتؤخذ زكاته زبيباً، ولماذا لا تؤخذ عنباً؟ لأنه لا يدخر، فلو أعطينا للفقير خمسة صناديق عنباً، هل سيأكلها كلها؟ فلو أكثر من أكلها فإنه سيؤذيه، وهل إذا أكل صندوق عنب يغنيه عن لقمة عيش؟ فربما لا يغنيه، فالعنب ليس قوتاً ولا يدخر. وهذه الفكرة هي التي عارضنا بها اقتراح بعض الأعضاء في مؤتمر ماليزيا بتنفيذ مذهب أبي حنيفة ﵀ في الخضروات، ولنسأل: ماذا سيصنع المسكين إذا أخذ قليلاً من الطماطم، أو قليلاً من الباميا، أو قليلاً من الفلفل، أو قليلاً من النعناع إلخ؟ فإذا قلنا: يضعها في الثلاجة، فالفقير ليس عنده ثلاجة، ولو وضعها في الثلاجة فإلى متى؟ فسيأخذ منها كل يوم، فهل ستكون قوتاً أم فاكهة؟ طبعاً ستكون فاكهة، والخضروات مهما كان فلها أجل، سواءً كانت داخل الثلاجة أو خارجها. إذاً: لا ينتفع بها بقدر ما يمكن أن يبيعها صاحبها، ويجمع القيمة ويأتي بصدقة القيمة للمسكين فيتصرف فيها بما ينفعه. وقد أوقف القرار بعد ذلك. إذاً: انتهينا من موضوع زكاة ما تخرج الأرض، وكيفية زكاتها وهو الخرص. ونحن قلنا بالزكاة في الشعير والبر، فهل يخرص وهو في سنبله عندما يشتد الحب، أو يترك لصاحبه حتى يحصد ويصفى ويكال؟ هناك من يقول بخرص الحب أيضاً، ولكن لماذا نخرصه؟ هل الريح تطيح به في الأرض؟ ليس هناك شيء يضيع منه أبداً. وهل يبيعه قبل أن يحصده؟ لا. بخلاف العنب والرطب. إذاً: الخرص محصور على النخل والعنب، والحب الذي هو متفق عليه من الشعير والبر وما ألحقناه به لا دخل للخرص فيه، وإنما يترك لصاحبه حتى يحصده ويصفيه ويكيله، فهناك يجب عليه أن يزكي ما حصل عنده إن وصل خمسة أوسق فما فوق. والله أعلم.

стр. 1359

زكاة الحلي من الذهب والفضة قال المصنف ﵀: [وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵄: (أن امرأةً أتت النبي ﷺ ومعها ابنة لها، وفي يد ابنتها مسكتان من ذهب، فقال لها: أتعطين زكاة هذا؟ قالت: لا. قال: أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار؟ فألقتهما) رواه الثلاثة وإسناده قوي، وصححه الحاكم من حديث عائشة] . لما أنهى المصنف ﵀ الكلام على زكاة بهيمة الأنعام، ثم ما يخرج من الأرض، جاء إلى زكاة الحلي، وتقدم أيضاً زكاة النقدين: الذهب والفضة، وأنه ليس فيما دون خمس أواقٍ من وَرِقٍ صدقة. وتقدم البحث في هذه الأصناف، وفي أنواع بهيمة الأنعام ما اتفق عليه وما اختلف فيه، ثم أنواع الزروع والثمار، وما اتفق عليه أيضاً وما اختلف فيه، ثم زكاة النقدين: الذهب والفضة، وبقي معنا عروض التجارة، وسيأتي في سياق هذا الحديث. فلما كان الذهب والفضة مجمعاً على زكاتهما نقداً؛ لأن كلمة (أواق) جمع (أوقية) ، والأوقية وحدة وزنية، ووحدة نقدية أيضاً، فهذا يتعلق بالفضة، والدرهم وحدة وزنية، ووحدة عددية؛ فكان الحلي من جنس الذهب والفضة، ولكنه اختلف فيه كما اختلف في بعض أفراد الأجناس المتقدمة. فشرع المصنف يُفصِّل أو يسوق ما عنده من أدلة أو من أقوال العلماء فيما يتعلق بالذهب والفضة إن كان مصوغاً حلياً تلبسه النساء، فأتى بالحديث: أن امرأةً يمانية أتت إلى رسول الله ﷺ وفي يد ابنتها مسكتان -والمسكة هي ما يسمى الآن بـ (الأسور) أو بـ (بالخلخال) في الرِجِل من ذهب- فلما رآها النبي ﷺ ، سألها: أتؤدين زكاة هذا؟، فـ (هذا) اسم إشارة راجع لما فيه الحديث وهو المسكتان. وفي بعض الروايات: (غليظتان من ذهب، فقال لها: أتؤدين زكاة هذا الذهب الذي في يد ابنتك؟ قالت: لا. فقال: أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيام بسوارين من نار؟) . أعتقد أن هذا أسلوب إثارة، أي: أتحبين أن تلبسي سوارين من نار يوم القيامة؟! ومن يحب هذا؟! ومن يسر بهذا؟! ففيه الإثارة إلى معرفة الواقع وبراءة الذمة حالاً، ولهذا كان الجواب أنها خلعتهما من يد ابنتها وألقت بهما، وفي تتمة الرواية: (قالت: هما لله ورسوله) . هذا الحديث كما ساق المصنف تصحيحه هو الأصل في مبحث زكاة الحلي، وهو الأصل للاستدلال على أن الحلي المستعمل بالفعل فيه الزكاة؛ لأنه ملبوس في يد البنت. ثم ساق له المصنف شاهداً من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: (اتخذتُ فتخات من وَرِق -الفتخات جمع فتخة وهي ما يسمى الآن بالخاتم- فنظر إليهما ﷺ وقال: ما هذا يا عائشة؟! قالت: صنعتهما أتزين لك بهما) ؛ لأنه إذا كانت هذه الفتخات في الصندوق أو مرفوعة للحاجة لم تكن زينة، إنما رأى بعينه وسأل وأجابت: (أتزين لك بهما، فقال: أتؤدين زكاتهما؟ قالت: لا. قال: هما حَسبُكِ من النار) . وسيأتي لـ أم سلمة رضي الله تعالى عنها أنها: (اتخذت أوضاحاً من ذهب) ، الأوضاح من الوضاحة والظهور، والذهب له بريق ووضوح، ولو كان حتى من الفضة فلها أيضاً وضوحٌ وبريق، والأوضاح كانت في شعرها. تقول: (فنظر إليها رسول الله ﷺ ، فوجدتُ في وجهه الأثر) أي: أنه ليس براضٍ؛ فهي صنعتهما من أجله ﷺ ، لكن لم يستقبل ذلك بابتسامة أو بشاشة، وإنما وجدت في وجهه الكراهية، ففطنت فقالت: (أكنزٌ هو يا رسول الله؟!) (هو) ضمير راجع إلى الأوضاح التي في شعرها. فلم يقل لها ﷺ لا، أو نعم، وإنما قال: (إذا أديت زكاته فليس بكنز) يعني: وما لم تؤد زكاته فإنه كنز، والحكم على أنه كنز أو ليس بكنز إنما هو لمدلول الآية الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ﴾ [التوبة:٣٤] . إذاً: فلما رأت الكراهية في وجهه ﷺ فطنت فسألت: ولِمَ الكراهية وإنما هي زينة تتحلى بها لزوجها. إذاً: هذا القدر ليس فيه كراهية، ولكن الخوف من كونه دخل في معنى الكنز، ويكون هناك الوعيد. فلما سألت أجابها: (إن كنتِ تؤدين زكاتها فليس بكنز) . هذه النصوص الثلاثة التي ساقها المصنف ﵀ هي عمدة من يقول بوجوب الزكاة في الذهب والفضة حلياً كان أو غير حلي، ويضاف إلى هذا أيضاً ما تقدم في أول الباب من الحث على الصدقات والزكاة في جميع الأموال. وتقدم لنا ذكر الحديث الطويل: (ما من صاحب إبلٍ لا يؤدي زكاتها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاعٍ قرقرٍ، تطؤه بخفافها وتعضه بأنيابها، فإذا انتهى أخراها أعيد عليه أولاها حتى يقضى بين الخلائق، فيرى مصيره إما إلى الجنة وإما إلى النار) ، وكذلك ذكر صاحب البقر، ثم صاحب الغنم، ثم صاحب الذهب فقال: (وما من صاحب ذهب -أتى باسم الجنس، ولم يفصِّل بين مصنوع حلي أو آنية مستعمل أو غير مستعمل لا يؤدي زكاته إلا إذا كان يوم القيامة صُفِّح له صفائح من نار، فيكوى بها جبينه وجنبه وظهره حتى يفصل بين الخلائق، ويرى مصيره إما إلى جنة وإما إلى نار) ، فأخذ البعض من هذا الحديث أن زكاة الذهب واجبة مطلقاً، مع النصوص الأخرى المجمع عليها في غير ما هو حليٌ مستعمل. والتفصيل في هذه المسألة يطول، وقد كتب والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه عند هذه الآية الكريمة: (َالَّذِينَ يَكْنِزُونَ) فأطال البحث فيها على عادته في أضواء البيان، فذكر أقوال الموجبين للزكاة، وأقوال المانعين من الزكاة، وأخيراً قال: (والأولى الذي به براءة الذمة أن يزكى) ولم يقل: يجب أو لا يجب. وصنيع ابن رشد في البداية الذي هو مقرر في الجامعة ما تناول هذه المسألة إلا في سبعة أسطر -أي: نصف الصفحة فقط- وذكر مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي ﵏، ولم يذكر مذهب أحمد لا بقليل ولا بكثير، فاخترت هذه المسألة بالذات لأجعل فيها مبحثاً نموذجياً لدراسة بداية المجتهد، واستوفيت المذاهب الأربعة بما فيها أحمد، وأخذت من كلام والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه، وما تيسر من المراجع الأخرى وجعلت فيه رسالة، وأخيراً طبعتها بعنوان: (زكاة الحلي) .

стр. 1360

خلاف العلماء في زكاة الحلي وإذا جئنا من بداية التشريع فسيطول علينا المشوار، وإذا أخذنا النتيجة والنهاية وما استقر عليه الأمر عند الأئمة الأربعة نكون قد اختصرنا الطريق، ولكي نجمل المسألة، ويسهل استيعابها نقول وبالله التوفيق: أجمع جميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، والأئمة الأربعة وغيرهم ممن اندثرت مذاهبهم، وكل عالمٍ في صدر الإسلام وفيما بعد إلى اليوم بأن الذهب والفضة غير الحلي الملبوس فيه زكاة. ثم جاء الخلاف فيما هو حليٌ ملبوس بالفعل. إذاً: دخل في العموم السابق غير حلي النساء كأن يكون هناك أوانٍ من ذهب أو فضة للزينة، أما للاستعمال فمحرم: (الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم) ، فإذا كان اتخذها للزينة واتخذها للعوز ليبيعها عندما يحتاج، فهذه أوانٍ وليست حلياً، أو اتخذت ملاعق من ذهب أو فناجين، كل هذه داخلة في جنس الذهب غير حلي النساء. فإذا جئنا إلى الحلي الذي فيه البحث: فإذا كان الحلي مكسراً غير صالحٍ للزينة، فأجمع أيضاً الأئمة الأربعة على وجوب زكاته، وذكر ابن عبد البر في الاستذكار بدون خلاف حتى عن مالك، كالتبر غير المصنوع المصوغ، والحلي المكسر الذي لا يصلح للاستعمال، فيكون خارجاً عن الحلي المستعمل، فإذا كان الذهب والفضة نقداً أو مصوغاً مباحاً، أو مصوغاً غير مباح مثل الأواني للأكل، فبإجماع المسلمين أن فيه الزكاة، مع حرمة استعماله. ولم يبق الخلاف إلا في الحلي المصاغ للنساء خاصة، فلو أن رجلاً اتخذ أساور من ذهب ففيه الزكاة بالإجماع، سواء وضعها في الصندوق لوقت الحاجة يريد بيعها، أو يريد لبسها؛ وإن لبسها كان حراماً وعليه وفيها الزكاة، وإن وضعها في الصندوق كان قُنية، مثل الجنيه، فيجب عليه فيها الزكاة. فلذلك ما كان مباح الاستعمال، ومحرم الاستعمال، ما لم يكن حلياً للنساء فليس فيه خلاف. وإذا كان صاحب الذهب قد رفعه على نية أن يصلحه ليُلبس، فيكون هذا في نطاق الاستعمال، فهذا داخل في الحلي المستعمل.

стр. 1361

ذكر مذهب الأئمة الأربعة في زكاة الحلي وعلى هذا المبدأ والأساس نأتي إلى الأئمة الأربعة ﵏، فنجد الخلاف في هذه المسألة مستوي الطرفين، وعلى أشده نجد إماماً من الأئمة ﵏ يقطع بالزكاة في الحلي المستعمل، لقوله: (في يد ابنتها مسكتان ... ) (أتؤدين زكاته؟) فهذا صريح. ونجد إماماً آخر يقابله بقوله: لا زكاة فيما هو مستعمل. ونجد واحداً من الأربعة ورد عنه روايتان: إحداهما أن فيه الزكاة، والأخرى ليس فيه الزكاة. ونجد الإمام الرابع له وجهان أو قولان، والخلاف عند الفقهاء في الفرق بينهما قديمٌ وحديث؛ فالقديم فيه زكاة والجديد ليس فيه. فهذا على سبيل الإجمال حتى نحصي الأقوال. فالإمام أبو حنيفة ﵀ أوجب الزكاة في الذهب والفضة مطلقاً، نقداً، مصوغاً، تبراً، مستعملاً، مكسراً، بأي حالة من الحالات. يقابله مالك ﵀ فقال: لا زكاة في الحلي المستعمل المباح. وهو ينصب على حلي المرأة الذي تستعمله، ويخرج عن ذلك حلي المرأة الذي لا يستعمل؛ وحلي المرأة غير المباح الذي يلبسه الرجل، وآنية الأكل والشرب، فهذا حليٌ غير مباح، فالحلي الغير المباح مزكىً عند مالك، والحلي المباح والمستعمل بالفعل غير المعطل هو الذي يقول مالك: لا زكاة فيه. وكلمة (حلي، مباح، مستعمل) منصبة على الذهب والفضة، أما إذا كان هناك لؤلؤ، جواهر، ياقوت، فيروز، ماس، فهذه لا زكاة فيها بالإجماع، وإن تحلت بها المرأة أو اقتناها الرجل. أما الإمام الشافعي ﵀ فعنده قولان: قولٌ قديم أنه يزكى، فيكون هذا القول موافقاً لقول أبي حنيفة، وقولٌ جديد: أنه لا يزكى، وهذا القول موافق لقول مالك. فيذكر ابن عبد البر عن الشافعي في هذه المسألة أنه فعلاً في القديم يقول بزكاته كما يقول أبو حنيفة، وينقل عنه: أنه لما ذهب إلى مصر قال: أستخير الله في الحلي المستعمل، ثم اختار القول بعدم الزكاة، أي: أنه كان متردداً، ولكن اختار عدم الزكاة. نأتي إلى الإمام أحمد ﵀، فيذكر صاحب الإنصاف والمغني -وكل مراجع الحنابلة المتوسعة- عن أحمد ﵀ روايتين: روايةً نُقل عنه فيها: أنه يزكى، وروايةً نُقل عنه فيها: أنه لا يزكى. فنحن عندنا منهج: إذا وجدنا مسألة خلافية -وأعتقد أن هذا الخلاف معتدل أو متساوٍ- فيهما قولان، أو روايتان، فخذ القول الذي يقول: تزكى مع من قال: تزكى، والرواية دعها مع القول بالزكاة، فيكون عندنا: قولٌ ورواية وقولٌ في مذهب، قولٌ في مذهب ورواية بعدم الوجوب، ومذهب وقولٌ ورواية في مذهبٍ على مذهب الوجوب، فيكون الخلاف معتدل التوازن.

стр. 1362

مناقشة أدلة العلماء في زكاة الحلي نستطيع أن نعتبر المسألة طرفين؛ طرف يقول بالوجوب، وطرف يقول بعدم الوجوب، فالذين يقولون بالوجوب -بصرف النظر عن مسميات الأئمة: أدل وأوضح دليلٍ في المسألة حديث المرأة مع ابنتها، فسألوا الآخرين: لماذا لم تقولوا بوجوب الزكاة مع أن هذا الحديث صريح (أتؤدين. أيسرك) ؟ قالوا: هذا ليس فيه دليل، إذاً بماذا تجيبون عليه؟ فنحن هنا الآن نبدأ بهذا الدليل، وهو صريح صحيح لا لبس فيه، فسألنا الذين قالوا: لا زكاة في الحلي، ما تقولون في هذا الحديث؟ قالوا: كما نقل البيهقي ﵀: كان مجيء المرأة إلى النبي ﷺ ، وكلامه معها عندما كان الذهب محرماً بالكلية. وقالوا: فعلاً قد كان الذهب في بادئ الأمر محرماً على الرجال والنساء، حتى صعد النبي ﷺ المنبر في المدينة، وأخذ الذهب والحرير وقال: (هذان حرامٌ على رجال أمتي، حلالٌ لنسائها) . أقول وباستحياء: عندما كنتُ أدرس هذه المسألة في سبل السلام في الرياض بكلية الشريعة كان والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه يكتب على هذه الآية في أضواء البيان، وجاءته الملازم من مصر لتصحيح الخطأ فيها، وكان من عادته ﵀ إذا تغدينا وجلسنا لشرب الشاي أن يأخذ يصحح في الملازم، ولتلهفي أو تطلعي إلى مبحثٍ في هذه المسألة أخذت الملازم وقرأت، فذكر جوابهم على ذلك، فلما قرأتها أردت أن أسأله. والشيخ الله يغفر له كان يفتح لي صدره قليلاً، وأنا كنت طويل اللسان قليلاً، فقلت: يا شيخ! هذه المسألة يحوك في صدري شيء منها لا أستطيع أن أعبر عنه، قال: ما هو؟ قلت: أتساءل لاستيضاح جواب هؤلاء: بأن ذلك كان وقت تحريم الذهب مطلقاً. أترى يا شيخ! أن الرسول ﷺ يرى استعمال المحرم، ويترك الإنكار عليه ويذهب يسأل عن الزكاة، أم أن المتبادر أن ينكر على استعمال المحرم أولاً، ثم يأتي إلى موضوع الزكاة؟ فقال: أعد عليَّ مقالتك، فأعدتها عليه. فقال: أتدري أن ما قلتَه صحيح، ولكنني رأيت فلاناً وفلاناً وفلاناً وسلسل القول إلى البيهقي، فسرت معهم، ولئن أحياني الله -وهذه أمانة ألقيها- إلى إعادة الطبع لأصححن ذلك، أما الآن فإن الكتاب قد طبع، وهذا لوضع الصواب وتصحيح الخطأ فلا يمكن تصحيح عدة آلاف قد طبعت، وهذه أمانة ألقيها للجميع. إذاً: استدلالهم أو ردهم الحديث بأن ذلك كان حين حرم الذهب أو كان الذهب محرماً للاستعمال مطلقاً فيه نظر. نأتي إلى حديث فتخات عائشة وأوضاح أم سلمة، ماذا يقال فيها؟ قالوا: هذا لا يستقيم، لماذا؟ قالوا: الفتخات هي خواتم، وليس معقولاً أنها ستلبس خواتم قدر مائتي درهم، فهذا ضعيف وأوضاح أم سلمة كذلك، ليس معقولاً أن تلبس أوضاحاً قدر عشرين مثقالاً. لكن أجاب عن ذلك ابن مسعود ﵁: بأن تلك الفتخات، أو هذه الخواتيم أو الأوضاح تضم إلى جنسها فيكمل به النصاب، فإذا كان عندها من الأوضاح ذهب وفضة وكل منهما ناقص النصاب فإنه يضم بعضه إلى بعض ويزكى. إذاً: هي ليست زكاةً في عينها الموجودة بالفعل، ولكن في جنسها وهو الحلي المستعمل. وهناك أثرٌ عن عائشة يغاير ذلك -ساقه مالك في الموطأ- أنها كانت تلي أيتاماً ولهم حلي فلم تؤد زكاته. وعن عبد الله بن عمر أيضاً في الموطأ أنه كان يحلي بناته وجواريه ولم يخرج الزكاة عن حليهن، ويذكر ابن عبد البر -ولأول مرة أقرؤها-: كان ابن عمر يزوج بناته بأربعة آلاف دينار، ولم يخرج الزكاة، ويحليهن بها، أي: بهذا المبلغ ولم يؤدِ زكاته. ونأتي إلى الرواية الأخرى عن ابن عمر أنه ممن يقول بزكاة الحلي، فأجابوا عن ذلك: بأن عائشة رضي الله تعالى عنها كانت تلي أيتاماً، فلعلها كانت تترك زكاة أموال اليتيم حتى يبلغ، وهذا مذهب الإمام أبي حنيفة ﵀، ولكن الرواية الأخرى في قضية الفتخات فيها: (أتؤدين زكاته؟) ، فيكون ورد عن عائشة روايتان: رواية في الفتخات، ورواية في الأيتام، فأي الروايتين أصرح في القضية؟ الجواب: رواية فتخات يدها، فبعضهم يرجح تلك الرواية وبعضهم يرجح هذه. نأتي أيضاً إلى قول جابر رضي الله تعالى عنه: (ليس في الحلي زكاة) وهذا أخذ به مالك، ولكن المذكور عن جابر رضي الله تعالى عنه في كتاب الأموال: أن جابراً سُئل عن حلية السيف بالذهب؟ الحلية، (ال) هنا هل هي للعهد فيكون المراد حلية السيف، أم (ال) للجنس فيكون المراد مطلق حلية على صفةٍ عامة؟ ونجد البيهقي في أثر جابر هذا يقول: إنه منقطع أو إنه معضل، فمن احتج به كان داخلاً فيمن يغرر بدينه، فلا يصح.

стр. 1363

القول بزكاة الحلي أبرأ للذمة وفي نهاية المطاف نجد هذه الآثار المتقاربة، والمتضادة، والمتقابلة؛ تدور بين الجواز والمنع، ونأتي إلى كتب الحديث أو علماء الحديث فنجد كل من بحث هذه المسألة يذكر الخلاف ويجبن أن يحكم جازماً ويقول: الأولى أن تؤدى الزكاة براءةً للذمة، وهذا أيضاً ما قاله والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه. والعجيب أن ابن عبد البر في نهاية المطاف من بحث هذه المسألة يقول: والخلاصة: أن من أوجب الزكاة في الحلي المستعمل، وفي الإبل العوامل فقد صح قياسه، ومن أبطل الزكاة في الحلي المستعمل، وأبطلها في الإبل العوامل اضطرب قياسه، ومن أوجب الزكاة في الإبل العوامل، ومنع الزكاة في الحلي المستعمل فقد اضطرب قياسه، وهذا القول لـ مالك ﵀. والمأثور عن مالك ﵀ في زكاة بهيمة الأنعام أنه لا يشترط السوم، ولا يشترط أن تكون غير عوامل، مع أن الأئمة الثلاثة ﵏ على أن الإبل العوامل لا تزكى، وهو يقول: هي إبلٌ وله فيها زيادة نفعٍ وهو عملها. فمثلاً: الإبل تستعمل للحرث، وتستعمل لنقل البضائع، وكانت تسمى الإبل: القطار، وإلى الستينات كانت السيارات نادرة، حتى (الجاز) يحمل في التنك من ينبع على ظهور الإبل، وكذلك الحبوب وكل البضائع، فيأتي قطار الإبل فيه حوالي خمسين أو ستين بعيراً مربوطة ومقطورة بعضها في بعض، فتدخل من باب العنبرية وتأتي إلى المناخة، ثم يأتي التجار فيأخذون بضاعتهم. فهذه إبل عوامل، فهي عند مالك تزكى؛ وهنا ابن عبد البر لم يقل: مالك أو عمر، وإنما قال: (ومن أوجب الزكاة في الإبل العوامل، ومنعها في الحلي المستعمل فقد اضطرب قياسه) . إذاً: هذا خلاصة ما يمكن أن يأتي به إنسان في عجالة مثل هذا الوقت، ويلقي الضوء على الخلاف الموجود، وجوانب الاستدلال لكلا الطرفين. وفي النهاية نقول بما قال السلف رضوان الله تعالى عليهم: بأن الأحوط في ذلك إنما هو الزكاة.

стр. 1364

كيفية إخراج زكاة الحلي والذهب المعروض للتجارة مسألة: كيف نزكي الحلي؟ قالوا: إنها في تقدير نصابها تقدر بالوزن، هل بلغت وزن العشرين مثقالاً أم لا؟ وفي زكاتها تقدر بالقيمة، وكذلك ما أعد للتجارة من الذهب والفضة، فهي عند التاجر يقدر نصابها بالوزن، وتخرج زكاتها بقيمتها في السوق؛ لأنها عروض تجارة، والنصاب قدره مائة جرام، والتاجر عنده مئات الآلاف، فينظر كم قيمتها تجارياً وكم تباع اليوم، ثم تزكى قيمتها على أنها عروض تجارة. وأجمعوا على أن حلي الذهب والفضة إذا لابسه جواهر أخرى: فصوص من الياقوت أو الفيروز أو الزمرد أو الماس، فتقدر الجواهر النفيسة على حدة، ويقدر وزن الذهب على حدة؛ حتى إذا استكمل وزنه نصاباً زكي، ويعمل في ذلك بالتحري؛ فإنه يزكى على أنه حلي مستعمل على قول من يقول بزكاته. وبالله تعالى التوفيق.

стр. 1365

كتاب الزكاة - مقدمة كتاب الزكاة [١٠] لقد كثرت أنواع التجارات في عصرنا الحاصر، وتنوعت طرقها وأساليبها، وتداخلت معاملاتها، فيحتاج المرء إلى فقه صحيح حتى يعرف ما تجب فيه الزكاة وما لا تجب، وكذلك استحدثت المصانع الاستثمارية والاستهلاكية، والتي تحتاج إل بيان ضوابط الزكاة فيها.

стр. 1366

زكاة عروض التجارة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليماً. أما بعد: فيقول المصنف ﵀: [وعن أم سلمة ﵂: (أنها كانت تلبس أوضاحاً من ذهب، فقالت: يا رسول الله! أكنز هو؟ قال: إذا أديتِ زكاته فليس بكنز) رواه أبو داود والدارقطني وصححه الحاكم] . فمفهوم: (إذا أديتِ زكاته فليس بكنز) أن ما لم يؤد زكاته فهو كنز، ولما سئل ابن عباس رضي الله تعالى عنه -وهو من الذين يقولون بزكاة الحلي المستعمل-: (ما هو الكنز يا ابن عباس؟! قال: ما لم يؤد زكاته ولو على وجه الأرض، وما أديت زكاته فليس بكنزٍ ولو كان مدفوناً تحت الأرض) . إذاً الكنز في اللغة: المكنوز الموجود دفيناً في الأرض. وفي الشرع: ما أديت زكاته فليس بكنز، وما لم تؤد زكاته فهو كنز. قال المصنف ﵀: [وعن سمرة بن جندب ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعده للبيع) رواه أبو داود، وإسناده لين] . بعدما أنهى المصنف رحمه الله تعالى بيان زكاة الأموال الزكوية المجمع عليها جاء بهذا النوع من أنواع الأموال الزكوية، وإن كان انتهى الخلاف فيها، وصار الأمر فيها إلى الإجماع، لكنه أخرها تبعاً لما قبلها، وتقدم البيان في زكاة بهيمة الأنعام، وفي الذهب والفضة، وفيما تنبته الأرض من حبوب وثمار، على ما فيه خلاف واتفاق. وهنا ما يسمى عند الجمهور بزكاة عروض التجارة، فيأتي المؤلف ﵀ بهذا الحديث عن سمرة بن جندب: (أن النبي ﷺ كان يأمرنا أن نخرج الصدقة مما نعده للبيع) والذي يعد للبيع هو عروض التجارة، وفرق بين ما يكتسبه الإنسان ويقتنيه لشخصه، وبين ما يقتنيه ليتاجر فيه وينتظر الربح، وعروض التجارة كان يوجد فيها خلاف سابق، وقد انتهى الخلاف وحكى ابن المنذر الإجماع على وجوب الزكاة فيها.

стр. 1367

الأدلة على زكاة عروض التجارة ومما يستدل به على وجوب زكاة عروض التجارة قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنْ الأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٦٧] فالطيب: هو الحلال، والخبيث: هو الحرام. والآخرون يقولون: الطيب: الجيد الذي ترتضيه النفس، والخبيث: هو الرديء الذي لا تستطيبه النفس. وذكروا في أسباب نزولها: أن الأنصار كانوا في أول الأمر إذا طابت الثمار يأتي الواحد منهم بالقنو ويعلقه لأهل الصفة يأكلون منه، وكان عامة الناس يأتون بالجيد من أنواع التمر أو الرطب، وكان بعض الناس -كما يقولون- يرائي الآخرين فيأتي بالحشف، وبالنوع الذي ليس مقبولاً أو محبوباً عند الناس، فأنزل الله هذه الآية. وقوله تعالى: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة:٢٦٧] قالوا: الحرام، وقيل: إنه رديء التمر. وقوله سبحانه: ﴿أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة:٢٦٧] وطيبات الكسب قالوا: عطف عليه: ﴿ممَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنْ الأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٦٧] وهذا هو زكاة المزروعات أو ما تخرجه الأرض من حبوب وثمار، أو من نبات على التعميم، و (مَا كَسَبْتُمْ) يختص بالتجارة؛ لأنه العمل الذي يكتسب به الإنسان منفرداً بخلاف ما تخرج الأرض؛ لأن إخراج الأرض فيه جانبٌ آخر: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنْ الأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٦٧] ، فهناك عامل آخر وهو أن المولى هو الذي يعطي: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة:٦٣-٦٤] فالله يعطي العبد من خيرات الأرض. وليس ما تنبته الأرض خالص عمل الإنسان وحده، بخلاف التجارة، وإن كان الكل من عند الله، والربح رزق من الله، والتوفيق في التجارة من الله، لكن السبب المباشر أو اليد المباشرة في التجارة هي الإنسان، والشيء المباشر في الأرض هو الإنسان ومن ورائه القادر على إنبات النبات وعلى إتيان النبات بالحب، وكذلك إنبات الشجر، وإتيان الشجر بالثمر، فهذا فيه صنع المولى . إذاً: (ما أخرج الله من الأرض) قسم، و (طيبات ما كسبتم) قسم، فيكون (طيبات ما كسبتم) المراد منه التجارة، والصناعة، ومن هذا القبيل، وقد انتهى الأمر عند العلماء وأصبح كما قال ابن المنذر: إجماع المسلمين على وجوب الزكاة في عروض التجارة. ومن العمومات أيضاً قوله سبحانه مخاطباً سيد الخلق ﷺ : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة:١٠٣] ، والأموال جمع مال، وأبرز أنواع الأموال التجارة، وهي كما يقال: العنصر الفعال في تنمية الأموال من حيث هي، فـ (مِنْ أَمْوَالِهِمْ) تشمل كل الممتلكات بما فيها مبدئياً وأولياً أمر التجارة. وجاء عنه رضي الله تعالى عنه: أنه لقي فلاناً، فقال: (يا فلان! أدِ زكاة مالك، قال: ما عندي إلا جعاب أذن، قال: قدِّرها وأد زكاتها) ، أي: كان الرجل يحمل جلوداً، فقال: أد زكاة مالك، قال: ما عندي إلا هذه الجلود أعملها حقائب وأبيعها، قال: أدِ زكاتها. وهناك أيضاً آثار ومنها: (كان يأمرنا ﷺ أن نؤدي زكاة البز) ، والبز: بالباء والزاي نوع من القماش بين الحرير والقطن، أو مختلط منهما، وبعض العلماء يقولون: إنما هي محرفة عن البر، والبر مما تنبت الأرض، وليس داخلاً في عروض التجارة، فأجيب عن ذلك: إن التحريف بعيد؛ لأن الأحاديث إنما تروى بالسماع ولا تروى بالكتابة، وما كانت الكتابة إلا متأخرة فيما بعد، وكانت كتابة الحديث في أول الأمر نادرة، فكانت تلقى الأحاديث سماعاً، وفرقٌ بين سماع البر (بالباء والراء) والبز (بالباء والزاي) .

стр. 1368

ما أعد للقنية فلا زكاة فيه، وما أعد للتجارة ففيه الزكاة ولو عقاراً وأجمعوا على أن ما اشتري للقنية ولو كان كثيراً فلا زكاة فيه، فمثلاً: إنسان اشترى مائة كيس ووضعها في البيت، ولديه أولاد وعوائل يأخذون منها السنة والسنتين، فلا زكاة في هذه، وإن كان أخذ عشرة أكياس ووضعها في دكان من أجل أن يبيع فيها ويشتري بأثمانها غيرها، يقصد بذلك الربح والبيع والشراء فإن فيها الزكاة. وأجمعوا على أن كل ما اتخذ للتبادل التجاري بقصد النماء وهو الربح وإن احتمل الخسارة أنه زكوي، أي: من عروض التجارة، سواء كان ذلك من الأراضي البيضاء كأن يتاجر مثلاً في عقار مخطط، فيشتري قطعتين أو ثلاثاً من أجل أن يبيعها فيما بعد عندما ينتهي الحراج، وتنتهي القطع الموجودة وتبدأ الرغبات، فيبيع بما فيه ربح، أو كان من عمائر، كأن اشترى عمارة لا ليسكنها ولا ليؤجرها، ولكن وجدها رخيصة وعلم بأن العمائر والعقار سترتفع أثمانها فاشترى عمارة أو عمائر من أجل أن يبيعها، وسواء كان المالك شخصاً واحداً أو كانوا جماعة اشتركوا في الأرض أو في العمارة؛ ففيه الزكاة. أما إذا اشترى الأرض لنفسه؛ أو ليعطي فيما بعد كل واحد من أولاده قطعة، أو تركها للزمن، حتى إذا احتاج باعها أو عمرها فهذه التي للقنية وللتعمير لا زكاة فيها، والتي للتجارة فيها الزكاة، وإذا اشترى العمارة لا للبيع ولا للشراء، ولكن للاستثمار، كأن يؤجر شققاً ويأخذ أجرتها، وليس عنده نية بيع العمارة بذاتها، ومن بعده يرثه أولاده ويستفيدون من إيجار شققها كمورد رزق لهم، فهذه لا زكاة فيها، وإنما ينظر إلى الأجرة التي تأتيه على حسب رصد البلد، إن كانت تؤخذ الأجرة في أول السنة، أو تؤخذ في آخر السنة، فمطلق أجرة العمارة أو أجرة الأرض، تدخل في الكسب وتكون من نوع زكاة الأموال غير التجارية. إذاً: الأعيان التجارية سواء كانت أرضاً بيضاء أو عمائر، أو سيارات، أو بواخر، أو طائرات، أو من المواد الغذائية، من الملح إلى العسل، كل ذلك إذا أخذه ليبيع ويشتري فإنه عروض تجارة، فلو اتخذ غنماً للبيع والشراء، كهؤلاء الذين يتاجرون بها من خارج المملكة، الذين لا يأتون بها للقنية والحليب والنسل والزيادة، وإنما يأتون بها ليكتسبون بأثمانها، فهذه عروض تجارة، فلا تزكى على عدد الأربعين شاة على أنها بهيمة أنعام بشرط السوم وحولان الحول، بل تزكى على أنها عروض تجارة فتزكى قيمتها، لأنها ليست مقصورة للقنية والنماء والنسل، ولكنها جلبت لتكون عروض تجارة، وكما تقدم أنه لا ثنائية في الزكاة، فلا يؤخذ منها الزكاة باعتبارين: اعتبار القنية، واعتبار التجارة. وكذلك الإبل والبقر إذا جلبها ليبيعها فإنها تعتبر عروض تجارة، فلا تزكى زكاة بهيمة الأنعام، حتى قالوا: لو تاجر في التراب، وقد يكون التراب موضع بيع وشراء، وقد يصنع تراباً مثل الإسمنت، والجبس، والجص؛ فهذا أيضاً إذا عد للتجارة، كأن اتخذ المصنع واكتسب من ورائه، فهذه عروض تجارة. إذاً: عروض التجارة بدون استثناء كل ما أعد للبيع والشراء بقصد الربح.

стр. 1369

أقسام عروض التجارة وهنا قبل الدخول في التفصيل يعتبر العلماء عروض التجارة بالنسبة لصاحبها -صاحب عروض التجارة- على قسمين: تاجرٌ مدير، وتاجرٌ محتكر، وفرق بين المدير والمحتكر، والمحتكر على قسمين: محتكرٌ خاطئ ومحتكر مأجور.

стр. 1370

التاجر المدير فالمدير هو الذي يبيع السلغ يومياً سواء كان بالجملة أو التجزئة، فالمستودع مفتوح يبيع منه بالجملة، أو المعرض والدكان مفتوح يبيع بالتجزئة، بالكيلو، بالحبة، بالدرزن، فهذا كله يسمى مديراً؛ لأن عروض التجارة عنده ليست واقفة بل متحركة، فيبيع هذه السلعة ويشتري بثمنها سلعةً أخرى، مثل الدولاب الذي يدور بحركةٍ دائمة. فهذا النوع من التجار كيف يزكي ما بيده إذا اكتسب ما يساوي النصاب، لأنه يشترط في زكاة عروض التجارة ملك النصاب حولان الحول، فإذا كان هذا التاجر المدير امتلك ما قيمته نصاب الذهب والفضة، وهو عشرون مثقالاً، أي: أحد عشر جنيهاً سعودياً، أو مائتا درهم فضة، أي: ستة وخمسون ريالاً فضة أو ما يعادلها، وحال عليها الحول في يده وهو يدير فيها، نظرنا في نهاية الحول كم يوجد عنده من عروض التجارة، مقدراً موجوداً في المحل من كل صنف، ولا ننظر إلى أعيان الأصناف. فمثلاً: بقالة فيها السكر والشاي والكبريت والملح والصابون. إلخ، فكل ما في البقالة مما يديره للبيع والشراء يقدر، ثم ننظر مجموع قيمته، المجموع ولا ينظر إلى قيمة الشراء ولا إلى تقديرها أو تقييمها عندما اشتريت، بل ينظر لو لو أراد أن يبيعها الآن بمجموعها فبالمقدار الذي تقدر به في نهاية الحول يزكيه. فإذا بدأت تجارة المدير بعشرة آلاف فإنها قد تجاوزت النصاب، ولو كانت نقداً لوجبت زكاتها، فإذاً: نحسب الحول من أول يوم بدأت فيه التجارة إلى أن يحول عليها الحول، فعند نهاية الحول نفترض أنها صارت عشرين ألفاً، إذاً نزكي العشرين الألف الآن، فهذه هي زكاة عروض التجارة التي يديرها صاحبها. وسواء باع بالجملة أو التجزئة فالكل فيه زكاة.
следующие страницы →