Полный текст (2 523 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.
стр. 1681
حكم حج قاصر الأهلية
ثم يأتي بعد ذلك قاصر الأهلية وهو: المملوك، ومعنى قاصر الأهلية: أنه لا يتصرف بأهلية كاملة في نفسه وفي ماله، والصغير قاصر الأهلية، يحجر عليه في ماله، ولا يعطى المال في يده، وإنما يعطى بقدر ما يمتحن به؛ حتى يجرب: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا﴾ [النساء:٦] أي: بعد بلوغ سن الرشد، أو بعد البلوغ مع الرشد في التصرف، وهل المراد الرشد في الدين أو الرشد في الدنيا؟ هذا بحث آخر.
وفي حق المملوك: (أيما مملوك) أيما عبد أيما جارية -فالمملوك يصدق على العبد والجارية، وعلى الذكر والأنثى- كان قد حج مع مواليه وهو مملوك، ثم بعد ذلك أعتق أو كاتب على نفسه وصار حراً، كذلك إن استطاع سبيلاً للحج فعليه أن يحج حجة أخرى، وبهذا يستدل على أن العبد المملوك قاصر الأهلية لأنه في حكم سيده، وهناك تفريعات عديدة على هذا، في من سقطت عنه الجمعة، وسقطت عنه الزكاة في ماله، إلا بإذن سيده، إلى أشياء أخرى والله تعالى أعلم.
وأيضاً يضاف إلى هذين الاثنين -كما تقدم- من المريض الذي لا يستطيع الحج، فحج عنه غيره، ثم تعافى، فيكون أيضاً مضافاً إلى الصغير وإلى المملوك، وكذلك من حج عنه لعجزه عن الركوب، ثم استطاع أن يركب بعد ذلك.
стр. 1682
كتاب الحج - باب فضله وبيان من فرض عليه [٤]
إن المرأة مأمورة بالحج كالرجل، إلا أن الإسلام راعى ضعف المرأة، وحاجتها إلى غيرها، فأوجب عليها إن أرادت أن تسافر إلى الحج أن يكون معها محرم، فإن لم تجد فلا يجب عليها الحج، والمحرم هو كل من حُرّمت عليه المرأة تحريماً مؤبداً.
ويجوز الحج عن الغير فرضاً كان أو نفلاً، بشرط أن يكون قد حج عن نفسه أولاً، والوصية بالحج تنفذ من ثلث مال الموصي، ويستحب تكرار الحج كل عام ويكره تأخيره -لمن كان مستطيعاً- أكثر من خمس سنوات.
стр. 1683
اشتراط وجود المحرم مع المرأة عند خروجها للحج
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: قال المؤلف ﵀: [وعنه ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يخطب يقول: (لا يخلُونّ رجلٌ بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، فقام رجل فقال: يا رسول الله! إن امرأتي خرجت حاجة، وإني اكتُتبت في غزوة كذا وكذا، فقال: انطلق فحج مع امرأتك) متفق عليه، واللفظ لـ مسلم] .
هذا الحديث يتناول قضية كبرى من كبريات قضايا المجتمع، ألا وهي: قضية سفر المرأة، ومفهوم سفر المرأة يقتصر على ما يسمى سفراً في العرف، بخلاف ما كان دون ذلك، كما لو خرجت المرأة من المدينة إلى قباء، فلا يقال: إن هذا سفر، أو خرجت من بيتها من ضاحية المدينة إلى المسجد النبوي فلا يقال: ذلك سفر، وإنما السفر كما يقول الإمام ابن تيمية ﵀: (كل ما احتاج الإنسان معه إلى زاد وراحلة) هذا بالجملة، ولكن جاءت نصوص: (يوم وليلة) ، (يومين) ، (ثلاثة أيام) ، إلى غير ذلك.
وصدر الحديث (لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم) قضية عامة: لا يخلون رجل بامرأة، حضراً أو سفراً، والخلوة: أن يكون الاثنان معاً فقط، سواءً كان في السيارة، أو كان في الخيمة، أو كان في البيت، أو.
إلخ، إذا خلا المكان من غيرهما فهذا ممنوع؛ لأنه قد جاء في الحديث: (ما خلا رجل بامرأة، إلا كان الشيطان ثالثهما، أو معهما) وإذا كان الشيطان معهما فسيجرهما إلى الشر، ولهذا نهى ﷺ عن ذلك.
ثم جمع مع النهي عن الخلوة ما يتعلق بموضوعها أيضاً وهو السفر للحج، فالمرأة حين سألت النبي: هل تحج عن أمها؟ فقال: حجي، فعندها يأتي السؤال: كيف تحج؟ فجاء بشرط حج المرأة وسفرها: أن يكون معها محرم، ومن هنا يرى أحمد ﵀: أن استطاعة المرأة للحج بالزاد والراحلة والمحرم، وإذا لم يكن لها محرم كزوج، وأب أو كان محرمها فقيراً لا يستطيع الحج فلا تتم استطاعتها، والجمهور: على أن استطاعة المرأة كاستطاعة الرجل، الزاد، والراحلة، والمحرم شرط زائد عن ذلك.
والأئمة الثلاثة ﵏ في حج المرأة حجة الفريضة من غير محرم يقولون: إن كانت هناك رفقة مأمونة فلها أن تخرج للفريضة فقط، وما هي الرفقة المأمونة؟! إذا كانت المرأة في جمع من النسوة مع محارمهن إلى غير ذلك، فتخرج لحج الفريضة ولا تخرج لحج النافلة.
لما قدم المؤلف ﵀ بيان فضل الحج، جاء بشروط وجوبه، وهي: الاستطاعة، وتفسيرها من النبي ﷺ بالزاد والراحلة، ثم جاء بعد ذلك بمن يحج عن غيره، من أب أو أم، حياً أو ميتاً، نذراً أو غير نذر، ثم جاء هنا بواجب من الواجبات، أو بشرط من الشروط وهو: حج المرأة بمحرم لها.
стр. 1684
اختلاط المرأة بالرجال وخلوتها بهم في السفر وفي غيره
وفي صدر الحديث أن النبي ﷺ قال -وهو يخطب على المنبر، والخطابة على المنبر قد تكون للجمعة وقد تكون لغيرها-: (لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعهما ذو محرم) هذا الجزء من الحديث -على إيجازه- يعطينا صورة كاملة على مدى الحفاظ على المرأة في الإسلام، وعلى وجوب التوقي من فتنتها؛ وذلك أن علاقة المرأة بالرجل، والرجل بالمرأة علاقة أصل بفرع، وفرع بأصله، ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء:١] فالأصل يعطف على الفرع، والفرع يحن إلى الأصل، وهذه جبلة وغريزة، والله حفظ الجنسين من بناء علاقة بينهما إلا ما كان في عقد نكاح، أو ملك يمين: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون:٦] .
فإذا جاء العقد كانت هناك رابطة أخص: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة:١٨٧] وقبل أن يأتي هذا اللباس فالمرأة الأجنبية محرمة على الأجنبي، وبهذه المناسبة -وقد انتشر في العالم التساهل في هذه القضية- نجد أن الله سبحانه سدّ منافذ الوصول إلى المرأة، من الحواس الخمس، عن النظر: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٣٠] ماذا؟ ﴿يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠] ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور:٣١] فأمر بغض البصر من كلا الجانبين، وحفظ الفرج، وكذلك السماع: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ﴾ [الأحزاب:٣٢] ، وكذلك: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] لأن ضرب الخلخال يصدر صوتاً تسمعه الأذن ويلفت النظر، وكذلك الملامسة من باب أولى، وهنا يقول ﷺ : (لا يخلون) ، بل أيضاً منع ما يثير حاسة الشم: (أيما امرأة تعطرت وخرجت من بيتها، فمرت على رجال، فوجدوا منها ريحها، فهي زانية) .
وقد يتعاظم الإنسان هذا الحكم، ولكن إذا عرفنا بأن العين تزني وزناها النظر، والأذن تزني وزناها السماع والتلذذ، والأنف أيضاً تزني وزناها الشم إلى غير ذلك هان الأمر علينا.
ثم منع الخلوة أياً كانت، وهذا زيادة في الحفاظ عليها، حتى جاء في ذلك قوله ﷺ لمن سأله: (أفرأيت الحمو يا رسول الله؟!) والحمو: أخو الزوج، يعني: يدخل في غيبة أخيه، فبيّن ﷺ أنه أشد خطراً فقال: (الحمو الموت) ؛ لأن الأجنبي لا يجرؤ أن يدخل، وإذا دخل لفت الانتباه، أما أخو الزوج فيدخل بيت أخيه، وهناك تكون عدم المبالاة، فيكون هناك ما يشبه الموت.
إذاً: في هذا الحديث يبين لنا النبي ﷺ أن على الرجل أن يتوقى من المرأة، وكذلك المرأة.
وتقدم لنا في قضية الخثعمية التي كانت تسأل النبي ﷺ والفضل بن العباس رديف النبي ﷺ ، فأخذ ينظر إليها، وأخذ الرسول ﷺ يصرف وجه الفضل عن الخثعمية، ولما سأله العباس في ذلك قال: (رأيت شاباً وشابة، فخشيت عليهما الفتنة) .
стр. 1685
حرمة سفر المرأة من غير محرم
قوله: (ولا تسافر امرأة بغير محرم) السفر بصفة عامة يكون للحج ولغير الحج، والمؤلف ساقه فيما يتعلق بالحج؛ لأن الرجل الذي قام وسأل ربط السفر بالحج، ولا تسافر المرأة بغير محرم، والسفر ليس مطلق النقلة، بل له حدود ومسافات، وجاء مسيرة يوم وليلة، (مسيرة) في اللغة: مفعلة، تصلح مصدراً ميمياً، وتصلح: اسم زمانٍ ومكان، فعلى أنها اسم زمان يكون النهي أن تسير يوماً وليلة قطعت فيها عشرة أميال أو آلاف الأميال، ويكون النهي متعلقاً بجزء زماني وهو: اليوم والليلة، وعلى أنها اسم مكان: يكون النهي عن أن تسافر مكاناً، ومسافته تقطع عادة في يوم وليلة، حتى ولو قطعتها في ساعة واحدة.
إذاً: (مسيرة) هنا تحتمل الأمرين، وقد وجدنا أن بعض العلماء يأخذها على الناحية الزمنية، فإذا سافرت أقل من يوم وليلة، -ولو قطعت مئات الأميال- لم تبلغ الحد الذي نهيت عنه، ومن حمله على المكان قال: لا تسافر تلك المسافة التي من عادتها أن تقطع في يوم وليلة، ولو سافرتها في ساعة واحدة.
ونجد ابن حجر ﵀ في فتح الباري يفرق فيما يتعلق بقصر الصلاة والفطر في رمضان، فيجعله من باب المكان، وعموم السفر يجعله من باب الزمان، والمسألة مشتبهة جداً وخطيرة، والغرض من ذلك: الحفاظ على المرأة من أن تخلو في سفرها؛ لأنه كما يقال: يخشى عليها من ذئاب الخلاء، وحينئذٍ إن اضطرت إلى سفر فهل تسافر أم لا؟ والنهي هنا هل هو للتحريم أو للكراهية؟ نجد القول متشعباً ومتعدداً في هذا الأمر، ولكن عندما يأتي عن رسول الله ﷺ هذا البيان، فالرجل سمع رسول الله ﷺ ينهى عن أن تسافر المرأة بغير ذي محرم، فأدرك المعنى، وهو يعلم أن زوجته خرجت للحج، وهو جالس وليس معها محرم، فقام وسأل: ماذا أفعل؟ ما هو الحكم؟ وقد اكتتبت في غزوة كذا؟ فهنا مقارنة بين أمرين: أن يصحب الزوجة لتكون ذات محرم في الحج، أو أن يذهب إلى الغزوة، فنجد النبي ﷺ يقدم ذهابه مع زوجه ليحج معها، حتى لا تحج بغير محرم، فلكأن وجود المحرم مع المرأة أهم من وجوده في تلك الغزوة، والمشاركة في الغزوة بالنسبة له من باب فروض الكفاية؛ لأنهم لم يهاجموا، والقتال يكون فرض عين على كل شخص حتى النساء إذا داهم العدو البلد، ويكون فرضاً كفائياً، إذا كان بعيداً عن بلده، والقوة موجودة، والعدد متوفر، ويكون من النافلة إذا توفر العدد الكثير ولم يتوقف عليه.
وهكذا رجح النبي ﷺ في هذه الحالة بين هاتين العبادتين، فقال: (اذهب وحج مع امرأتك) .
ربما يقول البعض: إن تلك المرأة التي خرجت للحج كانت برفقة أبي بكر رضي الله تعالى عنه، ولكن في النفس من ذلك شيء؛ لأن حجة أبي بكر رضي الله تعالى عنه كانت في السنة التاسعة، وفتحت مكة عام ثمانية من الهجرة، وبعث النبي ﷺ أبا بكر يحج بالناس سنة تسع، وأي غزوة كانت في سنة تسع؟ لا نعرف إلا غزوة تبوك، وهي لم تكن في وقت الحج.
إذاً: كونها في صحبة، أو رفقة أبي بكر هذا فيه نظر.
وهنا نجد بعض علماء الحنابلة يقولون: لا تتم استطاعة المرأة للحج، ولا تلزمها الفريضة إلا باستطاعتها في ذاتها وأيضاً كونها مستطيعة لمحرم يحج معها؛ لأنها في حاجة إليه، ونفقته عليها إن لم يكن خرج للحج عن نفسه معها.
ونجد الشافعي ﵀ يرى أن ذلك النهي للكراهية، ويقول: إن كانت الحجة فريضة، ووجدت رفقة مأمونة من النسوة وغيرهن سافرت معهن، فهي عندما تكون في جماعة النسوة معهن المحارم، فإنها تخدم وتحفظ وتصان مع النسوة فتكون في مأمن.
والنووي يدلل على هذا الجانب فيقول: لو أن امرأة خرجت مع محرمها، وفي منتصف الطريق مات المحرم، ماذا ستفعل تلك المرأة؟ أتبقى في مكانها في خلاء؟ أم ترجع إلى بلدها وحدها؟ إذاً: تمضي مع الرفقة حتى تتم حجها.
ثم جاءوا واستدلوا أيضاً بحديث الظعينة التي تسير بين يثرب والحيرة لا تخاف على راحلتها السرق، قالوا: فهذه ظعينة تسير وحدها، وأجاب الآخرون: بأن هذا إخبار -في الجملة- عن استباب الأمن، ولكن ليس فيه جواز مسير المرأة بغير محرم، ولا ينبغي أن ننصب التعارض بين هذين الحديثين، ولا سيما مع طول الزمن وفساد الحال.
стр. 1686
المحرم الذي تسافر معه المرأة في الحج
من هو المحرم الذي يكون للمرأة في الحج؟ قالوا أولاً: الزوج.
ثانياً: من كانت المرأة تحرم عليه تحريماً مؤبداً، أما إذا كان زوج أختها، أو زوج خالتها، أو زوج عمتها، فهي لا تحل له، لئلا يجمع بين الأختين، ولا تنكح المرأة مع عمتها أو خالتها، لكن هذا التحريم مؤقت، لأنه إذا ماتت الأخت أخذ أختها، وإذا ماتت البنت أخذ خالتها، وهكذا يمكن أن يأخذ الواحدة منهن على انفراد، وقد يطلقها في الطريق، وتحل له هذه بعد طلاقها وخروجها من العدة، فالمقصود بالتحريم أن يكون مؤبداً.
والعجيب أن نجد قولاً لـ مالك ﵀، يستثني من هذا التحريم المؤبد الأخ من الرضاع، وولد الزوج، فالأخ من الرضاع محرم على التأبيد، وولد الزوج محرم؛ لأنها زوجة أبيه، ويعلل ذلك بفساد الزمن، فإذا كان في زمن مالك يمنع أن يكون ولد الزوج محرماً في السفر مع زوجة أبيه لفساد الزمن، فماذا نقول في وقتنا الحاضر؟ إذاً: المسألة تحتاج إلى تحفظ واحتياط.
ولكن للأسف فإننا نشاهد مجيء المرأة بدون محرم في حلها وترحالها، عند ركوبها السيارة، عند نزولها، وعند وجودها في منى، وعند وقوفها في عرفات، فلو أرادت أن تشرب ماءً، أو أن تريق ماءً، فإنها في حاجة إلى من يكون معها، ويأخذ بيدها إلى قضاء حاجتها.
إذاً: إذا كان المولى سبحانه أعفى المرأة ولم يوجب الحج عليها إذا لم يكن لها محرم، فلا حاجة أن تغرر بنفسها، ولا حاجة أن نشجعها على مخالفة السنة النبوية المطهرة، لكن إذا حدث وجاءت فهل نردها؟ لا نملك ذلك، وسنقع في المحظور، ولكن ينبغي أن يُعرف هذا الحديث ويحفظ ويعلّم ويدرس قبل أن تخرج المرأة من بيتها، وأنتم الآن وقد علمتم ذلك، فقد حملكم الله الأمانة، وحملكم رسول الله ﷺ في حجة الوداع فقال: (ألا فليبلغ الشاهد الغائب فرب مُبَلغ أوعى من سامع) ، وقال: (رحم الله امرأً سمع مقالتي، فوعاها، فأداها كما سمعها، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) .
إذاً: هذه قضية عامة ينبغي أن تراعى.
ونجد بعض الناس يقول: المرأة إن كانت شابة فتمنع؛ لأنها موضع الفتنة، وإن كانت عجوزاً فلا مانع، ونجد الآخرين يقولون: لكل ساقطة لاقطة، فالعجوز لها عجوز أيضاً، ولكن: آخر ما يمكن أن يقال: سددوا وقاربوا، والله تعالى أعلم.
стр. 1687
شرح حديث: (حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة)
قال المؤلف ﵀: [وعنه أن النبي ﷺ سمع رجلاً يقول: (لبيك عن شبرمة، قال: من شبرمة؟ قال: أخ لي، أو قريب لي، فقال: حججت عن نفسك؟ قال: لا.
قال: حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة) رواه أبو داود وابن ماجة، وصححه ابن حبان والراجح عند أحمد وقفه] .
стр. 1688
الحج عن الغير وشرطه
هذا الحديث تتمة لما تقدم بيانه من أن المرأة الخثعمية سألت: (فريضة الله في الحج، أدركت أبي شيخاً كبيراً) .
وهكذا ثبتت صحة حج الإنسان عن الغير عند الجمهور، وكذلك الحج عن الميت إن أوصى أن يحج عنه، وهذا عند مالك فقط، إذن: يجوز أن يحج إنسان عن غيره، لكن ما هو المشروط في هذا النائب في حجه عن الغير؟ وللجواب على ذلك جاء المؤلف ﵀ بهذا الحديث.
الرسول ﷺ يسمع إنساناً يطوف بالبيت قائلاً: (لبيك اللهم عن شبرمة) اسم علم، قال: من شبرمة هذا؟ أي: ماذا يكون لك؟ قال: أخ لي، أو صديق لي، أو قريب لي، الشك من الراوي؛ لأن الملبي سمى واحداً فقط، لكن الراوي التبس عليه أي الألفاظ قال.
يهمنا أنه حاج عن غيره، فسأله ﷺ : (أحججت عن نفسك؟ -أنت الآن تحج عن شبرمة، فهل حججت عن نفسك أنت؟ - قال: لا، قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة) .
وعلى هذا فعند الجمهور: من لم يحج عن نفسه لا يتأتى منه أن يحج عن الغير، لكن لو قدر أن وقع ماذا يكون؟ هذا هو الفقه.
مدلول النصوص قد يستوي في إدراكه الكثيرون، ولكن فقه الحديث قد يختص به العلماء وسلف الأمة رضوان الله تعالى عليهم، فلو وقع وجاء إنسان ولبى عن غيره، وهو لم يحج عن نفسه، قالوا: تقع الحجة عن نفسه، وإن كان قد أخذ أجراً من ولي أمر الذي يريد أن يحج عنه، فما أخذه دين في ذمته، فإن شاء حج في السنة التي تليها عمن أراد، وإن شاء رد الأجر على أهله.
стр. 1689
حكم الإجارة في الحج
وعلى هذا يأتي بحث الإجارات في الحج، وهل هذا الرجل حج عن شبرمة متطوعاً أو بأجرة؟ لم يسأله ﷺ عن ذلك، ولكن كلمة (أخ) وكلمة: (صاحب) تشعر بأنه متطوع ومتبرع، وما كان يعرف في الزمن السابق أن إنساناً يأخذ أجرة على الحج، والآن أصبح طريقاً من طرق الكسب، والله المستعان.
ويبحث العلماء عن حكم أخذ الأجرة على الحج عن الغير، فمن العلماء من يمنع ذلك بالكلية، قال: لأن الحج عبادة، والعبادة لا يؤخذ عليها الأجر، وقوم قالوا: هناك فرق بين أمرين: من حج ليأخذ، ومن أخذ ليحج، فمن أخذ ليحج أي: أنه لا يريد أن يتمول، ومستعد أن يحج عن الغير، وقد حج عن نفسه، لكنه لم يستطع أن يقوم بلوازمه بنفسه، فأخذ من ولي النائب عنه ما يحججه، بمعنى: يأخذ على الوصول، ولو أن ولي من ينوب عنه أخذه في صحبته بسيارته، أو أسكنه معه في خيمته وتكفل بأكله وشربه، حتى أدى المناسك ورده إلى بيته، أجزأه، ولا مانع في ذلك.
ولكن من ليست له رغبة في الحج في البدء، ولما عرض عليه الولي الأمر، وجعل له مبلغاً من المال لفت نظره، فحج ليأخذ هذا المبلغ، فهذا حج ليأخذ ولم يأخذ ليتبلغ، فهو يأخذ هذا المبلغ ويحج منه، وما زاد فله، بخلاف الذي يحج على البلاغ، فإنه لو لم يصحبه معه، وأعطاه مبلغاً فأنفق منه بالمعروف، على ما ينفق على مثله، ولو زاد شيء من المال رده لصاحبه، وإذا نقص عليه شيء استوفاه من صاحبه؛ لأنه على البلاغ، وهكذا، من حج ليأخذ فلا يحق له، ومن أخذ ليستعين به على الحج فلا مانع.
ثم إن الشافعي ﵀ قال: من أخر الحج بعد الاستطاعة بالزاد والراحلة، ومات قبل أن يحج، فإن الواجب على ورثته أن يخرجوا من رأس مال التركة قبل قسمتها، وليحجوا عنه من تركته ومن بلده.
стр. 1690
الوصية بالحج وكيفية تنفيذها
ومن أوصى بحجة من تركته، تعلقت الوصية بالثلث، فريضة كانت أو نافلة؛ لأنه له الحق في التصرف في الثلث: (إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة في أجوركم) فلو أوصى وقال: فأوصى: حججوا عني، نظرنا كم يحتمل؟ ثلث التركة فإن احتمل من يحج عنه من بلده تعين إنفاذ الوصية، وإن احتمل من يحج عنه من نصف الطريق اكتفينا، وإن لم يحتمل إلا أن نأخذ من مكة فيكتفى بذلك، وهكذا، فتتعلق الوصية بالحج بثلث التركة، ومن حيث احتمل الثلث أخذنا من يحج عنه، وبالله تعالى التوفيق.
ثم إنهم اتفقوا على أن من حج عن أحد تطوعاً، كأحد أبويه، أو قريب له، أو صديق، فإن له من الأجر كأجر الذي حج عنه، والله تعالى أعلم.
стр. 1691
شرح حديث: (إن الله كتب عليكم الحج ... )
قال المؤلف ﵀: [وعنه ﵄ قال: (خطبنا رسول الله ﷺ فقال: إن الله كتب عليكم الحج، فقام الأقرع بن حابس فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟! قال: لو قلتها لوجبت، الحج مرة، فمن زاد فهو تطوع) رواه الخمسة غير الترمذي، وأصله في مسلم من حديث أبي هريرة] .
стр. 1692
استحباب تكرار الحج
أخيراً: يأتي المؤلف ﵀ ببيان ما يلتبس على الناس، لأن الحج يأتي كل سنة، ورمضان يأتي كل سنة، والصوم في رمضان كلما جاء رمضان واجب، فهل كلما جاء الحج وجب على المستطيع؟ فخطب النبي ﷺ وقال: (إن الله كتب عليكم الحج) (كتب) بمعنى: ألزم، وهي صيغة تكليف مؤكدة، وتأتي في الأمور الهامة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة:١٧٨] ، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة:١٨٠] ، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة:١٨٣] .
(إن الله كتب الحج) أي: أوجبه بكتابه، وجاء في الكتاب الكريم: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران:٩٧] فقام: الأقرع بن حابس -وهو سيد في قومه- وقال: (يا رسول الله! كتب الله علينا الحج، والحج يأتي كل سنة، أفي كل سنة نحج؟) أي: يكون التكرار بتكرار موجبه كما في رمضان؟ فرمضان جاء فيه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥] ، فكان إلزاماً لكل من شهد الشهر بأن يصومه، ولكن هنا قال: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧] .
فكان جواب النبي ﷺ : (لو قلت: نعم، لوجبت، ولم تستطيعوا) وفي بعض الروايات: (دعوني ما تركتكم، إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه) .
ثم بين ﷺ أن الحج في العمر مرة واحدة، وما زاد عن المرة فتطوع، ومتى يكون؟ لم يحدد، فإذا كرر الحج كل سنة، فهو طيب.
стр. 1693
تكرار الحج أفضل من التصدق بنفقته
وقال بعض العلماء: تكرار الحج أفضل من التصدق بنفقته؛ لأن فيه منافع كثيرة؛ ولكن جاء هناك تحديد في قوله ﷺ كما في الحديث القدسي: (لا يحل -أو لا يحق- لعبد عافيته في بدنه، وأوسعت له في رزقه، أن يهجر البيت فوق الخمس) ، إنسان مستطيع وثري، والطريق آمن، فما ينبغي أن يهجر البيت أكثر من خمس سنوات، والرسول ﷺ سماه هجراً: (أن يهجر البيت) فإذا كان يستطيع لأقل من الخمس فهو المطلوب، وإن وفاها إلى الخمس فلا ينبغي أن يتجاوزها، وهكذا الحج في العمر مرة، والنافلة لا حد لها، ولا ينبغي لمستطيع أن يجاوز الخمس سنوات، وكيف وقد جاء عنه ﷺ : (من أراد خيري الدنيا والآخرة فليؤمنّ هذا البيت) ، من أراد أن يوسع الله في رزقه فليؤمن هذا البيت، ففي الحج فوائد كثيرة.
ويكفي عموم قوله سبحانه: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُم﴾ [الحج:٢٨] واتفق علماء البلاغة على أن التنكير في مثل هذا للعموم: منافع دنيوية شخصية، واجتماعية، واقتصادية، ومنافع أخروية.
إذاً: الحج مرة في العمر، ونافلته لا تنحصر، ولا ينبغي تركه أكثر من خمس سنوات، والله تعالى أعلم.
стр. 1694
كتاب الحج - باب المواقيت
إن لحج بيت الله الحرام مواقيت زمانية لا يصح الإتيان بالنسك إلا فيها وهي: شوال وذو القعدة وأول ذي الحجة، كما أن له مواقيت مكانية محيطة من كل الجهات ببيت الله الحرام، لا يجوز للحاج أن يتجاوزها إلا بإحرام، ومنها: ذو الحليفة، والجحفة، وقرن المنازل، ويلملم، وذات عرق، ولها أحكام متعلقة بها ذكرها أهل العلم في المطولات.
стр. 1695
شرح حديث ابن عباس في مواقيت الحج
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد: فيقول المصنف ﵀: [عن ابن عباس ﵄ (أن النبي ﷺ وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، هنَّ لهنَّ ولمن أتى عليهن من غيرهن ممن أراد الحج أو العمرة، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة) متفق عليه.
] .
المؤلف ﵀ بعد أن بيّن لنا فضل الحج: (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) ثم بيّن من يجب عليه الحج بالأصالة أو النيابة، ثم بيّن لنا شروط النيابة، ثم بيّن لنا أنه واجب في العمر مرة، فلكأننا رغبنا في الحج، ولكأننا اكتملت لنا الاستطاعة، ولكأننا عزمنا على الحج، ونريد البداية، فجاءنا بباب المواقيت؛ لأن المواقيت هي أول أبواب الدخول في الحج، ووقفنا على الأبواب فبين لنا مكان الميقات.
стр. 1696
أحكام الحرم وحدوده
المواقيت على وزن: مفاعيل من الوقت، أصلها موقت، نأتي ونُبعد الدائرة قليلاً، ونجد أن هذه المواقيت لمن أراد القدوم على البيت في نُسك، ونجد هناك دائرة أضيق وهي: حدود الحرم، فإن المولى سبحانه جعل للبيت حدوداً وهي داخل مكة للمقيم وللقادم، في نسك وفي غير نسك، تلك الحدود لها أحكام الحرم: عموم الأمن: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ [آل عمران:٩٧] بلوغ الهدي: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة:١٩٦] (هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة:٩٥] والكعبة لا أحد ينحر فيها الهدي، لكن المراد به إطلاق الحرم داخل مكة، تحريم الصيد وقطع الشجر، وتأمين الخائف: يأمن فيه الطير، والوحش، والإنسان، والصيد، فهذه دائرة محدودة داخل مكة، للمحرم ولغير المحرم، ثم نجد الدائرة الأوسع لمن أراد أن يقدم على البيت بنسك، ونجد هذه المسافات مختلفة، وكذلك المسافات في حدود الحرم، نجد حداً من حدود الحرم: سبعة كيلومترات، وهو: مسجد التنعيم، ونجد حداً من حدود الحرم عشرين كيلومتراً، وهو: ما بين المزدلفة وعرفات، ونجد أيضاً هناك الجعرانة.
إذاً: اختلفت حدود الحرم، واختلفت مواقيت المحرم، أما اختلاف حدود الحرم فالعلماء الذين كتبوا في تاريخ الكعبة، وفي هذا الموضوع، يذكرون أسباباً عديدة، نلم بالقليل منها، فمنهم من يقول: بأن الخليل ﵇ لما أتمَّ بناء البيت، جاءه جبريل حينما قال: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ [البقرة:١٢٨] فعلمه المناسك، ثم بيّن له حدود الحرم على ما هي عليه الآن.
وبعضهم قال: لما نزل الحجر الأسود من الجنة كانت له إضاءة، وكان مشعاً مضيئاً، ولكن إضاءة الحجر لم تأخذ دائرة الضوء المعروفة، بل كانت متفاوتة الأطراف، وحيث ما انتهى الضوء من الجهات الأربع كان حد الحرم منها، فكان اختلاف حدود الحرم باختلاف وصول الضوء من الحجر، والله تعالى أعلم.
стр. 1697
توقيت المواقيت علم من أعلام النبوة
أما المواقيت فإننا بالتأمل نجد هذه المواقيت وفيها مباحث عديدة من جانب المعجزة لرسول الله ﷺ ، ومن باب بيان علاقة الحرمين معاً، ومن باب الآداب التي يجب التزامها عند الدخول على البيت، أما تلك المواقيت فوجدنا الرسول ﷺ حج سنة عشر، وبيّن المواقيت، وانتقل إلى الرفيق الأعلى سنة عشر والإسلام لم يخرج من جزيرة العرب، إنما وصل إلى اليمن، وكان حده إلى تبوك ولم يتعد النهرين، ولم يعبر البحر الأحمر، ولكنا نجد رسول الله ﷺ يضع الحد في المواقيت لأهل الشام، وأهل العراق، ولم يكن هناك شام مسلم، ولا عراق مسلم، ولا مصر مسلم، فيكون ذلك من باب المعجزة أن الله تعالى أعلمه بذلك، وهو مستفاد أيضاً من منطوق: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة:٣٣] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ:٢٨] وأن الدين سينتشر، وكما قال في غزوة الأحزاب، لما استعصت عليهم الكدية، وضربها بالمعول ثلاث ضربات، فأبرقت عند كل ضربة، وكبر رسول الله ﷺ ثلاث تكبيرات، وقال في الأولى: (الله أكبر! فتحت مدائن كسرى) وكان بعض المنافقين يقول: نحن خائفون على أنفسنا، وهو يقول لنا: فتحت مدائن كسرى! ولكن المؤمنين صدقوا ذلك، وكان أبو هريرة يقول: (اغزوا ما شئتم، واغنموا ما شئتم، فقد أخبرنا بذلك رسول الله ﷺ من قبل) .
إذاًَ: هذه المواقيت التي أخبر عنها رسول الله ﷺ ، ووقتها لأهلها قبل أن يأتي الإسلام إليهم فيه توطيد وتشريع مسبق للشمول.
стр. 1698
المواقيت توقيفية لا يزاد عليها ولا ينقص منها
حين ننظر في هذه المواقيت، فسنجد أن أهل المدينة يهلون من: ذي الحليفة.
وقوله: (وقّت رسول الله ﷺ ، يعني: المواقيت توقيفية عن رسول الله ﷺ ، لا يملك أحدٌ أن يغير أو يبدل فيها، ولا نقول: المسافة طالت على أهل المدينة، دعونا نقدمها قليلاً، ولا نقول: المسافة قريبة على أهل اليمن، دعونا نبعدها قليلاً، فما دام أن رسول الله ﷺ وقتها فتبقى على توقيت رسول الله ﷺ ، وإذا فكرنا أو تخيلنا قليلاً بحثاً عن العلة فقد يقال: إن معزة المدينة على رسول الله ﷺ جعلته يربطها بحرم مكة، فيخرج من حدود حرم المدينة إلى حدود الإحرام بالحج؛ لأن حرم المدينة من: ثور، وهو: الشمال الغربي من أحد إلى عير، وهو المحاذي لذي الحليفة، فإذا كان حد الحرم ينتهي إلى عير عند ذي الحليفة، والمحرم من المدينة يحرم من ذي الحليفة، يعني: لا يخرج من حرم المدينة إلا بإحرام إلى حرم مكة، فيكون على ارتباط واتصال، وأما الشام ومصر، وأهل حوض البحر الأبيض المتوسط -والبحر الأبيض المتوسط كالبحيرة، وهو كالحوض الكبير جداً- فيشمل كل من يأتي من الشمال من إيطاليا وما حولها، إلى تركيا، وإلى سوريا، وإلى لبنان، وإلى وإلى ويدخل على البحر الأحمر، ومن ذلك مصر، ومن يأتي أيضاً من المغرب إن جاء عن طريق البحر الأبيض، فكل من جاء عن طريق البحر الأبيض إلى البحر الأحمر فإن ميقاته الجحفة، والجحفة قرية كانت في محاذاة رابغ على ساحل البحر، لكن البحر مع المد والجزر جحفها؛ فسميت الجحفة، وأصبح الميقات الآن في محاذاتها، وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله، ووقّت لأهل اليمن: يلملم، وهو موضع معروف لأهلها على بعد مرحلتين، والجحفة على بعد خمس مراحل، وذو الحليفة على بعد تسع مراحل، وقرن المنازل وهو لأهل نجد على بعد مرحلتين، ووقّت لأهل العراق ذات عرق، وقيل: الذي وقت هذا الميقات هو عمر.
ويهمنا قوله ﵁ في الحديث المتفق عليه: (أن النبي ﷺ وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة،ولأهل الشام الجحفة، ولأهل اليمن يلملم، ولأهل نجد قرن المنازل) .
стр. 1699
الميقات لمن أتى عليه ولو لم يكن من أهله
ولما سمى تلك المواقيت لتلك البلاد قال: (هن لهن -يعني: لأهلهن- ولمن أتى عليهن من غير أهلهن) يعني: لو أن إنساناً تركياً أو شامياً أو هندياً أو باكستانياً جاء إلى المدينة ولم يأت عن طريق البحر الأحمر، ولا عن طريق حوض البحر الأبيض، فما دام وصل إلى المدينة لا يكون ميقاته الجحفة بل ميقاته ميقات أهل المدينة لقوله: (ولمن أتى عليهن من غير أهلهن) وكل الحجاج الذين يجتمعون في المدينة من جميع الأقطار، ويريدون الخروج إلى مكة للحج، فميقاتهم ميقات أهل المدينة، وهكذا أهل المدينة إن جاءوا من الشام على الجحفة، أو جاءوا من اليمن على يلملم، أو جاءوا من نجد على قرن المنازل، لا يقولون: ميقاتنا المدينة ولابد من الرجوع إليه، فما دام أنه سيدخل من ذلك الميقات إلى مكة مباشرة فيحرم من هناك، وهذا هو الشمول والعموم، فلا تخصيص ولا عنصرية -كما يقال اليوم-، فالتوقيت عام لجميع الأجناس، والغرض أن من أراد النسك -حجاً أو عمرة- فلا يجوز له أن يتجاوز الميقات الذي في طريقه إلا وهو محرم، سواءً كان من أهل هذا الميقات أو كان وافداً وماراً عليه، ثم قال ﷺ : (ومن كان دون ذلك) أي: داخل الدائرة، كالناس الذين بين الجحفة ومكة، والذين بين يلملم ومكة، والذين بين قرن المنازل ومكة.
إلخ، هل يرجعون إلى الميقات ليحرموا منه؟ قال: لا، ومن كان محله دون ذلك نحو مكة، فمن حيث أنشأ، فلو كان في منتصف الطريق بين يلملم ومكة، أي: على بعد مرحلة، فيحرم من مكانه ولا يرجع إلى الميقات.
وهكذا كل من كان دون الميقات إلى مكة، فموقع إحرامه وميقاته: مكانه الذي هو فيه، حتى قالوا: لو أراد أهل عرفات العمرة أحرموا من عرفات، وجاءوا إلى البيت، ولو أرادوا الحج أحرموا من عرفات، ووقفوا الموقف، وأتموا حجهم.
وأهل مكة إذا أرادوا الحج فمن مكة، وإن أرادوا العمرة فلابد من خروجهم إلى أدنى الحل ثم يدخلون الحرم محرمين، لحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: (أن النبي ﷺ أعمرها من التنعيم) لأن العمرة زيارة، والنسك لابد فيه من الجمع بين الحل والحرم، فما وراء التنعيم حل، فيحرم من الحل، ويدخل الحرم محرماً، أما القادم من خارج الحدود فهو بطبيعة الحال يجمع بين الحل والحرم، أما أهل مكة في الحج فإنهم بخروجهم إلى عرفات يكونون قد خرجوا من حدود الحرم، فبعد وقوفهم يرجعون إلى البيت محرمين، وهكذا، والله تعالى أعلم.
стр. 1700
شرح حديث عائشة في ميقات أهل العراق
قال المؤلف ﵀: [وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي ﷺ (وقّت لأهل العراق ذات عرق) رواه أبو داود والنسائي، وأصله عند مسلم من حديث جابر ﵁، إلا أن راويه شك في رفعه.
وفي صحيح البخاري: أن عمر هو الذي وقّت ذات عرق.
وعند أحمد وأبي داود والترمذي عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ (وقّت لأهل المشرق العقيق) ] .
стр. 1701
تحقيق الخلاف في توقيت ذات عرق
تقدم في الحديث الأول: (وقّت النبي ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة) وتقدمت المواقيت أن لأهل الشام الجحفة، ولأهل اليمن يلملم، ولأهل نجد قرن المنازل، وهنا يأتي المؤلف رحمه الله تعالى بهذا الحديث عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي ﷺ (وقّت لأهل العراق ذات عرق) وكلٌ من: يلملم، وقرن المنازل، وذات عرق، تبعد عن مكة مرحلتين.
ثم ساق المؤلف رواية أخرى: (أن عمر رضي الله تعالى عنه هو الذي وقت لأهل العراق ذات عرق) وهذا عند العلماء يسمى باختلاف الحديث؛ لأن الرواية الأولى تقول: الذي وقّت لأهل العراق هو رسول الله ﷺ ، والرواية الثانية تقول: الذي وقّت لأهل العراق هو عمر رضي الله تعالى عنه.
ويجمع بعض العلماء بين الروايتين وأن كلتيهما صحيحة، قالوا: وقّت النبي ﷺ فعلاً، ولكن الخبر لم يبلغ عمر، ولما كان في خلافته رضي الله تعالى عنه، ودخلت العراق في الإسلام، فسألوا عمر أن يوقِّت لهم فوقت لهم ذات عرق، وغاية ما هناك أن يكون توقيت عمر وافق توقيت النبي ﷺ ، وهذا ليس بعيداً على عمر رضي الله تعالى عنه، فقد وافق القرآن الكريم في ستة مواضع، فلا غرابة من أن يوافق السنة في هذا الموضع، وبعضهم يقول بالترجيح؛ لأن خبر عائشة فيه راوٍ ضعيف، وخبر عمر أصح سنداً، وعلى كل فقد انعقد الإجماع على أن ميقات أهل العراق هو ذات عرق.
ثم يأتي المؤلف بهذا الخبر الآخر: (وقّت لأهل المشرق العقيق) ، وهو: من العقوق وهو أن يشق السيل الأرض، أي: يعقها، والمعروف منه: وادي العقيق بالمدينة، وهو الذي يمر بذي الحليفة وينزل إلى عروة إلى سلطانة إلى ملتقى الأسيال إلى الغابة.
ووادي العقيق بالطائف، وكلاهما بهذا الاسم، ويقال: هناك ثالث باليمن، والله تعالى أعلم؛ فقالوا: رواية أهل المشرق هم أهل العراق، والعقيق هو بنفسه يمر أو يقع بذات عرق، فإذا كان ذات عرق بالعقيق؛ فلا منافاة بين التسمية؛ لأن كليهما يصدق على مكان واحد، ويرى بعض العلماء أن هذا التوقيت من عمر قياساً، أي: على تباعد ما سنه وبينه رسول الله ﷺ من مواقيت اليمن ونجد.
стр. 1702
من لا يمر طريقه بميقات فيحرم عند محاذاة الميقات
ثم ذكر العلماء مسألة وهي: أن من أتى إلى مكة، ولم يكن طريقه على ميقات من تلك المواقيت ماذا يفعل؟ هل يتعين عليه أن يقصد إليها حتى ينشئ إحرامه منها؟ قالوا: لا، ولكن إذا حاذى الميقات يميناً أو يساراً فهناك ميقاته ويحرم من تلك المحاذاة، ثم جاء بعد ذلك أيضاً -كما يقولون الجهات الست- الوراء، والأمام، واليمين، واليسار، والفوق، والتحت، هذه تسمى الجهات وهي نسبية، فقالوا: كل من مر بمحاذاة ميقات، في البر في الجو في البحر فإن ميقاته محاذاته، واليوم تأتي السفن وتمر بالبحر فتحاذي الجحفة، فيكون ميقات من في البحر وهو في السفينة أن يُحرم من محاذاة الميقات، وكذلك في الطائرات فمن جاء في طائرة، ومر بميقات بلده، عليه أن يتأهب قبل أن تصل الطائرة إلى الميقات، ويحرم قبل مجاوزة الطائرة محاذاة ميقاته؛ لأن الطائرة ليست كالسفينة فهي تقطع المسافة بسرعة، وتخرجه عن حدود الميقات بسرعة، فعليه أن يبادر ولا يتأخر، فمثلاً: ميقات أهل المدينة: ذو الحليفة، والذي يسافر على السيارة سيمر بها، فإذا كان طريقه كما هو الحال الآن بما يسمى بخط الهجرة، فلا يمر بالمسجد ولا بالقرية إنما يجانب عنها إلى جهة الجنوب الشرقي، فلا مانع أن يحرم في الطريق من محاذاة الميقات، ولا يأتي إلى المسجد.
стр. 1703
كيفية الإحرام لمن أراد السفر بالطائرة
ومن لم يمر على الميقات له أن يحرم من أول حدود (الميقات) وكذلك له أن يحرم من طرف الميقات، المهم أنه لا يتجاوز حدود الميقات إلا وقد أحرم، فإذا كان سفره بالطائرة والطائرة تأخذ طريقها جنوباً، فتمر بمحاذاة ذي الحليفة وقد تمر فوقها عمداً كما هو في خطوط الطيران، فإذا خرج الحاج من المدينة، لا نقول: عليك أن تذهب بالسيارة إلى ذي الحليفة فتحرم، ثم تأتي وتطلع إلى المطار وتسافر على الطائرة، لا، ولكن تجهز في بيتك، والبس الإزار والرداء، واذهب إلى المطار، وعندما تأتي الرحلة فلا تُلب، ولا تنو عقد الإحرام حتى تضمن الرحلة، فإذا ما صعدت الطائرة، وشُدَّ الحزام، وأقفل الباب، وتحركت محركاتها، واتجهت في طريقها في مدرج المطار، فعندما ترتفع عن مستوى الأرض هناك تُحرم؛ لأنك إذا انتظرت حتى ترى ذا الحليفة تكون قد اجتزتها، وخرجت قبل أن تحرم، وهكذا إذا جاء إنسان على الطائرة من نجد أو من اليمن ومر في الجو بمحاذاة الميقات فإنه يحرم من محاذاة ميقاته، سواءً كان في البر أو كان في البحر أو كان في الجو، فهذه هي المواقيت وهذا ترتيبها لمن أراد إنشاء الإحرام منها.
стр. 1704
الإحرام في الميقات إنما هو لمن أراد النسك
بقي ما تقدم من قوله ﷺ : (هن لهن ولمن أتى عليهن ممن كان يريد الحج والعمرة) مفهوم المخالفة: من أتى عليهن ولم يكن يريد الحج ولا العمرة هل نلزمه بالإحرام؟ لا نلزمه بالإحرام؛ لأن التوقيت لمن أراد النسك، ومن أراد أن يدخل مكة لتجارة لزيارة لاعتكاف لشيء آخر من غير العمرة أو الحج فله أن يجتاز المواقيت من غير إحرام، ولكن وجدنا الفقهاء ﵏ قالوا: من أراد الدخول إلى مكة وكان قد مضى عليه من إتيان مكة زمن طويل لا ينبغي أن يدخل مكة غير محرم بعمرة توقيراً وتعظيماً للبيت، وبعضهم حدد بعض الأشهر، وبعضهم قال: لا يزيد عن أربعين يوماً، واستثنوا من ذلك صاحب التردد: كالحطاب، وصاحب البريد، والآن بعض الناس يعمل في جدة وهو ساكن في مكة، ويومياً يسافر إلى جدة، والعكس رجل يعمل في مكة وهو ساكن في جدة، فهؤلاء لا يدخلون في هذا الحكم، ولكن إن تيسر له فالحمد لله، وإن لم يتيسر له فليس بواجب عليه، وقد أخذ الفقهاء هذا الحكم من فعله ﷺ في عام فتح مكة، حيث دخل مكة وقد مر بذي الحليفة ولم يحرم، ودخل مكة وعلى رأسه المغفر، والمحرم يكشف رأسه، وما أتى عنه أنه ﷺ أول ما جاء مكة أنه طاف؛ لأنه كان مشغولاً بأمر وبشئون فتح مكة، فاستدل العلماء بذلك على أن من دخل مكة لغير نسك، بتجارة أو زيارة أو أي شيء آخر فليس عليه أن يُحرم، وإنما يدخل دخولاً عادياً، هذا ما يتعلق بالمواقيت.
стр. 1705
حكم من جاوز الميقات من غير إحرام ناسياً أو جاهلاً
ترد هنا مسألة فقهية: لو أن إنساناً جهل الميقات، مثال ذلك: إنسان أتى من نجد، أو أتى من الشام، أو خرج من المدينة، ولا يعلم منطقة ذي الحليفة أين هي، ويظنها أمامه، فجاوز الميقات، ولما وصل إلى المركز هناك أخبروه، وقالوا له: كيف تذهب إلى الحج ولم تحرم؟! قال: سأحرم من ذي الحليفة، قالوا له: ذو الحليفة وراءك! فكان جاهلاً بها، أو كان يعرفها ولكنه نسي، وجاوز الميقات، ولم يحرم، فماذا يفعل؟ يقول الجمهور: النسيان لا يعفيه من الفدية، ولكن هل يُحرم من مكانه؟ أو يرجع إلى ميقاته، لأنه مر عليه جاهلاً ناسياً؟ وإذا رجع إلى الميقات هل يسقط عنه دم التجاوز للميقات، أو لا يسقط عنه؟ فالبعض يقول: لا يسقط عنه؛ لأن المجاوزة حصلت، والبعض يقول: إن رجع، وكان قد تجاوزه ناسياً أو جاهلاً سقط عنه الدم، أما إذا تعمد وهو يعلم فجاوزه ولم يحرم فلا يسقط عنه الدم ولو رجع، هذا ما يتعلق بقضية الميقات المكاني.
стр. 1706
الميقات الزماني للحج والعمرة
وللحج ميقات زماني، وقد تقدمت الإشارة إلى أن العمرة لا زمن لها (العمرة إلى العمرة) مطلقاً، وإنما تكلم الفقهاء في الأيام التي لا يجوز له أن يأتي بعمرة فيها وهي: الأيام المختصة بالحج، كيوم عرفة، ويوم العيد، وأيام التشريق، فمنهم من يقول: يومان، ومنهم من يلحق اليوم الثالث بها، ومنهم من يفصل: إن كان قد تعجل في يومين فله أن يأتي بالعمرة في اليوم الثالث، وإن لم يكن تعجل فليس له أن يفعل ذلك، وبعضهم يقول: لا يجوز ولو تعجل؛ لأن اليوم الثالث من أيام الحج؛ ولأن جماعة آخرين تأخروا في منى يرمون الجمرات، إذن: جميع السنة وجميع الأيام وقت زمني للعمرة ما عدا يوم عرفة، ويوم العيد، وأيام التشريق الثلاثة على الاحتياط.
أما الميقات الزماني للحج فكما بيّن سبحانه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧] وأجمعوا على أن الجمع هنا يطلق على الشهرين وبعض الثالث تغليباً، وهي: شوال، وذو القعدة، وبعضٌ من ذي الحجة، فإذا أنشأ الإحرام في الميقات الزماني وقع، وهل يجوز تقديم الإحرام عن الميقات المكاني، وعن الميقات الزماني أو لا يجوز؟ وإذا فعل ما هو الحكم؟ فلو أن إنساناً أحرم بالحج أو بالعمرة من المدينة، أو من المسجد النبوي أو من بيته، فـ مالك ﵀ أتاه شخص وقال: (أريد أن أحرم من هذا المسجد، قال: لا تفعل، قال: لماذا؟ قال: أخشى عليك الفتنة، قال: وأي فتنة تخشاها؟ قال: أخشى أن يخطر ببالك أنك أحرمت بخطوات أكثر من رسول الله ﷺ أو من مكان أفضل من المكان الذي أحرم منه رسول الله ﷺ فيخطر ببالك أنك فعلت خيراً مما فعل رسول الله ﷺ فتهلك) والآخرون يقولون: إن كان من غير المدينة -وهذا الاحتمال ليس وارداً- قالوا: لا بأس، فيجوز أن يُقدم الإحرام عن المواقيت المسماة، واستدلوا بأمرين: الأمر الأول: جاء حديث: (من أحرم بعمرة من بيت المقدس كان له من الأجر كذا) فقالوا: يُحرم من بيت المقدس، وقوم قالوا: هذا خاص ببيت المقدس؛ لأنه من حرم إلى حرم ولا يجوز ذلك من غيره، وقال الآخرون: جاء عن علي رضي الله تعالى عنه، في قوله سبحانه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦] قال رضي الله تعالى عنه: (إتمامهما إحرامك بهما من دويرية أهلك) فيجوز له أن يحرم من بلده من أي قطر من الأقطار، لكن العلماء كرهوا هذا؛ لأنه قد يطول عليه الوقت فيضيق عليه الحال فيكون ذلك مدعاة لأن يرتكب محظوراً من محظورات الإحرام لطول الزمن، فالأولى أن يجعلها من المواقيت التي وقتها رسول الله ﷺ ، فهم يقولون: أقل الأدنى هي المواقيت، وما وراءها يصح، هذا في الميقات المكاني.
إذاًً: حكم الميقات الزماني قالوا: الميقات الزماني ليس كالمكاني، فمن أحرم بالعمرة فلا زمان لها، ومن أحرم بالحج قبل التوقيت فله ذلك، وهناك من يقول: لا إحرام له ولا نسك، والشافعي ﵀ يقول: (إن أحرم قبل ميقات الحج بحج انعقد إحرامه، وانصرف إلى ما يصح في ذلك الوقت) ، فلو أحرم بالحج في رمضان على قول الجمهور: لا حج له، والشافعي يقول: (انعقد الإحرام وانقلب إلى عمرة) لأن العمرة تصح في رمضان، وعليه أن يجدد الإحرام بالحج في زمن الحج، والله تعالى أعلم.
стр. 1707
كتاب الحج - باب وجوه الإحرام وصفته
الأنساك ثلاثة: الإفراد، والتمتع، والقران، وقد حج الصحابة مع رسول الله ﷺ فمنهم من كان مفرداً، ومنهم من كان متمتعاً، ومنهم من كان قارناً، فأقرهم ﷺ على ذلك.
وكان رسول الله ﷺ في بداية الأمر مفرداً ثم أمره جبريل بالقران، وكان قد ساق الهدي فأمر المتمتعين والقارنين الذين لم يسوقوا الهدي بالتحلل، وإنما امتنع ﷺ عن التحلل؛ لأنه كان قد ساق الهدي.
وقد اختلف العلماء فيما هو الأفضل في هذه الأنساك الثلاثة، والذي عليه بعض المتأخرين: أن الأفضل ما كان أسهل في حق كل مهل.
стр. 1708
شرح حديث عائشة في وجوه الأنساك وأنواعها
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: [عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة، ومنا من أهل بحج، وأهل رسول الله ﷺ بالحج، فأما من أهل بعمرة فحل عند قدومه، وأما من أهل بحج أو جمع بين الحج والعمرة فلم يحلوا حتى كان يوم النحر) متفق عليه]
стр. 1709
الأنساك الثلاثة
وجوه وأوجه: جمع وجه، وقد جاء تفسير ذلك عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها أنها الأنساك الثلاثة: التمتع، والإفراد، والقران، ولكن نلاحظ أن المؤلف ﵀ أوجز في هذا الباب فيما كان ينبغي زيادة بعض النصوص، وهنا نجد النص الذي عندنا عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: خرجنا -جماعة- مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع، فمنا من أهل بكذا، ومنا من أهل بكذا، ومنا من أهل بكذا، فمن أهل بعمرة تحلل عندما وصل، ومن أهل بحج أو بحج وعمرة ما أحلوا حتى يوم النحر، وأهل رسول الله ﷺ بالحج مفرداً.
إذا جئنا إلى الحديث، نجد أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها نقلت لنا فعل رسول الله ﷺ ، وهل نقلت لنا أعمال الناس؟ لاحظوا هذه الدقة في الحديث، قالت: (خرجنا) (فمنا) ولم تذكر رسول الله ﷺ وحده وإنما ذكرت معه أفعال الناس، فما وجه استدلال المؤلف بحكاية عائشة لحال إهلال الناس؟ المؤلف يسوق هذا مستدلاً لأنواع وأوجه الأنساك الثلاثة، بأي شيء؟ كأنها تقول: خرجنا مع رسول الله ﷺ ومنا ومنا ومنا وهو يعلم ذلك وأقرنا عليه، فيكون الاستدلال هنا بالإقرار، ولكن النص الصريح أولى وأقوى، وقد جاءت الأحاديث عن رسول الله ﷺ منها: (لما جئنا ذا الحليفة قال ﷺ : من أراد أن يهل بالحج فليفعل، ومن أراد أن يهل بالعمرة فليفعل، ومن أراد أو ومن شاء أن يهل قارناً فليفعل) أي الروايتين أقوى في التشريع؟! خطابه: من أراد أن يفعل فليفعل؛ لأن هذا مرفوع إلى النبي ﷺ .
وإلى هنا يتفق الجمهور على وجوه الأنساك الثلاثة، وأوجه الإحرام (لبيك اللهم حجاً) للمفرد، (لبيك اللهم عمرة) للمتمتع إن حج من سنته، (لبيك اللهم حجاً وعمرة) لمن قَرَن النسكين معاً فهو قارن، وعلى هذا تتفق كلمة العلماء شرقاً وغرباً.
ولكن عندنا مباحث مطولة في أمرين: صفة حج النبي ﷺ ، هذه واحدة، المبحث الثاني: إذا كانت الأنساك ثلاثة، فهل هي على المساواة، أو هناك ما هو أفضل من غيره؟
стр. 1710
بماذا أهل النبي ﷺ ؟
تبقى المباحث عندنا مبحثان: الأول: صفة حجه ﷺ ، والشوكاني في نيل الأوطار، وابن حجر في فتح الباري، وابن القيم في زاد المعاد، والطبراني وغيرهم، أطالوا جداً النقاش والإيراد، ولا يتسع الوقت لدراسة كل هذه الأقوال وإيرادها في هذا المجلس.
وخلاصة الأمر في حج النبي ﷺ أنه قد جاءت نصوص صريحة صحيحة منها حديث عائشة المتفق عليه، (حج النبي ﷺ مفرداً) وجاءت أحاديث أخرى وفيها: (حج متمتعاً) وابن القيم ﵀ يجمع بين تلك الروايات بأنه: حج قارناً، فالروايات جاءت في حج النبي ﷺ بالأوجه الثلاثة، فبعضهم قال: إن بداية حجه ﷺ أول ما أحرم كان -على رواية عائشة - مفرداً الحج (لبيك اللهم حجاً) ثم بعد ذلك جاء الحديث الصحيح الصريح: (أتاني جبريل وقال: صل في هذا الوادي المبارك -وادي العقيق الذي في ذي الحليفة- ثم قل: عمرة في حجة) إذاً عندما أنشأ الحج كان مفرداً، ثم بتوجيه من جبريل ﵇: أدخل العمرة مع الحج فصار قارناً، فمن قال حج مفرداً نظر إلى أول أمره، ومن قال: حج متمتعاً فبهذا الحديث، وفيه القران أيضاً، قالوا: إنهم كانوا يسمون القران تمتعاً؛ لأن التمتع هو أن يأتي بالحج والعمرة في سفرة واحدة، فيأتي بالعمرة وبعد أن ينتهي منها يجلس، ثم يحج، ويجمع النسكين في سفر واحد، وكذلك القارن، فإذا كان الأمر كذلك فمن قال: متمتعاً أراد بالتمتع القران بجامع التسمية.
إذاً: كل الروايات التي جاءت في نوعية حجه ﷺ صحيحة ولا تعارض فيها؛ لأنه في بداية الأمر كان مفرداً، ثم طرأ على ذلك القران، والقران يطلق عليه التمتع، إذن: انتهينا من صفة حج النبي ﷺ وهي عند الجمهور: القران.
ثم قالت عائشة رضي الله تعالى عنها (فأما من حج أو أهل بالعمرة فإنهم حلوا حينما وصلوا) يعني: أدوا عمرتهم عندما وصلوا، فطافوا للعمرة، وسعوا، وحلقوا، وتحللوا، ولبسوا، وأما من أهل بالحج أو به وبالعمرة فلم يحلوا حتى إذا كان يوم النحر، ويوم النحر يأتي بعد عرفات، وبعد تمام الحج، فعلى هذا النص الناس على طبيعتهم ما طرأ عليهم جديد، ولكن وجدنا نصوصاً أخرى، من أنه ﷺ لما وصل مكة وطاف طاف الجميع معه، من كان متمتعاً فلعمرته، ومن كان مفرداً أو قارناً فللقدوم، ثم ذهبوا جميعاً وسعوا، فمن كان معتمراً سعى سعي العمرة، ومن كان مفرداً أو قارناً سعى سعي الحج مقدماً بعد طواف القدوم، بقي الحلق والتحلل، أهل العمرة تحللوا ولبسوا، وأهل الإفراد والقران لم يتموا نسكهم وكان عليهم أن يبقوا إلى يوم النحر، كما قالت عائشة، وهذا الأمر طبيعي.
ولكن وجدنا في بعض النصوص أنه ﷺ بعد أن سعى وسعى الجميع معه كل على نيته قال: (من لم يسق الهدي فليجعلها عمرة) إذن أهل العمرة على عمرتهم من أول، والخطاب موجه للمفردين والقارنين، فمنهم من كان معه الهدي فبقي على إحرامه، ومنهم رسول الله ﷺ بقي على إحرامه ولم يتحلل، ومن لم يكن ساق الهدي معه وهو محرم بالحج؛ مفرداً أو قارناً توجه إليه الخطاب بجعلها عمرة، فتحللوا، فمن لم يسق الهدي وكان مفرداً بالحج أو قارناً بين النسكين عليه أن يتحلل لأمر رسول الله ﷺ ، ولكن هذا أمر جديد على الناس جميعاً، في الإسلام وقبل الإسلام، فتأخر بعض الناس عن التحلل، فوجد فيهم ثقلاً عن المبادرة فقال لهم: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي) أي: لحج وأحرم بدون هدي (ولجعلتها عمرة) كأنه يقول: ما منعني أن أتحلل كما أمرتكم إلا لأني سقت الهدي، ولما سئل: (ما بال الناس حلوا من إحرامهم، وأنت لم تحل يا رسول الله؟! قال: لقد سقت الهدي، ولبدت شعري) فسوق الهدي منعه من التحلل، لقوله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة:١٩٦] ومحله يشمل: الزمان والمكان، فالمكان: منى، والزمان: بعد الرجوع من عرفات وهو يوم العيد.
ينقل بعض العلماء أن سبب استثقال بعض الصحابة: هو مخالفة هذا الأمر لما اعتادوه من قبل فقالوا: (أي الحل يا رسول الله؟! قال: الحل كله) ليس فقط لبس الثياب، كل ما كان محظوراً على المحرم لإحرامه صار حلالاً، ومن ذلك النساء، قال: (الحل كله، فقال قائل: يا رسول الله! أيذهب أحدنا إلى منى، وذكره يقطر -يعني: ونحن حدثاء عهد بالنساء، وما كانوا عهدوا ذلك من قبل- فقال: لو استقبلت من الأمر ... ) إلى آخره.
стр. 1711
المفاضلة بين الأنساك الثلاثة
وقد اختلف العلماء في أي الأنساك أفضل، فقال بعضهم: بأنه لا يصح إلا التمتع؛ لأن الرسول ﷺ أمر المهلين بالحج أن يقلبوها إلى عمرة، وقال: (لو استقبلت) فعلى كل من يستقبل الحج أن يأتي متمتعاً، وهذا فيه تطرف، وقال الآخرون: الأنساك لا زالت قائمة بأنواعها الثلاثة ولكن الأفضل موضع نظر، كما قال والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه في محادثة لما سئل عن الأفضل؟ قال: الأفضلية أمر هين، ولكن ترسيخ وتثبيت الأنساك الثلاثة هو الأهم.
فإذا جئنا إلى أقوال العلماء فيما هو الأفضل، نجد هناك من يقول: الأفضل هو الذي بدأ به رسول الله ﷺ ، وقد بدأ بالحج مفرداً، ونجد من يقول: الأفضل ما انتهى به نسك رسول الله ﷺ ، وقد انتهى نسكه بالقران، ونجد آخر يقول: الأفضل ما تمناه رسول الله ﷺ ، وهو التمتع.
أردت بهذا أن أبسط القضية لنرى مواقف الأئمة الأجلاء من النصوص الواردة، ومن فعله ﷺ وقوله، لنرى على أي شيء يبني الأئمة مذاهبهم، فمن قال: الإفراد أفضل، لم يأت به من عنده، ولكن أخذ بابتداء حج رسول الله ﷺ ، وقال: الرسول ﷺ أمامه الأنساك الثلاثة، ولا يختار لنفسه إلا الأفضل، وقال بهذا مالك والشافعي، ونجد الآخرين يقولون: الختام هو المهم، فالرسول ﷺ اختار لنفسه الإفراد، والله اختار لرسوله ﷺ القران، فالذي اختاره الله تعالى لرسوله ﷺ أولى من الذي اختاره رسول الله ﷺ لنفسه، أجاب على ذلك أصحاب الإفراد وقالوا: إن مجيء جبريل لرسول الله ﷺ وأمره إليه: (قل: عمرة في حجة) هذا تعليم جديد، وأمره ﷺ لأصحابه المفردين أن يجعلوها عمرة، هو أمر جديد، يقضي على أمر قديم، وليس لعينِ النسك في ذاته، فهو: لعلة وقصد، وليس لأفضلية القران أو التمتع، نقول: ما هي العلة التي عندكم؟ قالوا: يقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: (كان العرب في الجاهلية قبل الإسلام، لا يرون العمرة في أشهر الحج) حتى يتساءل أحد الصحابة قائلاً: أيذهب أحدنا إلى منى وكذا؟ قال: (فقدموا صبح رابعة) يعني: قدم النبي ﷺ ومن معه -كما قالت عائشة: (خرجنا مع رسول الله) - اليوم الرابع من ذي الحجة في الصباح، واليوم الرابع من ذي الحجة من أيام الحج، فأمرهم بالتحلل من العمرة، وكانوا في الجاهلية يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، وكانوا يأتون بصفر بدل المحرم، وهو النسيء، فيقدمون صفر؛ لأنه يحل فيه القتال، ويؤخرون المحرم؛ لأنه يحرم فيه القتال، لئلا يجتمع عليهم ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، فتطول عليهم المدة؛ فأخروا المحرم وقدموا صفر، وكانوا يقولون: (إذا انسلخ صفر، وبرأ الدبر، وعفا الأثر، حلت العمرة لمن اعتمر) بمعنى: إذا خرج زمن الحج (وبرأ الدبر) والدبر: هو الجرح في ظهر البعير، من الرحل من طول المشوار، وهذا يحتاج إلى مدة يرتاح فيها (وعفا الأثر) والأثر هو: وطء الأقدام في السفر، وهذا لا يعفى أثره مع كثرة الرواحل إلا بعد مدة تعميها الرياح وتغطيها، فكانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، قالوا: فلذلك أمرهم ﷺ أن يجعلوها عمرة.
قول الراوي: (كانوا يرون فأمر) يتفق علماء اللغة بأن الفاء هنا سببية، أي: بسبب ما كانوا يعتقدون، وبسبب ما كانوا يقولون، أمرهم؛ ليقضي على هذا القول وهذا الاعتقاد، ثم قال: (دخلت العمرة في الحج هكذا: وشبك بين أصابعه) وقوله: (دخلت العمرة في الحج) أفي القران؟ أم دخلت العمرة في أشهر الحج في الزمان؟ الاحتمالان واردان، وعلى هذا يقول الذين قالوا بالإفراد: إن قران رسول الله ﷺ من أول الطريق بأمر جبريل؛ ليدل على جواز العمرة في أشهر الحج، على خلاف ما كانوا يعتقدون، وأمره ﷺ بالتحلل وجعلها عمرة للعالم كله وليُعلن ذلك للجميع، وأصحاب القران يقولون: هذه لا تكفي، لأنه اعتمر ﷺ ثلاث مرات قبل الحج: عمرة الحديبية، وعمرة القضية، وعمرة الجعرانة، وكلها كانت في أشهر الحج، وهذا يكفي لبيان جواز العمرة في أشهر الحج، وقال الآخرون: بل هذا لا يكفي؛ لأنها وقعت في حوادث متفرقة وعند جماعات محدودة، ولو كان ذلك بياناً كافياً لما توانى الناس، ولما تساءلوا وقالوا: أيذهب أحدنا إلى منى وهو كذا؛ إذاً: لم يكن عندهم بيان كافٍ يزيح ما كانوا قد اعتادوه من قبل؛ فلذلك تعين البيان في هذا الجمع، وكان قاضياً على ذلك الاعتقاد.
إذاً: القران والأمر بالتحلل إنما كان لتشريع جديد يقضي على الماضي، وقالوا أيضاً: الخلفاء الراشدون بعد رسول الله ﷺ وهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ ورأوا بأعينهم، وسمعوا بآذانهم، وباشروا بأيديهم، ماذا فعلوا بعد رسول الله ﷺ ؟ هل جاءوا متمتعين، كما تمنى ذلك رسول الله ﷺ ؟ أو جاءوا قارنين كما انتهى رسول الله ﷺ ؟ أو جاءوا مفردين كما بدأ رسول الله ﷺ ؟ وباتفاق الأمة فإن أبا بكر رضي الله تعالى عنه في خلافته حج مرتين مفرداً، وعمر في خلافته -عشر سنوات- حج مفرداً، زيادة على ذلك وجدنا عثمان رضي الله تعالى عنه -وهو ثالث الخلفاء الراشدين- في أثناء الطريق ينهى عن التمتع، وقد جاء في رواية أن رجلاً جاء إلى علي ﵁ وهو يعلف بقرات له فقال: (أما رأيت ما يقول عثمان؟ قال: وما ذاك؟ قال: ينهى عن التمتع، يعني: التمتع بالعمرة إلى الحج، فذهب علي -يقول الراوي: لا أنسى أثر العجين على يده- فدخل على عثمان وقال: أتنهى عن التمتع! وقد تمتعنا مع رسول الله ﷺ ؟ قال: أردت أن يفرد الناس الحج بسفر مستقل) أي: لا أريد معتمرين يمكثون في مكة بعد العمرة، ومنها يحرمون للحج، فقال: (وجدنا عمر قبل عثمان ينهى عن القران، قيل: يا عمر! كيف تنهى وتعلم أننا حججنا مقرنين الحج والعمرة؟! قال: أردت أن يكثر الوافدون على البيت) يعني: ما يريد أن يجعلهم يرمون عصفورين بحجر، لا، ولكن يأتي إلى العمرة بسفر ويرجع، ثم يأتي إلى الحج بسفرة أخرى.
إذاً: وجدنا بداية إهلاله ﷺ بالحج مفرداً، ثم قران وكان لأمر يقتضيه البيان، ثم وجدنا الخليفتين عمر وعثمان ينهيان: أحدهما عن القران، والآخر عن التمتع، فما هو الذي بقي عندنا؟
стр. 1712
أفضل الأنساك أيسرها على الحاج
ومع هذا كله يرى كثير من المتأخرين: أن أفضل تلك الأنساك الثلاثة في الوقت الحاضر ما كان أيسرها على المهل، فانظر إلى ظروفك، وإلى وضعك، وما هو الأيسر عليك فيكون هو الأفضل في حقك، ونجد بعض الناس يأتي إلى مكة في اليوم السابع أو في ليلة الثامن، فيأتي متمتعاً، ويرهق نفسه: يطوف ويسعى ويتحلل، ومن الغد يهل بالحج، لكن مثل هذا ما دام أنه قد جاء متأخراً فلو دخل مفرداً وطاف طواف القدوم، وسعى سعي الحج مقدماً، وإن شاء أخره، ثم يتم حجه على راحته، ويقال: لو ضاق الوقت أكثر من ذلك فهل عندهم متسع للعمرة؟ لا.
إذاً: القول الأخير: كما سمعنا من والدنا وشيخنا الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه: أن الأفضلية أمر سهل، ولكن المهم تثبيت الأنساك الثلاثة، ولا أنسى مجلساً لوالدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه مع سماحة المفتي الشيخ محمد بن إبراهيم في خيمته بمنى صبيحة يوم العيد، وقد جرت العادة أن المشايخ يُسلم بعضهم على بعض، وكان من ضمن خيام المشايخ خيمة الشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ ابن باز، والشيخ عبد الملك، والشيخ عبد اللطيف، وكبار المشايخ، فمررنا -وكنت بفضل الله في شرف صحبة الشيخ الأمين - فسلم على الشيخ محمد وهم يشربون القهوة، فإذا بالشيخ محمد يسأل الشيخ الأمين: بلغني يا شيخ -وكان يوقره جداً- أنك حججت مفرداً، ألكونه أفضل عند مالك؟ فقال ﵀: نعم يا سماحة الشيخ! جئت مفرداً وقصداً فعلت ذلك، ولكن ليس لكونه مذهب مالك، قال: وقصداً فعلت ذلك، لماذا؟ قال: لأنه بلغني أن هناك أشخاصاً متطرفين، لا يكتفون ببيان الأمر الذي يرونه، ويقولون: إن التمتع أفضل، بل يجبرون الناس عند المروة على الحلق، ويحللونهم من الإفراد بالحج، وأنا لا أملك السلطة لأمنع هؤلاء، والناس يأتون من أقطار الدنيا منذ عهد رسول الله ﷺ ، وكل يهل بما تيسر له من نسك، وما وجدنا أحداً قط أمر أحداً بهذا عملياً، ثم لقد جاءت النصوص عن أبي ذر وعن غيره -فليراجع طالب العلم بداية المجتهد- لما أمرهم رسول الله ﷺ بإدخال العمرة في الحج، قام رجل وقال: (يا رسول الله! ألعامنا هذا؟ -يعني دخلت العمرة في الحج هكذا- قال: لا، بل للأبد وأبد الأبد) ومع ذلك، لم يقم أحد يلزم الناس بأن يتحللوا من الإفراد إلى العمرة، وأنا لا أملك السلطة، فجئت مطبقاً لذلك عملياً، ومن رآني أو سألني فهذا جهدي، وما كان بعد ذلك فلا أملكه، ثم يا صاحب السماحة! إن النصوص كذا -وأورد كل ما ذكرته وأضعاف أضعافه معه- وسماحة الشيخ محمد الله يغفر لهم جميعاً ويرحمهم ويجزيهم عنا أحسن الجزاء مصغ إلى آخر كلمة، فما زاد على أن قال: أحسنت جزاك الله خيراً.
إذاً: نحن نعيد هذا القول، أو نورد هذه القضية لأننا نعلم أن كثيراً من طلبة العلم قد يتطلع إلى مثل ذلك متأثراً بقوله ﷺ : (لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي) ويتركون بقية الملابسات الأخرى، والواجب على طالب العلم ألا يستقل برأيه، وإنما يرجع إلى أقوال العلماء سواءً كانوا من أهل الحديث، أو كانوا من الفقهاء ومن الأئمة الأعلام، ويأخذ أقوال الجميع ولا ينفرد برأيه.
وبالله تعالى التوفيق.
стр. 1713
كتاب الحج - باب الإحرام وما يتعلق به [١]
إذا أراد المحرم أن يحرم بالحج أو العمرة فيشرع له أن يهل بالنسك، والإهلال هو التلبية، ويشرع رفع الصوت بها، ولها معان عظيمة جليلة، كإفراد الله تعالى بالتوحيد والعبودية، ونحو ذلك من المعاني، وعند الإهلال يجب على الناسك أن يتجرد من ثيابه ويلبس ثياب الإحرام، ويسن له الاغتسال، وبعد الاغتسال يلبس ثياب الإحرام، وعليه أن يجتنب لبس القميص والعمائم والسراويلات والبرانس والخفاف، ولا يلبس ثوباً مسه الزعفران أو الورس.
стр. 1714
الإهلال بالحج والعمرة وصفته
قال المؤلف ﵀: [عن ابن عمر ﵄ قال: (ما أهلّ رسول الله ﷺ إلا من عند المسجد) متفق عليه] .
بعدما بين المؤلف رحمه الله تعالى المواقيت للإهلال، وكأن كل مريد للحج قد وصل إلى ميقاته، شرع في بيان ميقات أهل المدينة؛ وذلك لقرب المدينة من مكة، وأراد أن يبين لنا من أين أهل رسول الله ﷺ ، وقد خرج ﷺ بعد أن صلى الظهر في هذا المسجد النبوي الشريف أربعاً، وسار إلى ذي الحليفة ووصلها قبل العصر وصلى العصر قصراً ركعتين وبات ليلته هناك، ثم أهلّ بنسكه.
стр. 1715
تعدد الروايات في مكان إهلال النبي ﷺ
ويأتينا المؤلف ﵀ بهذه الرواية: (ما أهلّ رسول الله ﷺ إلا من عند المسجد) ، وهذا دليل على أن النبي ﷺ أوقع إهلاله في الميقات.
وقد تقدمت الإشارة إلى أنه أهل قبل الميقات المكاني وهو خاص، وهنا جاءت روايات أن النبي ﷺ أهلّ من عند المسجد، وهناك رواية: أنه أهلّ حينما استوت به راحلته، وأخرى أنه أهلّ حينما كان بالبيداء.
وقد جاء رجل إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فقال: يا ابن عباس! لقد حج النبي ﷺ حجة واحدة ووقع في نفسي شيء لكثرة ما سمعت في إهلال رسول الله ﷺ ، فقال: وما ذاك؟ قال: سمعت من يقول: أهلّ بالمسجد، وسمعت من يقول: أهلّ حينما استوت به راحلته، وسمعت من يقول: أهلّ حينما استوى بالبيداء -والبيداء: هي الأرض المرتفعة المطلة على ذي الحليفة وليست بعيدة عنها- فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: يا ابن أخي! أنا أخبرك بذلك كله.
ووضع لنا ابن عباس ﵄ منهجاً علمياً في مسألة: كيف نعمل مع الأحاديث إذا تعددت وكان فيها شبه تعارض؟ قال: يا ابن أخي! أهلّ رسول الله ﷺ عقب الصلاة بالمسجد، فسمع ذلك أقوام فأخبروا بذلك، ثم لما نهضت به راحلته أهلّ، فسمع بذلك أقوام آخرون ولم يكونوا قد سمعوا ما تقدم فأخبروا بما سمعوا، ثم لما كان بالبيداء أهلّ، فسمع بذلك أقوام ولم يكونوا قد سمعوا بما قبلها فأخبروا بما سمعوا، فكل صادق، وكل أخبر بما سمع.
إذاً: فقد تعددت الروايات في مكان إهلال رسول الله ﷺ ، ومن تلك الروايات: (ما أهلّ رسول الله ﷺ إلا من عند المسجد) ومعلوم أن السنة في الإهلال هي اقتفاء آثار رسول الله ﷺ في ذلك، وقد قدمنا ما جاء عن مالك رحمه الله تعالى أن رجلاً أتاه وقال: أريد أن أحرم من هذا المسجد، فقال: لا تفعل؛ فإني أخشى عليك الفتنة، فقال: وأي فتنة وأنا أحرم من مسجد رسول الله، إنما هي خطوات أزيدها؟ قال: هذه هي الفتنة، أخشى أن يقع في نفسك أنك زدت في إحرامك خطوات لم يأت بها رسول الله ﷺ فتهلك.
وعلى هذا: فمن قدّم الإهلال على الميقات المكاني فإن إهلاله صحيح، ولكن الأفضل أن يكون من الميقات، مخافة أن يطول عليه الزمن أو المكان فيقع في بعض المحظورات وقد كان في عافية من ذلك.
وإذا لاحظنا ما جاء عنه ﷺ في قوله: (خذوا عني مناسككم) ؛ علمنا أن اتباع رسول الله ﷺ في جميع الأعمال هو الأولى والأفضل.
стр. 1716
معنى الإهلال بالنسك
وقوله: (أهل) أي: رفع صوته مهلاً بنسكه، والإهلال: مأخوذ من التهليل وهو رفع الصوت، والتهليل مأخوذ من الهلال، يقول أهل اللغة: إن أسماء المعاني مأخوذة ابتداءً من أسماء الذوات، أي: المحسوسات، فالاسم يوضع أولاً للذات المحسوسة، ثم ينقل منها إلى المعنوي، كما تقول: أذن الآذن بكذا، وفلان مأذون بكذا، فإن أصل مادة (أذن) هي الأذن؛ لأنها يلقى فيها الأمر الذي أُذن فيه للسامع بما أُذن، فكذلك الإهلال، فقد كانوا إذا رأوا هلال الشهر رفعوا أصواتهم بالتهليل، أي: إعلاناً برؤية الهلال لهذا الشهر، ثم انتقل الاستعمال لكلمة الإهلال والتهليل لكل صوت مرتفع، ولهذا يقال للصبي عند ولادته: أهلّ باكياً، إذا استهل صارخاً ثبتت حياته وثبت ميراثه ولو مات بعدها بلحظة.
وعلى هذا فقوله: (أهلّ النبي من عند المسجد) أي: رفع صوته بالتهليل بالنسك الذي أراده، وهنا يقول العلماء: إن عقد النية لجميع أعمال العبادات يكون سراً في القلب إلا في أحد النسكين، فله الحق في أن يتلفظ به رافعاً صوته: لبيك اللهم عمرة، أو لبيك اللهم حجاً، أو لبيك اللهم عمرة وحجاً، وما عدا ذلك من صيام وصلاة وزكاة وغير ذلك فلا يرفع فيها صوته ولا يتكلم بالنية إلا بقدر ما يسمع به نفسه توكيداً لما انعقد عليه القلب.
стр. 1717
رفع الصوت بالإهلال
قال المؤلف ﵀: [وعن خلاد بن السائب عن أبيه ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال) رواه الخمسة وصححه الترمذي وابن حبان] .
الخبر الأول: في حق رسول الله ﷺ أنه أهل.
والخبر الثاني: في حق أصحابه رضوان الله تعالى عليهم، وهنا نجد جبريل ﵇ مع رسول الله في هذه الحجة، فنجده ﷺ يقول: (أتاني جبريل) ، فهو يأتيه بكل ما أراد الله أن يوحيه إليه، فقد يأتيه بوحي من كتاب الله قرآناً، وقد يأتيه بخبر آخر سوى ذلك.
فهنا أتاه جبريل وأمره، ولم يلقِ الأمر جزافاً، بل قال أمره لرسول الله ﷺ : مر أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال، وهناك رواية: (بالتلبية) ؛ لأن الإهلال هو التلبية، والتلبية هي الإهلال، ورفع الصوت من شعار الحج، وهذا خاص بالرجال، أما النسوة فيسمعن أنفسهن فقط.
стр. 1718
من معاني التلبية
وهذه التلبية وشعار الحج لو وقف الإنسان عندها لوجد -كما أسلفنا سابقاً- أن الحج يشمل عموم أعمال الإسلام، وقد أسلفنا أيضاً أن رحلة الحج لرسول الله ﷺ إنما هي رحلة عامة للدين والدنيا والآخرة، فهنا حينما يقول الحاج: لبيك اللهم لبيك، التلبية في اللغة تأتي بمعنى: الإقامة، أي: إقامة على طاعة الله، وتأتي بمعنى: إجابة النداء، كأن تنادي: يا زيد! فيقول: لبيك، أي: أنا سامع مجيب مستعد لما تأمرني به.
وهنا يقول العلماء: (لبيك) إجابة لنداء، وأين هذا النداء الذي يلبيه الحاج عند إهلاله بالنسك؟ قالوا: هناك نداء سابق وهو ما جاء في قول الله لإبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ [الحج:٢٧] ، ولما بنى إبراهيم البيت أمره الله أن ينادي في الناس: (إن الله قد ابتنى لكم بيتاً فحجوه، فقال: يا رب! وأين سيبلغ ندائي؟ قال: عليك النداء وعلينا البلاغ، فصعد أبا قبيس ونادى وقال: أيها الناس! إن الله قد ابتنى لكم بيتاً فحجوه) ، فأبلغ الله بقدرته هذا النداء لجميع الخليقة إلى يوم القيامة، فقد بلغ الصوت للحاضرين آنذاك، وللأشخاص في الذراري في أصلاب الآباء قبل أن يوجدوا، فشمل كل أجيال بني آدم، وقالوا: من لبى مرةً حج مرة، ومن لبى أكثر حج أكثر.
فمجيء الإنسان إلى الميقات وإعلانه: لبيك اللهم لبيك، عبارة عن إجابة لذلك الدعاء الذي دعاهم به إبراهيم ﵇ لحج بيت الله الحرام، وفي قول الحاج أو المعتمر: لبيك اللهم لبيك، تكرار للتأكيد.
وقوله: (لا شريك لك لبيك) ، هذه هي عقيدة التوحيد التي خلق الله الخليقة من أجلها ليعبدوه ويوحدوه، (لا شريك لك) رد على أهل الجاهلية، فقد كانوا يقولون في حجهم: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك، فهم يعترفون بأنه شريك صغير، وأنه مملوك لله، ولكن ذلك لم ينفعهم، فجاءت التلبية تخلص العبادة لله وحده: (لبيك لا شريك لك) لا في هذا الحج ولا في غيره.
ثم يعقب ذلك بما يشبه التعليل لنفي الشراكة عن الله، فيقول: (إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك) فكأنه يقول: موجب التوحيد وعدم الشريك هو أن الحمد والنعمة لك، والحمد يكون لكمال الممدوح لذاته، قال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] ، و (رب العالمين) فيها التنصيص على أن جميع النعم في جميع العوالم هي لله، وهنا: تحمد الله لكمال ذاته، والحمد يتضمن الشكر على نعمه؛ لأن جميع النعم لله، (إن الحمد) أي: الكمال الذاتي، (والنعمة) : التي نعيش بها ونرجوها في الدنيا أو في الآخرة هي لله.
إذاً: ما دام الكمال لله فلا نعبد غيره، وما دامت النعمة كلها لله فلا نطلب من غير الله شيئاً؛ بل نتوجه إلى الله بكليتنا بدون شراكة في ذلك.
والملك كله لله، إذاً الخير والشر لا يكون إلا بقضاء الله وقدره، فلا تخشى في دنياك أحداً؛ لأن النعمة التي ترجوها عند الله، والشر الذي تتقيه وتخشاه لا يأتيك إلا بقضاء الله؛ فلا وجود لمن ترجوه أو تخشاه إلا الله، وبهذا تكون بداية الناسك تجديد العهد بربه إيماناً وتصديقاً ورضاً، ويظهر شعار الحج بهذا النشيد المبارك: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك) ، أي: في ذلك كله، فهذا هو معنى الإهلال.
ومن المعلوم أن الأذان وهو شعار الإسلام في أعظم ركن وهو الصلاة يبدأ بالتكبير ثم بالتهليل (لا إله إلا الله محمد رسول الله) ثم نجد الدعوة إلى الصلاة وإلى الفلاح، فنجد فيه أيضاً توحيد الله سبحانه، والتصديق برسوله في النطق بالشهادتين، ونجد تكرار التكبير؛ لأنك في عملك أياً كان نوعه، أو في جلوسك ومتعتك أياً كانت صفتها، حينما تسمع: الله أكبر، توقن بأن الله أكبر مما أنت فيه مهما كان، فلا يمنعك ولا يؤخرك عن إجابة المنادي (حي على الصلاة) ؛ لأن الله أكبر مما أنت مشغول به، أو مما تسعى إليه.
وهكذا يكون الإمعان في التلبية بمعنى: الإمعان في أسس التوحيد والعودة إلى الله .
стр. 1719
التجرد من الثياب والاغتسال عند الإهلال
قال المؤلف ﵀: [وعن زيد بن ثابت ﵁: (أن النبي ﷺ : تجرد لإهلاله واغتسل) ، رواه الترمذي وحسنه] .
التجرد: هو الخروج من هذا اللباس العادي، وإذا ما تجرد فلابد أن يستتر فيلبس الإزار والرداء بعد التجرد، وقبل اللبس يغتسل، ولذا اتفق الجميع على أن من شروط الإحرام: التجرد، ولكنه ليس شرط صحة، فإذا أهل ولم يتجرد صح إهلاله وانعقد نسكه، ثم يجب عليه أن ينزع ما هو لابس من ثيابه، فإن لم يفعل فتلزمه فدية.
ويصح أن يتجرد الإنسان قبل الميقات أو في الميقات، أما ما جاء عنه ﷺ فهو أنه تجرد في بيته في المدينة واغتسل ثم خرج إلى ذي الحليفة بإزاره وردائه، وطيبته أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها.
إذاً: السنة والواجب على المحرم أن يتجرد من ثيابه، وإذا نظرنا إلى هذا العمل نجده من غرائب حكمة التشريع فحينما تأتي وفود المسلمين من أقطار شتى ويجتمعون في المدينة، فتجد كل جنس في كل قطر له لباس خاص به يميزه عن غيره، ولو رأيته بلباسه لعرفت من أي الأجناس أو من أي الأقطار هو، فإذا ما أرادوا الحج فلا يجتازون الميقات إلا وقد خرجوا من تلك الألبسة وتوحدوا بلباس واحد إزار ورداء، وهناك تكون قد ذهبت الفوارق، وألغيت العادات، وظهر المسلمون أمة واحدة في شكل واحد، توحدت أشكالهم كما توحد شعارهم: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك.
وفي هذا التجرد خروج من مظاهر الدنيا، سواءً كانت مظاهر غنى أو فقر، مظاهر إقليمية أو جنسية أو غير ذلك، والإسلام في ذاته لا يعترف بشيء من هذا إلا للتنظيم فقط: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات:١٣] ، للتعارف والتنظيم فقط، والحقيقة: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] .
فهنا حينما يريد الحاج أو المعتمر أن يهل فإن عليه قبل ذلك أن يتجرد، فإذا تجرد اغتسل، وكما أسلفنا فإن التجرد شرط للإحرام، ولكن إذا لم يفعله جبر بدم، وسيأتي أن البعض قد يعذر في تجرده من بعض ما يحتاج إليه من لباس، فيترخص ويدفع قيمة ذلك الترخص.
ويسن كذلك الاغتسال، وقد سن الاغتسال للمحرم في عدة مواطن، وكلها -كما أسلفنا- سنة حسب ما تيسر له، وهي: عند إرادته الإحرام بعد التجرد، وعند دخول مكة، وعند الوقوف بعرفات، فقد اغتسل النبي ﷺ في هذه المواطن، فإذا لم يتيسر له أن يغتسل توضأ وأجزأه ذلك، وإن كان معذوراً في استعمال الماء أو لم يجد الماء تيمم.
ثم إن أهل دون أن يغتسل ودون أن يتوضأ ودون أن يتيمم فإن إهلاله صحيح؛ بل إن المرأة الحائض أو النفساء عند الإهلال تغتسل للإهلال وليس للحيضة، فإذا جاءتها الحيضة مثلاً في الصباح فتهل في المساء ولا زالت بحيضتها، والسنة أن تغتسل لا لحيضتها ولكن تطهراً واستقبالاً لهذا النسك، كما جاء (أن أسماء بنت عميس -زوج الصديق رضي الله تعالى عنهما- نفست -أي: ولدت- في ذي الحليفة ليلة مبيته ﷺ بها فجاء أبو بكر وأخبر رسول الله ﷺ فقال له: مرها فلتغتسل) ، وبين له أنها تفعل ما يفعل الحاج غير أنها لا تطوف بالبيت حتى تطهر من نفاسها، وكذلك مثلها صاحبة الحيضة.
إذاً: الإهلال ينعقد ويصح ولو لم يغتسل، ولو لم يتوضأ، ولو لم يتيمم، ولكن الغسل هو السنة، وكذلك مس الطيب في البدن لا في الثياب، على ما سيأتي إن شاء الله.
إذاً: على المحرم أن يتجرد من ثيابه، وأن يغتسل لإهلاله، وأن يلبس إزاراً ورداءً أو ما ينوب عنهما، كما سيأتي إن شاء الله.
стр. 1720
شرح حديث: (ما يلبس المحرم من الثياب)
قال المؤلف ﵀: وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ سُئل: (ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال: لا يلبس القميص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف، إلا أحد لا يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا شيئاً من الثياب مسه الزعفران ولا الورس) متفق عليه، واللفظ لـ مسلم] .
بعدما قدم المؤلف ﵀ التجرد والاغتسال للإهلال وموقع الإهلال ومكانه، كأنه قيل: بعدما تجرد واغتسل لابد أن يلبس شيئاً، فجاء بهذا الحديث الشامل العام في سؤال النبي ﷺ : (ماذا يلبس المحرم؟) وهذا الحديث من نماذج أسلوب الحكيم في الإجابة؛ لأنه ﷺ سُئل: ماذا يلبس؟ فأجاب: (لا يلبس) ، أي: سُئل عن بيان ما يجوز للمحرم أن يلبسه فكان الجواب عكس السؤال: لا يلبس المحرم كذا وكذا.
وقد ذكر العلماء أن القاعدة الأساسية في الجواب أن يطابق السؤال، ولكن المسئول إذا كان حكيماً راعى حالة السائل، فقد يزيده عما سأل، وقد يغاير ويجيبه عن غير ما سأل؛ ليبين له أن الأهمية فيما تضمنه الجواب، أو يختصر في الجواب ليسهل على السائل فهم الجواب.
ومن مغايرة الجواب للسؤال، ما جاء في كتاب الله عند قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة:٢١٥] ، فهم يسألون عن ماذا ينفقون؟ وفي آية أخرى: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة:٢١٩] ، أي: الزائد عن حاجتكم، وهذا مطابق للسؤال، ولكن هنا قال: ﴿قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ [البقرة:٢١٥] ، فقد سألوا عن نوعية ما ينفقون فأجابهم بأن دلهم على جهة ما ينفقون عليه؛ لأن معرفة ذلك أهم من معرفة ماذا ينفقون.
وكذلك من الزيادة في الجواب على السؤال حديث: (قالوا: يا رسول الله إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟) فالسؤال محدود عن صحة الوضوء من ماء البحر، فكان جوابه ﷺ : (هو -أي: البحر- الطهور ماؤه الحل ميتته) ، مع أنهم لم يسألوا عن ميتته أحلال هي أم حرام؟ ولكن نظر ﷺ إلى السائل عن صحة الطهور من ماء البحر ورأى أن تحريم وتحليل ميتة البحر أشد إشكالاً عليهم، فإذا كانوا قد استشكلوا الوضوء من ماء البحر لكونه مالحاً فلأن يستشكلوا حِل ميتته من باب أولى، فزادهم فيما يرتبط بركوب البحر.
وهنا سُئل ﷺ : ماذا يلبس المحرم؟ قال بعض العلماء: لقد أجابهم بما كان ينبغي أن يتوجه السؤال إليه، وهو: ما الذي يمتنع علينا لبسه في الإحرام؟ فكأنه يرشدهم إلى ما كان ينبغي أن يجعلوا السؤال عنه، وهو: ما الذي نجتنبه إذا أحرمنا؟ وقد عللوا ذلك بأن الأصل جواز لبس أي شيء، فالأصل في اللباس إباحة كل شيء حتى يأتي المانع، كما نهي عن لبس الحرير والذهب للرجال، فالأصل في الأشياء الإباحة ما لم يأت الدليل المانع، لكن اللباس في الإحرام من حيث هو خرج عن هذه القاعدة؛ لأن تاريخ لبس المحرم في الجاهلية كان مغايراً، فقد كانوا في الجاهلية يطوفون بالبيت عرايا لا يلبسون شيئاً رجالاً ونساء، وهذا كما كان يقول والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه: من شدة مكيدة الشيطان للإنسان؛ لأنه ما وجد مصيدة أشد وأقوى للرجال من النساء، ويقول: إن فتنة الرجل بالمرأة من أول ما وجد جنس الإنسان، فقد كان آدم ﵇ في الجنة منعماً مطمئناً في عيشة رغيدة، فلما طرد الشيطان حسد آدم على بقائه، فأراد أن يكيد له ليخرجه ليستويا في الحرمان، فجاءه عن طريق حواء وأغراه حتى أكل من الشجرة التي نهي عنها، فخرجا معاً، قال تعالى: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف:٢٢] .
والعجيب أن الشيطان جاء لآدم بالطريق الذي يريده ليكون انقياده أهون عليه، قال تعالى: ﴿قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ﴾ [طه:١٢٠] ، فكلمة (أدلك) تعني: أنه يريد أن ينصحه.
(هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى﴾ [طه:١٢٠] ، وهذا هو ما يريده آدم، وتخيل إنساناً في الجنة منعماً، فإن أخوف ما يخافه هو الخروج منها، فقال له: أنا أدلك على الطريق الذي يؤمنك من هذا الخوف، فدله على ما أراد، وجاء عن طريق حواء وحصل ما حصل، قال تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [البقرة:٣٨] .
ثم بعد ما نزل آدم إلى الأرض وبدأ يكون مجتمعه جاءت فتنة المرأة، فكان قتل أحد ولديه لأخيه بسبب المرأة، بسبب أخته، ثم واصل الطريق معه عن طريق المرأة، ولذا قال ﷺ : (ما تركت بعدي فتنة أشد على الرجال من النساء) ، وكما قال جرير: يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به وهن أضعف خلق الله إنسانا وهذا هارون الرشيد ينادي جارية صغيرة ويقول لها: تعالي، فتقول له: لا! خليفة المسلمين الذي سمعت به الدنيا! ومع ذلك جارية صغيرة تقول له: لا! فتمثل بهذه الأبيات: ما لي تطاوعني البرية كلها وأطيعهن وهن في عصياني ما ذاك إلا أن سلطان الهوى وبه قوين أعز من سلطاني فسلطان الهوى أعز من سلطان الملك، ومما يذكر أن جورج الخامس أو غيره نزل عن عرشه لامرأة! يقولون: لم تكن بارعة في الجمال، ولكنها كانت بارعة في الظرف والأدب والحديث، فأراد أن يتزوجها، فقيل له: لا يمكن؛ لأن الملك في انجلترا لا يتزوج إلا من بيت الملك، فأنت مخيّر بين الملك وامرأة، فقال: خذوا الملك كله.
فتنازل عن عرش بريطانيا وتزوج بالمرأة؛ لأن سلطانها أعز عليه، ولهذا يقول صريع الغواني: وحديثها السحر الحلال لو أنه لم يجن قتل المسلم المتحرز فدمه متحرز حرام لكنها تقتله.
فالمقصود: أن الشيطان اتخذ المرأة وسيلة لإغواء الرجل، فما زال يغوي العرب إلى أن جعلهم في تلك الصورة التي يستنكرها كل عاقل حتى صاروا يطوفون بالبيت رجالاً ونساءً عرايا، حتى يذكرون عن بعض النسوة أنها قالت وهي تطوف: اليوم يبدو جله أو كله وما بدا منه فلا أحله وكيف وصل بهم إلى هذا الأمر الشنيع؟ وصل إلى ذلك بحيلة، فقد جاءهم وقال: أنتم جئتم تحجون وتطوفون تريدون المغفرة من الذنوب؟ فقالوا: هذا كلام صحيح.
فقال: إن ثيابكم التي تلبسونها في الطواف قد باشرت معكم وشهدت عليكم ارتكاب المعاصي، فكيف تطوفون بالبيت وهذه الثياب عليكم شاهدة بمعاصيكم؟ فقالوا: وما هو الحل إذاً؟ قال: اخلعوها، وطوفوا مجردين من كل شيء.
فقالوا: لقد أصبت.
وأضلهم بهذه الحيلة، وكان الواحد منهم إذا استحى أن يطوف عرياناً ولم يستطع وتأبى عليه مروءته ذلك، كان عليه أحد أمرين: إما أن يستعير ثوباً من جيران البيت الحرام فيلبسه، على أن جيران البيت لا ذنوب ولا معاصي لهم، أو لأنهم مكرمون عن هذا.
وإما أن يشتري ثوباً جديداً ما شهد معصية، فيلبسه ويطوف به، فإذا أنهى طوافه خلعه ورماه عند البيت ويكون هدية لسدنة البيت.
ثم جاء الإسلام وكرم الإنسان، وقد كان المسلمون يعلمون بأن المشركين كانوا يطوفون عرايا، ففي سنة تسع لما أرسل الرسول ﷺ أبا بكر يحج بالناس قال له: (ولا يحجنّ بعد هذا العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان) ، فما ألغي هذا الأمر إلا سنة تسع من الهجرة بعدما فتحت مكة بسنة.
إذاً: هم يعلمون أن الطواف في الجاهلية كان يقع والناس عرايا، إذاً ماذا يلبسون؟ فالسؤال منهم عما يلبس المحرم هو عين الصواب، والجواب من رسول الله ﷺ المغاير للسؤال الصحيح السليم إنما هو لبيان وحصر ما يمكن تجنبه، ومعلوم أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
أيضاً قالوا: إن ما يمنع المحرم من لبسه محدود ومحصور، وما يجوز له أن يلبسه مطلق دون حد أو حصر، فكأنه ﷺ قال: اجتنبوا هذه المذكورات وما عداها فالبسوا ما شئتم.
وسواء كان ذلك في عمرة أو كان ذلك في حج، وقوله (لا تلبسوا) خطاب للرجال يخرج عنه النساء، وإن كان المؤلف لم يورد ما تجتنبه المرأة، لكنه معروف عند الجميع وفي غير هذا الموطن، وقد ذكره المصنف في فتح الباري في شرح صحيح البخاري.
وقوله: (لا تلبسوا القمص) القمص: جمع قميص، وهو كناية عن الثوب، سواء كان القميص الذي يلبس مع البدلة، أو مع السروال الطويل، أو كان نفس الثوب المعروف، فإنه يسمى ثوباً ويسمى قميصاً، فما كان على هيئة البدن بكمين فهو قميص.
ويراد بالقميص كل مخيط على هيئة البدن وله كمان، وسواء كان هذا القميص مخيطاً بيد أو بمكينة أو ملصقاً بلصقة أو مشغولاً بالإبرة، أو نحو ذلك؛ لأن الغرض منع لبس المحيط بالجسم، فالنهي هو عن المحيط لا المخيط، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
следующие страницы →