Полный текст (2 523 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1716
معنى الإهلال بالنسك
وقوله: (أهل) أي: رفع صوته مهلاً بنسكه، والإهلال: مأخوذ من التهليل وهو رفع الصوت، والتهليل مأخوذ من الهلال، يقول أهل اللغة: إن أسماء المعاني مأخوذة ابتداءً من أسماء الذوات، أي: المحسوسات، فالاسم يوضع أولاً للذات المحسوسة، ثم ينقل منها إلى المعنوي، كما تقول: أذن الآذن بكذا، وفلان مأذون بكذا، فإن أصل مادة (أذن) هي الأذن؛ لأنها يلقى فيها الأمر الذي أُذن فيه للسامع بما أُذن، فكذلك الإهلال، فقد كانوا إذا رأوا هلال الشهر رفعوا أصواتهم بالتهليل، أي: إعلاناً برؤية الهلال لهذا الشهر، ثم انتقل الاستعمال لكلمة الإهلال والتهليل لكل صوت مرتفع، ولهذا يقال للصبي عند ولادته: أهلّ باكياً، إذا استهل صارخاً ثبتت حياته وثبت ميراثه ولو مات بعدها بلحظة.
وعلى هذا فقوله: (أهلّ النبي من عند المسجد) أي: رفع صوته بالتهليل بالنسك الذي أراده، وهنا يقول العلماء: إن عقد النية لجميع أعمال العبادات يكون سراً في القلب إلا في أحد النسكين، فله الحق في أن يتلفظ به رافعاً صوته: لبيك اللهم عمرة، أو لبيك اللهم حجاً، أو لبيك اللهم عمرة وحجاً، وما عدا ذلك من صيام وصلاة وزكاة وغير ذلك فلا يرفع فيها صوته ولا يتكلم بالنية إلا بقدر ما يسمع به نفسه توكيداً لما انعقد عليه القلب.
стр. 1717
رفع الصوت بالإهلال
قال المؤلف ﵀: [وعن خلاد بن السائب عن أبيه ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال) رواه الخمسة وصححه الترمذي وابن حبان] .
الخبر الأول: في حق رسول الله ﷺ أنه أهل.
والخبر الثاني: في حق أصحابه رضوان الله تعالى عليهم، وهنا نجد جبريل ﵇ مع رسول الله في هذه الحجة، فنجده ﷺ يقول: (أتاني جبريل) ، فهو يأتيه بكل ما أراد الله أن يوحيه إليه، فقد يأتيه بوحي من كتاب الله قرآناً، وقد يأتيه بخبر آخر سوى ذلك.
فهنا أتاه جبريل وأمره، ولم يلقِ الأمر جزافاً، بل قال أمره لرسول الله ﷺ : مر أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال، وهناك رواية: (بالتلبية) ؛ لأن الإهلال هو التلبية، والتلبية هي الإهلال، ورفع الصوت من شعار الحج، وهذا خاص بالرجال، أما النسوة فيسمعن أنفسهن فقط.
стр. 1718
من معاني التلبية
وهذه التلبية وشعار الحج لو وقف الإنسان عندها لوجد -كما أسلفنا سابقاً- أن الحج يشمل عموم أعمال الإسلام، وقد أسلفنا أيضاً أن رحلة الحج لرسول الله ﷺ إنما هي رحلة عامة للدين والدنيا والآخرة، فهنا حينما يقول الحاج: لبيك اللهم لبيك، التلبية في اللغة تأتي بمعنى: الإقامة، أي: إقامة على طاعة الله، وتأتي بمعنى: إجابة النداء، كأن تنادي: يا زيد! فيقول: لبيك، أي: أنا سامع مجيب مستعد لما تأمرني به.
وهنا يقول العلماء: (لبيك) إجابة لنداء، وأين هذا النداء الذي يلبيه الحاج عند إهلاله بالنسك؟ قالوا: هناك نداء سابق وهو ما جاء في قول الله لإبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ [الحج:٢٧] ، ولما بنى إبراهيم البيت أمره الله أن ينادي في الناس: (إن الله قد ابتنى لكم بيتاً فحجوه، فقال: يا رب! وأين سيبلغ ندائي؟ قال: عليك النداء وعلينا البلاغ، فصعد أبا قبيس ونادى وقال: أيها الناس! إن الله قد ابتنى لكم بيتاً فحجوه) ، فأبلغ الله بقدرته هذا النداء لجميع الخليقة إلى يوم القيامة، فقد بلغ الصوت للحاضرين آنذاك، وللأشخاص في الذراري في أصلاب الآباء قبل أن يوجدوا، فشمل كل أجيال بني آدم، وقالوا: من لبى مرةً حج مرة، ومن لبى أكثر حج أكثر.
فمجيء الإنسان إلى الميقات وإعلانه: لبيك اللهم لبيك، عبارة عن إجابة لذلك الدعاء الذي دعاهم به إبراهيم ﵇ لحج بيت الله الحرام، وفي قول الحاج أو المعتمر: لبيك اللهم لبيك، تكرار للتأكيد.
وقوله: (لا شريك لك لبيك) ، هذه هي عقيدة التوحيد التي خلق الله الخليقة من أجلها ليعبدوه ويوحدوه، (لا شريك لك) رد على أهل الجاهلية، فقد كانوا يقولون في حجهم: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك، فهم يعترفون بأنه شريك صغير، وأنه مملوك لله، ولكن ذلك لم ينفعهم، فجاءت التلبية تخلص العبادة لله وحده: (لبيك لا شريك لك) لا في هذا الحج ولا في غيره.
ثم يعقب ذلك بما يشبه التعليل لنفي الشراكة عن الله، فيقول: (إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك) فكأنه يقول: موجب التوحيد وعدم الشريك هو أن الحمد والنعمة لك، والحمد يكون لكمال الممدوح لذاته، قال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] ، و (رب العالمين) فيها التنصيص على أن جميع النعم في جميع العوالم هي لله، وهنا: تحمد الله لكمال ذاته، والحمد يتضمن الشكر على نعمه؛ لأن جميع النعم لله، (إن الحمد) أي: الكمال الذاتي، (والنعمة) : التي نعيش بها ونرجوها في الدنيا أو في الآخرة هي لله.
إذاً: ما دام الكمال لله فلا نعبد غيره، وما دامت النعمة كلها لله فلا نطلب من غير الله شيئاً؛ بل نتوجه إلى الله بكليتنا بدون شراكة في ذلك.
والملك كله لله، إذاً الخير والشر لا يكون إلا بقضاء الله وقدره، فلا تخشى في دنياك أحداً؛ لأن النعمة التي ترجوها عند الله، والشر الذي تتقيه وتخشاه لا يأتيك إلا بقضاء الله؛ فلا وجود لمن ترجوه أو تخشاه إلا الله، وبهذا تكون بداية الناسك تجديد العهد بربه إيماناً وتصديقاً ورضاً، ويظهر شعار الحج بهذا النشيد المبارك: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك) ، أي: في ذلك كله، فهذا هو معنى الإهلال.
ومن المعلوم أن الأذان وهو شعار الإسلام في أعظم ركن وهو الصلاة يبدأ بالتكبير ثم بالتهليل (لا إله إلا الله محمد رسول الله) ثم نجد الدعوة إلى الصلاة وإلى الفلاح، فنجد فيه أيضاً توحيد الله سبحانه، والتصديق برسوله في النطق بالشهادتين، ونجد تكرار التكبير؛ لأنك في عملك أياً كان نوعه، أو في جلوسك ومتعتك أياً كانت صفتها، حينما تسمع: الله أكبر، توقن بأن الله أكبر مما أنت فيه مهما كان، فلا يمنعك ولا يؤخرك عن إجابة المنادي (حي على الصلاة) ؛ لأن الله أكبر مما أنت مشغول به، أو مما تسعى إليه.
وهكذا يكون الإمعان في التلبية بمعنى: الإمعان في أسس التوحيد والعودة إلى الله .
стр. 1719
التجرد من الثياب والاغتسال عند الإهلال
قال المؤلف ﵀: [وعن زيد بن ثابت ﵁: (أن النبي ﷺ : تجرد لإهلاله واغتسل) ، رواه الترمذي وحسنه] .
التجرد: هو الخروج من هذا اللباس العادي، وإذا ما تجرد فلابد أن يستتر فيلبس الإزار والرداء بعد التجرد، وقبل اللبس يغتسل، ولذا اتفق الجميع على أن من شروط الإحرام: التجرد، ولكنه ليس شرط صحة، فإذا أهل ولم يتجرد صح إهلاله وانعقد نسكه، ثم يجب عليه أن ينزع ما هو لابس من ثيابه، فإن لم يفعل فتلزمه فدية.
ويصح أن يتجرد الإنسان قبل الميقات أو في الميقات، أما ما جاء عنه ﷺ فهو أنه تجرد في بيته في المدينة واغتسل ثم خرج إلى ذي الحليفة بإزاره وردائه، وطيبته أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها.
إذاً: السنة والواجب على المحرم أن يتجرد من ثيابه، وإذا نظرنا إلى هذا العمل نجده من غرائب حكمة التشريع فحينما تأتي وفود المسلمين من أقطار شتى ويجتمعون في المدينة، فتجد كل جنس في كل قطر له لباس خاص به يميزه عن غيره، ولو رأيته بلباسه لعرفت من أي الأجناس أو من أي الأقطار هو، فإذا ما أرادوا الحج فلا يجتازون الميقات إلا وقد خرجوا من تلك الألبسة وتوحدوا بلباس واحد إزار ورداء، وهناك تكون قد ذهبت الفوارق، وألغيت العادات، وظهر المسلمون أمة واحدة في شكل واحد، توحدت أشكالهم كما توحد شعارهم: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك.
وفي هذا التجرد خروج من مظاهر الدنيا، سواءً كانت مظاهر غنى أو فقر، مظاهر إقليمية أو جنسية أو غير ذلك، والإسلام في ذاته لا يعترف بشيء من هذا إلا للتنظيم فقط: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات:١٣] ، للتعارف والتنظيم فقط، والحقيقة: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] .
فهنا حينما يريد الحاج أو المعتمر أن يهل فإن عليه قبل ذلك أن يتجرد، فإذا تجرد اغتسل، وكما أسلفنا فإن التجرد شرط للإحرام، ولكن إذا لم يفعله جبر بدم، وسيأتي أن البعض قد يعذر في تجرده من بعض ما يحتاج إليه من لباس، فيترخص ويدفع قيمة ذلك الترخص.
ويسن كذلك الاغتسال، وقد سن الاغتسال للمحرم في عدة مواطن، وكلها -كما أسلفنا- سنة حسب ما تيسر له، وهي: عند إرادته الإحرام بعد التجرد، وعند دخول مكة، وعند الوقوف بعرفات، فقد اغتسل النبي ﷺ في هذه المواطن، فإذا لم يتيسر له أن يغتسل توضأ وأجزأه ذلك، وإن كان معذوراً في استعمال الماء أو لم يجد الماء تيمم.
ثم إن أهل دون أن يغتسل ودون أن يتوضأ ودون أن يتيمم فإن إهلاله صحيح؛ بل إن المرأة الحائض أو النفساء عند الإهلال تغتسل للإهلال وليس للحيضة، فإذا جاءتها الحيضة مثلاً في الصباح فتهل في المساء ولا زالت بحيضتها، والسنة أن تغتسل لا لحيضتها ولكن تطهراً واستقبالاً لهذا النسك، كما جاء (أن أسماء بنت عميس -زوج الصديق رضي الله تعالى عنهما- نفست -أي: ولدت- في ذي الحليفة ليلة مبيته ﷺ بها فجاء أبو بكر وأخبر رسول الله ﷺ فقال له: مرها فلتغتسل) ، وبين له أنها تفعل ما يفعل الحاج غير أنها لا تطوف بالبيت حتى تطهر من نفاسها، وكذلك مثلها صاحبة الحيضة.
إذاً: الإهلال ينعقد ويصح ولو لم يغتسل، ولو لم يتوضأ، ولو لم يتيمم، ولكن الغسل هو السنة، وكذلك مس الطيب في البدن لا في الثياب، على ما سيأتي إن شاء الله.
إذاً: على المحرم أن يتجرد من ثيابه، وأن يغتسل لإهلاله، وأن يلبس إزاراً ورداءً أو ما ينوب عنهما، كما سيأتي إن شاء الله.
стр. 1720
شرح حديث: (ما يلبس المحرم من الثياب)
قال المؤلف ﵀: وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ سُئل: (ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال: لا يلبس القميص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف، إلا أحد لا يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا شيئاً من الثياب مسه الزعفران ولا الورس) متفق عليه، واللفظ لـ مسلم] .
بعدما قدم المؤلف ﵀ التجرد والاغتسال للإهلال وموقع الإهلال ومكانه، كأنه قيل: بعدما تجرد واغتسل لابد أن يلبس شيئاً، فجاء بهذا الحديث الشامل العام في سؤال النبي ﷺ : (ماذا يلبس المحرم؟) وهذا الحديث من نماذج أسلوب الحكيم في الإجابة؛ لأنه ﷺ سُئل: ماذا يلبس؟ فأجاب: (لا يلبس) ، أي: سُئل عن بيان ما يجوز للمحرم أن يلبسه فكان الجواب عكس السؤال: لا يلبس المحرم كذا وكذا.
وقد ذكر العلماء أن القاعدة الأساسية في الجواب أن يطابق السؤال، ولكن المسئول إذا كان حكيماً راعى حالة السائل، فقد يزيده عما سأل، وقد يغاير ويجيبه عن غير ما سأل؛ ليبين له أن الأهمية فيما تضمنه الجواب، أو يختصر في الجواب ليسهل على السائل فهم الجواب.
ومن مغايرة الجواب للسؤال، ما جاء في كتاب الله عند قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة:٢١٥] ، فهم يسألون عن ماذا ينفقون؟ وفي آية أخرى: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة:٢١٩] ، أي: الزائد عن حاجتكم، وهذا مطابق للسؤال، ولكن هنا قال: ﴿قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ [البقرة:٢١٥] ، فقد سألوا عن نوعية ما ينفقون فأجابهم بأن دلهم على جهة ما ينفقون عليه؛ لأن معرفة ذلك أهم من معرفة ماذا ينفقون.
وكذلك من الزيادة في الجواب على السؤال حديث: (قالوا: يا رسول الله إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟) فالسؤال محدود عن صحة الوضوء من ماء البحر، فكان جوابه ﷺ : (هو -أي: البحر- الطهور ماؤه الحل ميتته) ، مع أنهم لم يسألوا عن ميتته أحلال هي أم حرام؟ ولكن نظر ﷺ إلى السائل عن صحة الطهور من ماء البحر ورأى أن تحريم وتحليل ميتة البحر أشد إشكالاً عليهم، فإذا كانوا قد استشكلوا الوضوء من ماء البحر لكونه مالحاً فلأن يستشكلوا حِل ميتته من باب أولى، فزادهم فيما يرتبط بركوب البحر.
وهنا سُئل ﷺ : ماذا يلبس المحرم؟ قال بعض العلماء: لقد أجابهم بما كان ينبغي أن يتوجه السؤال إليه، وهو: ما الذي يمتنع علينا لبسه في الإحرام؟ فكأنه يرشدهم إلى ما كان ينبغي أن يجعلوا السؤال عنه، وهو: ما الذي نجتنبه إذا أحرمنا؟ وقد عللوا ذلك بأن الأصل جواز لبس أي شيء، فالأصل في اللباس إباحة كل شيء حتى يأتي المانع، كما نهي عن لبس الحرير والذهب للرجال، فالأصل في الأشياء الإباحة ما لم يأت الدليل المانع، لكن اللباس في الإحرام من حيث هو خرج عن هذه القاعدة؛ لأن تاريخ لبس المحرم في الجاهلية كان مغايراً، فقد كانوا في الجاهلية يطوفون بالبيت عرايا لا يلبسون شيئاً رجالاً ونساء، وهذا كما كان يقول والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه: من شدة مكيدة الشيطان للإنسان؛ لأنه ما وجد مصيدة أشد وأقوى للرجال من النساء، ويقول: إن فتنة الرجل بالمرأة من أول ما وجد جنس الإنسان، فقد كان آدم ﵇ في الجنة منعماً مطمئناً في عيشة رغيدة، فلما طرد الشيطان حسد آدم على بقائه، فأراد أن يكيد له ليخرجه ليستويا في الحرمان، فجاءه عن طريق حواء وأغراه حتى أكل من الشجرة التي نهي عنها، فخرجا معاً، قال تعالى: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف:٢٢] .
والعجيب أن الشيطان جاء لآدم بالطريق الذي يريده ليكون انقياده أهون عليه، قال تعالى: ﴿قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ﴾ [طه:١٢٠] ، فكلمة (أدلك) تعني: أنه يريد أن ينصحه.
(هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى﴾ [طه:١٢٠] ، وهذا هو ما يريده آدم، وتخيل إنساناً في الجنة منعماً، فإن أخوف ما يخافه هو الخروج منها، فقال له: أنا أدلك على الطريق الذي يؤمنك من هذا الخوف، فدله على ما أراد، وجاء عن طريق حواء وحصل ما حصل، قال تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [البقرة:٣٨] .
ثم بعد ما نزل آدم إلى الأرض وبدأ يكون مجتمعه جاءت فتنة المرأة، فكان قتل أحد ولديه لأخيه بسبب المرأة، بسبب أخته، ثم واصل الطريق معه عن طريق المرأة، ولذا قال ﷺ : (ما تركت بعدي فتنة أشد على الرجال من النساء) ، وكما قال جرير: يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به وهن أضعف خلق الله إنسانا وهذا هارون الرشيد ينادي جارية صغيرة ويقول لها: تعالي، فتقول له: لا! خليفة المسلمين الذي سمعت به الدنيا! ومع ذلك جارية صغيرة تقول له: لا! فتمثل بهذه الأبيات: ما لي تطاوعني البرية كلها وأطيعهن وهن في عصياني ما ذاك إلا أن سلطان الهوى وبه قوين أعز من سلطاني فسلطان الهوى أعز من سلطان الملك، ومما يذكر أن جورج الخامس أو غيره نزل عن عرشه لامرأة! يقولون: لم تكن بارعة في الجمال، ولكنها كانت بارعة في الظرف والأدب والحديث، فأراد أن يتزوجها، فقيل له: لا يمكن؛ لأن الملك في انجلترا لا يتزوج إلا من بيت الملك، فأنت مخيّر بين الملك وامرأة، فقال: خذوا الملك كله.
فتنازل عن عرش بريطانيا وتزوج بالمرأة؛ لأن سلطانها أعز عليه، ولهذا يقول صريع الغواني: وحديثها السحر الحلال لو أنه لم يجن قتل المسلم المتحرز فدمه متحرز حرام لكنها تقتله.
فالمقصود: أن الشيطان اتخذ المرأة وسيلة لإغواء الرجل، فما زال يغوي العرب إلى أن جعلهم في تلك الصورة التي يستنكرها كل عاقل حتى صاروا يطوفون بالبيت رجالاً ونساءً عرايا، حتى يذكرون عن بعض النسوة أنها قالت وهي تطوف: اليوم يبدو جله أو كله وما بدا منه فلا أحله وكيف وصل بهم إلى هذا الأمر الشنيع؟ وصل إلى ذلك بحيلة، فقد جاءهم وقال: أنتم جئتم تحجون وتطوفون تريدون المغفرة من الذنوب؟ فقالوا: هذا كلام صحيح.
فقال: إن ثيابكم التي تلبسونها في الطواف قد باشرت معكم وشهدت عليكم ارتكاب المعاصي، فكيف تطوفون بالبيت وهذه الثياب عليكم شاهدة بمعاصيكم؟ فقالوا: وما هو الحل إذاً؟ قال: اخلعوها، وطوفوا مجردين من كل شيء.
فقالوا: لقد أصبت.
وأضلهم بهذه الحيلة، وكان الواحد منهم إذا استحى أن يطوف عرياناً ولم يستطع وتأبى عليه مروءته ذلك، كان عليه أحد أمرين: إما أن يستعير ثوباً من جيران البيت الحرام فيلبسه، على أن جيران البيت لا ذنوب ولا معاصي لهم، أو لأنهم مكرمون عن هذا.
وإما أن يشتري ثوباً جديداً ما شهد معصية، فيلبسه ويطوف به، فإذا أنهى طوافه خلعه ورماه عند البيت ويكون هدية لسدنة البيت.
ثم جاء الإسلام وكرم الإنسان، وقد كان المسلمون يعلمون بأن المشركين كانوا يطوفون عرايا، ففي سنة تسع لما أرسل الرسول ﷺ أبا بكر يحج بالناس قال له: (ولا يحجنّ بعد هذا العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان) ، فما ألغي هذا الأمر إلا سنة تسع من الهجرة بعدما فتحت مكة بسنة.
إذاً: هم يعلمون أن الطواف في الجاهلية كان يقع والناس عرايا، إذاً ماذا يلبسون؟ فالسؤال منهم عما يلبس المحرم هو عين الصواب، والجواب من رسول الله ﷺ المغاير للسؤال الصحيح السليم إنما هو لبيان وحصر ما يمكن تجنبه، ومعلوم أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
أيضاً قالوا: إن ما يمنع المحرم من لبسه محدود ومحصور، وما يجوز له أن يلبسه مطلق دون حد أو حصر، فكأنه ﷺ قال: اجتنبوا هذه المذكورات وما عداها فالبسوا ما شئتم.
وسواء كان ذلك في عمرة أو كان ذلك في حج، وقوله (لا تلبسوا) خطاب للرجال يخرج عنه النساء، وإن كان المؤلف لم يورد ما تجتنبه المرأة، لكنه معروف عند الجميع وفي غير هذا الموطن، وقد ذكره المصنف في فتح الباري في شرح صحيح البخاري.
وقوله: (لا تلبسوا القمص) القمص: جمع قميص، وهو كناية عن الثوب، سواء كان القميص الذي يلبس مع البدلة، أو مع السروال الطويل، أو كان نفس الثوب المعروف، فإنه يسمى ثوباً ويسمى قميصاً، فما كان على هيئة البدن بكمين فهو قميص.
ويراد بالقميص كل مخيط على هيئة البدن وله كمان، وسواء كان هذا القميص مخيطاً بيد أو بمكينة أو ملصقاً بلصقة أو مشغولاً بالإبرة، أو نحو ذلك؛ لأن الغرض منع لبس المحيط بالجسم، فالنهي هو عن المحيط لا المخيط، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
стр. 1721
كتاب الحج - باب الإحرام وما يتعلق به [٢]
إذا أراد المحرم أن يلبس ثياب الإحرام فعليه أن يجتنب أموراً، منها: لبس القميص، والعمامة، والسراويل، والبرانس، والخفين، إلا إذا لم يجد نعلين فليلبس الخفين، على خلاف بين العلماء في ضرورة قطعهما أسفل من الكعبين، وكذلك لا يلبس ثوباً مسه الزعفران أو الورس، وأما المرأة فتلبس ما شاءت من الثياب، إلا أنها لا تلبس النقاب ولا القفازين.
ويمنع المحرم من الطيب، على تفصيل وخلاف بين العلماء مذكور في بابه.
стр. 1722
النهي عن لبس القميص في الإحرام
قال النبي ﷺ : (لا تلبسوا القمص) أي: على الهيئة المعهودة، ولو أن إنساناً وجد إزاراً ولم يجد رداء، فأخذ ثوبه الذي كان يلبسه قبل أن يتجرد وجعله على كتفيه وارتدى به فلا مانع من ذلك، ولو أن إنساناً أخذ (دراعة) -وهي معروفة عند المغاربة والشناقطة وهي كبيرة مثل الملحفة- وجعلها إزاراً فلا مانع من ذلك؛ لأنها مخاطة من الأمام ومن الخلف.
إذاً: المراد هو النهي عما يحيط بالجسم على هيئته بأي نوع من الإحاطة، سواء كانت بخياطة، أو بدبابيس، أو بمسامير، أو بتلصيق ونحو ذلك، حتى هذا الذي يسمونه: التريكو، فما دام محيطاً بالجسم فهو ممنوع.
ويدخل في مسمى القميص كل ما يحيط بالبدن: كالفنيلة، والجاكيت، والبالطو، والجبة، ونحوها.
стр. 1723
النهي عن لبس العمائم للمحرم
قال ﷺ : (ولا العمائم) العمائم: جمع عمامة، قالوا: العمامة رمز لتغطية الرأس، وكل ما غطى الرأس فهو مندرج تحت العمامة: كالطاقية، والقلنسوة، والكسكيتى، والبرنيطة إلخ، فكل ما يجعل لباساً خاصاً للرأس فهو ممنوع.
وهنا يقول العلماء: قوله: (لا تلبسوا القمص) أي: المحيط وليس المخيط، أو المخيط على هيئة الجسم، وفي الرأس لا يغطى الرأس بالعمامة، وكل ما يغطي الرأس فهو مندرج تحتها، ولو أن إنساناً معه متاع فحزمه ووضعه على رأسه وكان رخواً، فدخل الرأس في ضمن المحمول، ونزل على جانبي الرأس وغطاه إلى أذنيه، فإنه يكون قد غطى رأسه، بحمل، فهل يكون داخلاً في معنى العمامة؟ يقول بعض العلماء: إذا قصد بهذا الوضع تغطية رأسه من شمس ونحوها فهو لابس، وإن كان فيه متاعه وحمله ونزل إلى هذا الحد فلا يقال له: لابس له، إنما يقال له: حامل متاعه.
ولو أنه أخذ شريطاً على منتصف الرأس إلى أسفل الحلق لجرح أو لصداع أو لأي حاجة من الحاجات، فهذا الذي أخذ شريطاً عرضه (٥سم) ونزل به إلى أسفل حلقه يقال له: رابط رأسه، فلا يكون لابساً ولا يكون مغطياً.
وإذا نام على فراش وثير ولين وغطس فيه رأسه، فلا يقال: لبس المخدة، ولا يكون مغطياً رأسه وهكذا.
إذاًَ: المنع من تغطية الرأس بعموم مسمى العمامة وما يلحق بها، كالغترة ونحوها، وإذا كان في الحر أو في المطر وظلل رأسه بالمظلة، فهذا يقال عنه: استظل بالمظلة.
وأبعد من هذا يقول النووي: لو وقف الحاج في الخيمة، والخيمة واطية، فدخل رأسه في الخيمة ورفعها، فهل يكون غطى رأسه أو حمل الخيمة على رأسه؟ يقال: رفع الخيمة على رأسه.
أريد أن أبين بهذا أن الفقهاء عند هذه النقاط الأساسية يفرعون عليها بتوسع، ولهذا يؤكد العلماء ضرورة أو حتمية دراسة الفقه قبل دراسة الحديث لطالب العلم إذا أراد أن يتوسع في معرفة الفقه، ويكون الحديث تثبيتاً وأدلة لما قرأ من الفقه، وإذا درس طالب العلم الحديث فلا يقتصر على كتب الحديث مهما كان الشرح فيها متوفراً واسعاً، وللأسف لم أجد كتاباً شارحاً لبلوغ المرام شرحاً وافياً يكتفى به أو يستغنى به عن غيره.
ولا يمكن أن تقف على حقيقة شرح بلوغ المرام إلا في الأحاديث التي رواها البخاري أو هي من المتفق عليه، فترجع إلى شرح المؤلف وهو فتح الباري على صحيح البخاري، فتجد الكلام وافياً على ذلك الحديث في ذاك المكان، أو ترجع إلى شروح السنة، فحينما يقول: رواه النسائي أو أبو داود أو الترمذي، فترجع إلى مراجع الحديث وتقرأ الشرح هناك موسعاً، فتستطيع أن تلم بحقيقة الأحاديث أو النصوص الواردة في بلوغ المرام.
ومن وراء ذلك المجاميع والموسوعات الفقيه، مثل المجموع للنووي، وهو خاص بمذهب الشافعية، ولكنه يفرع ويذكر مذاهب الأئمة الآخرين، وكذلك المغني لـ ابن قدامة، فإنه وإن كان خاصاً بالحنابلة إلا أنه أيضاً يفرع ويأتي بأقوال بقية المذاهب.
إذاً: العمامة هنا رمز لكل ما يغطي الرأس، ثم نأتي إلى تحقيق المناط فيما هو غطاء للرأس.
стр. 1724
نهي المحرم عن لبس السراويلات
قال ﷺ : (ولا السراويلات) ، السراويلات: جمع سروال، وهو ما يسمى باللباس، وهذا من تسمية الخاص باسم العام؛ لأن كلمة (لباس) تطلق على كل ما يلبس في الجسم من فنيلة أو قميص أو دراعة أو نحو ذلك، فكل هذا لباس، ولكن أصبح العرف يخصص كلمة (لباس) بما لبُس في موضع الإزار، وهو ما كان له ساقان على ساقي القدمين، فهذا لا يلبسه المحرم؛ لأن فيه إحاطة بهذا الموضع من البدن.
وهذا يشمل ما استجد عند الناس من السراويل القصيرة وهي ما يسمى: (كلسيون) أو ما إلى ذلك، فكل هذا داخل تحت مسمى السراويلات، وقد كان السروال القصير موجوداً عند السلف وهو ما يسمى: التبان، وقد جاء في خبر عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها أنها كانت تسمح لمن يرحلها أن يلبس التبان تحت الإزار؛ وذلك تحفظاً من أن تنكشف عوراتهم.
إذاً: يندرج تحت السراويل: البنطلون، والكلسيون، والتبان، وكل ما يلبس تحت الإزار بساق طويل أو بدون ساق، فهذا ممنوع لبسه للمحرم.
стр. 1725
نهي المحرم عن لبس البرانس
قال ﷺ : (ولا البرانس) ، البرانس: جمع برنس، ويكثر وجوده في المدينة أثناء الحج إذا كان الوقت شتاءً، وأكثر من يلبسه هم المغاربة والليبيون، وهو كما قالوا: كل لباس خيط به غطاء للرأس؛ لأن البرنس معه مثل المثلث يغطى به الرأس، وهو مخيط من عند رقبة اللباس، والبرنس شبيه بالعباية والجبة ونحوها، ولكن غطاء الرأس مخيط فيه، فإذا كان وقت الشتاء غطى رأسه، وإذا لم يرد تغطية رأسه خلعها ورماها وراء ظهره، فهذه البرانس سواء غطى رأسه بالغطاء الموجود معها أو لم يغطِّ رأسه، فإنها ممنوعة.
والفرق بين القمص والبرانس: أن القمص محدودة، فالقميص يصدق على الفنيلة، ويصدق على القميص القصير، لكن البرانس واسعة، يدخل فيها الدراعة، ويدخل فيها المشالح، ويدخل فيها اللباس الفضفاض كما يوجد في لباس البادية، وهو الثوب ذو الأكمام الواسعة الطويلة.
إذاً هذه البرانس رمز لكل لباس فضفاض على الجسم.
стр. 1726
حكم لبس المحرم للخفين
قال ﷺ : (ولا الخفاف) ، الخف لباس القدمين، والأصل فيه أن يصنع من الجلد، وأن يكون طويلاً بحيث يغطي الكعبين ويتجاوزهما، وهو الذي يجوز المسح عليه في الوضوء.
فالخفاف التي يصح المسح عليها في الوضوء ممنوعة في الإحرام، وسواء كان الخف من الجلد كما هو الأصل، أو كان من القماش خفيفاً أو متيناً في هذا الباب، بخلاف المسح في الوضوء فإنه يجب أن يكون قوياً ثخيناً، سواء كان من صوف، أو من قطن، أو من كتان، أو من نايلون، أو من بلاستك، حتى قال النووي في الممسوح عليه: ولو من زجاج يكشف البدن.
فإذا كان محرماً فلا يلبس الخف، ولكن سيأتي الاستثناء في صورة ما.
إذاً: يمنع المحرم من لبس الخفين في القدمين، ويلبس النعلين، ولو مشى حافياً فهو وما أراد، لكن تكريماً له ولأجل الحر والبرد والأمن من الحجارة ومن الشوك ونحوها يلبس نعلين، وأصل النعل ما كان على قدر أسفل القدم، ويكون ظاهر القدم مكشوفاً، وذلك مثلما يسمونه: (زنوبة) ، وهي المصنوعة من البلاستك، ونحوها، فإذا كان ظهر القدم مكشوفاً بطبيعة التركيب والتفصيل فهو النعل، أما إذا كان مغطى وساقه مرتفعة مع ساق الرجل إلى ما فوق الكعبين.
فهذا هو الخف.
стр. 1727
حكم من لم يجد نعلين عند الإحرام
ثم استثنى النبي ﷺ فقال: (إلا أحد لا يجد نعلين، فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين) ، فإذا أراد أن يحرم وأراد أن يلبس ثياب الإحرام، فإن وجد نعلين فليلبسهما، وإن لم يجد نعلين وعنده خفان فله أن يلبس الخفين ولكن بشرط أن يقطع ساق الخفين من تحت الكعبين.
أظنه ما يسمى الآن (بالكندرة النصف) وهناك (الكندرة) العسكرية التي يلبسها الجندي إلى نصف الساق، وهناك المدنية التي تكون تجدها صغيرة قصيرة من تحت الكعبين وتسمى: نصف رباط.
فهنا الخف لباس على قدر الرجل مثل الجورب، وساقه يمتد إلى أعلى فوق الكعبين، فإذا لم يجد النعلين لبس الخفين وقطعهما أسفل من الكعبين، وكيف يتحقق عدم وجود النعلين؟ قالوا: بأن تكون غير موجودة في السوق بالكلية، أو كانت موجودة ولكن البائع عرف أن هذا محرم فرفع عليه في قيمتها، كأن تكون بخمسة ريالات مثلاً، فرفع قيمتها إلى عشرة أو إلى عشرين ريالاً، فليس بلازم أن يشتريها وفيها هذا الفحش، أو كانت رخيصة كأن تكون بريالين لكن لا توجد عنده قيمتها، فتكون غير موجودة في حقه.
وهنا يقول العلماء: لو جاء شخص وقال له: يا أخي! أنا أعطيك نعلين تحرم فيهما هبة مني لك، فهل يجب عليه أن يأخذها أم لا؟ قالوا: لا يلزمه قبولها، مخافة المنة عليه، ولو جاء وقال: أعيرك إياها، فلا يوجد مانع من أن يأخذها؛ لأن العارية مردودة، يعير بعضهم بعضاً، ولو قال: أؤجرها لك، وكان عنده الأجرة، فعليه أن يستأجر.
إذاً: من لم يجد بمعنى تعذر وجوده، أو وجد مع مشقة عليه في زيادة السعر، أو وجد ولكن بمنة من الغير؛ لأنهم قالوا في الحج: إذا كان هناك إنسان غير مستطيع، وجاء آخر وقال: أنا أعطيك مالاً لتحج هبة مني لك، فليس بلازم أن يقبل؛ لأنه فيما بعد قد يمن عليه، ويقول: أنا حججت لك أنا أعطيتك لكن رب العزة سبحانه لا يمتن علينا، والله إذا لم يعطه ولم يجعله مستطيعاً فقد أسقط عنه الواجب.
فمخافة المنة على الإنسان، ومحافظة على كرامة الإنسان عند الله، يسقط الفرض عنه، وكأنه يقول: يا عبدي! لا تتمنن على عبدي فلان، أنا أولى به منك، أنا أعطيه بغير منة، وأعطيه ما يستحق وأتفضل عليه بدون شيء.
وفي الصدقة قال الله تعالى: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ [البقرة:٢٦٤] ، فلا فائدة من صدقة هذا الذي سوف يؤذي المسكين ويكسر خاطره.
إذاً: من لم يجد بالكلية، أو وجد ولكن بما يشق عليه فيه فكأنه معدوم، فإذا كان عنده خفان فليس هناك مانع من أن يلبسهما ولكن بشرط أن يقطعهما، ولماذا يقطعهما؟ حتى يصبحا في صورة النعلين، أي: كاشفين ظهر القدم ونازلين عن الكعبين.
ومسألة قطع الخفين وقع فيها نزاع بين العلماء ﵏، فإن حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنه: (وليقطعهما) ، قيل: في المدينة قبل أن يلبس المحرم، حين بين لهم ما يلبسون، وفي عرفات خطب ﷺ وبين ما يجتنبه المحرم فقال: (من لم يجد النعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد الإزار فليلبس السراويل) ، ولم يذكر قطعاً للخفين، بل قال: (فليلبس الخفين) ، ولم يقل: وليقطعهما أسفل من الكعبين.
فأصبح عندنا حديثان في خصوص لبس الخفين: حديث في المدينة يأمر بالقطع، وحديث في عرفات يرخص في لبس الخفين من دون قطع.
فقالوا: إن حديث عرفات عام مطلق عن قيد القطع، وحديث المدينة خاص أو مقيد بشرط القطع، فيحمل العام في عرفات على الخاص في المدينة، فقوم قالوا: حديث المدينة يقضي على حديث عرفات، ويحمل المطلق في عرفات على المقيد في المدينة، فيكون حديث ابن عباس في عرفات: (فليلبس الخفين) ، بشرط القطع المذكور في حديث المدينة، ومن هنا وقع النزاع: هل حديث ابن عباس في عرفات مقيد بقيد القطع في المدينة فيجب القطع، أم أنه متأخر عنه وقد عرفنا التاريخ فيكون ناسخاً لحكم القطع؟ الناس في هذا على مذهبين: مذهب حمل العام على الخاص وأمر بالقطع مطلقاً.
ومذهب يقول بأن القطع قد نسخ بحديث ابن عباس المتأخر الذي سكت فيه عن القطع.
ويقال لأصحاب المذهب الأول: تقولون: إنه ترك ذكر القطع في عرفات؛ لأنه ذكره في المدينة، وهل كل من كان في عرفات وسمع حديث ابن عباس: (فليلبس الخفين) ، قد سمع حديث ابن عمر في المدينة؟ إذ أن حديث ابن عمر فيه القطع، فمن قال لكم: إن الذين في عرفات قد علموا وسمعوا بحديث ابن عمر في المدينة؟ إذاً هناك مجتمع يحتاج إلى بيان، وهنا مجتمع يحتاج إلى بيان، ولو كان بيان حديث ابن عمر كافياً لما كانت هناك حاجة إلى حديث ابن عباس في عرفات.
إذاً: الحاجة باقية لبيان ما لا يلبسه المحرم، أو حكم لبس الخف للمحرم، ولهذا أعاد النبي ﷺ الحديث مع ترك القطع.
ومن ناحية أخرى، فإن الخف مال محترم، والمال يجب أن يحترم وأن يصان، وما دام أنه لم يأتِ في حديث ابن عباس الأمر بالقطع، فإذا لبسناه ولم نقطع بناءً على حديث ابن عباس وحافظنا على المال من أن نتلفه، فلا يوجد هناك مانع من هذا.
وعلى كل حال: ما دامت المسألة عند العلماء دائرة بين الأمرين: وهو حمل المطلق على المقيد، أو القول بالنسخ، وقد عرفنا التاريخ، فأعتقد أن من أخذ بأحد الطريقين فحمل المطلق على المقيد أو أخذ بطريق النسخ، فكل منهما له وجه.
стр. 1728
نهي المحرم عن لبس ما مسه زعفران أو ورس من الثياب
قال النبي ﷺ : (ولا تلبسوا شيئاً من الثياب مسه الزعفران ولا الورس) .
الزعفران: نبات مخصوص قيل: هو زهر أشبه ما يكون بزهر الرمان، وله لون أحمر ورائحة زكية، وله خصائص كثيرة.
قالوا: إذا كان هناك ثوب أبيض وصبغ بالزعفران، والزعفران يستعمل لصبغ الثياب والتجميل ونحو ذلك، قالوا: فلا يجوز لبسه، إذا كان قد صبغ الثوب بهذا النوع على أساس أن الصبغ ثبت وأصبح بحيث لو غسل فلن يخرج من الصبغ الموجود شيء.
والثوب الذي مسه الزعفران أو الورس ينقسم إلى قسمين: ثوب صبغ ولبس بعد الصبغ مباشرة، بحيث أنه لو عرق فيه لانطبع في جسمه، ولو وقع عليه ماء لخرج اللون مع الماء، فهذا ممنوع، أما إذا ثبت الصبغ ولم يبق إلا اللون فقط بحيث لو عرق لما انطبع فيه شي، ولو غسل لما وقع في ماء الغسيل منه شيء، فقالوا: لا بأس به، ولكن في العموم في غير الإحرام لا يجوز للرجل أن يلبس الثوب المصبوغ بورس أو زعفران، فإنه للنساء وليس للرجال.
فعلى كلتا الحالتين منع من لبس الملون، ولكن في الوقت الحاضر لو وجدنا هذه البشاتير التي تكون محمرة أو مخضرة أو مصفرة، والصبغ ثابت لا ينطبع على الجسم، فلا بأس بها؛ لأن الأصل في ذلك المنع هو الرائحة وليس اللون، فإذا كان لوناً ثابتاً لا رائحة فيه، بأن غسل قبل ذلك وبقي اللون كالخضاب وأثر الحناء، فلا مانع من ذلك.
وبعضهم يقول: منع الرجال من الثياب المعصفرة أو المصبوغة بالزعفران عام في الإحرام وغيره، فيكون المنع لأجل اللون أعم من كونه فيه رائحة أو ليست فيه رائحة.
هذا ما يتعلق بلباس الرجل في الإحرام في الجملة.
стр. 1729
لباس المرأة في الإحرام
بقي ما تجتنبه المرأة من اللباس في الإحرام، فنقول: المرأة تلبس كل شيء حتى حليها، وليس محظوراً عليها لون عن لون، ولا نوع لباس عن لباس، ما دام اللباس تصح فيه الصلاة، أي: ساتراً لجميع بدنها، إلا النقاب والبرقع والقفازين، والنقاب والبرقع: نوعان من اللباس خاصان بوجه المرأة، وبعض البلاد تختلف عن بعض في شكله وحجمه، وهو شريط من القماش بعرض الوجه يتدلى من الرأس إلى الصدر، مثقوب أمام العينين وكل ثقب يكون بحجم العين ترى المرأة من خلاله، والنقاب يكون أوسع منه، وقد يكون على مجرى الأنف نوع من الذهب كالقصبة، أو نوع من الحلية، وقد توضع أنصاف الجنيهات أو أرباعها من الذهب على أطرافه زيادة ومبالغة في حلية المرأة، فهذا هو الذي تمنع منه المرأة، وكذلك القفاز، وهو قطعتان تغطيان الكفين والساعد فتمنع المرأة من لبسهما.
وكونها لا تلبس النقاب ولا البرقع معناه أنها تكشف وجهها، قالوا: لأن وجه المرأة في الإحرام كرأس الرجل، فهو يكشف رأسه وهي تكشف وجهها، ولكن عند عدم وجود الأجانب، أما في حضرة الأجانب فتغطي بخمارها لا ببرقع ولا نقاب، بل تسدل خمار أو غطاء رأسها على وجهها فتغطيه، كما جاء في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كنا نكشف وجوهنا، فإذا مر بنا الركبان سدلت إحدانا خمارها على وجهها) .
وبهذا ينتهي بحث: ما يجتنبه المحرم من اللباس ومحظوراته.
وبالله تعالى التوفيق.
стр. 1730
حكم الطيب للمحرم
قال المصنف ﵀: [وعن عائشة قالت: (كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت) متفق عليه] .
موضوع هذا الحديث هو تطيب المحرم، وألفاظه: (كنت) يقول بعض العلماء: (كنت) تدل على التكرار، ويقول البعض في هذا الحديث: ليس فيه دلالة على التكرار؛ لأنه أحرم للحج مرة واحدة.
ولكن إن كان أحرم للحج مرة واحدة فقد أحرم للعمرة ثلاث مرات، أي: منفردات، وهي: عمرة الحديبية، وعمرة القضاء، وعمرة الجعرانة، والرابعة من عمراته كانت قراناً مع الحج، فلا مانع أن يكون هذا الفعل قد تكرر من عائشة رضي الله تعالى عنها.
أما أحكام الحديث فقولها: (أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه) ، أي: إذا أراد أن يحرم طيبته، أي: أنها توقع الطيب قبل أن يحرم، وهنا يبحث العلماء: هل للمحرم أن يتطيب؟ أجمع العلماء على أنه لا يتطيب ابتداءً، أي: إذا أحرم وقال: لبيك اللهم حجاً أو عمرة، حرم عليه أن يمس الطيب.
ولكن إذا تطيب قبل أن يحرم، أي: تطيب لإحرامه، فقال بعضهم: إن كان هذا الطيب ستبقى له رائحة فيمنع منه، كما هو مروي عن عمر وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، والجمهور على أنه إذا تطيب قبل الإحرام وبقي أثر الطيب بعد الإحرام فلا مانع من ذلك، ولهذا يقولون: الإحرام مانع ابتداء لا مانع دوام، كما سيأتي في النكاح، فإن المحرم لا يتزوج ولا يزوج، فهو مانع ابتداء للتزويج ولكن ليس مانع دوام؛ لأن المتزوج يحرم وتبقى الزوجية على ما هي عليه، فهو مانع ابتداء يمنع ابتداء المحرم من أن يتزوج من جديد، ويمنع المحرم أن يتطيب من جديد، ولكن لا يمنع دوام الطيب الذي وقع قبله، ولا دوام النكاح الذي وقع قبله.
ومن هنا استدلوا أيضاً بحدث عائشة رضي الله تعالى عنها في بعض رواياتها: (وإني كنت أرى وبيص -والوبيص: البريق واللمعان- المسك في مفرقه ﷺ ، والمفرق هو موضع فرق شعر الرأس، وكان ﷺ له شعر يصل إلى منكبيه، وكان يفرقه قسمين: قسم إلى اليمين، وقسم إلى اليسار، حتى تظهر فروة الرأس، فتقول أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها: (كنت أطيب) ، ثم بعد الإحرام: (كنت أرى وبيص المسك في مفرق رسول الله) .
إذاًَ: هنا دوام الطيب، والذين قالوا: إن المحرم لا يتطيب بطيب يدوم، قالوا: صحيح أنها طيبته لإحرامه، ولكن جاء عنه ﷺ : (أنه خرج من المدينة وقد لبس ثياب الإحرام، وتطيب ولبد رأسه- فأتى إلى ذي الحليفة وبات هناك، وفي تلك الليلة التي بات فيها طاف على نسائه اللاتي معه، واغتسل عند كل واحدة، فإذا كان الأمر كذلك فيكون هذا الاغتسال المتكرر قد أزال وأذهب الطيب الذي طيبته إياه بالمدينة، ثم أصبح فاغتسل وأحرم) ، فقالوا: إن هذا الطيب الذي طيبته عائشة أذهبه الاغتسال في الليل.
وأجاب الآخرون عن ذلك بقولها: (وكنت أرى وبيص المسك في مفرقه) ، وقد رأت هذا الوبيص حينما كان في الطريق وبعد أن غادر ذا الحليفة ومضى بإحرامه.
وعلى هذا يأتي نوع من التفريع: هل يصح الطيب للمحرم في ثوبه إزاراً ورداءً، وفي بدنه، وفي شعره، وفي رأسه، وتحت إبطه، وفي يديه؟ قالت المالكية: يكون الطيب في البدن وليس في الثوب، وجاءوا بالتعليلات الفقهية التي تذهب إلى الدقة، وقالوا: إن الطيب في البدن ثابت مكانه، وأما إذا كان الطيب في الرداء، فقد يطرح الرداء عنه، ثم يرجع فيلبس الرداء والطيب في الرداء فيكون لبسه الرداء وفيه الطيب بمثابة ابتداء الطيب من جديد؛ لأنه أخذ الطيب الموجود في الرداء حينما أخذه للمرة الثانية، وهذه المسألة من الدقائق التي علم حقيقتها عند الله.
وقد صح عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه شم ريح طيب من رجل -سواء كان معاوية أو غيره- فقال: من طيبتك هذا؟ قال: أم حبيبة يا أمير المؤمنين! فقال: عزمت عليك لتذهبن فلتغسلن عنك هذا الطيب.
وجاء عن ابن عمر أنه قال: لأن أتلطخ بالقار وأنا محرم أهون عليَّ من أن أتلطخ بالطيب.
فإذا كان الأمر كذلك فإننا نجد هذا الحديث الصحيح من أقرب الناس إلى رسول الله ﷺ في بيته، فقد تجرد في بيته وتطيب في بيته، فأهل بيته أعلم الناس بطبيعة إحرامه وما أخذ من طيب وغيره، ولقد جاء عنها في بعض الروايات أنها قالت: (طيبت رسول الله لا كطيبكم هذا) قال بعضهم: (لا كطيبكم هذا) أي: يزول بسرعة، وقال بعضهم: لا إنما قالت ذلك لتبين أن طيبكم لا يصل إلى هذا الطيب، وقد صرحت في بعض الروايات: (بأحسن طيب المسك) .
وعلى هذا فالجمهور على أن المحرم قبل أن يهل له أن يتطيب ويكون الطيب في بدنه.
وإذا جئنا إلى ما ذكره ﷺ : (إني أحرمت، وقلدت هديي ولبدت شعري) ، وتلبيد الشعر هو إمساكه بما يكون من أنواع الدهون أو الطيب لئلا يتشعث؛ لأن المدة من المدينة إلى عرفات إلى أن ينزلوا إلى منى طويلة، كما جاء عن ابن عباس: أنهم حينما قدموا للحج استغرقوا تسعة أيام في الطريق، وأربعة أيام في مكة قبل عرفات، ويومين بعد عرفات، فهذه خمسة عشر يوماً، فهذه المدة إذا ترك الشعر كما هو فإنه يتخلله الهواء ويسري إليه التراب ويعلق به ما كان في الجو، فإذا كان ملبداً سلم من هذا كله.
وبماذا يلبد؟ قالوا: يلبد بالطيب: كالمسك ونحوه، أو كما قالت رضي الله تعالى عنها: (بطيب ليس كطيبكم هذا) ، وعلى هذا فالجمهور على أن المحرم يحق له أن يتطيب قبل أن يحرم.
بقي النصف الثاني من الحديث وهو قولها: (ولحله قبل أن يطوف بالبيت) ، الجمهور على أن الإحلال من الإحرام قسمان: الأول: التحلل الأصغر.
الثاني: التحلل الأكبر.
فالتحلل الأصغر: يحل فيه للمحرم كل شيء إلا النساء، وبعضهم يلحق بها الطيب، وهو أن يفعل اثنتين من ثلاث: رمي الجمرة، وحلق الرأس، والطواف بالبيت، فإن فعل اثنتين من هذه الثلاث أياً كانت حل له كل شيء، فيلبس الثياب، ويقلم الأظفار، ويحلق الشعر، فكل الذي كان ممنوعاً منه فإنه يحل له إلا النساء، فإذا فعل الثالثة حل له كل شيء.
فبعضهم يقول: إذا فعل اثنتين من ثلاث حل له كل شيء إلا النساء، وبعضهم يقول: إلا النساء والطيب.
стр. 1731
العلة في النهي عن الطيب للمحرم
العلماء متفقون على أن الطيب ليس ممنوعاً على المحرم لذاته؛ لأن الطيب من حيث هو شيء طيب ومحبب، وقد جاء في الحديث: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً) ، لكن يقولون: الطيب يعتبر من الترفيه، والمحرم يجب عليه أن يتجنب المرفهات، وأن يكون أشعث أغبر.
إلخ.
وبعضهم يقول: العلة أن الطيب يثير عند الإنسان الغريزة.
وبعضهم يقول: إنه يوجد داخل الأنف عروق لها صلة بالإثارة، فمنع من الطيب لئلا يكون ذلك مدعاة لإثارته وهو محرم، فإذا كان الطيب ممنوعاً لا لذاته وإنما لأمر آخر سداً للذريعة، فبعضهم قال: هذا من خصوصية النبي ﷺ أن يتطيب قبل أن يطوف بالبيت ويبقى الوطء محرماً عليه، وقد جاء عن عائشة ﵂ قالت: (وكان أملككم لإربه) ، أي: أن الطيب لا يثير رسول الله، ولا يتسلط عليه، ولا يتأثر به من تلك الناحية بخلاف غيره.
وقال بعضهم: ليست هناك خصوصية إلا بالنص، وهنا لم يأت نص في ذلك عن عائشة، ولم يقله النبي ﷺ .
إذاً: من عمل بهذا الحديث في هذين الموضعين: عند إرادة الإحرام قبل أن يحرم، ويبقى أثر الطيب ويدوم معه حال إحرامه، وعندما يريد أن يتحلل قبل أن يطوف بالبيت، فمن عمل بالحديث في طرفيه فلا مانع؛ لما جاء عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، والمحظور أن يستأنف طيباً بعد أن يحرم.
стр. 1732
حكم شم المحرم للطيب
وهنا مسألة: إذا مر الإنسان بريحان أو فل أو ورد وشم ريحه من البستان، أو من يد شخص آخر، فهل في ذلك على المحرم من شيء؟ قال العلماء: له أن يشم الرياحين لكن لا يعمد إليها، وإذا جاء الإنسان إلى الكعبة وإلى الحجر والناس يتقربون وينثرون الطيب -العود والمسك والورد- على الحجر الأسود وعلى كسوة الكعبة، فجاء إنسان ليستلم الحجر فمسح بيديه على الحجر فتلطخت بالعود ونحوه من الطيب الذي عليها، فهل هذا محظور عليه؟ ليس عليه شيء إنما يمسحه عنه في كسوة الكعبة أو في الحجر أو في غير ذلك، ولا مانع أن يشمه من نفس الحجر، فإنه لم يتطيب، ولكن الطيب موجود أمامه، ولابد أن يمسح الحجر، فليس عليه شيء إذا كان الحجر مطيباً وقبل الحجر وفيه الطيب.
والله تعالى أعلم.
стр. 1733
كتاب الحج - باب الإحرام وما يتعلق به [٣]
إذا أحرم المحرم للحج أو للعمرة فلا يجوز له أن يَنكح ولا أن يُنكح، وكذلك يحرم عليه أن يصيد صيداً، أو أن يأكل صيداً صيد لأجله، أما إذا لم يصد لأجله فلا بأس أن يأكل منه، ولذلك حكم عظيمة من تربية النفس وتهذيبها وتعويدها على اجتناب المحرمات، فما دام أن الإنسان قد امتنع عن الحلال حال إحرامه، فمن باب أولى أن يجتنب الحرام حال إحلاله.
стр. 1734
شرح حديث: (لا ينكح المحرم)
قال المصنف ﵀: [وعن عثمان بن عفان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا يَنكح المحرم ولا يُنكح ولا يخطب) رواه مسلم] .
من محظورات الإحرام عقد النكاح والوطء، فإذا أحرم الإنسان حرم عليه وطء زوجه، وحرم عليه أيضاً أن يعقد عقد نكاح لابنته أو أخته أو مولاته.
стр. 1735
مسألة زواج النبي ﷺ من ميمونة في عمرة القضاء
وهنا وقع خلاف بين الإمام أبي حنيفة ﵀ وبين الجمهور في قضية أم المؤمنين ميمونة ﵂، وذلك أن النبي ﷺ في عمرة القضية -وتسمى عمرة القضية، وعمرة القضاء، وهي العمرة الثانية بعد عمرة الحديبية لما خرج ﷺ معتمراً عام الحديبية، وما كان من قريش حين أن منعوه من دخول مكة، وصالحهم على ما فيه مصلحة المسلمين، وتمت فيها بيعة الرضوان، وتحلل المسلمون وحلقوا رءوسهم في الحديبية على مشارف حدود الحرم، ورجعوا وحسبت لهم عمرة، وكان من شروط الاتفاق: أن يتحللوا مكانهم ويرجعوا إلى بلدهم ثم يأتوا في العام القادم، على أن تخلي قريش مكة للمسلمين حتى يقضوا عمرتهم ويقيموا فيها ثلاثة أيام.
وسميت القضية؛ لأنها العمرة التي كانت بمقتضى التقاضي بين الفريقين والاتفاق عليها، وسميت عمرة القضاء كذلك، لكن بعض الناس يقول: إنها قضاء عن العمرة الأولى، ولكن المحققين من العلماء يقولون: العمرة الأولى انتهت، ولهذا لم يلزم النبي ﷺ جميع الذين حضروا معه عمرة الحديبية أن يرجعوا معه في العام الثاني ليقضوا ما فات، فإن هذه عمرة مستقلة وتلك عمرة مستقلة.
الشاهد: أن النبي ﷺ لما كان في الطريق إلى مكة لأداء العمرة أرسل إلى ميمونة من يخبرها بأن الرسول ﷺ يخطبها للزاوج منها، فلما أتوا إلى العمرة وانتهت الثلاثة الأيام، جاءت قريش وقالوا: يا محمد! اخرج بمن معك فقد انتهت الموعدة، قال: أمهلونا، نحن نريد أن نتزوج من عندكم، ونريد أن نحتفي ونريد أن نطعم سوية، قالوا: لا حاجة لنا في زواجك ولا في طعامك، اخرج، فخرج ﷺ وتزوجها ودخل بها في سرف في عودتهم إلى المدينة، وسرف تبعد عن مكة مرحلتين.
وهنا اختلفوا: هل تزوجها رسول الله ﷺ وهو محرم حينما أرسل يخبرها، أم تزوجها بعد أن حل من عمرته وانتهى وبنى بها في سرف؟ والعجيب أنهم يقولون: المكان الذي بنى لها فيه خيمة وبنى بها هو المكان الذي توفيت ودفنت فيه.
فقال بعضهم: تزوجها وهو محرم، وأخذ بذلك أبو حنيفة ﵀.
وقد اختلفت الروايات فـ رافع بن خديج كان السفير بين رسول الله ﷺ وبين ميمونة وقد روى أنه تزوجها وهو حلال.
وابن عباس هي خالته، وقد روى أنه تزوجها وهو محرم، فلما اختلف الناس في ذلك سألوا ميمونة ﵂، فقالت: تزوجني وهو حلال.
فهنا اختلفت الرواية في قضية واحدة، ولا يمكن أن يدعي أحد تكرار القضية وتعددها -كما يقال في غير هذا الموضع- فتحمل بعض الأحاديث على نوع وبعض الأحاديث على نوع آخر، لكن هذه قضية واحدة لم تتكرر.
فقالوا: في هذه الحالة يؤخذ بالترجيح، فيرجح بالقرائن التي تدل على صدق أحد الفريقين، ومن القرائن: أن الذي يروي أنه تزوجها وهو حلال هو الواسطة بين الطرفين، فـ رافع بن خديج هو الواسطة في تزويجهما، فيكون أعلم من غيره: أتزوجها وهو حلال أم وهو محرم؟ وابن عباس يروي عن خالته، ومن روى عن خالته ليس مثل شخص آخر يسمع بواسطة، فلو قارنا رواية ابن عباس عن خالته برواية غيره، فإن الذي يكون أعلم بهذا الأمر هو ابن عباس بلاشك.
إذاً: هنا اختلف رافع بن خديج وابن عباس، فالأول يروي أنه تزوجها وهو حلال، والثاني يروي أنه تزوجها وهو محرم، وهنا رجعوا إلى ميمونة فسألوها عن ذلك فقالت: تزوجني وهو حلال.
فاختلفت رواية ابن عباس عن رواية رافع وميمونة، وابن عباس يروي عن خالته، فهو يعادل حديث رافع، ورافع هو الرسول بينهما، وابن عباس هو ابن أختها، فاختلفا، وكلاهما له صلة قوية بها، فقالوا: إذاً نرجع إلى صاحبة القصة وهي ميمونة، فسألوها فقالت: تزوجني وهو حلال.
وبهذا أخذ الجمهور أنه لا يَنكح المحرم ولا يُنكِح.
ثم بعد ذلك ذكروا مسائل أخرى، مثل هل يطلق؟ وهل يخالع؟ هل يرد الزوجة في طلاقها قبل تمام العدة؟ كل ذلك موضع بحث في هذا الحديث.
والذي يهمنا أن من محظورات الإحرام: النكاح، أي: أن يكون النكاح ابتداء لا دواماً، فالمحرم يكون متزوجاً ويبقى حكم الزواج بعد الإحرام، ولكن لا يبتدئ ولا يستأنف النكاح، وإذا كان العقد ممنوعاً وهو مجرد قبول وإيجاب؛ فالوطء من باب أولى.
стр. 1736
حكمة تحريم النكاح على المحرم
وهنا يقال: إن هذه المحظورات تعتبر من خصائص الإحرام، فإن الزوجة حلال بكتاب الله، وحينما أحرم قيل له: لا تمس الزوجة فإنها محرمة عليك مدة الإحرام، سبحان الله! الإحرام الذي هو قربة إلى الله يحرم عليه الزوجة؟! والشخص الحلال الذي لم يحرم زوجته حلال له؟! قالوا: لأن معطيات الإحرام تهذيب النفس وتربية المسلم تربية مثالية، فإذا كانت الزوجة معه في هودجهما، والاثنان على بعير واحد متقابلان، ويكونان معاً في خيمتهما، ومعاً في طعامهما وشرابهما ومنامهما، ويمسك نفسه منها وهي كذلك مدة الإحرام، وكم من نوازع تأتي بينهما، وكم تكون هناك من تفاعلات نفسية غريزية، لكنه يتذكر أنه محرم فيكف عن ذلك؛ بل ربما لا يفكر نهائياً في هذا الموضوع؛ لأنه محرم.
ولو قدر أنه اختلى بأجنبية لظروف ما فإنه تكون عنده حصانة ومناعة، وقد تعلم كيف يمتنع من زوجته التي هي حلال له في كتاب الله، فتكون الأجنبية من باب أولى، فيأخذ هذا الدرس، ويتعود هذا التعود بالنسبة للمحرمة عليه بناء على الحلال التي أحلها الله له، ولكن بالإحرام كف وامتنع.
إذاً: الرسول ﷺ تزوج ميمونة -وهذا قطعاً-في عمرة القضية، وبنى بها في سرف، لكن جاء عن ابن عباس أنه عقد عليها وهو محرم، وجاء عن رافع بن خديج أنه ما عقد عليها إلا بعد أن تحلل، فتعارضت الروايتان عن صحابيين كل له صلة بالقصة؛ هذا يروي عن خالته، وهذا كان السفير بينهما، فجاء حديث صاحبة الموضوع وفصل في النزاع وعرفنا أنه تزوجها وهو حلال.
стр. 1737
حكم عقد المحرم للنكاح من حيث الصحة والبطلان
والحكم عند الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد بن حنبل أن المحرم لا يحق له أن يعقد نكاحاً، وإن عقد فهو باطل؛ فلا يزوج وليته ولا يتزوج، ولا يتوكل عن إنسان في الزواج، وعند الإمام أبي حنيفة ﵀ أن له أن يتزوج بناءً على وجود الخلاف في الروايتين.
وهنا نشير مرة أخرى إلى أن الخلاف إذا وقع بين الأئمة ﵏ في قضية واحدة كهذه، لم يكن الخلاف عن دوافع شخصية، ولا عن تعصب في الرأي، إنما يكون الخلاف في معنى الحديث، وفي الرواية التي وصلتنا، فلا يستطيع إنسان أن يقول لـ أبي حنيفة: أنت خالفت الحديث، ولكن يقال: إن الحديث الذي تمسكت به حديث صحيح وعن إنسان له علاقة، ولكن الآخر أرجح.
وأما رواية ابن عباس فقالوا: هذا ثقة خالف الثقات، ويقال في علم الحديث: هذه رواية شاذة، والله تعالى أعلم.
стр. 1738
حكم الصيد للمحرم
قال المصنف ﵀: [وعن أبي قتادة الأنصاري ﵁ في قصة صيده الحمار الوحشي وهو غير محرم قال: فقال رسول الله ﷺ لأصحابه وكانوا محرمين (هل منكم من أحد أمره أو أشار إليه بشيء؟ قالوا: لا، قال: فكلوا ما بقي من لحمه) متفق عليه] .
وعن الصعب بن جثامة الليثي ﵁ أنه أهدى لرسول الله ﷺ حماراً وحشياً وهو بالأبواء أو بودان فرده عليه وقال: (إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم) متفق عليه] .
стр. 1739
ابتلاء الله تعالى للمؤمنين بمسألة الصيد
موضوع هذين الحديثين أن المحرم لا يقتل الصيد، ولا يأكل لحم صيد صِيد لأجله، ولكن القضية في التشريع الإسلامي أوسع بكثير من هذه الكلمة والنصف، فإن الله قد امتحن المسلمين بقضية الصيد، وامتحن قبلهم بني إسرائيل بقضية الصيد، فكيف كان نوع الامتحانين؟ وكيف كانت النتيجة؟ قال الله تعالى عن بني إسرائيل: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف:١٦٣] فذكر حال هذه القرية وما فعلت وما حل بها، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة:٦٥] ، فبنو إسرائيل قالوا: لا نعمل في يوم السبت، وكانوا يقولون بأن يوم السبت هو اليوم الأسبوعي، وأنه خير من يوم الجمعة، وقد أخبر ﷺ أن الأمم اختلفت في يوم الجمعة، فاليهود أخذوا يوم السبت، والنصارى أخذوا يوم الأحد، وهدى الله المسلمين ليوم الجمعة، فقال بنو إسرائيل: إن يوم السبت فيه السبوت، قالوا: إن الله خلق الكائنات فبدأ من يوم الأحد وانتهى يوم الجمعة، وسبت في يوم السبت فلم يخلق شيئاً، فقالوا: ففي يوم السبت لا نعمل شيئاً، فأخذهم الله بادعائهم، وامتحنهم الله بالحيتان في يوم السبت الذي أخذوا على أنفسهم أنهم لا يعملون فيه شيئاً، ففي يوم السبت كانت تأتيهم الحيتان على سطح البحر، فما استطاعوا أن يصبروا، فأتوا بالشباك وألقوها يوم الجمعة وربطوها وذهبوا وناموا في بيوتهم، ويوم الأحد ذهبوا وسحبوا الشباك بما علق فيها من الحيتان يوم السبت، وقالوا: نحن لم نفعل شيئاً، فقد كنا يوم السبت في بيوتنا وما فعلنا شيئاً، فكان ما كان، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة:٦٥] .
ثم جاءت هذه الأمة وامتحنها الله بالصيد، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمْ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنْ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة:٩٤] ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة:٩٥] ، فمنعهم من قتل الصيد ثم قال: سأبتليكم بالصيد وأنتم حرم، فجاء منع الصيد، فخرجوا في عمرة القضية، فأرسل الله الطيور تقع على أسنة الرماح، وتقع على أعواد الركاب أمام الإنسان، وجاءت الغزلان وصيد البر تتخلل بين أرجل الخيل والإبل كأنها غنم تمشي معهم، وهذا شيء يسيل له اللعاب وخاصة عند العرب، فإن الصيد من ألذ ما يكون لهم وإن لم يأكلوه، فلم تمتد يد إنسان منهم لا على طائر فوق رمحه ولا على غزال بين قدم فرسه، وكفوا أيديهم فعلاً؛ بل إنه ﷺ مر على ظبي عاكف في ظل شجرة مصوب بسهم إنسان عادي كان قد رماه فجاء ونام عند الشجرة، فأوقف عنده رسول الله ﷺ واحداً من المسلمين يحرسه لئلا يهيجه أحد؛ لأنه مصوب مجروح، ومروا في هذا الامتحان بنجاح، فبنو إسرائيل امتحنوا بالصيد ففشلوا، والأمة الإسلامية امتحنت بالصيد فنجحت، وهذا الابتلاء بالطعام أشد ما يكون على الأمم.
وكذلك طالوت لما فصل بالجنود قال تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾ [البقرة:٢٤٩] فابتلاهم الله بالماء، يقول ابن كثير: كانوا في شدة الحر ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ﴾ [البقرة:٢٤٩] ، ولم يمنعهم من الشرب مرة واحدة، ولكن من يغترف بيده فلا بأس.
وحينما تبتلى الأمم وتمتحن بمن يحاربهم في أرزاقهم وفي حياتهم وفي طعامهم، ويتحكم في موادهم الغذائية ويتاجر بها كيف شاء، فهي محاربة وبلاء شديد، وأشد ما يكون ابتلاء على الأفراد، وكذلك يكون الابتلاء بإخراجهم من ديارهم، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنْ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوْ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ [النساء:٦٦] ، فجعل الإخراج كالقتل سواء، فقد ابتليت الأمم وامتحنت، ولتمام هذه القضية بالذات امتحن بنو إسرائيل في مادة أخرى امتحنت فيها الأمة المحمدية، فسقطت تلك ونجحت هذه.
كذلك قضية القتال لما قال لهم نبي الله موسى: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ﴾ [المائدة:٢١-٢٢] .
﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤] ، قالوا كلمة يستحيا من التلفظ بها، ونفس المادة والدرس امتحنت به هذه الأمة في غزوة بدر.
فقد خرج ﷺ ليأخذ عير أبي سفيان، وقال: (إن هذه عير قريش، نخرج إليها لعل الله ينفلكموها) فأرادوا أن يجمعوا جيشاً يخرج معه فقال: من كان ظهره حاضراً فليركب، وخرج في ثلاثمائة وأربعة عشر رجلاً، وحينما مشى وقبل أن يصل إلى بدر جاءته عيونه بأن العير فاتتهم وأقبل النفير، وأصبحوا بين أمرين: إما أن يرجعوا ولا يقابلون النفير، وأما أن يجازفوا بلقاء النفير.
وقد علم ﷺ أن القوم ما بين التسعمائة والألف، وذلك عن طريق الإحصاء لما أخذوا الغلام ليلاً وسألوه عن عدد القوم، فقال: لا أدري، فقال له رسول الله ﷺ : (كم ينحرون في اليوم؟ قال: يوماً تسعة ويوماً عشرة من الإبل، فقال ﷺ : القوم ما بين التسعمائة والألف) ، وهذه مهمة القائد اليقظ، يجب أن يعرف عدد عدوه وآلاته ومنهجه في القتال، فعلم عدد المشركين وما معه ﷺ إلا ثلاثمائة وأربعة عشر، وهنا احتاج أن يشاور أصحابه، فإنه قد خرج لأخذ العير، وجاء النفير، وقد كان العهد بينه وبين الأنصار -وهم أكثر الموجودين- عند بيعة العقبة أن يحموه إذا خرج إليهم مما يحمون منه نساءهم وأطفالهم، وهذه الحالة لم يكتمها عن القوم؛ لأن الجهاد في الإسلام مشورة ومشاركة، والفرد في الجيش الإسلامي كالقائد يشعر بمسئولية المعركة؛ لأن الكل جند في سبيل الله، فشاورهم وقال: يا أيها الناس! ذهبت العير وجاء النفير، فماذا نفعل؟ فقال البعض: يا رسول الله! نحن ما خرجنا للنفير بل خرجنا للعير، ومعنى هذا: أن نرجع، وقال آخرون: لعلك خرجت لأمر وأراد الله أمراً آخر، فلتمض إلى ما أراد الله، وتكلم المقداد وعمر وأبو بكر، فيثني عليهم خيراً ويقول: (أشيروا علي أيها الناس) حتى قال قائلهم: يا رسول الله! والله لو خضت بنا البحر لخضناه معك، وقال آخر: والله يا رسول الله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤] لكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، وبعد هذا الكلام يقول الرسول ﷺ : أشيروا علي أيها الناس، فيقوم سعد بن عبادة وقيل: سعد بن معاذ، فكلاهما سيد الأوس والخزرج، فقال: لكأنك تريدنا معاشر الأنصار يا رسول الله؟! -لأن الذين تكلموا من قبل هم من المهاجرين - فقال: نعم، أريدكم -أي: لأن العهد بيني وبينكم في بيوتكم ولكنكم الآن خارج منازلكم، ولكم أن تقولوا: ليست لك علينا نصرة لأننا خرجنا عن بيوتنا، ومنعتنا من أن نأتي بالباقي من العوالي، ومنعت الآخرين أن يأتوا، فلهم أن يقولوا هذا، وهذا لم يحصل تصريحاً ولكن يفهم من المقام، فقال: (والله يا رسول الله! لقد تخلف عنك بعض أصحابنا، ووالله ما نحن لك أشد حباً منهم، ووالله لو علموا أنك تلقى قتالاً ما تخلف واحد منهم، والله يا رسول الله! لوددنا أن تلقى بنا عدونا، إنا لصبر عند اللقاء.
ثم قال: امض لما أمرك الله يا رسول الله!) فسر رسول الله ﷺ وتهلل وجهه وقال: (أبشروا، هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان) ، وأخذ يعدد مصارع صناديد قريش الذين سيصرعون غداً في يوم بدر.
ويهمنا من هذه المقارنة أن بني إسرائيل قالوا: اذهب أنت وربك، وهذه الأمة قالت: والله لو خضت بنا هذا البحر لخضناه معك؛ ولهذا جاء القرآن الكريم بالشهادة الإلهية: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] ، وليست مسألة عاطفية ولا مسألة ابتدائية، بل إنها مؤسسة على سوابق، فقد نجحوا في امتحان الأكل والشرب في الصيد، ونجحوا في امتحان القتال واتصفوا بما وصفهم الله به ونفاه عن بني إسرائيل، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران:١١٠] ، وقال عن بني إسرائيل: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٨-٧٩] ، فالأمور التي عرضت على بني إسرائيل فأخفقت فيها: الصيد والقتال والأمر بالمعروف، وهذه الأمة نجحت في هذه الثلاث.
стр. 1740
الحكمة من تحريم الصيد على المحرم
ولماذا حرم الصيد في الإحرام؟ شخص يقول على ظهر البعير: لبيك اللهم لبيك، حرام عليه أن يصيد، وقائد البعير وليس بمحرم فيصيد ويأكل، فهل الحلال غير المحرم أفضل على الله من المحرم الذي يقول: لبيك اللهم لبيك؟ والصيد هو كرامة، ولو أتينا إلى العقل لكان المحرم أولى من غيره، ولكن هذا من باب التربية، فإذا كان المحرم لا ينكح ولا يمس زوجته وهي حلال له؛ ليكون ذلك دربة وتمريناً له على العفة عن الحرام، فكذلك الأمر هنا إنما هو دربة وتعليم وتهذيب وكف لليد عن أن تريق دماً ولو كان لشيء حلال وهو الصيد، فإذا ما حل من إحرامه وعاد إلى بلاده، فاليد التي لم تمتد إلى صيد حلال مباح ستكف عن الدم الحرام، ولن يعتدي على أخيه المسلم فيريق دمه من غير ما ذنب.
وهكذا تكون كل خطوة في الحج لها حكمة ولها مدلول ولها عطاء، ويحتاج المسلمون أن يتعلموا هذه المواطن وما فيها من توجيهات، وما يمكن أن يستخلصه الإنسان من تعاليم الإحرام، سواء مما كان جائزاً فيه أو كان ممنوعاً عنه.
وبالله تعالى التوفيق.
стр. 1741
حكم أكل المحرم مما صيد لأجله ولغيره
وبقي الكلام على فقه الحديث وما يتعلق بالحمار الوحشي.
كان أبو قتادة ﵁ في عمرة الحديبية غير محرم، قيل: لأنه كان قد بعثه رسول الله ﷺ في مهمة فلم يخرج معهم في تلك العمرة، وإنما التقى معهم في الطريق، وقيل: لأنه كان طليعة للمسلمين عند قدومهم على مكة، والحاصل: أنه رضي الله تعالى عنه كان مع أصحابه في المهمة التي بعثه إليها رسول الله ﷺ ، فكان بعضهم قد أحرم وبعضهم لم يحرم، فرأى حمار وحش فأراد أن يشد عليه فسقط سوطه، فقال لبعض إخوانه المحرمين: ناولني السوط، فقال: إنا حرم، فانطلق وأتى بحمار الوحش -ومعلوم أنه رجل غير محرم، والصيد جائز لغير المحرم إذا صاده لنفسه أو لغير المحرم- فلما أتى به إلى النبي ﷺ سأل النبي ﷺ أصحابه: (هل منكم أحد أمره أو أشار إليه بشيء؟ قالوا: لا، قال: فكلوا ما بقي من لحمه) والبعض يقول: إن النبي ﷺ أكل منه، والبعض الآخر يقول: لم يأكل؛ لأنه جاء في بعض الروايات أن أبا قتادة صاده لرسول الله ﷺ حينما يأتي، والمحرم لا يأكل الصيد الذي صاده بنفسه أو صاده غيره من أجله، وينص النووي وغيره في مناسك الحج: لو أن قرية من القرى يمر عليها الحجاج وهم محرمون، وفيها الذبائح واللحم، فقام أرباب الصيد وذهبوا واصطادوا وجاءوا بلحم الصيد للبيع، وعلم المحرم أنهم صادوه من أجله ولو للبيع عليه أو للهدية، فلا يجوز له أن يأكل من ذلك؛ لأنه صيد من أجله، أما إذا صاده ابتداء لنفسه أو لأهله، وحضر محرم هذا اللحم أو هذا الطعام ولم يشارك لا هو ولا جنسه من المحرمين، فله أن يأكل من هذا اللحم.
стр. 1742
حكم أكل المحرم من لحم الصيد إذا اضطر إليه
وهنا يبحث العلماء: إذا لم يجد المحرم طعاماً إلا الصيد، فهل يباح له كما أبيحت الميتة لغير المحرم؟ وإذا وجد ميتة ووجد صيداً ووجد غير صيد من بهيمة الأنعام مملوكة للغير، فهل يأكل الصيد؟ أم يأكل الميتة للرخصة؟ أم يأكل من مال الغير؟ كثير من العلماء قالوا: لا يأكل الصيد، وله أن يأكل من الميتة؛ لأن الصيد محرم على كل حال ولم يأت فيه استثناء في حالة الاضطرار كما جاء في الميتة؛ ولأن الميتة جاءت فيها رخصة مستقلة، وقالوا: الصيد حرم على المحرم على الإطلاق في كل زمان ومكان، والميتة محرمة إلا على المضطر، فقالوا: يأكل من الميتة ولا يأكل من الصيد، فضلاً عن أن يقتل الصيد وهو حي، وهذا يدل على التشديد في تحريم لحم الصيد للمحرم.
ثم جاء الحديث الآخر بأن الصعب أتى بحمار وحش أو بلحم حمار، أو حمار وحشي -بأي لفظ كان من هذه الألفاظ- وفي بعض الروايات: يقطر دمه، فقدمه للنبي ﷺ هدية، فرده عليه ﷺ ، فلما رأى النبي ﷺ تغير وجه الصحابي لأن الرسول رد هديته، ولم يعلم الحكم، فجبراً لخاطره أزال عنه هذا الأثر وقال: (إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم) أي: محرمون، والمحرم لا يأكل الصيد الذي صيد من أجله، ففي حديث أبي قتادة رخص لهم أن يأكلوا ما لم يشارك أحد منهم في صيده، وهنا لم يسأل، ولكن رده ابتداء، وهنا قالوا: هل يمنع المحرم من أكل الصيد مطلقاً، أم لا يمتنع منه إلا إذا شارك فيه؟ في حديث أبي قتادة لم يشارك فيه أحد، فأكلوا منه، وهنا لم يسأل، قالوا: إن الرسول ﷺ لم يرده عليه إلا لأنه تيقن أو غلب عليه الظن أن هذا لم يأت بحمار الوحش يقطر دمه إلا من أجل رسول الله ﷺ ، فلما كانت القرائن محتفة بأن هذا الآتي لم يأت بهذا الحمار إلا من أجل رسول الله ﷺ رده عليه؛ لأن المحرم لا يأكل ما صيد من أجله، وبهذا يجمع بين الحديثين؛ فيقال: في الحديث الأول أباحه لأنه لم يصده من أجلهم، ولا شارك أحد منهم في صيده، وفي الحديث الثاني غلبة الظن أنه صاده من أجل رسول الله ﷺ ؛ ولهذا رده ﷺ .
وهنا ينبغي الاستفادة من جانبين: جانب تحريم الصيد على المحرم، وجانب جواز أكل لحم حمار الوحش، والفرق بينه وبين الحمار الأهلي، مع أن كليهما حمار، فالجنس واحد والفصيلة واحدة.
стр. 1743
من حكم تحريم النكاح والصيد على المحرم
يقول بعض العلماء الذين تكلموا في حكمة التشريع: لقد تبين لنا بالتتبع أن كل خطوة في الحج وراءها حكمة وموعظة، وفيها توجيه وتهذيب للنفس الإنسانية، فإذا نظرنا -كما تقدم- في قضية زواج النبي ﷺ من ميمونة، وأن المحرم لا يتزوج ولا يزوج، وبالتالي ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ﴾ [البقرة:١٩٧] ، والرفث: هو الحديث في شأن النساء عند النساء، فإذا كان الحديث ممنوعاً؛ فمن باب أولى الوطء، وقد أجمع العلماء على أن من وطئ بعد الإحرام وقبل الوقوف بعرفة فقد فسد حجه، وعليه أن يمضي في فاسده وأن يحج من عام آخر، وذكروا أن المحرم يقترن بحليلته قرابة العشرين يوماً أو الشهر، فإنه يخرج من ذي الحليفة -مثلاً- ميقات المدينة، وهو أبعد المواقيت، ويظل حتى يصل إلى مكة تسعة أو عشرة أيام، ثم بعد ذلك إلى عرفات، ثم الرجوع إلى مزدلفة ومنى وحتى يطوف بالبيت هذه تأخذ سبعة أيام، فيظل قرابة العشرين يوماً وهي قرينته في ركوبهما على البعير وفي أكلهما وشرابهما، وفي كل لحظة وهما مختلطان معاً، ومع ذلك يستطيع أن يمسك نفسه وأن يتعالى ويبتعد عنها مع موجب الحليِّة وهي الزوجية، فقالوا: هذا تمرين وتعليم له، وتهذيب للنفس وتربية لها على العزيمة على ترك الحلال حينما يطلب ذلك منه، فإذا رجع إلى بلده ولم يكن هناك إحرام ولكن هناك التحريم عن الأجنبيات والخلوة مع الأجنبية ساعة أو ساعتين، ففي الحج استطاع أن يمسك نفسه مع الخلطة الكاملة، وهذه الأجنبية لا تتاح له الفرصة بالخلوة معها أكثر من نهار، فإذا كان قد استطاع أن يتماسك عن الحلال عدة أيام، فمن باب أولى أن يستطيع أن يتماسك عن المحرم بضع ساعات، ففي هذا تهذيب للنفس.
وقالوا: كذلك في الصيد، فهو أحل الحلال؛ لأن الشاة التي تربيها وتذبحها أنت مسئول عن رعايتها: من أين جئت بالعلف؟ ومن أين جئت بثمنها؟ لكن الصيد لست مسئولاً عن شيء فيه، وهو هدية لك من الله ، وكذلك النفس تنشرح وتنهض للظفر به، وهو من ملك الله، ومع ذلك فإن الحلال يصطاد ويأكل والمحرم يلبي ولا يأكل.
قالوا: لأنه إذا استطاع أن يكف يده عن هذه الغزال في البر وهي ملك لله، وهو أحق بها من غيره، فإذا رجع إلى بلده فلا يمكن أن تمتد يده إلى مال أحد من المسلمين بغير حق؛ لأنه درب وكف يده عن أحل الحلال في الخلاء بوجود حرمة الإحرام، وهو الآن يكف يده عن حلال غيره لحرمة التحريم.
إذاً: تحريم الصيد على المحرم ليس تقتيراً عليه ولا تهاوناً بشأنه، ولكن تدريباً لنفسه على أن يكف يده عن الحرام، فإن هذا محرم بالإحرام، وهذا محرم بالتحريم.
стр. 1744
كتاب الحج - باب الإحرام وما يتعلق به [٤]
أجاز الشارع للمحرم قتل الفواسق الخمس ولو كان ذلك في الحرم، وهي: العقرب، والحدأة، والغراب، والفأرة، والكلب العقور، وألحق بها بعضهم الحية.
ويجوز للمحرم أن يحتجم، وإذا فعل محظوراً من محظورات الإحرام لعذر، كحلق الرأس ونحوه، فعليه فدية: ذبح شاة، أو صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع.
стр. 1745
الأشهر الحرم والحكمة منها
لقد نهى الله الأعراب أو سكان البوادي أو من يقعون على طريق الحجاج، ويسوقون الهدي معهم، وقال لهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ﴾ [المائدة:٢] (لا تحلوا الهدي) ، أي: لا تأخذوه ولا تؤذوه؛ بل اتركوه يمضي آمناً.
وهنا أمر يلفت النظر وهو أن العرب في الجاهلية قديماً كانوا يعظمون الأشهر الحرم فلا يقتلون فيها ولا يقاتلون ولا يقتصون، وربما يلقى الرجل قاتل أبيه أو قريبه فلا يمد يده عليه؛ لأنهم في الأشهر الحرم، وغزوة نخلة وما ترتب عليها من الأمور أمرها معروف.
وهنا هؤلاء الذين يتصيدون الناس، ويقطعون الطريق، إذا مر عليهم الهدي مقلداً مشعراً ليس معه من يدافع عنه كفوا أيديهم؛ لأنه هدي يساق إلى الكعبة؛ فلحرمة الكعبة ولكونه هدياً يكفون عنه، وأنت أيها المحرم يجب أن تبادلهم هذا الأمر، فإنهم قد حفظوا لك هديك، وتركوه يمضي آمناً، فاترك لهم الصيد الذي يعيش في بلدهم وفي منطقتهم؛ لأنهم أحق به منك، وإنما أنت وافد عليهم، فلا ينبغي أن تقتل الصيد وتذهب وتتركهم جياعاً، فكما أمنوا لك هديك فأمن لهم صيدهم.
ومن العجيب أن الأشهر الحرم -ذا القعدة وذا الحجة والمحرم ورجب الفرد- متزامنة مع أشهر الحج: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧] وهي بالإجماع: شوال وذو القعدة وذو الحجة، فهذه أشهر القدوم إلى مكة، وينتهي الحاج من حجه في منتصف ذي الحجة، ويعود إلى بلده، فالله دعا الناس إلى حج بيته وقد كان الناس يقطعون السبيل، فنشر لهم الأمن في سفرهم تحت مظلة أمن الأشهر الحرم؛ ولهذا فإن الحاج يأتي من أقصى الجزيرة شرقاً وغرباً من الخليج العربي إلى البحر الأحمر، ويقطع المسافة في شهر أو شهرين على قدر حالة المسير، فيبدأ من أول شهر شوال، فإذا ظهر هلال شوال وأفطر الناس في عيد الفطر جاز الإهلال بالحج زماناً، فيكون أمامه شوال وذو القعدة وجزء من ذي الحجة، فيأتي من دول الخليج ومن وراء دول الخليج إلى مكة آمناً مطمئناً، فإذا وفّى حجه وانتهى أصبح عنده ذو الحجة والمحرم، وهذا يرده إلى بلده في أقصى الجزيرة؛ فيكون آمناً في سفره إلى مكة وفي العودة إلى بلده.
إذاً: الحاج مضمون له الأمن في مسيره، وعليه أن يكون أميناً على ما يلقاه في طريقه، فتزامن الحج مع الأشهر الحرم مع تحريم الصيد مع احترام الهدي، وكلها وحدة متكاملة.
стр. 1746
تحريم الحمر الأهلية والحكمة من ذلك
إن فصيلة الحيوان تتفق في ماهيتها، فالإبل كلها على وجه الأرض فصيلة واحدة؛ أبو سنامين وأبو سنام واحد، والصغير والكبير سواء.
والحمر تنقسم إلى قسمين كما قيل: أهلي ووحشي، فالجنس واحد، والوحشي صيد وأمر النبي ﷺ أصحابه أن يأكلوا منه، وصيده مشهور ومعروف، وفي عام خيبر حرمت الحمر الأهلية وبقيت الوحشية على أصل الحل والإباحة.
وهنا يأتي السؤال: ما الذي فرق بين أبناء الجنس الواحد وهي الحمر، فهذا حلال وهذا حرام؟ وما هو الموجب أو السبب في ذلك؟ لأن بعض الناس يطعنون في الشريعة ويقولون: إن الشريعة تفرق بين أفراد الجنس الواحد، وتفرق بين المتساويين، والتفريق بين المتساويين لا يصح عقلاً، كما جاء في قوله ﷺ : (يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام) قالوا: فهذا بول وهذا بول، وهذا آدمي وهذه آدمية، وهذا طفل رضيع وهذه طفلة رضيعة، فلم فرق بينهما؟ حتى قال بعض المسلمين: لا فرق في ذلك، ويذكر عن بعض المالكية أنه يغسل الجميع، ولكن فيما بعد ثبت من الناحية الكيميائية: أن هرمون الأنوثة يغاير هرمون الذكورة فيتأثر به البول، وأن طبيعة بول الأنثى ثخين يحتاج إلى غسل، وطبيعة بول الذكر أقل كثافة فيكفي فيه الرش، مع أنه لا يتوقف التشريع على المعامل الكيميائية والتحليلات ونحوها، فإن الشرع جاء لأمة أمية لم تدخل إلى مختبرات ولا إلى معامل، فما جاء عنه ﷺ نقبله من دون أي نقاش أو اعتراض.
وهنا قالوا: لماذا حرم لحم الحمار الأهلي وبقي لحم الحمار الوحشي على حليته وهما شيء واحد؟ قالوا: إن للغذاء تأثيراً على جسم الإنسان، وهناك بعض الناس يسمون النباتيين، لا يأكلون اللحم أبداً، ويقولون: إن اللحم لحيوان، وهذا يؤثر على طباعنا ويأكلون مما تنبت الأرض، وهناك أشخاص يعيشون على الألبان، والذي يهمنا أنه باتفاق علماء التغذية والأطباء أن كل نوع من الأطعمة له تأثير على الجسم في خصائصه وغرائزه، وقد جاء عنه ﷺ الأمر بالوضوء من لحم الإبل وعدم الوضوء من لحم الغنم؛ حتى قال بعضهم: هذا أيضاً تفريق بين متساويين لحم ولحم، فقالوا: إن في الإبل خصائص كالكبر والخيلاء، وفي الشاة التواضع ونحو ذلك، وذلك لطبيعة المعاشرة، فالشخص الذي يعايش الإبل يحتاج إلى عصا متينة غليظة قوية ليضرب بها، والذي يعايش الشياه لو أشار بيده بقضيب من أراك فإن الشاة تمشي أما الإبل فقد يكابر ويعصي ويتمرد، فهناك فرق بينهما، فالذي يعايش الإبل بطبيعته وسلوكه وأخلاقه غير الذي يعايش الغنم؛ ولذا يصلح لرعي الإبل راعي الغنم قبل أن يصلح لرعي الإبل؛ ولذا حرمت الشريعة لحوم بعض الحيوانات حفاظاً على الإنسان من أن يتسرب إليه بعض خصائص تلك الحيوانات.
يقول أبو حيان رحمه الله تعالى في تفسيره عند تحريم لحم الخنزير، الخنزير فاقد الغيرة على أنثاه، وقد شاهدنا أن المكثرين من لحمه عندنا لا غيرة لهم على نسائهم.
وكان بعض العلماء يقول: كل الحيوانات كانت متوحشة حتى الخيل، ثم استؤنست ودربت على أن تعيش مع الإنسان، فالحمار حينما كان وحشياً قبل أن يكون إنسياً، كان يعيش على سعيه على نفسه، وحمايته لنفسه، ويأنف الضيم، ولا يخضع لنوع من الذلة، فلما استأنس نوع من الحمر وأصبح إنسياً أصبح ينتظر العلف من صاحبه، ويحرسه صاحبه ويستذله، حتى إن الطفل الصغير ليضربه ويحمل عليه وينقاد له، حتى قيل: ولا يقيم على ذل يراد به إلا الأذلان عير الحي والوتد عير الحي: هو الحمار، فهو صبور، ويضرب به المثل في الصبر، وفيه طبع اللآمة؛ لأنه إذا عرف أن الذي يقوده طفل صغير تلاءم وتعاجز وتناوم وتقلب في التراب، وإذا وجد الجد ممن هو معه شمر ونشط وخاف، ففيه الذلة واللآمة، وأصبح يضرب به المثل في البلادة؛ رغم أن عنده الفهم للطريق أكثر من الإنسان، ومعرفته للطريق أكثر من معرفة الإنسان إياها، فإن الحمار إذا مشى طريقاً ولو عشرات الكيلومترات وأراد أن يمشيه مرة ثانية فلا يمكن أن يضل الطريق أبداً، ولذلك فإن أهدى المخلوقات إلى الطريق هو الحمار، لكن في الأشياء الأخرى: كالعيس في البيداء يقتلها الضمأ والماء فوق ظهورها محمول قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ [الجمعة:٥] ولا يدري عنها شيئاً.
فقالوا: حرمت الحمر الأهلية لما لها من صفات ليست موجودة في الحمر الوحشية؛ لأن الحمار الوحشي يعتمد على نفسه، ويقول الدميري صاحب كتاب الحيوان: إن حمار الوحش الأنثى إذا ولدت كسرت رجل تولبها - والتولب: الحمار الصغير الذي تلده- ليبقى في جحره لا يخرج إلى أن يشب ويكون قادراً على الجري سريعاً، فإذا ما خرج من جحره ولقيه وحش ليفترسه استطاع أن يفلت بالجري.
إذاً: هو يقوم على حماية نفسه ويسعى على علفه ومرعاه، فهو لا يحمل منة لأحد، ولا يخضع لذلة عند أحد، فسلم مما ابتلي به الحمار الإنسي.
ومن هنا: نعلم أن الشريعة ما حرمت شيئاً إلا لمضاره ومفاسده، وعلى هذا جاءت المناسبة في هذا العرض فيما يتعلق بالحمار الوحشي والحمار الأهلي أو الإنسي، وكان تحريمها يوم خيبر، والله تعالى أعلم.
стр. 1747
الخمس الفواسق اللاتي يقتلن في الحل والحرم
قال المؤلف ﵀: [وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : (خمس من الدواب كلهن فواسق يقتلن في الحل والحرم: العقرب، والحدأة، والغراب، والفأرة، والكلب العقور) متفق عليه] .
من دقة المؤلف ﵀ أن ذكر هذا الحديث بعد الحديث الدال على تحريم الصيد على المحرم، وما دام أن المحرم لا يمد يده على الصيد، فماذا يفعل في المؤذيات؟ يقتلها فكما أنه ذكر تحريم الصيد على المحرم، والصيد قتل الحيوان المباح، ذكر هنا الاستثناء وقال: أما المؤذيات فاقتلها.
والفواسق: جمع فاسق، كفوارس جمع فارس، والفاسق في اللغة: ما خرج عن طريقه، وسميت الفأرة فويسقة؛ لأنها تخرج عن طريقها وتضرم على الناس بيوتهم -أي: تحرقها - ولذا أمر بإطفاء السراج عند النوم؛ لأنهم كانوا قديماً يستضيئون بالمسرجة، وقد كان يوجد البعض منها هنا في المدينة، وهي تأتي على شكل قناديل من الزجاج مستديرة تشبه البطيخة مفتوحة من الأعلى، وهذه كانت مسارج المسجد النبوي، وكان يوضع فيها الزيت ويؤتى بالفتيل ويلقى طرفه في الزيت والطرف الآخر على حافة المسرجة ويشعل فيه الضوء، فيستجر من الزيت كما تفعل الشمعة، ويستضاء به، فتأتي الفأرة وتريد أن تشرب هذا الزيت، والمسرجة صغيرة، وهي تخاف من النار، فتأتي بذنبها وترفع الفتيل من المسرجة وتلقيه خارجاً عنها، والنار مشتعلة فيه فيحرق ما سقط عليه، فهذا هو فسقها، والعرب تسمي كل من خرج عن طريقه السوي: فاسقاً.
ويقولون: فسقت النواة عن الرطبة، وذلك إذا أردت أن تأخذ القمع خرجت معه النواة، وفسقت الحبة عن الرحى، عندما يطحنون الحب بالرحى ويكون الحب كثيراً؛ فتتناثر الحبيبات وتبتعد عن الرحى ولا تطحن، فيقولون: فسقت الحبة عن الرحى؛ لأنه كان المفروض أن تبقى الحبة في الرحى حتى تطحن.
وفي اصطلاح الشرع: الفاسق من خرج عن الصراط السوي إلى بنيات الطريق فيما نهي عنه.
وقوله: (يقتلن في الحل والحرم) أي: أن حرمة الحرم لا تحرمها ولا تمنعها؛ بل يجوز قتلها مع وجود حرمة الحرم، وكذلك حرمة الإحرام لا تمنع هذه الفواسق من أن يقتلها المحرم.
إذاً: تلك الفواسق يقتلها في الحرم المحرم وغير المحرم، وكذلك خارج الحرم يقتلها المحرم وغير المحرم.
стр. 1748
العقرب من الفواسق
ثم بدأ ﷺ يذكر هذه الفواسق فقال: (العقرب) لفظ العقرب يطلق على المذكر والمؤنث، وقد يلحق به التاء فيقال: العقربة على المذكر والمؤنث، وهي دابة معروفة، وهي سامة، وهي من المؤذيات، فتقتل في الحل والحرم وقد جاء عنه ﷺ أنه كان يصلي، فلدغته العقرب وهو يصلي، فأمسكها بيده وقال: (قاتل الله العقرب؛ لا تدع مصلياً ولا غير مصلٍ) .
стр. 1749
الحدأة من الفواسق
قوله: (والحدأة) الحدأة كما يقولون: من جوارح الطير، فهل يلحق بالعقرب بعض الحشرات المؤذية كبعض العناكب أو الوزغ؟ والحدأة هل يلحق بها نظيرها من الصقور والشاهين والبازي ونحو ذلك؟ قالوا في الحدأة: إنها تخطف اللحم، وقد ذكروا أن جارية مملوكة كانت عند قوم في المدينة، فضاع لابنتهم عقد، قالت: فاتهموني فيه وفتشوني حتى ما بين رجلي، فلم يجدوا شيئاً، وهم كذلك وإذا بالحدأة تأتي وترمي هذا العقد من أعلى؛ لأنه كان في خرقة حمراء، فظنت الحدأة أنه لحم فاختطفته، وقد ذكرت هذه القضية عند عائشة ﵂.
والحدأة تخطف صغار الطيور، كفراخ الدجاج والحمام، وتخطف اللحم من الأطفال، فهي مؤذية، فهل يلحق بها من كان من جنسها بجامع الإيذاء أم أنه لا يتعدى النص؟
стр. 1750
الغراب من الفواسق
قوله: (والغراب) الغراب ينقسم إلى قسمين: غراب الزرع، والبعض قد يسميه: أبا قردان، وهو أبيض ناصع، وقد يوجد على ظهره أو على رأسه نوع من الحمار يشبه الحناء.
وغراب أسود، وهو قسمان: أسود كله وأسود أبقع، والأبقع سواده أقل من الأول، وبين جناحيه بياض، قالوا: فهذا مؤذ يقارب الحدأة في إيذائه.
أما الغراب الأبيض، فيسميه أصحاب الأراضي الزراعية: صديق الفلاح؛ لأنه حينما يسقى الزرع بالماء تظهر الحشرات الكامنة في الأرض، فعند ذلك يصيدها ويأكلها وكأنه مبيد للحشرات، فالغراب المقصود في الحديث: هو الغراب المؤذي وليس غراب الزرع.
стр. 1751
الفأرة من الفواسق
قوله: (والفأرة) الفأرة سماها ﷺ : الفويسقة، وهي معروفة، وهي محرمة، وقد بين النبي ﷺ مضارها، فتقتل كذلك.
стр. 1752
الكلب العقور من الفواسق
قوله: (والكلب العقور) بعض العلماء يجعله اسماً لنوع من الحيوانات، والبعض يجعله اسماً لكل حيوان يفترس، وقد جاء في قصة أحد المشركين حينما دعا عليه النبي ﷺ فقال: (اللهم سلط عليه كلباً من كلابك) ، وكان هذا المشرك قد سمع بدعوة النبي ﷺ ، فخرج مع أناس في سفر، فنزلوا أرضاً مسبعة يكثر فيها السباع، فقال: والله إني لأخشى على نفسي من دعوة محمد، فقالوا: لا تخف نحن نحيطك، فناموا حوله وهو في الوسط، فجاء أسد في الليل وقفز إلى وسط الدائرة واختطفه وذهب به، فالأسد كلب من الكلاب، فقالوا: كل ما يعدو بنابه فهو كلب، ويشمل ذلك الأسد والفهد والنمر وغير ذلك.
والكلب العقور بخلاف الكلب المسالم المعلم الذي لا يعقر ولا يعتدي، قالوا: فما دام أنه لا يعتدي ولا يعقر فليس فيه صفة الإيذاء بل قد ينتفع به، فبعضهم قال: يلحق بالكلب العقور الذئب؛ لأنه مؤذٍ، وكذلك الثعلب والأسد.
إلخ.
стр. 1753
الحية من الفواسق عند بعض الفقهاء
وهناك من يزيد في هذا الباب: الحية؛ لأنها مؤذية، وجاء وقد جاء أن بعض الصحابة كانوا جالسين في منى، فخرجت عليهم حية، فأرداوا قتلها فهربت وفاتتهم، فقال ﷺ : (كفيت شركم، وكفيتم شرها) ، فقد أرادوا قتلها فلم يمنعهم، وهناك آثار الله أعلم بصحتها، منها: (من رأى الحية ولم يقتلها برئت منه كذا وكذا ... ) وفيه الحث على قتل الحيات.
ويجب التنبيه على ما يستثنى من بعض أنواع الحيات وفي المدينة خاصة، فقد جاء أنه في غزوة الخندق استأذن رجل النبي ﷺ أن يرجع إلى بيته في المدينة -وكان حديث عهد بعرس - فأذن له وقال: (خذ سلاحك إني أخشى عليك بني قريظة) ، فذهب، فلما وصل إلى زوجته وجدها بين عضدي الباب، فهم بأخذ رمحه ليطعنها بسبب وقوفها على هذه الحالة؛ لأن هذا كان بعد نزول الحجاب، فإن الحجاب كان في السنة الثانية وهذا الحادث كان في السنة الرابعة أو الخامسة، فقالت له: لا تعجل، رد عليك رمحك وادخل إلى بيتك وانظر ما في فراشك، فدخل فإذا حية متمددة على طول الفراش، وقيل: ملتوية على وسطه، فاخترطها برمحه ثم أخذ الرمح وركزه في عرصة البيت، يقولون: فانتفضت الحية وسقط هو ميتاً، تقول زوجته: والله لا أدري أيهما كان أسرع موتاً، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: (إنها من الجن، وقد انتصر لها قومها - لأنه لم يسم الله حينما طعنها-إذا رأيتم شيئاً من هذه الحيات في بيوتكم فلا تقتلوها حتى تؤاذنوها ثلاثاً) أي: يقال لها: اذهبي عنا ثلاث مرات، لكن هل يكون هذا في أول ظهورها أم حينما تظهر المرة الأولى والثانية والثالثة؟ قالوا: الثلاث مرات في أول رؤيتها، لأننا لا ندري بعدها ماذا يحدث، فإن ذهبت فاتركها، وإن لم تذهب فاقتلها.
واستثني من ذلك نوعان: الصفراء أو الرقطاء، وهي التي يكون على عينيها نقطتان صفراوان، كاللتين تكونان على عيني الكلب الأسود.
والبتراء: وهي القصيرة؛ لأن البتراء إذا نظرت إلى الحامل أسقطت حملها، وكذلك ذات الطفيتين، فإن سمها سم ساعة لا يعطي فرصة لعلاجه أو تداركه، فأمر ﷺ أن تؤذن الحية البيضاء، ولم يأمر بأن تؤذن الرقطاء ولا البتراء.
إذاً: هذه خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم، وذكروا أن الحية تكون سادسة، ويستثنى من ذلك في المدينة خاصة، وقد قال ﷺ : (إن المدينة ليهاجر إليها مسلمو الجن كما تهاجرون أنتم إليها) .
стр. 1754
الحكمة من قتل الخمس الفواسق في الحل والحرم
وماذا نستفيد من قتلهن في الحل والحرم؟ نقول: إن المسلم مهما كان في إسلامه وفي ديانته وورعه وزهده وطيبته إنما يكون سلماً لمن سالم وحرباً على من حارب، فهو محرم لله يقول: لبيك اللهم لبيك، فهو يكف يده عن الصيد الحلال، وهو خارج في طاعة الله وعبادته، لكن إذا واجهه شيء لا يؤذي فلا يستسلم له، بل يقتل ويقاتل إذا ما اعتدي عليه، وهكذا المسلمون يجب أن يتعلموا من هذا التحليل والتحريم أن يقفوا مع كل موقف بما يناسبه، فإذا جاء واعتدى عليهم قوم فلا يقولوا: نحن مسلمون، ولن نؤذيهم أو نعتدي عليهم، فإن هذه ليست صفات الكمال في الرجال، بل كما قيل: نسالم من سالمنا، ونعادي من عادانا.
وهذا هو الواجب على المسلم، وهذا ما يفيده هذا الموقف من إباحة قتل الفواسق والمؤذيات وإن كان محرماً وفي الحرم؛ لأن حرمة الحرم لا تعيذ المؤذين.
ثم يأتي البحث الآخر بما يتعلق بالاعتداء في مكة، وسيأتي في حديث حرمة مكة وأن الله حرمها وأباحها لرسوله، وهل يستثنى من ذلك شيء أم لا؟ وبالله تعالى التوفيق.
стр. 1755
شرح حديث: (احتجم النبي ﷺ وهو محرم)
قال المؤلف ﵀: [وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: (أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم) متفق عليه] .
يسوق المؤلف رحمه الله تعالى هنا خبر احتجام الرسول ﷺ وهو محرم، وما علاقة الحجامة بالإحرام؟ أولاً: الحجامة نوع من الطب القديم، وهي: إخراج الدم من الجلد عن طريق تشريطه وجذبه بالهواء، وهناك الفصد وهو: إخراج الدم من العرق عن طريق قطعه أو خرقه.
وهناك كما يقال: كاسات الهواء، وهو سحب الرطوبة المتجمعة تحت الجلد.
أما الحجامة فهي تدخل في كثير من أنواع العلاج، وقد احتجم ﷺ وحث على الحجامة في أمور متعددة، وقد أطال ابن القيم ﵀ فيما يتعلق بالتداوي بالحجامة، وأين تكون، ومما ينبغي التنبيه عليه: النهي عن الحجامة في الثالث والرابع والخامس عشر من الشهر؛ لأنها ليالي اكتمال الهلال، فيكون هناك شدة المد والجزر في البحار، فإذا احتجم في تلك الليالي، فيكون خروج الدم من الجسم أشد من المعتاد، وبالمناسبة يقول بعض الأطباء: إن من الحكمة في تعيين صيام الأيام البيض -التي هي الثالث والرابع والخامس عشر من كل شهر- إنما هي لهذه الحكمة؛ لأن أسباب المد والجزر في البحر بسبب القمر، فيكون هيجان الدم في الجسم كهيجان الماء في المحيطات، فإذا صام في تلك الأيام يكون الصوم أدعى لخفة هذا الهيجان في جسم الإنسان.
فالحجامة تفيد من أمراض عديدة، وقد حددوا لها أوقاتاً، وعينوا لكل مرض محلاً يحتجم فيه، وهي من الطب العربي القديم.
ويقولون: سوق هذا الحديث هنا ليدل على أصل التداوي، فالمحرم كما يتداوى بالحجامة فإنه يتداوى بغيرها من الأدوية المشروعة النافعة، ولكن الحجامة من حيث هي تحتاج إلى تشريط البشرة تشريطاً خفيفاً، وتارة تكون في موضع منبت الشعر كنقرة القفاء، وهذه يحذرون منها لأنها تؤثر على العين وعلى الدماغ، لكن لها صلة بالأكحل أو غيره، وكذلك على الفخذ إذا كانت الحجامة للمحرم تحتاج إلى إزالة بعض الشعر للتشريط أو لتركيب المحجم وشفط الدم؛ لأن الشعر يعمل فجوات يتخلل منها الهواء فلا يتوجه إلى الدم مباشرة، فإن كانت الحجامة للمحرم في موضع فيه شعر، وكانت الحاجة إليها مطلوبة، فله أن يحلق من شعره وهو محرم من أجل الحجامة ولا إثم عليه، وعليه كفارة هذا الحلق.
وإذا كانت الحجامة لغير حاجة؛ فإنه يكون آثماً، لحلق الشعر بدون حاجة، وعليه دم.
أما إذا كان موضع الحجامة في الإحرام لا شعر فيه كما يكون في بعض الحالات على ظاهر الكف، أو على الساعد، أو على الكتف ولا تحتاج إلى حلق شعر؛ فله أن يستعملها ولا شيء عليه؛ لأن الفدية من أجل حلق الشعر.
إذاً: احتجم النبي ﷺ وهو محرم، والحجامة من الأدوية النافعة المستعملة، فإن احتاجها المحرم فلا مانع في ذلك، كما أن له أن يداوي الجرح ويتعاطى الدواء للمرض الباطني، أو يجري جراحة أو غير ذلك، فإن سلم من حلق الشعر فلا شيء عليه، وإن احتاج إلى حلق الشعر من أجلها فيحلق المحل الذي يحتاج إليه، وعليه الفدية لما حلق من شعره، والله تعالى أعلم.
следующие страницы →