← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7714

شرح بلوغ المرام لعطية سالم

عطية سالم

Полный текст (2 523 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

الفأرة من الفواسق قوله: (والفأرة) الفأرة سماها ﷺ : الفويسقة، وهي معروفة، وهي محرمة، وقد بين النبي ﷺ مضارها، فتقتل كذلك.

стр. 1752

الكلب العقور من الفواسق قوله: (والكلب العقور) بعض العلماء يجعله اسماً لنوع من الحيوانات، والبعض يجعله اسماً لكل حيوان يفترس، وقد جاء في قصة أحد المشركين حينما دعا عليه النبي ﷺ فقال: (اللهم سلط عليه كلباً من كلابك) ، وكان هذا المشرك قد سمع بدعوة النبي ﷺ ، فخرج مع أناس في سفر، فنزلوا أرضاً مسبعة يكثر فيها السباع، فقال: والله إني لأخشى على نفسي من دعوة محمد، فقالوا: لا تخف نحن نحيطك، فناموا حوله وهو في الوسط، فجاء أسد في الليل وقفز إلى وسط الدائرة واختطفه وذهب به، فالأسد كلب من الكلاب، فقالوا: كل ما يعدو بنابه فهو كلب، ويشمل ذلك الأسد والفهد والنمر وغير ذلك. والكلب العقور بخلاف الكلب المسالم المعلم الذي لا يعقر ولا يعتدي، قالوا: فما دام أنه لا يعتدي ولا يعقر فليس فيه صفة الإيذاء بل قد ينتفع به، فبعضهم قال: يلحق بالكلب العقور الذئب؛ لأنه مؤذٍ، وكذلك الثعلب والأسد. إلخ.

стр. 1753

الحية من الفواسق عند بعض الفقهاء وهناك من يزيد في هذا الباب: الحية؛ لأنها مؤذية، وجاء وقد جاء أن بعض الصحابة كانوا جالسين في منى، فخرجت عليهم حية، فأرداوا قتلها فهربت وفاتتهم، فقال ﷺ : (كفيت شركم، وكفيتم شرها) ، فقد أرادوا قتلها فلم يمنعهم، وهناك آثار الله أعلم بصحتها، منها: (من رأى الحية ولم يقتلها برئت منه كذا وكذا ... ) وفيه الحث على قتل الحيات. ويجب التنبيه على ما يستثنى من بعض أنواع الحيات وفي المدينة خاصة، فقد جاء أنه في غزوة الخندق استأذن رجل النبي ﷺ أن يرجع إلى بيته في المدينة -وكان حديث عهد بعرس - فأذن له وقال: (خذ سلاحك إني أخشى عليك بني قريظة) ، فذهب، فلما وصل إلى زوجته وجدها بين عضدي الباب، فهم بأخذ رمحه ليطعنها بسبب وقوفها على هذه الحالة؛ لأن هذا كان بعد نزول الحجاب، فإن الحجاب كان في السنة الثانية وهذا الحادث كان في السنة الرابعة أو الخامسة، فقالت له: لا تعجل، رد عليك رمحك وادخل إلى بيتك وانظر ما في فراشك، فدخل فإذا حية متمددة على طول الفراش، وقيل: ملتوية على وسطه، فاخترطها برمحه ثم أخذ الرمح وركزه في عرصة البيت، يقولون: فانتفضت الحية وسقط هو ميتاً، تقول زوجته: والله لا أدري أيهما كان أسرع موتاً، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: (إنها من الجن، وقد انتصر لها قومها - لأنه لم يسم الله حينما طعنها-إذا رأيتم شيئاً من هذه الحيات في بيوتكم فلا تقتلوها حتى تؤاذنوها ثلاثاً) أي: يقال لها: اذهبي عنا ثلاث مرات، لكن هل يكون هذا في أول ظهورها أم حينما تظهر المرة الأولى والثانية والثالثة؟ قالوا: الثلاث مرات في أول رؤيتها، لأننا لا ندري بعدها ماذا يحدث، فإن ذهبت فاتركها، وإن لم تذهب فاقتلها. واستثني من ذلك نوعان: الصفراء أو الرقطاء، وهي التي يكون على عينيها نقطتان صفراوان، كاللتين تكونان على عيني الكلب الأسود. والبتراء: وهي القصيرة؛ لأن البتراء إذا نظرت إلى الحامل أسقطت حملها، وكذلك ذات الطفيتين، فإن سمها سم ساعة لا يعطي فرصة لعلاجه أو تداركه، فأمر ﷺ أن تؤذن الحية البيضاء، ولم يأمر بأن تؤذن الرقطاء ولا البتراء. إذاً: هذه خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم، وذكروا أن الحية تكون سادسة، ويستثنى من ذلك في المدينة خاصة، وقد قال ﷺ : (إن المدينة ليهاجر إليها مسلمو الجن كما تهاجرون أنتم إليها) .

стр. 1754

الحكمة من قتل الخمس الفواسق في الحل والحرم وماذا نستفيد من قتلهن في الحل والحرم؟ نقول: إن المسلم مهما كان في إسلامه وفي ديانته وورعه وزهده وطيبته إنما يكون سلماً لمن سالم وحرباً على من حارب، فهو محرم لله يقول: لبيك اللهم لبيك، فهو يكف يده عن الصيد الحلال، وهو خارج في طاعة الله وعبادته، لكن إذا واجهه شيء لا يؤذي فلا يستسلم له، بل يقتل ويقاتل إذا ما اعتدي عليه، وهكذا المسلمون يجب أن يتعلموا من هذا التحليل والتحريم أن يقفوا مع كل موقف بما يناسبه، فإذا جاء واعتدى عليهم قوم فلا يقولوا: نحن مسلمون، ولن نؤذيهم أو نعتدي عليهم، فإن هذه ليست صفات الكمال في الرجال، بل كما قيل: نسالم من سالمنا، ونعادي من عادانا. وهذا هو الواجب على المسلم، وهذا ما يفيده هذا الموقف من إباحة قتل الفواسق والمؤذيات وإن كان محرماً وفي الحرم؛ لأن حرمة الحرم لا تعيذ المؤذين. ثم يأتي البحث الآخر بما يتعلق بالاعتداء في مكة، وسيأتي في حديث حرمة مكة وأن الله حرمها وأباحها لرسوله، وهل يستثنى من ذلك شيء أم لا؟ وبالله تعالى التوفيق.

стр. 1755

شرح حديث: (احتجم النبي ﷺ وهو محرم) قال المؤلف ﵀: [وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: (أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم) متفق عليه] . يسوق المؤلف رحمه الله تعالى هنا خبر احتجام الرسول ﷺ وهو محرم، وما علاقة الحجامة بالإحرام؟ أولاً: الحجامة نوع من الطب القديم، وهي: إخراج الدم من الجلد عن طريق تشريطه وجذبه بالهواء، وهناك الفصد وهو: إخراج الدم من العرق عن طريق قطعه أو خرقه. وهناك كما يقال: كاسات الهواء، وهو سحب الرطوبة المتجمعة تحت الجلد. أما الحجامة فهي تدخل في كثير من أنواع العلاج، وقد احتجم ﷺ وحث على الحجامة في أمور متعددة، وقد أطال ابن القيم ﵀ فيما يتعلق بالتداوي بالحجامة، وأين تكون، ومما ينبغي التنبيه عليه: النهي عن الحجامة في الثالث والرابع والخامس عشر من الشهر؛ لأنها ليالي اكتمال الهلال، فيكون هناك شدة المد والجزر في البحار، فإذا احتجم في تلك الليالي، فيكون خروج الدم من الجسم أشد من المعتاد، وبالمناسبة يقول بعض الأطباء: إن من الحكمة في تعيين صيام الأيام البيض -التي هي الثالث والرابع والخامس عشر من كل شهر- إنما هي لهذه الحكمة؛ لأن أسباب المد والجزر في البحر بسبب القمر، فيكون هيجان الدم في الجسم كهيجان الماء في المحيطات، فإذا صام في تلك الأيام يكون الصوم أدعى لخفة هذا الهيجان في جسم الإنسان. فالحجامة تفيد من أمراض عديدة، وقد حددوا لها أوقاتاً، وعينوا لكل مرض محلاً يحتجم فيه، وهي من الطب العربي القديم. ويقولون: سوق هذا الحديث هنا ليدل على أصل التداوي، فالمحرم كما يتداوى بالحجامة فإنه يتداوى بغيرها من الأدوية المشروعة النافعة، ولكن الحجامة من حيث هي تحتاج إلى تشريط البشرة تشريطاً خفيفاً، وتارة تكون في موضع منبت الشعر كنقرة القفاء، وهذه يحذرون منها لأنها تؤثر على العين وعلى الدماغ، لكن لها صلة بالأكحل أو غيره، وكذلك على الفخذ إذا كانت الحجامة للمحرم تحتاج إلى إزالة بعض الشعر للتشريط أو لتركيب المحجم وشفط الدم؛ لأن الشعر يعمل فجوات يتخلل منها الهواء فلا يتوجه إلى الدم مباشرة، فإن كانت الحجامة للمحرم في موضع فيه شعر، وكانت الحاجة إليها مطلوبة، فله أن يحلق من شعره وهو محرم من أجل الحجامة ولا إثم عليه، وعليه كفارة هذا الحلق. وإذا كانت الحجامة لغير حاجة؛ فإنه يكون آثماً، لحلق الشعر بدون حاجة، وعليه دم. أما إذا كان موضع الحجامة في الإحرام لا شعر فيه كما يكون في بعض الحالات على ظاهر الكف، أو على الساعد، أو على الكتف ولا تحتاج إلى حلق شعر؛ فله أن يستعملها ولا شيء عليه؛ لأن الفدية من أجل حلق الشعر. إذاً: احتجم النبي ﷺ وهو محرم، والحجامة من الأدوية النافعة المستعملة، فإن احتاجها المحرم فلا مانع في ذلك، كما أن له أن يداوي الجرح ويتعاطى الدواء للمرض الباطني، أو يجري جراحة أو غير ذلك، فإن سلم من حلق الشعر فلا شيء عليه، وإن احتاج إلى حلق الشعر من أجلها فيحلق المحل الذي يحتاج إليه، وعليه الفدية لما حلق من شعره، والله تعالى أعلم.

стр. 1756

شرح حديث كعب بن عجرة في فدية الحلق من الأذى قال المؤلف ﵀: [وعن كعب بن عجرة ﵁ قال: (حملت إلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي، فقال: ما كنت أُرى الوجع بلغ بك ما أرى، أتجد شاة؟ قلت: لا، قال: فصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع) متفق عليه] . هذا الحديث جاء بروايتين: هذه الرواية المتفق عليها، وفيها قال: (حملت) سواء حمل على الأيدي للمرض، أو أخذ بالقوة إلى النبي ﷺ ، قال: (والقمل يتناثر على وجهي) طال عليه الزمن، والمحرم لا يسرح شعره، حتى قال المالكية: لا يقتل القملة، فإذا وجدها أخذها وطرحها في الأرض، وقد أثاروا مناقشة حول قتل القملة، ولا أدري ما هو السبب في ذلك كله، والبعض يقول: لا يرميها فتموت فيكون قد قتل دابة. سبحان الله! دابة مؤذية كيف يحاسب على قتلها! والبعض يقول: القملة إذا رميت في الأرض تنمو فتصبح عقرباً، والقمل كما يقولون: أشد عنصر ينقل التيفود. والذي يهمنا أن هذا الرجل القمل كثر في رأسه، ولا يستطيع أن يحلق شعره لأنه محرم، ولا أن يمشط القمل من شعره؛ لأن المشط ينتزع بعض الشعرات، فصبر على حاله. وفي رواية أخرى: (مر بي النبي ﷺ وأنا أنفخ على برمة لأصحابي، فإذا به يرى القمل يتناثر من الشعر) . فالحكم يتعلق في قوله ﷺ : (ما كنت أُرى) ، (أُرى) و (أرى) كلاهما من الرؤية، ولكن الرؤية البصرية والرؤية الفكرية البصيرية، تقول: أرى هذا حلالاً، أرى هذا حراماً، أرى أن تعمل كذا، فهذه رؤية علمية وليست بصرية، وتقول: أنا أرى اللون أحمر، فهذه رؤية بصرية، و: (أُرى) بمعنى: أظن، أي: ما كنت أظن أنه قد بلغ بك الوجع إلى هذا الحد، وإلا لكنت رخصت لك من قبل، فما دام أنه قد وصل بك إلى هذا الحد فقد أصبح هذا عذراً يباح معه حلق الشعر.

стр. 1757

وجوب الفدية على من اضطر إلى فعل محظور وأما إيجاب الفدية مع أنه معذور فقالوا: هو معذور رُفع عنه إثم الحلق لعذره، وفرضت عليه الفدية لحلق شعره؛ لأنه استفاد من حلق الشعر الممنوع عليه وهو محرم. إذاً: المسألة متعادلة، فقد عذر بالمرض فلا إثم عليه، ولو حلق الشعر بدون مرض فإنه يكون متعدياً آثماً، لكن العذر أسقط عنه الإثم في حلق الشعر، واستفادته من حلق الشعر جعلت عليه الفدية مقابل هذا الشعر الذي حلقه. إذاً: من اضطر إلى فعل محذور في الإحرام فله فعله وعليه الفدية، ومحظورات الإحرام فيها أشياء تدخلها الضرورة، وأشياء لا تدخلها. فلو أن إنساناً معه زوجته في الحج، فهل هناك ضرورة لأن يباشرها؟ ليس هناك ضرورة، والبعض يذهب بعيداً ويقول: إذا كان مريضاً بالشبق ولا يستطيع أن يصبر، فإن هذه ضرورة، والمرأة ما ذنبها إذن؟ وهذه التقديرات البعيدة الأصل فيها أن تترك. ومن حالات الضرورة أن تكون هناك شدة برد، فمن الضروري أن يلتحف أو يتغطى أو يلبس؛ فإن وجد ما يلتحف به-كالبطانية ونحوها- وضعه فوقه أو لفه على جسمه، وهذا ليس فيه مانع، فإنه يتقي البرد ولم يلبس شيئاً. وإذا كان عنده صداع في رأسه، ولابد أن يربط رأسه ويلبس عليه عمامة، فهنا ضرورة، فله ذلك، كذلك إذا اضطر إلى تقليم ظفره، كما لو دق إصبعه في شيء فكسر ظفره، فقالوا: إن بقي هذا الجزء المكسور وجاء عليه الهواء فإنه قد يؤذيه، فمن أجل أن يتجنب هذا الإيذاء له أن يزيله، وعليه كفارة. فمن اضطر إلى شيء ممنوع عليه في الإحرام فعله وعليه كفارته. وهكذا أباح له ﷺ أن يحلق شعره من أجل الأذى الذي فيه، وهنا يقول الله : ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ [البقرة:١٩٦] يقول العلماء: هنا دلالة الاقتضاء، وابن حزم يوافق الجمهور في ذلك، والتقدير: فمن كان مريضاً أو به أذىً من رأسه، فحلق بسبب الأذى من رأسه، فعليه فدية، وابن حزم يوافق على ذلك. لكن نجد أن ابن حزم يخالف في مثل هذا الموقف في الصوم في قوله تعالى: ﴿أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ﴾ [البقرة:١٨٤] والتقدير: فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فأفطر بسبب المرض أو مشقة السفر فعدة من أيام أخر، لكن ابن حزم يقول: إذا كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر، سواء أفطر أو لم يفطر. ولماذا قدر هناك (فحلق) ولم يقدر الاقتضاء هنا (فأفطر) ؟ حصلت مغايرة ولا نستطيع أن نقول: تناقض، فهو إمام جليل ﵀، ولكن الأسلوب اختلف عنده، فهنا ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ [البقرة:١٩٦] أي: فحلق، كما قال ابن حزم نفسه: لأن المرض والأذى في الرأس لا يستوجب فدية، إنما الذي يستوجب الفدية هو حلق الرأس. ثم جاء أوسع من هذا عن ابن عباس ﵄: (من ترك نسكاً فليرق دماً) ، والنسك هنا يشمل كل أعمال الحج، قال تعالى: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ [البقرة:١٢٨] لكن هناك من المناسك ما يجبر بالدم، ومن المناسك ما لا يجبر إلا بفعله ذاتياً، فالطواف والسعي والوقوف بعرفات مناسك، لكن إذا فات واحد منها لا يجبر بالدم، بل لابد من فعله، لكن المبيت بمزدلفة والمكث في عرفات حتى تغرب الشمس وأن يجمع جزءاً من الليل مع النهار، هذا واجب، ومن ترك يوماً من أيام منى، فقد ترك نسكاً، ومن ترك طواف الوداع، أو طواف القدوم، فإن هذه مناسك لكنها تجبر بالدم. إذاً: المحرم قد يترك واجباً، وقد يفعل محظوراً، فإن كان للضرورة فلا إثم عليه وعليه الفدية، وإن كان متعمداً فهو آثم وعليه الفدية.

стр. 1758

مقدار الفدية لمن ارتكب محظوراً لعذر وقصة كعب بن عجرة جاء بها المؤلف ويذكرها العلماء لبيان أن العذر يبيح إزالة هذا العذر أو سببه مقابل فدية. فقال له ﷺ : (أتجد شاة؟) وهذا سؤال الحكيم الخبير، يسأل الشخص الذي عليه المسئولية، إن كان باستطاعته أن يجد الكفارة، ثم ينتقل به إلى ما هو أسهل من ذلك وهو صيام ثلاثة أيام، ثم ينتقل به إلى الإطعام، فهو محيز بين هذه الأمور الثلاثة، وبعضهم يقول: هي على الترتيب، فلا يصوم إلا إذا عدم الشاة، فإذا وجدت الشاة فلا يجزئ الصوم، والبعض يقول: هو مخير في ذلك، فإن لم يستطع صوماً فيطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع. يقول بعض العلماء: نصف صاع من أي طعام موجود تصح منه زكاة الفطرة، ويقول أبو حنيفة ﵀: نصف صاع، إن كان سيطعم من البر، وصاع كامل إن كان سيطعم من الشعير أو التمر أو الزبيب أو غيره. والحديث لم يفرق بين طعام وطعام، وقد جعل كفارة الأذى في الإحرام أن يخير بين ثلاثة أشياء، والأولى أن يكون على الترتيب الذي ذكره النبي ﷺ . وبالنسبة لصيام الثلاثة الأيام: هل يصومها متتالية أو متفرقة؟ يقول ابن مسعود: يصومها متتالية، ويقول غيره: تصح متفرقة، وإذا كان سيصوم في أي مكان فله لك، وفي أي وقت كان قبل عرفات أو بعد عرفات، المهم أن يصوم بعد أن يزيل الأذى. فإذا انتقل إلى الإطعام؛ فإن الإطعام يكون في الحرم بمكة، فالنحر والهدي والفدية وكل ما يتعلق بجزاء في الحج أو العمرة فإن محل إطعامه هم أهل مكة، قال تعالى: ﴿هدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة:٩٥] ، وكذلك يقاس عليه كل ما يكون إنفاقاً أو إطعاماً بسبب الحج أو العمرة فإنما هو لأهل مكة. وتتمة لما تقدم في قضية كعب: إذا أحس المحرم بألم في الضرس فله أن يتداوى، وكذلك لو أحس بألم في العين أو الأذن فله أن يضع القطرة، وله أن يقلع ضرسه، لكن إذا في بدنه شيء من دماميل فهل له أن يفتحه ويخرج ما فيه من الأذى أم لا؟ وإذا أصيب في رأسه وجاء بعصابة وعصبها على الجرح، فهل يكون قد غطى رأسه أم يكون عاصباً له؟ وهل يلزمه في ذلك شيء؟ والباب في هذا واسع، والمراد التنبيه على أصل المسألة في أمر الحجامة، وفي إزالة الأذى.

стр. 1759

كتاب الحج - باب الإحرام وما يتعلق به [٥] لقد جعل الله لمكة مكانة عظيمة، ومنزلة رفيعة، فقد حبس عنها الفيل وأصحابه، ولكنه سلط عليها رسوله والمؤمنين، وهذا خاص بالنبي ﷺ ، فإنها لم تحل لأحد قبله، ولن تحل لأحد بعده، ومن عظيم مكانتها أن الله تعالى حرمها من يوم خلق السماوات والأرض إلى يوم القيامة، فلا يحل لأحد أن يسفك بها دماً، ولا أن ينفر صيدها، أو يختلي شوكها، أو يقطع شجرها، ولا يجوز أن تؤخذ لقطتها إلا لمن أراد أن ينشدها ويعرف بها.

стр. 1760

شرح حديث حرمة مكة قال المؤلف ﵀: [وعن أبي هريرة ﵁ قال: لما فتح الله تعالى على رسوله ﷺ مكة، قام رسول الله ﷺ في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنها لم تحل لأحد كان قبلي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، وإنها لن تحل لأحد بعدي، فلا ينفر صيدها، ولا يختلى شوكها، ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين، فقال العباس: إلا الإذخر يا رسول الله! فإنا نجعله في بيوتنا وقبورنا، فقال: إلا الإذخر) متفق عليه] . هذا الحديث وهو حديث حرمة مكة يتناول عدة مسائل، ولنأخذ الحديث جملة جملة، ثم سنأخذ بعض الجوانب التي تحتاج إلى تنبيه وييسر الله تعالى أمرها.

стр. 1761

دخول النبي ﷺ مكة فاتحاً قوله: (لما فتح الله على رسوله مكة) لم يقل: لما فتح رسول الله مكة؛ لأن الله هو الذي فتحها عليه، وهل فتحت مكة عنوة أو صلحاً؟ في ذلك خلاف بين العلماء، ويترتب على ذلك الخلاف في رباع مكة، فمن قال: فتحت صلحاً فليست هناك غنائم، وليست هناك قسمة غنيمة، وإن افتتحت عنوة فهي غنيمة وهي حق للمقاتلين، وكما قال والدنا الشيخ الأمين رحمة الله علينا وعليه: من قال: فتحت عنوة فله وجه، ومن قال: فتحت صلحاً فله وجه؛ لأن الرسول ﷺ حينما دخل مكة دخل متواضعاً لله ، حتى إن جبينه ليمس قربوس راحلته تواضعاً لله على نعمة فتح مكة عليه. وإذا تأملنا السيرة النبوية نجد أنها كعقد متراص كل حلقة تأخذ بعجز الأخرى، وكل غزوة من غزواته ﷺ أو سرية من السرايا نجد أنها تجر ما بعدها، وهكذا تترتب الغزوات ترتب النتائج على أسبابها. لقد خرج النبي ﷺ إلى مكة بعشرة آلاف، ودخل من أعلاها، فحينما أراد الدخول قالوا: من أين تدخل يا رسول الله؟ لأن مكة لها مدخلان كَداء وكُداء، فقال: (انظروا ماذا قال حسان) ، وهنا تكريم للشاعر الإسلامي حسان بن ثابت ﵁؛ لأنه قال هاجياً أبا سفيان ومدافعاً: عدمنا خيلنا إن لم تروها تثير النقع موعدها كَداء فدخلوا من حيث قال حسان، والفقهاء يرمزون لهذا بقولهم: افتح وادخل، واخرج وضم، أي: افتح الباب، كناية عن فتح الكاف في كَداء، واخرج وضم، أي: اخرج وأغلق الباب، كناية عن ضم الكاف في كُداء. فدخل ﷺ من كَداء، وأرسل خالد بن الوليد ﵁ وجماعة آخرين من الجهة الأخرى، فوجد خالد بعض الأشخاص المتحمسين من مكة، فتناوشوا، فيقول والدنا الشيخ الأمين رحمة الله علينا وعليه: من قال: إنها فتحت عنوة، نظر إلى قتال خالد مع من اعترضه، ومن قال: إنها فتحت صلحاً، نظر إلى دخول النبي ﷺ بدون قتال، وقال: (من دخل البيت فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل بيته فهو آمن) ، فدخل يؤمن الناس على دمائهم وأنفسهم. إذاً: فتح الله على رسوله مكة، والناظر في تاريخ العالم لا يجد فيما يسمى بحركات الإصلاح أسرع من حركة الإصلاح في الإسلام، فإن الفتح كان في السنة الثامنة من الهجرة، وقبل ثمان سنوات خرج النبي ﷺ ثاني اثنين إذ هما في الغار، وخرج متخفياً عن قومه ولجأ إلى الغار ثلاثة أيام، ثم خرج إلى الصحراء وكان يسير ليلاً ويقف نهاراً خشية الطلب، ثم بعد ثمان سنوات يرجع إلى مكة فاتحاً ويدخلها بعشرة آلاف مقاتل، هذا لم يحدث له في التاريخ نظائر أبداً.

стр. 1762

عفو النبي ﷺ عن أهل مكة قال ﵁: (قام ﷺ في الناس، فحمد الله وأثنى عليه) لما فتح الله على رسوله مكة، لم يتجبر أو يتكبر، ولم يسلب أو ينهب؛ بل إنه ضرب المثل الأعلى في الإحسان لمن أساء إليه، حينما وقف بباب الكعبة وقال: (يا أهل مكة! ماذا تظنون أني فاعل بكم؟) في هذه الكلمة يعيد عجلة التاريخ السابقة حينما كانوا يؤذونه، ويضعون عليه سلى الجزور وهو ساجد في ظل الكعبة، ويؤذون أصحابه، وها هو اليوم يقول: ماذا تظنون أني فاعل بكم بعد أن قدرت عليكم؟ وحينها تنازلوا عن ذلك الكبرياء والطغيان والإيذاء، ولجئوا إلى صلة الرحم والعطف، فقالوا: أخ كريم، وابن أخ كريم. استجداء واستعطافاً بالأخوة آلآن أصبح أخاً كريماً، وبينما عند إيذائهم له لم يكن كريماً؟! فقال ﷺ : (اذهبوا فأنتم الطلقاء) . فقد كانوا في يده، وكان بإمكانه أن يحكم بأخذهم أسارى، ولكن أطلقهم لله وصلة للرحم، ووفاء للموطن، ولأشياء عديدة لا يمكن حصرها في هذا المقام.

стр. 1763

حماية الله للكعبة من أصحاب الفيل ومما قاله في ذلك الموقف رداً على تساؤلات في نفوسهم، وهذا فيه توجيه إلى أنه ينبغي على ولاة الأمر أن ينتبهوا لمشاعر الناس وما يدور في خلجاتهم بمقتضى القرائن، فالموقف الآن اقتحام مكة ودخولها بالسلاح، وقد دخل النبي ﷺ مكة وعلى رأسه المغفر، أي: أنه ليس بمحرم بل مقاتل، فلما كانت الصورة صورة استباحة واستحلال مكة، وهي محرمة، يعظمون حرمتها وقد كان الرجل قبل الإسلام يلقى قاتل أبيه أو أخيه فلا يمد يده عليه إعظاماً لحرمة الحرم، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ [آل عمران:٩٧] ، أي: ومن دخله من إنس أو طير أو حيوان؛ بل حتى النبات فهو آمن فيه؛ فلا يقطع شجره، ولا يختلى خلاه، ولا ينفر صيده، ولقطته محرمة، أين ذهبت هذه الحرمة؟ فهنا أزال عنهم كابوس هذا التفكير فقال (إن الله حبس) فأتى بهذه المقدمة حتى نعلم جميعاً أن مكة محرمة، وأن الله حبس عنها الفيل، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل:١] ، فقد جاء أبرهة بجيش عرمرم، وأتى بالفيل من أجل أن يستعين به على هدم الكعبة؛ لأنه كان قد بنى كنيسة وسماها (القليس) وزخرفها وزينها ليصرف عرب اليمن إليها بدلاً من الحج إلى الكعبة، وبالتالي يصرف القبائل المجاورة لليمن، فجاء رجل أعرابي غار على الكعبة، وأراد أن يكيد للملك، فدخل القليس وتبرز فيها، فبلغ الملك هذا الفعل، فغضب وقال: لأهدمن بيتهم الذي يعتزون به انتقاماً للقليس. فجمع الجيش وأخذ الفيل وتوجه إلى الحجاز، وعندما وصل الطائف كان هناك الصنم الذي يعبدونه، فقالوا له: ليس هذا الذي تريد، مطلبك أمامك، وأخذ دليلاً من الطائف يدله على البيت الحرام، فلما وصلوا إلى وادي محسر ونزلوا، جاء الدليل الذي يدلهم على مكان البيت وهمس في أذن الفيل وقال: يا محمود! أتدري إلى أين أنت ذاهب؟ إنهم يريدونك لهدم بيت الله - يقولون: أذكى الحيوانات الفرس والفيل- فلما أرادوا الذهاب أتوا إلى الفيل ليمشي فإذا به يرفض، فضربوه ولكن دون فائدة، حتى جاءوا بمحاجم من نار وكووه في مناعمه فلم ينهض، وتحمل كي النار، وكانوا إذا حولوه عن جهة الكعبة قام يهرول، فإذا قام ومشى وحولوه إلى الكعبة برك؛ فسمي: وادي محسر؛ لأن الفيل انحسر فيه. وأعتقد أن أبرهة كان غبياً مثل فرعون، أو أن الطغيان يعمي، فإن فرعون لما رأى موسى وقومه عندما فتح الله لهم في البحر طريقاً يبساً ومشوا فيه، فلم يفكر من الذي شق لهم البحر وجعل لهم طريقاً يبساً، وجعل الماء كل فرق كالطود العظيم، فلم يعلم أنه لا يقوى على ذلك إلا الله، وأن الذي فعل له ذلك لا يفعله لكل إنسان، إذاً: فهو ليس كالناس العاديين، فاقبل رسالته، وسالمه، وابتعد عنه، واتركه يمشي في سبيله وارجع، لكنه لج في طغيانه ودخل البحر. وكذلك أبرهة، فقد رأى أن الفيل رفض المشي، وعظم الجهة التي هو ذاهب إليها، ولم تخضعه حرارة النار، ومع ذلك لم يفكر في هذا الأمر؛ بل أصر على الذهاب، فعومل بنقيض قصده. والفيل هو أضخم حيوان ثم يأتي بعده وحيد القرن، ثم الجمل، فهو عندما جاء بالفيل الكبير أهلكه الله بطير أبابيل تحمل الحجارة، كل طائر يحمل ثلاثة أحجار، إذا أسقط الطائر هذا الحجر على رأس أحدهم وهو راكب على دابته اخترقت رأسه واخترقت الدابة التي هو عليها حتى تصل إلى الأرض، فيا ترى ما هي المادة التي كانت منها هذه الحجارة حتى تخترق الفرس والفارس؟! إنها قوة عجيبة! والشيء بالشيء يذكر، يقولون: إن معدن اليود يابس مثل الكحل لكن لونه بني، إذا وضع على الحديد أحرقه، وإذا وضع على الخشب أشعل فيه النار، وإذا وضع على رصاص أذابه، وإذا وضع على الزجاج فإن الزجاج لا يحتر ولا يتأثر، فهذا معدن مستخلص من ماء البحر، ويكون له هذا الأثر مع تلك المواد ومع ذلك لا يتأثر به الزجاج، ولذا يحفظ في أواني زجاجية، والغطاء يكون زجاجاً أيضاً، وقدرة الله فوق كل شيء. فهنا قال ﷺ (إن الله حبس عن مكة الفيل) ، وكذلك في صلح الحديبية لما قال: (هل لنا من رجل يدلنا على الحرم ونتجنب طلائع قريش) وقال القائل: أنا، ومشوا إلى أن وصلوا إلى حدود الحل والحرم، فبركت الناقة، فقال قائل: خلأت القصواء، أي: تعبت من السفر وبركت إعياء وتعباً، فقال ﷺ : (لا والله، ما خلأت وما هو لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل، والله لا يعرضون عليّ خطة يعظمون فيها محارم الله إلا أجبتهم إليها) ، ولهذا تنازل معهم في مواد الصلح، حتى إن عمر غلبه الغضب وما استطاع أن يتحمل؛ لأنه كان من بنود الصلح: من جاءنا منكم نرده، ومن جاءكم منا لا تردونه علينا. إذاً: الحيوان الأعجم يلهمه الله عظمة حرمة البيت، وبعض الناس -نسأل الله السلامة والعافية -تحجب بصائرهم وتتحجر قلوبهم ولا يرون لمكة حرمة، الفيل يعظم حرمة مكة ويبرك مكانه ولا يتحرك من كي النار، والإنسان الطاغية الجبار يخترق حرمة مكة وينتهكها ويقاتل أهلها، أرأيت مقارنة مثل هذه؟! إذاً: الحيوانات لها إدراك، وقد جاء في موطأ مالك في فضل يوم الجمعة: (وفيه تقوم الساعة، وما من دابة إلا وتصيخ بسمعها يوم الجمعة بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس شفقاً من الساعة) فما أدرى الحيوانات بالجمعة أو السبت؟ وما أدراها بقيام الساعة؟ وما أدراها حتى تصيخ بسمعها لتسمع النفخة؟ إذاً: تلك الحيوانات لها إدراك: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام:٣٨] ، بل قد يكونون أحسن منكم، ولذلك لما قرأ النبي ﷺ قول الله تعالى من سورة الرحمن على وفد الجن: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:١٣] ردوا وقالوا: ولا بشيء من آلاء ربنا نكذب، وقرأها على الإنس فلم يتكلم أحد، فقال: (والله للجن أحسن سماعاً منكم) . ولما ورد كتاب من عبد الملك بن مروان إلى الحجاج، فقرأه على أهل العراق وفيه: من أمير المؤمنين إلى أهل العراق، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فما رد ﵇ أحد، فقال لقارئه: أمسك، واستل سيفه وقال: أنا ابن جلا وطلاع الثنايا متى أضع العمامة تعرفوني ويحكم! الخليفة يسلم عليكم ولا تردون ﵇، إني لأرى رءوساً قد أينعت وقد حان قطافها، ثم بعد ذلك قرأ الكتاب من أوله، فقالوا كلهم: وعلى أمير المؤمنين السلام ورحمة الله وبركاته.

стр. 1764

حرمة مكة إلى يوم القيامة قال ﷺ : (وسلط عليها رسوله والمؤمنين) أي: في فتحها، (وإنها لم تحل لأحد كان قبلي وإنما أحلت لي ساعة من نهار) جاء في بعض الروايات ( ﴿وقد أحلها الله لي ساعة من نهار، ولم تحل لأحد قبلي ولن تحل لأحد بعدي) . وقوله: (لم تحل لأحد قبلي) أي: في الجاهلية وما قبلها، وتاريخ مكة طويل، لا يعلم مداه إلا الله، وقد أشار المولى سبحانه بأولية الكعبة فقال: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ [آل عمران:٩٦] ، والكعبة موجودة قيل: من زمن آدم ﵇ بنته الملائكة، وقيل: من زمن شيث ﵇، وقيل: بناه العمالقة، وقيل غير ذلك، إلى أن جاء القرآن بتاريخ إسلامي قريب، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ﴾ [البقرة:١٢٧] فقد كانت القواعد موجودة موضوعة، لكنها انطمست قيل: لما جاء الطوفان وغمر الكعبة، وأخذ الحجر الأسود وأخفي في أبي قبيس، حتى جاء الإسلام وجاء الرسول ﷺ ، وكان ﵊ يقول: (إني لأعلم حجراً بمكة كان يسلم عليّ) قيل: هو الحجر الأسود، وقيل: هو غيره، ثم جاء إبراهيم ﵇ والبيت مندثر، قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج:٢٦] ، فاندثر البيت ولم يبق له أثر، وجاء جبريل ﵇ وبين مكانه لإبراهيم، كما جاء لـ عبد المطلب وبيّن له مكان زمزم، وقيل: إن الله أرسل سحابة في وسط النهار وقال لإبراهيم: خط عليها ثم احفر، فحفر حتى وصل إلى القواعد. وقد جاء في الحديث الآخر: (إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض) ، وسيأتي الحديث الآخر: (اللهم إن إبراهيم حرم مكة، وأنا أحرم المدينة) ، وجمعوا بين الحديثين: بأن تحريم الله مكة حينما أمر القلم أن يكتب فكتب: إن مكة حرام؛ فهو تحريم من الله، ثم إن إبراهيم حرم مكة التحريم للناس وأعلنه وبين حدود حرمها. إذاً: لم تحل مكة لقتال قبل رسول الله ﷺ ، وهذا من خصائصه صلوات الله وسلامه عليه، ولن تحل لأحد بعده، أي: لا يحلها الله لأحد بعده، فإذا استحلها إنسان فهو معتد؛ لأنها غير حلال له. قال: (وإن الله أحلها لي ساعة من نهار) المقصود بالساعة هنا الساعة اللغوية، وليست الساعة الزمنية التي هي ستون دقيقة، والمعنى وقتاً من نهار، سواء كان النهار كله أو أكثره أو أقله، فقد أحلها الله له أن يدخلها بسلاحه عنوة مستعداً متهيئاً للقتال، وقد وقع فعلاً بعض القتال في بعض جوانبها حينما دخل خالد بن الوليد ومن معه من الجهة التي تقابل جهة دخول النبي ﷺ . وقوله ﷺ : (ولن تحل لأحد بعدي) يقول ابن دقيق العيد ﵀: هذا يدل على أن مكة ستظل إسلامية إلى يوم القيامة؛ لأنها ستظل حراماً، والحرمة إنما هي أمر شرعي، فلا يجوز لأحد أن يستحلها أبداً. وهنا يبحث الفقهاء فيما إذا طرأ طارئ، يقول ﷺ في هذا الحديث وفي غيره: (فإن ترخص أحد بقتالي فقولوا له: إن الله قد أحلها لرسوله ولم تحل لأحد بعده) ، وفي بعض الروايات: (وقد عادت إليها حرمتها إلى يوم القيامة) . إذاً: حرمة مكة قديمة، سواء كانت بتحريم الله، أو كانت بتحريم إبراهيم، وتحريم إبراهيم إنما هو تحريم عن الله، أي: بلاغ عن الله بحرمتها.

стр. 1765

حكم إقامة القصاص والحدود داخل مكة وهنا يذكر الفقهاء ويفرعون على هذا من الأحكام: لو أن أحداً قاتل في مكة فماذا يكون موقف المسلمين منه؟ هل يحرم عليهم استحلالها لأنها محرمة إلى يوم القيامة، وهذا آثم عاصٍ بقتاله فيها، أم يقاتلون من قاتل فيها؟ قالوا: إذا انتهك أحد حرمة الحرم فقد أسقط عن نفسه حرمة الأمن فيُقاتل فيها. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ [آل عمران:٩٧] أي: بدون اعتداء، وإذا قتل إنسان إنساناً بمكة فهل يقتل أو يترك؟ الجمهور على أنه يقتص منه في مكة، ويقول الإمام أبو حنيفة: لا يقتل حتى القاتل قصاصاً بمكة، ولكن يضيق عليه حتى يُخرج أو يخرج إلى الحل فيقتص منه هناك. وحينما أسر الصحابي الجليل خبيب بن عدي وبيع في مكة واشتراه بعض من له ثأر ودم في بدر، فلما أرادوا قتله خرجوا به من مكة إلى التنعيم وهي من الحل، وهناك صلب وقتل، فلم يستبيحوا قتله في مكة لحرمتها، مع أنهم قد اشتروه أسيراً من أجل أن يقتصوا منه لبعض قتلاهم في بدر، فتركوا قتله في مكة لحرمتها. فهناك من يقول: إن حرمة مكة تحمي كل ذي دم وكل ذي نفس؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ [آل عمران:٩٧] عام في الإنسان والطير والحيوان حتى الشجر. وبعض العلماء يقول: الذي ينتهك حرمة مكة؛ تزول عنه الحرمة والإيواء والأمن فيقتل، وأيضاً من جاء معتدياً وقاتل أهل مكة من البغاة والخوارج فإنهم يُقاتلون في مكة؛ لأن في ذلك دفاعاً عن النفس، ورفعاً للطغيان والبغي، ولا يؤوى إلى الحرم من كان بهذه الصفة. وكذلك قالوا في بقية الحدود سواء كان الحد رجماً أو قطعاً أو جلداً: هل تقام في مكة أم يخرج إلى الحل وهناك يقام عليه الحد؟ قال بعضهم: يقام عليه الحد ولو كان قتلاً، واستدلوا بقتل النبي ﷺ لـ ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة؛ وذلك لأنه غدر بالنبي ﷺ ، فقد جاء فأسلم ثم ارتد وهجا النبي ﷺ ، فأهدر النبي ﷺ دمه، فعندما أتوا إلى النبي ﷺ فقالوا له ( ﴿إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، قال: اقتلوه) . وأجاب الآخرون بقولهم: إنه قتل في الساعة التي أحلت لرسول الله ﷺ ولم يقتل بعد أن عادت إليها حرمتها، والنقاش في ذلك نقاش فقهي. والذي يهمنا في هذا الباب أن المحرم يحترم حرمة البيت ولا يعتدي -كما تقدم- لا على صيد، ولا على شجر، ولا على إنسان، ولا على غير ذلك.

стр. 1766

حكم تنفير صيد الحرم قال ﷺ : (فلا ينفر صيدها) . من حرمتها أن لا ينفر صيدها، والتنفير: هو التخويف والإهاجة، وهنا كما يقولون: من مفهوم المخالفة وفحوى الخطاب: إذا كان الصيد فيها آمناً فلا تزعجه ولا تنفره من مكانه، فهل يجوز صيده وقتله؟ من باب قوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء:٢٣] ، فهل يجوز له أن يفعل أكثر من ذلك؟ لا يجوز له ذلك. والصيد: هو كل حيوان بري يحل أكله، أما إذا كان وحشياً كالسباع فقد تقدم: (يقتلن في الحل والحرم) . ويضيف العلماء أيضاً: لو أن حلالاً اصطاد خارج الحرم ودخل به إلى الحرم فإنه يطلق من يده؛ لأنه منهي عن إمساك الصيد أو قتله أو تنفيره في الحرم.

стр. 1767

حكم قطع شوك الحرم وشجره قال: (ولا يختلى شوكها) . الاختلاء: هو أخذ الحشيش من الخلاء كالصحراء والوادي، ويذكر عن الشافعي ﵀: أنه أباح قطع الشوك الذي في الأغصان، كما يقول الصنعاني شارح البلوغ، وقد استدل بأن الشوك مؤذٍ، وإنما أبيح قتل الفواسق الخمس لأجل الأذى، فلما كانت الفواسق تقتل في الحل والحرم لوجود الأذية، والشوك مؤذٍ، فيقاس عليها ويجوز قطعه، لكن يقول الصنعاني أو غيره: إنما أباح قطع الشوك من الأغصان. وأعتقد أن هذا مغاير لطبيعة الحرم؛ لأنه يوجد في الحرم نبات قصير جداً ينبت على وجه الأرض وفيه الشوك، فهذا هو الذي يؤذي؛ لأنه إذا أراد الإنسان أن يجلس أو أن ينصب خيمة أو أن يفرش فراشه، فإن هذا الشوك سوف يؤذيه، فقد يضطر لقلعه من أجل أن يمهد له مكاناً يجلس فيه، فإذا نقل عن الشافعي أنه أباح قلع الشوك للإيذاء فيكون هذا النبت من باب أولى؛ لأن الشوك في الأغصان فوق الدوحة ونحوها لا يؤذي أحداً بشيء، فيكون هذا أولى بحمله عليه. وإذا كان الشوك المؤذي لا يختلى، فإن النباتات الأخرى من باب أولى. قال ﷺ (ولا يعضد شجره) أي: لا يقطع شجره، قيل: في الشوك النبات وفي الشجر ما لم ينبته الآدمي، فما كان من نبات الآدمي فهو يزرع ويحصد، أما ما كان نبتاً طبيعياً من خلق الله سبحانه دون أن يكون للإنسان فيه عمل كالنباتات الصحراوية، فهذه هي التي لها حرمة ولا يعتدى عليها.

стр. 1768

حكم لقطة الحرم قال ﷺ : (ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد) . الساقطة: هي اللقطة التي سقطت من صاحبها، وقوله: (إلا لمنشد) أي: لا يأخذها شخص من مكانها إلا على نية الإنشاد، أي: الإعلام بها، فهي لا تملك بالالتقاط، بخلاف اللقطة في غير الحرم؛ فإن حكمها أن ينشدها لمدة سنة، فإن ظفر بصاحبها سلمها إليه، والإنشاد لمدة سنة إنما هو إن كانت صالحة للبقاء سنة، وإلا باعها أو تصرف فيها بعد أن يعرف قيمتها، وتكون ديناً عنده وأمانة، فإذا ظهر صاحبها أعطاه إياها، فكل ضالة أو ساقطة للإنسان أن يأخذها بنية التعريف والإنشاد، وينشدها على أبواب المساجد، أو مظنة وجود صاحبها، ولا ينشدها في المسجد؛ لأن الرسول ﷺ نهى عن ذلك وقال: (إذا سمعتم من ينشد ضالته في المسجد فقولوا: لا ردها الله عليك) ؛ لأنه سوف يستغل المسجد في غير ما وجد له، كما جاء النهي عن البيع والشراء في المسجد، قال ﷺ : (إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع، فقولوا: لا أربح الله تجارتك) ، وكما قال عمر ﵁: (من أراد الثواب والأجر وسوق الآخرة فليأت إلى المسجد، ومن أراد البيع أو الشراء أو الحديث فليخرج إلى أسواق الدنيا) ، وقد بنى رحبة في غربي المسجد، وقال: (فمن أراد حديث الدنيا فليخرج إلى هذه الرحبة، ومن أراد حديث الآخرة فليبق في المسجد) فالذي يجد ساقطة في الحرم في مكة فلا يحل له أن يأخذها إلا إذا كان على استعداد أن ينشدها، ومهما أنشدها سنة أو سنوات فلا يتملكها، بخلاف الساقطة في غير الحرم المكي، فإنه يتملكها بعد سنة، فإن جاء صاحبها بعد ذلك فإن كان قد استفادها لنفسه واقتناها سلمه قيمتها، وإن كان قد تصدق بقيمتها على نية صاحبها فيخبره ويقول له: لقد انتظرت وعرفت فلم يأت أحد، فتصدقت بها على نية صاحبها، فإن قبلت الصدقة فأجرها لك، وإن لم تقبل فأكون قد تصدقت بغير ما أملك، فهذه قيمتها والصدقة لي. وهنا يأتي السؤال: لماذا تملك ساقطة غير الحرم بعد سنة وساقطة الحرم لا تملك أبداً؟ قالوا: لأن حرم مكة يأتيه الحجاج في كل سنة من كل مكان، ولا ندري ممن سقطت تلك اللقطة، ولا يلزم أن من سقطت له ساقطة يعود في العام القادم من أجل أن ينشد ساقطته أو ضالته، ويمكن أن لا يتأتى له المجيء إلا بعد خمس سنوات على أقل تقدير، أي: في التطوع؛ كما في الحديث القدسي: (من عافيته في بدنه وأغنيته في ماله، فلا يحق له أن يهجر البيت فوق خمس) أي: خمس سنوات، فيمكن أن لا يأتي إلا بعد خمس سنوات، فنقول: هذا خاص بالحرم، فإذا سقطت لقطة من حاج آفاقي، وأنشدها الملتقط سنة أو سنتين، ولم يأت صاحبها، ولا يدري عنها أحد شيئاً، فتبقى أمانة في يد ملتقطها وينشدها إلى أن يأتي صاحبها.

стр. 1769

كتاب الحج - باب الإحرام وما يتعلق به [٦] لقد حرم الله مكة يوم خلق السماوات والأرض، فهي حرام إلى يوم القيامة، ومن حرمتها: أن من قتل خارج مكة ثم لجأ إليها فلا يقتل حتى يُخرج منها، أما من قَتَل فيها فإنه يُقتل فيها، ومن قٌتِل له قتيل فهو بخير النظرين: القصاص أو الدية. ومن حرمة مكة: أنه لا يجوز قطع شجرها إلا الإذخر، فإنه يجوز قطعه للحاجة. والمدينة حرم كمكة، فلها حرمتها وتعظيمها، فلا يجوز قطع شجرها، ولا قتل صيدها، ومن فعل ذلك فهو آثم ولا جزاء عليه، وحدود حرم المدينة ما بين الحرتين شرقاً وغرباً، وما بين جبل عير وثور شمالاً وجنوباً، والحد وهو الحرتان وعير وثور داخل في حدود الحرم.

стр. 1770

شرح قوله ﷺ : (من قتل له قتيل فهو بخير النظرين) قال ﷺ : (ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين) . قوله: (فهو بخير النظرين) : النظران في قتل العمد؛ لأن قتل الخطأ فيه نظر واحد وهو الدية، أما العمد فله الدية وله القصاص، ومناسبة ذكر القتل في هذا الحديث: قالوا لأن حرمة مكة تعيذ القاتل من القتل، وتجعل من دخلها آمناً، حرمة مكة تعيذ من لجأ إليها، أي: أن من ارتكب جريمة خارج مكة ولجأ إليها دخل في نطاق الأمن، لكن مجيء هذا الحديث بهذا السياق يشعر بأن القاتل في مكة لصاحب الدم الخياران، فله أن يقتله، والرسول ﷺ لم يأمر بإخراجه من الحرم، والمعروف أنه يقتل حيث قتل، إذاً: الحديث هنا يشعر بأن حرمة تلك النباتات والحيوانات في الصيد وحرمة مكة لا تمنع القاتل من أن يقتص منه في الحرم، وهذا ما يرجح القول -وهو قول الأكثرين- بأن الجاني في مكة يقتص منه في مكة، بخلاف من جنى خارج مكة ولجأ إلى مكة؛ فإنه يخرج إلى الحل ويقتص منه. وقوله: (فهو بخير النظرين) النظران هما: القصاص أو الدية، وفي قوله سبحانه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:١٧٨] اتفق العلماء في هذه القضية على أن اليهود كان عندهم حكم واحد: وهو أن القاتل يقتل، ثم جاء النصارى وأصبح الحكم عندهم أن القاتل يدفع الدية، ثم جاء في الإسلام التخيير بين الأمرين. وفي فقه المسألة عند الأئمة ﵏: أنه إذا قبل أولياء الدم عن القاتل عمداً بالدية فعليه أن يدفعها. وذهب الإمام مالك ﵀ في المشهور عنه إلى أنه ليس لولي الدم على القاتل إلا نظر واحد إما القصاص وإما الترك، وهذا مذكور عن أبي حنيفة ﵀؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥] ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة:١٧٩] ولم يذكر في العمد دية، فقالوا: الجاني إن لم يرض ويقبل بدفع الدية عند طلبها من ولي الدم فليس بملزم، بل إما أن يقتص ولي الدم أو يتركه، وفي المذهب المالكي في هذه المسألة ثلاثة أقوال: القول الأول هو هذا، وهو المشهور عن مالك. القول الثاني: وافق فيه الجمهور: وهو أنه إذا طلب ولي الدم الدية فعلى القاتل أن يدفعها. القول الثالث: التفصيل: فإن كانت الجناية في النفس، وطلب ولي الدم الدية، وكان الجاني واجداً، وجب عليه أن يدفع الدية، وإذا كانت الجناية في عضو؛ كأن اعتدى على يده أو عينه أو أذنه، فإن طالبوا بالقصاص فعليه أن يقدم القصاص، وإن طالبوا بالأرش ودية العضو فالجاني بالخيار؛ إما أن يمتنع من دفع الأرش ويقول: اقتصوا كما جاء في الشرع، ولست ملزماً بالدية. وفي هذه المسألة سمعت من والدنا الشيخ الأمين رحمة الله علينا وعليه يقول: الراجح أنه في قتل النفس إذا طلب الولي الدية فيتعين على الجاني أن يدفعها؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء:٢٩] ، فإذا وجد الدية وعوفي من القصاص فلا يقل: اقتصوا؛ لأنه حينئذ يكون كقاتل نفسه؛ لأن الدية تعفيه من القتل وهو يأبى إلا أن يقتص منه. إذاً: الحديث هنا يرد على هذا القول، سواء كان عند مالك أو عند أبي حنيفة رحمهما الله.

стр. 1771

حكم المصالحة على أكثر من الدية لو أن ولي الدم تمسك بالقصاص، وعرض الجاني الدية، وبدلاً من أن تكون دية جعلها عدة ديات، فمثلاً: الدية مائة بعير، فهو يعرض مائتين وثلاثمائة أو أكثر، فإذا قبل ولي الدم فلا مانع، يعني: لا يقال: إن ولي الدم لا يحق له أن يأخذ من الجاني أكثر من الدية؛ بل إذا كان الحكم قصاصاً، فهو الآن لم يأخذ الدية إنما يأخذ الصلح عن التنازل عن القصاص، وهذا راجع للتراضي بين الطرفين، والحد الأدنى للدية هو مائة من الإبل، وهذا في قتل الخطأ، لكن في العمد يكون الطلب هو القصاص، وإذا تصالح الجاني عن قتل نفسه بعدة من الديات فلا مانع لولي الدم أن يقبلها.

стр. 1772

جواز قطع الإذخر من الحرم للحاجة قال العباس لرسول الله بعد أن ذكر حرمة شجر الحرم: (إلا الإذخر يا رسول الله! فإنا نجعله في قبورنا وفي بيوتنا، فقال: إلا الإذخر) . قول العباس رضي الله تعالى عنه: (إلا الإذخر يا رسول الله) (إلا) أداة استثناء، والإذخر نبات، فالإذخر مستثنى من قوله: (ولا يختلى شوكها) ومن قوله في الحديث الآخر: (ولا يختلى خلاها) والخلاء: هو النبات الذي ينبت في الأرض على الأمطار أو السيول أو غير ذلك، وهنا من ضمن الخلاء الذي ينبت في الأرض البيضاء: الإذخر، وهو نبت حجازي معروف، طيب الرائحة، وله خصائص مذكورة في كتب الطب، وقد كان يؤخذ الإذخر قديماً ويوضع على أفواه أكياس الفحم. فـ العباس رضي الله تعالى عنه طلب من النبي ﷺ أن يستثني من الخلاء الإذخر، ولما كان معروفاً عندهم ما احتاج إلى تعريف، ثم علل ﵁ موجب هذا الاستثناء فقال: (فإنا نجعله في قبورنا) ، فقد كانت العادة أن أهل مكة يشقون وأهل المدينة يلحدون، والشق: هو أن يحفر القبر، ثم يحفر في الوسط خد على قدر الجسم ويمدد فيه، واللحد: بعد أن يحفر القبر في جهة القبلة قدر ما ينام فيه الميت ثم يسد عليه، وفي كلتا الحالتين يسد على الميت باللبن أو بالحجارة، وكان يتخللها فراغ، فإذا أهيل التراب على الميت تساقط التراب من بين الأحجار أو الطوب على الميت، فيجعلون الإذخر يسد المسام والفراغ الذي بين الحجر والآخر، وقد يتعذر عليهم استعمال الطين خاصة وأنه لا يوجد هناك؛ لأن الأرض رملية. إذاً: العباس رضي الله تعالى عنه طلب استثناء الإذخر لمصلحتهم وحاجتهم: الأولى: أنهم يضعونه في قبورهم. والثانية: أنهم يضعونه في بيوتهم، وذلك حينما يسقفون بالخشب ويأتون بالجريد أو الأغصان ويضعون فوقها من الطين ما يحميها من الأمطار، فيكون بين الأخشاب فراغ، فيجعل الإذخر طبقة فوق الأغصان أو الجريد أو الخشب، ثم يوضع فوق ذلك ما يطلى به السقف من الطين. الثالثة: قوله: (ولقيننا) واللفظ هذا موجود في بعض النسخ، القين: هو الحداد، وحاجة الحداد إلى الإذخر حينما يأتي بالحطب ليشعله ليذيب به الحديد، والحطب الكبير إذا أشعل فيه الكبريت لا يشتعل، فيحتاج إلى صغار الأغصان ودقائق النباتات، فيؤتى بالإذخر فيشتعل حالاً ثم توضع الأخشاب الكبيرة بعد ذلك، فنار الإذخر تحرق الأخشاب، وهكذا يكون وسيلة لإشعال الحطب، وإلا لما استطاع الحداد أن يشعل النار في الحطب الجزل، فلما سمع النبي ﷺ استثناء العباس، وعرف حاجتهم إليه؛ قال: (إلا الإذخر) . وهنا مسألة: وهي أن الرسول ﷺ أجاب بعد السؤال مباشرة، أي: أنه لم يتربص مجيء الوحي ليجيبه عن هذا السؤال؛ بل أجاب حالاً، فهل تكون هذه الإجابة اجتهاداً منه ﷺ ؟ أم أن الوحي جاء سريعاً وأخبره بالحكم؟ فمكة حرام منذ أن خلق الله السماوات والأرض، لا يختلى خلاها، فهو استثنى من ذلك الإذخر، فيقول ابن دقيق العيد: يحتمل أن هذا اجتهاد منه ﷺ وقد أقره الله عليه، ويحتمل أن يكون الوحي قد جاء بسرعة؛ لأن الوحي إعلام في الخفاء، فيكون جبريل ﵇ قد جاءه بالجواب. وما دام أن النبي ﷺ أجاب العباس لحاجته، فهل كل ما نهى عنه رسول الله يباح للحاجة؟ قالوا: لا؛ لأن النص جاء باستثناء الإذخر بخصوصه، ولم يأت باستثناء الحاجة في الخشب لسقف البيوت، ولا لآلات البيت من النجارة وغيرها، ولم يأت باستثناء الخلاء للرعي، حتى قال بعض العلماء: الخلاء الرطب وهو المرعى الذي ترعاه الدواب لا يحل رعيه، ولكن أين يذهبون إذا كان عندهم دواب؟ يقال: هذا من نبت الله، المهم أنهم لا يعتدون. إذاً: أعلن النبي ﷺ حرمة مكة، وأنها محرمة من قبل، وإنما أحلت له ساعة، ثم عادت حرمتها كما كانت إلى يوم القيامة، ومن حرمتها أن يتجنب فيها قتل الصيد وتنفيره، وقطع شجرها، واختلاء شوكها، والتقاط لقطتها إلا لمنشد، وهنا يبحث الفقهاء فيمن ارتكب أحد هذه الأشياء المنهي عنها في الحديث السابق، فمن اختلى خلاها، أو اقتطع شجرها، أو نفر أو قتل صيدها، هل عليه في ذلك جزاء أم لا؟ من المعلوم أن المحرم إذا قتل الصيد ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ﴾ [المائدة:٩٥] قالوا: وفي الحرم كذلك، فهناك لحرمة الإحرام خارج الحرم، وهنا لحرمة الحرم في الحج وفي غيره، للمحرم ولغيره، حتى قالوا في الشجرة الكبيرة فيها نعامة، والشجرة الصغيرة فيها شاة، قياساً على كبار الصيد وصغاره، ولكن لم أقف على نص مرفوع فيما يتعلق بجزاء النباتات والأشجار، والله تعالى أعلم.

стр. 1773

شرح حديث: (إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها ... ) قال المؤلف ﵀: [وعن عبد الله بن زيد بن عاصم ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها، وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة، وإني دعوت في صاعها ومدها بمثل ما دعا به إبراهيم لأهل مكة) متفق عليه] . قوله ﷺ : (إن إبراهيم حرم مكة) هنا إسناد التحريم إلى إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وهناك إسناد التحريم إلى الله ، والحديثان كلاهما صحيح، وقد جمع العلماء بين هذين الخبرين: بأن الله قد حرمها فعلاً يوم خلق السموات والأرض، وأخبر ملائكته بذلك، ولكن العمل بهذا التحريم لم يكن إلا زمن إبراهيم ﵇، فيكون تحريم الله سابقاً تكريماً، وتحريمه في زمن إبراهيم ﵇ تعليماً، وإنما التكليف حصل بتحريم إبراهيم ﵇، أو أن إبراهيم أظهر تحريمها بعد أن نسيه الناس وتوالت عليه القرون الطويلة، والذي يهمنا أن حرمة مكة أمر مقطوع به.

стр. 1774

حرمة المدينة المنورة وحرمها وقول النبي ﷺ : (وإني -يسند النسبة إليه- حرمت المدينة) يقول بعض العلماء: إن حرمة المدينة قديمة أيضاً، وإنما أظهرها النبي ﷺ . وقد جاء في تاريخ الهجرة ومعالمها أنه ﷺ قال (أريت دار هجرتي أرضاً سبخة ذات نخيل، أُراها هجر أو يثرب) وهجر هي الأحساء حديثاً، ويثرب هي المدينة المنورة، ويذكر في أخبار الإسراء والمعراج أن جبريل ﵇ في رفقته للنبي ﷺ من مكة إلى المسجد الأقصى أنزله مرتين يصلي، ففي الأولى قال: (أعلمت أين صليت؟ قال: لا، قال: بيثرب، وهي المهاجر، والثانية في بيت لحم) إذاً: حرمة المدينة أو اختيارها إنما هو من ذي قبل، ولكن إعلان حرمتها إنما هو على لسان النبي ﷺ .

стр. 1775

المفاضلة بين مكة والمدينة وهنا ربما تناول بعض العلماء المقارنة بين مكة والمدينة بأن تحريم مكة من إبراهيم، فيكون هناك المقارنة بين ما حرمه إبراهيم ﵇ وبين ما حرمه النبي ﷺ ، وأدخلوا هذا في باب المفاضلة بين مكة والمدينة، واستدل بذلك من يفضل المدينة على مكة، وهنا ينبه -كما يقول العلماء- إلى أن الخوض في المفاضلة بين مكة والمدينة إنما هو إشغال وقت وإثارة شعور لا طائل تحته، إنما ينظر فيما هو أفضل للمهاجر والمقيم، هل الأفضل له أن يهاجر إلى مكة أم إلى المدينة؟ وهل الأفضل أن يقيم في مكة مجاوراً أم في المدينة مهاجراً؟ هناك قول لبعض العلماء وعلى رأسهم مالك: أن الهجرة والإقامة بالمدينة خير من الهجرة والإقامة بمكة، والبعض يستدل على أن الإقامة بالمدينة أفضل: بأن مكة تتضاعف فيها الحسنات وكذلك السيئات، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:٢٥] فيؤاخذ الإنسان في مكة بمجرد الإرادة ولو لم يفعل، أما المدينة فتضاعف فيها الحسنات ولا تتضاعف فيها السيئات، إن فضل الصلاة في مسجده ﷺ بألف صلاة، وهذا لا قول لأحد فيه، وهو صحيح بالإجماع، وجاء أن صوم رمضان في المدينة بألف، وجمعة في المدينة بألف، وهذان الخبران فيهما مقال. وقد فضل بعض العلماء المقام في المدينة لأن الله اختارها مهاجراً لرسوله ومقاماً له، ثم كان فيها مثواه ﷺ .

стр. 1776

المقارنة بين حرمة مكة وحرمة المدينة ونحن الآن نتكلم عن تحريم المدينة وليس عن تعداد فضائلها وخصائصها، فقد عدد بعض العلماء خصائص المدينة وأبلغها إلى حوالي مائة خصيصة، وهذا أمر يطول بيانه، لكن يهمنا تحريمه ﷺ للمدينة، فقد جاءت الأحاديث الصحيحة أنه ﷺ قال: (المدينة حرم آمن) ، فتسميته ﷺ المدينة حرماً يرد على بعض العلماء المتأخرين الذين يقولون: لا يسمى حرماً إلا مكة، ولكن هذا صحيح صريح عن النبي ﷺ بأن المدينة حرم آمن، ثم بين ﷺ حكم الحرم المدني كما بين حكم الحرم المكي بأنه لا يختلى خلاه، ولا ينفر صيده، ولا يعضد شجره، ولا تلتقط لقطته إلا لمنشد، فذكر حرمة الخلاء والشجر في حرم المدينة إلا لحاجة علف دابته أو خشبه، فإن ذلك لا بأس به للحاجة، ومع نهيه ﷺ أن يختلى خلاها، أو أن يقطع شجرها إلا لحاجة، أو أن ينفر صيدها، اتفق العلماء -إلا ما جاء عن بعض المالكية- أن من قتل بها صيداً فإنه لا جزاء عليه كجزاء صيد مكة، لكنه آثم بانتهاكه حرمة الحرم، ويعزر من جانب ولي الأمر، بل قال بعض العلماء: يسلب، أي: تؤخذ ثيابه، كما جاء عن سعد بن أبي وقاص أنه رأى غلاماً يصطاد في حرم المدينة فسلبه ثيابه، فأبى أهله وطلبوا رد الثياب إليه، فقال: (حاشا، طعمة أطعمنيها رسول الله ﷺ فلا أردها عليكم، إن شئتم أعطيتكم قيمتها فعلت، أما هي فلا) . ثم أوصى ﷺ بأهلها خيراً، وبين أن من أراد أهل المدينة بسوء أذابه الله في النار كما يذاب الرصاص، أو أذابه الله كما يذاب الملح في الماء. ثم حث ﷺ وحذر من أحدث فيها أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، وإحداث الحدث يراد به عند العلماء: الابتداع، أي: أن يبتدع في دين الله في المدينة ما ليس من دين الله، أو يبتدع أمراً لم يأت به رسول الله ﷺ . وإذا تأملنا في ذلك فإننا نجد أن حرمة المدينة وتعظيم شأنها والحفاظ على أمر الدين فيها من ضروريات الدين؛ لأن مكة بحرمها كانت وما زالت مأوى المؤمنين؛ وهي دار السلم والسلام: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ [آل عمران:٩٧] ، ولما ضيق على المسلمين في بادئ الأمر واضطروا إلى الخروج إلى مكان آمن كانت المدينة، ولما هاجر المسلمون إلى المدينة وانتقل النبي ﷺ بالدعوة إلى المدينة أصبحت المدينة آنذاك عوضاً لهم عن مكة، وأصبحت العاصمة للعالم الإسلامي كله، يفد إليها الناس من مشارق الأرض ومغاربها؛ فكان لزاماً أن يبقى الدين كما كان على عهد رسول الله ﷺ ، حتى إذا أتى آتٍ من الآفاق وأراد أن يأخذ أحكام الدين وجدها نقية بعيدة عن أي الشوائب والعلائق. وهكذا كما قال ﷺ : (إن الناس لكم تبع، ستفتح الأمصار، ويأتي إليكم رجال يطلبون العلم، فأقرئوهم وعلموهم) . وقد اعتبر مالك ﵀ أن عمل أهل المدينة حجة، وقد استدل به على أعمال عديدة لم يأت بها نص من الكتاب ولا من السنة، ولكن يستدل بمجرد عمل أهل المدينة -أي: عمل علمائها- ويقول: إنهم يأخذون ذلك خلفاً عن سلف، ويأخذونه كابراً عن كابر. وقد جاء تطبيقاً لذلك أن أبا يوسف صاحب أبي حنيفة رحمهما الله لما جاء مع هارون الرشيد إلى المدينة ولقي مالكاً ﵀، تذاكرا العلم وتدارسا في المدينة، وسأل أبو يوسف مالكاً عن الصاع، فقال: الصاع عندنا خمسة أرطال وثلث، فقال أبو يوسف: بل هو عندنا ثمانية أرطال، فقال مالك لجلسائه: من كان عنده صاع يؤدي به زكاة الفطر على عهد رسول الله ﷺ فليأت به غداً، ومن الغد اجتمعت عند مالك ما يقارب خمسين صاعاً، وكلهم يخبر عن أبيه أو عن أمه عن جده عن جدته أنهم كانوا يخرجون به زكاة الفطر في عهد رسول الله ﷺ ، يقول أبو يوسف: فنظرتها فإذا بها كلها سواء، فأخذت واحداً منها وذهبت به إلى السوق، فعايرته بعدس الماش فإذا هو خمسة أرطال وثلث، فلما رجع إلى العراق قال لهم: أتيتكم بعلم جديد، قالوا: وما ذاك؟ قال: وجدت الصاع خمسة أرطال وثلث، قالوا: خالفت شيخ القوم -أي: أبا حنيفة ﵀ فقال: وجدت أمراً لم أجد له مدفعاً، أي: منقولاً عن ذاك العدد الكبير. فكان عمل أهل المدينة وما ينقلونه عن سلفهم حجة، وكان ذلك عملاً لـ مالك، وقد أحصي ما في موطأ مالك مما هو مسند لعمل أهل المدينة دون أن يورد عليه آية أو حديثاً أو قول صحابي أو خليفة فوجد أنه يزيد على ثلاثمائة وثلاث عشرة مسألة، وقد قورنت هذه المسائل مع ما عند الأئمة الثلاثة فما اختلفوا مع مالك إلا في مسألة واحدة انفرد بها ولم يوافقه غيره عليها، وأما بقية المسائل فقد شاركه فيها غيره، فقد يتفق معه إما الثلاثة أو اثنان أو واحد، فكان ذخيرة للمسلمين أوردها مالك في موطئه ليس عليها نص من آية أو حديث، ولا يتأتى لإمام غيره أن يحصل عليها؛ لأنه أخذها مباشرة عن أهل المدينة المعاصرين له، وهم أخذوها عن أسلافهم فيما قبل. إذاً: المدينة حرم آمن، وينبغي أن تظل بحرمتها إلى يوم القيامة، وقد حث النبي ﷺ على الحفاظ على تلك الحرمة، وحذر وزجر ونهى من إحداث البدع فيها أو إيواء محدث. ثم حث على الإقامة فيها، بل والموت فيها لمن استطاع، بل قال: (من استطاع أن يتخذ له أصلاً في المدينة فليفعل) أي: من سكن أو زراعة أو غير ذلك، وقال: (من مات بالمدينة كنت له شفيعاً أو شهيداً يوم القيامة) ، قالوا: (شهيداً) فيمن حضره، و (شفيعاً) فيمن كان بعده. ثم يذكر العلماء من الفضائل العديدة: أن أهل البقيع في المدينة أول من تنشق عنهم الأرض يوم القيامة بعد القبور الثلاثة المشرفة، وهكذا دعوته ﷺ بالبركة لأهل المدينة، ولأجل هذا ذكر المؤلف ﵀ حرم المدينة وحرمتها بجوار ذكره لحرم مكة وحرمتها، وقد أشرنا إلى أن أحكام حرم المدينة كأحكام حرم مكة سواء بسواء، إلا أنه ليس فيه جزاء كجزاء مكة، إلا ما جاء عن بعض المالكية أنه رأى في حرم المدينة جزاء كجزاء حرم مكة. وهناك حرم ثالث لا يطلق إلا بالقيد وهو: وادي وج، وهو وادٍ في الطائف، فيرى الإمام الشافعي ﵀ أنه يطلق عليه حرم ولكن بملازمة الإضافة، فيحرم صيده، وله أحكامه المعلومة.

стр. 1777

حدود حرم المدينة حدود حرم المدينة بحث قديم متجدد، وقد أطال العلماء البحث فيه، ولكن كل ما يطرأ من بحث حول حدود الحرم فإنما هو لتحقيق المناط ولتبيين المراد، وإلا فقد أجمع المسلمون على مسميات حدود الحرم، والمجمع عليه في ذلك قوله ﷺ : (ما بين لابتيها) واللابتان: الحرتان، واللابة: الحرة، أي: الحجارة السوداء، والمدينة محاطة باللابتين الشرقية والغربية، وهي في الحقيقة حرة واحدة لكن لها طرفان: طرف في المشرق وطرف في المغرب، وجنوب الحرة قد يمتد ويوغل في الامتداد حتى يصل إلى المهد أو يزيد أو ينقص، فهي مدورة حول المدينة. يقول النووي ﵀: إن الحد هنا داخل في المحدود، أي: أن اللابتين داخلتان في مسمى الحرم، والحرتان طرفان أو حدان للحرم شرقاً وغرباً، فالطرف الشرقي يمتد من وادي قناة وينزل إلى مسامتة ما يقرب من وسط جبل أحد، والطرف الغربي يمتد وينزل إلى قريب من طريق سلطانة إلى جبل أبي عبيد، وهو خلف المعهد المهني بقليل. أما من الشمال والجنوب فقد جاء في الصحيحين: (المدينة من عير إلى ثور) وجبل عير موجود في منطقة ذي الحليفة، ولم يختلف أحد من المؤرخين في موضعه، وإن خالف بعض من كتب في ذلك ونفى أن يكون بالمدينة جبل يقال له: عير، أو جبل يقال له: ثور، وحمل الحديث على تقدير المسافة بين عير وثور بمكة، ولكن التحقيق الذي عليه العلماء وتناقله الناس خلفاً عن سلف: أنه يوجد في المدينة جبلان: جبل عير، وجبل ثور، وعير يقع في الجهة الجنوبية الشرقية من ذي الحليفة، أي: من مسجد الميقات، وهو مشهور لأهل المدينة جميعاً، فهذا حد الحرم من الجنوب، أما حده من الشمال فهو جبل ثور، وقد اختلف في مسمى هذا الجبل حتى قال البعض -كما ذكرنا-: لا يوجد في المدينة جبل يسمى: جبل ثور، ولكن المحققين أثبتوا ذلك وتناقلوه خلفاً عن سلف، وحقق المطري في تاريخه للمدينة وجود هذا الجبل، وقال: قد حققته بالمشاهدة، وكبار السن الموجودون الآن في تلك المنطقة يتناقلون أخباره وهو الذي يسمى: جبل الدقاقات، وهو يقع شمال الخط الجديد الذي يمر به، وبينه وبين الخط مسافة ميل، ويقول المؤرخون: إنه يقع شمال جبل أحد إلى الغرب، وهو أحمر مدور، وهو فعلاً على ما قالوا، وهو حد الحرم من الشمال، ويؤيد ذلك ما جاء في بعض الروايات: (وجبل وعيرة) وجبل وعيرة: هو الجبل الذي بعد محطة الكهرباء الجديدة التي على خط المطار، وهو مسامت لجبل ثور من وراء أحد بالفعل. وعلى هذا: فإن حرم المدينة الذي يحرم فيه الصيد إنما هو ما بين هذه المعالم الأربعة: الحرتان من الشرق والغرب، وعير وثور من الشمال والجنوب، وقد جاء في حديث أبي ذر وحديث أبي هريرة في الصحيحين أنه ﷺ حدد ذلك بالمسافة: بريد في بريد، والبريد أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، والميل كيلو ونصف بالحساب الحديث، وعلى هذا يكون حدود الحرم إن اعتبرناه دائرة فيكون قطر الدائرة بريدان: بريد من الشرق وبريد من الغرب، وبريد من الشمال وبريد من الجنوب. وبعضهم يقول: إن حدود الحرم من الجنوب الشرقي من البيداء وذات الجيش، والبيداء: هي التي يصعد إليها الحاج من ذي الحليفة، وقد قدم معنا من أين أهل رسول الله ﷺ ، فمن قائل: أهل حينما سلم من صلاته في مصلاه، ومن قائل: أهل حينما استوت به راحلته، ومن قائل: أهل بالبيداء، والبيداء ملاصقة لذي الحليفة، وبقربها أيضاً ذات الجيش، ومن جهة الشمال الحفياء، والحفياء تمتد خلف جبل ثور إلى مسافة ليست بعيدة، وأحكم الأقوال في ذلك والمتفق عليه بلا نزاع هو: بريد في بريد في بريد.

стр. 1778

حكم قطع شجر حرم المدينة وقتل صيده وعلى هذا يتعين على كل مقيم بالمدينة أن يحفظ هذا الحرم بحدوده، ولا يقطع الشجر إلى لحاجة، ولا يختلي خلاه إلا لحاجة، ولا ينفر صيده ولا يقتله، وإن قتله فهو آثم، ولكن لا عقوبة عليه. والذين قالوا: لا عقوبة عليه، والذين قالوا: لا بأس بالصيد فيه - مع أنه مخالف للجمهور- استدلوا بقصة أبي عمير، وأبو عمير غلام لـ أبي طلحة كان النبي ﷺ يغشاه كثيراً، فمر به النبي ﷺ ذات يوم فوجد بيده طائراً يعرف عند أهل المدينة بالنغر، ولا يزال هذا الطائر موجوداً في البساتين إلى اليوم وله تغريد طيب في الصباح، فإذا به يلعب به، ثم ذهب ﷺ ، وفي عودته وجد الغلام يبكي والطائر ميت في يده، فقال (يا أبا عمير! ما فعل النغير؟) ، فقالوا: هذا صيد في يد الغلام، فلم يطلقه رسول الله ﷺ ، ولما رآه ميتاً لم يحمله ﷺ جزاءه ولا قيمته. وأجاب المانعون بأن هذا غلام، وليس على الغلام تكليف؛ فتركه ﷺ ، أو لعله أتى به من خارج الحرم، وهو في هذا خلاف حرم مكة؛ لأن من أدخل صيداً من الحل إلى حرم مكة أُجبر على إطلاقه، بخلاف المدينة.

стр. 1779

دعاء النبي ﷺ لأهل المدينة كدعاء إبراهيم ﵇ لأهل مكة يقول النبي ﷺ : (وإن إبراهيم دعا لأهل مكة) إبراهيم ﵇ دعا لأهل مكة بأدعية كثيرة، منها قوله: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة:١٢٦] وقوله: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنْ الثَّمَرَاتِ﴾ [إبراهيم:٣٧] ودعوة إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لا زال أثرها باقياً حتى اليوم، فقد أوجد الله حب القلوب وهفوها وميلها ورغبتها إلى مكة، سواء استطاع الشخص أن يأتي أو لم يستطع، فكل مسلم في مشارق الأرض ومغاربها تجده يهفو قلبه إلى مكة، وكيف لا وهو في كل يوم خمس مرات على الأقل يتوجه إليها في صلواته، وقبلته الكعبة التي هي شرف مكة كما هو معلوم. وقد قال الله : ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً﴾ [البقرة:١٢٥] ، فهو أمن لمن كان فيه، ومثابة للبعيد عنه، يأوي ويثوب إليه، أي: يرجع إليه، سواء يرجع إليه في لجوئه، أو يرجع إليه في هجرته، أو يرجع إليه في حجه وعمرته، أو يرجع إليه في صلواته كل يوم خمس مرات، فهذه بركة دعوة إبراهيم ﵇، قال: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة:١٢٦] يقولون: إنه توجد في مكة ثمرة الصيف في الشتاء، وثمرة الشتاء في الصيف، قال تعالى: ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص:٥٧] . وهذا خبيب رضي الله تعالى عنه لما أخذ أسيراً وبيع على أهل مكة لينتقموا منه لقتلى بدر، تقول المرأة التي حبس في بيتها: والله ما رأيت مثل خبيب، كنت والله أراه يأكل في يده قطف عنب، وما على وجه الأرض في ذلك الوقت من حبة عنب، أي أنه في غير أوانه، ولكنها كرامة لهذا الصحابي الشهيد الذي ضحى بنفسه، والذي أعلن مدى حبه للنبي ﷺ ووفائه وفدائه له حينما قدم ليضرب عنقه، فقيل له: أتود أن محمداً مكانك تضرب عنقه وتكون أنت آمناً في أهلك؟ قال: لا والله، ولا أن يصاب بشوكة في قدمه وأنا في أهلي. وهكذا كان فداؤه لرسول الله ﷺ وهو غائب من أن يشاك بشوكة في قدمه ويسلم من ضرب عنقه، ولذلك أكرمه الله في حال أسره أن جاءه بالعنب في غير وقت العنب وفي غير زمنه. ونحن الآن نجد كل ثمرات العالم يؤتى بها إلى مكة والمدينة؛ من الشمال ومن الجنوب ومن الشرق ومن الغرب، من آسيا ومن أوربا ومن أفريقيا؛ فكل الثمرات تجبى إلى مكة والمدينة. فيقول ﷺ : (إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها، وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة، وإني دعوت في صاعها ومدها بمثل ما دعا به إبراهيم لأهل مكة) ، وفي بعض الروايات: (ومثليه معه) وقد جاءت نصوص عديدة أنه ﷺ دعا لأهل المدينة بالبركة، وسيأتي الحديث الذي يبين تعلق البركة في دعواته ﷺ .

стр. 1780

شرح حديث: (المدينة حرام ما بين عير إلى ثور) قال المؤلف ﵀: [وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (المدينة حرام ما بين عير إلى ثور) رواه مسلم] . هذا اختصار من المؤلف رحمه الله تعالى لحديث علي رضي الله تعالى عنه، فقد جاء عن علي ﵁ أنه سئل: هل خصكم رسول الله ﷺ آل البيت بشيء؟ أي: هل خصكم بشيء دون الناس؟ فقال علي: لا والله، إلا رجلاً أعطاه الله فهماً في كتاب الله وما في هذه الصحيفة، قالوا: وما فيها؟ فأخرج سيفه وأخرج من غمده صحيفة مكتوب فيها: فكاك الأسير، ودية القتلى، وأنصباء الأموال في الزكاة، وهذا الأثر أنه ﷺ قال: (المدينة حرام من عير إلى ثور) ، وهذا نص من علي ﵁، والمؤلف أخذ المعنى فقال: عن علي رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: (المدينة حرام من عير إلى ثور) ، ثم قال: رواه مسلم، والتحقيق أنه متفق عليه، فقد جاء في صحيح البخاري: (المدينة حرم من عير إلى كذا) بالكناية، ولم يصرح بلفظ (ثور) ، فأخذ العلماء من ذلك أن كلمة (ثور) ليست في صحيح البخاري، وقال البعض: الأصل: (المدينة حرم من عير إلى أحد) ، ولكن هذا غير صحيح؛ فقد جاء في البخاري: (من عير إلى ثور) ولكنه لم يذكره في بيان حرم المدينة، إنما الذي ذكره البخاري قوله باب: حرم المدينة من عير إلى كذا، ولم يصرح ما هو كذا، ولكن في باب الفرائض ذكر البخاري ﵀: ما بين (عير) إلى (ثور) ، وصرح ﵀ بذكر (ثور) مقابل (عير) ، وهذا ما ينبغي التنبيه عليه؛ لأن ابن حجر ﵀ أغفل ذلك وقال: لم يأت عن البخاري إلا: (عير وكذا) بينما هو موجود بالتصريح بلفظ (ثور) مع (عير) في باب الفرائض، فيكون لفظ (ثور) متفق عليه وليس قاصراً على رواية مسلم. وبالله تعالى التوفيق.

стр. 1781

كتاب الحج - باب صفة الحج ودخول مكة [١] حج النبي ﷺ بعد هجرته إلى المدينة حجة واحدة، ولا خلاف بين أهل العلم في ذلك، وهي التي سميت بـ (حجة الوداع) لأنه ودع فيها الناس، وفي هذه الحجة بين النبي ﷺ للأمة مناسك الحج الذي هو الركن الخامس من أركان الإسلام، فبين في حجته تلك أنواع الحج، وأركانه، وشروطه، وواجباته، وسننه، وكذلك بين فيها مفسدات الحج، ومحظوراته، ومكروهاته، وبهذا التبيين كمل دين الإسلام، وتمت نعمة الله على العباد.

стр. 1782

شرح حديث جابر في صفة حج النبي ﷺ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد: قال المؤلف ﵀: [وعن جابر بن عبد الله ﵄: (أن رسول الله ﷺ حج فخرجنا معه، حتى إذا أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس، فقال: اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي، وصلى رسول الله ﷺ في المسجد، ثم ركب القصواء، حتى إذا استوت به على البيداء أهلّ بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك) ] . (صفة الحج ودخول مكة) يعنون العلماء في كتب الحديث لهذا الحديث بقولهم: حديث جابر في صفة حج النبي ﷺ ، وحديث جابر الذي صدّر به المؤلف الباب هنا هو أوسع وأشمل رواية لحج النبي ﷺ ؛ لأنه يرويها من بداية خروجه ﷺ من المدينة إلى نهاية الحج والعودة إلى المدينة. وقد عني كثير من العلماء بهذا الحديث، بل وكتب فيه بعض السلف رسائل مستقلة، وقد ذكر النووي ﵀ عن بعض السلف أنه استخرج منه ما يفوق المائة والخمسين قاعدة فقهية فيما يتعلق بالحج وبغيره، وجابر رضي الله تعالى عنه حدّث بذلك في الكوفة، حينما أتاه جماعة من التابعين وسألوه عن حجة رسول الله ﷺ . قال: (فعقد تسعاً) والعقد هو: نوع من الحساب بالأصابع، وهو هنا أن يضم أصابعه العشر وينصب إبهام إحدى الكفين، أي: عشراً إلا واحدة، قال: (مكث رسول الله ﷺ بالمدينة تسعاً) أي: تسع سنوات، وفي العاشرة أعلم الناس أنه حاج، فاجتمع إلى المدينة خلق كثير، كلٌ يريد أن يأخذ عن رسول الله ﷺ كيفية أعمال الحج، وسميت هذه صفة حجة النبي ﷺ ، أي: في الإسلام، وما حج ﷺ بعد البعثة إلا تلك الحجة.

стр. 1783

تسميات حجة النبي ﷺ وأسبابها وتسمى حجة الإسلام وحجة الوداع وحجة البلاغ. فسميت حجة الإسلام؛ لأنها هي الوحيدة التي أدى بها الفرض، وسميت حجة الوداع؛ لأنه ودع الناس فيها وقال: (لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا) ، وسميت حجة البلاغ؛ لأنه بلغ الناس في خطبه التي كانت في الحج وهي ثلاث أو أربع، بلغهم أصول الدين كله، وحقوق الإنسان مع أخيه، وحق الله سبحانه، وحق المرأة، وحق الملوك، وأشياء عديدة أوصاهم بها في تلك الخطبة.

стр. 1784

بيان أن النبي ﷺ حج قبل البعثة وقد حج ﷺ قبل البعثة، وكان في حجه ذلك مغايراً لما كان عليه أهل الجاهلية، وذلك أن أهل مكة كانوا يقولون: نحن الحمس، والحمس هم: خدَّام البيت، أو جيران البيت، أو سدنة البيت، فكانوا يقولون: نحن لا نخرج عن الحرم، وكانوا في يوم عرفة يقفون في المزدلفة ويقولون: لا نخرج عن حدود الحرم، ويقفون عند المشعر الحرام، وكان بقية العرب يذهبون إلى عرفات، فلما حج ﷺ قبل البعثة اجتاز المزدلفة ومضى ووقف مع الناس في عرفات، حتى قالوا: ما بال هذا الرجل وهو من الحمس؟ أي: كيف نقف مع عامة الناس؟ فلم يقف ﷺ مع قريش، وإنما ذهب ووقف مع عامة الناس واستمرت قريش على هذا إلى أن جاء الإسلام ونزل قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة:١٩٩] ، فتركت قريش موقفها بالمزدلفة وصارت تقف في عرفات حيث يقف الناس، ويفيضون من حيث يفيض الناس.

стр. 1785

عدد الذين حجوا مع النبي ﷺ وفي هذه الحجة التي يصفها جابر رضي الله تعالى عنه اجتمع فيها خلق كثير كما قال جابر: (كنت أنظر أمامي فلا يقطعهم البصر، وخلفي فلا يقطعهم البصر، وعن يميني وعن شمالي كذلك) قدر بعضهم ذلك بعشرة آلاف، وبعضهم بأربعين ألفاً وبعضهم أكثر، وبعضهم بأقل، ولكن جابراً قدر ذلك بمدى النظر، قال: (ورسول الله ﷺ بين أظهرنا ينزل عليه الوحي، وهو أعلم به، ويفعل ما يوحى إليه، ونحن نأخذ عنه) .

стр. 1786

سبب عناية العلماء بحديث جابر في صفة حج النبي ﷺ وهكذا عني العلماء بهذا الحديث؛ لما فيه من التفصيل للجزئيات في حجة النبي ﷺ ، وقد أشرت سابقاً أن ابن كثير ﵀ في كتابه التاريخ في وصف حجة النبي ﷺ في أحداث السنة العاشرة من الهجرة اعتمد حديث جابر، ثم أتى بجزئيات من الأحاديث الأخرى، والروايات المتنوعة في أماكن أخرى تتمم وتبين ما أجمل في حديث جابر؛ لأنه هو الأصل عنده، ويعتبر ما أورده جابر منسكاً كاملاً وافياً، ولهذا فنحن سنمشي مع المصنف في حديث جابر، وإن كان قد اختصره في بعض المواطن، واكتفى بما يلزم من الضروري منه، وأشمل سياق لحديث جابر هو ما ورد في صحيح مسلم، حيث جاء بكل جزئياته وبما لم يأت به المصنف هنا. وقوله: وعن جابر بن عبد الله ﵄: (أن رسول الله ﷺ حج فخرجنا معه) . يقول جابر رضي الله تعالى عنه: (إن الرسول ﷺ حج فخرجنا معه) هذا موجز لما تقدم من أنه أعلن للناس أنه حاج، بل أرسل إلى القبائل قبل الحج: (إني حاج هذه السنة، فمن أراد أن يحج معي فليوافني) ، فوافاه أناس بالمدينة، ووافاه أناس بالطريق، ووافاه أناس بمكة، كلٌ بما تيسر له بالنسبة لمقامه ومحل سكناه، فهو أعلمهم وبين لهم وواعدهم وهم توافدوا إليه.

стр. 1787

الأولى للحاج الذي طريقه قريب من المدينة أن يبدأ بالمدينة وقول جابر: (خرج رسول الله ﷺ حاجاً فخرجنا معه) هذه الصحبة الكريمة التي يقتفون فيها آثار النبي ﷺ ، ولهذا كثير من العلماء يقول: إذا كان للإنسان في حجه نية في الذهاب إلى المدينة وكان الطريق إلى المدينة أقرب فليبدأ بالمدينة؛ ليكون إهلاله وطريق حجه من حيث أهلّ وسلك رسول الله ﷺ ، وإن كان طريقه أقرب إلى مكة فليقدم الواجب الذي هو الركن وهو الحج، ثم بعد ذلك إن شاء ذهب إلى المدينة.

стр. 1788

حكم تلبيد الشعر للمحرم في حديث جابر وفي غيره: (خرج رسول الله) ، (حج رسول الله) يبين الترمذي وغيره أن النبي ﷺ قبل أن يخرج تجرد من ثيابه، واغتسل، وادهن، ولبد شعره، ولبس إزاره ورداءه، يقول بعضهم: لبد شعره ببعض الزيت، ويقول بعضهم: لبد شعره بالعسل، أي: ليجتمع الشعر ولا يتشعث مع الهواء، فيكون موضع الغبار والقذى ونحو ذلك، ثم خرج ﷺ ولم ينو ولم يلب.

стр. 1789

قصر الصلاة للمسافر يبدأ بعد خروجه من أطراف بلده بعد ذلك صلى النبي ﷺ الظهر في المسجد النبوي الشريف أربعاً، أي: أنه لم يشرع في قصر الصلاة من مكانه وإن كان على سفر طويل؛ لأن السنة في قصر الصلاة للمسافر أن شروعه في القصر يبدأ بعد أن يغادر أطراف القرية التي خرج منها، ويستدلون لذلك بكون علي رضي الله تعالى عنه حينما كان خارجاً من الكوفة في سفر صلى الظهر أو العصر أربعاً، فقيل له: ألسنا مسافرين، ألا نقصر الصلاة؟! قال: (لولا هذا الخصيِّص لقصرت الصلاة) . والخصيِّص تصغير الخص، وهو: عبارة عن عشة أو غرفة من الأعشاب والجريد وأغصان الشجر، فجعله علي رضي الله تعالى عنه تابعاً للقرية، ولا يقصر الإنسان الصلاة إلا بعد أن يغادر معالم القرية وتوابعها، وهكذا فعل هنا ﷺ . وبهذه المناسبة يرى بعض الناس أن المسافر بالطائرة إذا وصل إلى مطار المدينة النبوية مثلاً، فإنه يقصر، ويرى أنه خارج عن حدود المدينة، والواقع أن المطار اليوم يعتبر جزءاً وضاحية من المدينة النبوية؛ لاتصال البنيان أكثر المسافة، ولوجود الخدمات التي تمتد إليه من المدينة، من ماء وكهرباء وطرق وغير ذلك، فالأولى أن لا يقصر الإنسان في هذا المطار في أول سفره، والله تعالى أعلم. خرج النبي ﷺ بعد أن تجرد واغتسل وادهن، ولبس الإزار والرداء، وصلى الظهر بالمسجد النبوي أربعاً، فلما أتى ذا الحليفة جاء وقت العصر فصلاها ركعتين، وذا الحليفة هي التي تسمى عند العامة: آبار علي، والمسافة بينها وبين المدينة معروفة، وليس هناك اتصال عمراني متشابك من المدينة إليها. وفيها صلى النبي ﷺ العصر ركعتين، وبات كذلك بذي الحليفة، وكان معه نساؤه التسع، فطاف عليهن واغتسل عند كل واحدة منهن، ثم في ضحوة النهار اغتسل لإحرامه.

стр. 1790

متى يبدأ الإهلال والتلبية ؟ ثم بعد ذلك صلى الظهر وأحرم ولبى قيل من مجلسه الذي صلى فيه، وقيل: بعد أن انبعثت به راحلته، وقيل: حينما استوى على البيداء، كما في حديث جابر هنا: (أتى إلى ذي الحليفة، فلما أتى البيداء أهلّ) . والإهلال هو: رفع الصوت بالتلبية، وهو مأخوذ من الهلال، وهو القمر في أول ظهوره، لأنهم كانوا إذا أهل الشهر وطلع الهلال ورأوه رفعوا أصواتهم إعلاماً بوجود الهلال وبدخول الشهر الجديد، فصار الإهلال مأخوذاً من رفع الصوت بالتلبية، ثم صار يطلق على كل من رفع صوته، يقال: هلل أي: رفع صوته بما يتكلم به، فأهل بمعنى رفع صوته بالتلبية. وفي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها الذي في صفة الإحرام قالت: (منا من أهل بحج، ومنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة معاً) وفي بعض روايات حديث جابر هنا: يقول ﷺ : (أتاني آت البارحة -يعني: في الليل- وقال: صل بهذا الوادي المبارك) ولذا يقال له: الوادي العتيق، والوادي المبارك، وقد نزله كثير من أصحاب رسول الله ﷺ فصلى وبات فيه كما تقدم، ثم أهل ووبيص المسك يظهر في مفرق رأسه، كما جاء عن عائشة قالت: (كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت، قيل: بم كنت تطيبينه؟ قالت: بأطيب الطيب) ، وتقول: (وكنت أرى وبيص المسك في مفرق رأسه ﷺ بعد ثلاثة أيام) ، أي: بعد ثلاثة أيام من إحرامه.
следующие страницы →