Полный текст (2 523 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.
стр. 1891
مسألة في مشروعية رفع اليدين عند الدعاء على الإطلاق
ورفع اليدين كثر الكلام فيه، وحصل فيه النقاش والإساءة في المفاهمة بين الإخوان، وقد سمعت أن بعض الإخوان المنتسبين إلى طلبة العلم يقول: بعض الناس عند الدعاء يخشع ويبكي، وإذا سمع القرآن لا يتأثر، فنقول: هذا ليس بصحيح، بل القرآن أشد تأثيراً، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٣] ، لكن يا إخوان! لما قام الرسول ﷺ في غزوة بدر في العريش، هل قام يقرأ: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ.
﴾ [البقرة:١-٢] ، وهل قام يقرأ: ﴿يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس:١-٢] هل قام يقرأ كتاب الله أو قام يلتجئ ويتضرع إلى الله بالدعاء ويقول: (اللهم! أنجز لي ما وعدت، اللهم! إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض بعد) ؟ الجواب: كان اجتهاده في الدعاء، وكان رافعاً يديه مبالغاً في رفعهما، حتى إن رداءه كان يسقط من على كتفيه، فيقوم أبو بكر ويرد عليه الرداء ويقول: حنانيك يا رسول الله! بعض ذلك يكفي، إن الله منجز لك ما وعد، فاستكثر أبو بكر هذا، وأشفق على الرسول ﷺ .
إذاً: كل موطن له حالته، ولكل مقام مقال، ونحن حينما نقرأ القرآن الكريم إذا جئنا إلى قصة موسى ﵇ مع فرعون ووو فما هو الذي سيخشِّع ويبكِّي؟! فهو سرد تاريخي لقصة رسول مع عدوه، وأمثال هذا، لكن حينما تأتي الآيات التي فيها رقائق، والتي فيها وعد ووعيد، فهذا هو الذي يحرك الشعور ويحرك العاطفة، وربما تذرف منه العين، فقد جاء أن ابن مسعود قرأ على النبي من سورة النساء حتى بلغ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً﴾ [النساء:٤١] ، فقال له: أمسك، وذرفت عيناه؛ لأنه تذكر ذلك الموقف، وتذكر تلك الحالة، التي قال الله عنها: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ [عبس:٣٤-٣٥] وقال سبحانه: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ [الحج:٢] ، إذاً: البكاء يكون في مواطن، وليس في كل حالة.
والدعاء عبادة، كما قال ﷺ : (الدعاء مخ العبادة) وقال: (الدعاء هو العبادة) قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر:٦٠] فقال: (عن عبادتي) ولم يقل: عن دعائي، مع أن المذكور في أول الآية هو الدعاء، ولكن الله في هذا الأسلوب وضع العبادة موضع الدعاء ليبين أن العبادة والدعاء متساويان.
ومثل هذا قوله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ﴾ [آل عمران:٩٧] ولم يقل: (ومن لم يحج) وإنما قال: (ومن كفر) إذاً: من لم يحج وهو مستطيع تساوي: من كفر.
وعلى هذا يا إخوان! فإن الواجب على الإنسان أن يكون في حالة دعائه إلى ربه حاضر القلب، خاشعاً، متذللاً، ضارعاً إلى الله كما فعل ﷺ عند الملتزم، فنظر إليه عمر فإذا به يبكي، فقال: (أتبكي يا رسول الله؟! قال: نعم يا عمر! هاهنا تسكب العبرات) وهل كل مكان مثل الملتزم الذي عند باب الكعبة؟ الجواب: لا، ليس كل مكان مثله.
إذاً: الدعاء له أوقاته، ولهذا جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (أقرب ما يكون العبد إلى الله وهو ساجد، فاجتهدوا في الدعاء) ولهذا يحرم عليك أن تقرأ القرآن وأنت ساجد، وإنما تدعو وتجتهد في الدعاء.
والله تعالى أعلم.
стр. 1892
الحلق في النسك أفضل من التقصير
قال المؤلف ﵀: [وعنه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (اللهم! ارحم المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله! قال في الثالثة: والمقصرين) متفق عليه] .
فهذا الدعاء من النبي ﷺ بالرحمة للمحلقين، والمحلقون هم: الذين حلقوا شعور رءوسهم عند التحلل، والمقصرون هم: الذين قصروا بالمقص أو بالمكينة التي حدثت الآن، ولم يحلقوا بالموسى، والله ذكر الأمرين فقال: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح:٢٧] فنص على الأمرين، إذاً: كلا الأمرين مجزئ، ولكن تقديم الحلق في قوله تعالى: (مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ) يدل على أن الأفضل هو الحلق، وهنا كون المسألة فيها أفضلية يدل على أنها متقاربة، ودل على الأفضلية أنه ﷺ دعا للمحلقين مرتين، وهم يسألونه: يا رسول الله! والمقصرين، يعني: وادع للمقصرين، وهو يعرض عنهم ويقول: اللهم! ارحم المحلقين، وفي الثالثة قال: والمقصرين.
ومتى كان هذا الدعاء؟ الجواب: يختلف العلماء في وقته، فمنهم من يقول: كان في صلح الحديبية، ومنهم من يقول: كان في حجة الوداع، والنووي وغيره يرجح أنه كان في حجة الوداع، ولكن الذي يظهر أنه كان في عمرة الحديبية، وذلك أنهم سألوا: ما بال المحلقين يا رسول الله؟! -يعني: دعوت لهم ثلاث مرات أو مرتين- قال: (لم يشكوا في أي شيء) أي: عند أن أمرهم بالتحلل في عمرة الحديبية، فإنه لما منع المشركون المسلمين من أن يأتوا إلى البيت، وأن يطوفوا ويسعوا ويكملوا العمرة على وجهها، تم الصلح معهم وكتبت الصحيفة، وكان في الصلح خير كثير جداً، وقد سمى الله عمرة الحديبية فتحاً، وأنزل فيها سورة الفتح، فقال عمر: (أفتح هي يا رسول الله؟! قال: نعم، هي فتح) وقال ﷺ فيها: (والله! ما يطلبون مني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أجبتهم إليها) أي: مطلقاً، فانتزع الله -بفضله- من المشركين اعترافاً بالكيان الإسلامي، بينما الرسول سبق له وأن خرج من مكة مختفياً في الغار ليلاً، لكن وبعد ست سنوات يأتي إلى مكة بجيش، ويأتي معتمراً ويدخل عليهم عنوة، فجلسوا مع النبي ﷺ على مائدة المفاوضات، وهذه الجلسة على المفاوضة، وتوقيع المسلمين وتوقيع سهيل بن عمرو على الصحيفة يساوي اعترافاً من المشركين بالكيان الإسلامي الذي فاوضوه، يعني: أنهم اعترفوا بالأمة الإسلامية، وهذا يعد فتحاً عظيماً.
لما تم ذلك الصلح قال ﷺ لأصحابه: تحللوا، وانحروا الهدي، واحلقوا شعوركم: أي: أن العمرة قد انتهت، ولكن بعضهم قال: كيف انتهت ونحن لم نر الكعبة؟!! وكيف انتهت ونحن ما طفنا ولا سعينا؟!! لأن لهم مقاييس وللرسول ﷺ مقاييس أخرى، فتوانوا عن التحلل، فغضب ﷺ ، ودخل على زوجه أم سلمة، فقالت: ما لي أراك غاضباً، أغضب الله من أغضبك؟ قال: وما لي لا أغضب وأنا آمر الأمر فلا يؤتمر به، قالت: وما ذاك؟ قال: تصالحنا مع القوم، وانتهت العمرة، وأمرتهم أن ينحروا ويتحللوا فلم يتحلل أحد قالت -انظر الحكمة والروية والعقل-: أتحب أن يفعلوا ذلك؟ قال: نعم، قالت: لا عليك، خذ المدية، واخرج على الناس ولا تكلمن أحداً، واعمد إلى هديك فانحره، ثم ادع الحلاق واحلق شعرك، ثم الزم خيمتك، فإذا به ﷺ قد وجد حلاً عملياً يقطع على أولئك المتوانين مطامع الرجاء في حل آخر؛ لأنه إذا كان الرسول قد نحر وحلق، فما هو الذي بأيديهم بعد هذا، فلما رأوا رسول الله ﷺ قد نحر هديه بادروا إلى نحر هديهم، ودعوا الحلاق وكادوا يقتتلون على الحلاقة، وانتهت القضية، وفي هذا الظرف منهم من حلق، ومنهم من قصر، والذي حلق والذي قصر كلاهما امتثل، وكلاهما تحلل، ولكن الذي حلق شعره كان حلقه على يقين بالأمر (مائة في المائة) ، وأما الذي قصر فكأنه تحلل وهو يقدم رجلاً ويؤخر أخرى، وليس هو على الثقة وعلى اليقين الذي عليه الذي حلق شعره؛ لأن الذي حلق شعره متيقن وليس عنده شك.
إذاً: الأولى ترجيح أن ذلك الدعاء كان في عمرة الحديبية.
стр. 1893
حلق النبي ﷺ شعره في حجة الوداع وبعض ما يتعلق بذلك
والرسول ﷺ في حجة الوداع لما نحر بعض الهدي وأناب علياً في نحر الباقي، ودعا الحلاق ناوله أولاً الشق الأيمن فحلقه، ثم قال: خذ هذا الشعر وقسمه على الناس -على الحاضرين- ثم ناوله الشق الأيسر فحلقه، فقال: خذه أنت، وهنا بعض الناس قد يفكر ويسأل: لماذا يقسم الشعر عليهم؟ الجواب: لأن هناك مصلحتين: المصلحة الأولى: إكرام شعر رسول الله ﷺ أن يلقى على الأرض؛ لأنه إذا ما حصل إنسان على شعرات منه فإنه سيطويها ويحتفظ بها في أعز مكان عنده، وقد كان السلف رضوان الله عليهم من حصل على شيء من شعرات رسول الله يحتفظ بها، فـ خالد بن الوليد كان في قلنسوته التي يضعها على رأسه شعرات من شعر رسول الله، وأم سلمة كان عندها شعرات وضعتها في جلجل فضة، وكانت إذا جاء المحموم إليها ماصتها في الماء وسقته إياه فيعافيه الله، هذه مصلحة أولى وهي إكرام شعر رسول الله ﷺ أن يهان ويلقى على الأرض.
المصلحة الثانية: التبرك، فقد كانوا يتبركون ببصاقه ومخاطه ﷺ كما جاء في صلح الحديبية حينما قال عروة بن مسعود الثقفي: (والله! لقد دخلت على كسرى في ملكه وقيصر في ملكه، فما رأيت قوماً يعظمون ملكهم كتعظيم أصحاب محمد لمحمد، والله! ما تفل تفالة ولا تنخم نخامة إلا سقطت في كف أحدهم يدلك بها وجهه، ولا توضأ وضوءاً إلا اقتتلوا على مائه ليتمسحوا به) وأم أيمن لما شربت بوله ﷺ ، قال لها: (لا توجعك بطنك أبداً) ، وابن الزبير لما قال له ﷺ : (خذ هذا -أي: دم الحجامة- وغيبه عن الناس في مكان لا يراه أحد، فذهب بعيداً وشربه، ولما رجع قال له: ماذا فعلت؟ قال: شربته، قال: ويل للناس منك، وويل لك من الناس) أي: لأثر دم رسول الله الذي في جوفه.
وكانوا يأتون بالأطفال إليه ليحنكهم تلمساً لبركة يده ﷺ ، وأبو قتادة لما خرجت عينه في أحد ردها ومسح عليها بكفه فكانت أحسن عينيه، وأشياء كثيرة في هذا الموضع عملها أصحابها التماساً لبركة رسول الله ﷺ ، ونحن نقول: علم الله أننا لو أدركنا التراب الذي وطئه لاكتحلنا به في أعيننا، ولكن هل يتعدى هذا إلى غيره؟ الجواب: نقول: لا، بل هذا خاص برسول الله ﷺ ؛ لأننا لم نجد أصحابه فعلوا ذلك مع غيره، إذاً: هذه الأشياء قاصرة عليه؛ لأنه هو الذي اختص بمثل هذه الأمور.
وبهذا يتبين أن قوله: (اللهم ارحم المحلقين) أي: الدعاء للمحلقين كان في صلح الحديبية.
стр. 1894
القدر الذي يقصر من الشعر في النسك
وهنا يأتي بحث فقهي: الرسول ﷺ حلق شعره كله، وبدأ بالشق الأيمن ثم الشق الأيسر، وبإجماع المسلمين أن هذه الصفة هي أكمل الصفات، لكن لو أن إنساناً لم يحلق شعره كله، وأراد أن يقصر فكم يحلق من حجم رأسه، وكم يقصر من طول شعره؟ الجواب: أحمد ومالك يقولان: الواجب تقصير كامل الشعر، فإن حلق فليحلق الجميع، وإن قصر فليقصر الجميع، وأما أبو حنيفة ﵀ فيقول: يجزئ ربع الرأس حلقاً أو تقصيراً، وهذه المسألة هي مثل المسألة التي تبحث في مسح الرأس عند قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة:٦] فكم يمسح من الرأس في الوضوء؟ فيها خلاف، وهذه المسألة مثلها، والشافعية يقولون: كل ما صدق عليه حلق أو تقصير ولو ثلاث شعرات فإنه يجزئ، والنووي ﵀ يقول: وقد أفرط بعض منا -أي: من الشافعية- فقال: ولو قصر بعض شعرة لأجزأه، ثم قال: وكيف يأخذ بعض الشعرة، فإنه إذا أخذ من شعره بالمقص فسيأخذ كثيراً، فكيف يتمكن من قص شعرة دون غيرها؟ قالوا: إذا غطى الإنسان رأسه بالحناء، فطلعت شعرة من تحت الحناء وبرزت من فوق فجاء بالمقص وأخذ هذا الجزء البارز من الشعرة من فوق الحناء، فإنه يكون قد أخذ بعضها، قال: وهذا إفراط، أي: أنه لا ينبغي مثل هذا في النسك.
وعلى هذا نجد في المسألة عدة أقوال: فمنهم من قال: يحلق أو يقصر كل الرأس، ومنهم من قال: ربع الرأس، ومنهم من قال: ولو ثلاث شعرات، هذه أقوال الأئمة ﵏، ولا نملك أن نقول شيئاً في ذلك إلا أن السنة هي حلق أو تقصير جميع الرأس.
ثم إذا جئنا إلى حديث بيان فضل الحج: (جئنا نسألك، قال: إن شئتما أخبرتكما.
إلخ، وعن حلقك شعر رأسك فلك بكل شعرة حسنة ووضع سيئة ورفع درجة) إذاً: كتابة حسنة وإسقاط سيئة ورفع درجة كل هذا بشعرة واحدة، ثم بعد هذا نذهب ونأخذ شعرة، أو نأخذ ثلاث شعرات، أو نأخذ ربع الرأس! هذا فيه تفريط، بل لو استطعنا أن نأتي برأس آخر جنب الرأس الأصلي حتى نحلق شعراً أكثر لفعلنا، حتى يزداد الأجر.
стр. 1895
كيفية حلق رأس الأصلع في النسك
وأما الأصلع فيقولون: الأصلع يمر الموسى على رأسه، وإذا وجد شعر أزاله.
وهنا مسألة عند العلماء: إذا كان المحرم متمتعاً وعنده تحللان: تحلل للعمرة، وتحلل للحج، فهل الأفضل في حقه في تحلل العمرة أن يحلق أو أن يقصر؟ الجواب: بعض الناس إذا كان متمتعاً يحلق البعض ويترك الباقي إلى الحج، وهذا لا يجوز؛ لأن هذا يسمى قزعة الشيطان؛ لأن الإنسان حتى في الأيام العادية إما أن يحلق شعر رأسه كله أو يتركه كله، وأما أن يحلق بعضاً ويترك البعض فهذا يسمى (قزعة الشيطان) .
ويقول بعض العلماء في هذه المسألة: إن كان هناك وقت بين تحلل العمرة وتحلل الحج ينبت فيه الشعر بحيث يستطيع أن يحلقه في الحج فله أن يحلق في العمرة؛ لأنه يمكن أن يوجد الحلق في النسكين، وإذا كان الوقت قريباً، فإذا حلق في العمرة لا يجد ما يحلقه في الحج فيكتفي في العمرة بالتقصير، وإذا كان سيقصر من الشعر فكم يقصر؟ الجواب: يقولون: لا يقل عن قدر أنملة، فإذا كان إنسان عنده شعر طويل -خمسة سم مثلاً- فعليه أن يأخذ منه اثنين سم، ويشمل جميع جوانب الرأس بالقص، كما تقدم.
وأما المرأة فقد جاءت النصوص بأنه لا حلق عليها، وإنما عليها التقصير، وكيف تقصر؟ قالوا: تجمع شعر رأسها في كفها إلى أن يبقى قدر أنملتين أو أنملة وتقص من أطرافه، وعليها أن تعمم بالتقصير جميع الشعر، وبعضهم يتندر ويقول: إذا حلقت المرأة فهل يجزئها ذلك؟ الجواب: نقول: هذه مثلة، والمرأة لا تحلق شعرها، وما كن يحلقن إلا في المصائب، عياذاً بالله! إذاً: المرأة تقصر ولا تحلق.
стр. 1896
الترتيب في أعمال يوم النحر
قال المؤلف ﵀: [وعن عبد الله بن عمر بن العاص ﵄: (أن رسول الله ﷺ وقف في حجة الوداع، فجعلوا يسألونه، فقال رجل: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح؟ قال: اذبح ولا حرج، وجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي؟ قال: ارم ولا حرج، فما سئل يومئذٍ عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: افعل ولا حرج) متفق عليه] .
هذا الحديث من أجمع أحاديث الحج، وأيسرها على الحجاج، وفيه أنه ﷺ وقف يوم العيد فأخذوا يسألونه، هذا يقول: يا رسول الله! ما شعرت، يعني: نسياناً وسهواً لا عمداً، حلقت قبل أن أنحر، قال: انحر ولا حرج، والترتيب الطبيعي لأعمال هذا اليوم هي كالآتي: أولها: رمي جمرة العقبة، وثانيها: نحر الهدي، وثالثها: حلق الرأس، ورابعها: طواف الإفاضة.
أما رمي جمرة العقبة فإنها تحية منى، وهذا باتفاق، وأما النحر قبل الحلق فلقوله سبحانه: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة:١٩٦] ثم بعد الحلق النزول لطواف الإفاضة، هذا هو الترتيب الطبيعي، فإذا سها إنسان أو جهل وغيّر في هذا الترتيب فلا شيء عليه؛ لأن هذا السائل قال: ما شعرت حلقت قبل أن أنحر -مع أن النحر كان أول- فقال له النبي ﷺ : افعل ولا حرج، أي: ما دام أن هذا الشيء قد وقع، ونلاحظ أن الأسئلة هنا هي عن أمور قد وقعت بالفعل، وفرق بين كون الشيء وقع فعلاً وبين كونه سيقع، ولم يوجد أحد قال: أنا أريد أن أحلق قبل أن أنحر، وإنما كل من سأل كان يسأل أسئلة عملية واقعية، وما دام أن الأمر قد وقع فهل نرفع الواقع؟ الجواب: لا نرفعه، فما كان منه ﷺ إلا أن أجاز هذا العمل؛ التماساً لقوله: لم أشعر أي: أنا ناسٍ أو جاهل، فماذا أفعل؟ قال: (افعل ولا حرج) ، إذاً: أجاز المغايرة بين الرمي والحلق فقال: (افعل ولا حرج) ، وكذلك قال آخر: نحرت قبل أن أرمي، فقال له: (ارم ولا حرج) ، ثم يأتي الراوي بقضية وقاعدة عامة فقال: فما سئل عن شيء ذلك اليوم قدم أو أخر إلا قال: (افعل ولا حرج) ، وما هو الذي سيقدم أو يؤخر في ذلك اليوم؟ هو ما ذكرنا: الرمي والنحر والحلق والإفاضة، أيها قدم سهواً أو جهلاً أو نسياناً، فلا حرج في ذلك ولا شيء على من قدم أو أخر.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1897
كتاب الحج - باب صفة الحج ودخول مكة [١٠]
النساء شقائق الرجال، وكل ما شرع للرجل فهو مشروع للمرأة إلا ما جاء تخصيص المرأة به، ومن الأحكام التي تشمل الرجل والمرأة على حد سواء أحكام الحج، فالحج هو نصيب المرأة من الجهاد، وكل ما شرع للرجل في الحج فهو للمرأة كذلك إلا ما جاء استثناؤها فيه كاللباس والاضطباع والرمل والإسراع بين الصفا والمروة والحلق ونحو ذلك مما ينافي حشمة المرأة ووقارها وخلقتها التي خلقها الله عليها.
стр. 1898
النحر في النسك قبل الحلق
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، أما بعد: قال المؤلف ﵀: [وعن المسور بن مخرمة ﵁: (أن رسول الله ﷺ نحر قبل أن يحلق، وأمر أصحابه بذلك) رواه البخاري] .
يسوق المؤلف ﵀ حديث المسور بن مخرمة رضي الله تعالى عنه وفيه: (أن النبي ﷺ نحر قبل أن يحلق وأمر أصحابه بذلك) وكون النبي ﷺ نحر ثم حلق هل هذا الفعل المخبر عنه والذي أمر به الصحابة كان في صلح الحديبية أو كان في حجة الوداع؟ فيه خلاف، وأكثر العلماء على أن ذلك كان في صلح الحديبية.
وقد تقدم التنبيه على أن ترتيب أعمال يوم العيد تكون كالآتي: الرمي فالنحر فالحلق فالإفاضة، وما سئل ﷺ في ذلك اليوم عن شيء قدم أو أخر إلا وقال: (افعل ولا حرج) فإذا كان الأمر كذلك وأنه ما سئل عن شيء قدم أو أخر إلا قال: (افعل ولا حرج) ، فلماذا يأتي المؤلف بعد ذلك بهذا الحديث الذي فيه: (أن الرسول ﷺ نحر قبل أن يحلق، وأمر أصحابه بذلك) ؟ فإن كونه فعل هذا الفعل المرتب وأمر أصحابه به يغاير قوله: (افعل ولا حرج) ؛ لأنه هناك قدم هذا وأخر ذاك، وأخر هذا وقدم ذاك فقال لكل من سأله: (افعل ولا حرج) ، وظاهر هذا وجوب الترتيب، وهنا: فعل وأمر فكيف يكون الجمع بين الحديثين؟ الجواب: يقول العلماء: إن هذا الترتيب وهو تقديم النحر على الحلق كان في صلح الحديبية، وهذا شأن المحصر عن الحج، وسيأتي للمؤلف: (باب الإحصار) ، والإحصار هو: المنع، وسواء كان الإحصار بعدو أو كان بمرض، على ما سيأتي تفصيله إن شاء الله، فيقول العلماء: إن قوله: (افعل ولا حرج) هذا في الحج، حينما يقع النسيان أو السهو أو الجهالة، أما في الإحصار فيتعين أن ينحر أولاً ثم يحلق ثانياً، وليس فيه: (افعل ولا حرج) .
إذاً: سوق المؤلف لهذا الحديث الذي فيه الترتيب في تقديم النحر وتأخير الحلق مغاير لما تقدم من قوله: (افعل ولا حرج) فقال العلماء: الجمع بين هذا وذاك: أن (افعل ولا حرج) مع العذر بالنسيان أو الجهالة هذا في الحج، وأما الترتيب فيكون في حالة الإحصار، والله تعالى أعلم.
وقد قدمنا قضية الدعاء للمحلقين عند قوله ﷺ : (اللهم! ارحم المحلقين -ثلاثاً-) وبينا أن ذلك اختلف فيه أيضاً: هل كان ذلك الدعاء في صلح الحديبية أو كان في حجة الوداع؟ وبينا أنه في صلح الحديبية، وأن السبب في ذلك والمرجح لكونه في صلح الحديبية أنه أمرهم فتوانوا في العمل، فدخل خيمته وهو مغضب، فقالت له أم المؤمنين أم سلمة رضي الله تعالى عنها: (لا عليك، خذ المدية واخرج ولا تكلمن أحداً، واعمد إلى هديك فانحره، ثم ادع الحلاق فاحلق) يعني: أنه نحر أولاً، ثم حلق ثانياً، ثم أمر أصحابه بذلك.
إذاً: هذا الحديث إنما يتعلق بحالة الإحصار، والإحصار سيأتي له باب مستقل.
стр. 1899
التحلل من الإحرام
قال المؤلف ﵀: [وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (إذا رميتم وحلقتم فقد حلّ لكم الطيب وكل شيء إلا النساء) رواه أحمد وأبو داود وفي إسناده ضعف] .
стр. 1900
متى يكون التحلل كاملاً ومتى يكون ناقصاً ؟
هذا الحديث يبين لنا متى يتحلل المحرم من إحرامه، يقول ﷺ : (إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب وكل شيء إلا النساء) يقول الفقهاء: التحلل الكامل يكون بفعل ثلاثة أشياء، والتحلل الناقص -أي: التحلل الأصغر كما يسمونه- يكون بفعل اثنين من ثلاثة، وهذه الثلاثة هي: الرمي والحلق والطواف، فهذه الأمور الثلاثة إذا فعلها الإنسان في يوم النحر ولو أخر النحر؛ لأن أيام التشريق كلها أيام نحر، فإذا رمى الجمرة، وحلق شعره، وطاف بالبيت فقد تحلل التحلل كله، وحلّ له ما كان ممنوعاً عليه بالإحرام وجميع ما كان محظوراً عليه، وهذا التحلل لا يشمل الصيد بمكة؛ لأن تحريم صيد مكة هو لحرمة مكة سواءً كان حاجاً أو غير حاج، وأما الصيد في الخلاء فتحريمه خاص بالمحرم، فلو خرج الإنسان إلى خارج حدود مكة ولم يكن محرماً وصاد فلا شيء عليه.
إذاً: التحلل الأكبر من كل شيء يكون بفعل ثلاثة أشياء، والتحلل الأصغر بفعل اثنين من هذه الثلاثة.
وهنا ذكر الرمي والحلق، فلو أنه رمى ولم يحلق ونزل إلى مكة وطاف طواف الإفاضة فكذلك حلّ له ما جاء في هذا الحديث: (كل شيء إلا النساء) وهنا في هذا الحديث ذكر الطيب، وهذا يؤيد حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه حين يحرم، ولإحلاله حينما يحل) ، قالوا: كيف تطيبه وهو لم يكتمل له التحلل الأكبر؟! لأن كثيراً من الفقهاء يلحق الطيب بالنساء؛ لأن الطيب من شأنه أن يثير الغريزة إلى النساء؟ فقالوا: منع المحرم من الطيب حتى لا تكون هناك عوامل إثارة، وإلا فإن الطيب شيء طيب، ومقبول للنفس، لكن لما كان له هذا الأثر، والمحرم محرم عليه النساء فكان تحريمه سداً للذريعة ومنعاً للإثارة، ولكن هنا يقول ﷺ : (فقد حلّ له الطيب وكل شيء إلا النساء) .
إذاً: لا يحق للمحرم أن يمس النساء إلا إذا تحلل التحلل الأكبر وفعل الأمور الثلاثة، وعلى هذا إن فعل اثنين من ثلاثة فقد تحلل التحلل الأصغر، وإن فعل الثلاثة كاملة فهو التحلل الأكبر، وأما الحديث الذي عند أبي داود وفيه: (من لم يطف ذلك اليوم رجع كما كان) فهذا الحديث يرد عليه؛ لأنه إذا رمى وحلق فقد حل له كل شيء إلا النساء، ولم يحدد هذا التحلل بزمن من الأزمنة سواءً طاف في ذلك اليوم أو لم يطف، فإذا رمى وحلق وأخر الطواف إلى أن ينتهي من أيام منى فلا مانع في ذلك، فإن له أن يرمي ويحلق ويجلس أيام التشريق كلها في منى ولا ينزل إلى مكة، إذا كان يريد أن ينزل ويطوف طواف الإفاضة ويسافر، فهذا يجزئه حتى عن طواف الوداع، وعلى هذا فتأخير طواف الإفاضة لا يمنعه من أن يتحلل التحلل الأصغر، والتحلل الأصغر هنا سيتحقق في لبس الثياب، ومس الطيب، وتقليم الأظافر، وأما ما عدا ذلك كأمر النساء فهو ممنوع منه، وكذلك الصيد ممنوع منه في مكة.
والله تعالى أعلم.
стр. 1901
حكم الحلق والتقصير بالنسبة للمرأة
قال المؤلف ﵀: [وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (ليس على النساء حلق، وإنما يقصرن) رواه أبو داود بإسناد حسن] .
تقدمت مباحث الحلق والتقصير، والمفاضلة بينهما، والقدر المجزئ في الحلق أو في التقصير، وهذا بصفة عامة، والمرأة هي شريكة الرجل في الحج، من أول كل شيء فيه إلى آخره، ما عدا ما استثنيت منه كنوعية اللباس والرمل والسعي -أي: الإسراع- فهي لا ترمل ولا تسرع بين الصفا والمروة؛ لأن هذا يخرجها عن وقارها وما يجب الحفاظ عليه من عفتها وسترها، وما عدا ذلك فهي مثل الرجل، إن تمتعت وإن أفردت وإن قرنت بين الحج والعمرة، فعدد طوافها، وعدد سعيها، وعدد حصيات رميها ومقدار الفدية، كل ذلك تستوي فيه مع الرجل، وكذلك في التحلل فإن رمت وقصرت من شعرها فقد تحللت التحلل الأصغر، وإن طافت فقد تحللت التحلل الأكبر، وإذا كان زوجها معها فقد أصبحا معاً حلالاً.
وهنا جاء بهذا الحديث وفيه: أنه ليس على النساء حلق؛ لأن الحلق في حق النساء مثلة، عياذاً بالله! وإنما عليهن التقصير.
إذاً قوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح:٢٧] تنطبق على الرجال (محلقين) وعلى الرجال والنساء (مقصرين) لأن الرجال كذلك يحلقون ويقصرون.
стр. 1902
مقدار الشعر الذي تأخذه المرأة من رأسها في النسك
قال العلماء: إنها تأخذ من طرف شعرها قدر الأنملة، فلا تذهب تقص نصف الشعر أو أكثر، وإنما مطلق التقصير، قالوا: بقدر الأنملة من أطراف شعر رأسها، فإذا كانت ذات ظفيرة تأخذ طرف الظفيرة وتقص من طرفها قدر الأنملة، وإذا كانت بغير ظفيرة فتجمع شعرها في كفها وتأخذ قدر الأنملة من أطرافه، وأما الحلق فلا يجوز لها.
وقد أشرنا إلى أن بعض العلماء يورد نقاشاً في هذا ويقول: لو حلقت المرأة مثل الرجل فهل هذا يجزئها؟ الجواب: لا يجوز لها الحلق، فإذا تجاوزت وفعلت فأنا أقول: إنها تكون آثمة؛ لأن هذا بالنسبة للمرأة مثلة ولا يجوز ذلك.
стр. 1903
الإذن بالمبيت في مكة ليالي منى لأهل السقاية
قال المؤلف ﵀: [وعن ابن عمر ﵄ (أن العباس بن عبد المطلب استأذن رسول الله ﷺ أن يبيت في مكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له) متفق عليه] .
السقاية كانت من خصائص العباس، والرفادة كانت خصائص تختص بها بعض قبائل قريش، فكان العباس رضي الله تعالى عنه من أصحاب السقاية، والسقاية هي: أنهم كانوا يجمعون الماء -ماء زمزم- في أحواض كبيرة من الحجر المنحوت، وكانوا يجمعون طوال السنة من الزبيب ومن التمر ما يضعونه في هذا الماء الذي يجعلونه في تلك الأحواض قبل الشرب بزمن -بست ساعات أو بعشر ساعات، أو باثنتي عشرة ساعة، أو بأربع وعشرين ساعة، ما لم يتغير ويصير نبيذاً- وكان هذا يعطي ماء زمزم نوعاً من الحلاوة؛ لأن بعض الناس ربما كان ماء زمزم فيه ملوحة عنده أو فيه ثقل عليه، أو أن هذا نوع من إكرام الحجيج عندهم، فكانوا يتكلفون ذلك، واستمرت سقاية العباس على الماء والتمر والزبيب، وكان بعض المتبرعين الآخرين لهم سقايات تبرعوا بها، وربما وضعوا العسل في الماء، وربما جاءوا باللبن، فسأل رجل الفضل بن العباس وقال: ما بال الناس يضعون في الماء العسل واللبن، وأنتم تضعون التمر والزبيب أمن قلة عندكم أم من بخل؟ فقال: والله! يا ابن أخي! ليس هذا من قلة عندنا ولا من بخل، ولكن أتانا رسول الله ﷺ مردفاً أسامة بن زيد وقال: (اسقوني، فقال العباس للفضل: اذهب وائت لرسول الله بماء من عند أمك، فقال: اسقوني من هذا الذي يشرب منه الناس، فقال: يا رسول الله! إن هذا يضعون أيديهم فيه وهم كذا -أي: نأتي لك بماء نظيف من عند أم الفضل - فقال: اسقوني مما يشرب منه الناس، فسقاه مما يشرب منه الناس) وجاء في بعض الروايات الأخرى أنه أتى إلى بئر زمزم وقال: (امتحوا، لولا أن يغلبكم الناس لوضعت هذا على عاتقي -يعني: حبل الدلو- ومتحت معكم) ولو فعل هذا لكان كل إنسان يريد أن يفعل مثلما فعل الرسول، وكم هي الدلاء التي ستكفي الناس على هذا؟! فسحبوا له بالدلو وأعطوه الدلو فشرب منه، وهناك جاء أن العباس سقاه مما يشرب الناس من تلك الأحواض.
إذاً: السقاية كانت من زمزم، وكان الأصل فيها للعباس، وكان يحلي ماء زمزم بالزبيب وبالتمر الذي كان يجمعه طوال العام، وكان آخرون ربما وضعوا مع زمزم العسل أو اللبن، أو يسقون اللبن خالصاً في ذلك اليوم، وكل ذلك كانوا يفعلونه إكراماً وتوسعة على الحجيج.
وحينما ينزل الناس لطواف الإفاضة كان بعضهم ربما ينزل في الليل، فكانت السقاية تحتاج إلى عمل مستمر، فإذا بات العباس في منى ربما تعطل عمل السقاية، فاستأذن رسول الله ﷺ أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل عمل السقاية، فأذن له ﷺ .
وهنا بحث للعلماء: هل من عمل سقايةً في مكة، مثل أن يأتي بالشراب، كشراب التوت أو شراب المانجو، أو جعل سقايةً كبيرةً ليسقي الناس منها، فهل له ذلك؟ الجواب: قالوا: إنه لا مانع من ذلك، فإذا وسع الله على إنسان وأخذ برميلاً كبيراً ووضعه في مكة حول زمزم، وكلما ينتهي برميل يأتي ببرميل آخر فيجوز له ذلك.
ونحن نرى الآن أنهم يوزعون الخبز ويوزعون الماء ويوزعون أشياء كثيرة، فلو أن إنساناً فعل ذلك خدمة للحجاج، أيحق له أن يستأذن في المبيت بمكة ليالي منى؟ وهل يؤذن له؟ وإذا بات بمكة تلك الليالي فهل يسقط عنه وجوب المبيت؟ الجواب: هناك من يقول: لا مانع قياساً على العباس، وهناك من يقول: لا يجوز؛ لأن هذه كانت وراثةً اختص بها العباس، وليس لأحد أن يستأذن بعد ذلك، ولكن أعتقد أن في هذا تحجيراً، وقد أشرنا إلى أنه يجوز لكل من كان له عمل في خدمة الحجاج بصفة عامة، كالطبيب الذي يعمل في المستشفى في مكة، أو الفران الذي يخبز الخبز في مكة ويهيئه ويرسله إلى أهل منى، أو من نزل بمكة كأصحاب الكهرباء، وأصحاب المياه، والطوارئ، والأعمال العامة التي يحتاجها الحجاج في مكة، فلو أن صاحب هذا العمل ترخص وبات بمكة من أجل العمل الذي يخص الحجاج فنقول له: لا بأس؛ لأنها خدمة عامة، ولم ينزل لخدمته الخاصة.
ويقولون: إن ابن عمر استأذنه رجل من أجل مال له بمكة؛ لأنهم كانوا يأتون للحج وللتجارة أيضاً، وكانت المزدلفة سوقاً، وكان هناك سوق عكاظ ومجنة، وكانوا يأتون من الشحر وعمان ومن غيرهما ليتاجروا، وكل هذه كانت أسواقاً للعرب، وإلى عهد قريب كان في منى شارع اسمه (سوق العرب) وهذه الأسواق كانت في الجاهلية، وكانوا يأتون بتجارات إلى الحج، فرجل قال لـ ابن عمر: أنا عندي مال بمكة، قال له: السنة المبيت بمنى، ولم يأذن له، فهنا نقول: لم يأذن له لإنها مصلحة خاصة به في تجارته، وأما إذا كانت في خدمة الحجاج فلا بأس في ذلك، والله تعالى أعلم.
стр. 1904
الإذن بالمبيت خارج منى ليالي منى لرعاة الإبل
قال المؤلف ﵀: [وعن عاصم بن عدي (أن رسول الله ﷺ رخص لرعاء الإبل في البيتوتة عن منى، يرمون يوم النحر، ثم يرمون الغد ومن بعد الغد ليومين، ثم يرمون يوم النفر) رواه الخمسة، وصححه الترمذي وابن حبان] .
نحن نعلم جميعاً أن الوسيلة الخاصة التي كانت للنقل هي الإبل، حتى الخيل لم تكن تصلح للأسفار؛ لأن الخيل نفسها ومداها قريب، وأما الإبل فمعها سقاؤها وخزانها في جوفها، ويمكن أن تصبر عن الماء أربعة أيام؛ لأنها تحمل ماءها في جوفها، وخالد بن الوليد لما قطع المفازة من العراق إلى الشام، أخذ بعض الإبل العجاف وعطشها ثلاثة أيام، ورواها بالماء، ثم ربط على أفواهها حتى لا تجتر، وكانوا في المفازة إذا احتاجوا الماء نحروا تلك الإبل العجاف، وأخذوا الماء الذي في جوفها وسقوا به الإبل والخيل الأخرى، يفعلون هذا لعدم وجود ماء في المفازة، ثم يأكلون لحمها، فالإبل كما يقولون: (سفينة الصحراء) فهؤلاء الحجاج كم من الإبل التي يأتون بها إلى الحج؟ كل واحد على بعير، أو كل اثنين على بعير، فضلاً عن أن تحمل بعضها الضعائن في هوادجها، فإذا حصل هذا العدد الكثير من الإبل، وكل إبل عليه هودج، فأين المساحة التي تأخذ هذا العدد كله؟ فهي تحتاج إلى حيز، ولذا فإن الرسول ﷺ من أجل أن لا تزدحم منى بالإبل وهوادجها، قال للرعاة: خذوها واذهبوا بها بعيداً عن منازل الناس؛ وهذا لمصلحتين: الأولى: أن الإبل تجد في الخلاء مرعىً ترعاه، الثانية: أن منى يخف الزحام فيها من الإبل ومن حمولاتها، كما يعملون الآن من حجز السيارات الصغيرة لئلا تزحم الناس في منى، وحتى يخففوا كثيراً من الأزمة، إذاً: هذا تنظيم من النبي ﷺ -كما يقال- لحركة المرور، من أجل كثافة السكان، ولكن الذي يهمنا: أن هؤلاء الرعاة كانوا رعاة وكانوا محرمين، لأنهم يرمون، والذي يرمي معنى ذلك أنه حاج، إذاً: لا مانع من كون الحاج يزاول عملاً، سواءً كان رعاية الإبل، وسواءً كانت قيادة السيارة، وسواءً كانت قيادة الطائرة، أو أي عمل يزاوله فلا مانع من ذلك، وكذلك له أن يبيع ويشتري ويصنع، وإذا كان الحجاج يأتون بهذه الأعداد الهائلة من الإبل فهم أصناف شتى، فمنهم من يصنع طعامه، ومنهم من هو كسلان أو تعبان لا يقدر أن يعمل طعاماً فإذا وجد من يبيع الطعام في القافلة فسيشتري؛ لأنه لا مانع من أن يحرم للحج وأن يعمل في سفره وفي طريقه إلى الحج، قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة:١٩٨] .
وإنما الخلاف فيما إذا كان إنما حج ليتجر، أو اتجر ليحج، فإذا كان اتجر ليحج أي: ليربح ويستعين بربح تجارته على مصاريف الحج فلا مانع في ذلك، وأما إذا حج من أجل أن يحصل على الربح فقط فهذه ناحية ثانية، إذاً: الرعاة هم عمال يرعون الإبل، ويقودونها وقت السفر، فأذن لهم ﷺ أن يرحلوا بإبلهم إلى خارج منى؛ لترعى من عشب الأرض ونباتها، ولتتسع أرض منى للحجاج.
стр. 1905
كيفية الرمي عن الأيام الثلاثة لأهل الأعذار الذين يبيتون خارج منى
وأما الترتيب في الرمي فإنهم يرمون جمرة العقبة أول ما يصلوا إلى منى؛ لأنهم سينزلون مع الحجاج من عرفة إلى المزدلفة ومنها إلى منى، ثم يفترقون عن الحجاج بعد رمي جمرة العقبة، فإذا رموا جمرة العقبة مع الناس فحينئذٍ يذهبون، وسيكون أمامهم أول يوم من أيام التشريق الذي هو ثاني أيام العيد، وثاني أيام التشريق الذي هو ثالث أيام العيد، وثالث أيام التشريق الذي هو رابع أيام العيد، فهم يرمون جمرة العقبة في يوم العيد، ثم يذهبون، وفي أول أيام التشريق لا يأتون، ثم يأتون ثالث أيام العيد بأشخاصهم، فيرمون عن اليومين: عن ثاني أيام العيد الذي هو أول أيام التشريق، يرمون الأولى فالوسطى فالكبرى، ثم يرجعون فيرمون عن اليوم الثاني من أيام التشريق الذي هو ثالث أيام العيد الأولى فالوسطى فالكبرى، ثم يرجعون إلى إبلهم ويأتون بها في ثالث أيام التشريق من أجل أن يرحل الحجاج عليها، ويرمون في ثالث أيام التشريق عن اليوم نفسه، يعني: أنهم يغيبون يوم التشريق الأول، ويأتون في يوم التشريق الثاني ليرموا عن أمسهم وعن يومهم الحاضر، ثم يذهبون إلى إبلهم فيبيتون عندها، ومن الغد يأتون بالإبل من أجل رحيل الحجاج ويرمون عن هذا اليوم الأخير، وهذا لمن تأخر في النفر، وأما من كان يريد أن يتعجل فإنه ينزل بإبله في اليوم الثاني ويرمي عن اليوم الأول والثاني، ويتوكل على الله ويذهب.
وهكذا كل من ترخص وكان في الخدمة العامة فإنه يأتي للرمي ويسمح له في عدم المبيت بمنى، وليس عليه فداء؛ لأن الرسول ﷺ لم يأمر العباس ولم يأمر الرعاة بأن يكفِّروا أو أن يفدوا أو أن يجبروا عدم مبيتهم بمنى حينما أذن لهم، والله تعالى أعلم.
стр. 1906
خطبة النبي ﷺ في يوم النحر
قال المؤلف ﵀: [وعن أبي بكرة ﵁ قال: (خطبنا رسول الله ﷺ يوم النحر) الحديث.
متفق عليه] .
أبو بَكْرَة أو أبو بَكَرَةَ، هذا الصحابي من أهل الطائف، ولما حاصر النبي ﷺ أهل الطائف تدلى إليه هذا الصحابي ﵁، فقيل: جاء بحبل وبَكَرَة ونصبهما على السور ونزل بالحبل مع البَكَرَة، ولهذا يقال له: أبو بَكَرَة، وقيل: كانت بَكْرَة -وهي: أنثى الإبل- واقفةً بجوار السور، فتدلى من على السور على ظهر البكرة ثم نزل إلى الأرض، ومن هنا قيل له: أبو بَكْرَة، وأصبحت هذه كنيته.
قال: (إن رسول الله ﷺ خطبنا يوم النحر) ، يريد المؤلف أن يبين بإيراده هذا الحديث أن الرسول خطب في يوم النحر؛ لأن هناك من الأئمة من يختلفون في عدد خطب الحج التي خطبها ﷺ ، فالمتفق عليها خطبتان: الأولى: أنه خطب في يوم سابع ذي الحجة وبين للحجاج ما يلزمهم عمله في غدهم أي: في يوم التروية، فبين لهم أنهم سيخرجون من الغد (يوم التروية) قبل الزوال إلى منى، وكان يسمى يوم التروية؛ لأنهم كانوا يأتون بالقرب فيملئونها، وقد كانوا قبل هذا اليوم يشربون من الماء الحاضر والقرب فارغة، فإذا جاء هذا اليوم فإنهم من الصباح يضعون القرب في الماء، حتى تلين ثم يملئونها بالماء ويصحبونها معهم في صعودهم إلى منى، فسمي لذلك هذا اليوم يوم التروية، فبين لهم أنهم سيذهبون إلى منى قبل الزوال، ويصلون الفروض الخمسة بمنى، ثم يخرجون من منى صبيحة يوم عرفة بعد طلوع الشمس إلى آخره، هذه أول خطبة.
الخطبة الثانية: خطبة يوم عرفة، وهاتان الخطبتان وقع عليهما الإجماع.
وبعد هذا يأتي الخلاف في خطبتين: خطبة يوم النحر، وخطبة ثاني أيام العيد الذي هو أول أيام التشريق، فهاتان حصل فيهما الخلاف، والجمهور على أن الخطبة التي ذكرها أبو بكرة هنا كانت في يوم العيد، وإلى هذا أشار المؤلف، ومنهم من يقول: إنها كانت في ثاني أيام العيد، وهناك من يقول: إنه خطب في اليومين، وهو مذهب الشافعي، وعلى هذا تكون الخطب أربع، أي: أنه خطب في يوم السابع، وفي يوم عرفة، وفي يوم العيد، وفي أول أيام التشريق، وهناك من يقول: الخطب ثلاث، ثم يختلفون في الثالثة هل كانت في يوم العيد، أو في أول أيام التشريق؟ إذاً: الخطب المتفق عليها في الحج هي: خطبة يوم سابع ذي الحجة، وخطبة يوم عرفة، وخطبة أحد اليومين: يوم العيد أو ثاني أيام العيد، فهذه ثلاث متفق على أنه خطبها، وإنما اختلف في موقع الثالثة، ولذا يقول الشافعي: خطب في اليومين يوم العيد وأول أيام التشريق، وعلى هذا فالخطب عند الشافعي أربع، وعند الجمهور ثلاث.
والله تعالى أعلم.
стр. 1907
خطبة النبي ﷺ في يوم الرءوس (أول أيام التشريق)
ِقال المؤلف ﵀: [وعن سراء بنت نبهان ﵂ قالت: (خطبنا رسول الله ﷺ يوم الرءوس، فقال: أليس هذا أوسط أيام التشريق؟ .
الحديث) رواه أبو داود بإسناد جيد] .
تقدم حديث أبي بكرة: (خطبنا رسول الله ﷺ يوم النحر) ويوم النحر هو يوم العيد، وهنا تقول سراء: (خطبنا رسول الله ﷺ يوم الرءوس) ومعنى الرءوس: أنهم كانوا في يوم النحر ينحرون الهدي والأضحية، فيأكلون منها لحماً طرياً، وفي الغد يرجعون على الرءوس، فالرءوس كانوا يتركونها في يوم العيد؛ لأنهم ليس لهم بها حاجة، ولما ينتهي لحم الضحايا والهدي يرجعون إلى رءوس ذبائحهم فيأكلونها، فسمي اليوم الثاني من أيام العيد وهو اليوم الأول من أيام التشريق يوم الرءوس.
إذاً: أبو بكرة أثبت خطبة في يوم النحر، وهذه الصحابية أثبتت خطبة في ثاني أيام النحر وهو أول أيام التشريق، إذاً: ثبت عندنا الآن خطبتان: خطبة في يوم النحر، وخطبة في يوم الرءوس، وأما خطبة سابع ذي الحجة، وخطبة يوم عرفة فهما مجمع عليهما عند الجميع، وإنما الخلاف في الخطبة الثالثة هل كانت في يوم العيد أو في أول أيام التشريق؟ وهنا ساق الأمرين، وعلى هذا تكون الخطب أربع.
قوله: (أليس هذا أوسط أيام التشريق؟!) يقولون: الأوسط بمعنى الأفضل؛ لأن هذا هو أول أيام التشريق، أو أن هذا على اعتبار أن يوم العيد من أيام التشريق وأنهم كانوا يشرقون اللحم وينشرونه على الحبال أو على الصخور حتى يجف ثم يأخذونه وهو المسمى بالقديد، إذاً: عينت لنا خطبة في يوم الرءوس، وهو أوسط أيام التشريق، وعلى هذا فهما خطبتان: خطبة في يوم النحر، وخطبة في يوم الرءوس الذي هو أوسط أيام التشريق.
стр. 1908
ما يلزم القارن من الطواف والسعي
قال المؤلف ﵀: [عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لها: (طوافك بالبيت وسعيك بين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك) رواه مسلم] .
هذه المسألة تتعلق بأعمال القارن، ففي أول مجيئه ﷺ إلى الحج بعد أن سعى بين الصفا والمروة أمر من لم يسق الهدي بالتحلل، فسئل عن ذلك فقال: (دخلت العمرة في الحج هكذا وشبك بين أصابعه) فقالوا: دخول العمرة في الحج أي: أعمالها؛ كإحرامها وطوافها وسعيها وتحللها، فتدخل ضمن أعمال الحج، وقيل: دخلت العمرة في الحج أي: في أشهر الحج التي كانوا يمتنعون أن يعتمروا فيها.
وهنا يتفق العلماء على أن المفرد بالحج والمتمتع بالعمرة إلى الحج أن لعمرتهما أعمالاً مستقلةً لا تشترك مع الحج في شيء، وأن للحج أعمالاً مستقلةً لا تشترك مع العمرة في شيء، فالمتمتع يبدأ بالطواف بالبيت طواف العمرة؛ لأنه ركن فيها، ثم يسعى بين الصفا والمروة وهذا السعي ركن في العمرة، ثم يحلق أو يقصر وبهذا تنتهي عمرته، ويصير حلالاً، فإذا جاء يوم الثامن (يوم التروية) أحرم للحج، وصعد إلى منى، فعرفات فمزدلفة فمنى فالعقبة، ثم نزل وطاف بالبيت، وهو قد طاف بالبيت قبل ولكن للعمرة، وسعى بين الصفا والمروة ولكن للعمرة، وأما هنا فهو يطوف طواف الإفاضة للحج، ويسعى بين الصفا والمروة للحج، ثم يحلق أو يقصر للحج.
إذاً: المتمتع والمفرد كل منهما له عمل مستقل لا يشترك مع الثاني في شيء، وأما القارن فقالوا: إن عمل القارن هو بعينه عمل المفرد، والعمرة تدخل ضمن أعمال الحج، فيأتي المفرد أول ما يأتي بالطواف بالبيت طواف القدوم، وكذلك القارن إن شاء سعى بعد طواف القدوم سعي الحج والعمرة مقدماً، ثم يبقى على إحرامه إلى أن يذهب إلى منى ثم عرفات ثم مزدلفة ثم منى ثم يرمي الجمرة، ثم ينزل إلى البيت ليطوف طواف الإفاضة للحج وللعمرة؛ لأنه ركن، ولا يعيد السعي؛ لأنه قد سعى أولاً بعد طواف القدوم، وسعي العمرة قد دخل مع سعي الحج، ثم يحلق عنهما معاً.
وهنا الأئمة الثلاثة: مالك وأحمد والشافعي وأهل الحديث يقولون: عمل العمرة في القران يدخل في أعمال الحج، فيطوف لهما طوافاً واحداً، ويسعى لهما سعياً واحداً سواءً بعد طواف القدوم أو بعد طواف الإفاضة، يعني: الطواف الذي هو الركن والسعي الذي هو الركن للقارن واحد لا يتكرر.
وأما الإمام أبو حنيفة ﵀ وبعض الطوائف الأخرى فيقولون: للحج طواف وسعي، وللعمرة طواف وسعي، فإذا كان المحرم قارناً ونزل ليطوف طواف الإفاضة قالوا: يطوف طوافين: واحداً للحج وواحداً للعمرة، ويسعى سعيين: سعياً للحج وسعياً للعمرة، هذا عند الإمام أبي حنيفة ﵀، ويستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦] وإتمام كل منهما يكون بالإتيان بأركانه مكتملة، فإذا اكتفيت بطواف واحد، وبسعي واحد فهذا الواحد لأيهما يكون؟ إن كان للحج فستكون العمرة ناقصة، وإن كان للعمرة فسيكون الحج ناقصاً؟ نقول في الجواب على هذا: إذا كان هذا هو ظاهر نص القرآن الكريم فقد جاء بيانه من رسول الله ﷺ صريحاً صحيحاً، والسنة تفسر القرآن، وقد قال ﷺ : (خذوا عني مناسككم) وهو ﷺ كان قارناً في حجه، فلم يكرر الطواف، ولا السعي، وإنما اقتصر على طواف واحد، وعلى سعي واحد، وأجزأه ذلك عن حجه وعمرته معاً.
وعائشة لما طلبت منه أن تعتمر عمرة مستقلة، قال لها: تكفيك عمرتك في حجك، ويكفيك طوافك وسعيك عن الحج والعمرة، يعني: أن العمرة قد انتهت بانتهاء الحج، وقد دخلت معه، وقد انتهيت من الاثنين، فقالت: لا، أريد عمرة.
الحديث، والذي يهمنا أنه قال لها: (طوافك بالبيت، وسعيك بين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك) وهل نقول بعد هذا: لابد من طواف خاص وسعي خاص للعمرة؟! أعتقد أن هذا نص صريح في محل النزاع رافع للإشكال.
стр. 1909
عدم مشروعية الرمل في طواف يعقب سعياً
قال المؤلف ﵀: [وعن ابن عباس ﵄: (أن النبي ﷺ لم يرمل في السبع الذي أفاض فيه) رواه الخمسة إلا الترمذي وصححه الحاكم.
] .
يذكر لنا المؤلف في هذا الحديث حكم طواف الإفاضة، وقد ذكر لنا أنه رمل في طواف القدوم، وهنا في طواف الإفاضة الذي هو ركن هل يرمل أو لا يرمل؟ ذكر لنا حديث ابن عباس وفيه: (أنه لم يرمل ﷺ في طواف الإفاضة) ، ولماذا لم يرمل؟ لأن الرمل كما يقول الفقهاء: إنما يكون في طوافٍ يعقبه سعي، وهذه قاعدة عامة، والرسول قد سعى قبل عرفات، إذاً: من طاف طواف القدوم وسعى سعي الحج بعد القدوم، وبقي عليه طواف الإفاضة فقط فليس عليه أن يرمل في طواف الإفاضة، وهذه هي السنة عن النبي ﷺ ، وكذلك طوف الوداع لا رمل فيه، حتى قال بعض الناس: طواف الوداع ليس من الحج، وإنما هو من حق البيت؛ لأن الحج قد انتهى عند رمي الجمار، وعند النزول من منى بدليل أن من حج وجلس في مكة ولم يغادرها، وسكن فيها، فإنه لا وداع عليه؛ لأنه جالس عند البيت.
إذاً: طواف الإفاضة لا رمل فيه لمن سعى قبله، وطواف الوداع لا رمل فيه؛ لأنه خارج عن أعمال الحج، وإنما هو من تتمة تكريم البيت أن يوادعه الإنسان قبل أن يخرج منه.
стр. 1910
النزول بالأبطح والمبيت فيه ليس من أعمال الحج
قال المؤلف ﵀: [وعن أنس ﵁: (أن النبي ﷺ صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم رقد رقدة بالمحصب، ثم ركب إلى البيت فطاف به) رواه البخاري] .
لما انتهى ﷺ من طواف الإفاضة، ورجع إلى منى أين صلى الظهر؟ اختلف في ذلك، فمن قائل: صلى الظهر بمكة؛ لأنه دخل وقتها وهو فيها، ومن قائل: رجع إلى منى وصلى الظهر فيها، ومن قائل: صلى بمكة حينما دخل الوقت، ثم لما رجع إلى منى وجدهم ينتظرونه فصلى بهم، وعلى كل فقد بقي أيام التشريق كلها في منى ولم يتعجل، وانتهى من منى برمي الجمار، ولما نزل من منى لينصرف إلى المدينة نزل بالأبطح، يقولون: فصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالأبطح، وكيف صلى الظهر مع أن وقت الرمي بعد الزوال؟ قالوا: أخر الظهر حتى أتى الأبطح فصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء ونام، والأبطح كما نعلم هو: في جهة المعلاة، وكان يقال له: خيف بني كنانة.
وهنا سؤال عند العلماء في نزوله بهذا المكان (المحصب) أو (خيف بني كنانة) : هل هذا النزول من مناسك الحج ومن أعماله، أو أن هذا كان أسهل وأيسر للسفر؟ سيأتي عن عائشة أنها لم تكن تنزل فيه، وكانت تقول: إنما نزل بالمحصب ليكون أيسر لدفعه، أي: للسفر؛ لأنه يقع خارج مكة والنزول فيه أيسر من أن ينزل في الزحام داخل مكة، وهناك من يقول: إنما قصد النزول في هذا المكان ليشهد هذا المكان ذكر الله والعبادة والنسك، كما شهد كتابة الصحيفة الظالمة، تلك الصحيفة التي كتبت في مقاطعة بني هاشم، وعلقت بالكعبة؛ فهي إنما كتبت في هذا المكان، فكما شهد هذا الموضع في أوائل البعثة مشهد ظلم وجور بكتابة صحيفة المقاطعة فيه، فليشهد عوضاً عنه مشهد ذكر لله وعبادة إلخ.
إذاً: بات ﷺ عند خروجه بالأبطح كما بات عند الدخول بذي طوى، فهو عند دخوله مكة بات في أولها، ولما أصبح دخل مكة في النهار، وعند الخروج بات في أول مكة في الأبطح، وذو طوى في أولها من جهة المدينة، والأبطح في أولها من جهة منى، وكان هذا المبيت من باب التيسير، وعائشة رضي الله تعالى عنها لم تكن تفعله بعد ذلك، وعلى ما قدمنا فهل هو جبلي ومصلحة للنفر، أو هو تتمة للنسك؟ القول الأولى أنه كان لمصلحة خاصة بعيدة عن النسك، ولا حرج على الإنسان إذا لم يبت فيه، فإن شاء استراح فيه وبيت، وإن شاء مضى إلى سبيله.
قال المؤلف ﵀: [عن عائشة ﵂ أنها لم تكن تفعل ذلك -أي: النزول بالأبطح- وتقول: إنما نزله رسول الله ﷺ ؛ لأنه كان منزلاً أسمح لخروجه.
رواه مسلم] .
أي: كان مكاناً أسمح وأريح لخروجه من مكة، بدل أن يدخل ويخرج من وسط البيوت.
والله تعالى أعلم.
стр. 1911
طواف الوداع والتخفيف فيه عن الحائض والنفساء
قال المؤلف ﵀: [حديث ابن عباس ﵄ قال: (أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن الحائض) متفق عليه] .
قول ابن عباس: (أمر) الآمر هنا والذي يملك الأمر في هذا هو رسول الله ﷺ ، إذاً: فالأمر للوجوب، (ولكنه خفف) والتخفيف لا يكون إلا من تكليف (عن الحائض والنفساء) لأن الحائض لا تطوف بالبيت، والنفساء لا تطوف بالبيت، فلا نحبسهما على شيء ليس بأيديهما.
إذاً: طواف الوداع واجب إلا من عذر الحيض أو النفاس، ومن ترك طواف الوداع فماذا عليه؟ جاء عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه كان يرد من لم يوادع إذا كان قريباً من مكة، ويأمره أن يرجع فيوادع ثم يواصل سفره، وإذا كان قد ابتعد عن مكة تركه، وقد اختلف الأئمة في هذه المسألة، فـ مالك يقول: ليس عليه شيء، والأئمة الثلاثة يقولون: إن تركه قاصداً فعليه دم؛ لقول ابن عباس: (من ترك نسكاً فليرق دماً) .
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1912
كتاب الحج - باب صفة الحج ودخول مكة [١١]
المساجد هي بيوت الله ، ولكنها ليست في المرتبة والفضيلة سواء، فهي تتفاوت من حيث مكانها، ونوعها، ومن قام ببنائها، ولهذا فضل الله المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى؛ لأنها في أماكن مقدسة، ولأن من بناها هم أنبياء، ولهذا أجاز الشرع شد الرحال إليها، لفضيلتها ومضاعفة الأجر فيها.
стр. 1913
فضل الصلاة في المساجد الثلاثة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: قال المؤلف ﵀: [وعن ابن الزبير ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة) رواه أحمد وصححه ابن حبان] .
стр. 1914
مناسبة ذكر حديث شد الرحال إلى المساجد الثلاثة في باب صفة الحج ودخول مكة
قدم المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب صفة حج النبي ﷺ من أول خروجه من المدينة إلى أن أنهى الحج، ونزل إلى المحصب، وقد ذكرنا أقوال العلماء فيما يتعلق بذلك، وهل كان من المناسك أو كان إرفاقاً بالمسلمين عند الخروج من مكة.
والباب هنا: باب صفة الحج ودخول مكة.
هذا الحديث الذي يسوقه في نهاية هذا الباب، وقبل أن يأتي بباب أحكام الإحصار بالحج، وماذا يعمل المحصر وماذا عليه؟ والإحصار هو صورة نادرة من صور الحج والعمرة، يأتي المؤلف بهذا الحديث الذي قال فيه ﷺ : (صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام) ونحن الآن في صفة الحج، وفي صفة دخول مكة، وهذا الحديث موضوعه المسجد النبوي، فما علاقة إيراد هذا الحديث في بيان فضل الصلاة في المسجد النبوي بأعمال الحج المتعلقة بمكة؟ قد يتساءل الكثير في هذا، ولابد للمؤلف من غرض وراء إتيانه بهذا الحديث الذي يتعلق بالمسجد النبوي في نهاية بيان صفة الحج ودخول مكة، فبعض الناس يقول: إن الإتيان بهذا الحديث هنا يتعلق بموضوع المقارنة بين مكة والمدينة -ولكن ليس في هذا إشارة إلى مكة- وأن فيه تفضيل مكة على المدينة؛ لأن صلاة في المسجد الحرام بمائة ألف، وفي المسجد النبوي بألف، وبعضهم يذكر مع هذا الحديث حديث الروضة الذي قال فيه النبي ﷺ : (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة) ويستدلون بهذا على أن المدينة أفضل من مكة؛ للحديث الآخر: (موضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها) ، والشوكاني ﵀ في (نيل الأوطار على منتقى الأخبار) أتى بأحكام الزيارة للمدينة النبوية عقب مباحث الحج، وقال: لم يذكرها المؤلف هنا، ولكن هذا محلها؛ لأنه جرت عادة الناس أنهم إذا أتوا إلى الحج فإنهم يعرجون على المدينة للزيارة.
فذكر الشوكاني ﵀ ما يتعلق بفضل الزيارة: من شد الرحل إلى المدينة وإلى المساجد الثلاثة، وفضل الصلاة في مسجد المدينة، وما يتعلق بالروضة وفضل الصلاة فيها إلى غير ذلك.
والأولى أن مظنة إيراد المؤلف هذا الحديث هنا هو كما أشار إليه الشوكاني، وهو أن الناس في الآونة الأخيرة يجمعون بين الحج والزيارة في رحلة واحدة، وهذا هو الذي نشاهده الآن، فقل من يأتي برحلة خاصة للمدينة، ثم يأتي برحلة خاصة للحج أو للعمرة، حتى الذين يأتون برحلة خاصة للمدينة يأتون بها مع العمرة، فيأتون للعمرة في رجب أو في ربيع الأول أو في رمضان ويعتمرون ثم يذهبون إلى المدينة، إذاً: لما كثر من الناس الجمع بين زيارة المدينة وبين الحج أو العمرة ساق المؤلف هذا الحديث هنا ليرغب في الإتيان إلى المسجد النبوي الشريف؛ لما فيه من هذا الفضل في الصلاة.
هذا ما ظهر بالنسبة لإيراد المؤلف لهذا الحديث الشريف هنا والله تعالى أعلم.
стр. 1915
هل مضاعفة الصلاة في المساجد الثلاثة تشمل النافلة أم أنها خاصة بالفريضة ؟
أما موضوع الحديث فيقول ﷺ : (صلاة) وصلاة هنا نكرة، والنكرة تعم الجنس، أي: جنس الصلاة، فريضةً كانت أو نافلةً، وهذا هو الذي أخذ به الجمهور.
ولكن نقل عن الطحاوي من الأحناف أنه قال: (صلاة) هنا في هذا الموضع تنصرف إلى النوع الأهم، وهو الفريضة، أما النافلة فهو يرى أن إيقاعها في البيت خير من إيقاعها في المسجد النبوي، ولكن لا ينفي أنه إذا أوقعها في المسجد النبوي أن تكون بألف، لكنه يقول: (صلاة) تعم فرضاً ونفلاً في المسجد النبوي بألف، ولكن تخصيص النافلة بالبيت خير منها بألف في المسجد النبوي؛ وذلك لقوله ﷺ : (خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة) ويستدل على هذا القول بما صح عنه ﷺ من استمرار صلاته النافلة في بيته، مع قرب البيت من المسجد، والمتوقع أنه لن يترك الأفضل ويأتي بالمفضول، فلو لم تكن النافلة في البيت أفضل منها في المسجد لصلاها في المسجد فليس هناك كلفة؛ لأن بيته ﷺ ملاصق للمسجد، ولكن الجمهور حملوا اللفظ على عمومه فقالوا: (صلاة) أياً كان نوعها وأياً كانت صفتها: فريضة رباعية ثنائية ثلاثية نافلة في ليل أو في نهار، فإن صلاة في المسجد النبوي تعدل ألف صلاة أو تفضل ألف صلاة فيما سواه، أي: من عامة المساجد.
стр. 1916
المفاضلة بين المسجد الحرام والمسجد النبوي
ثم استثنى من عموم المساجد المسجد الحرام، فكأنه يقول: صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة في عموم المساجد إلا المسجد الحرام وقوله: (إلا المسجد الحرام) قال بعضهم: الصلاة في المسجد النبوي تفضل ألف صلاة في عموم المساجد وتفضل أقل من الألف في المسجد الحرام، وقال غيرهم: بل تفضل ألف صلاة في عموم المساجد، وتقصر عن فضل الصلاة في المسجد الحرام، يعني: هي أفضل من المساجد كلها، وأقل من الصلاة في المسجد الحرام؛ لأن الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، وهذا هو الصحيح الذي عليه الجمهور.
стр. 1917
هل تفضيل الصلاة في المساجد الثلاثة تفضيل وصف أم تفضيل عدد ؟
وقوله: (صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة) هل هذه الفضيلة عددية أو وصفية؟ بمعنى هل الألف صلاة المعادلة بصلاة واحدة في المسجد النبوي ممكن أن نوزعها: واحد اثنين إلى ألف، أو هي واحدة، لكنها في النوعية والثواب وفي المعادلة وفي الفضل وفي الخير تساوي ألف صلاة، كما لو اشتريت قلماً بريال واشتريت قلماً بألف ريال، فهو واحد ولكنه يفضل القلم الأول في قيمته وفي نوعيته، فهذا أبو ألف وهذا أبو ريال، إذاً: لن يكتب به ألف كلمة في آن واحد، ولن يستعمل ألف استعمال في وقت واحد؟ الجواب: إنما هو في الفضيلة والنوعية، وعلى هذا لو أن إنساناً عليه خمس فوائت، وصلى في المسجد النبوي صلاة من نوع تلك الفائتة فهي في ذاتها تعدل ألفاً، ولكن لا تسقط عنه شيئاً مما عليه من الفوائت، ولو صلى واحدة من الخمس الفوائت عليه في المسجد النبوي فإن صلاة تلك الفائتة تعدل ألفاً، ولكن لا تجزئ إلا عن واحدة من الخمس، وتبقى الأربع في ذمته.
стр. 1918
شمول الفضل المذكور في الحديث للتوسعة التي بنيت في المسجد النبوي
وقوله: (صلاة في مسجدي هذا) اختلف كلام العلماء في تحديد (مسجدي هذا) فيرى بعض العلماء أن كلمة (هذا) للتخصيص والتعيين؛ لأنه كما يقولون: (هذا) اسم إشارة يعين المسمى ويحدده، كما تقول: هذا الرجل فلا يتعدى إلى غيره، وكما تقول: هذا الكتاب فلا يتعدى إلى كتاب آخر، فهذا اسم يعين المسمى بالإشارة الحسية، فقالوا: الذي أشير إليه عند التحدث بهذا الحديث هو المسجد الذي كان موجوداً بالفعل عند التحدث بهذا الحديث، يعني: أن كلمة (هذا) أشارت إلى الحاضر، فما تجدد بعد ذلك فهل تشمله كلمة (هذا) التي وقعت في السابق أو لا تشمله؟ البعض كما تقدم يقول: لا تشمله، قال بذلك النووي وغيره، وأخذ بذلك المالكية، وبعض من وافقهم وقالوا: إن قوله: صلاة في مسجدي هذا) يراد به المسجد الذي كان موجوداً وأشير إليه بالإشارة الحسية (هذا) ، إذاً: ما طرأ من زيادات بعد كلمة (هذا) لا يدخل فيما أشير إليه من قبل؛ لأنه لم يكن موجوداً في ذلك الوقت، والجمهور على أن (مسجدي هذا) هو للتخصيص، ولا يمنع من دخول الزيادات؛ لأن الزيادات مهما طرأت لن تخرجها زيادتها عن كونها من مسجد رسول الله، ولكنه أراد بكلمة (هذا) تخصيص المسجد النبوي بالفضل دون بقية المساجد التي كانت موجودة في المدينة آنذاك، فكان هناك مسجد موضع المصلى، وإن كان لم يبن مسجداً، وكانت هناك مساجد في أطراف المدينة، فكان هناك مسجد بني سلمة الذي تحولت فيه القبلة، وكان هناك مسجد قباء، وكانت هناك مساجد يميناً ويساراً، فأراد بكلمة (هذا) يعني: دون بقية المساجد التي توجد في المدينة، وكلها مساجد رسول الله ﷺ .
إذاً: قوله (صلاة في مسجدي هذا) هذه الفضيلة الجمهور على أنها عامة تشمل ما كان موجوداً عند الإشارة إليه، وتشمل كل ما زيد فيه وضم إليه، ويستدل الجمهور على هذا التعميم والاتساع ببعض الأحاديث وإن كان في أسانيدها مقال ومنها: (إنه لمسجدي ولو امتد إلى صنعاء) وقد جاء في الأثر الصحيح الموقوف على عمر ﵁ أنه بعد ما وسع المسجد النبوي من الشمال ومن الغرب، رأى أن بعض الناس ربما تساءل أو توقف أو تردد في إيقاع الصلاة في تلك الزيادة العمرية، ويحرص على أن يدخل إلى مسجد النبي ﷺ الذي كان في حال حياته، فلما لاحظ هذا منهم قال: (والله! إنه لمسجد رسول الله ولو امتد إلى ذي الحليفة) يعني: كل ما تأتي من زيادة فهي من المسجد النبوي، وأكبر زيادة شهدها المسجد النبوي هي في هذه الآونة، ويمكن أنه بعد مائة أو مائتين أو ثلاثمائة سنة أو أكثر أو أقل تحصل زيادة على هذه الزيادة، ولكن مهما بلغت الزيادة فيه فهي لن تبلغ إلى ذي الحليفة، فقول عمر ﵁: (ولو امتد إلى ذي الحليفة) يعني: إبعاداً للمدى وأنه مهما قدر اتساعه نظرياً فإنه مسجد رسول الله ﷺ .
وعلى كل فالمؤلف ﵀ ساق هذا الحديث هنا ليبين فضيلة الصلاة في المسجد النبوي للقادمين الذين يجمعون بين الحج أو العمرة وبين الزيارة إلى المدينة، وهناك مباحث عديدة في هذا الموضوع منها:
стр. 1919
تفاوت أجزاء المسجد النبوي في الفضل
هل الصلاة في المسجد النبوي في جميع أجزائه سواء أو تتفاوت؟ كثير من المؤلفين يأتي بحديث الروضة بجانب هذا الحديث، وفعل هذا البخاري ففي باب التهجد والنوافل ذكر فضل المدينة وفضل الصلاة في المسجد النبوي وذكر حديث الروضة، قال ابن حجر عند هذا: (لقد ساق البخاري هذا الحديث: (بألف صلاة) في كتاب التهجد والنوافل ليبين على أن (صلاة) تشمل النافلة والفريضة، وساق أيضاً في فضل الصلاة في مسجد النبي ﷺ حديث الروضة وهو قول النبي ﷺ : (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة) وهذه هي الرواية المشهورة، وقال ابن حجر: جاء عند ابن عساكر وحده) ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة) وهو باطل، ثم ذكر أنه عند البزار برجال ثقات ولفظه أيضاً: (ما بين قبري ومنبري) قال: وجاء عند الطبراني أيضاً ولفظه: (ما بين قبري ومنبري) قال: وهذا على سبيل التأويل، وعلى سبيل المقاربة؛ لأن بيته قد أصبح قبره، ويقول ابن حجر عند قول المؤلف: فضل الصلاة بين القبر والمنبر، وجاء بالحديث: (ما بين بيتي ومنبري) فقال ابن حجر بوب باسم القبر وساق حديث البيت ليبين أن رواية القبر صحيحة، ولأن القبر والبيت سواء، وسبق أن جرت مناقشة في هذا الموضوع وكانت النتيجة أن هذا من باب الإشعار والإيماء والتنبيه لذوي الألباب والنهى، قال ذلك في حياته؛ لأن بعض الناس يقول: كيف يقول: قبري وهو على قيد الحياة فإن هذا لا يمكن أبداً، وهنا الكلام على صحة الرواية، وإذا صحت الرواية في هذا الحديث فيكون قوله ﷺ : (ما بين قبري) وهو على قيد الحياة وقوله: (ما بين بيتي) يدل على أن البيت والقبر سواء.
إذاً: ينتبه بهذا من ينتبه إلى أن بيته سيصبح قبره، وأنه سيدفن في بيته ويقبر فيه، ولهذا لما التبس على الصحابة: أين يدفنون رسول الله ﷺ ، فمن قائل منهم: نرده إلى مكة، ومن قائل: ندفنه في مقابر المسلمين، ومن قائل: يدفن في بيته، فدخل عليهم أبو بكر رضي الله تعالى عنه وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما نقل نبي عن المكان الذي مات فيه، وما مات نبي إلا في المكان الذي يقبر فيه) ، فأزاحوا الفراش، وحفروا في المكان الذي مات فيه في حجرة عائشة رضي الله تعالى عنها.
وقد جاءت أخبار عديدة حول هذا، وفي جعله في بيت عائشة حماية له لقوله ﷺ : (اللهم! لا تجعل قبري وثناً يعبد) ولولا ذلك لأخرج قبره أي: خارج الحجرة، ولو أخرج لكان هناك ما أشار إليه ﷺ ، فاستجاب الله له، وعصم قبره من أن يكون وثناً يعبد، وأصبح في بيت بعيد عن اللمس، بعيد عن أعمال غير مشروعة، وقد جاء أن عائشة رضي الله تعالى عنها لما تمت القبور الثلاثة كان الناس يأتون إليها في بيتها زيارة، ويأتون ويسلمون على الثلاثة، ويأخذون من تربة المكان.
فبنت جداراً على القبور الثلاثة، واقتصرت على الباقي من الحجرة سكناً لها، والموضوع ذو شعب، ويبقى قول: (صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة ... ) على العموم، ويأتي النظر في الصلاة في الروضة على ما جاء في فضلها في الرواية المشهورة: (ما بين بيتي ومنبري) أو: على الرواية الضعيفة: (ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة) وإذا كانت روضة من رياض الجنة فهل تتميز فيها الصلاة عن غيرها من المسجد أو لا تتميز؟ صنيع البخاري يدل على أنها تتميز؛ لأنه ذكرها في عرض سياق فضل المسجد النبوي والصلاة فيه، إذاً: الروضة يكون لها مزية على بقية أجزاء المسجد، يضاف إلى ذلك كثرة صلاة وجلوس رسول الله ﷺ فيها، وكثرة اجتماع وجلوس أصحابه رضي الله تعالى عنهم حوله فيها، وكثرة ما يكون من الأحاديث ومن الحكمة ومن الوحي الذي كان يتنزل فيها.
إلخ.
стр. 1920
هل الأفضل الصلاة في الصف الأول من المسجد النبوي أم في الروضة ؟
وهنا بحث آخر: حينما كان في العهد الأول كانت الروضة مع الصف الأول على خط مستقيم، ولما حصلت الزيادة من جهة القبلة انتقل المحراب إلى القبلة، وأصبح هناك أربعة أو خمسة صفوف خارجة عن الروضة إلى الجنوب، فهل نقدم الأحاديث الواردة في فضل الصف الأول كقوله ﷺ : (لو علم الناس ما في الصف الأول لاستهموا عليه) (لتجالدوا عليه) (لأتوه ولو حبواً) وقوله: (ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها يتمون الصف الأول فالأول) وقوله: (خير صفوف الرجال أولها) فهذه كلها آثار في فضل الصف الأول.
وقد كان في عهد النبي ﷺ وأبي بكر الصف الأول مع الروضة في ميسرة المسجد؛ لأن الروضة في الميسرة ما بين المنبر وما بين الحجرة، فكان يمكن للإنسان أن يجمع بين الصف الأول وبين الروضة، فهل يا ترى! يحرص الإنسان الآن على إيقاع الصلاة في الروضة لفضيلتها أو يحرص على الصلاة في الصف الأول لفضيلته؟ ونجد أيضاً: أن مع الأحاديث التي جاءت في فضل الصف الأول أحاديث أخرى جاءت في فضل ميمنة الصف، ومنها ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف) وقد حدث في زمن النبي ﷺ امتلاء ميامن الصفوف وخلو مياسرها نظراً للحث على ميامن الصف، نقول: في العهد النبوي كان الصف الأول والروضة يجتمعان في الميسرة، والصف الثاني والثالث والرابع والخامس يجتمعان في الميسرة مع الروضة، ولكن ميامن الصفوف من الصف الأول فما وراءه ليس فيها روضة، فننظر في ذلك الوقت أي الجانبين كانوا يرجحون الروضة على الميمنة أم الميمنة على الروضة؟ قلنا: بأنه يمكن أن يجمع الإنسان بين الصف الأول والروضة، ولكن لا يمكن أن يجمع بين الميمنة والروضة، فإما أن يكون في الروضة وإما في الميمنة، فنجد عند ابن ماجة: أنهم اشتكوا وقالوا: يا رسول الله! خلت ميسرة المسجد، أي: صارت خالية؛ لأن الناس صاروا يتتبعون الميامن؛ لأن ما في الميامن من الآثار لا تعادلها آثار الروضة، فقال ﷺ : (من أعمر ميسرة المسجد فله كفلان من الأجر) إذاً: الصحابة رضي الله تعالى عنهم قارنوا بين الروضة وبين الصف الأول، وبين الروضة والميمنة، فقدموا ورجحوا ميمنة الصف على ميسرته ولو في الروضة، فإذا كان الأمر كذلك وقد انتقل الصف الأول عن مستوى الروضة إلى الأمام، فهل نقدم الصف الأول أو نقدم الروضة؟ الصحابة قدموا الميمنة على الروضة، والصف الأول أفضل من الميمنة في الثاني أو الثالث، فإذا كانوا قد قدموا الميامن على الروضة، فمن باب أولى تقديم الصف الأول على الروضة، ولهذا يقول النووي وغيره: إذا كنت تصلي مأموماً تابعاً للإمام فصل حيث انتهى بك الصف، في الروضة في الميمنة أو في الميسرة، في المؤخرة أو في المقدمة، فحيث انتهى بك الصف فصل، وإن كنت تصلي منفرداً أو متنفلاً فتحر الروضة؛ لأن النافلة ليس فيها لا صف أول ولا ميمنة، ولا شك أن موضع الروضة أولى من غيره؛ لأنه قد جاءت فيه تلك الخصيصة.
ثم جاء بحث الإمام ابن تيمية ﵀ بعد هذا كله، وبعد الزيادات المتكررة والمتعددة من الأمويين والعباسيين وغيرهم، وقال: عثمان ﵁ تقدم وصلى في المحراب الذي في الزيادة الأمامية، حينما وقعت الزيادة من جهة القبلة، وترك الروضة خلفه، وعلي رضي الله تعالى عنه كذلك، وجماعة من الصحابة في عهد الخليفتين الراشدين عثمان وعلي كانوا يتبعونهما في الصفوف الأول مما يلي القبلة، ووراءهم الروضة بعدة صفوف، فيقول ابن تيمية ﵀: ليس من المعقول أن الخلفاء الراشدين يتركون الأفضل ويذهبون إلى المفضول، لولا أن الصلاة في الصف الأول على ما هو عليه خارج الروضة أفضل لما داوموا على الصلاة فيه، ولرجعوا إلى الروضة محل مصلى رسول الله ﷺ .
إذاً: على هذا نقول كما قال النووي ﵀: الروضة لها فضيلة ذاتية مكانية، والصف الأول وصف ذاتي للصلاة، والنووي عقد فصلاً في أيهما أفضل الفضيلة الذاتية أو الفضيلة النسبية؟ والفضيلة الذاتية هي ما يكون في عين الفاضل، والفضيلة النسبية هي بالنسبة لشيء خارج عنه، ومثل لهذا: بالصلاة في المسجد النبوي منفرداً وقال: إذا فاتتك الجماعة وصليتها منفرداً بالمسجد النبوي فهي بألف، فإذا كنت في طريقك من مسكنك إلى المسجد النبوي، ومررت بمسجد تقام فيه الجماعة لهذه الفريضة، فإن صليت معهم أدركت الجماعة، وإن تركتهم ومضيت إلى المسجد النبوي فاتتك الجماعة فيه، فأنت إن صليت مع الجماعة في مسجد الطريق صلاة عادية فهي بسبع وعشرين درجة، وإن مضيت إلى المسجد النبوي وصليت فيه فهي بألف صلاة، فأيهما أولى: فضيلة الألف من أجل المسجد، أو فضيلة السبع والعشرين درجة من أجل الصلاة؟ ثم قال: إن فضيلة الجماعة فضيلة ذاتية؛ لأنها تتعلق بهيئة الصلاة وكيفية أدائها، وأما مضاعفة الألف فهي للبقعة، إذاً: فهي فضيلة إضافية، أي: أنك اكتسبت الفضيلة في صلاتك من أجل المكان الذي صليت فيه لا من أجل الصلاة، فصلاتك في هذا المكان الفاضل ناقصة عن صلاتك في ذاك المسجد العادي؛ لأن صلاتك هناك كاملة لكونها جماعة.
وكذلك قال في فضل الطواف بالبيت: إذا طفت قرب البيت فسيكون الشوط مثلاً مائتي خطوة، وإذا ابتعدت عن المكان إلى وراء زمزم فسيكون الشوط خمسمائة خطوة، وكل خطوة بحسناتها، فإذا كان طوافك المتسع جداً فيه زيادة حسنات لكثرة الخطوات فإن طوافك بجوار البيت سيكون أقل حسنات؛ لأنه أقل خطوات، وإذا نظرنا إلى أصل الطواف سنجد أن الطواف مختص بالبيت، إذاً: هل الأولى في الطواف أن تقترب من البيت الذي تطوف حوله أو أن تبتعد ولو كثرت الخطى؟ الجواب: كلما اقتربت فهو أولى لأنك تطوف به، وما دمت تطوف به فالصق به، وأما كونك تبعد الدائرة بعيداً وتأخذ الشوط عن سبعة فصحيح أنك تعبت وأن خطواتك أكثر ولكن الذي يطوف بجوار الكعبة أفضل منك؛ لأن الطواف بجوار الكعبة ذاتي في عين الطواف، والطواف من بعيد كثرة الحسنات فيه إضافية لكثرة الخطى.
إذاً: نرجع إلى تفضيل الصلاة بين الصف الأول وبين الروضة فنقول: الصف الأول ذاتي بالنسبة للصلاة؛ لأنه جزء من الجماعة، والروضة نسبية للصلاة؛ لأنها بقعة، فيكون الوصف الذاتي وهو صلاتك في الصفوف الأول أفضل من صلاتك في الروضة؛ لأن الفضيلة في الروضة تدركها بالنسبة للمكان وليس لعين الصلاة، وعلى هذا ينبغي على الإنسان فيما يتعلق بالجماعة أن يحاول الترتيب الذي جاء عنه ﷺ فيتم الصف الأول فالأول، ويتم ميامن الصفوف كما روي عنه ﷺ أنه قال: (إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف) فيكون التحري للصف الأول أولى من التحري للروضة.
وهناك صور نشاهدها من بعض الجماعات منها: أن منهم من يأتي متأخراً قبل أن تقام الصلاة بلحظات، فيتخطى رقاب الناس من أجل أن يدرك المسجد الأول الذي كان في عهد رسول الله ﷺ ، والمسجد الذي كان في عهد رسول الله بني على مرحلتين: المسجد الأول الذي كان من جذوع النخل والجريد، وهو الذي على السواري التي فيه خطوط بالطول، وفي وسط الخطوط مثل الوردة، فهذه الأعمدة التي فيها تلك الخطوط هي حدود المسجد النبوي الأول، يتعدى عن المنبر بعمود واحد، ويرجع إلى الشمال حوالي سبعة أعمدة.
والبناء الثاني كان بعد العودة من خيبر، فعند أن ضاق المسجد الأول على الناس وسعه ﷺ وبناه بالحجر والطين، وجعل السقف من جذوع النخل، ولما بنوه البناية العثمانية الموجودة حالياً كتبوا على رءوس الأعمدة التي هي نهاية المسجد النبوي في السابق: هذا حد المسجد النبوي، وكان في البناء الأول سبعين ذراعاً في سبعين، ثم أصبح في التوسعة الثانية: مائة ذراع في مائة ذراع.
فيأتي بعض الناس من الباب إلى المسجد الأول هو حد مسجد النبي، يعني: مسافة مائتين وخمسين متراً، وكم من صف يتخطى فيه رءوس الناس؟ وهذا عمل مؤذٍ كما قال ﷺ للرجل الذي جاء يوم الجمعة متأخراً، وأخذ يتخطى رقاب الناس ليدنو من المنبر، فأشار إليه ﷺ وقال له: (اجلس فقد آنيت وآذيت) آنيت: من الأين وهو الوقت أي: تأخرت، وآذيت لتخطيك رقاب الناس؛ لأن هذا لا ينبغي، فلا ينبغي للإخوان الذين لا يزالون يعتقدون أن الفضيلة مختصة بالمسجد الذي أشار إليه ﷺ في حياته أن يتأخروا ثم يحاولون الوصول إليه على رقاب الناس، فنقول لمن يتخطى رقاب الناس: إذا كنت تريد المسجد الأول وتريد الروضة فاحضر مبكراً، والأبواب مفتحة أمامك، لا أن تتكئ في بيتك وتشتغل بما يهمك فإذا سمعت النداء جئت مسرعاً وأتيت تتخطى الرقاب فإن هذا لا يجوز لك، وهذا من الذي ينبغي مراعاته فيما يتعلق بآدب المسجد النبوي والصلاة فيه.
стр. 1921
وجه تخصيص المساجد الثلاثة بهذه الفضائل
إذاً: (صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام) وقد جاءت نصوص تؤكد صحة الاستثناء وتبين أن الصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في المسجد النبوي بمائة مرة، إذاً: صلاة في مسجده ﷺ بألف، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجده بمائة، إذاً: الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة فيما سواه، وصلاة في المسجد النبوي بألف صلاة، وجاء في الحديث الذي جمع المساجد الثلاثة: (وفي المسجد الأقصى بخمسمائة صلاة) .
وهنا مبحث يرتبط بالحديث: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) خصت المساجد الثلاثة بجواز شد الرحل إليها، وخصت المساجد الثلاثة بمضاعفة الأجر فيها، فلماذا؟ الأرض هي أرض الله، والمساجد كلها بيوت الله، كما قال تعالى: ((وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [الجن:١٨] وقال سبحانه: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور:٣٦] وأي مسجد في أقصى الدنيا فهو بيت الله، ولكن كما أن الله اختص جزءاً من المسجد النبوي بأن كان روضةً، وهذا جزء من الأرض بصرف النظر عن المعاني التي قيلت فيه، واختص الله بقع المساجد الثلاثة دون غيرها، واختص الله مكة والمدينة وفضلهما على بقية البلدان، وحتى في الزمان فإن الله قد اختص شهر رمضان وجعل ليلة فيه خيراً من ألف شهر، واختص يوم الجمعة واختص فيه ساعة، واختص يوم عرفة وهو خير يوم طلعت عليه الشمس، إذاً: هناك اختيار من الله وتفضيل لبعض أجزاء الكل على بعضه، فاختار ساعةً من أربع وعشرين ساعة، وليلةً من ليالي السنة، ويوماً من أيام السنة، وشهراً من شهور السنة، وهكذا يختارها الله ويفضلها، كما اختار من بعض البشر رسلاً وفضلهم على كثير من العالمين.
فقالوا: إن سبب مضاعفة الصلاة في هذه المساجد الثلاثة وجواز شد الرحل إليها لأنها هي المساجد المقطوع بعينها، ولو جئت إلى أي مسجد في العالم؛ كمسجد موسى أو مسجد هارون أو مسجد نوح فكلها خاضعة للنظر من حيث سبب تسميتها ومن قام على بنائها، وأما الثلاثة فهي مقطوع بها؛ ولأن هذه الثلاثة اشتركت في عناصر أساسية: اشتركت في كون اختيار مكانها من الله، قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج:٢٦] وقال ﷺ : (دعوها فإنها مأمورة) وفي الأثر أن الله قال لداود ﵇: (ابن لي بيتاً في بيت المقدس حيث ترى الفارس المعلم شاهراً سيفه) فالله تعالى هو الذي عين أماكن المساجد الثلاثة، ثم قام على بنائها أنبياء ثلاثة: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ [البقرة:١٢٧] ومعه إسماعيل، والمسجد النبوي بناه النبي ﷺ ومعه أصحابه، وكانوا يقولون عند البناء: لئن قعدنا والنبي يعمل لذاك منا العمل المضلل فكانوا يحملون الحجارة ويحمل معهم.
إذاً: النبي ﷺ هو الذي خطط وبنى المسجد النبوي، وكذلك مسجد بيت المقدس بناه نبي الله داود، فكون اختيار المكان، وإقامة البناء والإشراف عليه من رسل الله بتوجيه من الله جعل لهذه المساجد فضيلةً على غيرها.
والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1922
كتاب الحج - باب الفوات والإحصار
الإحصار هو مانع يمنع الناسك من الوصول إلى البيت العتيق لأداء نسكه، وسواء كان الإحصار بمنع عدو، أو كان لمرض أو أي مانع يمنع بينه وبين أداء النسك.
وقد أحصر النبي ﷺ عام الحديبية، فتحلل التحلل الكامل: فحلق رأسه، ونحر هديه، وأتى نساءه.
والاشتراط في النسك من السنة لاسيما في هذه الأيام مع كثرة حوادث السيارات، وفائدة الاشتراط أنه يجوز للمشترط التحلل في مكانه الذي أحصر فيه، ويسقط عنه الهدي، ولا ينتظر حتى يذهب السبب ثم يمضي في نسكه.
стр. 1923
حديث: (قد أحصر رسول الله ﷺ فحلق رأسه ... )
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فيقول المصنف ﵀: [عن ابن عباس رضي عنهما قال: (قد أحصر رسول الله ﷺ فحلق رأسه، وجامع نساءه، ونحر هديه حتى اعتمر عاماً قابلاً) رواه البخاري] .
стр. 1924
إحصار النبي ﷺ عام الحديبية
ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يخبرنا عن إحصار رسول الله ﷺ وتحلله حينما أحصر، وأن هذا كان في صلح الحديبية عندما منعه المشركون من أن يصل إلى البيت، وكتبوا الاتفاقية معه أن يرجع من عامه هذا، ويأتي العام القابل، وله أن يمكث في مكة ثلاثة أيام، ولما تم الصلح وكتبت الصحيفة، وهم في منزلهم يقولون: كان رسول الله ﷺ يراوح بين الحل والحرم، لأن الحديبية على حدود حرم مكة، حتى قال بعضهم: كانت خيامهم ومساكنهم في الحل، وإذا أرادوا الصلاة تقدموا وأوقعوا الصلاة في الحرم؛ لفضيلة مضاعفة الصلاة في الحرم.
стр. 1925
التحلل من الإحصار: كيفيته ونوعه
لما أحصر ﷺ وتم الاتفاق -يقول ابن عباس:- (نحر هديه، وحلق شعره، وأتى النساء) .
حلق الشعر يدل على التحلل الأصغر، ولكن بقي التحلل الأكبر ولم يحصل طواف، فـ ابن عباس يؤكد أن تحلل النبي ﷺ في إحصاره يعتبر التحلل كله: الأصغر والأكبر؛ لأنه لو لم يكن التحلل كله ما أتى نساءه، لأننا في الحج والعمرة وجدنا أنه لا يحل للإنسان الجماع إلا بعد أن يكمل النسك، وفي الحج بعد أن يطوف طواف الزيارة -الذي هو الركن الأخير في الحج- فـ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يبين لنا أن النبي ﷺ لما أحصر بالعدو، وكان عنده موعد العام القادم، لم يمكث على إحرامه إلى العام القادم، وإنما تحلل.
وأي أنواع التحلل تحلله ﷺ في هذا الصلح؟ التحلل كله، ونحر هديه، في الحل حيث نزلوا، أو قدموه إلى الحرم، والصحيح أنه في مكانه في الحل كما جاء عن أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها حينما دخل عليها ﷺ مغضباً، فقالت: من أغضبك، أغضبه الله؟ قال: وما لي.
إلخ.
قالت: أتحب أن يفعلوا ذلك؟! قال: بلى.
قالت: لا عليك، خذ المدية، واخرج ولا تكلمن أحداً، واعمد إلى هديك فانحره، فخرج ونحر هديه.
إذاً: فهي ﵂ ما قالت: اذهب به إلى الحرم، ولا ذهب به هو إلى الحرم، فذهب ونحر هديه حيث كان الهدي، وتسابق الناس بالنحر.
إذاً: المحصر ينحر هديه حيثما أحصر.
وسيأتي في النصوص: أنه نحر، ثم حلق، وأمر أصحابه بذلك، وهذا الترتيب -كما يقول بعض العلماء- واجب في حالة الإحصار، بخلاف الحج، فقد جاء: أنهم كانوا يخلون في الترتيب فكان الواحد منهم يذهب إلى رسول الله ﷺ ويقول: ما شعرت نحرت قبل أن أرمي.
قال: ارم ولا حرج.
ما شعرت حلقت قبل أن أنحر؟ قال: انحر ولا حرج.
وما سئل عن شيء قدم أو أخر في ذلك اليوم إلا قال: (افعل ولا حرج) لكن هنا لابد من ترتيب.
إذاً: المحصر بالعدو أياً كان نوعه -كما يقول العلماء- سواء كان مشركاً أو معتدياً أو باغياً ظالماً، فإن المحرم يتحلل.
وهل عليه هدي أو ليس عليه هدي؟ هناك من يقول: عليه هدي لتحلله، وهناك من يقول: ليس عليه هدي، وفي كلا الأمرين جاءت النصوص، ويجمع بعض العلماء قائلاً: إن كان قد اشترط عند إهلاله وقال: محلي حيث حبستني، تحلل ولا هدي عليه، وإن لم يكن قد اشترط تحلل وعليه الهدي.
стр. 1926
قضاء المحصر للحج والعمرة
ثم يأتون إلى القضاء: إن كان محصراً عن عمرة فهل يتعين عليه أن يقضي تلك العمرة، أو أن هذه العمرة قد مضت إلى سبيلها؟ وإذا كان قد أحصر عن حج فهل يقضي هذا الحج، أو أن هذه الحجة قد مضت إلى سبيلها؟ ما يمكن أن يقال: الحجة مضت في سبيلها؛ لأن الحج فيه وقوف وسعي، وفيه أشياء كثيرة، فالذي عليه الجمهور: لا قضاء على من أحصر في نسك.
وعمرة القضية -عمرة القضاء- وقد وقعت في السنة التي تليها بعدما أحصر، على حسب الشرط: يأتون بعدها في السنة القادمة، وفي نفس الشهر، ويؤدون عمرتهم؟ قالوا: هذه العمرة ليست قضاءً عن الماضية، وإنما سميت: عمرت القضية، وعمرة القضاء؛ للمقاضاة -بين الفريقين- المكتوبة في الصحيفة، بدليل أن النبي ﷺ لما جاء في السنة القادمة لم يؤكد على جميع من حضر في السنة الماضية أن يذهب ويقضي عمرته، ولم يطلب منهم ذلك وكما يذكرون عن الشافعي أنه يجزم بأن أشخاصاً حضروا العمرة الأولى في الحديبية ولم يحضروا في العمرة الثانية عمرة القضية.
أما إذا كان أحصر في الحج فقالوا: الحج فرض في العمر مرة، وهذا الذي أحصر لم يؤد الغرض، إذاً: عزم على الحج وحيل دونه، فلا يسقط الفرض عن نفسه بل بقي عليه ويحج من قابل كما قال عمر لـ أبي الدرداء وغيره.
يعني: الحج مطلوب منك أولاً؛ لأنك لم تسقطه عنك بما أحصرت فيه، وهذا غاية ما يبحث في موضوع الفوات والإحصار.
стр. 1927
حديث: (دخل النبي ﷺ على ضباعة ... )
يقول المصنف ﵀: [وعن عائشة ﵂ قالت: (دخل النبي ﷺ على ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، فقالت: يا رسول الله! إني أريد الحج، وأنا شاكية، فقال النبي ﷺ : حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني) متفق عليه] .
стр. 1928
الاشتراط في النسك وأهميته
هذا الحديث ينازع فيه كثير من العلماء، فهي قالت: يا رسول الله! أنا أريد الحج ولكني شاكية مريضة، لا أدري ماذا أصنع وما يطرأ علي في الطريق هل أبلغ المناسك أم لا؟ فقال لها: حجي -يعني: وأنت على حالتك- واشترطي على ربك.
لبيك اللهم حجاً! اللهم إن محَلي -أو محِلي: أي: موضع إحلالي- حيث حبستني، فأسندت الأمر إلى الله، إذا حبسها بالمرض الذي هي شاكية منه، أو حبسها بأي حابس آخر؛ لأن كل شيء مرده إلى الله : ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠] .
قوله ﷺ : (واشترطي) .
وهنا يقول بعض العلماء هذا الاشتراط كان خاصاً بهذه المرأة، والاشتراط لا يسقط شيئاً، وإذا ما أحصر هذا المشترط وتحلل فعليه هدي كغيره، وإذا لم يجد هدياً فصيام ثلاثة أيام في مكانه، وسبعة إذا رجع إلى أهله.
قال الجمهور: إذن: ما فائدة الاشتراط إذا كان لا يعفيه من الهدي؟ وما فائدة الاشتراط إذا كان لا يستفيد منه في أن يتحلل مكانه؟ وهنا جاء التعميم سواء كان الإحصار بمرض أو بعدو: (محلي حيث حبستني) .
وفي عموم الحبس والإحصار رد على من يقول: لا إحصار إلا في العدو، ومن الإحصار -كما ينص مالك -: من كُسِر أو عُرج.
إلخ.
إذاً: الاشتراط في النسك عمرة كان أو حجاً يساعد المحرم أو الناسك في إعفائه من الهدي إن تحلل، وفي جواز وإمكان تحلله في مكانه، وليس بلازم أن يبقى محرماً حتى يتعافى ويأتي إلى مكة ويتحلل بطواف وسعي بعمرة.
وهنا أعتقد أنه يلزم كل إنسان أراد الحج أو العمرة -وخاصة مع حوادث السيارات عافانا الله وإياكم جميعاً أو الإخوان الذين يحاولون التحايل على المرور في التصاريح وعدم التصاريح- أن يشترط بقوله: (محلي حيث حبستني) ، إن فسح له الطريق ومضى فالحمد لله، إن سلم بسيارته ونفسه ومضى فالحمد لله كثيراً، وإن قدر عليه شيء، وردته السلطة من الطريق (فمحلي حيث حبستني) وإن حصل هناك -لا قدر الله- من حوادث السيارات، أو تعطلت السيارة حتى فاته الحج: فمحلي حيث حبستني.
فيستفيد الإنسان من هذا الاشتراط -على قول الجمهور- أنه يسقط عنه الهدي، ويبيح له التحلل في مكانه، ولا ينتظر حتى يذهب السبب ويمضي إلى مكة فيتحلل من إحرامه بالحج بعمل العمرة، وينتقل من نسك إلى نسك، ويبقى الحج إن كان فرضاً فيكون باقٍ عليه، وإن كان نافلة فعلى الخلاف المتقدم: هل يلزمه القضاء أو لا يلزمه?! هذا ما يتعلق بموضوع الشرط.
стр. 1929
حديث: (من كُسر أو عرج فقد حلّ ... )
يقول المصنف ﵀: [وعن عكرمة عن الحجاج بن عمرو الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من كُسر، أو عَرِج، فقد حل، وعليه الحج من قابل.
قال عكرمة: فسألت ابن عباس وأبا هريرة عن ذلك فقالا: صدق) رواه الخمسة وحسنه الترمذي] .
هذا الحديث يأتي به المؤلف ﵀ ليبين أن الإحصار عام: (كسر أو عرج) العرج: يكون في الرجل، والكسر: يكون في محلات عديدة، وبعضهم يقول: إن الإحصار عام في أي مانع يمنع عن إكمال النسك، فلو أن رجلاً لدغته عقرب فهو محصر، وسواء لدغ بعقرب أو بعقربين فليس بمحصر ما دام حياً ولا يمنعه هذا من المضي في طريقه، فيرقي برقية العقرب ويمضي في طريقه، لكن يهمنا التنبيه على التوسع، وكما كان يفعل بعض السلف، وربما أفرط فيستدل بقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤] على الإفطار في نهار رمضان، فإذا قال: أصابعي تؤلمني! تقول: إن كانت أصابعك تؤلمك هل يبيح لك الفطر؟! لا، الفطر في البطن وليس في الأصابع.
إذاً: التطرف في مثل هذه المسائل، والتوسع فيها على غير أساس ليس له موجب مذموم.
فالمؤلف ﵀ يرد بهذا الحديث على من يقول: لا إحصار إلا بعدو، والذي أحصر بالعدو يتحلل، والذي أحصر بغير العدو لا يتحلل حتى يذهب المانع، ويمضي إلى مكة، إن كان أحصر في عمرة أتم عمرته، إن كان أحصر في حج: ذهب وتحلل من حجه بعمرة، وعليه حج من عام قابل، وقوله: (عليه حج) هذه مطلقة سواء كان الحج الذي أحصر فيه نافلة أو فريضة، فالجمهور تمسكوا بظاهر هذا الحديث، وقالوا: عليه حج من عام قابل، وجاء عن ابن عباس ما فيه رد على هذا، قال: من تحلل للذة فعليه الحج من قابل، وعليه الهدي، ويقصد بهذا إذا كان حاجاً، لقوله تعالى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧] إذا وقع بينه وبين زوجه في الحج قبل الوقوف بعرفات فسد حجه لتلذذه، وعليه المضي في حجه هذا الفاسد، وعليه حج من عام قابل، سواء كان الذي أفسده فرضاً أو نفلاً؛ لأنه باختياره.
وهنا ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يقول: إذا ما أحصر بغير لذة، وفاته الحج بغير قصد منه، فحينئذ لا يجب عليه إعادة الفريضة، إلا إذا كان الذي أحصر فيه هو حج الفرض؛ لأن بإحصاره لم يوقع الفرض المطلوب منه، فتكون الذمة لا زالت مشغولة بفريضة حجة الإسلام، فليأت بها.
والله تعالى أعلم.
стр. 1930
كتاب البيوع - باب شروطه وما نهي عنه [١]
خلق الله الناس وقسم أرزاقهم، ومعاشاتهم، وجعلها في أصول المكاسب الثلاثة: التجارة، والزراعة، والصناعة، وللبيوع أحكام كثيرة، بينها أهل العلم على ضوء الكتاب والسنة.
следующие страницы →