← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7714

شرح بلوغ المرام لعطية سالم

عطية سالم

Полный текст (2 523 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

قضاء المحصر للحج والعمرة ثم يأتون إلى القضاء: إن كان محصراً عن عمرة فهل يتعين عليه أن يقضي تلك العمرة، أو أن هذه العمرة قد مضت إلى سبيلها؟ وإذا كان قد أحصر عن حج فهل يقضي هذا الحج، أو أن هذه الحجة قد مضت إلى سبيلها؟ ما يمكن أن يقال: الحجة مضت في سبيلها؛ لأن الحج فيه وقوف وسعي، وفيه أشياء كثيرة، فالذي عليه الجمهور: لا قضاء على من أحصر في نسك. وعمرة القضية -عمرة القضاء- وقد وقعت في السنة التي تليها بعدما أحصر، على حسب الشرط: يأتون بعدها في السنة القادمة، وفي نفس الشهر، ويؤدون عمرتهم؟ قالوا: هذه العمرة ليست قضاءً عن الماضية، وإنما سميت: عمرت القضية، وعمرة القضاء؛ للمقاضاة -بين الفريقين- المكتوبة في الصحيفة، بدليل أن النبي ﷺ لما جاء في السنة القادمة لم يؤكد على جميع من حضر في السنة الماضية أن يذهب ويقضي عمرته، ولم يطلب منهم ذلك وكما يذكرون عن الشافعي أنه يجزم بأن أشخاصاً حضروا العمرة الأولى في الحديبية ولم يحضروا في العمرة الثانية عمرة القضية. أما إذا كان أحصر في الحج فقالوا: الحج فرض في العمر مرة، وهذا الذي أحصر لم يؤد الغرض، إذاً: عزم على الحج وحيل دونه، فلا يسقط الفرض عن نفسه بل بقي عليه ويحج من قابل كما قال عمر لـ أبي الدرداء وغيره. يعني: الحج مطلوب منك أولاً؛ لأنك لم تسقطه عنك بما أحصرت فيه، وهذا غاية ما يبحث في موضوع الفوات والإحصار.

стр. 1927

حديث: (دخل النبي ﷺ على ضباعة ... ) يقول المصنف ﵀: [وعن عائشة ﵂ قالت: (دخل النبي ﷺ على ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، فقالت: يا رسول الله! إني أريد الحج، وأنا شاكية، فقال النبي ﷺ : حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني) متفق عليه] .

стр. 1928

الاشتراط في النسك وأهميته هذا الحديث ينازع فيه كثير من العلماء، فهي قالت: يا رسول الله! أنا أريد الحج ولكني شاكية مريضة، لا أدري ماذا أصنع وما يطرأ علي في الطريق هل أبلغ المناسك أم لا؟ فقال لها: حجي -يعني: وأنت على حالتك- واشترطي على ربك. لبيك اللهم حجاً! اللهم إن محَلي -أو محِلي: أي: موضع إحلالي- حيث حبستني، فأسندت الأمر إلى الله، إذا حبسها بالمرض الذي هي شاكية منه، أو حبسها بأي حابس آخر؛ لأن كل شيء مرده إلى الله : ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠] . قوله ﷺ : (واشترطي) . وهنا يقول بعض العلماء هذا الاشتراط كان خاصاً بهذه المرأة، والاشتراط لا يسقط شيئاً، وإذا ما أحصر هذا المشترط وتحلل فعليه هدي كغيره، وإذا لم يجد هدياً فصيام ثلاثة أيام في مكانه، وسبعة إذا رجع إلى أهله. قال الجمهور: إذن: ما فائدة الاشتراط إذا كان لا يعفيه من الهدي؟ وما فائدة الاشتراط إذا كان لا يستفيد منه في أن يتحلل مكانه؟ وهنا جاء التعميم سواء كان الإحصار بمرض أو بعدو: (محلي حيث حبستني) . وفي عموم الحبس والإحصار رد على من يقول: لا إحصار إلا في العدو، ومن الإحصار -كما ينص مالك -: من كُسِر أو عُرج. إلخ. إذاً: الاشتراط في النسك عمرة كان أو حجاً يساعد المحرم أو الناسك في إعفائه من الهدي إن تحلل، وفي جواز وإمكان تحلله في مكانه، وليس بلازم أن يبقى محرماً حتى يتعافى ويأتي إلى مكة ويتحلل بطواف وسعي بعمرة. وهنا أعتقد أنه يلزم كل إنسان أراد الحج أو العمرة -وخاصة مع حوادث السيارات عافانا الله وإياكم جميعاً أو الإخوان الذين يحاولون التحايل على المرور في التصاريح وعدم التصاريح- أن يشترط بقوله: (محلي حيث حبستني) ، إن فسح له الطريق ومضى فالحمد لله، إن سلم بسيارته ونفسه ومضى فالحمد لله كثيراً، وإن قدر عليه شيء، وردته السلطة من الطريق (فمحلي حيث حبستني) وإن حصل هناك -لا قدر الله- من حوادث السيارات، أو تعطلت السيارة حتى فاته الحج: فمحلي حيث حبستني. فيستفيد الإنسان من هذا الاشتراط -على قول الجمهور- أنه يسقط عنه الهدي، ويبيح له التحلل في مكانه، ولا ينتظر حتى يذهب السبب ويمضي إلى مكة فيتحلل من إحرامه بالحج بعمل العمرة، وينتقل من نسك إلى نسك، ويبقى الحج إن كان فرضاً فيكون باقٍ عليه، وإن كان نافلة فعلى الخلاف المتقدم: هل يلزمه القضاء أو لا يلزمه?! هذا ما يتعلق بموضوع الشرط.

стр. 1929

حديث: (من كُسر أو عرج فقد حلّ ... ) يقول المصنف ﵀: [وعن عكرمة عن الحجاج بن عمرو الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من كُسر، أو عَرِج، فقد حل، وعليه الحج من قابل. قال عكرمة: فسألت ابن عباس وأبا هريرة عن ذلك فقالا: صدق) رواه الخمسة وحسنه الترمذي] . هذا الحديث يأتي به المؤلف ﵀ ليبين أن الإحصار عام: (كسر أو عرج) العرج: يكون في الرجل، والكسر: يكون في محلات عديدة، وبعضهم يقول: إن الإحصار عام في أي مانع يمنع عن إكمال النسك، فلو أن رجلاً لدغته عقرب فهو محصر، وسواء لدغ بعقرب أو بعقربين فليس بمحصر ما دام حياً ولا يمنعه هذا من المضي في طريقه، فيرقي برقية العقرب ويمضي في طريقه، لكن يهمنا التنبيه على التوسع، وكما كان يفعل بعض السلف، وربما أفرط فيستدل بقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤] على الإفطار في نهار رمضان، فإذا قال: أصابعي تؤلمني! تقول: إن كانت أصابعك تؤلمك هل يبيح لك الفطر؟! لا، الفطر في البطن وليس في الأصابع. إذاً: التطرف في مثل هذه المسائل، والتوسع فيها على غير أساس ليس له موجب مذموم. فالمؤلف ﵀ يرد بهذا الحديث على من يقول: لا إحصار إلا بعدو، والذي أحصر بالعدو يتحلل، والذي أحصر بغير العدو لا يتحلل حتى يذهب المانع، ويمضي إلى مكة، إن كان أحصر في عمرة أتم عمرته، إن كان أحصر في حج: ذهب وتحلل من حجه بعمرة، وعليه حج من عام قابل، وقوله: (عليه حج) هذه مطلقة سواء كان الحج الذي أحصر فيه نافلة أو فريضة، فالجمهور تمسكوا بظاهر هذا الحديث، وقالوا: عليه حج من عام قابل، وجاء عن ابن عباس ما فيه رد على هذا، قال: من تحلل للذة فعليه الحج من قابل، وعليه الهدي، ويقصد بهذا إذا كان حاجاً، لقوله تعالى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧] إذا وقع بينه وبين زوجه في الحج قبل الوقوف بعرفات فسد حجه لتلذذه، وعليه المضي في حجه هذا الفاسد، وعليه حج من عام قابل، سواء كان الذي أفسده فرضاً أو نفلاً؛ لأنه باختياره. وهنا ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يقول: إذا ما أحصر بغير لذة، وفاته الحج بغير قصد منه، فحينئذ لا يجب عليه إعادة الفريضة، إلا إذا كان الذي أحصر فيه هو حج الفرض؛ لأن بإحصاره لم يوقع الفرض المطلوب منه، فتكون الذمة لا زالت مشغولة بفريضة حجة الإسلام، فليأت بها. والله تعالى أعلم.

стр. 1930

كتاب البيوع - باب شروطه وما نهي عنه [١] خلق الله الناس وقسم أرزاقهم، ومعاشاتهم، وجعلها في أصول المكاسب الثلاثة: التجارة، والزراعة، والصناعة، وللبيوع أحكام كثيرة، بينها أهل العلم على ضوء الكتاب والسنة.

стр. 1931

شرح حديث: (أيُّ الكسب أطيب) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين وعلى آله وصحبه، أما بعد: قال المصنف ﵀: [وعن رفاعة بن رافع ﵁: (أن النبي ﷺ سئل: أيُّ الكسب أطيب؟ قال: عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور) رواه البزار وصححه الحاكم] . بدأ المؤلف ﵀ كتاب البيوع بهذا الحديث وفيه: أنه ﷺ سئل عن أطيب الكسب، ما هو؟ وبعض العلماء يقول: إن جميع المكاسب راجعة إلى الزراعة والتجارة والصناعة، يعني: هذه الثلاثة، التي فيها التنمية، وفيها نمو المال، أو نمو المادة الخام وتطورها، فالزارع: حبة بذر يجعلها المزارع في الأرض، فتنمو إلى سبع سنابل ﴿فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة:٢٦١] ، الحبة نمت إلى سبعمائة، فهذا نمو، كذلك التجارة: يأخذ السلعة بعشرة ويبيعها باثني عشرة، هذا أيضاً نمو، ويجتمع له هذا النماء، كذلك الصنعة يأخذ القطن فيغزله، ويأخذ الغزل فينسجه، ويأخذ النسيج فيفصله وهكذا تتطور المادة الخام على أيدي الصناع كل بحسبه، وفي كل مرحلة من هذا التصنيع تنتفع الأمة. إذاً: أصول المكاسب هذه الثلاثة، ثم يختلفون أيها أفضل، أهي الزراعة، أم التجارة؟ فبعضهم يقول: الله جعل البركة مائة جزء، أنزل منها جزءاً إلى الأرض، وادخر تسعة وتسعين إلى يوم القيامة، والجزء الذي نزل إلى الأرض منه تسعة وتسعون في التجارة، والباقي في الصناعة، وفي الزراعة، وفي الأمور الأخرى. والذي يرجحه العلماء: أن أفضل الكسب الزراعة؛ لأن الزراعة يستفيد منها الإنسان، والحيوان، والطير، فكل هؤلاء يستفيدون من عمل الفلاح. وبعضهم يقول: هناك كسب آخر، لكنه راجع إلى عمل اليد، وهو الكسب من الغنائم في الجهاد في سبيل الله، ويقول آخرون: الجهاد من عمل اليد، فلم يخرج عن هذه الثلاث.

стр. 1932

الحرص على أطيب الكسب وفائدته قوله: (أطيب الكسب) ولماذا كانوا يسألون عن أطيبه؟ لأنهم يعلمون بأن طيب الكسب صحة في البدن، وعون على الطاعة، لما سأل سعد رسول الله ﷺ : (ادعُ الله أن يجعلني مستجاب الدعوة -ماذا قال له؟ هل قال له: أكثر من الصلاة في الليل، أكثر الصيام، أكثر الصدقة؟ لا- ولكن قال: أطب مطعمك) ، وفي الحديث الآخر: (الرجل أشعث أغبر يطيل السفر، يمد يديه إلى السماء: يا رب! يا رب! أنّى يستجاب له؟! ومطعمه حرام، وملبسه حرام) إذاً: حرمة المطعم ومحرميته حالت دون استجابة دعائه، إذاً: من حقهم رضوان الله تعالى عليهم أن يسألوا عن أطيب الكسب، ولم يسألوا عن أطيب الكسب إلا ليتحروه ويعملوا به فماذا كان الجواب؟ قال: (عمل الرجل بيده) . يقولون: لفظة (الرجل) وصف طردي لا مفهوم له؛ فالمرأة في بيتها قد تغزل وتبيع الغزل، وتنسج، وتخيط الثياب، فإذا كان للمرأة عمل فكذلك: أطيب كسبها عملها بيدها. وهنا إذا نظرنا إلى بعض الأشخاص نجده لا عمل له، يقول عمر رضي الله تعالى عنه: كنت أرى الشاب فيعجبني، فأسأل عن عمله؟ فيقال: لا عمل له، فيسقط من عيني. من هنا فالمرابي لا يعمل بيده شيئاً، وإنما يرسل دراهمه تعمل على حساب الناس وهو لا يعمل، فلا يتاجر، ولا يزرع وإنما يتابع الدراهم أين ذهبت؟ ومن أين جاءت؟ ونبي الله داود -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- ماذا كان يفعل؟ كان يأكل من كسب يده ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ [الأنبياء:٨٠] ، ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [سبأ:١٠] نبي ملك، ولكن ما كان يعوِّل على ما في ملكه وما في خزائنه، وإنما كان يعمل بيده ويأكل من كسب يده. فالموظف في آخر الشهر، يذهب ويستلم الراتب، فيحس بلذة ذلك، وهذا مجرب؛ لأنه من عرق جبينه، ومن عمل يده، ولو أن إنساناً جاء وأعطاك عشرة ريالات وقال: هذه هدية، هل تحس لهذا لذة كلذة عمل يدك؟ لا؛ لأنك لم تبذل جهداً مقابل الهدية، وإن كانت حلالاً، فالشخص الذي لا يكسب من عمل يده، وإنما ورث مالاً كثيراً، تجده يأكل ولا يشعر بما يأكل، ولا يستطعم نوع طعامه، بخلاف الشخص الذي يكد ويعمل، مهما كان نوع العمل، كما قيل: لا عيب في الكسب، العيب في مد اليد، وذكرنا لكم مراراً: كان في هذا المسجد النبوي الشريف نجوم، فإذا كانوا في الصباح ذهبوا في سوق الخضرة، وإذا كان بين المغرب والعشاء تراهم مثل الشموع المضيئة: نظافة، أناقة، عزة نفس، حاضرين في الدرس. لا أستطيع أن أقول لك أكثر من هذا، يعمل ويكسب بيده، ولا ينتظر حسنات الناس! إذاً: أطيب الكسب عمل الرجل بيده، ولا يضير إنسان أنه يعمل بيده، وكان العرب ينظرون إلى بعض الأعمال الدنيئة بازدراء، كالحجامة والحلاقة وكذا وكذا، وهذه عادات، وربما ما كان قبيحاً في مجتمع يكون عادياً في مجتمع آخر، فهذه بحسب العادة، وحسب العرف عند الناس، ولكن إذا كان هذا العمل يعفه عن مد اليد فهو شريف، وإن كان وضيعاً عند الناس. وهذا الحديث يرشد أن أطيب الكسب: عمل اليد، فهو يقضي على الفراغ؛ لأن كل إنسان يريد أطيب الكسب، فيذهب ويفتش ويعمل بقدر ما يستطيع فتقل نسبة البطالة التي يشتكي منها العالم المتمدن والمتحضر الآن، وكسب الرجل بيده يكون بأي صفة من صفات العمل، ولو بالكلام، فهو كسب، ولو بالتوجيه فهو كسب بيده، ولو بالحركة: يفلح الأرض، أو يصنع الصناعة أو. إلخ فهو كسب باليد. إذاً: (سئل ﷺ عن أطيب كسب الرجل، فقال: عمل الرجل بيده) .

стр. 1933

البيع المبرور قوله: (وكل عمل مبرور) . وهذا ما أشرنا إليه: أي نوع من أنواع الكسب، البيع هل هو في عمل الرجل بيده أم لا؟ فالبائع يأتي بالسلعة ويذهب إلى الدكان ويوزن ويعطي هذا وهذا. إلخ، إذا انتهت البضاعة ذهب إلى تاجر الجملة وأتى بها، فهو يعمل بيده ورجله، ولكن لكون البيع المبرور من أميزها، والمبرور هنا: المفعول بالبر فهو: سالم من الغش، سالم من التدليس، سالم من غبن الجهال، سالم من انتهاز الفرص مع الحمقى، ومع الذين لا يعرفون الأسواق، فبعضهم إذا رأى إنساناً جاهلاً لا يدري عن شيء انتهز الفرصة ورفع الأسعار، وإذا رأى إنساناً حاذقاً ويعرف كل شيء تأدب معه فهذا ليس بيعاً مبروراً، بل يجب عليه أن يبر بيعه، وينصح إذا سئل عن سلعة معينة والآن في الوقت الحاضر مثلاً: هناك ماركة معينة راجت عند الناس، فيطلبها إنسان بالسماع، وهو لا يدري عنها، فجاء هذا البائع مستغلاً الفرصة وقال: هذا جاهل لا يدري كوعه من بوعه، فأعطاه سلعة غير الماركة المطلوبة، وقال له: هذه هي. وذاك لا يدري، فهذا البيع ليس مبروراً، بل هو غش. فالبيع المبرور: أولاً يتحرى فيه نوع السلعة وأنها حلال، ونوع السعر، فلا يستغل الضعاف في الزيادة والنقص، وإنما يعامل الناس معاملة واحدة، وقد يتفاوت البيع بعض الشيء فيتساهل مع هذا بواحد في المائة، ويزيد على هذا واحداً في المائة، فهذا يعوض هذا، المهم إلاّ يكون الغبن فاحشاً. وأحياناً تكون السلعة موجودة عند البائع، ولكنه يقول: ما عندي، ولكن أنا أقدر أن آتي لك بها ولكن بزيادة قليلة!، وجد المشتري في حاجة إلى السلعة، ومضطراً إليها، فلو قال له: هي عندي، خذ، فإن المشتري سيساومه على الثمن، ولكنه يقول له: هذه السلعة معدومة، ولكن يمكن أن أوفرها لك من عند بعض التجار، ولكن بسعر فيه زيادة قليلة، ولماذا هذه اللفة الطويلة؟! من أجل الاحتيال على المشتري والزيادة في السعر! وكذلك من عدم البر في البيع: ترويج السلع بالأيمان فيحلف أيماناً بأنها الممتازة، والجيدة، والجديدة. إلخ، وأن سعرها كذا وأنا تساهلت معك لماذا هذا كله؟! وأنت ترى إذا عرف تاجر في بلد بصدق الكلمة، وتوحيد السعر، كان موضع ثقة عند الجميع، وإذا عرف إنسان بعكس ذلك تجد الناس يتواصون بالحذر منه: فلان احذر منه! إذا جئته فانتبه منه! لماذا هذا؟! والتاجر الأمين مع النبيين والصديقين. الأجير في عمله إذا عمل بيده فعليه أن يعمل عملاً مبروراً، فإن كان أجيراً باليوم فلا يضيع اليوم والزمن في الذهاب والإياب والمراوغة، فإذا أراد أن يصلي العصر تراه يذهب يتمشى، وبدلاً من أن يتوضأ يذهب يستحم، لماذا هذا كله؟ والبر في البيع بجميع أنواعه: هو الإخلاص، وعدم الغش، والنصح لله، ولعامة المسلمين، في تلك السلعة وفي غيرها، كذلك المشتري يجب عليه أن ينصح في الثمن، فلا يأتي بنقد مغشوش، ويقول: هذا البائع بدوي لا يدري المغشوش من الصحيح، ويقدمه له على أنه نقد صحيح فلو كانت معه ورقة خمسمائة ريال مزورة، وأعطاها لواحد بدوي لا يعرف الورق، ولا يعرف النقد، فهذا سينظر إلى الأصفار وسيرى الخمسة فيأخذها، ولكنه لا يعرف المزيف من غير المزيف. إذاً: البر مطلوب من الجانبين: جانب البائع، وجانب المشتري.

стр. 1934

شرح حديث: (إن الله حرم بيع الخمر) قال ﵀: [وعن جابر بن عبد الله ﵄: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول عام الفتح وهو بمكة: إن الله حرم بيع الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام، فقيل: يا رسول الله! أرأيت شحوم الميتة، فإنها تُطلى بها السفن، وتدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: لا، هو حرام، ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: قاتل الله اليهود، إن الله تعالى لما حرم عليهم شحومها جملوه، ثم باعوه فأكلوا ثمنه﴾ متفق عليه] . لاحظوا هذا الترتيب! بدأ المؤلف بالترغيب في أطيب الكسب: عمل اليد، البيع المبرور، عمل اليد دخلت فيه الزراعة، ودخلت فيه الصناعة، ودخلت فيه التجارة، لكن لاختصاصها جاء بهذا الوصف: البيع المبرور، ورغب الناس في الكسب الحلال، ثم بدأ بما يتمشى مع العنوان: قال: كتاب البيوع، ثم قال: شروطه -أي: شروط البيع- وما نهي عنه، وأين: ما أمر به؟ لا يوجد لماذا؟ لأن القاعدة عند الفقهاء أن الأصل في الأشياء الإباحة، فكل ما أنبتت الأرض، وأخرجت البحار، وأمطرت السماء، وجاءت به الأشجار. كل ذلك الأصل فيه الإباحة ما لم يرد الحظر، كما أن الأصل في العبادة الحظر ما لم يأت إذن، فهل تصلي العشاء الآن؟ ممنوع، متى نصلي؟ حينما يأتي الإذن، العشاء نصليها خمس ركعات؟ لا، ممنوع. كم نصليها؟ على ما جاء به الإذن: أربع، جاء الإذن في الصبح باثنتين، وفي المغرب بثلاث، إذاً: الزيادة محظورة وهكذا فالأصل في الأعيان الإباحة، والأصل في العبادات الحظر. فلما كان الأصل في الأعيان الإباحة؛ فكل شيء يجوز بيعه، إلا ما جاء النص في تحريمه، إذاً: نحن الآن نحتاج إلى بيان ما يباح بيعه، أو نحتاج إلى بيان ما لا يجوز بيعه؟ نحتاج إلى بيان ما لا يجوز بيعه، ولهذا قال المؤلف: شروطه، وما نهي عنه. فبدأ بأشد الممنوعات، وذكر لنا جابر رضي الله تعالى عنه تاريخ الرواية: في فتح مكة: حرّم الله بيع الخمر.

стр. 1935

تحريم الخمر شرباً وبيعاً واستعمالاً الخمر من حيث هي اسم جنس يصدق على كل ما خامر العقل، والتخمير: من الخمار وهو الغطاء على الوجه، (خمروا الإناء فإن البلاء ينزل في ليلة من السنة) ، (خمر -أي: ضع عليه الغطاء- فإن لم تجد فضع عليه عوداً وقل: باسم الله) فالخمر: اسم جنس لكل ما خامر العقل، سواء كان سائلاً، أوجافاً، بأي نوع من الأنواع، فهو خمر في مسماه اللغوي، والشرع جعل كل ما أسكر خمراً، ولو كان لا يسكر منه إلا الكثير، فقد قال ﷺ : (ما أسكر منه ملء الفرق فملء الكف منه حرام) ، وليس المراد من هذا التحديد بملء الكف، وأن خمسة كفوف، وعشرة كفوف، ليس بمسكر وليست حراماً، لا، ولكن المراد: المقابلة بين الكثير والقليل، وأن الجميع محرم، فالقطرة الواحدة حرام شرباً وبيعاً. كان أحد الناس يأتي إلى الرسول ﷺ بنبيذ وبخمر، قبل أن تحرم الخمر، وكان ﷺ من عادته أن يشرب النبيذ: نبيذ الزبيب، نبيذ التمر، نبيذ كذا وكذا، من الأشياء التي تنبذ في الماء فتعطيه الحلاوة والطعم، ما لم يتخمر أو تمضي عليه أربع وعشرون ساعة، فإذا تخمر قبل أربع وعشرين ساعة لم يشربه، وإذا مضت عليه أربع وعشرون ساعة -ولو لم يختمر- تركه لغيره ولم يشربه. فجاء ذلك الرجل بزق من الخمر، والنبي ﷺ في مكان يسمونه: مسجد الفضيخ، قال: يا رسول الله! أهديت إليك هذا، قال: أما علمت أن الله قد حرمها؟ فجاء رجل وهمس في أذن صاحب الخمر، فانتبه النبي ﷺ ، وقال: ماذا قال لك؟ قال: يقول: اذهب فبعها، فقال ﷺ : (إن الله إذا حرم شيئاً حرم بيعه) . وتحريم البيع يدل على المنع، وسيأتي النقاش في منع البيع، أو منع الاستعمال. يخبرنا الرسول ﷺ بقوله: (إن الله حرّم) لو قال: إن الله حرم، فيكون على لسان رسول الله ﷺ ، ولو قال: إن رسول الله ﷺ حرم، فيكون بوحي من الله، فالتحريم من الله ومن الرسول ﷺ متلازمان، فإذا ذكر التحريم من الله فقط لزم التحريم من رسوله ﷺ ، وإذا ذكر التحريم من رسوله ﷺ فقط، لزم التحريم من الله أيضاً. (إن الله حرّم بيع الخمر) ، يعني: إن الله ورسوله ﷺ حرما بيع الخمر. وعلى هذا تكون الخمر محرمة مطلقاً، شرباً وبيعاً واستعمالاً، وقد ذكرت لكم مرة ما وقع من خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه، أنه حينما انتهى من فتح الشام دخل الحمام، وبعد أن دخل الحمام ادهن أو اطلى بالنورة في مواطن الشعر، يعني استعمل النورة مزيلاً للشعر، وهذا معروف عندهم، لكن النورة حارة تلهب الجلد، فأخذ العصفر، وعجنه بالخمر؛ لأن الخمر بارد، وطلى به مواضع النورة، فبلغ ذلك أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه، فكتب إليه: يا خالد! بلغني أنك استعملت الخمر في كذا وكذا، وقد علمت أن الله حرمها. فكتب إليه: يا أمير المؤمنين! إني لم أشربها، ولكنني استعملتها غسولاً -أغسل بها محل النورة-. فكتب إليه مرة أخرى: لقد علمت أن الله حرم الخمر، وإذا حرم الله شيئاً حرمه ظاهراً وباطناً، ولكنكم آل المغيرة فيكم جفوة، أرجو ألا تموتوا على ذلك. فكتب إليه: قد انتهيت يا أمير المؤمنين! هذا في البداية والنهاية لـ ابن كثير، لمن أراد أن يرجع إليه. فهنا قول عمر: قد علمت أن الله حرمها، وإذا حرم شيئاً حرمه ظاهراً وباطناً، يستعمل في الظاهر مثل الميكروكرم أو صيغة يود أو أي شيء مطهر. (إن الله حرم بيع الخمر) إذاً: نأخذ من لازم تحريم بيعها تحريم الانتفاع منها؛ لأن الذي يريد أن يأخذها ماذا يصنع بها؟ لابد أن ينتفع بها، ينتفع بماذا؟ لا يوجد إلا الشرب.

стр. 1936

حكم بيع الميتة والانتفاع بها قوله: (والميتة) . حرم بيع الميتة، الميتة جاء النص في تحريمها، ويرى بعض العلماء أن النص مجمل: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ﴾ [المائدة:٣] ، فقال: حرمت في ماذا؟ هل أكلها، بيعها، شراؤها؟ قالوا: هذا مجمل. والآخرون قالوا: لا، ليس مجملاً؛ لأن الفائدة من الميتة كانت قبل الموت إذا ذكيت بالأكل، وليس هناك أي جانب انتفاع إلا الأكل، فلما حرم بيع الميتة حرم أكلها، كما حرمت الخمر وحرم شربها. والنقاش في نجاسة الميتة، ونجاسة الخمر، وبالتالي نجاسة الدم؛ لأن الرسول ﷺ نهى عن بيع الدم، فالصحابة رضي الله تعالى عنهم أخذوا حكم النجاسة في الميتة من حكم تحريمها، وذلك حينما مر ﷺ بشاة -لـ ميمونة - ميتة يجرونها، فقال: (هلا انتفعتم بإهابها) -الإهاب لغة: الجلد قبل الدبغ- (فقالوا: إنها ميتة يا رسول الله!) والرسول ﷺ يعلم أنها ميتة، فهو يراهم يجرونها، وهل خفي عليه أنها ميتة، أم أنه يراها؟! هو يراهم يسحبونها، ويرى أنها ميتة، لكن قولهم: إنها ميتة، لا لإخباره بموتها؛ لأنه مشاهد، ولكن للازم موتها وهو النجاسة، (إنها ميتة) ، بمعنى: إنها نجسة بالموت، وكان جوابه إياهم بمقتضى هذا، فقال: (يطهره -أي: الإهاب- الماء والقرظ) إذاً (إنها ميتة) لا يعنون بذلك الإخبار، وإنما يعنون النجاسة، وهو يكلمهم عن الإهاب، وخاطبهم في الطهارة والنجاسة، لا في الأكل والشرب، قال: يطهره. إذاً: يطهره، رداً على استشكالهم النجاسة اللازمة للميتة، فقوله: (يطهره) أي: نعم هي ميتة، ونعم هي نجسة كما قلتم وفهمتم، ولكن ليست النجاسة لازمة لها، فإن جلدها يمكن تطهيره بالماء والقرظ. إذاً: نهى عن بيع الخمر، ونهى عن بيع الميتة، والنهي يقتضي التحريم، وهناك قاعدة: كل محرم لذاته فهو نجس العين.

стр. 1937

العلة في النهي عن بيع وأكل لحم الخنزير قوله: (والخنزير) . وكذلك نهى عن بيع الخنزير ولو كان حياً، ولماذا لا يباع ولحمه يؤكل، وشهي عند أصحابه وأربابه؟ فلماذا نهى عنه؟ لابد من علة، ما هي هذه العلة؟ هل لأنه ميتة؟ لا، لأنه نهى عن بيع الخنزير وهو حي يمشي على أربع، والعلة في النهي عن بيع الخمر هي النجاسة، والعلة في النهي عن بيع الميتة النجاسة، إذاً: الخنزير يشترك مع الخمر والميتة في النجاسة، ولذا ورد في النص الكريم: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام:١٤٥] والرجس: النجس. إذاً: هذه الثلاثة نهى ﷺ عن بيعها لنجاستها. الشيء الثاني: هناك جوانب تدل على حكمة التشريع، فالخمر ولو لم تكن نجسة فهي ضارة، والمضر لا يجوز استعماله؛ لأنه يضر بالجسم، ويكفي في ضررها أنها تزيل العقل، وتسلب الإنسان أعز ما به كان إنساناً، والميتة ضارة بعينها على جسم الإنسان، والإنسان ممنوع من تعاطي ما فيه ضرر عليه، والخنزير كذلك، ويذكر أبو حيان ﵀ في تفسيره عند الكلام على لحم الخنزير، قال: إن الخنزير مفقود الغيرة، لا يغار الذكر على أنثاه -يقول-: وقد شاهدنا من أكثر من أكل لحم الخنزير أنه سلب الغيرة، فيرى زوجه تلاعب غيره على مرأى منه ولا يتأثر، وأي مضرة ومصيبة في افتقاد الرجل الغيرة؟! وسبق أن قلت: الغيرة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: غيرة جنونية، ويسميها علماء الاجتماع: الغيرة السوداء وهي: التي تحجب عن صاحبها الرؤية؛ فيبطش، ويفعل كل ما بدا له غيرة، والأمر لا يحتاج إلى هذا كله، وغيرة حمراء، وهي: الغيرة التي تدفع صاحبها للذب عن محارمه، ويغار على محارم الله، وهذه هي الغيرة المشكورة فإن زادت أفسدت، وإن ضعفت أفسدت؛ لأنه لا يغار على محارمه، ولا يغار على محارم الله، وأصبح لا غيرة له كما قال أبو حيان ﵀. ومن المضار الصحية في لحم الخنزير: ما قرره الأطباء من أنه ينتج عنه دود العضل، والدود معروف وغالباً يكون في المعدة، ويُعالج بالدواء وينتهى، حتى الدودة الشريطية التي طولها اثنا عشر متراً، وتعيش في المعدة، ولكنها تُعالج وتخرج بدواء خاص، أما الدود الذي في العضل، في الفخذ أو في اليد أو في الزند فلابد من شق العضلة، ولقطه بالملقاط: واحدة واحدة، وهذه أكبر مصيبة. إذاً: نهيه ﷺ عن بيع الخنزير؛ للعلة التي اشترك فيها مع الميتة والخمر، والمنصوص عليها في كتاب الله بأنه رجس.

стр. 1938

حكم بيع الأصنام والانتفاع بها قوله: (والأصنام) . الأصنام: كل ما كان مجسماً على صورة معبود -أياً كان- نجم، قمر، حيوان، شجرة، فكل ما يعبد، وله جسم مجسم، له ظل، فهو صنم، وهنا يقولون: هل تحريم بيع الأصنام لذاتها -لنجاستها- أو للازمها؟ فاتفقوا على أن النهي عن بيع الأصنام إنما هو للازمها، وهو: كونها تعبد من دون الله، أما إذا كسرتها وجعلتها وقوداً فلا شيء في ذلك؛ لأنها ليست نجسة، أو كسرتها وصنعت منها كرسياً فلا شيء في ذلك؛ لأنها ليست نجسة، وعلي رضي الله تعالى عنه لما وصل مهاجراً ونزل في قباء، كان يرى رجلاً يطرق الباب ليلاً على امرأة مغيبة، ويعطيها شيئاً، فجاءها علي في النهار وقال: يا أمة الله! من هذا الرجل الذي أرى منه كذا وكذا! لقد رابني أمرك! قالت: إنه سهل بن حنيف، علم أني امرأة، وليس عندي أحد، فيغدو على أصنام القوم فيأتيني بها ويقول: احتطبي بهذا. إذاً: الأصنام تسمى بهذا الاسم إذا كانت على هيئتها الصنمية، فإذا ما كسرت لم تعد أصناماً، وأصبحت خشباً مكسراً، أو حديداً أو نحاساً، أو أي مادة صنعت منها. إذاً النهي عن بيع الأصنام لا لعينها ولكن للازمها. والأصنام: كل ما عبد من دون الله وكان ذا جسم -أي: شاخص- له ظل، مصنوع من خشب، أو حجر، أو معدن، ذهب أو فضة، أو نحاس، أو من الأحجار الكريمة، ويوجد في بعض البلاد -في معابد غير اليهود والنصارى والمسلمين- صور لأصنام من أحجار كريمة، ربما تعادل الملايين من الدولارات، وبيع الأصنام محرم، لا لنجاستها كما هو الحال في الخمر والميتة والخنزير، ولكن لعدم منفعتها، ولما يترتب عليها من الضلال فإنها تعبد من دون الله. ويتفق العلماء على أن الصنم إذا كسر وتغيرت حالته عن كونه صنماً مجسماً ذا صورة وهيئة، وأصبح فُتاتاً وكسراً، ويمكن الانتفاع بتلك الأجزاء؛ فلا مانع من بيعها، فإذا كان الصنم من أحجار كريمة: كالفيروز، والياقوت، والعقيق، أو نحو ذلك، وفتت وأخذ فتاته، وانتفع به حلية: كفصوص للخواتم، وزينة لبعض المقتنيات فلا مانع، أو كان حجراً يمكن الاستفادة منه في بناء شيء أو ارتكاز شيء، أو كان خشباً يمكن الاستفادة منه باتخاذه حطباً، أو اتخاذه إناء، أو شيئاً مما ينتفع به في غير العبادات أو الضلال، فلا مانع. وأشرنا إلى ما كان من علي رضي الله تعالى عنه حينما قدم مهاجراً، ونزل بقباء، وكانت هناك امرأة مغيبة -أي: ليس لها زوج حاضر- فكان يأتي شخص بالليل ويطرق عليها الباب، فتخرج فيناولها شيئاً ويذهب، فارتاب علي رضي الله تعالى عنه في ذلك فسألها: من هذا الذي يطرق عليكِ الباب ليلاً ويناولك شيئاً؟! وأنت امرأة وحيدة مغيبة! قالت: هذا فلان -وسمته: سهل بن حنيف - علم أني وحيدة، فيعدو على أصنام القوم، فيأتيني بها ويقول: احتطبي بهذه. أي: تتخذها حطباً توقدها وتستفيد من وقودها، سواء كان في خبز عجينها، أو في طهي طعامها، أو تسخين مائها، أو تدفئتها، أو أي منفعة من المنافع التي يحتاجها الناس في البيوت.

стр. 1939

يحرم بيع ما لا فائدة منه ويلحق بهذا كل ما لا فائدة فيها شرعاً، ولا عرفاً، فإنه يحرم بيعه، ومن ذلك آلات الملاهي، وتلك الأوراق التي يلعب بها كثير من الناس، فإنها ليس فيها فائدة، وقد يذكر أهل هذه اللعب فوائد لبعضها كتعليم الحساب، أو تعليم السياسة العسكرية، كما جعلوا ذلك في بعض أنواع النرد، ويسمونها (لعبة الملوك) وفيها تسيير الجيوش وتدبيرها، فالشطرنج مثلاً: بعضهم أجازها؛ لأن فيها التدريب على حسن قيادة الجيوش، وبعضهم قال: هي من الملاهي، فإذا كانت اللعبة، أو الآلة والأداة لا فائدة من ورائها -كأدوات الطرب جميعها بدون استثناء- ديناً ولا دنيا، فلا يجوز بيعها؛ لعدم صحة الانتفاع بها، وعدم إذن الشرع فيها، فكل ما نهى الشرع عنه من تلك النواحي أو كان لا فائدة فيه فهو داخل في عموم النهي عن بيع الأصنام، لا لأنه صنم، ولكن لأنه لا نفع فيه. وأجمع العلماء على أن من شروط صحة المبيع أن يكون مما ينتفع به، أما ما لا ينتفع به فلا يجوز بيعه، فلو أن إنساناً يتاجر بالحيات والثعابين! فهذه لا ينتفع بها، اللهم إلا في المزارع الخاصة بها، فينتفع منها باستخراج سمها؛ لإدخاله في بعض الأدوية، وبعض المصالح، لأن سم الثعبان قد يعالج به، كما قال القائل: وداوني بالتي كانت هي الداء، فإذا اقتني لاستخلاص السم منه وتصنيعه، فلا بأس في ذلك، أما إذا كان للإيذاء، إذا كان للعب، أو كان لترويع الناس، فهذا حرام ولا يجوز بيعه. وهكذا الحشرات التي لا تنفع، فكل ما لا نفع فيه شرعاً، ولا نفع فيه عرفاً، لا يجوز بيعه، وهو داخل تحت عنوان: النهي عن بيع الأصنام.

стр. 1940

حكم بيع شحوم الميتة والانتفاع بها وهكذا نهى ﷺ عن هذه المسميات، ثم إن السامع لما سمع النهي عن بيع الميتة، والميتة فيها ما ينتفع به عرفاً، وهو شحوم الميتة، يؤخذ فيجمل فيذاب -كما ذكر- وتطلى به السفن، أي: من الجانب الذي يلي الماء؛ لئلا يتخلل الماء في مسام الخشب؛ فيعدمه ويفسده، أو فيما بين تركيب اللوح على اللوح، فقد تكون هناك فجوات، أو مسام، فيحشونها بخيوط الصوف، أو الكتان، ويملئون فراغها، ثم يأتون بالشحم، أو يأتون بالقار، أو يأتون بأي أنواع الشحوم التي لا تذوب في الماء؛ لتسد المسام التي بين الألواح حتى لا يتسرب الماء إلى داخلها، أو إلى داخل الخشب فيفسده. فاستثنوا (قالوا: يا رسول الله! أرأيت - (أرأيت) تستعمل بمعنى: أخبرني، أي: أخبرنا يا رسول الله! - شحوم الميتة، فإنه يستصبح بها، وتطلى بها السفن) . قوله: (يستصبح بها) كان في السابق: يستصبح بمادة الدهن، قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ﴾ [النور:٣٥] ، كان زيت الزيتون أرقى أنواع الاستصباح؛ لأن ضوءه يأتي صافياً، وليس فيه دخان، فكان يؤتى بالمصباح، وهو: عبارة عن وعاء مثل الكأس، يملأ بالزيت، ويوضع في داخله فتيلاً غير مشدود البرم، خفيف البرم -سحيل، كما يقال- ويجعل أحد طرفيه على حافة الكأس من الخارج، ويجعل الطرف الآخر داخل الكأس، وعملية الجذب وكثافة النار تسحب الزيت، والزيت يخرج من داخل الكأس بواسطة هذا الشريط -الخيط- فيصل إلى النار فيضيء، وكان إلى عهد قريب في المسجد النبوي القناديل معلقة، وكان يؤتى بالزيت بالبراميل، وهناك أحجار الزيت موجودة في التاريخ، ومستودعات الزيت كانت قبل العمارة السعودية الموجودة، فيستصبح بها، سواء كان في البيوت، أو كان في الطرقات، أو كان في المساجد. فهذه مصلحة ومنفعة، فطلبوا استثناء شحوم الميتة، وقالوا: نستثني من ذلك يا رسول الله! الشحوم يا رسول الله! فإنه وإن كانت الميتة محرمة، ولا يجوز أكلها، ولا الانتفاع بها، ولكن في شحومها منفعة، فقال: (لا، هو حرام) . كلمة (هو) هذا الضمير المنفصل يعود على أي شيء؟ هل هو عائد إلى النهى عن البيع، وبيع: لفظ مذكر، مصدر، يصدق عليه (هو) يعني: بيعها حرام، ويصدق عود الضمير على الشحم (هو) يعني: شحمها حرام، فكلمة (هو حرام) يتردد الضمير المنفصل في العود: إلى البيع المعنون له في الأول مع الأصناف الأربعة، وإلى الشحم المستجد الذكر، فقوله: (لا؛ هو حرام) يعني: بيعها، أم أن قوله: (لا؛ هو حرام) يعني: الشحم حرام، فمن هنا وقع الخلاف بين العلماء في الانتفاع بشحوم الميتة. فقيل: الضمير راجع إلى البيع فقوله: (هو حرام) يعني: البيع حرام، فلا يجوز بيعه، ولا أخذ ثمنه، أما الانتفاع به لصاحبه في غير البيع فجائز؛ لأن التحريم عائد على البيع، وليس هناك نهي عن الانتفاع. وإن كان الضمير راجعاً إلى الشحم، فيكون النهي عن الانتفاع عموماً، ومنه البيع؛ لأن البيع انتفاع، ولذلك نجد بعض العلماء يقول: لا ينتفع من الميتة بشيء، واستثنى منها: الشعر، والصوف، والوبر، فإنه يؤخذ من الميتة وينتفع به، وهذا جائز باتفاق، والخلاف في العظم: كسن العاج، وسن الفيل، وقد جاء: (ما أبين من حي فهو كميتته) ، وسن الفيل عاج يؤخذ منه وهو حي، فهل يكون كميتته حرام الانتفاع أو ليس كميتته، ولكنه كالشعر، والوبر، والصوف، في الحيوانات ذات الشعور والأوبار والأصواف؟ يقول ابن تيمية ﵀ في هذا: سن الفيل خارج مثل الظفر، لأنه حينما يقص ليست فيه حياة، فهو كالجماد، إذاً: يجوز بيعه، ويجوز استعماله، وإن كان قد أبين من حي. وقد جاء تحريم الميتة عاماً، قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة:٣] (ال) شملت جسمها من شعرها إلى ظلفها، وجاءت السنة واستثنت من ذلك الشعر، وفي الآية الأخرى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل:٨٠] ، فقد أباح القرآن: جز الصوف، والوبر، والشعر، من البهيمة وهي حية، والانتفاع منه، إذاً: هذا تخصيص السنة للقرآن. وجاء أبعد من هذا: (هلا أخذتم إهابها فانتفعتم به) ، وفي الحديث الآخر: (إذا ماتت الميتة فلا تنتفعوا منها بشيء) وهو عام في كل شيء، لكن جاء الاستثناء في قوله: (هلا أخذتم إهابها فانتفعتم به) ولو كان إهاب ميتة، ولو تنجس فإنه يطهره الماء: (أيما إهاب دبغ فقد طهر) ، حتى إن الإمام أبا حنيفة ﵀ عمم الإهاب وقال: ولو إهاب خنزير، وقيل: إن الخنزير ليس لديه جلد. -أنا لا أدري حقيقة الأمر، ولكن لا يوجد حيوان بدون جلد- وقيل: إن جلده يؤكل مع لحمه؛ ولهذا لم يخصص الجلد عن بقية اللحم في قوله: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام:١٤٥] ، فالضمير راجع إلى عموم الدائرة التي تحتوي الخنزير: شعره، جلده، لحمه، شحمه، فكل ما فيه: رجس، ولهذا لا يطهر. فهنا استثني من الميتة الانتفاع بالجلد، ويطهر بالدباغة، سواء كانت بالتراب، بالقرظ، بالخشب، بأي شيء، ما دام قد دبغ، وأخرجت الرطوبة التي كانت فيه، وأصبح جرماً بلا رطوبة، فيجوز الانتفاع به، مع اختلاف الناس في الانتفاع بالمائعات، أو في اليابسات. إلخ. فهنا لما طلبوا استثناء شحوم الميتة من عموم النهي في البيع قال: (لا، هو ... ) هو: هل الضمير عائد على البيع أو على الشحم؟ فمن قال: عائد على البيع، قال: إن الشحم تابع للميتة، فإذا لم يجز بيعها؛ لم يجز الانتفاع به بأي حالة من الحالات، بدليل ما ذكر ﷺ في حق اليهود: (لما حرم الله عليهم الشحوم جملوها فأذابوها فباعوها فأكلوا ثمنها) ، إذاً: انتفعوا بما حرم الله عليهم من الشحوم، وليس بلازم أن يكون الانتفاع بالأكل مباشرة، ولكن باعوها وأكلوا ثمنها، والثمن مادة سيالة تذهب في المطعوم وغير المطعوم، وحصل لهم انتفاع بالمحرم بواسطة، وهذا تحيل على ما نهى الله عنه. فقوله: (هو حرام) أي: الشحم، فلا يجوز بيعه بأي حالة من الحالات، ولا يجوز استخدامه في أي شيء؛ لأنه حرام.

стр. 1941

الانتفاع بالزيت المتنجس والذين قالوا: إن الضمير راجع إلى البيع، الذي هو أصل الحديث: (نهى عن بيع) قالوا: بما أن الضمير عائد على البيع، فإن المحرم: بيعها، ويجوز الانتفاع بشحوم الميتة، وبالزيوت المتنجسة انتفاعاً شخصياً، لا أن تباع ويؤخذ ثمنها ويؤكل، ولكن يستنفع بعينه، وقد سئل ﷺ عن السمن تقع فيه الفأرة، ونحن نعلم أن كل ذي نفس سائلة -يعني: دم- إذا سقط في سائل ولا نقول: قلة ولا قلتين- في إناء فمات فيه؛ فقد تنجس هذا السائل الذي فاضت نفسه فيه، وأما ما ليس له نفس سائلة إذا مات في السائل فإنه لا ينجسه، واستدلوا بحديث الذباب: (إذا سقط الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه) قال العلماء: غمس الذباب في الماء يضمن موتها فيه، وموتها فيه لا ينجسه؛ لأنها ليس لها نفس سائلة، وقاسوا على الذباب البعوضة وغيرها مما ليس له دم. ومفهوم المخالفة: لو أن حشرة فيها دم يجري وماتت في السائل فإنها تنجسه، فعندنا حديث الذباب: لم ينجس الماء الذي غمس فيه، والفأرة نجست السمن الذي ماتت فيه؛ لأن الفأر فيه دورة دموية كبقية الحيوانات الأخرى، فلما سئل ﷺ عن السمن تقع فيه الفأرة، قال: (إن كان جامداً فألقوها وما حولها) ألقوا الفأرة وما حولها من السمن الجامد، أما ما كان بعيداً عن مكان وقوعها فلم يصله أثر موتها، ولم تصل النجاسة إلى ما كان بعيداً عن موضع وقوعها وموتها، إذاً: الذي كان في موضع وقوعها وموتها تنجس فنلقيه، وما كان بعيداً لم يتنجس، بدليل الأمر بإلقاء ما كان حولها فقط، ومفهوم المخالفة: أن البعيد عنها لا نلقيه، وإذا كان مائعاً فجاء في الحديث: (فاتركوه) ، وجاء: (فانتفعوا به) بم ننتفع؟ بهذا السمن الذي ماتت فيه الفأرة! وإذا كان مائعاً فالنجاسة تسري إلى آخر الماعون الذي هو فيه، بخلاف الجامد فلا مجال لأن تسري فيه، ولكن فيما حولها فقط، فقالوا: هذا سمن تنجس بموت الفأرة فيه وهو مائع، والنجاسة قد سرت في كامل السمن الموجود في هذا الإناء، وأباح لهم الانتفاع به، وفي بعض الروايات: (فاستصبحوا به) إذاً: أباح لهم الانتفاع بسمن متنجس، إذاً: هذا متنجس بموت الفأرة، وذاك الشحم متنجس، أو نجس بموت الشاة؛ إذاً: يجوز أن نستفيد منه، ولا يجوز أن نبيعه؛ لأننا إن استفدنا منه كان بعينه فيما فيه المصلحة، فندهن به السفن، ونستصبح به في السرج، إلا المساجد كما هو منصوص عليه عند الحنابلة، فلا نستصبح بزيت متنجس في المسجد لماذا؟ وما الفرق بين المساجد والبيوت؟ قالوا: حفاظاً على المسجد من أن يسقط فيه من هذا الزيت؛ لأنه مخالط له، فلا نضمن مائة بالمائة أننا نضع الزيت في المصباح ولا يسقط منه شيء في أرض المسجد، إذاً: احتياطاً للمسجد، أما في الطرقات وفي البيوت فكيفما شئت. فمن هنا قال بعض العلماء: يجوز الاستفادة من شحوم الميتة وما في حكمها بذاته، ولا يجوز بيعه، وهذا الجمع بين النهي عن بيع الميتة، ولما سئل عن الشحم قال: (هو حرام) . يعني: بيعه، وهنا في السمن المتنجس قال: (انتفعوا به) إذاً هناك النهي عن البيع، وهنا الإذن في الاستفادة، وهذا هو الجمع بين الأمرين، وهكذا كل المتنجسات إذا أمكن الانتفاع بها في ذاتها فلا مانع. وقاسوا على هذا سماد الحيوانات غير مأكولة اللحم -وهي نجسة- أما سماد مأكولة اللحم فروثها وبولها طاهر على المشهور، فإذا كان هناك -كما يسمونه- سرجين نجس هل يجوز بيعه؟ قالوا: لا. فهل يجوز أن نسمد به النبات؟ قالوا: نعم؛ لأنه انتفاع بعينه بدون بيع. وبعضهم قال: يجوز للمشتري أن يدفع الثمن، ولا يجوز للبائع أن يأخذ الثمن! فأين يذهب بالثمن إذا كان هذا سيدفع وهذا لا يأخذ؟! سيدفع لمن؟! قالوا: هذا من باب التورع، كما قيل في بيوت مكة: يجوز للمحتاج أن يستأجر، ولا يجوز للمالك أن يؤجر. إذاً: فماذا يصنع؟ قالوا: إذا طلبت منه أجرة دفعها، وإذا لم تطلب منه أجرة فليس عليه شيء. إذاً: طلبهم استثناء شحوم الميتة كان للحاجة إليها، ويجوز الانتفاع بها دون البيع، لحديث: (الفأرة تقع في السمن المائع فينتفع به) . والله تعالى أعلم.

стр. 1942

كتاب البيوع - باب شروطه وما نهي عنه [٢] هناك عدة أنواع من المكاسب محرمة مثل: ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن، وإنما نهي عن هذه المكاسب لما تتضمنه من شر وفساد. وبعض أنواع البيوع مختلف فيها، مثل الشرط في البيع، والراجح: أن الشرط إذا كان يتمشى مع العقد، ولا يعود عليه بالبطلان، وليست فيه مخالفة شرعية فجائز، وإن كانت فيه مخالفة شرعية، أو يعود على العقد بالبطلان، أو لا يتمشى معه فهو باطل، ولو كان مائة شرط.

стр. 1943

شرح حديث: (إذا اختلف المتبايعان) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال المصنف ﵀: [وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا اختلف المتبايعان وليس بينهما بينة فالقول ما يقول رب السلعة أو يتتاركان) رواه الخمسة وصححه الحاكم] . قوله: (إذا اختلف المتبايعان) يختلفان في ماذا؟ قد يختلفان في الثمن، وقد يختلفان في نوعية السلعة، وقد يختلفان في حجم السلعة، وفي تعجيل الثمن وتأجيله. إلخ. فمثلاً: اشترى رجل سلعة، وعند الدفع أراد أن يدفع عشرة ريالات، فلم يقبل البائع ذلك، وطلب اثني عشر ريالاً فاختلفا، أو اختلفا في نوعية السلعة إلخ. فأي خلاف بين المتبايعين قبل أن يفترقا، والسلعة لا زالت موجودة، فنأخذ كلام البائع، لكن ما الفرق بينهما، وهما طرفان متعادلان، هذا يدفع وهذا يدفع؟ ما الذي قدم البائع على المشتري في موقف الخلاف؟ فالمشتري يقول: أنا اشتريت كما أردتَ، وقبلت بما قلتَ، ولكنك تأسفت وندمت، وقلت: العشرة قليل، وطلبت الزيادة، فطلبك للاثني عشر زائد عما تعاقدنا عليه، إنما دفعك إليه الطمع! وإذا كلفنا البائع بالبيع بعشرة فسيكون متضرراً، وأيضاً المشتري لو كلفناه الشراء باثني عشر فسيكون متضرراً، فما القول؟! ما زالت السلعة في ملك البائع، ولا يتم البيع إلا عن تراضٍ، والبائع لم يرض بهذا الذي قاله المشتري، إذاً: كلام المشتري غير مقبول؛ لأنه لم يملك السلعة بعد، وكلام البائع هو المقدم؛ لأنه المالك للسلعة، والسلعة ما زالت في يده، ويقال للمشتري: إن رضيت بما قال البائع، فسيكون البائع راضياً بالبيع، وأنت راض بالشراء، وإذا لم ترض فلا تقدم رأيك على رأي البائع وهو صاحب السلعة. إذاً: (إذا اختلف المتبايعان) سواء في: عين السلعة في القيمة في شرط في أجل في أي نوع من أنواع الخلاف الذي يقع بين المتبايعين، فالقاعدة عندنا: القول قول البائع؛ لأنه صاحب السلعة وصاحب الحق، ولا نأخذها منه إلا عن تراضٍ.

стр. 1944

شرح حديث: (نهى عن ثمن الكلب) قال المصنف ﵀: [وعن أبي مسعود الأنصاري ﵁: (أن رسول الله ﷺ نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن) متفق عليه] . ذكر المؤلف في الحديث السابق بعض الأعيان المنهي عن بيعها كالخمر، والميتة. إلخ، ثم ذكر اختلاف المتبايعين، ثم ذكر بعض أنواع الكسب المحرمة، ولو قدم هذا على اختلاف المتبايعين لكان أنسب.

стр. 1945

النهي عن ثمن الكلب قال: (نهى عن ثمن الكلب) هنا لا يوجد بيع ولا شراء، ولكن في بعض صوره، فلم يقل: نهى عن بيع الكلب، نهى عن ثمنه، ولماذا نهى عن ثمن الكلب؟ وهل هو عام في الجنس أو يستثنى منه بعض الأوصاف؟ بعض الناس يقول: استثني من ذلك كلب الصيد؛ لأنه معلم ينتفع به، وما عداه لا منفعة فيه، وهو تابع للقاعدة العامة: ما لا فائدة فيه فليس محلاً للبيع. وقالوا: العلة في النهي عن ثمن الكلب هو منع بيعه، ولماذا لا يباع؟ لأنه لا فائدة فيه. فإذا كانت فيه فائدة؟ قالوا: لا اعتبار لهذه الفائدة مع وجود النجاسة؛ لأنه نجس؛ ولكن النجاسة لم يتفقوا عليها؛ فقد قال مالك بطهارة الكلب! فقالوا: الفائدة منه غير مضمونة، لكن أرباب الخبرات سيضمنون الفائدة: ككلب الصيد، وكلب الحراسة، وكلب الماشية، وبعضهم يقول: النهي منصب على ما عدا الثلاثة، فقد ورد في الحديث: (من اقتنى كلباً نقص من أجره كل يوم قيراط، إلا كلب صيد، أو ماشية، أو زرع) استُثني هذا: بأن صاحبه لا ينقص من أجره شيء؛ للحاجة إليه. فالنهي عن ثمن الكلب قيل: عام في الجنس، وقيل: ما عدا ما فيه منفعة، والنهي، لعدم الانتفاع بالكلب في غير الأصناف الثلاثة التي رخص في اقتنائها.

стр. 1946

حكم مهر البغي قوله: (نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي) البغاء محرم، والبغاء ممنوع، حتى في الجاهلية، وإنما كانوا يكرهون فتياتهم على البغاء، وقد عذر الله سبحانه هؤلاء الفتيات المكرهات فقال: ﴿وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٣٣]-وهو -كما يقولون- أخبث أنواع الكسب؛ لأنه يأتي عن أسوأ وأخس طريق؛ فنهى عن مهر البغي، سواء كانت مع شريكها أو كانت لسيدها، وقد كانوا في السابق يكرهون الفتيات على البغاء؛ لتأتيهم بالمال الذي تأخذه أجرة ممن زنى بها، أو كان في حال المقابلة هي وشريكها في العمل، وأخذت مهراً على فعله معها، فهذا منهي عنه، ولا يحق لها أن تأخذ هذا المهر، ولا يحق لسيدها أن يرسلها في طريق البغاء لتأتيه بمهر، وسمي الأجر الذي يدفع مهراً؛ لأنه في مقابل مهور الحرائر، أو الزواج المشروع.

стр. 1947

حكم الكهانة وأجرتها قوله: (وحلوان الكاهن) . حلوان: على وزن فعلان، من الحلاوة، وهو الأجر الذي يأخذه الكاهن على كهانته، والكاهن -كما يقولون- هو: كل من ادعى علم غيب ماض أو حاضر أو مستقبل، وقيل: العراف: هو الذي يدعي معرفة الغيب المستقبل، والكاهن: هو الذي يدعي علم الغيب الماضي، فإذا خفي على الناس شيء مسروق، يأتي الكاهن ويقول: سرقه فلان، وهو مدفون في المكان الفلاني. ينبئ عنه وقد وقع فيما مضى، أما العراف: فإنما يقول: سيأتي كذا، سيحدث كذا، ويخبر بما يمكن أن يكون في المستقبل، وكلهم سواء، وأجرتهم حرام. والصديق رضي الله تعالى عنه أرسل خادماً له يأتي بطعام، فجاء فقدمه لـ أبي بكر، فلما طعمه سأله: من أين هذا؟ قال: كنت تكهنت لرجل في الجاهلية، فلقيني فأعطاني حلواني، فهذا هو. فوضع الصديق إصبعه في حلقه واستقاء ما أكل من حلوان الكاهن. والذي يهمنا هنا تحريم دفع الأجرة لهؤلاء؛ لأن فعلهم باطل، ومحادة لله ورسوله ﷺ ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥] ، وإن صادف أن واحداً من هؤلاء صدق فيما أخبر، فقد أخبرنا رسول الله ﷺ بسبب ذلك: وهو أن الشياطين يسترقون السمع، حتى إذا دنوا من السماء، سمعوا صريف الأقلام، ولربما سمع الأخير منهم -قبل أن يأتيهم الشهاب- كلمة من الملائكة في القضاء والقدر، فينزل بها أو يلقيها إلى من تحته، قبل أن يدركه الشهاب، ومن تحته يلقيها إلى من تحته حتى تصل إلى الأخير، فيذهب بها إلى صاحبه، ويخبره: سيقع كذا وكذا. وهو صحيح، فيتكلم الكاهن بذلك، فيقع ما يقول، ويزيد معها مائة كذبة، ويصدق؛ لأنه في الوقت الفلاني أخبر بكذا، ووقع ما أخبر به! إذاً: فالكاهن يسترق السمع، وتكون حقاً، ويُصدق بها عند الناس، فيروج معها مائة كذبة. فحلوان الكاهن هذا نهى الله عنه، ونهى الرسول ﷺ عنه، سواء كان الكاهن الذي يأخذه، أو الذي يذهب إليه ويدفعه له. وقد نهى ﷺ عن الإتيان إلى هؤلاء، وقالوا: (من أتى عرافاً لم تقبل له صلاة أربعين يوماً) ، وإذا ردت عليه صلاة أربعين يوماً فما الذي بقي له؟! إذاً: هذا مما نهى عنه ﷺ ، وأيضاً مهر المرأة الباغية، وهكذا كل ما لم تكن فيه فائدة أو كان محرماً شرعاً، كالرهان، أو الميسر، وما لا فائدة فيه، أو فيه مضرة، أو فيه أكل أموال الناس بالباطل.

стр. 1948

الإخبار بحالة الطقس المتوقع ليس من الكهانة هناك شيء أكثر الناس يعرفه، لكن ربما خفي على بعض الناس، وهو ما نسمعه في نشرة الأخبار الجوية: يكون الطقس في يوم غد -بإذن الله- غائماً جزئياً، ويطرأ كذا، ورياح كذا، وسحب كذا، ويمكن -بإذن الله- أن ينزل المطر. إلخ، فبعض العوام يظن أن ذلك من الكاهنة، والواقع أنه ليس غيباً وليس كهانة، ولكنه إخبار بالواقع، فكل دولة لها مراصد جوية، فإذا كانت في الهند مراصد، ورصدت توجه الرياح بسرعة كذا كيلو في الساعة، فستخبر دول الخليج: بأنه هبت ريح بسرعة كذا، يعني: ستصلكم في وقت كذا، فحينما تصل إلى دول الخليج، فدول الخليج ستخبر السعودية، والسعودية بعد أن تصلها ستخبر مصر، ومصر ستخبر ليبيا، وليبيا ستخبر المغرب، وهكذا يتناقل الخبر، ويكون صحيحاً، والريح ماشية في طريقها، وربما تكون ممطرة؛ لتحملها الماء، أو سحب ثقيلة، أو نحو ذلك. إذاً: ليس هذا من باب الغيب، وإنما هو تلقي الخبر الواقعي من بلد قبل البلد المخبرة، وهي تخبر بناءً على الأخبار التي جاءتها (لا سلكياً) ، وهذا ليس من باب الكهانة ولا من باب علم الغيب.

стр. 1949

شرح حديث: (كان على جمل له قد أعيى) قال ﵀: [ (وعن جابر بن عبد الله أنه كان على جمل له قد أعيى فأراد أن يسيبه، قال: فلحقني النبي ﷺ فدعا لي، وضربه؛ فسار سيراً لم يسر مثله، فقال: بعنيه بأوقية. قلت: لا. ثم قال: بعنيه. فبعته بأوقية، واشترطت حملانه إلى أهلي، فلما بلغت أتيته بالجمل، فنقدني ثمنه، ثم رجعت فأرسل في أثري، فقال: أتراني ماكستك لآخذ جملك؟ خذ جملك ودراهمك، فهو لك) متفق عليه، وهذا السياق لـ مسلم] . قوله: (كان على جمل له قد أعيى) أي: أعيى من المسير، وكان هذا في عودتهم من غزوة تبوك، وكانت المسافة طويلة، والجمل أعيى من السير وتعب، حتى كاد جابر أن يزهد فيه ويسيبه، ويمشي على قدمه، ماذا يفعل به وهو لا يقدر على المشي؟ قوله: (فأراد أن يسيبه قال: فلحقني النبي ﷺ . إذاً: النبي ﷺ كان في مؤخرة الجيش، وهذه سنة النبي ﷺ : إذا كانوا في الذهاب إلى الغزوة يكون في المقدمة، وإذا كانوا قافلين -في العودة- يكون في المؤخرة. لماذا؟ يكون في المؤخرة؛ ليتفقد مثل هذا الذي أعيى جمله، وفي المقدمة لماذا؟ ليشجع ويتأسى به الآخرون؛ لأن المقدمة تدل على الشجاعة، وعلى قوة العزيمة، لكن العودة لا يحتاج فيها إلى ما كان في الذهاب، ولكنه ﷺ كان يسير في المؤخرة؛ ليتفقد حال من يعتريه ما يوجب مساعدته. وقوله: (فدعا لي، وضربه، فسار سيراً لم يسر مثله) . كأنه قال: ما بالك يا جابر؟! ما بالك متأخراً؟! قال: أعيى جملي، قال: ناولني عصاً، أو قضيباً، فأعطاه القضيب فضربه، فإذا بالجمل الذي أعيى يسبق الركب، وصار يتسابق ويتزاحم مع ناقة رسول الله ﷺ في الطريق.

стр. 1950

مداعبته ﷺ لجابر تأتي المداعبة اللطيفة: يا جابر! أنت كنت زهدت في جملك وتريد أن تسيبه، فهل تبيعه الآن؟! انظروا اللطافة إلى أي حد! معناه: أنك كنت زاهداً فيه، ولا تريد من ورائه شيئاً، فهل تبيع؟! كأنه يقول: هاه! هل ناسبك الآن؟ أيصلح لك؟! أتبيعني جملك؟! قال: لا. أنت بالأمس كنت تريد أن تسيبه، والآن نريد أن نشتريه منك نقداً، فتقول: لا! كنت أريد أن أسيبه لما كان أعيى، ولكنه الآن صار ممتازاً، لماذا أبيعه؟ قال: بعني. إذاً: ما دام أتت الثانية، أو أتت المساومة، فلابد من الطاعة، فهل استحى جابر من رسول الله ﷺ حينما أعاد إليه: بعني، أو استجاب له؛ لأنه فعل أمر: (بعني) ؟ قال: بعتك. قوله: (فقال: بعنيه بأوقية. قلت: لا) . الأوقية: أربعون درهماً. (بعنيه بأوقية) هل أوقية ذهب أو فضة؟ كان أكثر تعامل أهل الحجاز بالفضة، (بعنيه بأوقية. قال: لا) ثم أعاد عليه الأمر، فقال: (بعتك) ولكن نحن في منتصف الطريق، فكيف أبيعك الجمل! وأنا أين أذهب؟! وقوله: (ثم قال: بعنيه. فبعته بأوقية، واشترطت حملانه إلى أهلي) . بعد أن انتهوا، وتم البيع بإيجاب وقبول، ولم يدفع الثمن بعد، قال: (واشترطت حملانه إلى أهلي) أنا صحيح بعتك، ولكننا في الخلاء فأشترط عليك -وقد اشتريته، وأصبح في ملكك- أن يحملني إلى المدينة، إذاً: حملانه من محل العقد إلى المدينة خارج عن العقد، العقد تم بالإيجاب والقبول، ولكن جابراً اشترط منفعة له في المبيع، والرسول ﷺ وافقه بدليل: أن جابراً لما وصل المدينة جاء بالجمل، وقال: خذ حقك، وأعطني حقي. فقال ﷺ : يا فلان! أعطني الثمن. وانظر إلى المضي في المداعبة إلى أي حد! قال: (فلما بلغت أتيته بالجمل فنقدني ثمنه، ثم رجعت فأرسل في أثري) . أخذت الثمن ورجعت، وكل واحد ذهب في سبيله، أرسل في أثري، قال: تعال. قوله: (قال: أتُراني ماكستك لآخذ جملك؟) . تعال يا جابر! أنت بعتني هناك، وأخذت الثمن الآن وانتهينا، لم تعد بيننا مساومة، أتراني -بمعنى: أتظنني- ماكستك هناك عند العقد؟ (حينما قلت: بعني بأوقية. فقلت: لا. قال: بعني) هذه هي المماكسة، والبيع إما أن يكون على المماكسة -وهي المساومة- أو على الوضيعة، أو على المرابحة، أو على المساواة. أتراني ماكستك هناك -ونحن في الخلاء- لكي آخذ جملك منك؟ لا، أنا ما فعلت هذا يا جابر! خذ جملك، هو لك والثمن. ولماذا لم يقل له من البداية: يا جابر! خذ هذه الأوقية؟ لكن كيف يأخذها جابر بدون بيع وشراء، فلو جاء وقال: خذ يا جابر! سيقول: لماذا هذه يا رسول الله؟! ما موجبها؟! فإذا أراد الصديق أن يصانع صديقه، وكان ذا حياء، فيجب أن يحتال في صورة ترفع الحياء والخجل عن صاحبه: أنا أريد أن أشتري منك هذا. قال: والله أنا في حاجته، ولكن ما دمت تريد أن تشتريه فأنا لا أقول لك: لا، فإذا كانت قيمته عشرة تعطيه عشرين، أما لو جئت وقلت له: يا فلان! هذه العشرة هدية لك! سيتساءل: ما موجبها؟ لعله رآني محتاجاً، وماله كثير، أنا. أنا. وسيحصل في نفسه مثل هذا الحرج، ولكن لو قال: بعني هذا، هذا أعجبني، ما له نظير في السوق، فسيقبل ذلك بسرور، أنت وهو والناس كلهم يعرفون أنه يساوي عشرة، لكن دفعت له عشرين، وظاهر الأمر أنك دفعت العشرة الزائدة لكونك رغبت في هذه السلعة، وليس هناك غضاضة على البائع بالمكارمة في الثمن، وهنا النبي ﷺ يقول: أتراني ماكستك لآخذ جملك بالأوقية؟ خذ الجمل والأوقية فهما لك.

стр. 1951

حكم الشرط في البيع وهنا مبحث طويل، وهو: الشرط في البيع. وخلاصة مبحث الشرط في البيع: أن يشترط البائع فيما باع، أو يشترط المشتري فيما اشترى، أو اشترط في عين السلعة، مثال اشتراط البائع على المشتري: حديث جابر، ومثال اشتراط المشتري على البائع لا في عين السلعة: أن يقول له: أشتري منك هذا الحمل -ونحن هنا- بشرط أن توصله لي إلى البيت، إذاً: اشترط المشتري على البائع شيئاً لمصلحته، وجابر اشترط شيئاً لمصلحته، وهو البائع، ومثال الشرط في عين السلعة: أشتري منك هذه السيارة بشرط أن تكون ماركة كذا، فنحن لا نعرف الماركات ولكن سنسأل، أشتري منك كذا، على أن يكون موديل سنة كذا، أشتري منك كذا، على أنه من نوع كذا، فالشرط هنا في السلعة، أو قال: تزوجني كذا على أنها بكر، فهذا شرط في عين المرأة. إذاً: الشرط إما أن يكون لمنفعة البائع، ويشترطه في المبيع، أو لمصلحة المشتري، ويشترطه في المبيع، أو بينهما في عين السلعة، وكل هذه الشروط في مضمونها: إما أنها تتمشى مع مقتضى العقد، والعقد يتطلبها أو يجيزها، فهذه لا شك في جوازها، وإما أنها تتعارض مع مقتضى العقد، فهي ممنوعة، مثلاً: بعت السلعة، قال والثمن قال له: حتى نصل إلى المدينة، قال: أريد رهناً، فهذا شرط لمصلحة توثيق العقد، أو أن البائع قال: بعتك ولكن بشرط ألا تبيعه لغيرك، وألا تهبه لأحد، وإنما تبقيه في ملكك! ومقتضى العقد أنك إذا اشتريت شيئاً فإنك تملكته، وإذا ملكته فأنت حر في التصرف فيه، فاشتراطه عليك ألا تبيعه، نقص في التمليك، وهذا يتنافى مع العقد؛ ولذلك فهذا الشرط باطل.

стр. 1952

نموذج في اختلاف وجهات النظر وهنا مسألة من لطائف العلم في شروط البيع، يقول عبد الوارث: جئت إلى مكة فوجدت فيها أبا حنيفة، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، فقلت: هؤلاء -والله- هم علماء العراق، لأنتهزن فرصة وجودهم، فجئت إلى أبي حنيفة وقلت له: ما تقول في شرط وبيع؟ قال: الشرط والعقد كلاهما باطل. وذهبت إلى ابن أبي ليلى فقال: البيع صحيح، والشرط باطل، فذهبت إلى ابن شبرمة، فقال: العقد صحيح، والشرط صحيح. قلت: ويا عجب! ثلاثة أئمة من بلد واحد يختلفون في مسألة واحدة! فرجعت إلى أبي حنيفة وقلت: إن ابن أبي ليلى يقول كذا، وابن شبرمة يقول كذا. فقال: ما علي مما قيل لك، (نهى ﷺ عن بيع وشرط) ، إذاً: أتى بالحكم بأن العقد والشرط باطل من هذا الحديث. فذهبت إلى ابن أبي ليلى، فقلت: إن صاحبك يقول كذا، وابن شبرمة يقول: كذا، ولما رجعت إلى أبي حنيفة أخبرته بما قلت أنت، وبما قال ابن شبرمة. فقال: كذا، فقال ابن أبي ليلى: ما علي مما قيل لك، (جاءت بريرة إلى أم المؤمنين عائشة تستعديها -أو تستسعيها- في مساعدتها في المكاتبة، قالت: إني كاتبت أهلي على كذا أوقية، إلى زمن كذا. فقالت: اذهبي إليهم وأخبريهم: إن شاءوا نقدتها لهم كلها -أي: الثمن- ولي الولاء، فذهبت وأخبرت أهلها. فقالوا: لا، تشتريها والولاء لنا. فرجعت بريرة إلى أم المؤمنين وكان رسول الله ﷺ قد جاء، قال: ما بال هذه المرأة؟ فأخبرته. قال: ما عليك، اشتريها واشترطي لهم. فلما اشترتها واشترطت لهم خرج ﷺ إلى المسجد، ودعا الناس، وقال: ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله، كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، ولو مائة شرط) فأجاز البيع وأبطل الشرط. قال: ثم ذهبت إلى ابن شبرمة، وأخبرته بما حصل، وبما قال صاحباه، فقال: ما علي مما قيل لك، لقد باع جابر جمله إلى النبي ﷺ واشترط عليه حملانه إلى المدينة، فصح العقد وصح الشرط. ما تقولون في هذا؟ هل نعيب في مسألة وقع الخلاف فيها بين الأئمة؟! يتعين ويجب على كل طالب علم أو طويلب علم إذا بلغه خبر اختلاف الأئمة في مسألة واحدة؛ أن يتأدب وأن يتريث وأن يستطلع، انظر إلى هذا السائل، وهو عبد الوارث سأل، وأخذ الجواب من الثلاثة، وكانت أجوبة مختلفة، ورجع إليهم واحداً واحداً، وسمع الدليل من كل واحد، مع أن كل واحد لما سمع مقالة الثاني ودليله، لم يرجع عما عنده من دليل أيضاً؛ لأنه عنده أرجح مما سمعه من الغير. إذاً: من انقدح عنده ترجيح نص على نص آخر، فله الحق أن يقول بما انقدح عنده رجحانه، ولا يعاب عليه. وهذه -كما أشرنا- مسألة واحدة: بيع وشرط، يختلف فيها هؤلاء الأئمة الأعلام، ولم يعب واحد على الآخر، ولم يترك واحد ما عنده من النص تقليداً للآخر، ومن أراد الزيادة في هذا فليرجع إلى كتاب "رفع الملام عن الأئمة الأعلام" للإمام ابن تيمية ﵀، فقد ساق نماذج عديدة في أسباب الخلاف: في اختلاف وجهات النظر في النص، في تعدد الأدلة، في تعارضها، في عدم ثبوتها. إلى آخره، فقد ذكر عشرة أسباب توجب الخلاف بين العلماء.

стр. 1953

قاعدة في الاشتراط في البيع حديث جابر ركن في هذا الباب، والقاعدة بعد ذلك: كل شرط يتمشى مع مقتضى العقد فهو صحيح؛ لأنه لا يتعارض مع قوة العقد، وكل شرط يتنافى مع مقتضى العقد فهو فاسد؛ لأن الشرط فرع عن العقد، والفرع لا يبطل الأصل، إذاً: نبطل الفرع ويبقى الأصل سليماً، كما في قضية بريرة. وللعلماء بحث في قوله ﷺ : (كل شرط ليس في كتاب الله) ، بعض الناس ينتظر أن يجد في كتاب الله نص الشرط، ويبحث عن نص شرط بريرة، وشرط عائشة على بريرة أن يكون الولاء لها، ومتى يكون هذا التفصيل في كتاب الله؟! وهل كتاب الله جاء لتفصيل الجزئيات؟! إنما جاء كتاب الله بقواعد عامة تشريعية تصلح لكل زمان ومكان، فمعنى قوله ﷺ : (كل شرط ليس في كتاب الله) أي: كل شرط لا يتمشى مع مقتضى كتاب الله -فيما يجوز وما لا يجوز- فهو باطل، ولو مائة شرط، ما هو الشرط الذي لا يوجد في كتاب الله؟ هو الشرط الذي يتنافى مع مقتضى العقد. ولذا فالفقهاء قعدوا هذه القاعدة: لكل من البائع والمشتري أن يشترط، ولكلٍ الحق في ما اشترطه، وعلى الثاني أن يوفي بشرطه (المؤمنون عند شروطهم) لأن الشرط جزء من المعقود عليه، فقد يكون تنازل في الثمن من أجل الشرط، وقد يكون زاد في الثمن من أجل الشرط الذي اشترطه لنفسه، إذاً: ما كان من شرط يتناسب مع مقتضى العقد فالشرط صحيح، وما كان من شرط يتناقض، ويتعارض مع مقتضى العقد فالشرط باطل، والله أعلم.

стр. 1954

المعجزة النبوية نرجع مرة أخرى: هذا جمل أعيى عن المسير، قال: أعطني عصا. فضربه فإذا بالجمل يسابق ناقة رسول الله ﷺ ! ماذا كان في هذه العصا؟ لا شيء، فلم تكن عصا سحرية! ولم تكن عصا موسى! ولم يسقه شراباً، ولا لبناً، ولا سمناً، ولا أعطاه علفاً، مع أن هذه الأصناف هي موجبات القوة، إنما ضربه -والضرب منهك- فإذا به يأتي بنتيجة عكسية. إذاً: هذه معجزة، ويقول السيوطي ﵀: ما من معجزة أوتيها نبي إلا وأعطي محمد ﷺ نظيرها: عصا موسى تفلق البحر، وعصا موسى تنقلب حية، وعصا موسى تفعل الأعاجيب، وهذه عصا تعطي البعير قوة، من أين جاءته هذه القوة؟ العصا ما فيها قوة، ولكن اليد التي ضربت جعل الله فيها البركة. الزبير في غزوة الخندق ضرب شخصاً على رأسه فشقت غطاء الرأس، وشقت الرجل نصفين، ونزلت إلى الفرس فقسمته نصفين، فقال قائل: والله ما أجود سيفك يا زبير! قال: لا، الكلام ليس للسيف، الكلام على اليد التي ضربت بالسيف. وكذلك هنا، ليست العبرة في عصا يقود بها جابر بعيره، ولكن العبرة باليد التي ضربت البعير، ونظير هذا: حينما دخل ﷺ مكة عام الفتح، وأتى إلى الكعبة وكانت الأصنام التي حولها (٣٦٠%) صنماً، حوالي ثلاثمائة صنم، ومثبتة بالرصاص، وماذا فعل ﷺ ؟ هل قال: ائتوا بسلم، ائتوا بمعول، ائتوا (بكمبريشن) ؟! لا، القضيب الذي في يده كان يشير به إلى الصنم، فما أشار إلى صنم في قفاه إلا خر لوجه، ولا أشار إلى صنم في وجهه إلا خر لقفاه، وهكذا قوضت تلك الأصنام بكاملها بإشارة من العصا! هل كان فيها أشعة (ليزر) تذيب الرصاص وتسقطه؟ وأليس هذا القضيب كان في يده ﷺ حينما كان يصلي عند الكعبة وجاءوا بسلى الجزور ووضعوه على ظهره؟ بلى كان موجوداً، فهل فعل شيئاً من هذا؟! ألم يكن في يده حينما منعوه من دخول مكة عند عودته من الطائف، ولم يدخل إلا في جوار رجل مشرك؟ لماذا لم يكسر الأصنام أو بعضها بالعصا، ويبين لهم القوة؟! لماذا لم يفعل ذلك؟ لكل شيء أوانه، لو فعل في ذاك الوقت لقامت حرب أهلية، ولكن ماذا لو بقيت الأصنام على الكعبة سنة أو سنتين أو ثلاث أو عشر، وقد كانت معلقة على جدران الكعبة من عشرات السنين؟ وحينما يأتي الحق ويزهق الباطل ينتهي الأمر. إذاً: هذه من المعجزات التي أوتيها ﷺ ، وكما قال السيوطي: ما من معجزة أوتيها نبي إلا وأوتي محمد ﷺ مثلها، فالحجر التي ضربها موسى فانفجر منها الماء ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ﴾ [البقرة:٦٠] قد أوتي محمد ﷺ معجزة من جنسها، بل أبلغ منها، وذلك لما أتوا ليتوضئوا ولم يكن هناك ماء، فجاءوا بركوة، ووضع النبي ﷺ أصابعه فيها، فنبع الماء من بين الأصابع، الماء يخرج من خلال الحجر أمر طبيعي ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ﴾ [البقرة:٧٤] هذه طبيعة الحجارة، لكن أن يخرج من بين اللحم والدم فيتوضئون عن آخرهم! هذا أبلغ. إذاً: كونه ﷺ يضرب الجمل الذي قد أعيى، فإذا به يعطى قوة! حتى يسابق ناقة رسول الله ﷺ ، فهذه معجزة من معجزاته ﷺ التي أظهرها الله على يديه ﷺ ؛ تصديقاً لما جاء به من عند الله .

стр. 1955

كتاب البيوع - باب شروطه وما نهي عنه [٣] من الفواسق الفأرة، ولها أحكام في الفقه، مثل حكمها لو وقعت في سمن جامد أو مائع، ويذكر هذا في باب البيوع للاختلاف في جواز بيع هذا السمن الذي سقطت فيه. وكذا يذكرون في باب البيوع حكم بيع السنور والكلب، ومثل هذه المسائل إنما يدل على سعة هذا الدين وشموله، وتميزه في حل المشكلات من المسائل العارضة.

стр. 1956

شرح حديث: (أعتق رجل منا عبداً) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد فقال المصنف ﵀: [وعنه (أي: عن جابر) قال: (أعتق رجل منا عبداً له عن دبر، ولم يكن له مال غيره، فدعا به النبي ﷺ فباعه) . متفق عليه] . شخص أعتق عبداً، والرسول ﷺ أحضره وباعه، وانتهى الأمر، ما علاقة هذا بهذا الباب؟! المؤلف عنوَن لهذا الباب بقوله: باب شروطه وما نهي عنه، وهنا يسوق لنا حديث: (أعتق رجل منا عبداً له عن دبر) ، (أعتق عبداً) هذه مفهومة، لكن (عن دبر) يعني: بعد موته، قال للعبد: أنت حر بعد موتي، فمات، فإنه يُعتَق، فسمع بذلك رسول الله ﷺ فدعا بالعبد وباعه، ولماذا باعه وأبطل إعتاقه؟ أممنوع أن الإنسان يعتق عن دبر؟! ليس بممنوع، إذاً: فما العلة والموجب لإبطال إعتاقه؟! المؤلف هنا اختصر الحديث، وهذا رجل أوصى بعتق عبده، جاء في هذه الرواية: (ولم يكن له مال غيره) ، وهناك رواية أخرى: (وهو مدين) ، فكيف تكون مديناً للناس، وتتبرع للعبد بالحرية! أولاً: اعتق نفسك أنت؛ لأن الإنسان الذي يموت مديناً يكون مرتهناً بدينه في قبره، فالأولى: أن تعتق نفسك بسداد الدين قبل أن تعتق العبد.

стр. 1957

ثلاث جدهن جد وهزلهن جد يقولون: ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: الطلاق، والنكاح، والعتاق، وهذا أعتق، ولو أعتق وهو يمزح؛ قلنا: هذا جد، وكذا لو طلق وهو يضحك أو يلعب، قلنا: انتهى الأمر، ليس فيها لعب، ولو قال: زوجتك وهو يلعب؛ انتهى الأمر زوّج. يذكر أن اثنين تواعدا للخروج للغزو، فتأخر أحدهما عن الآخر، قال: ما أخرك يا أخي؟! قال: جئت أخرج فإذا المرأة تنفس فانتظرت حتى وضعت، قال: فماذا رزقت؟ قال: رزقت بنتاً، قال: زوجنيها، فقال: زوجتك. الآن لم تُربط سرة البنت بعد! وهذا يقول: زوجنيها! والأب يقول له: زوجتك، لكنه يقولها مزاحاً. فالثاني تربص حتى عرف أنه قد حان قطافها، قال: يا أخي! زف لي عروستي، قال: ما بيني وبينك شيء. قال: في يوم كذا، في ظرف كذا، في غزوة كذا، أما زوجتني البنت ليلة ولادتها؟! قال: اذهب يا رجل! إنما كان مزحاً ولعباً، فذهب به إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن هذا امتنع أن يعطيني زوجتي، وأخبره القصة، فقال له: (دعها لا خير لك فيها) ، أقر الحق في نصابه، ثم وجّه النصح، هذا الذي يجاهد ويذهب ليغزو في سبيل الله، يتزوج بنتاً لم تربط سرتها! كم يكون الفرق بينهم من السنين؟ وأيضاً فهو سيأخذها غصباً عن أهلها؛ لأنهم قبلوا بتزويجها له في حالة مزح، والآن أصبح الأمر لا مزح فيه، فكيف ستكون العلاقة بينهما؟ يعني: هذا الوضع ليس وضع زواج وفرح، (لا خير لك فيها) . فهنا أعتق العبد، أو أوصى بعتقه، ومات فاستحق العتق، فعُتِق العبد، ثم استدعاه ﷺ وباعه. لماذا باعه؟ وأين ذهب بثمنه؟! هل أعطاه للورثة؟ لا، بل دفع لأصحاب الديون ديونهم. وإنما استرجعه من العتق وباعه من أجل تسديد الدين الذي على سيد ذلك العبد. فهل يجوز للإنسان أن يعتق أو أن يتصدق وهو مدين؟ هو مدين بمائة ألف، وعنده عشرة آلاف، وذهب يتصدق بها، ويقول: هذا لوجه الله، وماذا عن حق الناس! العشرة آلاف التي وزعتها على عشرة أشخاص، كل واحد أعطيته ألفاً، ستعيشه يوماً أو يومين، لكن كيف تتصدق وأنت مدين؟! ما يجوز هذا. ومن هنا قال العلماء: لا يجوز لإنسان أن يعتق -سواءً كان العتق في حال حياته أو عن دبر منه- وهو مدين بقيمة العبد، أو بعضه، وعلى ولي الأمر أن يرد العتق، ويبيع العبد، ويسدد الديون، والله أعلم.

стр. 1958

شرح حديث: (أن فأرة وقعت في سمن) قال ﵀: [وعن ميمونة زوج النبي ﷺ (أن فأرة وقعت في سمن فماتت فيه، فسئل النبي ﷺ عنها فقال: القوها وما حولها وكلوه) . رواه البخاري وزاد أحمد والنسائي (في سمن جامد) . يذكر المؤلف رحمه الله تعالى حكم المتنجسات، وحكم بيعها، أي: الأشياء التي أصلها طاهر ولكن طرأت عليها نجاسة. وذلك بعد أن قدّم حكم نجس العين، في عين الخمر، والميتة، والخنزير، فهذه الثلاث نجسة بذاتها، أما السمن فمن حيث هو فطاهر، وإدام، ونعمة، لكن قد يطرأ عليه ما ينجسه، فما حكم ذلك؟

стр. 1959

الحكم فيما إذا ماتت الفأرة في السمن الجامد أخبرتنا ميمونة رضي الله تعالى عنها أن فأرة وقعت في سمن، وسئل عنه ﷺ فقال: (ألقوها -أي: الفأرة- وما حولها) ، ومفهوم كلمة (ما حولها) يشعر بأن السمن جامد؛ لأن السائل لا يتحدد حولها بحد، أما الجامد فما قرب منها فهو حولها، ثم جاء التصريح (في سمن جامد) . وما عدا منطقة سقوط الفأرة وموتها، فكلوه على الأصل، وسيأتي البيان في الحديث الذي بعده حديث أبي هريرة، وقد جمعهما المؤلف ليبين حكم السمن الجامد والسمن المائع، وما يُلحق بذلك.

стр. 1960

تاريخ الفأرة، وفسقها الفأرة لها تاريخ! يقول بعض العلماء إنها من الأمم التي مسخت من قبل، ويذكر الشوكاني دلالة على مسخها، وليس معنى مسخها: أن كل فأرة في العالم من ذاك الممسوخ، فهناك مخلوق أصلي، وهناك مخلوق ممسوخ. يقول بعض العلماء: لو قرّبت إليها حليب الإبل، أو لحم الإبل، ما أكلته وما شربته؛ لأن بني إسرائيل لا يشربون ألبان الإبل، ولا يأكلون لحومها؛ لأن خفها ذو ظفر، وإن كانت من الفئران الأصلية -قبل المسخ- فإنها تشرب وتأكل! وبعض العلماء يرد ذلك ويقول: إن كل ما مُسخ من الأمم التي نص القرآن أن الله جعل منهم قردة وخنازير لم يعيشوا أكثر من ثلاثة أيام، أي: بعد أن ثبتت الآية في حقهم، والآخرون يقولون: إنهم لا زالوا يتناسلون، وموجودون حتى الآن. والفأرة إن من طبيعتها الإفساد، فلا تعرف إصلاحاً أبداً، وسميت الفويسقة، وهي: تصغير فاسقة، لأن الفسق في اللغة: الخروج، تقول العرب: فسقت النواة عن الرطب، يعني: خرجت منها، وفسقت الحبة عن الرحى: أي طارت من تحتها ولم تُطحن، ومنه الفاسق من البشر: الذي يخرج إلى طريق الإفساد. قالوا: إنها لا تخرج إلا للإفساد، ويقولون: إن الفأر خبير بمواطن دفن الذهب، وينقب عنه ويخرجه، ولهم في ذلك قصص. وجاء في الحديث: (غطوا الإناء، وأوكوا السقاء، وأغلقوا الباب، وأطفؤا السراج) ، ثم بيّن ﷺ وقال: (فإن الفويسقة تضرم على أهل البيت بيتهم) ، كما نبهنا بأنهم في السابق كانوا يستصبحون بالزيت، ويضعون الفتيل داخل السراج، وهو: عبارة عن كأس فيه زيت، ويضعون طرف الفتيل على حافة السراج، ويشعلون فيه النار، فيضيء مثل الشمعة، فإذا جاءت الفأرة، وأرادت أن تلعق الزيت، تخاف من النار، فتنثني بذنبها، وتسحب الخيط الذي في السراج، وتخرجه وتلقيه خارج السراج، وقد يكون مشتعلاً، فإذا سقط على فراش أو على ثياب أو شيء قابل للاحتراق أشعله، (فإن الفويسقة تضرم) أي: تحرق (على أهل البيت بيتهم) . وأما تخمير الإناء فهو: تغطيته، فإذا كان الإناء فيه ولو ماء، فعليك أن تغطيه، وجاء في الأثر: (فإن لم يجد أحدكم إلا أن يعرض على إنائه عوداً، ويذكر اسم الله فليفعل) ، ضع عليه عوداً معترضاً، وسم الله فإنه يكفيه، وذكر ﷺ أن البلاء ينزل ليلة في السنة، فما وجد إناءً مكشوفاً إلا نزل فيه، حتى قال بعض العلماء: لو كان الإناء فارغاً فإما أن تكفيه، وإما أن تغطيه. وإيكاء السقاء، السقاء: القربة، ومعلوم أنها كانت آلة الشرب، وتبريد الماء، وحمله، فإذا تركت فم القربة مفتوحاً -وخاصة في المناطق الحارة- فإن الهوام تبحث عن الأشياء الباردة، وتأتي وتلبد فيها طلباً للبرودة، فلربما هوام الأرض جاءت إلى فم القربة فوجدته مفتوحاً فدخلت، ولهذا نهى ﷺ عن الشرب من فم السقاء، ولو كان مربوطاً، فلا تذهب وتفكه وتضعه على فمك وتشرب، ولكن يجب أن تصب الماء في إناء لترى ماذا فيه؟ أهو صاف أم فيه شيء، فلو كان في السقاء شيء؟ وشربت بفيك فلن تستطع تداركه، لكن إذا صببت الماء في الإناء رأيت الإناء بما فيه. وقد سمعنا في هذا حكايات كثيرة: فهذا يرى العقرب الصغيرة على فم القربة، وهذا رأى كذا وكذا، أشياء كثيرة، وهذا أمر طبيعي وخاصة في المناطق الحارة. وهنا تذكر لنا ميمونة رضي الله تعالى عنها أن فأراً وقع في السمن، وأظن أنه لا يوجد بيت من البيوت يسلم من الفئران، إلا ما كان في الآونة الأخيرة من البيوت المسلحة التي ما فيها بيوت للفئران، ولا تستطيع أن تتخذ لها فيها بيوتاً، ولكن يمكن أن تدخل بين الأثاث، وخاصة في المخازن والمستودعات، فهناك تتكاثر وتتوالد وهي -سبحان الله- أعطاها الله كثرة الإنتاج.

стр. 1961

غمس الذباب في الإناء إن وقع فيه الفأرة مخالطة للناس، وقد بيّن ﷺ كيف نتعامل معها، كما بين لنا كيف نتعامل مع الذباب، (إذا وقع الذباب في شراب أحدكم) ، ولا أظن أحداً في الدنيا لم يسقط الذباب في كأس في يده؛ لأنه مخالط للناس، وسبحان الله جربها في حياتك، خذ طعاماً وشراباً واذهب إلى الربع الخالي -يمكن خالي حتى من الجن- وضع الطعام واجلس خمس دقائق، تجد الذباب عندك، من أين جاء؟ أمسافر معك أم خرج من الأرض أم نزل من السماء؟! لا ندري! قل أن تضع الطعام في مكان إلا وجدت الذباب، ويقولون -والله أعلم-: إلا منى أيام التشريق فقط، وبعد أيام التشريق لا تستطيع أن تجلس فيها من كثرة الذباب، والبعوض، والحيوانات الأخرى. إذاً: علمنا ﷺ إذا سقط الذباب في الإناء ماذا نفعل؛ لأن هذا أمر وارد وبكثرة: (فليغمسه ثم لينزعه) ، وبعد هذا تشرب، ومن الخطأ عند بعض الناس إذا وقع الذباب في الكأس رماه حالاً، وأفرغ ما فيه، وهذا غلط؛ لأن الحديث فيه قوله ﷺ : (فليغمسه، ثم لينزعه، فإن في إحدى جناحيه داء، وفي الأخر شفاء) ، وهذا قامت عليه أبحاث في أوروبا عجيبة جداً، كيف يكون في حشرة صغيرة: أحد الجناحين داء، والثاني دواء؟! وما الذي ميّز بين هذا وذاك؟ وكتبت كتابات طويلة ما نحب أن نضيع الوقت في إيرادها، لكن يتفقون طبياً: أنهم وجدوا مبيد البكتريا في الأنبوب في مؤخرها، وهو أقوى من أي مبيد على وجه الأرض، أي: واحد على مائة ألف، وقالوا: أنها إذا غمست في الماء؛ ضغط الماء على الأنبوب فينفجر عما فيه فيطهر السائل. فالذي رأى الذباب سقطت بالكأس فإنه يراه يدلي بالجناح الذي فيه الداء، ويرفع الجناح الثاني الذي فيه الدواء، فحينما تغمسها بكاملها تكون قد جمعت الجناحين، وكان الجناح الذي فيه الدواء يقابل الجناح الذي فيه الداء، ويطهُر السائل من دائه، أما إذا صببته فإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء، وقد فعل، وأصبح السائل ملوثاً؛ لأن الجناح الثاني مرفوع فوق، فإذا أرقت هذا الماء فإن جدران الكأس تحمل من داء جناحه ما يكفي للتلويث، ولو غسّلته بالصابون وبالتراب فلا ينقي كما لو غمست الجناح الثاني، وهذه حكمة الله ، وهو الأعلم بمداها وكيف أوجدها. كنت مع طبيب مَعامِل تحليل، وذهبنا العمرة معاً، ونزلنا في رابغ أيام ما كان الذباب فيها منتشراً بكثرة، فجلسنا في القهوة، وتغدينا، وأتينا بالشاي، فانتظرت قليلاً فإذا بذبابتين بقدر النحل يتضاربان، فسقطتا في الكأس أمامي. فقلت هذه فرصة، ولاحظت نظرات الدكتور، وتغافلت عن الذباب، فقال: عطية! عطية! إلحق! إلحق! فغمزتهما إلى الداخل، ورميتهما، وأخذت أشرب، أنا أريد أن أثير الدكتور؛ لأني أعرف أن هذا عند الدكاترة شيئاً كبيراً، قال: هاه! ما هذا؟! ما هذا؟! قلت له: قال رسول الله ﷺ قال: هذه أيضاً فيها قال رسول الله ﷺ ؟! وكان كثيراً ما تأتي مناسبات وأقول له: سنة رسول الله ﷺ ، فقال مستغرباً: أهذه أيضاً من سنة رسول الله ﷺ ؟ قلت له: نعم، قال: ماذا قال؟ قلت له: كذا وكذا، قال: عجباً! إن هذا الحديث صحيح، قلت: ما أدراك بالصحيح والضعيف، وأنت في الطب وما إليه؟ ما أدراك بهذا؟ قال: كنت في ألمانيا أدرس، فانقطعت علينا المصاريف بسبب الحرب العالمية الأخيرة، وذهبت للعمل في مطعم أنا وثلاثة زملاء، فكنا ندرس الطب في الصباح، وفي الليل نغسل الأواني؛ حتى نعيش ونواصل دراستنا، وهذه والله الرجولة الصحيحة. يقول: وفي وقت من الأوقات إذا بلوحة في الكلية في الفانوس الخاص بالإعلانات، فيها إعلان: اكتشاف بكتريوج -أي: مبيد البكتريا- من الذباب، وتعجبت وتتبعنا هذا. أقول: إن الرسول ﷺ يعلمنا كيف نتعامل مع ما يخالطنا في بيوتنا وحياتنا، أما الذباب فعلمنا كيف نتعامل معه، ويقول الأطباء القدامى: أعظم كحل للعين هو الذباب، إذا جمعته في (ماصورة) صلب، وأحرقته على النار، ثم سحقته واكتحلت به، لكن لا تذهبوا وتفعلوا ذلك وتقولوا: فلان قال لنا.

стр. 1962

شرب الفأرة من السائل هذه الفأرة كيف نتعامل معها خاصة في السائل، لو رأيناها تأكل من الدقيق، أو من الحب، وذهبت فلا شيء في هذا، وإذا شربت من السمن وذهبت فلا شيء في هذا، إنما يهمنا إذا ماتت؛ لأنها بموتها تتنجس، وتنجس ما حولها، فبيّن ﷺ ذلك بقوله: (ألقوها وما حولها) ، الحولية هذه كم مسافتها وكم قدرها؟ قد يختلف بعض الناس من مسافة سانتيمتر أو نصف سانتيمتر أو عشرة سنتيمتر، وبعضهم يبالغ ويقول عرض الكف، وهذا أظنه كثيراً. وبعضهم يقول: يرجع الأمر في الحولية إلى نوع جمود السمن، فقد يكون جامداً جداً، وأصبعك لا تدخل فيه، فهذا لا تتعدى النجاسة سانتيمتراً واحداً، وقد يكون جامداً جموداً لم يتم، ولو حرّكته بقوة ربما تحرّك، فهذا يحتاج إلى توسيع ما حولها نوعاً ما. وفي الحديث الأول: حديث ميمونة: (ألقوها وما حولها وكلوه) ، فهذا حكم وقوع الفأرة في السمن الجامد. وهل الموضوع يقتصر على السمن؟ وإذا وقعت في العسل؟ وإذا وقعت في الدبس؟ إذا وقعت في شيءٍ آخر، يعادل ذلك كالمربى وسقطت فيه وماتت؛ يكون الحكم واحداً، إن كان العسل جامداً -وأحياناً العسل يجمد- فكما هنا، وإن كان سائلاً مائعاً فالحكم كذلك، وعلى هذا يكون الأصل في هذا الحكم هو: السمن.

стр. 1963

شرح حديث: (إذا وقعت الفأرة في السمن) قال ﵀: [وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا وقعت الفأرة في السمن فإن كان جامداً فألقوها وما حولها، وإن كان مائعاً فلا تقربوه) ، رواه أحمد وأبو داود، وقد حكم عليه البخاري وأبو حاتم بالوهم] . الحديث الأول ليس فيه إشكال، لا في السند ولا في المعنى، والحديث الثاني جاء به المؤلف ﵀ لما فيه من الخلاف، والإشكال. والتفصيل: إذا وقعت الفأرة في سمن جامد فإنه يُلقى وما حولها، ويؤكل الباقي، ولكن هنا تفصيل لواقع الحال، فإن وقعت في جامد فالحكم قد تقدم، وإن وقعت في مائع فإنه يقول هنا: (فلا تقربوه) ، فلا تقربوه بماذا؟ أبأكل أم بادِّهان أم باستصباح أم بانتفاع؟! تقدم في النهي عن بيع الميتة أنهم أرادوا استثناء شحومها، فقال: (لا، هو حرام) ، وهل الضمير عائد إلى البيع أو الانتفاع؟ تقدمت الإشارة إلى الجمع، فقوله ﷺ (فلا تقربوه) ، الجمهور على أن: (فلا تقربوه) ، أي: بالأكل إجماعاً؛ لأنه تنجس بموتها فيه وهو مائع، ولا نجد حداً محدوداً لوصول النجاسة إلى جزءٍ منه، بل لكونه سائلاً فإنها تسري في الجميع. فقوله: (فلا تقربوه) ، الجمهور قالوا: لا تقربوه بالأكل، وبعض أهل الحديث، وأهل الظاهر قالوا: لا تقربوه أبداً، لا بالأكل ولا بالبيع ولا بالانتفاع، (مطلق أريقوه) . والجمهور يقولون: هذا مال، وقبل أن يتنجس كانت له قيمة، ونهينا عن إضاعة المال، وهناك منفعة يمكن تحصيلها من هذا الدهن، وهذا السمن، فيمكن أن نجعله طلاءً للسفن، أو نستفيد منه بالاستصباح، أو نحو ذلك، فلا مانع، وذكر الجمهور حديث: (وإن كان مائعاً فاستصبحوا به) ، إذاً: أباح الانتفاع به، وحملوا على هذا كل متنجس بغيره لا بذاته، فقالوا: يجوز الانتفاع به دون البيع، والبعض زاد: النجس الأصلي (بذاته) ، وقال: شحوم الميتة لا نبيعها، وإذا انصب التحريم على البيع انصرف عن بقية الانتفاع كالاستصباح، ودهن السفن وغير ذلك. الذي يهمنا في فقه الحديث الرواية التي ساقها الطحاوي: (استصبحوا به) ، والذي عليه الجمهور: أنه مال يجوز الانتفاع به، ويبقى النهي والتحريم خاصاً بالأكل؛ لأنه تنجّس، والإنسان لا يأكل النجس. إذاً: المؤلف ﵀ جمع الحديثين معاً؛ ليبين حكم ما إذا وقعت الفأرة في جامد أو مائع، ثم هل الأمر يقتصر على الفأرة والسمن أو يقاس على الفأرة كل ما شاكلها، وعلى السمن كل ما شاكله؟ هناك حيوانات تقارب الفأرة مثل ابن آوى وابن عرس واليربوع أو الجربوع، هذه كلها حيوانات يعرفها أهل البر، منها ما يأكلونه ومنه ما لا يأكلونه، فهذه كلها من فصيلة الجرذان -الفئران-، فهل يقتصر الحكم على الفأرة أو يعم الجميع؟ قالوا: يعم كل ذي نفس سائلة، لو أن قطة صغيرة سقطت في السمن، وبعض الفئران الكبيرة التي في البساتين أكبر من القطة الصغيرة! فنقول: حكمها حكم الفأرة تماماً، وكذلك أنواع الجرذان مثل: اليربوع أو الجربوع، وبنت عرس، وابن آوى، كلها حيوانات صغيرة تعيش في البيوت وتعيش في البساتين، فإذا سقطت في مائع فهذا حكمها. وتلك الحيوانات بما فيها الفأرة والهرة الصغيرة إذا وقعت في ماء مستبحر - (بركة كبيرة) أو كما يقول الفقهاء: فوق القلتين، على اختلاف في تقدير القلتين- وماتت فيه واحدة من تلك الحيوانات، وكان الماء فوق القلتين، يأتي الحديث: (إذا كان الماء قلتين لا يحمل الخبث) ، أي: لا يتنجس، وقيل: لا يحمل، يعني: يضعف وينجس، والجمهور على أنه (لا يحمل الخبث) يعني: الخبث لا يؤثر فيه، بل يتلاشى. إذاً: القضية أعم من مجرد فأرة وسمن.

стр. 1964

شرح حديث: (سئل عن ثمن السنور والكلب) قال ﵀: [وعن أبي الزبير قال: (سألت جابراً ﵁ عن ثمن السنور والكلب فقال: زجر النبي ﷺ عن ذلك) . رواه مسلم والنسائي، وزاد (إلا كلب صيد) ] . انتقل المؤلف ﵀ من ذكر حكم النجس والمتنجس -من المطعومات- إلى هذين الصنفين، فـ جابر رضي الله تعالى عنه يروي لنا أن النبي ﷺ زجر، والزجر: النهي بشدة. قوله: (عن ثمن الكلب والسنور) السنور: هو الهرة أو البسة، أو القطة، ويطلق على الذكر والأنثى، والكلب والسنور مخالطان للبيوت.

стр. 1965

طهارة السنور سُئل ﷺ عن الهرة فقال: (إنها ليست بنجس) ، أي: في حياتها؛ لأن الموت ينجس كل حي طاهر، وكل ميت نجس، إلا الإنسان، ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء:٧٠] . كانت بنت أبي كبش تصب الماء لزوجها وهو يتوضأ، فجاءت هرة، فأصغى إليها الإناء حتى شربت، فنظرت تتعجب! قال: أتعجبين! -يا ابنة عمي- من ذلك؟! سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنها ليست بنجس -يعني: ليست نجسة في حياتها- إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات) . وقالوا: إذا رأيتها تشرب من إناء فإن شربها لا ينجسه، وهناك قول شاذ عن بعض التابعين أنه ألحقها بالكلب، يسبّع سؤرها بالغسل ويترّب، ولكن هذا شاذ مردود. فكونها من الطوافين ومن الطوافات فقد تشرب من هذا الإناء، وتلعق من هذا، وتذهب وتدخل، وتمشي على الفراش، فهي ليست بنجس. قوله: (من الطوافين) : مَنْ الذي يطوف علينا؟! هل هناك من يطوف علينا في الليل؟! أليس للبيوت عماراً؟! أليس يطوفون بالبيوت، فمنهم من يظهر ونراه، ومنهم من يختفي، وخاصة في المدينة؟ وقد بيّن ﷺ : أن مؤمني الجن ليهاجرون إليها كما تهاجرون أنتم. والحكايات والوقائع الفعلية أكثر من أن تحصى. إذاً: هناك طوافون: من ملائكة، أو جن، أو مما يكون، وهي من ضمن أولئك الطوافين، وبتطوافها عرفنا أنها طاهرة، ويقول العلماء: إذا رأيتها تشرب، أو تلعق إناء فسؤرها طاهر، إلا إذا رأيت على فمها أثر نجاسة، فيمكن أن تكون لتوها أكلت فأراً، -لأن العداوة بين الفأر والقطة عجيبة جداً! - فإذا رأيت على فمها أثر النجاسة، فهذا شيء طارئ، ولكن سبحان الله! القطة عندها خصلتان، تعتبر في القمة في النظافة، حتى أكثر من بعض الناس! فإذا أكلت فريسة، حالاً بلسانها تنظف فمها، ولا يبقى على فمها أثر النجاسة أبداً، وبعض الناس تبقى الدسومة على فمه ولا يغسلها! وإذا أرادت أن تقضي حاجتها حفرت ودفنت، فهي مكافحة الأوبئة. لقد شاهدت هرة تذهب إلى الكرسي في الحمام وتقضي حاجتها، وبعضها تقضي حاجتها على الفراش. إذاً: الهرة من حيث هي في ذاتها ليست نجسة والحمار اختلفوا في ذلك؛ قالوا: الرسول ﷺ كان يركبه عرياً -أي بدون رحل- ومعلوم أن الحمار يعرق، ولو كان نجساً لتنجس بعرقه، ولكن الحياة أصل الطهارة كما قال مالك رحمه الله تعالى؛ ولذا الحمار يشرب من السطل، ويشرب من القدر، وسؤره ليس نجساً.
следующие страницы →