Полный текст (2 523 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
بيع المنابذة: صورته وحكمه
قوله: (والمنابذة) .
المنابذة: قريبة من الملامسة، ولكن المنابذة من النبذ، -والنبذ: الطرح، والرمي، فمثلاً: يقول: أيَّ ثوب نبذته إلي فأنا آخذه بكذا، سواء كانت السلع متساوية، أو كانت السلع غير متساوية، فمثلاً: نجد الآن في الوقت الحاضر لوحات على بعض الدكاكين: كل شيء بخمسة ريال، كل شيء بعشرة ريال، أي أن الثمن متعادل، فيأتي صاحب الدكان ويقول: أي شيء بخمسة ريال، والأثمان متعادلة، وأيَّ شيء نبذته إليك فهو بخمسة، لكن المشتري لا يعلم ماذا سينبذ إليه، فربما نبذ إليه شرّاباً وهو يريد غترة، وربما نبذ إليه ثوباً وهو يريد قميصاً، إذاً هذا معلق على اختيار أحد الطرفين، فلا يجوز ذلك.
وكذلك إذا كان العكس، كأن يقول: ما دامت كل السلع عندك بخمسة ريال، فأي سلعة سقطت عليها الخمسة الريال فهي لي، وإن كان الغبن هنا مرتفعاً، إلا أن المانع هو عدم تعيين المبيع عند العقد، وكل هذا منهي عنه؛ سداً للباب فيما لو كانت السلع متفاوتة الأثمان.
стр. 2032
حكم بيع المزابنة
وقوله: (والمزابنة) .
المزابنة: من الزبن، وهو الدفع، قالوا: المزابنة، والمحاقلة، والمخاضرة، كلها تدخل في المزابنة؛ لأن كلا المتعاقدين يدفع عن نفسه الغبن، ويكون ذلك بالمخاطرة، فهي أيضاً ممنوعة لهذا السبب.
стр. 2033
شرح حديث النهي عن تلقي الركبان
قال المصنف ﵀: [وعن طاوس عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تلقوا الركبان، ولا يبع حاضر لباد) قلت لـ ابن عباس: ما قوله: ولا بيع حاضر لباد؟ قال: لا يكون له سمساراً.
متفق عليه واللفظ للبخاري] .
стр. 2034
القاعدة العامة في معرفة البيوع المحرمة
لو تأملنا في كل ما جاء النهي عن بيعه فإننا نجد عنصر التحفظ عن أكل أموال الناس بالباطل هو السبب البارز في النهي عن جميع البيوع المحرمة؛ لأن من أخذ شيئاً مخاطرة، وكان فيه غبن، كان فيه أكل لأموال الناس بالباطل، فإذا وقع الغبن على البائع فقد خسر شيئاً، وأكله المشتري بالباطل، أو وقع الغبن على المشتري في الثمن، فقد نقص عليه شيء، وأكله البائع بالباطل، وهكذا كل هذه الصور يقع فيها أكل أموال الناس بالباطل، وتدخل تحت قوله سبحانه: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة:١٨٨] ، وقوله ﷺ : (المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه) ، والمال لا يحل إلا بطيب نفس من صاحبه، فمهما كانت صفة العقد وصورته وشروطه -وقد وجدنا في الآونة الأخيرة صور عقود لم تكن في السابق- فإنها لم تفلت من نطاق القواعد العامة التي فيها احترام مال المسلم، وتحريم أكله بالباطل.
стр. 2035
النهي عن تلقي الركبان: صوره وما يتعلق به من أحكام
وهنا نهى ﷺ عن تلقي الركبان، والتلقي: هو الاستقبال، قال الله تعالى: ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٣] ، والركبان: جمع راكب، والمراد: الجالب، سواء جاء على قدميه، أو جاء راكباً بعيراً أو فرساً، وقد صار هذا الاسم علماً على كل من يجلب إلى السوق؛ لأن الغالب أن الجالب يأتي من بعيد، وغالباً يأتي راكباً، أي: يركب ما يحمل عليه السلع، فنهى ﷺ عن تلقي الركبان.
والركبان إما أن يكونوا قادمين من البادية، أو قادمين من بلد أخرى حاضرة للبيع في هذه البلدة؛ لاختلاف الأسعار، ولكثرة الحاجة، ولقلة السلعة، وهذه أمور تحكمها حالة الأسواق.
ولنفترض المسألة في البادية: فإذا جاء الجالب من البادية، فإنه سيأتي بإنتاج البادية، وإنتاج البادية إما أن يكون بهيمة الأنعام، وإما أن يكون نتاجها من ألبان، أو أصواف، أو جلود، ونحو ذلك، وإما حطباً يحتطب من الجبال، ونتاج بهيمة الأنعام يكون سمناً، ويكون أقطاً، كل هذا من إنتاج البادية، فإذا جاء البدوي بسلعة، ويريد أن يبيعها في المدينة، ويشتري بثمنها سلعاً أخرى من السوق، فهو أتى بسمن أو حطب أو جبن، فباع واشترى سكراً، أو قماشاً، أو قهوة، أو هيلاً.
إلخ، وهذه هي العادة، فإذا قدم ركبٌ بسلع بدوية، فلا ينبغي لأحد من أهل السوق أن يخرج من السوق، أو يخرج من البلدة ويتلقاهم قبل أن يصلوا إلى السوق، وقبل أن يعرفوا الأسعار، فيساومهم على ما معهم؛ لأنه بتلقيه للركبان يقطع السلع عن أهل السوق.
ومن أين يكون التلقي؟ بعض العلماء يقول: يكون التلقي بمجرد خروجه من السوق، وبعضهم يقول: ميلاً، وبعضهم يقول: ميلين، وبعضهم يقول: أكثر، أو أقل، ولكن الأصل العام في ذلك: أن يتلقاه قبل أن يأتي ويلتقي بالناس، ويعرف الأسعار، وبعضهم يقول: التلقي من السوق إلى الطريق ليس فيه شيء؛ لأنه موجود، ولكن التلقي المنهى عنه فيما إذا كان خارج المدينة، فإذا خرج من المدينة، ولقي الركبان خارج المدينة، وساوم واشترى، فهذا هو المنهي عنه، ولكن إذا نظرنا إلى العلة، وهي قطع الاستفادة من السلعة عن أهل السوق، فيتفرد بالبادي، ويشتري منه وهو يجهل السعر، إذاً: سواء تلقاه خارج السوق، أو تلقاه خارج المدينة، فالعلة موجودة.
وهنا تتشعب المباحث: فلو أنه خرج وتلقى الراكب، واشترى منه، ثم جاء صاحب السلعة إلى السوق، ووجد أن الذي تلقاه قد غبنه، وأخفى عليه سعر السوق، فله الفسخ، وهو بالخيار، وإذا كان له الخيار فهنا مبحث للفقهاء، وهو: هل العقد الذي انعقد هناك أثناء التلقي سارٍ أو غير سارٍ؟ الجمهور يقولون: هو عقد سارٍ؛ لأن الرسول ﷺ أعطاه -أي: صاحب السلعة- الخيار، والخيار لا يكون إلا عن عقد ثابت، ولو لم يكن ثابتاً لقال: العقد فاسد.
وهل النهي عن تلقي الركبان شامل لكل صغير وكبير، ولكل زمان؟ بعض العلماء -وخاصة علماء الحديث- قالوا: في كل صغيرة وكبيرة، وفي كل زمن: خصب، أو جدب، وسواء كان الجالب عالماً بأحوال السوق، أو ليس بعالم، وأخذوا الحديث على عمومه، والآخرون نظروا إلى العلة في النهي، والعلة في النهي هي: غبن البدوي فيما جلب من سلعة، فقالوا: إن كان قد جاء بسلعته، يريد أن بيعها في يومه، وهو لا يعلم الأسعار، ففي مثل هذا يكون النهي، وهذا بخلاف المتردد على السوق الذي يعرف الأسعار، والأسعار من يوم إلى يوم لا تختلف كثيراً، فإذا كان خبيراً بأمر السوق، فلا محظور في ذلك، إن كان قد نوى بيعها في يومه.
إذاً: الشرط الأول في تحقق النهي: أن يكون الجالب لا يعرف أسعار السوق، الثاني: أن يكون الجالب جلبها ليبيعها في يومها.
ويقول بعض العلماء أيضاً: أن تكون بالناس حاجة إلى تلك السلعة.
والبعض الآخر يقول: سواء كانت هناك حاجة للسلعة، أو لم تكن، والذي يهمنا هو الجالب، فإذا كان الجالب جلبها ليبيعها في يومه، وكان لا يعلم الأسعار، فتلقاه إنسان واشتراها منه، ثم جاء إلى السوق فوجد أنه قد غبن، فله الحق في فسخ البيع؛ لأن المشتري قد غبنه وخدعه.
وكون الناس في حاجة إليها، أو ليسوا في حاجة إليها، هذا يشترطه البعض، وينفيه البعض الآخر، ويقول الإمام أبو حنيفة ﵀: أو إذا تلقاه وباع له وهو لا يعلم فلا مانع؛ لأنه نصح، لكن إذا كان سيشتري منه فأين النصح؟ النصح يأتي عند (لا يبع حاضر لباد) ، وسيأتي تفصيله إن شاء الله.
وهناك من يقول: يجب أن نراعي أصحاب السوق؛ لأنه إذا تلقى الركبان، وأخذ السلعة من هناك، والناس في السوق ينتظرون مجيء الجلب، وهذا قد سبقهم إلى الجلب وحاز السلعة، ففيه مضرة على المستهلك، وعلى أهل السوق، وقد جاء في الحديث: (أحب لأخيك ما تحب لنفسك) .
إذاً: مبدئياً نهى ﷺ عن تلقي الركبان.
ونظير هذا أيضاً: لو أن شخصاً ذهب وحمل سيارة كبيرة -كهذه التي يسمونها (سكس) - بالأسمنت والشعير، وبالسلع التي يحتاجها أهل البلد، وهو لا يعلم أسعار المدينة، فذهب إنسان إلى (الفريش) وتلقاه، وتبايع معه على حمولة السيارة وغبنه، فباعه، ثم جاء إلى السوق فوجد نفسه قد غبن، لا سيما -كما يذكر الفقهاء- إذا قام المتلقي بالخداع، كأن يقول له: المدينة مليئة بهذه السلع، والناس غير محتاجين إلى هذا، لكن سآخذ منك هذه السلع وأجعلها عندي، ومن ثم أصرفها على مهل، أما أنت فإن جئت إلى السوق فستجد عشرات السيارات كسيارتك، وستجد المستودعات مليئة، ولكن أنا أستطيع تدبيرها، مع أن المدينة ليس فيها ولا سيارة واحدة، ولا شيء من هذه السلع، فيكون قد غره وغشه، وحمسه إلى البيع مخافة ألا يجد من يشتري؛ لأن السوق يقوم على العرض والطلب، فإذا كان العرض كثيراً والطلب قليلاً نزلت السلعة، وإذا كان العكس ارتفعت السلعة.
فقالوا: إذا كان قد خدع المتلقي الجالب، وهوّن عليه أمر سلعته، وهوّن عليه أسعار السوق، سواء كان بادياً أو حاضراً، فكل ذلك داخل في هذا النهي؛ لأن الغرض وراء ذلك كله هو أكل أموال الناس بالباطل.
стр. 2036
النهي عن بيع الحاضر للباد: صورته وحكمه
قال: (لا يبع حاضر لباد) .
ومن النهي هنا أيضاً نهيه ﷺ ألا يبيع حاضر لباد، وانظر إلى هذا التناسق بين هذه النواهي! ولنفرض أن الركبان لم يتلقها أحد، ووصلت إلى السوق، فإذا وصلت إلى السوق دون أن تصطدم بمتلق يخدعها، وبدأ البيع، فلا يجوز أن يأتي حاضر ويتولى عملية البيع للبادي.
وقد سأل السائل ابن عباس: ما معنى قوله ﷺ : (ولا يبع حاضر لباد) ؟ فقال: لا يكون له سمساراً.
والسمسرة: معروفة من قديم، فهنا الجالب إذا وصل السوق فليترك بسلعته مع الناس، فإن الجالب سيبيع بما يراه يحفظ حقه، والغالب أن البدوي يجلب سلعاً لم يدفع فيها مالاً، وإنما بذل فيها جهداً، فرأس مالها عليه جهده في الحلب، والتصنيع وما إلى ذلك، أما الذي يشتريها ويأتي بها إلى السوق، أو يشتريها بالجملة ويبيعها بالتجزئة، فإنه يعمل حساب رأس المال الذي دفعه، والغالب أن الجالب من البادية يتساهل في سلعته، فإنه لم يخسر فيها مالاً، وإنما بذل فيها جهداً، فيكون في هذا رخاء وتوسيع على الناس.
أما إذا جاء أحد أهل السوق ليبيع السلعة لهذا البدوي، فإنه سيستخدم خبرته ومعرفته بالسوق ليخدم بها الجالب، فهو يعلم أسعار السوق، ويعلم هل السلعة متوفرة أم غير متوفرة، فيغالي في الثمن ويزيد في السعر، فيتضرر أهل البلد، لا سيما المساكين والأرامل والأيتام والفقراء والضعفاء، فتقطع عليهم الطريق، ولا ينتفعون من جلب البادية، ولذا جاء في بعض الروايات: (دع الناس يرزق الله بعضهم من بعض) ، فهذا اشترى قربة سمن، فإن كان لبيته -وجاءت رخيصة- فهو رزق من الله، وإن كان سيبيعها ويكسب فهذا رزق من الله.
فقوله: (لا يبع حاضر لباد) قالوا: هي على المبدأ الأول في تلقي الركبان، بشرط أن يكون البادي لا يعرف أسعار السوق.
وهل النهي عام، أم أنه خاص فيما إذا كان الناس بحاجة إليها؟ الظاهر أن النهي على العموم.
وعلى هذا: نجد في الصورتين الإضرار بالمستهلك، فتلقي الركبان يكون فيه قطع الطريق على المستهلك، وبيع الحاضر للباد فيه رفع السلعة على المستهلك، وهذا فيه مضرة.
يقول الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى: إذا باع الحاضر للبادي من باب النصح فلا مانع، فلو أن الحاضر رأى حاضراً آخر يشتري من بدوي لا يعرف شيئاً عن قيمة سلعته، كأن يكون لديه قربة سمن تساوي ألف ريال، فقال له الحضري: أشتريها بمائتي، وكاد أن يبيع، فتدخل حضري آخر فقال للبدوي: اصبر، لا يخدعك، واذهب وانظر السوق، فالإمام أبو حنيفة ﵀ يقول: للحاضر أن ينصح إذا رأى غبناً فاحشاً.
لكن إذا كانت السلعة بألف، وجاء حاضر وساوم البادي إلى ثمانمائة، أو ثمانمائة وخمسين، والثمانمائة والخمسون ليست غبناً فاحشاً، فإنه يتركه لعموم النهي (ولا يبع حاضر لباد) .
ولكن إذا كان البادي يعرف السوق ويتردد عليه، وجاء بسلعته إلى المدينة، ولا يريد أن يبيعها؛ لأنه وجد السلع كثيرة، وقد أتى بالسمن وكان يظن أنه لم يجلب إلا هو، فأتى إلى السوق وإذا به مليء بالسمن، فجاء إلى أحد أهل الحاضرة، وقال: يا فلان! اترك هذه السلعة عندك، وأنت وكيل عني، فبعها إذا تحسن السوق.
ماذا يكون في هذا؟ هو عرف السعر، ثم إنه أودعها عند حضري، ثم وكل الحضري ليبيعها عند تحسن السوق، إذاً: الجالب لن يبيع اليوم؛ لأنه رأى السعر منخفضاً، والسلع كثيرة، فوكل الحضري، وعلى هذا فلا شيء في ذلك.
وقوله: قلت لـ ابن عباس: ما قوله: (ولا يبع حاضر لباد) ؟ قال: لا يكون له سمساراً.
متفق عليه.
السمسار: هو الذي يسعى كالدلال، ولكن السمسار يسعى بين البائع والمشتري في شيء موجود حاضر، ويحاول أن يوفق بين الطرفين إلى أن يصلا إلى عقد البيع، والدلال إنما يدل على السلعة لمن لا يعرفها.
стр. 2037
كتاب البيوع - باب شروطه وما نهي عنه [٩]
لقد حرص الإسلام على إرساء المحبة والألفة بين المسلمين، وسد كل باب يفضي إلى النزاع والفرقة، ولذلك نهى عن بيوع ومعاملات تفضي إلى الفرقة والنزاع، وتفسد المحبة والألفة بين المسلمين، ومن تلك المعاملات: بيع الرجل على بيع أخيه، أو أن يخطب على خطبة أخيه، أو أن تسأل المرأة طلاق أختها لتتزوج زوجها، ونهى عن سوم الرجل على سوم أخيه، ونهى عن أن يُفرق بين المرأة وولدها، أو بين الأخوين ببيع أو نحوه، ونهى عن الاحتكار، فلا يحتكر إلا خاطئ.
وإذا غلت الأسعار، فيجب على المسلمين أن يرجعوا إلى الله، فإن الله هو المسعر، وما نزل الغلاء إلا بسبب الذنوب والمعاصي، وبالعودة إلى الله يرتفع الغلاء، ويجوز لولي الأمر أن يُسعر إذا دعت الحاجة، لاسيما في الأشياء التي لا تعرف تكلفتها عادة، وكذلك إذا ظهر المحتكرون.
стр. 2038
شرح حديث: (نهى أن يبيع حاضر لباد ... )
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى.
أما بعد: فيقول المصنف ﵀: [وعنه -أي: أبي هريرة ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يبيع حاضرٌ لباد، ولا تناجشوا، ولا يبيع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في إنائها) متفق عليه، ولـ مسلم: (لا يَسمُ المسلم على سوم أخيه) ] .
بيع الحاضر للباد تقدم، وبيع النجش تقدم، والنجش: هو الزيادة في السلعة بدون قصد الشراء، ويترتب عليه أكل أموال الناس بالباطل؛ لأن المشتري سيزيد على زيادة السائم الأول، ثقة منه بأنه راغب، وأن السلعة تستحق ذلك.
ويضيف العلماء إلى صور النجش: ما يفعله بعض الناس حينما يأتي بالسلعة إلى السوق فيقال له: بكم هذه؟ فيقول: قد أعطوني فيها خمسين، مع أنه لم يعطه أحد شيئاً، ولكنه هو الذي كذب ووضع هذا السعر، فكأنه زاد لنفسه من نفسه تعريراً بالمشتري، فإن صدّقه المشتري واشترى على قوله، ثم تبين له الغبن، فهو بالخيار.
стр. 2039
بيع الرجل على بيع أخيه: صوره وحكمه
قوله: (ولا يبيع الرجل على بيع أخيه) .
بيع الرجل على بيع أخيه والسوم على سومه كلاهما من هذا القبيل، وصورة بيع الرجل على بيع أخيه: أن يأتي إنسان ويشتري سلعة من شخص، ويشترط لنفسه الخيار لمدة يومين ليستشير، فيأخذ السلعة في يده على ذمة الخيار لمدة يومين، والمشتري والبائع كلاهما له الخيار في الإمضاء والفسخ -إلا إذا اشتُرط الخيار لواحد منهما فقط، فإذا اشترى المشتري واشترط الخيار لنفسه فقط، فليس للبائع حق الفسخ- وفي مدة الخيار علم جار البائع بما حدث، فذهب إلى المشتري وقال له: ما دام أنك في مدة الخيار، فارددها إلى صاحبها وسأبيعك نفس السلعة بسعر أقل، فيكون هنا قد باع على بيع أخيه.
وصورة الشراء على شراء أخيه كما لو اشترى المشتري السلعة بألف، وعلم بذلك شخص وهو في حاجة إلى السلعة، فذهب إلى البائع وقال له: بكم بعت يا فلان؟ فقال: بعتها بألف، فقال: يا أخي! لماذا لم تخبرني، لو كان عندي علم لأخذتها بألف ومائتين، فما دام أن لك الخيار، ولك حق الفسخ في يومين، فافسخ البيع، وسأشتريها بألف ومائتين، فيكون قد اشترى على شراء أخيه، وفي كلتا الصورتين إفساد بين الناس، وإفساد للسوق، وفي الحديث: (أحب لأخيك ما تحب لنفسك) .
إذاً: هاتان الصورتان منهي عنهما؛ لما فيهما من إفساد بين الناس، ثم إنه ﷺ خاطب الناس في هذا بقوله: (ولا يبيع الرجل على بيع أخيه) ، ولم يقل على بيع الغير، ولكن قال: (على بيع أخيه) ، إذاً: من حق الأخوة ألا تتعدى على أخيك، وهذا من البلاغة النبوية، فقد كان يمكن أن يقول: لا يبيع أحدكم على بيع غيره، ولا يشتري على شراء غيره، ولكنه قال: (أخيه) ، فكأنه يذكره بحق الأخوة بينهما، فما دمت اعتبرته أخاً لك فأحب له ما تحب لنفسك.
وهكذا فالتشريع في المعاملات قد يلمس العاطفة، وقد ينبه الضمير، ويوجه الإنسان بإنسانيته، فيشعره بأن هذا أخوه، ولا ينبغي أن يفسد عليه بيعه، وأن هذا أخوه، فلا ينبغي أن يفسد عليه شراءه، فيكون أنانياً يحب لنفسه ما لا يحب لغيره.
стр. 2040
النهي عن الخطبة على خطبة الغير
قال: (ولا يخطب على خطبة أخيه) .
الخُطبة: هي الخطبة على المنابر، وفي النوادي، وفي الحفلات، والخِطبة: هي خطبة الرجل للمرأة، فإذا خطب إنسان امرأة أو فتاة، فلا يخلو الحال من أحد أمرين: إما أنه مجرد استفهام، وقد يكونون قبلوا خطبته أو لم يقبلوا، وإما أن يكونوا قد قبلوا ولم يبق إلا المفاهمة في الحواشي والتنفيذ، فإن كانت الخطبة مجرد حديث، ولم يستجب أهل المرأة إليهم، وفهم من حالهم أنهم رفضوا، وقد يكون الرفض بلطف، فيعتذروا بقولهم: هي تريد أن تتعلم إلى أن تكمل تعليمها، مع أنها في الحقيقة راسبة، ومهيأة للزواج، ولكنهم ردوه بلطف، وهذا من الآداب الاجتماعية، فعلم أنهم غير راغبين، فهنا لا مانع من أن يتقدم شخص آخر بالخطبة، أما إذا كانوا في مرحلة المفاهمة، ولم يظهر من أهل المرأة رفض ولا قبول، فليبق وليكف، فإذا ظهر من أهل المرأة القبول حرم التقدم، وإذا ظهر منهم النفي فلا مانع من التقدم.
وإذا علم بأن أهل المرأة قد قبللوا الخاطب، ولكنهم ما زالوا في بحث موضوع الجهاز، كالفراش وصفته، والتعنتات التي أرهقت الناس، وهذا كثير، وهذا قليل.
إلخ، فالمبدأ الأساسي هو القبول بهذا الخاطب، ولكن ما زالوا في بحث الحواشي، والتعليقات، والهوامش، فإذا تقدم إنسان آخر ورأى أهل العروس فرقاً بعيداً بينه وبين الأول، فالأول إنسان مسكين يعمل بأجر يومي، ويسكن في بيت شعبي، وجاء هذا وعنده عمارة، وسيارة، ومال كثير، فقالوا: والله لا نضيع بنتنا عند هذا، ولا نفوّت هذا، فهذا أحسن لنا، وسيرفضون الأول الذي رضوا به ابتداءً لعدم ظهور هذا، فيأتي هذا دون مبال بشعور أخيه، ودون مبال بحاجته، ودون مبال بكرامته، وعلاقته وأخوته، فكأنه أهدر حق أخيه بالكلية، فقبلوه وزوجوه.
والجمهور: على أنه إذا رفع ذلك إلى الحاكم فإنه يبطل العقد الثاني، ويمنع زواج الثاني منها؛ لأنه بُني على باطل، وهو خطبته على خطبة أخيه.
والجمهور -ما عدا مالك - يقولون: يفسخ العقد ولو دخل بها، ومالك يقول: إذا فات الأمر ودخل بها فلا يُفسخ؛ لأنه بالدخول بها دخلت حقوق أخرى جانبية، فقد تكون حاملاً، وإذا قلنا بالفسخ فستشتت الولد، ويفرق بينه وبين أمه، وبينه وبين أبيه، وتكون هناك أشياء مترتبة على ذلك، كالعدة، والنفقة، وأشياء كثيرة، فلذلك لا يفسخ العقد، بل يستمر، ويلحق ذلك المتعدي الإثم.
أما الأئمة الثلاثة ﵏ فيقولون: حتى لو دخل بها فإنه يفسخ العقد، وإن حملت فالولد لأبيه، ويلحق به؛ لأن الزواج كان بعقد -وإن كان الواجب عدم إيقاع هذا العقد- استوفى شروط صحة العقد، وبه استباح المرأة.
إذاً: لا يجوز أن يخطب على خطبة أخيه، وجاء في بعض الروايات: (حتى يدعوا أو يقبلوا) أي: حتى يتركوا، أو يتموا فيما بينهم.
يقول بعض المفسرين في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ * قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ [ص:٢٣-٢٤]-من باب تلطيف الموضوع على أن عنصر المرأة موجود- قالوا: نبي الله داود خطب على خطبة رجل آخر فزوجوه، وقال الآخرون: إن الخطبة على خطبة أخيه لم تكن ممنوعة عندهم كما هي ممنوعة عندنا، والله أعلم بذلك.
стр. 2041
سؤال المرأة طلاق أختها: صورته وحكمه
قال: (ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في إنائها) .
المقصود بأختها أي: أختها المسلمة، وليس أختها من النسب؛ لأن أهلها لو علموا بأنها طلبت طلاق أختها من النسب لتتزوج بزوج أختها؛ لرفضوا أن يزوجوه بها، ولقالوا: كيف نعطيه هذه وقد طلق أختها! إذاً: المراد بأختها أي: المسلمة.
وصورة هذه المسألة: أن يأتي رجل متزوج ويخطب امرأة، فتقول: مرحباً، على العين والرأس، وأنعم، لكن طلق التي عندك وأنا أتزوجك، وقوله: (تكفأ) كأنه كناية عما يتحمله الرحم، وتتلقاه المرأة في المعيشة مع الزوج، وكل ذلك في إناء الحياة والعشرة الزوجية، (لتكفأ ما في إنائها) لتأتي هي بإنائها من جديد، فهذه أنانية فوق اللازم، وكذلك عنصر الأخوة، فلا تطلب المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في إنائها، من خير المعيشة: من النفقة، ومن حسن العشرة، ومن الإيواء، فتحرم الزوجة الأولى من هذا من أجل أن تأتي هي وتحل محلها، وهذا ينافي الأخوة، ولذلك خاطبها نهاها في هذا الحديث عن هذا الأمر.
وهنا وقفة جانبية واستراحة خفيفة: بعض النسوة الآن يتقدم إليها المتزوج فتقول: أنا لا أريد أن تكون معي ضرة، لا تتزوج عليّ ولا تكن متزوجاً قبلي، وهذا الشرط من حيث هو لا بأس به؛ لأنها تريد المصلحة لنفسها، لكن أن تقول: طلق الزوجة الموجودة من قبل، فهذه هي المصيبة، ثم نقول للأخوات والبنات: ما هو الأُولى لك؟ أن تكوني تحت نصف رجل، أو أن تكوني خالية بالكلية؟ نصف رجل أولى؛ لأنه سيقسم بينك وبينها بالعدل، ومئونتك مكفية، وكرامتك حاصلة، ونفقتك مؤداة، وأصبحت في خيمة رجل، تستظلين بها بجانب وأختك في الجانب الآخر، أو خيمتك بجانب خيمتها، وإناؤك بجانب إنائها، وما يأتيها في إنائها يأتيك مثله في إنائك، وبذلك تكونان أخوات.
إذاً: الغلط كل الغلط فيما يحصل الآن من بعض النساء، من أن المرأة -وخاصة الفتيات- لا تقبل أن تتزوج من متزوج إلا العاطلات النوادر، وقد سمعت من شخص ثقة حينما خطب فتاة -وهو متزوج وله أولاد بالغين- فبادرت الفتاة بقبوله، فقيل لها: ماذا تريدين من هذا الرجل وله أولاد بالغون، مع أن الشباب يتمنون ويتقدمون لخطبتك وترديهم من قبل؟! فقالت: نعم؛ لأن الشاب طائش، وهو طوال الليل في الخارج، ولا يأتي إلى وهو متعب، فينام، ثم يصبح نائماً وكذا وكذا، وليس فيه خير، أما هذا فرجل عاقل، وله بيت، وهو مجرب، ويعرف حق الزوجة، ويقوم بواجبه، وطيلة ليله يكون عندي، ولا أشتغل عنه، ولا أغير عليه فمثل هذا أولى من ألف واحد من الشباب الذين تتطلعون إليهم، فنحن ننصح الفتيات قبل النسوة العوانس بأن الزواج من متزوج خير، أما إذا كانت تزوجت من شاب لم يتزوج، ولكن على شرط أن يكون لها وحدها، فإن التي لم ترض بضرة، فقد يكون لزوجها عشرات الضرائر صداقة، من خلال السهرات -عياذاً بالله- والذهاب والعودة، وينشغل بهن عن زوجته، فماذا تنال منه؟! إذاً: سؤال المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في إنائها هذا خطأ كبير، ولا ينبغي لأي امرأة أن تفكر في هذا، وبالله تعالى التوفيق.
стр. 2042
السوم: معناه وحكمه
قال: (ولا يسم على سوم أخيه) .
البيع إما مساومة أو مزايدة، فبيع المساومة: أن تكون السلعة في يد صاحبها، فيقول المشتري: بكم هذه؟ فيقول: بعشرة، بخمسة، بثلاثة، باثنين، فالذي تتبايع معه وحدك هذا سوم، فإذا تشاغلتما في السوم، وقال لك: أفكر، ولم يبع، فجاء الثاني وسام بأكثر -في غياب الآخر- فهذا لا يجوز؛ لأن البائع يبتّ في الرفض.
والبيع الثاني: المزايدة، كأن يقال: هذه بخمسة، من يزيد؟ بخمسة ونصف، من يزيد؟ وهكذا، فحيثما رسا المزاد بيعت، فالبيع بالمزايدة ليس فيه النهي عن السوم على سوم الغير؛ لأن الباب مفتوح، وكذلك إذا كان المبيع وقفاً، أو غنيمة، أو تركة لميت له ورثة، فيجوز فيه السوم؛ لأن السلعة مملوكة لأشخاص، فينبغي على البائع فيها أن يتحرى السعر الأفضل إلى آخر لحظة، فالتركة فيها قُصّار وفيها نساء، والوقف وقف لحق الله تعالى، والغنيمة لم تقسم، أو إذا سيم على السهم، وبائع الغنائم يريد أن يُقسم القيمة على الغانمين، فلهم حقوق، فينبغي أن يتحرى، ولا يتم التحري إلا بالسماح بالسوم على سوم أخيه، أما إذا كانت في الحراج، فوقعت المزايدة، فلا حرج في ذلك، وقد جاء عنه ﷺ أنه باع بالمزايدة في هذا المسجد الشريف، كما في قصة الشاب الذي جاء وطلب الصدقة، فقال له: (أراك قوياً جلداً، قال: ليس عندنا شيء، قال: ما عندك؟ قال: حلس وقعب، قال: عليّ بهما، فلما جاء بهما، قال: من يشتري مني هذا؟ فقال رجل: بدرهم، قال: من يزيد؟ فقال رجل: بدرهمين) فهذا سام على سوم أخيه؛ لأنها مزايدة.
وهكذا النهى عن السوم على سوم أخيه مثل النهي عن البيع على بيع أخيه، إلا إذا كان البيع مزايدة فلا مانع أن يسوم وأن يزيد، إلى أن تصل السلعة إلى نهايتها، وبالله تعالى التوفيق.
стр. 2043
شرح حديث: (من فرق بين والدة وولدها ... )
قال المصنف ﵀: [وعن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من فرق بين والدةٍ وولدها فرّق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة) رواه أحمد وصححه الترمذي والحاكم، ولكن في إسناده مقال، وله شاهد] .
стр. 2044
عظمة هذا الدين ورحمته بالخلق
يذكر المؤلف ﵀ حديث أبي أيوب هذا في كتاب البيوع، باب شروطه وما نهي عنه، فيقول لنا أبو أيوب رضي الله تعالى عنه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (من فرق بين والدةٍ وولدها فرّق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة) ، والحديث فيه النهي عن أن يُفرِّق السيد بين الأمة وبين ولدها في البيع، فما علاقة الأحبة، وعلاقة يوم القيامة؟! وكان يمكن أن يقال: لا تُفرِّقوا بين الأم وولدها، أو لا ينبغي التفريق، ولكن مصداقاً لقوله سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] ، ولأن دين الإسلام هو دين الرحمة، ومصداقاً لقوله ﷺ : (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) ، فهذه أم معها ولدها، وكم يصعب على الأم أن تفارق ولدها؟! ونعلم ما حصل في قصة أصحاب الأخدود، وفي قصة المرأة التي جاءت إلى عائشة وهي تحمل طفلتين فأعطتها عائشة تمرة، فشقتها نصفين، وأعطت كل طفلة نصفاً واجتزأت هي بالنواة تمصها، وذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال لها: (لله أرحم بعباده من هذه الأم بطفليها) ، وتلك المرأة في قصة أصحاب الأخدود، فحينما ظنت المرأة بولدها فأنطقه الله وقال لها: (يا أماه! قعي في النار ولا تتقاعسي) ، وعندما ذكروا لرسول الله ﷺ عطف تلك الأم على ابنتيها قال: (أترون أن هذه الأم تلقي بولديها في النار؟ قالوا: لا، قال: لله أرحم بعباده من هذه الأم بطفليها) .
ثم نأتي إلى عوامل جانبية أخرى، فإن الرحمة في الإسلام لم تقف عند الإنسان، فقد دخلت امرأة النار في هرة حبستها، ودخلت امرأة بغي الجنة في كلب سقته، فالإسلام دين الرحمة، ودين العاطفة، ودين إيقاظ الضمير.
ثم ننتقل خطوة بعيدة، وطويلة جداً، ونقرع الطبل في آذان أولئك الآباء والأمهات الذين يقع بينهم النزاع والشقاق لأمور شخصية بينهما، وتقع المصيبة على الأولاد، وينتزع الأولاد من الأم قهراً، لا لشيء إلا لمضارتها، فنقول: (من فرّق بين الأم وولدها) ، وإن كان ذلك في المبيع فكذلك في الحضانة، وللقاضي أن ينظر في مصلحة الطفل أهي عند أمه، أم هي عند أبيه، أم عند شخص ثالث؟ لأن مصلحة الطفل مقدمة، أما الأبوان فقد تفرقا وسار كل في طريقه، وهذا لا يزال ناشئاً، فأي مكان يكون أصلح له فيضعه القاضي فيه.
والمجال في هذا الموضوع واسع، ولكن يهمنا أن النبي ﷺ -مع كثرة مسائل التشريع، ومسئوليات الأمة، والتبليغ في الحضر والسفر، وفي السلم والحرب- لم يُهمل هذا الجانب الإنساني، بل قال: (من فرّق بين الأم وولدها) مع أن كليهما مملوك، وقد يكون باقياً على شركه وعلى كفره، فالناحية الإنسانية والرحمة ليست قاصرة على كافر ومسلم، بل شملت -كما أشرنا- الحيوان، وهكذا يرطب النبي ﷺ القلوب ويبللها بالشفقة والرحمة.
وهنا يأتي الفقهاء ويفرعون ويقعدون، ويأتون بمسائل، منها: متى يكون ذلك؟ قالوا: إذا كان الطفل دون البلوغ، أما إذا بلغ فأصبح رجلاً فيذهب حيث شاء، فقد يتركها ويذهب عنها، أما دون البلوغ فعاطفة الأمومة أشد إليه منها حينما يكبر، فغداً يكبر ويتزوج امرأة ولا يدري عن أمه شيئاً، أما دون البلوغ فالعاطفة مرتبطة به أكثر، وهنا سواءً كانت الأم مسلمة أو مشركة وهي أمة مملوكة، وكذلك الولد، علماً بأن الولد يُلحق بأفضل دين الأبوين، فلو أن نصرانياً تزوج مشركة، حكم للولد بدين النصارى؛ لأنه خير من الوثنية، ولو أن مسلماً تزوج كتابية، حكم للولد بدين الإسلام؛ لأنه أفضل من دين النصرانية.
стр. 2045
ما يلحق بالنهي عن التفريق بين الأم وولدها
إذاً: مما نهي عنه في المبيع أن تفرق بين الأم وولدها، وهنا يأتي السؤال: وما حكم التفريق بين الولد وأبيه، والأخ وأخيه، والقرابة ذوي الرحم؟ لما كان حديث أبي أيوب بين الأصل والفرع، ويلحق الأب بالأم، أعقبه بحديث علي (أمرني أن أبيع غلامين أخوين ... ) .
إذاً: حديث أبي أيوب مع حديث علي رضي الله تعالى عنهم جميعاً يكملان لنا حلقة كل قرابة في الدرجة الأولى، الولد مع الأبوين، والأخ مع أخيه، والأخت مع أخيها، فهذه الدائرة لا يجوز أن يفرق بينها، إلى متى؟ قالوا: إلى حد البلوغ، وإذا ترك فيما بعد ذلك فهو أولى.
يقول أبو أيوب: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من فرّق بين الأم وولدها فرّق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة) ، ففي الدنيا لو فُرّق بين الإنسان ومن يحب أسبوعاً لقلق عليه، وانزعج وتألم وتضجر، فكيف إذا فارقه سنة أو سنتين؟! لربما طار قلبه عليه، فكيف بما لا نهاية له يوم القيامة؟! ونعلم بأن الله سبحانه يجعل قرة أعين الصالحين من عباده أن يلحق بهم من تقر أعينهم بهم، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور:٢١] ، فقد تكون الذرية ما وصلت إلى درجة الأبوين، ولكن الله -فضلاً منه ورحمة- يرفع درجة الأولاد ليلحقوا بدرجة الآباء إكراماً للأبوين (أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) وليس على حساب الوالدين، بل فضلاً من الله: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور:٢١] لم نأخذ من حساب الأبوين، ورفعنا به الأولاد حتى يتساووا، بل الأبوان على ما هما عليه من الدرجة، والأولاد والذرية كانوا بعيدين عنهم، فتفضل الله على الذرية البعيدة فألحقها بالأبوين، فضلاً من عنده؛ لتقر أعينهم بهم، فكيف إذا كان يوم القيامة ويُفرق بينه وبين أولاده؟! الله يجمع بينهم لتقر أعينهم، وهذا يعمل على أن يُفرّق بينهم.
وإذا قدر أن البيع انعقد فهل يتم البيع أو يفسخ؟ يفسخ، على ما جاء في حديث علي: (أمرني رسول الله ﷺ أن أبيع غلامين) ، وسنأتي إليه إن شاء الله.
стр. 2046
شرح حديث: (أمرني أن أبيع غلامين ... )
قال المصنف ﵀: [وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: (أمرني رسول الله ﷺ أن أبيع غلامين أخوين، فبعتهما، ففرقت بينهما، فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فقال: أدركهما فارتجعهما، ولا تبعهما إلا جميعاً) رواه أحمد، ورجاله ثقات، وقد صححه ابن خزيمة، وابن الجارود، وابن حبان، والحاكم، والطبراني، وابن القطان] .
стр. 2047
النهي عن التفريق بين ذوي الأرحام في البيع
قوله: (أمرني رسول الله ﷺ أن أبيع غلامين) يقولون: إن تدرج السن: من رضيع، إلى فطيم، إلى غلام، إلى شاب، فالرضيع معروف، والفطيم: هو من كان على وشك الفطامة، أو قد فُطِم، والشاب: ما بين أوائل التمييز إلى البلوغ، وبعضهم يقول: الغلام لغة: يطلق على الرجل الوافي، كما قيل في الحجاج بن يوسف: إذا هبط الحجاج أرضاً مريضة تتبع أقصى دائها فشفاها شفاها من الداء العضال الذي بها غلام إذا هز القناة سقاها فهو رجل مقاتل، والعادة أن الغلام والجارية يطلقان على من كان دون البلوغ، وقد يطلق على ما بعده، أما في عُرف اللغة فيطلق على من بلغ إلى سن الثلاثين، وهو الشاب فقوله: (أمرني أن أبيع غلامين) أي: صغيرين، لا يوجد لهما أم ولا أب، ولكن الأخوة.
وقوله: (فبعتهما وفرقت بينهما) فواحد ذهب إلى الشرق، وواحد ذهب إلى الغرب، وكل واحد مع الزبون الذي اشتراه.
وقوله:: (فجئت فأخبرت رسول الله على ما وقع مني) لماذا؟ لأن الرسول ﷺ أمره أن يبيع، والبيع مطلق، وليس فيه تفصيل للاجتماع أو الافتراق، فلما وقع ما وقع من علي بالتفريق بينهما، وهو زائد عن ماهية البيع، بل الذي يفهم من قوله: (أمرني أن أبيع غلامين) أي: بيعة واحدة، فالمتبادر إلى الذهن أن هذه الصيغة تدل على أن يبيعهما بيعة واحدة، أي: دون تفريق، ولكن اللفظ عام، فـ علي رضي الله تعالى عنه نظر إلى ماهية البيع دون قيد، فباع هذا هنا، وباع هذا هناك، فجاء وأخبر رسول الله ﷺ بما فعل، وكأنه أوجس في نفسه أن الأمر ببيعهما لم يتناول التفريق.
فقال ﷺ : (أدركهما) وكلمة (أدركهما) ، وكأنه خاف الفوت، تقول: فلان أدرك الصلاة، أي: على آخر لحظة فلان أدرك الفائت، فلان أدرك من سبقه، وفلان أدرك السارق، وذلك إذا سرق شيئاً ثم فرَّ به فجريت وراءه، وأمسكت به، فلا تقل: لحقته، وقل: أدركته، لأن الدرك الظفر، و (أدركهما) صيغة تدل على التشديد، والحرص في اللحاق بهما.
стр. 2048
إبطال البيع إذا فُرَّق به بين أخوين
ثم بيّن له ﷺ فقال: (ولا تبعهما إلا جميعاً) لماذا؟ لأنهما أخوان، والتفريق بين الأخ وأخيه قطيعة للرحم، والله قد أمر بأن توصل، وكلمة الأخوين تشمل الأصناف الثلاثة: الشقيق، ولأب، ولأم، فمطلق الأخوة موجود، وإذا كان الرابط بينهما أبعد من الأخوة، كالرجل وابن أخيه، والرجل وعمه، أو الغلام وعمه، فهل يدخل في هذا أم لا؟ بعض العلماء وسع وقال: كل ذي رحم لا يفرق بينهما ما دام أنه دون البلوغ، وبعضهم قال: جاء النص في دائرة الدرجة الأولى: ولد مع أبيه، أخ مع أخيه، فهذه الدائرة تُسمى: بالقرابة من الدرجة الأولى، فهذا لا يُفرق بينهما، وإن وقع التفريق بينهما ببيع أو نحوه فإنه يُفسخ البيع ويُرد، ولا يباعان إلا جميعاً.
стр. 2049
شرح حديث: (غلا السعر في المدينة)
قال المصنف ﵀: [وعن أنس بن مالك ﵁ قال: (غلا السعر في المدينة على عهد رسول الله ﷺ فقال الناس: يا رسول الله! غلا السعر، فسعر لنا، فقال رسول الله ﷺ : إن الله هو المسعر، القابض، الباسط، الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله تعالى وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال) رواه الخمسة إلا النسائي وصححه، ابن حبان] .
стр. 2050
سبب الغلاء وكيفية رفعه
غلاء السعر يكون بقلة السلعة، أو كما يُقال: الطلب من العرض، فتكون هناك المزاحمة على السلع، فترتفع الأسعار، وارتفاع الأسعار إما أن يكون بقلة السلعة، أو بحرص بعض المواطنين على الجمع، وسيأتي التنويه إلى هذا المعنى، فيأتي أصحاب الأموال إلى الأسواق، ويجمعون السلع، أعطاهم الله المال، فأخذوه وخزنوه، وقلَّت السلع في السوق، فغلا السعر، سواءً أخذه لنفسه، أو أخذه محتكراً، لبيعه فيما بعد، بصرف النظر عن الحكم، فهذا هو موجب غلاء السعر.
فقالوا: (يا رسول الله! غلا سعر فسعر لنا) ضع سعراً لا يتجاوزه التجار، وهذا ما يُقال له: التسعيرة، أو التسعير، فقال ﷺ : (إن الله هو المسعر) وهل المراد أن الله سينزل أسعار السلع؟ ليس هذا هو المراد، ولكن الله تعالى هو الذي يرخص إذا أنزل البركة، وكثر الصنف، وكثرت الأسواق؛ رخصت السلع، وإذا منع المطر، ومنعت السلع وقلَّت؛ غلا السعر، فيكون المسعر حقيقة هو الله وقوله: (القابض الباسط) القابض: يقبض الرزق عن عباده، فتقل السلع، فيغلو السعر، والباسط: يبسط الرزق لمن يشاء، فتتوفر السلعة، ولهذا يكون دائماً وأبداً الرجوع إلى الله (القابض، الباسط) .
وقوله: (الرازق) .
وهذا صريح بأن الله الرازق إذا أوسع الرزق للعباد رخصت الأسعار، وإذا ضيق عليهم غلت الأسعار، ولذلك فعلينا أن نفتش عن أسباب تضييق الرزق وأسباب منع القطر، وأسباب محق البركة؛ ليتجنبها الناس.
إذاً: السعر بيد الله؛ لأنه القابض، الباسط، الرازق، فبالقبض يكون الغلاء، وبالبسط والرزق يكون الرخاء.
ثم رجع إلى نفسه ﷺ ليعلمنا بعض الآداب فقال: (إني لأرجو أن ألقى الله) .
وكلنا سيلقى الله، ولكن ليس الرجاء على أن يلقى الله، فإن لقاء الله حتمي وبدون رجاء، ولكن على القيد الذي بعده: (أرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطلبني ... ) أي: أرجو أن لا أكون متحملاً لأحد منكم في ذمتي حقاً، في دم، أو مال، وقوله: (أحدٌ) عام شامل، بخلاف الواحد للعدد، فقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] فيه مطلق الوحدانية لله سبحانه، فقول النبي ﷺ : (أحد) يشمل كل فرد على وجه الأرض من بني آدم، (منكم) أي: وليس لأحد منكم يا أصحاب الطلب له في ذمتي مظلمة، وكأنه يشير إلى أن التسعير إذا لم يوفق المسعر إلى الصواب، فهو ظلم لصاحب السلعة إن كان التسعير أقل من قيمتها، وظلم للمستهلك إن كان التسعير أكثر مما تستحق، وبهذا لا يسلم المسعر من مظلمة، (وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة) في ذمتي أو عندي، في أي شيء؟ (في دم ولا مال) سبحان الله! الرسول ﷺ سيظلم في الدم؟! بعوضة لا يظلم فيها، لكن إياك أعني واسمعي يا جارة! وإذا كان سيد الخلق -وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر- يخشى أن يلقى الله بمظلمة في دم أو في مال فغيره من باب أولى.
والكلام هنا هو في التسعير، والتسعير مال، ولكن لما كان الموقف موقف تحذير من الظلم في المال، جاء بالدم معه؛ لأنه أهم: (وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال) أين محل المظلمة في المال؟ في التسعير؛ لأنه إما أن يكون زائداً عن القيمة فيكون ظلماً للمستهلك، أو ناقصاً عن القيمة فيكون ظلماً للمالك.
стр. 2051
حكم التسعير للحاجة
ومع وجود هذا الحديث النبوي الكريم، الذي أعلن فيه ﷺ براءته من الظلم في موضوع التسعير، فهل يجوز التسعير إن دعت الحاجة أم لا؟ ومتى يكون ذلك؟ ومن الذي يملك ذلك؟ هذا من جانب الفقه، فبعض العلماء قالوا: لا يجوز التسعير، فالمسعر هو الله، وإذا وقع الغلاء فارجعوا إلى الله وتوبوا إليه، وأصلحوا شأنكم؛ يبسط لكم الرزق، وجاء الناس إلى عمر رضي الله تعالى عنه وقالوا: (غلا اللحم فسعره لنا، فقال: أرخصوه أنتم!) نحن نشتكي غلا السعر، واللحم عند الجزارين، ونحن أصحاب الحاجة، فتقول: أرخصوه أنتم! وهل نملكه حتى نرخصه؟! قالوا: وكيف نرخصه وليس في أيدينا؟ قال: اتركوه لهم، فكل واحد منهم ذبح عشر أو اثنتي عشرة شاة، وذاك ذبح بعيراً.
إلخ، وكلهم ينتظر إتيان الناس ليبيع، فلم يأتهم أحد، فبالأمس كانوا يقولون: الأوقية -مثلاً- بريالين، واليوم يقولون: بريال ونصف، فإذا ذهب نصف النهار قالوا: بريال وربع، فإذا أذن العصر قالوا: بريال، وسيبيعون ولو بنصف ريال، وهو أحسن لهم من أن يعفن اللحم ويرمى، فقال: أرخصوه أنتم، وكيف نرخصه ولا نملكه؟ قال: اتركوه، وماذا لو تركتم اللحم يومين أو ثلاثة أو أسبوعاً، وكلوا غيره، فإذا علِم الجزارون أنهم إذا رفعوا السعر تركه الناس، فلن يرفعوا السعر، وهكذا بقية السلع، لكن إذا كان هذا في اللحم، وقد يكون من الكماليات في الطعام، والرسول ﷺ كان يأكل الخل والزيت والملح ويكتفي الإنسان بالذي يكون.
لكن إذا كان الغلاء في أمر ضروري، كالدقيق، والملح، والدهن، وهذه الأشياء التي لا غنى عنها، فماذا يكون الحل؟ ينص الفقهاء على أنه إن حصل الغلاء بسبب جلب النوع من السوق إلى المستودع من قبل تاجر الجملة، ويسمى المحتكِر، فجمع السلعة من السوق وقال: الآن السلعة موجودة إبانها التمر وقت الجُذاذ الكل مليء إلى أن تمضي مدة، وكل واحد استهلك الذي عنده، ثم ذهب يبحث في السوق فلم يجد السلعة، وذلك التاجر ما زال يخزن السلعة، ولا يريد بيعها الآن، وينتظر حتى يرتفع السعر قليلاً، فهذا هو المحتكِر على ما سيأتي، ولا يحتكِر إلا مخطئ.
стр. 2052
أقسام المحتكر
قالوا: المحتكِر على قسمين: محتكر لا ينتظر ارتفاع السعر، ولكن ينتظر خفة الصنف من السوق، فيمُد الناس، يقول مالك في هذا: قد يكون محسناً؛ لأنه وفر السلعة، وأخرجها عند الحاجة بسعر يومها.
ومحتكِر ينتظر ارتفاع السعر ليتحكم، فحينما اشتدت بالناس الحاجة أخذ يتحكم في السعر، فما كان سعره عشرة جعله بخمسين، وليس كل الناس يستطيع أن يضاعف الثمن خمس مرات، قالوا: في هذه الحالة لولي الأمر أن يتدخل بما يحقق (لا ضرر ولا ضرار) ، إذا أبعدنا نظرية التحكم، ومع عدم وجود هذا الصنف في السوق فكم يساوي؟! يساوي كذا، فيُلزم التاجر أن يبيع بذلك السعر، وكما يقول الفقهاء: يُقدر له ربح محتمل، ويأمره أن يبيع بالسعر الفلاني، قالوا: هذا لا بأس به؛ لأن فيه مصلحة المستهلك، وفيه رفع مظلمة المحتكِر.
ويقول ابن تيمية -في هذه المسألة- وابن القيم في الطرق الحكمية: ونظير ذلك أرباب المهن الضرورية، التي يحتاج إليها الناس، ومثل بالسقائين، والخبازين، وفي الماضي كان السقَّائون يحملون الماء في آنية بين طرفي عود، ويأتون بالماء من العيون ونحوها إلى البيوت، فإذا أضرب هؤلاء فماذا تعمل العجوز في بيتها؟ وماذا يعمل الشيبة في بيته؟ وماذا تعمل المرأة المخبأة المخدرة في بيتها؟ سيضطرون إلى الخروج لجلب الماء، وهذا مناف لوضعهم الحقيقي، وليس كل إنسان يستطيع أن يحمل قربته، فيذهب ويأتي بالماء، وكذلك الخبازون إذا أضربوا فالبيوت ليست مهيأة للطحن والعجن والخبز، بناءً على أن الأفران تشتغل، والخبز ينزل إلى السوق، ويشتري الناس حاجتهم.
يقول ابن تيمية ﵀ وابن القيم: حينئذٍ يُلزِم ولي الأمر هؤلاء بالعودة إلى العمل إجباراً، ولا يسمح لهم بالإضراب، وتعطيل مصالح الناس؛ لأن الناس ارتبطت حياتهم بذلك، وكذلك نحن الآن نقول: لو أن عمال مصلحة المياه (السقاءون) أضربوا عن العمل وتوقف تسيير المياه إلى البيوت، أو الصيانة، فعلى ولي الأمر إجبارهم على العمل؛ لأنه بتوقفهم تتوقف مصالح الناس، وكذلك الكهرباء لو أن عمال الكهرباء أضربوا، لأن الأجرة قليلة، يُقال لهم: زاولوا عملكم واطلبوا الزيادة، ولا تضربوا فتعطلوا مصالح الناس.
стр. 2053
لولي الأمر أن يسعر إذا دعت الحاجة
وهكذا بيّن ﷺ أنه يرجو أن يلقى الله وليس في ذمته مظلمة لأحد، فإذا وقعت الحاجة واضطر الناس، فهل يقول ولي الأمر: أرجو ألا ألقى الله وفي ذمتي مظلمة لأحد، أو يتدخل بما يرفع الضرر عن الطرفين (لا ضرر ولا ضرار) فيأتي بأرباب الخبرة لتقدير سعر شراء تلك السلعة، وكم يعطى للتاجر من أرباح عليها، فيقدر أرباب الخبرة الأسعار، ويلزم ولي الأمر التاجر بذلك السعر، فيكون حداً فاصلاً بين المالك والمستهلك.
وكان في السابق إذا أردت أن تأخذ شيئاً من الدكان، فتجده -مثلاً- في هذا الدكان بخمسة، وفي الدكان المقابل بعشرة، فلا يوجد ضابط للسعر في السلعة، وهذا أكثر ما يكون في الصيدليات، فتتفاوت الأثمان بكثرة، والناس لا يعرفون قيمة الدواء، ولا بكم تكلفته، والمريض مضطر إلى أن يشتري، أما الأشياء المتداولة يومياً، من سكر، وشاي وصابون، ولوازم، فهذه أسعارها متداولة عند الناس، أما الأدوية فمجهولة، فلما وقع مثل هذا قام المسئولون ووضعوا على كل دواء سعره؛ لئلا يُخدع الجاهل بالأسعار، ولا يغتنم البائع جهل المشتري فيتحكم كيفما شاء.
إذاً: هناك أشياء اتفق على تسعيرها للجهالة بحقيقتها عند عامة الناس، والله تعالى أعلم.
стр. 2054
شرح حديث: (لا يحتكر إلا خاطئ)
قال المصنف ﵀: [وعن معمر بن عبد الله ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: (لا يحتكر إلا خاطئ) رواه مسلم] .
стр. 2055
الاحتكار: معناه، وحكمه
الاحتكار: هو جمع السلعة أياً كانت، سواء كانت من المطعومات، أو الملبوسات، أو أدوات منزلية، أو أي نوع من الأنواع، جمعه واحتكره لنفسه وسكت عليه، والخاطئ: اللغة فيها خاطئ ومخطئ، والمخطئ ضد العامد، وهو الذي يرتكب الشيء خطأً دون ما قصد إليه ولا عمد (رفع لأمتي الخطأ والنسيان) ، أما الخاطئ فهو الذي يتعمد الذنب (لا يحتكر إلا خاطئ) أي: مذنب آثم، بخلاف المخطئ الذي يقع في الفعل دون ما قصد منه.
وقد أشرنا إلى أن الاحتكار قسمان: احتكار لنفسه، وهذا لا يسمى محتكراً، بل يسمى خازن خزن لنفسه، ويجوز للإنسان أن يخزن لنفسه ما يكفي بيته سنة، ويروى أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك من سهمه من خيبر ومن غيرها، فإذا جمع الإنسان لنفسه في بيته فلا شيء في ذلك؛ لأنه لا يريد غنيمة على حساب الآخرين، إذا لم يكن لنفسه وكان للسوق، فإما أن يقصد بهذا الاحتكار تواجد الصنف، وارتفاع السعر أمر طبيعي يتحكم فيه السوق، وحينما يقل الصنف قدمه دونما تحكم، فهذا أيضاً ليس بخاطئ، ولكن المحتكر الخاطئ الذي يتعمد جمع الصنف ويرى بالناس حاجة فلا يبرزه، إمعاناً في حاجتهم، وطلباً في زيادة السعر، فهذا هو الخاطئ، وهذا هو الذي من حق الحاكم أن يتدخل في أمره.
стр. 2056
كتاب البيوع - باب شروطه وما نهي عنه [١٠]
لقد أقام الإسلام العدل بكل صوره، ونهى عن الظلم بكل صوره، ولذلك فقد نهى الشارع الحكيم عن بعض المعاملات والبيوع التي فيها ظلم وغش للمشتري، ومن ذلك: النهي عن تصرية الماشية وبيعها، ومن اشترى مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام، وذلك حتى تعود الماشية إلى إنتاجها الطبيعي، فإن ردها رد معها صاعاً من طعام، وكذلك نهى الإسلام عن الغش بكل صوره، وأوجب النصح في البيع مع كل الناس مسلمهم وكافرهم، ونهى عن بيع العنب وغيره لمن يتخذه خمراً، فإن في ذلك مشاركة له في الإثم والعدوان المنهي عنه.
стр. 2057
شرح حديث: (لا تصروا الإبل والغنم)
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فيقول المصنف ﵀: [وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها وصاعاً من تمر) متفق عليه.
ولـ مسلم: (فهو بالخيار ثلاثة أيام) .
وفي رواية له علقها البخاري: (ورد معها صاعاً من طعام، لا سمراء) .
قال البخاري: (والتمر أكثر) .
وعن ابن مسعود ﵁ قال: (من اشترى شاة محفلة فردها فليرد معها صاعاً) رواه البخاري، وزاد الإسماعيلي: (من تمر) ] .
هذا موضوع جديد، يدخل في النهي عن الغش والتدليس، وكل ما كان فيه غش أو تدليس ونحوه فإن هذا الحديث أصل في النهي عنه، مع ما سيأتي في قصة صاحب الصبرة: (من غش فليس مني) .
والتدليس: هو أن تُري السلعة في ظاهرها أحسن منها في باطنها، وسبحان الله! فكأن الرسول ﷺ زاول كل عمل من أعمال الناس، فعرف ما فيه من حق وباطل.
فقوله: (لا تُصَروا) أو (لا تُصِروا الإبل والغنم) لماذا لم يذكر البقر؟ لأن البقر كانت قليلة في الحجاز، وبما أنه جاء بأعلى شيء وبأدنى شيء فما بينهما يأخذ حكمهما.
стр. 2058
معنى التصرية وحكمها
والتصرية: هي أن تضع شيئاً في خرقة كبيرة وتلفها وتربطها عليه، فهذه الخرقة تسمى صرة، وكذلك الكيس الذي تضع فيه شيئاً يسمى صرة، والماشية تصرى بأن يجمع حليبها في صرتها، والصرة عند الناقة والشاة هي الضرع، وجمع حليب الماشية في صرتها هو: التحفيل، ومنه المحفل والحافل، والحافلة، وهي السيارة الكبيرة التي يجتمع فيها العدد الكثير.
والتصرية: هي جمع الحليب في الضرع عند إرادة بيع الماشية، والعادة أن الناقة -مثلاً- والشاة تحلبان مساءً وصباحاً، فإذا أراد صاحبها أن يبيعها من الغد تركها في الليل ولم يحلبها، وكذلك في الصباح أيضاً، فيذهب بها إلى السوق وهي صارة؛ لأنه حبس وجبتين في ضرعها، ولأي شيء يفعل ذلك؟ يفعل ذلك إيهاماً للمشتري بأنها تنتج اللبن بكثرة.
والضرع إذا صُري يصير مشحطاً، وهذا فيه مضرة على الدابة، والدابة إذا صُريت احمرت عيناها، وانتفخت الأوردة التي تحت البطن المرتبطة بالضرع، وربما ماتت لذلك، فإذا كانت التصرية لوقت قليل فإنها تسلم، وإذا كانت لوقت طويل فإنها تضرها، وقد يتفلت الحليب ويتقاطر ولا تقوى الحلمات على حبسه.
وقد نهى ﷺ أن تصرى الإبل والغنم لئلا يحدث الغش، فقد يأتي إنسان ويرى الحليب كثيراً، فيظن أنها قوية الإنتاج، وليست كذلك، ولكن التصرية هي التي جعلتها كذلك، فيكون قد غر المشتري، ودلس عليه، وأوهمه أن هذه طبيعتها، ولكن الناس قد تعلموا، وعرفوا المصراة من غير المصراة، وأصبحت -كما يقال- لعبة معروفة، وما بقي إلا تعذيب الحيوان، والرسول ﷺ نهى عن التصرية بصفة عامة؛ لئلا يعذب الحيوان بذلك، فإذا بيعت بالتصرية فيكون تدليساً.
стр. 2059
الخيار في المصراة إلى ثلاثة أيام والعلة من ذلك
وماذا يفعل الإنسان إذا خدع واشترى ماشية مصراة؟ هو بالخيار لمدة ثلاثة أيام، ولماذا ثلاثة أيام؟ لأن الماشية مصراة، فإذا حبلها أول مرة فسيحلب الحليب المتجمع منذ يومين، ولأن العادة أن التي صريت وحلبت وأخذ كل ما فيها، لا تأتي بكمية الحليب المعتاد يومياً من اليوم الثاني مباشرة؛ لأن خزن الحليب في الضرع أثّر على غدد الحليب، فيكون هناك رد فعل، فإذا كانت في الأيام العادية تنتج ثلاثة كيلو من الحليب، ولما صريت أنتجت ثمانية كيلو، فمن الغد لا تنتج إلا اثنين كيلو، ولا ترجع إلى طبيعتها -لأنها واقعة تحت تأثير التصرية- إلا في اليوم الثالث.
ومن هنا جعل النبي ﷺ الخيار ثلاثة أيام، فاليوم الأول: لوجود التصرية، والتدليس، واليوم الثاني: لا نعوّل عليه؛ لأنها متأثرة برد الفعل، واليوم الثالث ترجع فيه إلى طبيعتها وعادتها، وتأتي بالحليب المعتاد إنتاجه يومياً.
فإن رضيها في اليوم الثالث فالحمد لله، ويمضي البيع الأول؛ لأنه قد علم أنها مصراة، وعلم إنتاجها الطبيعي وكميته، فقبل ذلك، فلا شيء في ذلك.
ولكن إذا حلبها وجربها في اليوم الثاني وفي اليوم الثالث فلم يعجبه إنتاجها، فهو بالخيار إن شاء أمسكها على ما وجدها عليه، وإن شاء ردها إلى صاحبها، ورد معها صاعاً من تمر، أو صاعاً من طعام.
стр. 2060
خلاف الفقهاء في موجب الصاع المردود مع المصراة
واختلف الفقهاء في هذا الصاع، لماذا يُعطى، ومقابل ماذا؟ فقيل: مقابل الحليب الذي أخذه، ولكن كم أخذ من الحليب؟ فإن الصاع معلوم، وكمية الحليب مجهولة، فدخل القياس ودخل التقدير، وخاض الناس في أشياء كثيرة، وقيل: إذا كان الصاع قيمة للحليب، فهذا طعام بطعام، فكيف نبيع معجلاً بمؤجل؟ وكيف نقدره؟ فالصاع معلوم، والحليب غير معلوم.
وإذا قيل: هذا من باب المجاملة، وكيف تكون مجاملة وقد أخذ الحليب، ورد الماشية على صاحبها؟ ومن هنا قال بعض العلماء: إما أن يقبلها، وإما أن يردها من غير صاع؛ لأن ردها مع الصاع مخالف لقواعد البيع.
ولكن نقول: هذه صورة مستقلة من صور البيوع، ولها حكم مستقل، فإذا رددنا النصوص من أجل مغايرة صورة من الصور -هي بذاتها مستقلة- فسنبطل أشياء كثيرة، ولهذا فإن الذين منعوا الصاع في هذه منعوا القسامة في الدم، وقالوا: أساس القضاء أن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر، وهؤلاء ادّعوا الدم، وحلفوا قبل المدعى عليهم، فكيف يدّعي ويحلف؟! فعليهم البينة، لا أنهم يدّعون ويحلفون.
وقد قيل لهم: هذا تشريع مستقل، وقيل أيضاً: إنه يتمشى مع قوانين القضاء السليمة؛ لأن اليمين جعلت في الجانب الأقوى، والبينة فيمن كان موقفه ضعيفاً، فإذا جئنا إلى المدعي والمدّعى عليه -في ألف ريال مثلاً- فادعيت عليه بألف ريال، فما هو الأصل بينكما؟ الأصل هو عدم وجود الألف، إذاً: المدّعى عليه معه البراءة الأصلية، وأنت ادعيت عليه بخلاف ذلك، فموقفه أقوى؛ لأن معه البراءة الأصلية، وموقفك أضعف؛ لأنك تريد أن تنقله من براءته إلى اتهامه، فعليك بالبينة.
وإذا جئنا إلى القسامة، فإن مدعي الدم جانبه أقوى؛ لأن القسامة لا تكون إلا مع اللوث والتهم القوية، فوجود التهمة في القتل؛ لوجود القتيل في محلة المدعى عليهم، ووجود العداوة السابقة، ووجود الوعيد، ونحو ذلك، فهناك قرائن اجتمعت بجانب المدعين، فيكون جانبهم أقوى، فيكون اليمين مع الأقوى، والذين ينفون عن أنفسهم القتل جانبهم ضعيف؛ لأن في بطنهم شيئاً، وكذلك هنا، يقال: هذه صورة بيع مستقلة، لا تقاس على غيرها، فإذا قستم كان قياساً فاسد الاعتبار؛ لمخالفته للنص الصحيح.
وخلاصة موضوع المصراة: أنه إذا اشتراها الإنسان ومكثت عنده ثلاثة أيام، فإن رضيها على ما استقرت عليه فذاك، وإن ردها، وسخط حليبها، فيرد معها صاعاً من تمر ومن طعام، إلا السمراء، وهي البر الشامي، فالتمر يكون مما تيسر ومما وجد، وسواء كانت المردودة شاة، أو ناقة، أو بقرة، أو غير ذلك، والله تعالى أعلم.
стр. 2061
شرح حديث: (من غش فليس مني)
قال المصنف ﵀: [وعن أبي هريرة ﵁: (أن رسول الله ﷺ مر على صبرة من طعام، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللاً، فقال: ما هذا يا صاحبَ الطعام؟ قال: أصابته السماء يا رسول الله! قال: أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس! من غشَّ فليس مني) رواه مسلم] .
هذه جولة في الأسواق منه صلوات الله وسلامه عليه، فإنه إن كان في القتال كان في مقدمة الصفوف، وإن كان في الصدقة كان كالريح المرسلة، وإن كان في العبادات قام حتى تفطرت قدماه، وإن كان في الاجتماعيات فكذلك، فما ترك صغيرة ولا كبيرة صلوات الله وسلامه عليه إلا ودلنا على خيرها، وحذرنا من شرها، وكان أول من يعمل بذلك.
فخرج إلى السوق ليرى أحوال الناس؛ لأنه مسئول عن ذلك، وقد اتخذها الخلفاء سنة، وعمر رضي الله تعالى عنه كان يأتي إلى السوق ويختبر الباعة، فمن وجده جاهلاً بأحكام البيع، والربويات، والمكاييل، والموازين، أقامه من السوق وقال: (لا تفسد علينا سوقنا، ولا تحرمنا نزول القطر من السماء) .
стр. 2062
بيع الطعام أكواماً
وها هو صلوات الله وسلامه عليه يمر في السوق بصبرة، والصبرة: الكومة من الطعام، والحب تارة يوضع في الأكياس، وتارة يوضع في الجفف، وتارة يُصبّر أكواماً، وخاصة عند أيام الجرين، يكثر في السوق، ويكون أكواماً، فيأتي المشتري ويشتري بالصبرة، أو بالكيل، وأحكام هذا موجودة في البيوع، فيجوز شراء الصبرة على ما يراها بعينه، ما لم تكن الصبرة قد وضعت على أرض ناتئة، أو كانت تحتها صخرة كبيرة، أو كانت الأرض منخفضة.
ويجوز بيع الصبرة وشراؤها إذا كانت على أرض مسطحة، وكانت القاعدة مستوية، لا مرتفعة فتأخذ حيزاً من الحب، ولا منخفضة فتأخذ حباً أكثر.
стр. 2063
الوعيد الشديد لمن غش في بيعه وشرائه
فأدخل ﷺ يده في الصبرة، فهي مفتوحة لكن يسوى لها قفة، فلما أدخل يده أصابت بللاً، وكان البلل من نفس الصبرة، فقال: (ما هذا يا صاحب الطعام) بعض الناس قد يرش الحنطة، أو الشعير، أو الذرة، فإذا تشربت الماء ثقلت وكبرت، وزهت، ولمعت، وفي هذا غش، فالرجل اعتذر، وقال: (أصابته السماء يا رسول الله!) أي: ماء السماء، وحذف ما يعلم جائز، فكأنه قال: أنا لم أغش، ولم أعمل شيئاً، ولكن الله أرسل الماء من السماء فنزل عليها، وهل هذا ينفعه عند رسول الله ﷺ ؟ وإذا كانت أصابتها السماء، فكيف أصابت السماء الأدنى دون الأعلى؟! وقد يقال: جاءت الشمس والرياح على الأعلى وجففته، فالناظر يرى حباً يابساً جافاً ليس فيه رطوبة ولا ماء، فما دام أن السماء أصابته، وأنت لا ذنب لك في هذا الماء، فلماذا لم تجعل بلل الداخل ظاهراً حتى يراه الناس؟ ولماذا تركت الجانب الخارجي اليابس ظاهراً، فيراه الناس فيظنونه جيداً من الداخل؟! ولذلك قال له: (من غش فليس مني) (من غشنا فليس منا) .
إذاً: التدليس والغش في السلعة فيه هذا الوعيد.
والناس يكثرون الكلام في قوله: (ليس منا) ، وهل المراد: أنه خرج عن الإسلام وصار كافراً؟ أو ما معنى: (فليس منا) ؟ منا: تكون لجماعة الأتقياء، الأبرار، المتقين، المحسنين، الأمناء، وليس معنى ذلك: أنه يخرج عن مجموع جماعة المسلمين، ولكنه وعيد شديد، وبعض العلماء فيقول: مثل هذا النص لا يفسر، ولا يشرح، ويترك على إجماله؛ لأنه كالسوط المعلق، فمن رآه أرهبه، وهذا من أشد الوعيد فيما يتعلق بالغش.
стр. 2064
وجوب النصح وحرمة الكتمان
وهذا يعطينا أيضاً أن الشخص إذا وقع على سلعة فيها شيء وسكت عليه، فحكمه كفاعله.
وسامع الذم شريك لقائله ومطعم المأكول شريك الآكل ولماذا تسكت عليه وقد عرفت أن فيه غشاً؟! إذاً: الغش منك هنا أنك أخفيته، وسكت عنه، فلا ينبغي لإنسان أن يخفي عيباً، سواء كان العيب منه أو من غيره، فإذا ما أخفاه واطلع عليه المشتري -وكان له حظ من الثمن- فله الخيار إن شاء رد السلعة وأخذ الثمن، وإن شاء أخذ أرش النقص بسبب العيب.
стр. 2065
الغش في الأِشِياء الخفية أشد إثماً
إن بلل الطعام مع الطعام واضح كالشمس، لكن هناك أشياء قد لا يدركها الإنسان، وكما يقولون: إن هناك سلعاً كاللؤلؤ الصناعي، فقد أصبح الآن يخفى على صانعه أنه صناعي أم أصلي؛ لدقة ما توصلوا إليه من المحاكاة، فإذا كانت هناك أنواع من الخرز، أو أنواع من الأقمشة، أن أنواع من الزيوت، أو أنواع من الدهون، أو أنواع من الحبوب، ونحوها ويخفى على الشخص العادي أن يفرق بينها، كالدهون فإنه يشاكل بعضها بعضاً، والعسل قد يدخل فيه بعض العناصر الأخرى، وما كل الناس يفرق بينها، والزيوت كذلك.
إذاً: هذا الحديث في أمر لا يحتاج إلى دراسة ولا إلى فراسة، ولا إلى معرفة كبيرة حب يابس، وحب مبلل، لا يخفى على أحد، أما الأشياء الخفية فإن الجرم فيها أكثر؛ لأن الشخص لو أخذ هذا على أنه مبلل، وأن السماء أصابته، فإنه يرى ذلك، أما إذا أخذ شيئاً وقد خُلط بغيره على سبيل الغش والتدليس وخفي عليه ذلك، فإن هذا جرم عظيم.
فالرسول ﷺ مضى في الأسواق، ورأى، ونصح، وعمر كذلك كان يأتي إلى الأسواق كما أشرنا، بل كان يعس ليلاً في أزقة المدينة يستطلع أحوال الناس، وكما يذكرون: أنه سمع امرأة تقول لابنتها: قومي إلى الحليب فامزجيه بالماء، فقالت لها ابنتها: أما سمعت نداء عمر بمنع مزج الحليب بالماء؟ قالت: وأين عمر منك الساعة؟! قالت: ما كنت لأطيعه حاضراً وأعصيه غائباً.
فقال عمر لمن معه: اعرف هذا البيت، ثم من الغد سأل عمن فيه، وأعجب بديانة وأمانة الفتاة، وخطبها لولده، فكانت جدة عمر بن عبد العزيز، وهكذا كان السلف في أمانتهم، وفي انضباطهم وطاعتهم لله ولمن ولاه الله عليهم.
ونظير ذلك تلك المرأة التي كانت تطوف بالبيت وهي مريضة بالجذام -عافانا الله وإياكم- والجذام ينفر منه الناس ويتقززون منه، ويتباعدون عنه، فجاء عمر بجانبها وهمس إليها: يا أمة الله! لو خرجت من المطاف ولزمت بيتك كان خيراً لك، فلم تكمل الشوط وخرجت مباشرة، ومكثت في بيتها إلى أن توفي عمر، فأتاها آتٍ فقال لها: يا أمة الله! اخرجي، فقالت: لماذا؟ قال: إن الذي كان قد نهاك قد مات، فقالت كلمتها العظيمة: ما كنت لأطيعه حياً وأعصيه ميتاً، فرب العزة حي لا يموت.
والذي يهمنا هنا ما يتعلق بالغش الذي لا يظهر لكل الناس، ومن النوادر التي سمعتها من والدنا الشيخ الأمين: أن بعض شيوخه كان في القاهرة، وكان يأتيهم اللبان في كل يوم بلتر من الحليب، وكان الشيخ ينبهه إلى خطورة الغش في اللبن بوضع الماء فيه، وكان اللبان يقول: نعم، الغش حرام، وأنا لا أغش، وكان الشيخ يأخذ الحليب، فيجيء الخادم ويجهزه له، وفي يوم من الأيام جاء اللبان والخادم غير موجود، فقال الشيخ للبان: اترك الحليب هنا وهات الماء من تلك الثلاجة، فذهب وأتى بالماء من الثلاجة، فقال له الشيخ: ضع الماء على الحليب، فقال: كيف أفعل ذلك وأنت كل يوم تقول لي: لا تضع الماء على الحليب وأن هذا غش؟! وكيف تريد مني أن أفعل ذلك عندك؟! فقال الشيخ: هذا حقي أنا، فقال اللبان: وذلك الحليب حقي أيضاً، فكما أنك تضع الماء إلى حليبك، فسأضع الماء في حليبي أيضاً! فقال الشيخ: أنا أشربه ولا أبيعه، أما أنت فإنك تبيع الحليب، فإن وضعت فيه الماء فإن هذا غش؛ لأنك بهذا تكون قد بعت لبناً وماءً، أما أنا فأريد أن أشرب لنفسي ولا أبيع، فقال له: أبداً يا شيخ! من الآن سأضع الماء في الحليب.
يهمنا أن هناك بعض السلع لا يكاد الإنسان يدرك أن فيها غشاً، فيكون الذنب على صاحبها أشد؛ لأنه غرر وغش وتدليس، بخلاف ما إذا كان الشيء معروفاً للناس، وقبله المشتري، أو رغب فيه، أو رضي بحاله.
стр. 2066
النهي عن الغش عام في كل شيء
ثم إن هذه القاعدة العامة: (من غش) على عمومها تشمل كل غش، ولو كان في التراب، أو غش في الإسمنت، بأن كانت المادة الحديدية فيه ناقصة، أو كانت نسبة الأسمنت على الرمل ناقصة، وكذلك تمديد الحديد، فلو كان ناقصاً عن المتفق عليه لكان غشاً.
فالنهي عن الغش مطلق في أي سلعة، قليلاً كان أو كثيراً، وهي من القواعد العامة، ويدخل فيها الغش في الدراسة؛ فالأستاذ يعتبر غاشاً للطلاب إذا لم يبين لهم كل شيء، ولم يجتهد في إيضاح المشكل عليهم، وكذلك مدير الدائرة ورئيسها إذا لم يؤد الواجب عليه للمواطن فإن هذا من الغش، فإذا أنقص إنساناً حقاً يستحقه -ولو كان بمقدار رسم- فإن هذا غش.
إذاً: (من غش) ما تركت مجالاً من مجالات الحياة إلا وامتدت إليه، وهذا من جوامع الكلم الذي أوتيه النبي ﷺ .
стр. 2067
النهي عن الغش عام للمسلمين وغيرهم
وجاء الحديث بلفظ: (من غشنا) وهذا اللفظ قاصر على المسلمين، لكن رواية: (من غش) عامة تشمل المسلم وغير المسلم؛ لأن في قصر هذا الحكم على المسلمين اتهاماً للإسلام، وتقبيحاً للإسلام في أعين غير المسلمين، فإذا وجد اليهودي أو النصراني أن المسلم يغشه فماذا سيقول عن الإسلام؟! ولكن حينما يرى العدل والحق يطبق على المسلم وعلى غير المسلم، يعرف أن الإسلام هو الدين الحقيقي.
وقد ذكرنا قصة علي مع اليهودي، في الدرع الذي سقط من علي وأخذه اليهودي، فقال له علي: هذا درعي.
فقال: بل هو حقي وهو في يدي، فقال: نحتكم إلى القاضي.
فذهب علي باليهودي إلى القاضي شريح،.
فقال: ما قضيتكما؟ قال علي: هذا درعي في يد اليهودي، فقال القاضي: ما تقول يا يهودي؟ قال: بل هو درعي وفي يدي، فقال القاضي: ألك بينة يا علي؟ قال: نعم، قنبر والحسن بن علي، فقال: أما قنبر فغلامك وعتيق فنعم، وأما الحسن فابنك، فلا نقبل شهادته لك، قال: أما تخشى الله؟ والرسول ﷺ يقول: (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة) ، وأنت ترد شهادته! قال: والله ما رددت شهادته، وإني لأعلم أنه وأخاه سيدا شباب أهل الجنة، ولكن ولدك لا يشهد لك؛ لأن الشرع جعل ذلك موضع اتهام، فهل عندك شاهد آخر؟ فقال: لا، فقال القاضي: اذهب يا يهودي! بالدرع، فخرجا، حتى إذا كانا عند الباب وقف اليهودي مبهوتاً، وقال: يا علي! أهكذا القضاء عندكم؟! قاضيك الذي نصبته أنت يطالبك بالبينة على يهودي! ويرفض شهادة سيد شباب أهل الجنة؛ لأنها شهادة رجل لأبيه؟! قال: نعم، هذه عدالة الإسلام، فقال: أشهد أنه الدين الحق، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والدرع لك، فإنه سقط عن راحلتك فأخذته، وقد أنكرتك لأنظر ماذا ستفعل بي وأنت الخليفة، وماذا سيحكم القاضي وهو من وليت، أما والأمر كذلك فإن هذا درعك، فما كان من علي رضي الله تعالى عنه إلا أن قال: هو لك، ومعه مائتا درهم.
لأنه أظهر صدق علي، وإلا لكان علي قد ادّعى دعوى غير ثابتة.
والذي يهمنا أن قوله: (من غش) على عمومه، فتشمل حتى الكافر، أما إذا كان حربياً، فإن دم الحربي مباح، أما الذمي المعاهد المقيم فله حق الإقامة، فهو معصوم الدم والمال، ولا يجوز الاعتداء عليه؛ لأن ولي الأمر أعطاه أمان الإقامة، فلا ينبغي لإنسان أن يغشه، ولا يجوز أن يتعامل معه تعاملاً ربوياً.
стр. 2068
شرح حديث النهي عن تلقي الجلب
قال المصنف ﵀: وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تلقوا الجلب، فمن تلقي فاشتري منه، فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار) رواه مسلم] .
هذا تابع لما قبله، وفيه زيادة: بأن من تلقي الجالب واشترى منه، ثم جاء الجالب إلى السوق، ورأى أنه غبن فهو بالخيار، فله الخيار في إمضاء البيع، وله الخيار في فسخه ورد الثمن.
стр. 2069
النهي عن حبس العنب وبيعه لمن يتخذه خمراً
قال المصنف ﵀: [وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : (من حبس العنب أيام القطاف حتى يبيعه ممن يتخذه خمراً فقد تقحم النار على بصيرة) رواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن] .
النظر في الأسباب والمسببات، والغاية والوسيلة أمر مهم في إيقاع الحكم، والقاعدة تقول: الوسيلة تأخذ حكم الغاية، فإذا كانت الغاية واجبة فوسيلتها واجبة، على القاعدة الأصولية: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) .
فمن أخر بيع العنب -العنب نضج والناس تبيعه في السوق- فأمسكه حتى يزيد في النضج، ثم يبيعه لزبائن مخصوصين، يطلبون زيادة النضج ليتخذوا منه خمراً، والخمر من هذا النوع يكون أسرع وأقوى منه في العنب الفج الجديد.
وبعض الطيور تخمر العنب على الشجرة، خاصة النّعر، وأهل البساتين يعرفون هذا، فيأتي إلى الحبة الكبيرة التي ليست في مواجهة الشمس فينقرها من أعلاها -من جهة العنقود- نقراً صغيراً، قد يكون سمكه ملي ونص أو اثنين ملي، ويأخذ منها قطرة أو قطرتين، ثم يذهب إلى الطين ويأخذ طيناً ويسد هذه الفتحة، ولما دخل الهواء إلى العنبة أغلقها عن الهواء مرة أخرى، والهواء الذي دخل فيها يتفاعل مع مائها حتى تتخمر، وينتظرها أياماً معروفة عنده، ثم يأتي -يقول بعض الإخوان: إن ذلك يكون غالباً في العصر- فيسحب الطين عنها، ثم يشرب ما فيها وقد تخمرت، ثم ترى هذا الطير يغرد ويغني في محله هناك! فتأخير العنب إلى آخر وقته يساعد على قوة الخمرية.
والحديث عام، فمن باع العنب في أول ظهوره، أو البسر في أول ظهوره، أو المشمش، أو الخوخ، أو البصل، أو أي نوع من الأنواع التي تتخذ منها الخمور -وهو يعلم أن المشتري يشتريها لذلك- فهو متقحم باباً من النار على بينة؛ لأنه تعاون معه على الإثم والعدوان.
стр. 2070
ولا تعاونوا على الإثم والعدوان
ويبني الفقهاء على هذا الحديث: أن كل من تعاون مع صاحب إثم على إثمه فهو مشارك له في الإثم، وهذا واضح فيمن أخّر العنب ليبيعه على من يعتصره خمراً، ومنثله من أجّر بيتاً لمن يتخذه مصنعاً للخمر، أو لمن يجعله محلاً لبيع الخمر، أو لمن يبيع الأقداح والكؤوس التي يصب فيها الخمر، أو يبيع اللوز والجوز لهذا الذي يبيع الخمر؛ لأن الزبائن يستعملونه وقت شرب الخمر، فكل هؤلاء متقحمون باباً من النار.
следующие страницы →