← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7714

شرح بلوغ المرام لعطية سالم

عطية سالم

Полный текст (2 523 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

شرح حديث: (النهي عن بيع الولاء وهبته) قال رحمه الله تعالى: [وعنه (أي: ابن عمر) ﵁: (أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الولاء، وعن هبته) متفق عليه] . تقدم لنا أن الولاء نعمة بموجب الحرية، أو وصف اعتباري يلحق المعتق، ويتبع المعتِق، وهي صلة بين المعتِق وعتيقه، صفة معنوية يربط المعتَق بمن أعتقه، ونبه فيها ﷺ بقوله: (الولاء لحمة كلحمة النسب) ، ولحمة النسب لا تباع، ولا توهب، فهل تبيع أخاك أو تبيع ولدك؟ لا، النسب لا يباع، فكذلك الولاء حل محل النسب، فلا يباع، ولا يورث، ولا يوهب، فكيف لا يورث، وصاحب الولاء قد مات، وترك ورثة؟! قالوا: نعم، لا ينتقل بالفرض، ولكن ينتقل بالعصبة، للأولى الذي يحل محل المعتِق، وأشرنا في قصة بريرة بأنه لو مات إنسان وله ولاء على عبد، وخلّف ورثة: ولد، وبنت، وزوجة، وأم، فالولاء خاص بالولد، وليس للبنت، ولا للزوجة، ولا للأم نصيب ميراث فيه؛ ولهذا لا يبيعه، ولا يهبه -أي: الولاء- إنما يبقى ارتباط وثيق بين المعتِق والمعتَق، والله تعالى أعلم.

стр. 1997

كتاب البيوع - باب شروطه وما نهي عنه [٦] حرمت الشريعة كل ما يدعو إلى العداوة والبغضاء، ومن ذلك بيع الغرر، وله صور كثيرة مثل: بيع الحصاة، وبيعتين في بيعة، وسلف وبيع، وشرطين في بيع، وربح ما لم يضمن، وغير ذلك.

стр. 1998

شرح حديث: (نهى عن بيع الحصاة) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى. أما بعد: فقال المصنف ﵀: [وعن أبي هريرة ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر) رواه مسلم] . يسوق المؤلف رحمه الله تعالى هنا حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: (نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر) . الحصاة قطعة من الحجر معروفة عند الجميع، وهي: نوع متميز من الأحجام الحجرية الملساء، وكان يستعمل في العدد، وربما في عصر من العصور كان يستعمل نقداً، وكان بيع الحصاة في زمن الجاهلية أمراً جارياً، وعرفاً جارياً، ولكن كيف كانت الصورة؟ يقول بعضهم: -وهو أقرب للمعنى- هو: أن يأتي المشتري فيجد أمامه عدة سلع متنوعة، مختلفة الأجناس، والأنواع، فمثلاً: علبة كبريت، علبة حلاوة، خيط، مقص. إلخ، أو ملابس: فنايل، سراويل، قمصان، غتر، وتكون مرصوصة بجوار بعضها، فيقول البائع للمشتري: خذ حصاة، وارم بها، فما وقعت عليه فهو لك بكذا، وهذه الصورة واضحة، وهي داخلة في عموم الغرر؛ لأن الغرر أن تغر الإنسان، ويدخل على أمر مجهول، لا يدري نتيجته، ولا يؤمن فيه الغبن، فهنا: على أي شيء ستقع الحصاة؟ فقد يكون المشتري صاحب حذق وخبرة في الرماية، فيحدد ما يريد، والبائع لا يدري على أي شيء ستقع الحصاة! فقد تقع على منديل يد يساوي ريالاً، وقد تقع على فنيلة تساوي عشرة ريال، وقد تقع على قميص يساوي ثلاثين ريالاً. إذاً: الغرر من جانب البائع أكثر منه من جانب المشتري، وقد يكون المشتري شخصاً لا يحسن الرمي بالحصاة، فإذا كان كذلك فسيأخذ حصاة ويرمي، ولكنه لا يدري أين تقع؟! فإذا كانت الصفقة على خمسة ريالات، وسقطت الحصاة على ما يساوي ريالاً، كان في ذلك غرر على المشتري، وإذا كانت الصفقة بخمسة ريالات، وسقطت الحصاة على سلعة بعشرة، أو بعشرين ريال، كان الغبن على البائع. إذاً: هذه الصورة من البيع نهى عنها رسول الله ﷺ ؛ لما فيها من الغرر، وهي أحسن ما فُسر به بيع الحصاة. وهناك من يقول: بيع الحصاة هو: أن تأخذ حصاة في يدك، أو يأخذها البائع، فتساوم -مثلاً- على قميص معين -معروف لك وله- بعشرة ريال، قال: طيب، أتركني أفكر، فمتى أسقطت الحصاة من يدي؛ مضى البيع، طيب، وإذا ما أسقطتها إلى متى ننتظر؟ هكذا يقول بعض شراح الحديث: إن بيع الحصاة هو: أن تربط انعقاد البيع على سقوط الحصاة، أو أن تربط عقد البيع على السلعة التي تقع عليها الحصاة، وفي خارج هذه البلاد يوجد هذا البيع بكثرة لاسيما في الأعياد والمناسبات، خاصة عند الشباب والأطفال، يؤتى بدائرة فيها سهم، وعلى حافة المقعد التي هي عليه، ترص السلع: علبة حلوى، منديل، علبة بسكوت، أشياء متعددة متجاورة، ولها سهم مثل عقارب الساعة، يدار بطريقة معينة، وحيث ما وقف السهم فالسلعة التي أمامه لمن أدار السهم، علماً بأنه لا أحد يدري على أي شيء سيقع السهم -لا اللاعب ولا صاحب اللعبة- وربما وقف على سلعة تساوي هللة، وربما وقف على سلعة تساوي ريالاً، وأنت وصاحب اللعبة، لا تدرون أين سيقع! فهو داخل في هذه العملية، وداخل في هذا النهي، لماذا؟ لأن فيه جهالة، وفيه غرراً، ومقامرة، فلا يجوز هذا اللعب، ولا يجوز هذا البيع، هذا ما يقال في بيع الحصاة.

стр. 1999

بيع الغرر: صوره وحكمه أما بيع الغرر، فتقدم التنبيه عليه في حديث أنه ﷺ نهى عن بيع حبل الحبلة، مثلاً تكون الناقة حاملاً، فيقول: أبيعك الذي في بطنها، هذا نوع. أو تكون حاملاً، فيقول: أسلفني ألف ريال أسددك بعدما تنتج الناقة ما في بطنها، ويكبر هذا النتاج، وينتج، يعني: في البطن الثالث، وقد نهى ﷺ عن ذلك، سواء وقع البيع على الحمل الموجود، أو الذي سيوجد فيما بعد، أو جعل ذلك موعداً لسداد الديون المؤجلة؛ لأن فيه غرراً، فإنه لا يُدرى ما الذي في بطنها؟! أذكر هو أم أنثى؟! مكتمل أم خلوج؟ . إلخ فكل ذلك مجهول، إذاً: هناك غرر. وأشرنا بأن كل بيع فيه غرر مندرج تحت هذا الحديث، وجاء التصريح هنا بالنهي عن بيع الغرر: (وعن بيع الغرر) . ومن أمثلة بيوع الغرر: أن تأتي إلى الدكان، فتجد فيه علباً مغلقة، سواء كانت للملابس الجاهزة، أو للأحذية، أو لأدوات منزلية، أو كذا، فتقول: ماذا في هذه العلبة؟ قال: فيها حذاء، طيب أريد أن أفك، قال: لا، لا تفك! هو على ما هو عليه! أنا اشتريته مقفولاً وأبيعه مقفولاً، طيب أريد أن أعرف اللون، والمقاس، قال: لا، فأنت ما تدري ماذا تجد، هل هو خاص بالرجال، أو بالنساء، أو هو كبير، أو صغير، نوع جيد، أو نوع رديء؟ فهذا غرر في المبيع، فلابد أن تفك، وأن تنظر، وأن تتأمل؛ فإن طاب لك أخذت، وإن لم يطب لك تركته في محله. وكذلك ما يوجد في بعض الجهات، تأتي بنوع من اللباس، مطبق ومشبك بدبابيس، ومغلف في كيس من النيلون، أو نحوه، فإذا أردت أن تفك، يقول: لا تفك، إذا فكيته وطبقناه، وإذا أتى زبون آخر فلن يأخذه؛ لأنه مفكوك، لكن ما ندري فربما يكون فيه شق! أو عيب، فكيف نفعل؟ لكن يقولون: يغتفر في مثل هذا؛ لما علم من تكرار المبيعات في مثل هذه الصورة على السلامة. فمثلاً: الفنايل تكون في كيس نايلون أو في بعض الأشياء، أو بعض المعلبات، وجرت العادة عند الناس أن تقرأ الرقم فيبين المقاس، ويبين نوعية القماش، فتأخذه على النعت الموجود فيه، وهنا: يصح البيع؛ لما عرف من نظائره السابقة، فإذا حدث وظهر فيه عيب -لم يتعود الناس أن يروه- فله حق رد المبيع بالعيب، أو يأخذ أرش العيب، فهذا العيب كم أنقصها من قيمتها؟ مثلاً: (٢%) ، (٥ %) فأنت بالخيار ترد وتأخذ القيمة، أو تسترجع من البائع أرش النقص (٢%) أو (٥ %) ، وهكذا كل ما فيه غرر. ومن صور بيع الغرر: بيع ما لا تقدر على تسليمه، ويمثل الفقهاء لهذا: ببيع الطير في الهواء، والسمك في الماء، والعبد الآبق، والفرس الشارد، وكل هذا من بيع الغرر، فإذا قال لك: أبيعك الطير (وهو في الهواء) ، طيب: ومن يحضر لي الطير؟! قال لك: أبيعك السمك في هذا الماء، طيب ومن يضمن لي السمك؟! ولكن: الفقهاء لهم مخارج، فإذا كان الطير في الهواء كما يفعل بعض الشباب الذي يضيع دراسته في هذا، هواية الحمام! حمام جلابي، حمام هزازي، حمام كذا. إلخ، تعال انظر إليه في الجو، وهو يتقلب بحركات جميلة، يرغبه فيه، قال المشتري: طيب اشتريت، أعطني المبيع، قال البائع: لا، ليس الآن، لما يرجع في الليل، ويبيت فسأذهب وأمسكه. أو قال: أبيعك هذا السمك، الذي في هذا الحوض، لكن الحوض كبير! مائة في مائة متر! من يعين ويحدده بالذات ويحضره، هذا سمك في ماء، طيب أنا أملكه، الحوض حقي وأنا مربيه، فإذا كان باستطاعته بآلة، أو بأخرى، أن يصطاد هذا السمك، الذي وقع عليه البيع، ولا يختلط بغيره، فهذا مقدور على تسليمه. وكذلك الطير في الهواء إذا كان قادراً على تسليمه ويستمهل إلى مجيء الليل، والمبيت؛ فلا مانع، وتكون رؤيته في الهواء من باب رؤية حركاته التي يرغب فيها، وهو قادر على التسليم فيما بعد، فقالوا: مثل هذا لا بأس. أما إذا جاءت يمامة، أو جاء طاووس، ووقع على الشجرة، فقال شخص: أبيعك هذا! -هو ليس عنده، وليس في بستانه- فيقال له: وإذا بعته فمن يسلمه؟! إذاً: هذا غرر؛ لأنه غير مقدور على تسليمه. كذلك إذا كان لك عبد، فأبق عليك: هرب، فقال: أبيعك العبد الهارب، قلت: أين هو؟ قال البائع: والله ما أدري أين محله! لكن إذا علم مكانه، والمشتري يرى أنه قادر على الذهاب إليه، والقبض عليه، وأخذه، يقول الحنابلة يجوز هذا ما دام المشتري قادراً على أخذه، طيب، كان يظن القدرة فعجز، ماذا يفعل؟! يرجع على البائع! ولو اغتصب شخص سلعة: طيراً، عبداً. إلخ، والمالك لا يستطيع أن يخلص السلعة من يد الغاصب، فلا يجوز له أن يبيعه؛ لأن المشتري يريد السلعة، والسلعة في يد غاصبها، والبائع لا يستطيع أن يخلصها منه، إلا إذا جاء إنسان وقال: أنا قادر على تخليص المغصوب من يد غاصبه، بعنيه، فقال البائع: والله ما دام أنك قادر، نعم أبيعك، وباعه على من يقدر على تخليصه من يد غاصبه، حينئذ يصح البيع، طيب، وإذا عجز المشتري عن تخليص السلعة من يد الغاصب! يذهب يشتكي، فإن استطاع بشكواه لولي الأمر الحصول على السلعة، فالبيع ماض على ما كان عليه، وإن عجز، وولي الأمر لم يستطع أن يلزمه بإحضاره؛ حينئذ يرجع المشتري على البائع، وكل ما أوجب، أو أدى إلى عدم القدرة على التسليم فهو غرر، فلا يجوز البيع. من الدواهي الموجودة الآن، وأطبق عليه الجميع، واستحلوا بذلك الحرام، ما تجده في معارض السيارات التي سببت ملء السجون بالمدينين ببيع التقسيط، فيأتي عند البيع ويقول: (بعتك سكراً في ماء) ، (ملحاً في ماء) ، (كومة حديد) ، وهو يعلم بأن فيها بعض العيوب، ولكن يخفيها، ويأتي بتلك العبارات، والمشتري يقول: قبلت، قبلت، قبلت، ويظن أن هذه عبارات وهمية، لكن الحقيقة قد يكون فيها عيب؛ ولذا قال مالك: من باع على البراءة الأصلية لا يصح بيعه، لو قال: أبيعك على أنها بريئة من كل عيب، فإن كان يعلم فيها عيباً، وكتمه فهو آثم، فإن اطلع عليه المشتري، فله ردها عليه؛ لأنه دلس عليه وغره بكتمان العيب. إذاً: هذه المبيعات يعلم أن فيها عيوباً ما، وأهل السيارات يعرفون العيوب الخفية والدقيقة: من تسرب الزيت. إلخ، والمسكين الذي يشتري لا يعرف هذه الأشياء، وما يدري عنها، تقول له: اذهب وانظر، فيذهب إلى مهندس واحد، وقد يخفى عليه شيء، ويعلم أشياء، فكل من دس وأخفى عيباً، -وسواء كان يعلم وجوده أو لا يعلم- فتبين المشتري ذاك العيب، فإن له أن يرد السلعة؛ لأنه قد غره، وغشه، ودلس عليه، فالبيع باطل، وتحت هذا صور عديدة. وكذلك قد يقع الغش والتدليس في أعمال المقاولات والبناء، فمثلاً: يتفق صاحب العمل مع أحد المقاولين على مواصفات معينة، ويحدد له النسب والمعايير المطلوب تنفيذها، والسير عليها، وهنا قد يستغل المقاول جهل صاحب العمل بكيفية تطبيق تلك المواصفات؛ فيغش ولا ينفذ المتفق عليه، ومن هنا قد يلجأ أرباب الأعمال إلى الاستعانة بمشرف فني يعرف أعمال البناء ليشرف على المقاول في تطبيق الاتفاقية، والمشكل إذا اتفق المشرف مع المقاول على صاحب العمل! فهذه مصيبة أخرى!

стр. 2000

قاعدة عامة في المعاملات هنا قاعدة أساسية وعامة تدخل في جميع المعاملات: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة:١٨٨] ، (المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه) ، وكذلك: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس) ، وهكذا كل ما تقرأه عن أنواع الغرر يرجع إلى التحايل على أخذ أموال الناس وأكلها بالباطل، والتحايل على أخذ الزيادة في الثمن، ويغره، في وصف السلعة، أو بأي حالة من الحالات، والله تعالى أعلم.

стр. 2001

شرح حديث: (من اشترى طعاماً ... ) قال المصنف ﵀: [وعنه -أي أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من اشترى طعاماً فلا يبعه حتى يكتاله) رواه مسلم] . هذه قضية مهمة لاسيما في حق التجار، وخاصة تجار (القطاعي) أو (التصريف) ؛ لأن التاجر على قسمين: تاجر جملة، وتاجر قطاعي (تجزئةً) . فتاجر الجملة يأتي ويشتري كمية كبيرة، كما نشاهد في أيام جذاذ التمر، فيكيل عشرة قناطير! وعشرين قنطاراً! ويتركها في المستودعات عنده، فإذا قدر أنه اشترى مائة كيس، وكالها، وكل كيس فيه عشرون صاعاً، وعدها مائة كيس، فجاء إنسان يريد أن يشتري كيساً، فقال: أنا حينما اشتريتها كلتها، وفي كل كيس عشرون صاعاً، فاختر أي كيس منها، فهذا لا يجوز، فلابد أن نأتي بالصاع، ونكيل الكيس مرة أخرى، حتى قال بعض العلماء: لو كنت حاضراً في السوق، والتاجر اشترى صبرة قمح، أو تمر، وكالها الكيال وأنت موجود، كالها بين البائع والمشتري وأنت واقف، فكانت عشرين صاعاً، فوضعها في الكيس، وتركها على جنب، ثم جئت بنفسك، ووجدت الكيس بعينه، وأردت أن تشتريه على ما شاهدت من كيل سابق، فلا يجوز للبائع أن يبيعها عليك، حتى يعيد الكيل -من أجلك- مرة أخرى، فيجري فيها الصاع مرتين. فإن قلت: لما نكيل الكيل الثانية تحصيل حاصل؛ لأني رأيته بنفسي كاله أمامي فلماذا؟ قيل: دفعاً للتهمة، ومنعاً للشك، وما يدرينا، فلعل الكيال حينما كال أمامك غلط في العدد، فربما أنقص صاعاً، أو زاد صاعاً، سهواً، فأنت أخذت الكيس على الكيل الأول، وذهبت إلى البيت، وقسمته بين عائلتيك، فإحدى العائلتين أخذت عشرة صيعان مستوفاة، والعائلة الأخرى صار لها تسعة صيعان، فالناقص هذا على من يكون؟! سترجع إلى من باعك، والبائع يقول: البائع أنا كلت أمامك، فتكون العهدة على الذي باعك، أو على المالك الأول؟ الذي باعك، لكن الذي باعك تم الكيل أمامه، فهل يستطيع أن يرجع على الأول، ويقول: أنت الذي أحضرت الكيال وأنت الذي كلت، وأنت الذي عديت؟ لا، سيقول البائع: بل أنت الذي أنقصت، أنت الذي أخذت! ثم يرجع المشتري الأول على المشتري الثاني! ويقول: يا عم! أنا أعطيتك كيساً فيه عشرون صاعاً، فذهبت به إلى البيت، ثم أنقصت صاعاً! وستقع المشاجرة، وسيقع النزاع، فحسماً للنزاع؛ كل يكيل لنفسه. وهذا أيضاً قد يقع حالياً في بعض المؤسسات مع الموظفين، فحينما يصرفون الرواتب وتستلم من البنك، وهي معدودة بعد البنك، فيستلمها الموظف على عدّ البنك ولا يعدها، ثم يذهب إلى بيته ويوزعها فإذا هي ناقصة، فهل يستطيع أن يرجع بهذا النقص على الصراف، أو أمين الصندوق، ويقول: أنت أعطيتني مرتبي ناقصاً؟! ولذا توجد لوحة عند كل أمين صندوق، (لا تقبل النقود بعد الخروج من الغرفة) ؛ لأنه ممكن يسحب منها ويضعها في جيبه، ويرجع ويقول: هذه ناقصة، ولكن عدّها أمامه. إذاً: هذه الأمور التي يحتمل فيها الخطأ، ويحتمل فيها الغلط والنسيان، ينبغي أن يعاد المكيال، ويعاد المعيار، والميزان، والعدد، لكل إنسان على حده، حتى نسلم من الاتهام، ومن الشك، فممن كان هذا النقص؟! لا ندري، إذاً: سيقع هناك النزاع، فمن اشترى طعاماً واكتاله، لا يجوز له أن يبيعه حتى يكيله مرة أخرى للمشتري، ولابد من أن يحوزه وينقله، ولا بد من إعادة الكيل، أو الوزن، أو العد، منعاً للغرر، وحسماً للنزاع.

стр. 2002

شرح حديث: (النهي عن بيعتين في بيعة) قال المصنف ﵀: [وعنه قال: (نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين في بيعه) رواه أحمد والنسائي وصححه الترمذي وابن حبان، ولـ أبي داود: (من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما، أو الربا) ] . أقول: ما تعب طلبة العلم في صورة نهي كهذه الصورة، (نهى عن بيعتين في بيعة) ، (من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا) كثر ما قيل في هذه الصور، وقد اختلف العلماء في تحديد الصورة التي يتحقق بها المراد من هذين الحديثين، ولكن الشافعي ﵀ فسر البيعتين في بيعة بتفسير سهل جداً، ومريح، ولو أخذ به الناس لاستراحوا، واستراح طلبة العلم من عناء التفكير والتعب، واستراح الناس في معاملاتهم. ولكن يرد عليه ما يرد من حيث السند ومن حيث المعنى، فـ الشافعي ﵀ يقول: هو أن تبيع السلعة بثمن مؤجل، أكثر من سعرها في الحاضر بسبب التأخير، مثل بيع التقسيط: نقداً بمائة، ومؤجلاً بمائة وثلاثين، فهذه بيعتان، يعني: عقدان في بيعة، أي: سلعة واحدة، مثل ما يوجد في بيع السيارات الآن -وهي التي أساءت إلى الناس- نقداً بعشرين ألفاً، ومؤجلاً: بخمسة وعشرين ألفاً. فـ الشافعي فسرها بهذا، (بيعتين) أي: عقدين: عقد حال، وعقد مؤجل، في بيعة، وهي السيارة، وقال: فمن باع بيعتين في بيعة -كما تقدم- طبق عليه الحديث الآخر: (فله أوكسهما) يعني: أقلهما، (أو الربا) ، وهذا ينطبق تماماً على هذه الصورة، بعت السيارة بيعتين: بيعة بمائة، وبيعة بمائة وثلاثين، (فلك أوكسهما) يعني: أنقصهما، إذاً: نحسبها بمائة، وإن أصر على مائة وثلاثين، كانت الثلاثون ربا. لكن العلماء يقولون -وجعلوا لها تخريجاً أيضاً-: هذا ينطبق عليه فعلاً إن انصرف الطرفان دون تحديد نوع المبيع، فلم يقل المشتري: اشتريت حالاً بمائة، ولم يقل البائع: بعت مؤجلاً بمائة وثلاثين، البائع قال: نقداً بمائة، ومؤجلاً بمائة وثلاثين، وقال المشتري: نعم، وأخذ السيارة (شغل ومشى) ، على أي السعرين تم البيع؟! لم يحدد! ويقولون: لم يتعين نوع العقد من العقدين، فالمشتري لم يحدد: قبلت بالنقد، أو قبلت بالنسيئة، والبائع كذلك، لم يحدد: باع بالنقد، أو باع بالتأجيل، وافترقا على ذلك، فهل يطالب البائع المشتري بالمائة؟ أم ينتظر حتى يأخذ المائة والثلاثين بعد سنة؟ ما عندنا تحديد، فقالوا: من هنا وقع الغرر؛ لأن البائع لا يدري ما الذي استقر له في ذمة المشتري، أهي المائة حالاً الآن أم هي المائة والثلاثون بعد سنة؟! ومالك يزيد في هذه الصورة شكلا ًآخر، ويقول: إن هذا العقد الذي لم يحدد فيه نوع الثمن، فيه ربا، كيف هذا؟! على تحقيق: (أوكسها أو الربا) يقول: لعل المشتري أرادها نقداً، وانصرف على أنها نقد، ثم بدا له أن يجعلها نسيئة، فيكون استقدم المائة نقداً بمائة وثلاثين بعد سنة، وهذا هو عين الربا، أو أن يكون البائع قد انصرف عن المشتري على أنها نسيئة بمائة وثلاثين، ثم جاء المشتري ودفع المائة، فيكون البائع قد باع بمائة وثلاثين، ثم وضع وتعجل، وقولهم: زد وتأجل، أو ضع وتعجل، هما صورتان للربا، فـ مالك يحقق معنى الربا في هذين العقدين، إذا لم يعينا أحد العقدين ويتفقا عليه.

стр. 2003

صور أخرى للبيعتين في بيعة وهناك صور أخرى للبيعتين في بيعة، كأن يقول: أبيعك هذه السيارة (التكسي) على أن تبيعني هذه (الأنيسة) ، أو تبيعني هذه الحمالة (دينة) ، فهذا باع، وهذا باع، بيعتان في عقد واحد، على الشرط: أبيعك التكسي شرط أن تبيعني الدينة، يقولون: هذا أيضاً يصدق عليه أنه بيعتان في بيعة؛ لأنه بيع وشرط، وتوقفت صحة العقد الثاني على صحة العقد الأول، قالوا: هذا أيضاً داخل في معنى: بيعتين في بيعة. لكن لا ينطبق عليها أوكسهما؛ لأن كل واحدة منهما إما بسعر الأخرى، وهذه في قيمة هذه، فتكون متساوية، وإما كل واحدة بثمن محدد، فهما عقدان متفاوتان، وليس هناك أوكس ولا أكثر؛ لأن كل سلعة لها سعرها. وهناك من يقول: أسلم في قفيز من الحب، وبيع السلم هو أن تأخذ الثمن، ويكون المبيع في ذمتك، تقدمه للمشتري عند الأجل، كالذي يبيع خمسة أوسق من التمر، والناس ما زالوا يؤبرون، وهذا جائز، فيأخذ الثمن، وحينما يأتي وقت الجذاذ، عليه أن يقدم الخمسة الأوسق للمشتري، فلما جاء الأجل، وقال: أعطني الأوسق التي لي، والتي اشتريتها من قبل -أنت ما عندك- فيقول: أنا ما عندي، ولكن بعني تلك الأقفزة الخمسة التي لك عليّ بألف مؤجلة إلى شهرين، فالخمسة الأوسق وقع عليها بيعان: بيع في عقد السلم، وبيع عند الوفاء؛ لانعدامها عند الأجل، إذاً: أنت بعتها، ثم اشتريتها، بعتها وهي معدومة، واشتريتها حينما حل الأجل عليك لتدفعها، فهذا أيضاً من صور البيعتين في بيعة. ولكن: إذا أردنا أن نطبق الحديثين فإن أقرب الصور في تطبيقها هو ما قاله الشافعي ﵀: أن تبيع السلعة بأكثر من ثمنها في يومها بزيادة مقابل التأجيل، الآن في السوق بمائة، تقول: بمائة وثلاثين بعد ستة أشهر، الثلاثون هذه مقابل ماذا؟ التأخير إلى ستة أشهر. فينطبق عليها أوكسها، وهي المائة، وهو سعرها اليوم، (أو الربا) أي: في هذه الثلاثين الزائدة. ولكننا نجد الشوكاني يرحمه الله بحث هذه المسألة, وقال: لقد كتبت رسالة في ذلك أسميتها: إرواء الغليل في زيادة الثمن من أجل التأجيل، ولكن لم نطلع عليها، ولم نجدها. فكل صورة من تلك الصور الثلاث التي أوردناها وردت عليها اعتراضات، إلا الصورة التي ذكرها الشافعي، فلا يوردون عليها، إلا أن العمل جار عليها، وكون العمل جار على شيء، وهو يتعارض مع النص الصريح، لا يكون ذلك حجة مسقطة للنص، وقالوا: الحديث متكلم فيه، وإذا أردنا أن نأخذ كل كلام في كل حديث، ما يبقي لنا شيء، هذا الذي نستطيع أن نورده في هذه المسألة على كثرة ما قيل فيها، سواء كان في الموسوعات أو كان في المجاميع، أو كان عند الفقهاء، وبالله تعالى التوفيق.

стр. 2004

شرح حديث: (لا يحل سلف وبيع) قال المصنف ﵀: [وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ (لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك) رواه الخمسة، وصححه الترمذي وابن خزيمة والحاكم، وأخرجه في علوم الحديث من رواية أبي حنيفة عن عمرو المذكور بلفظ: (نهى عن بيع وشرط) ومن هذا الوجه أخرجه الطبراني في الأوسط، وهو غريب] . (لا يحل سلف وبيع) مثلاً: تقول: سلفني وأبيعك! بعني السيارة وسلفني ألف ريال، هذا الشرط هو: ارتباط السلف بالبيع، فحينما تأتي وتقول لصاحب السيارة: سلفني عشرة آلاف ريال، قال صاحب السيارة: عشرة آلاف كثير، ومتى تردها لي؟ قلت: بعد سنة، قال صاحب السيارة: أنا أريد أن أبيع وأشتري، وأريد أن أربح، قلت: طيب بعني هذه السيارة باثني عشر ألفاً، وحينما علمت أنه سيعطيك عشرة آلاف ديناً، أردت أن تنفعه، ويريد أن ينتفع منك بسبب هذا الدين، فباعك السيارة التي تساوي ثمانية آلاف باثني عشر، وهذه الأربعة زيادة لأجل ماذا؟ من أجل أنه سلفك، فأنت تحملت زيادة في سعر السيارة، ولم تماكس، بل قلت: مرحباً على العين الرأس، من أجل أن يمضي عقد السلفة، فيكون المبيع مع السلفة وسيلة للزيادة في سعر المبيع هروباً من أن تقول: سلفني عشرة وأعطيك بها اثنى عشر، فلو قلت: سلفني عشرة، وأعطيك بها اثنى عشر، فسيقول: هذا ربا، وهذا حرام، طيب، بعني هذه السيارة، كم تساوي؟ تساوي عشرة، سأشتريها منك باثني عشر، إذاً: أبيعك إياها باثنى عشر، فتقبل أنت باثنى عشر، مع أن قيمتها عشرة، فزدت ألفين، وهما اللذان كنا سنضعها مع السلف، وهربنا منها وقلنا: ربا! ربا! ثم أتينا ووضعناها في قيمة السيارة! وكذلك العكس، سلفني عشرة آلاف، وأبيعك سيارتي، قلت: هي تساوي عشرة، قال: والله أشتريها بثمانية، فأنت من أجل أن تمضي عقد السلف وتأخذ العشرة؛ تساهلت في ثمن السيارة بألفين، وأخذها بثمانية، فلأجل السلفة نزلت من قيمة السيارة، إذاً: المسألة رجعت إلى الربا مرة أخرى، فاجتماع البيع والسلف، سواء كان البيع من المسلِّف أو كان البيع من المتسلف، والمراعاة والتنازل في ثمن المبيع -باسم المبيع-؛ ليغطي مصلحة القرض. إذاً: نهى ﷺ عن سلف وبيع. هذا الحديث جمع فيه الراوي من أقوال النبي ﷺ مسائل متعددة من مسائل البيع. فالأولى منها: نهيه ﷺ عن بيع وسلف، وتقدم الكلام على هذا النوع، وبيان العلة في النهي عن جمع البيع مع السلف، وأنه يدور حول مظنة الربا، سواء كان البيع من المسلف أو كان البيع من المتسلف.

стр. 2005

الشرطان في بيع: صوره وحكمه النوع الثاني: أنه ﷺ نهى عن شرطين في البيع. تمهيداً لهذه المسألة -كما يذكر الحنابلة- في الصورة: حمل الحطب وتكسيره، فمثلاً: اشتريت حطباً من حطاب، واشترطت عليه أن يحمله إلى بيتك، ثم اشترطت مع حمله أن يكسره إذا وصل، ونحن نقول في المقدمة: إذا اشتريت الحطب من الحطاب، وانتهيت بالثمن، ثم سألت الحطاب: أريد من يحمله لي إلى البيت، هذا الحامل الذي سيحمله لك، ماذا يسمى بالنسبة إليك، بائع أم أجير؟ أجير، فقال لك الحطاب: أنا أحمله إلى بيتك، كم تدفع؟ اتفقت معه على أجرة الحمل، وأوصل الحطب إلى البيت، وأعطيته أجرة حمله، فأنت عندما كنت في السوق كنت مشترياً، وهو بائع، وهو هنا أجير وأنت مستأجر، ثم قلت: أريد إنساناً يكسره لي، قال: أنا أكسره لك، كم تدفع؟ فاتفقت معه على تكسيره بأجرة جديدة، ودفعت له الأجرة وكسر الحطب، الآن حصل مع شخص واحد، في سلعة واحدة، ثلاثة عقود: عقد على البيع والشراء، وعقد على حملانه، وعقد على تكسيره، هل في هذا شيء ممنوع أم كله سليم؟ كله سليم، لو قدر أنه قال لك: أنا أحمله لك، وحمله في السيارة، ثم جاء ليشغل السيارة فما اشتغلت! قال: والله أنا عجزت، هل يستحق عليك شيء؟ ستأتي بحامل آخر ويحمله، إذاً: الحمل عقد مستقل بذاته، وليس مربوطاً بالبيع والشراء. حمله ووصّله، ثم قال: أنا أكسر لك الحطب، أعطني الفأس، ذهبت وأتيت بالفأس، قال: هذه لا تصلح للتكسير، هذه تتعب، وما فيها فائدة، وفسخ عقد الإجارة على التكسير، فلا يتعلق فسخ عقد التكسير بعقد الحمل، فالحمل انتهى في طريقه، والبيع انتهى في طريقه، وإنما ارتبط الفسخ بالتكسير فقط! إذاً: لو جئنا وقلنا: يا صاحب الحطب! حطبك هذا بكم، وبشرط: أن تنقله إلى بيتي، وأن تكسره هناك، كم الثمن؟ قال: مائة، وهذا العقد على الحطب بمائة دخل فيه مقابل الحمل والتكسير، وليس الحمل والتكسير من أجلك. إذاً: الحطاب سيحسب قيمة الحطب مثلاً: واحداً وثمانين، وعشرة للحمل، وتسعة للتكسير، هذا بحسابه هو، لكن في العقد المائة مجملة، فحينما يتم حمل الحطب، ووصله، وكسره يستحق المائة، وانتهى الأمر، لكن الفقه يقدر لما لم يقع لو وقع ماذا يكون، فمثلاً: اتفقت معه على كوم من الحطب بمائة، لكن بشرطين: الحمل، والتكسير، جاء عند الحمل، قال: أنا ملزوم بالشرط، فتركه في السيارة، فشغل السيارة فما اشتغلت، قال: إنا لله، يا عم! لست قادراً على توصيله، فعجز عن تنفيذ الحمل، أو جئنا عند التكسير، قال: لا والله، الخشب هذا يابس، وناشف وكذا، أنا لا أقدر على تكسيره؛ فهنا يحصل اختلال في الشرط، فقلت له: يا عم! والله أنا اشترطت عليك النقل فالحطب مع نقله بمائة، وأنت الآن عجزت عن نقله، فستطالبه بقيمة الحمل المشروط عليه؟ ستطالب بكم؟! غير معلوم. إذاً: المبيع فيه قيمة الحمل غير معلومة. ولو قدر أن السلعة غير الحطب، كأن تكون مأكولاً أو مشروباً أو كذا، ونقله، فنظرت في المبيع، فإذا هو معيب، والعيب هذا ينقص القيمة، وأصبح لك الخيار في أن ترد البيع وتأخذ الثمن، أو أن تمضي البيع وتسترد قيمة العيب، طيب، أمضينا البيع، قلت له: هات حق النقص الذي حدث بسبب العيب الذي ظهر في المبيع، قال: قدروه، وانظروا كم يستحق؟ فقلت: تعالوا يا جماعة! قدروا، نظرنا السلعة -ونحن تشارطنا وتبايعنا على مائة قيمة السلعة، وحملها- قالوا: والله المبيع هذا معيب بعيب يقدر له (١٠%) ، هنا (١٠ %) ستقدر من قيمة المبيع مع عزل تقدير أجرة الحمل، فإذا قدرنا الحمل عشرة، (١٠%) ، فسيكون نقص العيب في التسعين أم في المائة؟! وهل سيتفق معك على أن قيمة الحمل عشرة أم تختلف معه؟! إذاً: دخل عنصر الجهالة في الصفقة، ويقابله عنصر الجهالة في الثمن، إذاً: سيقع نزاع أم لا؟ فإذا كان هذا في شرط واحد، فكيف إذا كان في شرطين؟! اشترطت: حمل الحطب، وتكسيره، أو كما يقولون: خياطة الثوب وتفصيله، قلت: يا عم! سأشتري منك ثوباً من هذه الطاقة، بشرط: أن تفصله، وتخيطه، وآخذه جاهزاً، قال: طيب، قلت: بكم؟ قال: بمائة، أتاك بالثوب مفصلاً، مخيطاً، مكوياً جاهزاً، ففتحت الثوب، فإذا في جانب من الثوب عيب: شط، تمزق. إلخ، عيب يقتضي أرشاً أو رداً، ماذا ستفعل في اشتراط التفصيل والخياطة؟ تخصم مقابل العيب من مجموع المائة أم مما يخص القماش فقط ولا يدخل في ذلك أجرة التفصيل، وأجرة الخياطة؟! ومن الذي سيحدد، ويرضي الطرفين على قيمة الخياطة والتفصيل؟! إذاً: يوجد عنصر يؤدي إلى الخلاف والنزاع لجهالة ما يقدر به العيب في المبيع الأساسي، أو في الصنعة، مثلاً: إذا كان التفصيل غير مناسب، من تحت الإبط ضيق، والكم واسع أكثر من اللزوم، ومن أسفل من ناحية مرتفع، وناحية مرتخي، والخيط غير سليم، ففي هذه الحالة وجد عيب في التفصيل، فكيف نسترد قيمة العيب في أحد الشرطين؟ نحن لم نقدر لها شيئاً عند العقد الأول، وكانت مجملة، إذاً: وجد عنصر الجهالة، وهو موجب للنزاع؛ ولهذا نهى ﷺ عن بيع وشرط، أو بيع وشرطين.

стр. 2006

اشتراط جابر في بيعه على رسول الله ﷺ تقدم في حديث جابر: أن جمله أعيى وكاد أن يسيبه، فضربه النبي ﷺ بقضيب في يده، فنشط ونهض وصار يسبق ناقة رسول الله ﷺ ، فقال ﷺ : أتبيعني جملك؟ قال جابر: لا، فقال ﷺ : بعنيه بكذا، قال جابر: ما في مانع، لكن نحن في وسط الطريق، فأشترط حملانه إلى المدينة، جابر اشترط على رسول الله ﷺ أم لا؟ وقع شرط مع البيع أم لا؟ البيع صحيح أم لا؟ الشرط صحيح أم لا؟ نعم، قبل رسول الله ﷺ ، يعني: عملية أجراها رسول الله ﷺ ، فلا أحد يسأل أصحيح أم باطل؟ لأنه ﷺ هو المشرع، لكن كيف صح بيع وشرط، وهنا نهى عن بيع وشرط؟ يقولون في الجمع بين الصورتين: حملان البعير من مكان العقد إلى المدينة في عين السلعة، ليس على جابر، الاشتراط هنا في عين السلعة، أن يستبقي حمل البعير وركوبه إلى المدينة، ومثله: لو أردت أن تشتري بيتاً، فقال لك البائع: والله يا فلان! نحن في نصف السنة، وما عندي بيت ثاني أسكن فيه، وأحتاج أن أستأجر -والعادة في المدينة أن الاستئجار يكون من أول السنة- ولكن أبيعك البيت وأستثني وأشترط لنفسي سكنى البيت إلى نهاية السنة، فهنا وقع شرط وبيع، فهل صح البيع أم لم يصح؟ صح؛ لأن الشرط في عين المبيع، والشرط في عين المبيع، لا يلحقه ضرر ولا غرر. لكن هنا الشرط ليس في السلعة ولكن على صاحبها، والأولى أن يكون بعقد آخر، لما قال: استثني حملانه إلى المدينة، هل فيه عقد استئجار؟ لا، وإنما يراعى فيه التسامح، فما دام أني سأعطيك لتركبه إياه إلى المدينة فخفض من السعر، ويكون هناك رضى، فإذا كان الشرط معلوماً، ولا يؤدي إلى نزاع فلا مانع. أما إذا كان الشرط غير معلوم القيمة، وفي النهاية إذا أرادا أن يتفاصلا، أدى ذلك الشرط إلى نزاع بسبب الجهالة؛ فهذا ممنوع.

стр. 2007

اختلاف الأفهام فيه توسعة على الأمة لعلكم تذكرون قضية أبي حنيفة وابن أبي ليلى وابن شبرمة، حينما قال عبد الوارث: والله لأنتهزها فرصة، ثلاثة علماء من قطر واحد، وسأل أبا حنيفة عن بيع وشرط، فقال: البيع والشرط فاسدان، ثم سأل ابن أبي ليلى قال: البيع صحيح والشرط صحيح، ثم سأل ابن شبرمة قال: البيع صحيح والشرط باطل، فتعجب! فرجع إلى أبي حنيفة، وقال له: إن صاحبيك يقولان: كذا، قال: ما عليَّ مما قالا لك، ولكن الشرط والبيع فاسدان؛ لأن الرسول ﷺ نهى عن بيع وشرط، وحملها على عمومها، فذهب إلى ابن أبي ليلى فقال: ذكرت كذا، وذكر أبو حنيفة كذا، وابن شبرمة كذا، فقال: ما علي مما قالا لك، البيع صحيح والشرط باطل، وذكر له قضية بريرة؛ لأن أهلها اشترطوا عليها الولاء، فصحح النبي ﷺ العقد وأبطل الشرط، فذهب إلى ابن أبي ليلى وقال له: إن صاحبيك يقولان: كذا وكذا، قال: ما علي، العقد صحيح والشرط صحيح، وذكر حديث جابر، وهذا هو أدب العلماء، واحترام الرأي، وكل يستدل بما وصل إليه، ولم يأت أحد منهم -رضوان الله تعالى عليهم أجمعين- بشيء من عنده، ولكن تعددت النصوص، واختلفت الأفهام. ويقول عمر بن عبد العزيز: والله ما أحب أن لي حمر النعم ولم يختلفوا؛ لأنهم لو كانوا كلهم على رأي واحد، لشق على الناس، ولكن رحمة من الله سبحانه، فإذا كان الخلاف له أصل، والرأي له دليل؛ فلا يحق لإنسان أن يعترض على ذلك، ولا أن يتناول صاحب الرأي بالكلام، ويجب أن نفرق بين القول والقائل، فإذا وجهنا نقداً أو اعتراضاً فإنما يكون للقول، لا للقائل، والقائل مصون في مكانه. وهكذا نهى ﷺ عن بيع وشرط، ووجدناه يعقد بيعاً وشرطاً مع جابر، ووجدناه يعقد عقداً ويبطل شرطاً مع عائشة في بريرة. وهكذا يجب ويتعين على طالب العلم أن يتأنى، ويتريث، في ما يصله عن سلف الأمة، ولا يحق له أن يتكلم في مسألة حتى يجمع أطرافها، ولا يحل له أن يفتي في بيع وشرط، حتى يلم بهذه الأحاديث كلها، وإذا وجد غيرها يضمها إليها؛ ليقف على مجموع الروايات، ومجموع الأحاديث، وكما جاء عن علي رضي الله تعالى عنه: لا يحق للإنسان أن يتكلم في مسألة إلا إذا جمع نصوصها، وجمع أطرافها، وعلم العام من الخاص، والمطلق من المقيد، والمتقدم من المتأخر، إذا علم ذلك كله في المسألة كان لفتواه ولقوله أصل. وقد ذكرنا مراراً أن أحمد ﵀ سئل: من حفظ ألف حديث له أن يفتي؟ قال: لا، فقيل: ألفين؟ قال: لا، فقيل: ثلاثة آلاف إلى خمسة؟ قال: لعله! نقول هذا لأنفسنا، ولبعض الإخوة الذين يبادرون في الفتوى، ولو سألت واحداً منهم: أن يذكر عشرة أحاديث بأسانيدها -أنا شخصياً لا أستطيع أن أذكرها بأسانيدها- لا يستطيع، أما المتن فلعله يعلق في الذهن، ولو قلنا: من يحفظ متن ألف حديث، أظن أنه رصيد كبير جداً، لكنه عند أحمد يُعد مفلساً، الذي يحفظ ألف حديث بالنسبة لميزانية أحمد في الأحاديث: يعتبر مفلساً، ونحن نعتبر من حفظ خمسمائة حديث الآن حافظاً كبيراً. إذاً: هذا الموضوع يجدد لنا: النظر، والتأني، والتأمل، وحفظ كرامة سلف الأمة وأقوالها، والله تعالى أعلم.

стр. 2008

ربح ما لم يضمن: صورته وحكمه قوله ﷺ : (ولا ربح ما لم يضمن) . نهى ﷺ عن ربح ما لم يضمن، وهذه من أخطر قضايا الربا، وهي من أخطر المعاملات في الأسواق، وسيأتي عن جابر أو غيره توضيحها أكثر. ربح ما لم تضمن، ما هو الذي لم تضمن، ملكك أم ملك جارك؟ ملك الجار، أما ملكك فإنك تضمنه، يعني: إن خسر سيخسر إليك، وإن ربح سيربح لك، أما بضاعة جارك فإن خسرت فهل تضمن منها شيئاً؟! الأجنبي لو خسر في سلعته، فهل تضمن -أنت- منها شيئاً؟! فإذا كنت لا تضمن خسارتها، فكيف تأخذ ربحها! مثلاً: هناك تاجران متجاوران، فجاء رجل إلى أحد التاجرين يريد أن يشتري منه سلعة، ولتكن -على سبيل المثال- الشاي الأخضر، فقال التاجر، معذرة، نفدت البضاعة من عندي، ولكن سأحضرها لك بعد قليل، فاتفقا على السعر، ثم اتصل التاجر بجاره وطلب منه البضاعة المطلوبة، وكان قد تعاقد التاجر الأول مع المشتري على أن سعر البضاعة ثلاثمائة، ولما ذهب لإحضارها، اشتراها من جاره بمائتين وثمانين، فيكون قد ربح عشرين، ولكن هذا الربح من أين جاء؟ جاء هذا الربح عن طريق بيع سلعة ليست في ملكه، وليست في ضمانه، فإذا كنت لم تضمن خسارتها، فكيف تأخذ ربحها؟! دعها لصاحبها يربح منها، كما تركتها له يتحمل خسارتها، وهذا هو حق الأسواق، فلا تبع ما لم تضمن، لماذا؟ لأن الضمان بالخراج، أو الخراج بالضمان، الربح مقابل تحمل الخسارة، الغرم بالغنم، أو الغنم بالغرم، السلعة التي تريد أن تأخذ غنيمتها وهو ربحها هي التي أنت تتحمل ضمانها. ويوجد هنا ما يسمى بالمخاطرة، فصاحب السلعة الموجودة عنده مخاطر بها؛ لأنها معرضة للتلف، ومعرضة لانخفاض السوق فجأة، فهو دائر بين: الربح، والمساواة، والخسارة، وأنت بعيد! فكيف يصح لك أن تقطع عليه رزقه، وتكسب ما لم تضمنه؟ إذاً: فإنما الكسب لصاحب الضمان.

стр. 2009

بيع ما لم تملك: صورته وحكمه قوله ﷺ : ولا بيع ما ليس عندك، بيع ما ليس عندك أعم، سواء كان فيه ربح، أو فيه خسارة، فالشيء الذي ليس عندك، لا تبيعه، وكما تقدم في مثال الشاي، جاء الزبون وطلب منك الشاي، وأنت ما عندك، فتبايعت معه، بناء على أن جارك عنده شاي، فاتفقت مع الزبون على السعر والكمية، وتم العقد، فقلت: هات ستمائة ريال -وهي قيمة الشاي- فذهبت إلى جارك، وأعطيته خمسمائة وستين، وقلت له: خذ يا عم! أعطني الشاي، قال: ما عندي، معذرة، فقبل أن تأتي بخمس دقائق أخذها الزبون، فأنت ارتبطت بشخص في عقد في سلعة ليست عندك، بناء على أنها عند الجار، فذهبت إلى الجار فلم تجدها عنده، ماذا ستفعل مع الذي أخذت فلوسه ووضعتها في جيبك؟! قلت له: يا عم! والله أنا آسف! ما عندي! قال لك: كيف ما عندك، وأنت بعت وأخذت الفلوس؟! أريد منك السلعة، العقد في البيع عقد ملزم، وأنا لا أقيلك من البيع، لابد أن تعطيني الشاي! ماذا تفعل؟! ستسافر لإحضارها؟! ولو جئت إلى القضاء فأنت ملزم بتسلم السلعة. ولهذا الإحراج منع ﷺ الإنسان أن يبيع ما ليس عنده؛ لكون الغرر فيه: ربح ما لم تضمن؛ لأنه ليس في ملكك، والتغرير بالمشتري وبنفسك، على مظنة أنها عند الجار. إذاً: أوقعت نفسك في حرج، وأُحرجت مع المشتري، وأُحرجت أيضاً مع جارك، ومع نفسك، ومن هنا: نهى ﷺ أن تبيع ما ليس عندك، بصرف النظر عن الربح؛ لأن الربح تابع للبيع. ويذكر أن جابراً أتى النبي ﷺ وقال: (يا رسول الله! الرجل يأتيني يريد السلعة، وليست عندي، فأذهب فأشتريها، ثم أبيعها عليه) ، وهذه الصورة موجودة الآن بالفعل، قال: (لا تبع ما ليس عندك) . ومثال ذلك -كما تقدم- أن يأتي الزبون فيقول: أريد شاي، وليس عند التاجر شاي، فيقول: انتظر، فيذهب ويشتري البضاعة، فيضمن وجودها، ويشتريها على حسابه، وبعد أن امتلكها ووضعها في دكانه تبايع مع المشتري، لكن لماذا اشتراها من جاره؟ وما هو الدافع لذلك؟ أهي الرغبة في السلعة أم استجابة للطالب؟! استجابة للطالب؛ لأنه قال للزبون: انتظر ثم ذهب واشتراها، وكان يظن أنها بثلاثمائة، فوجدها بثلاثمائة وخمسين، فأخذها إلى دكانه، وقال للمشتري: والله! يا عم السعر ارتفع، وهي عليَّ بثلاثمائة وخمسين، فقال الزبون: هذا سعر مرتفع ولن اشتريها بهذا السعر، فهل المشتري ملزم بأن يأخذها بما اشتريت أنت؟! ليست بملزم، وهل تستطيع أن تقول له: أنا اشتريتها من أجلك! فما دمت لا تملكها فلماذا تبيعها؟! وكما أشرت: إن بعض الأشخاص، أو بعض الجهات، أو بعض المؤسسات، يفعل ذلك، يأتيهم الشخص يريد السلعة، وليست عندهم، فيذهبون إلى جهات تمتلك السلعة، ثم يحول الزبون عليها ليستلمها من هناك، وتكون المعاملة مع المؤسسة في استلام القيمة، وهي قد اتفقت مع المشتري على ما يرضيها. إذاً: (لا تبع ما ليس عندك) ، صورتها: أن يأتي زبون يريد السلعة، فتذهب وتشتريها، حتى ولو اشتريتها على حسابك من أجل أن توفرها لتبيعها على الزبون، لا تفعل ذلك؛ لأنه ما دفعك لشرائها إلا طلب هذا الزبون. إذاً: دخل فيها شيء، ولو تركها ولم يأخذها منك لوقع بينكما ما لا تحمد عقباه، ولو في النفوس.

стр. 2010

كتاب البيوع - باب شروطه وما نهي عنه [٧] هناك بيوع محرمة نهى عنها الشارع الحكيم؛ لما فيها من ضرر وغرر، ومن تلك البيوع التي نهى عنها الشارع: بيع العربون، لما فيه من أكل أموال الناس بالباطل، ونهى الشارع أيضاً عن بيع السلعة قبل حيازتها ونقلها إلى الملك؛ وذلك لأن السلعة قبل حيازتها لم تمتلك ملكاً كاملاً. ويجوز بيع السلعة بنقد ثم استيفاء الثمن بنقد آخر، ولكن بشرط: أن يكون الثمن الآخر بسعر يومه، وأن يدفع كاملاً، فينصرف البائع والشاري دون أن يبقى بينهما شيء. ونهى الشارع عن النجش بجميع صوره؛ لما في ذلك من التحايل على أموال الناس وأخذها بغير حق؛ ولما فيه من إفساد للناس وللأسواق.

стр. 2011

شرح حديث: (نهى عن بيع العُربان) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيقول المصنف ﵀: [وعنه ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن بيع العُربان) رواه مالك، قال: بلغني عن عمرو بن شعيب به] .

стр. 2012

بيع العربون: صورته وحكمه يقال: بيع العُربان أو بيع العربون، والعربون عند الناس في العرف: أن تأتي إلى صاحب سلعة، وتريد السلعة، وليس عندك من المال ما يكفي لشرائها، فتقول لصاحب السلعة: ليس عندي الثمن كاملاً، ولكن أمهلني إلى الغد -مثلاً- حتى آتيك بالثمن كاملاً، فالبائع يقول: أنا أخشى أن تذهب ولا ترجع، وربما يأتي زبون يريد السلعة ولا أستطيع أن أبيعها؛ لأني ارتبطت معك، ولكن أعطني عربوناً أضمن به رجوعك، فيقول: هذا العربون، السلعة بمائة، وهذه عشرة، فإن جئتك بكامل الثمن أخذت السلعة ودفعت لك الباقي، والباقي هو تسعون؛ لأننا احتسبنا العربون من الثمن، وإن لم تتحصل القيمة عند المشتري، وجاء إلى صاحب الدكان، أو صاحب السلعة، وقال: إن الثمن لم يتحصل عندي، فسامحني، وأعطني العشرة، فيقول: لا، أنت دفعت العشرة على أنها ربط للبيع، وتعويض لي عن تفويت فرص بيع السلعة في مدة انتظارك، فقد جاءني عدة زبائن يريدون شراءها، فبحجزك للسلعة فوَّت عليّ بيعها، فالعربون غير مرجوع. هذا هو بيع العربون الذي كانوا يتبايعون به، يشتري السلعة، ويدفع جزءاً من الثمن، عربوناً على توثيق البيع، على شرط: إن جاء بالثمن أخذ السلعة، ومضى العقد، وإن لم يأت بالثمن فيكون العربون ملكاً لصاحب السلعة، تعويضاً له على ما فوت عليه من عقود مع أشخاص آخرين. وقد نهى ﷺ عن هذا البيع؛ لأنه إذا تعاقد معه ودفع العربون توثيقاً للبيع، ولم يحصل البيع، فبماذا يستحل هذا العربون من مال أخيه والسلعة عنده؟! قد يقول: إنه فوت عليّ الزبائن، فيقال: الزبائن موجودون، والسوق مفتوح، فإن ذهب هذا يأتي ذاك، وأين الإرفاق بالناس؟ وأين الوفاء بالوعود؟! إذاً: هذا البيع حرام إن كان الشرط فيه امتلاك العربون إذا لم تتم الصفقة، أما إذا كان سيرد له العربون، فأكثر العلماء على النهي عن هذه الصورة، كما ذكرها مالك رحمه الله تعالى. ونحن نقول -من باب الإنسانية، ومن باب الإرفاق، ومن باب التورع-: ليس هناك موجب لأخذك من مال أخيك شيئاً بدون مقابل، وكونك تزعم بأنه فوت عليك فرص البيع، وإذا ما جاءك زبون! ولا سأل عنها أحد! فالأصل أنه ما فات عليك شيء، فلماذا تأخذ العربون؟ إذاً: الغرر موجود، وأكل أموال الناس بالباطل موجود، ولهذا نهى النبي ﷺ عن ذلك، وبعض المتأخرين يقول: إنه جائز؛ لأنه دفعه عن رضا، خاصة إذا قال: إذا ما أحضرت لك الثمن فهو لك، فكأنه متبرع به سبحان الله! هل جاء وقال: السلام عليكم، أنا والله عندي عشرة زائدة خذها لك، أم أنه دفعها مضطراً حتى تبقى السلعة؟! إنما دفعها لحاجة، فكيف نقدر بأنه متبرع؟ هذا بعيد، ولماذا لم يتبرع صاحب السلعة ويرد العشرة؟! فالواقع أن هذا النوع من المعاملات فيه تعريض لأكل الأموال بالباطل.

стр. 2013

شرح حديث: (نهى أن تباع السلع حيث تبتاع) قال المصنف ﵀: [وعن ابن عمر ﵄ قال: (ابتعت زيتاً في السوق، فلما استوجبته لقيني رجل فأعطاني به ربحاً حسناً، فأردت أن أضرب على يد الرجل، فأخذ رجل من خلفي بذراعي، فالتفت، فإذا هو زيد بن ثابت، فقال: لا تبعه حيث ابتعته حتى تحوزه إلى رحلك، فإن رسول الله ﷺ نهى أن تباع السلع حيث تبتاع، حتى يحوزها التجار إلى رحالهم) رواه أحمد وأبو داود واللفظ له، وصححه ابن حبان والحاكم] .

стр. 2014

بيع السلعة قبل حيازتها: صورته وحكمه هذه صورة من صور البيع المنهي عنها أيضاً؛ لتوثيق البيع، وفض النزاع، وهي مبنية على قاعدة، يقول ابن عمر: اشتريت زيتاً، وبينما أنا أمشي في الطريق -الزيت عند البائع، وهو قد دفع الثمن- علم شخص بما اشتريت، فأعطاني ربحاً حسناً، ولكن الزيت انتقل من عند التاجر إلى الطريق فقط، (فأردت أن أضرب بيدي على يده) وضرب اليد على اليد في البيع يسمى الصفقة، والتصفيق: هو الصوت الناتج عن التقاء الكفين، وسمي به عقد البيع، وهو إما صفقة رابحة، أو صفقة خاسرة. قال: فأردت أن أعقد البيع، فإذا برجل من روائي يمسك يدي التي أردت أن أصفق بها على يده، وقال: لا تبعه حتى تنقله من محل البائع، وتحوزه إلى محلك، لماذا يا زيد؟! قال: كان رسول الله ﷺ : (نهى أن تباع السلع حيث تبتاع) يعني: في مكانها الذي بيعت فيه: (حتى يحوزها التجار إلى رحالهم) أي: محلاتهم. حتى ولو كان بين السوق وبين محلك شارع واحد، واشتريتها وتركتها عند تاجر الجملة، ورجعت إلى دكانك، وستنقلها غداً، فجاءك إنسان، وطلب سلعة مثل التي اشتريتها، وتركتها عند التاجر، فلا تبعه من تلك السلعة التي عند التاجر حتى تحوزها إلى محلك، ثم بعها من محلك. يقولون: هذا في المنقول مكيلاً، أو موزوناً، أو معدوداً، أما الأمور الثابتة، كما لو اشتريت بيتاً، وتريد بيعه، فهل تحوزه وتنقله؟! البيت ليس منقولاً، فيقولون: إن المبيع المنقول لا تتم الصفقة فيه إلا بالاستلام، فحتى تستلمها وتستوفيها، وما دامت عند البائع فهي على ضمانه، فلو تلفت عنده فهو ضامن. إذاً: لا تتم الصفقة في المنقولات حتى تستوفى، إذاً: ملكك لها غير تام، والملك غير التام لا تستطيع أن تبيعه، فالمرأة إذا كان صداقها ألفاً، فإذا طلقها قبل أن يدخل بها، فلها من الألف خمسمائة، مع أنها كانت تملك ألفاً، لكنها لم تملك الألف ملكاً كاملاً، وإنما كان الملك ناقصاً؛ لأنه متوقف على الدخول، فكذلك هنا: الملك ناقص؛ لأنه متوقف على الحيازة، وذلك في كل مكيل، أو موزون، أو معدود يمكن زحزحته، وقد كنا نشاهد هذا في سوق الحراج، فمثلاً: كوم الحبحب، فإذا اشتراه وزحزحه بيده عن مكان البيع، وبعضهم يأتي بغطاء ويضعه على الحبحب، وبعضهم يأتي بشيء من البرسيم ويضعه على العنب، إشارة إلى أنه قد حازه، ووضع يده عليه؛ لأن السوق للجميع، وقد يشتري بالجملة، فإذا اشترى عشرة صناديق، فعليه أن ينقلها من مكان صناديق التاجر ولو لمسافة متر، فتصبح في حيازته وملكه؛ لأن أرض السوق ملك للجميع. فلا يبيع الإنسان السلعة إذا اشتراها إلا بعد أن يحوزها؛ لأنه بحيازتها تم الملك، وانقطعت علاقتها بالبائع، أما الأعيان التي لا تحاز ولا تنقل، فتكون حيازتها بالتخلية، فمثلاً: اشتريت بيتاً، وفيه أغراض للبائع، فعليه أن يأخذها، ويخلي لك البيت، فإن أخلى البيت وسلم لك المفتاح، فقد حزت البيت، وامتلكته ملكاً تاماً، وكذلك البساتين، يخليها من حاجاته، ويرفع يده عنها، فتكون في حيازتك. فإذاً: رفع يده، ووضعت أنت يدك؛ فقد صارت حيازة، وكذلك السيارة، حتى تحوزها وتنقلها، وتأخذ مفاتيحها، وحينئذ يحق لك أن تبيعها، أما أن تشتريها من المعرض، وتبيعها في المعرض، وفي محلها، فهذا لا يجوز، ويقع في مثل هذا كثير من الناس، والله تعالى أعلم.

стр. 2015

أهمية فقه المعاملات وبالمناسبة: أوصيكم بالعناية بالفقه، والعناية بالمعاملات؛ لأن مدار الإسلام عليها، فأنت تصلي، وتلبس الثياب، وتأكل الطعام، وتصوم، وتفطر، وتسكن في ملك، أو في أجرة، وتسافر إلى الحج، وكل ذلك من الربح، سواء كان من نتاج عندك، أو من بيع وشراء، فإذا كان البيع والشراء سليماً، فكل أعمالك ستكون سليمة، وإذا كان فيه خلل عياذاً بالله، فكل أعمالك فيها خلل؛ لأننا سمعنا سعداً رضي الله تعالى عنه يقول: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة، فقال (أطب مطعمك تجب دعوتك) ، وعمر يمر بالأسواق، ويسأل الباعة، ويختبرهم في أحكام الربا، والبيع، والكيل، والوزن، فإذا وجد جاهلاً أقامه، وقال: قم، لا تفسد علينا أسواقنا، قم، لا تمنع المطر عنا؛ لأنه إذا وجد الغش والتدليس والربا منع القطر، والعياذ بالله. فنصيحتي لكل المسلمين أن يعنوا بالفقه؛ لأننا وجدنا دراسة الفقه قليلة، ونجد التركيز والاهتمام والعناية بالحديث دون الفقه، والحديث هو الأصل، ولكن كما يقولون: له نقاد وصيارفه، يحسنون تصريفه واستنتاجه، وهم الفقهاء، فنأخذ ما صنعوا، ونمشي معهم أيضاً في الحديث، ونتبع كل قاعدة بأدلتها، وبالله تعالى التوفيق.

стр. 2016

شرح حديث ابن عمر حينما كان يبيع بالدنانير ويأخذ الدراهم والعكس قال المصنف ﵀: [وعنه -أي ابن عمر ﵁ قال: (قلت: يا رسول الله! إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذا من هذه وأُعطي هذه من هذا، فقال رسول الله ﷺ : لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء) رواه الخمسة وصححه الحاكم] . يذكر لنا ابن عمر رضي الله تعالى عنهما صورة مبيع واستيفاء الثمن مقاصة، فيقول: إني أبيع الإبل بالدنانير، وآخذ عنها الدراهم، والدنانير عملة ذهبية، وهو في العدد يسمى ديناراً، وفي الوزن يسمى مثقالاً، والدراهم عملة فضية، وهو في العدد وفي الوزن سواء، إلا أن الفقهاء ربما فرقوا وقالوا: وعشرة دراهم وزناً، عشرة دراهم عداً، وهذا حينما يختلف الضرب، وتحصل هناك زيادة ونقص. وأصل الدنانير: عملة رومية، أو فارسية، وقد تعامل بها العرب على ما هي عليه، ولم يتغير وزن المثقال، لا في جاهلية ولا في إسلام، أما الدارهم فقد تغيرت، فكان هناك الدرهم الكبير، والدرهم الصغير، وفي زمن بني أمية جُمع الدرهم الكبير والدرهم الصغير وسبكا معاً فصارا درهمين، واتحدت الدراهم، وهذا من واجب ولي الأمر، فعليه أن يوحد العملة التي يتعامل بها الناس، حتى لا يقع خطأ أو غرر في المسمى. وموضوعنا الآن في كونه يبيع بالدراهم، ويأخذ الدنانير، والعكس. ومنطوق الحديث يبين أن عبد الله بن عمر كان يتعاطى البيع والشراء، وهكذا كان أصحاب رسول الله ﷺ ما بين تاجر ومزارع، وهذه كما يقولون: وسائل الإنتاج والكسب، فالزراعة فيها كل البركة، وكان أكثر عمل الأنصار الزراعة، والتجارة كذلك، وهي تسع وتسعون بركة، والتاجر الصدوق مع الأنبياء والصديقين يوم القيامة. ولا بأس أن الرجل الصالح، أو العالم، أو غيره يعمل في التجارة، ومعلوم أن الإمام أبا حنيفة ﵀ كان يتاجر في البز، أي: القماش، فقد كانوا يتكسبون لأنفسهم، وهذا نبي الله داود كان يصنع بيده الدروع، ويأكل من كسب يده، فـ ابن عمر رضي الله تعالى عنه كان يعمل، ويكتسب، ولا مانع من أن يشتغل طالب العلم بذلك، وحبذا طالب العلم التاجر؛ لأنه يستغني بذلك عن أن يتطلع إلى الناس، أو ينظر الناس إليه بعين الرحمة لفقره، ولأن تستغني عن الناس تكن أميراً في نفسك.

стр. 2017

بيع السلعة بثمن واستيفاؤه بثمن آخر: صورته وحكمه فيقول: كنت أبيع الإبل، يقولون: إن سوق الإبل كان عند بقيع الغرقد، والبقيع الآن معروف مكانه، وفي أي موضع من مواضع البقيع؟! لا يهمنا هذا، فكان يتاجر، ويبيع ويشتري في الإبل، إذاً: هناك من يتاجر في الإبل، وهناك من يتاجر في الغنم، وهناك من يتاجر في الأطعمة، وفي الألبسة، وكل على حسب اتجاهه ومعرفته، وسؤاله رضي الله تعالى عنه: إني أبيع هذا البعير بألف درهم، ويقول في بعض الروايات: (فأذهب مع المشتري لينقدني الثمن، فلم يجد دراهم، ويجد دنانير، فآخذ الدنانير عوضاً عن الدراهم) إذاً: أنا بعت بشيء، وقبضت شيئاً آخر، فهل يجوز هذا؟ فأفتاه ﷺ بقوله: (لا بأس أن تأخذها بسعر يومها) ، فإذا بعت البعير بألف درهم، والمشتري يريد أن يقدم لك دنانير، فكم سعر الدينار بالدرهم؟ الدينار أخذ أسعاراً متفاوته، أقل ما وصل إليه في الصرف ثمانية دراهم، وأعلى ما وصل إليه في الصرف اثنا عشر درهماً، واستقر الأمر بعد ذلك في زمن عمر رضي الله تعالى عنه على عشرة دراهم، ونحن نجد المقارنة في باب الزكاة، فنصاب الذهب عشرون مثقالاً، وقد قلنا: المثقال والدينار شيء واحد، ونصاب الفضة مائتان درهم، إذاً: الدينار عادل عشرة دراهم، إذاً: صرف الدينار يساوي عشرة دراهم. فإذا بعت البعير بألف درهم، وجئت معه إلى البيت ليعطيك دنانير بدل الدراهم، فهل تأخذها بسعر يومها، أم بسعر أمس، أم بسعر جديد غير موجود الآن وإنما هو متوقع فيما بعد؟ خذها بسعر يومها؛ لأنك تصارف الدراهم إلى دنانير، والصرف يجب أن يكون بسعر يومه. قال: (ما لم تفترقا وبينكما شيء) ، فإذا بعته بألف، والألف الدرهم إذا قسمناها على عشرة -والعشرة الدراهم تساوي ديناراً واحداً- فإن فيها مائة دينار، فقال: أنا عندي تسعة وتسعون ديناراً، وسيبقى لك دينار واحد إلى الغد إن شاء الله، أو إلى بعد ساعة، فإن هذا لا يجوز، ولكن يجب أن تأخذها كاملة، سواء كنت ستأخذ الدنانير عن الدراهم، أو تأخذ الدراهم عن الدنانير، فمثلاً: بعته بعشرة دنانير وجئت إلى البيت، وقال: ما عندي دنانير، عندي دراهم، فليس هناك مانع، ولكن بسعر يومها، الدينار بعشرة دراهم، وهذه عشرة في عشرة يساوي مائة، فإن أعطاه إياها كاملة فبها ونعمت، أما أن يعطيه الدراهم ناقصة، ولو بدرهم واحد، فهذا ممنوع؛ لأن الصرف يجب فيه التقابض والتسليم في مجلس العقد، ولا يجوز فيه التأجيل؛ لأن أصل الصرف بيع، وإن غلب عليه اسم الصرف، فأنت تبيع الذهب بالفضة، والفضة بالذهب، ولكن غلب عليه اسم الصرف لأن تعامل الصراف إنما يكون بالعملة، ولكثرة تحريكه لها يكون لها صريف، أي: صوت -كأنه دعاية وإعلان- فلما غلبت هذه الحركة سمي صرفاً؛ لصريف الدراهم في حركة الصراف، فإذا أعطيته ديناراً ليصرفه لك دراهم، والدينار بعشرة، وقال لك: خذ هذه التسعة، وبعد ساعة ارجع وأعطيك العاشر، فلا يجوز ذلك؛ لأنه قد يتغير السعر، وهذا خاص بالذهب والفضة وجميع أنواع العملة، وأما بقية السلع فلا تدخل في هذا، فلو اشترى طعاماً أو نحوه، ودفع جزءاً من المال وبقي على جزء إلى أجل، فلا بأس في هذا. ومعلوم موضوع البورصة، فتجد الشخص يعلم عن ارتفاع العملة وعن نزولها في الدقيقة، وبعض الأشخاص تراه جالساً على التلفون مع البنك، كم سعر الآنصة اليوم، الآن بكذا، فيقول: لي احجز بكذا، بع لي، وهو عمل فيه مقامرة، وربا، ولا يجوز؛ لأنه بيع وشراء بدون استلام وبدون قبض، فهو بيع في الهواء، وهذا هو عمل البورصات وبهذه الطريقة فهو ربا محض. فهنا: إذا تصارفتما، أو تبادلتما، وأخذت الدراهم بدلاً عن الدنانير، والدنانير بدلاً عن الدراهم، فجائز بشرطين: الأول: أن تكون بسعر يومها. الثاني: أن لا يبقى لك عنده شيء. إذاً: هذا هو شرط الصرف، وهو خاص بالربويات، والذي يمهمنا في الثمن، فلو أنه استبدل نقداً بنقد، فيشترط أن يكون بسعر يومه، وأن يكون التقابض حالاً، والله تعالى أعلم.

стр. 2018

شرح حديث النهي عن النجش قال المصنف ﵀: [وعنه -أي ابن عمر ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن النجْش) متفق عليه] .

стр. 2019

النجش: صوره وحكمه النجْش أو النَجَش صورته الاصطلاحية: أن يزيد الإنسان في السلعة دون رغبة في شرائها. وبعض الناس يعمل هذا فضولاً منه، وبعض الناس يعملها قصداً؛ إما يؤجَّر على ذلك، وإما كيداً في أحد المتبايعين، وصورتها تكون دائماً في بيع المزاد، أو المزايدة، فحينما يعرض الدَّلال السلعة، أو يعرضها صاحبها، فيقول: هذه السيارة بعشرة آلاف، فيأتي واحد ويقول: بعشرة وخمسمائة، فيأتي آخر ويقول: بإحدى عشر، وهي تساوي عشرين، لكنهم فتحوا باب المزاد بعشرة، فيتزايدون فيها، فيأتي إنسان لا ناقة له فيها ولا جمل، ودخّل نفسه مع الناس، واعتبر نفسه تاجراً من التجار، وراغباً من الراغبين، فحينما قيل: هذه بعشرة، قال هو: عشرة ونصف، وآخر قال: إحدى عشر، وقال ثالث: إحدى عشر ونصف، ثم قال هو: باثني عشر، وهكذا، وضع رأسه ضمن رءوسهم، وأخذ يزايد، فهذا الشخص الذي يزيد في السلعة دون رغبة فيها يُعدَّ ناجشاً. وقد نهى النبي ﷺ عليه وسلم عن ذلك، والعلة في ذلك: أنه الراغب الحقيقي يزيد بمقدار رغبته وتقديره للسلعة، أما الناجش فإنه سيزيد من غير تقدير، ثم سيسحب نفسه ويذهب، فليس متحملاً مسئولية الزيادة، ولكن ماذا يفعل إن وقف السعر عليه؟ سيضطر إلى التراجع، فترجع السلعة للذي قبله، فإذا كان الناجش قد أوصلها إلى عشرين، والذي قبله أوقفها على تسعة عشر، فسترجع للذي قبله بالتسعة عشر، وتسقط زيادة الناجش الأخيرة، وفي هذا العمل مضرة، وإفساد للسوق، فإن كان فضولياً فهذا تعدٍ، وإذا كان غير فضولي، ولكنه بقصد، فإما أن يكون القصد هذا من قبل نفسه، وإما أن يكون بدافع من البائع، وبعض البائعين قد يتفق مع بعض الأشخاص ليزيدوا في السعر، فيفتح باب الزيادة بعشرة، فيأتي هذا العميل المساعد فيقول: بإحدى عشر، والراغب في الشراء يظن أن هذا صادق، وأنها تساوي إحدى عشر، فيزيد خمسمائة من أجل أن يأخذها، والعميل يقول: إحدى عشر وخمسمائة، وكل واحد ينجش ويزيد، والراغب في السلعة يزيد حقيقة، ويكون قد لبس عليه بسبب زيادة العميل، وتزيد السلعة عن قيمتها الحقيقة بسبب الناجش، وما مصلحة الناجش في هذا؟ خدمة صاحب السلعة والزيادة في سعرها، فلو لم يدخل العميل ليناجش، ويزيد في السعر؛ لما نفقت السلعة، ولما ارتفع سعرها أكثر مما تستحقه. إذاً: فالناجش غاش، ومدلس، وقد نهى رسول الله ﷺ عن ذلك؛ لأن فيه تعاوناً على الإثم والعدوان، والواجب على المسلم أن يساعد على البر والتقوى، لا أن يساعد على الإثم والعدوان. وهنا شيء آخر، وهو: إذا غرر بالمشتري، وزيد عليه في السعر بسبب المناجشة التي تواطأ عليها البائع والمناجش، فإن ثبت ذلك فالمشتري بالخيار، فإن شاء أمضى البيع برغبته، وإن شاء رد السلعة وأخذ الثمن. إذاً: النجش عيب، ويعطي المشتري الحق في فسخ العقد؛ لأنه تدليس وغش، ولهذا نهى عنه النبي ﷺ ، ولو مضت السلعة فيكون البائع قد أكل من مال أخيه المسلم بالباطل، فليتق الله أصحاب الأسواق. وهنا صورة أخرى، وهي عكس الصورة السابقة، وكما يقول ابن تيمية في كتاب الحسبة: يجب على طالب العلم أن يعرف أوضاع الأسواق، حتى يستطيع أن يحكم على أعمال الناس. فمثلاً: يأتي إنسان بسيارة ويريد بيعها، فيأتي شخص يريد شراءها، فيجد أشخاصاً آخرين يريدون شراءها أيضاً، فيتواطئون جميعاً على ألا يزيدوا في السعر، أو ألا يدخلوا في المزايدة حتى يقف السعر عند حد فيه بخس للسلعة، على أن يتشاركوا فيما بخسوا به صاحب السلعة، فهؤلاء تواطئوا على بخس السلعة، ثم أكلوا فارق البخس فيما بينهم، وهذا حرام، وإنما أكلوا سحتاً. وهناك صورة أخرى: أن يأتي شخص إلى البائع، فيعطي للسلعة سعراً أكثر من قيمتها، ثم لا يشتريها، فمثلاً: قيمة السلعة الحقيقية ثلاثون، فيأتي هذا الرجل ويقول: هذه السلعة تساوي خمسين، وذلك حتى ينطبع في ذهن البائع هذا السعر، فلا يبيعها إلا به، وهذا السعر لن يجده حقيقة، ولن يدفعه له أحد، ويسمى هذا بربط الرأس، وإنما فعل ذلك الرجل هذه الحيلة ليصرف الناس عن هذه السلعة، فيتفرد بالبائع حتى يبخسه، ولا يعطيه قيمتها الحقيقية، فضلاً عن أن يعطيه ما وعده به من قبل، فإذا كان صاحب السلعة مضطراً، فسيبيعه السلعة بأقل من قيمتها الحقيقية، فتؤكل أموال الناس بالباطل عن طريق هذه الحيل. يقول ابن تيمية: حيل الأسواق وعقود البيع كثيرة جداً، خاصة في أنواع المكاييل والموازين، وهذه العقود والبيعات تكون في المزاد، فليتق الله ربه كل إنسان، ويتحرى الصدق والحلال. إذاً: نهى ﷺ عن بيع النجْش أو النجَش، ويلحق به كل ما فيه تحايل على إسقاط شيء من سعر السلعة، أو زيادة في سعرها على من لا يعرف السعر الحقيقي.

стр. 2020

جواز رد السلعة إذا غبن فيها المشتري وقد كان رجل في عهد النبي ﷺ يبيع ويشتري، لكنه أحمق، لا يحسن تقدير السلعة، فإن وجد سلعة في يد إنسان وأعجبته سأل: بكم هذه السلعة؟ ثم يأخذها على كلام صاحبها، وإن كانت في يده سلعة ويريد بيعها، فأتى من يريد شراءها، باعها له على ما أراد، فيكون -أي: المشتري- قد زاد في سعر السلعة بحسب كلام البائع (٣٠%) ، وقد يكون أنقص من قيمة ما في يده بحسب كلام المشتري (٣٠%) ، أو (٤٠%) ، فتضرر أهله بذلك، فقالوا: يا رسول الله! امنع حبان بن منقد من البيع والشراء؛ لأنه أتلف علينا أموالنا، يشتري بسعر زائد، ويبيع السلعة بثمن ناقص، ويخسرنا فيها، فقال له ﷺ (دع البيع والشراء) ، فقال: يا رسول الله! لا أستطيع أن أدع البيع والشراء، فقال له ﷺ : (إذا بعت أو اشتريت فقل: لا خلابة) ، والخلابة: النقص، فكان حبان بن منقد -بعد هذا- إذا تبايع مع إنسان أو اشترى منه قال: لا خلابة، فإذا علم أهله بالمبيع أو المشترى ووجدوا الغبن فاحشاً، رجعوا إلى صاحبه وأبطلوا البيع؛ لأن الرسول الله ﷺ اعتبر حالته العقلية وجعل حق نقض البيع وإمضائه لأهله؛ لأنهم هم الذين يتحملون الغرم. وهل يجوز لإنسان أن يقول عندما يشتري: لا خلابة؟ إن كانت حالته كحالة ابن منقذ فيجوز ذلك، أما إذا لم يكن كذلك، كأن كان حاذقاً، وإنما زادوا عليه في ذلك، فإن هذا يرجع إلى باب آخر، وهو: هل كان الغبن فاحشاً أم لا؟ إذاً: كل ما يكون من التحايل، على زيادة أو نقص السعر في السلعة في السوق في المزاد العلني فهو باطل، والمشتري أو البائع إذا ظهر له التحايل عليه فله الحق في فسخ البيع، أما سلع المحلات والدكاكين، فإذا جاء الزبون وقال لصاحب الدكان: بكم هذه السلعة؟ فقال: بخمسة، فاشتراها، ثم جاء الثاني وقال: بكم؟ فقال: بخمسة، فقال: أريدها بأربعة ونصف، فقال: لا بأس خذها، ثم جاء الثالث وقال: بكم؟ فقال: بخمسة، فقال: أريدها بخمسة إلا ربع، فلا بأس بهذا. وهذا التفاوت لا بد منه؛ لأن طبيعة الناس المساومة، وإن كان السعر محدداً فلا مانع، ويستريح الذكي والبليد، ولكن إذا كانت هناك مساومة، وحدث هناك شيء من الغبن اليسير، فإن عادة الناس التسامح في المماكسة، والزيادة، أو الغبن الخفيف، الذي لا يؤثر على النفس، أو على المال، أما في حالة الغبن الفاحش، كأن تكون السلعة بخمسة، فيبيعها بخمسين، فهذا غبن فاحش، ولمن وقع عليه الغبن الحق في رد السلعة؛ للغبن الفاحش الذي وقع عليه.

стр. 2021

كتاب البيوع - باب شروطه وما نهي عنه [٨] لقد دلت النصوص الشرعية على تحريم بعض أنواع البيوع، ومن تلك البيوع المحرمة: بيع المحاقلة، والمزابنة، والمخابرة، والثنيا إذا لم تحدد بعينها، وبيع المخاضرة والمنابذة والملامسة؛ لما في هذه البيوع من الغبن والتحايل لأكل أموال الناس بالباطل، وجاء النهي أيضاً عن تلقي الركبان، وعن أن يبيع حاضر لباد؛ لما في ذلك من الإضرار بالبائع والمستهلك.

стр. 2022

شرح حديث النهي نهى عن المحاقلة والمزابنة والمخابرة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيقول المصنف ﵀: [وعن جابر ﵁: (أن النبي ﷺ نهى عن المحاقلة، والمزابنة، والمخابرة، وعن الثُّنْيَا إلا أن تُعلم) رواه الخمسة إلا ابن ماجة وصححه الترمذي] . انتقلنا من ذكر أحكام البيوع التي تعقد في الأسواق، إلى البيوع التي تعقد في المزارع، فإنها محل بيع وشراء أيضاً.

стр. 2023

بيع المحاقلة: صوره وحكمه قوله: (نهى ﷺ عن المحاقلة والمزابنة) المحاقلة والمزابنة: اصطلاح فقهي، مأخوذ من نحت الكلام، محاقلة: مفاعلة، أصل مادتها: حَقَل، والمحاقلة مأخوذة من الحقل، والحقل بمعنى الغيض، بلغة مصر، وسوريا، وغيرها، والحقل موضع الزراعة، والمحاقلة: هي بيع الزرع في حقله بعد خرصه وتقديره بحب مكيل من نوعه، وهذا لا يجوز؛ حتى يشتد الحب في سنبله، وتجب فيه الزكاة، وعلى أي أساس؟ سيأتينا إن شاء الله. فإذا كانت لديك مزرعة قمح، فبعت القمح في سنبله بقمح مكيل من نوعه، فمثلاً: بعت المزرعة بثلاثة أرادب، أو بعشرة أرادب من القمح، فإن ذلك لا يجوز؛ لأنك قدرت ما هو موجود في الحقل -وهو مجهول الكمية- وبعته بما هو معلوم، وكان الثمن من جنسه، وهما صنفان ربويان، ووجد التفاوت بينهما، فأنت أخذت القمح الآن أرادب، وهو أخذه سنابل في عيدانها، وهذا لا يجوز. ومن المحاقلة أيضاً: الإجارة، وصورتها: أن يأتي صاحب الحقل الكبير ويعطيه لمزارع، ويقول له: هذه الأرض تزرعها قمحاً، على أن لي ما ينبت على القناطر، وفي رءوس الجداول، ولك ما كان في وسط الأحياض، أو أجرتك هذا الحقل، أو الأجرة من هذا الجانب الغربي الشمالي. إلخ، فيعين له محلاً من المزرعة، ويجعله أجرة له مقابل عمله، فنهى النبي ﷺ عن ذلك، وجاء عن جابر: (يا أهل قباء! لقد نهى رسول الله ﷺ عن أمر كان لكم فيه خير، ولكن طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ أولى، نهى أن تؤاجر الأرض أو يباع الزرع على ما ينبت على الماذيانات، ورءوس الجداول) ، والماذيانات: القناطر، والقنطرة هي التي يجري فيها الماء ويوزع على الأحواض، فالماء فيها مستمر، وربما يستمر فيها الماء في السقية الواحدة حوالي ثلاث إلى أربع ساعات، فالنبات النابت في القنطرة يشرب ست ساعات، بينما النبات الذي داخل الحوض لا يشرب إلا خمس دقائق أو عشر دقائق، فلا يستوفي من الماء كالذي يستوفيه زرع القناطر، وكذلك ما كان في رءوس الجداول -أي: الأحواض- وهي الفتحة التي عند القنطرة، ويدخل منها الماء إلى الحوض، فإذا كانت مساحة الحوض أربعة في أربعة أمتار، ومدخل الماء إلى الحوض من القنطرة، فالماء يمر على رأس الجدول إلى أن يستوفي الحوض الماء، وآخر الحوض يأتيه الماء متأخراً، ثم ينقطع عنه، فتكون رءوس الجداول التي عند القنطرة قد استوفت ماءً أكثر، بينما آخر الجداول استوفت ماءً أقل، وكلما استوفى الزرع ماءً أكثر كان أكثر إنتاجاً، فجاء جابر وذكر النهي، ثم قال: (فلربما صح هذا وفسد ذاك) ، فلو اتفقت مع الأجير، وحددت له مكاناً معيناً من المزرعة، على أنه أجرة له مقابل عمله، فقد يصاب ذلك الجزء بآفة وتلف. إذاً: الأجرة مجهولة، ولابد أن تكون الأجرة بشيء معلوم، كالدراهم، كأن يقول: أستأجرك لتزرع هذا الحقل براً أو شعيراً -على ما تريد- بمائة درهم، أو بعشرة دنانير، أو بأي شيء معلوم، أو بعشر ما يخرج منها، فهنا صار القدر معلوماً، وكم سيخرج منها؟ لا ندري، فإن كان المحصول كثيراً فسيستفيد منه الطرفان، وإن كان قليلاً فالنقص داخل على الجميع، وكان بعض السلف يكره أن تؤجر الأرض بجزء مما يخرج منها، ولكن قل: أجرتك إياها بإردبين، ولا تشترط أن يكون من منتوج الأرض التي أجرتها؛ لأن الإردبين تحل محل الدنانير والدراهم، أما بجزء مما يخرج منها فلا. والآخرون يقولون: إن هذا مثل الشراكة، فلو تشارك اثنان على جزء من الربح، وهما لا يعلمان كم الربح، لكن هذا التعامل أقره الإسلام، وهو ما يسمى بالمضاربة، فتدفع المال لشخص يعمل، وله نصف الربح -مثلاً- وهو لا يعلم كم سيربح، ولا يعلم كم سيكون نصفه، وأنت لا تعلم كم ستربح، وكم سيكون نصفك، ولكنها مخاطرة، إلا أنها معاملة جائزة، والعمل جارٍ عليها. فكذلك المحاقلة على جزء مشاع، بنسبة مئوية فيما يخرج من هذه الأرض.

стр. 2024

بيع المزابنة والمزابنة: من الناس من يقول: المزابنة: هي عين المحاقلة، والمزابنة: من الزبن، والزبن: الدفع، ومنه الزبانية -عياذاً بالله- فقالوا: سميت المحاقلة مزابنة؛ لأن كلاً من الطرفين: البائع، والمشتري، والمؤجر، والمستأجر، يدفع عن نفسه الغبن.

стр. 2025

المخابرة: صورتها وحكمها قوله: (والمخابرة) . المخابرة: مأخوذة من خيبر، وبعض الناس يقول: هذا كان خاصاً برسول الله ﷺ ، ولكن الصحيح أن المخابرة على ما كان عليه أهل خيبر، والرسول ﷺ لما فتح الله عليه خيبر، أتاه اليهود وقالوا: يا محمد! نحن أعلم بالزراعة، ومتفرغون لها، دعنا نخدمك فيها، فقال ﷺ : نقركم ما أقركم الله، وأعطاهم إياها على النصف مما تُخرج، وكان هذا العقد على كل أرض خيبر: نخيلها، وما يأتي به من التمر والرطب، وكرومها، وما يأتي به من العنب، وأرضها البيضاء، وما تأتي به من الحب، فيجمع الجميع ويعطى نصفه لرسول الله ﷺ . وبعضهم يقول: كانت المخابرة على النخل فقط. وقد جاء أن عبد الله بن رواحة أرسله النبي ﷺ ليخرص عليهم، والخرص: التقدير، وهذه طريقة تقريبية، وتكون في الزكاة، فيأتي العامل، ويقف عند نخلة، وينظر كم فيها من عرجون، وما فيه من الرطب والبسر والزهو لو أثمر وصار تمراً كم يأتي؟! ويقدر كل نخلة بما يترجح عنده، فإن كان للزكاة قدر على صاحب البستان وقيل له: زكاتك كذا؛ لأننا قدرنا أن هذا النخيل سيأتي بكذا وسق، وعليك كذا، وهو نصف العشر، أو العشر. فلما جاء ابن رواحة ولقيه اليهود -عملوا على طريقتهم- جمعوا له من حلي نسائهم، وقالوا: خذ هذا لك، وخفف عنا. أي: أنه إذا كان فيها ألف وسق، سنكون ملزمين بخمسمائة، فأنت قدر الألف بستمائة، فيكون علينا ثلاثمائة بدلاً من خمسمائة، وعوض ذلك أن تأخذ هذا لك. فقال لهم: يا إخوة الخنازير! والله لقد جئت من أحب الناس إلي، ولأنتم أبغض الناس عندي، ووالله ما حبي لرسول الله ﷺ وبغضي إياكم حاملي على أن أحيف بكم، إني مقدر، فإن شئتم فخذوا والتزموا، وأعطونا نصف ما قدرت، وإن شئتم فارفعوا أيديكم، وألتزم لكم بنصف ما قدرت. فقالوا: بهذا قامت السماوات. أي: بعدم قبول الرشوة، وبالعدالة، فحينما يقدر فيها ألف وسق، فإما أن تلتزموا بخمسمائة، أو أنا ألتزم لكم بخمسمائة، وليس في هذا إجحاف! يلتزم لهم بنصف ما قدر، أو يرضى منهم بنصف ما قدر. فبعضهم يقول: المخابرة كانت خاصة برسول الله ﷺ ، ولكن الآخرين يقولون: بل هذا تشريع عام، وقد بقيت إلى زمن عمر، وبقيت معاملتهم بذلك حتى أجلاهم عمر رضي الله تعالى عنه لما بلغه حديث: (لا يجتمع دينان في جزيرة العرب) . إذاً: المخابرة نوع من المعاملة في الزراعة بجزء مما يخرج من الأرض، فإن كان هذا الجزء معيناً: النصف، أو الربع، أو الثلث؛ فلا بأس بذلك.

стр. 2026

بيع الثُنيا: صورته وحكمه قال: (وعن الثنيا إلا أن تعلم) . الثنيا: من الاستثناء، والاستثناء مأخوذ من الخيط الممتد إذا أثنيته، أي: تعيد آخره على أوله، وهنا البستان فيه مائة نخلة، فقلتُ: بعتك المائة نخلة، وأستثني لنفسي خمساً، فالاستثناء عاد على المبيع، فأخرج بعضاً منه، فهذه هي الثنيا. والخمس هذا إن كان معلوماً، كأن يكون النخيل مرقماً، ثم عين الخمس من الواحد إلى الخمسة، أو عين رقم عشرين أو واحد وعشرين. إلخ، أي: أنه عينها، أو عين الخمس الموجود حول البركة، أو الخمس الموجود في الطرف الفلاني، وتكون معلومة للطرفين، فحينئذٍ يصح البيع، لكن إذا لم تكن معلومة، كأن يقول: بعتك المائة، واستثنيت لنفسي عشراً، فأين هذه العشر؟ فحينما يبدأ الرطب فتذهب وتتخير العشر، وهذا فيه إجحاف على المشتري، أو هو يفرض عليك عشراً، فهذا فيه ضرر وغبن، ولكن إذا علمت الثنيا عند العقد، فسواء كانت أجود الموجود، أو كانت أقل الموجود جودة، فإنها معينة، وكذلك قطيع الغنم، كأن يقول: بعتك ألف شاة إلا مائة، فيجب أن تعلِمْها، ويجب أن تعزلها، وهكذا مائة ثوب إلا خمسة فإذا كانت الأجناس متساوية، وفيها بعض التفاوت، أي: من جنس واحد، ولكن فيه بعض التفاوت، فلابد من تحديده، ولابد من تعيينه بعينه؛ لئلا يقع النزاع عند الاستلام. والله تعالى أعلم.

стр. 2027

شرح حديث النهي نهى عن المحاقلة والمخاضرة قال المصنف ﵀: [وعن أنس قال: (نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة والمخاضرة والملامسة والمنابذة والمزابنة) رواه البخاري] . هذه المسميات -المحاقلة والمزابنة والمخابرة- صور من صور البيع التي كانوا يتعاطونها، وفيها ضرر على البائع، وعلى المشتري.

стр. 2028

النهي عن بيع المحاقلة وعلة ذلك المحاقلة: من الحقل، وهو محل الزرع، أو الأرض الخصبة المنبتة، فإذا إنسان زرع قمحاً، أو شعيراً، أو ذرة، أو نحوه، فيبيع ما فيه من الحبوب بخرصه كيلاً، فكم يمكن أن يكون في هذا الحقل إذا حصد وصُفي؟ يمكن أن يأتي مثلاً بعشرة أرادب، فيقول المشتري: أنا أشتريه منك الآن بتسعة، أو أشتريه منك الآن بعشرة، أو بأي تقدير كان، أي: يبيع المجهول من الحب في الحقل بمعلوم بالكيل من جنسه، وهذا منهي عنه؛ لأن فيه غرراً؛ ولأنه إذا كان المبيعان من جنس واحد وبيعا ببعضهما؛ وجب الحلول، والتقابض، والتماثل، وحتى لو بيع بغير جنسه -بطريقة المحاقلة- كان فيه الغرر، فلو اشترى حقل الحب -وقد رما فيه بعشرة آرادب- بخمسة آرادب من تمر، فإن الحب مع التمر ربويان، ولكن لاختلاف الأجناس يجوز التفاضل، ولكنه هنا -أي: في بيع المحاقلة- لا يجوز؛ لوجود الغرر، فإن التمر معلوم الكيل، والحب في الحقل مجهول الكيل، ولا نعلم كم سيحصد منه.

стр. 2029

بيع المخاضرة: صورته وحكمه وقوله: (والمخاضرة) . المخاضرة: هي بيع الزرع أخضر ولم ينعقد الحب فيه بعد، فيقدر كم سيكون إذا طلع السنبل، وإذا طلع الحب، وانعقد في سنبله، وصُفي، كم سيكون؟ وكذلك أنواع الخضروات بجنسها موزوناً أو مكيلاً، فكل ذلك يلحقه الغرر، فنهي عن بيعه.

стр. 2030

بيع الملامسة: صوره وحكمه وقوله: (والملامسة) . الملامسة تقدم الكلام عنها، وهي: أن يقول البائع: أيَّ ثوب لمسته من مجموع هذه الثياب فهو لك. أو تكون مبادلة ثوب بثوب، وكل منهما قد لف ثوبه ولم ينشره، فلا يراه الآخر، فيقول له: هذا الثوب بيدي، أبيعه عليك بالثوب الذي في يدك، وبمجرد ما ألمس ثوبك وتلمس ثوبي ينعقد البيع، وهما لا يعلمان ما بداخل الثوبين، فقد يناسبه في تفصيله، وفي حجمه، وقد لا يناسبه، وقد يكون فيه عيب مستتر لا يراه، وكل ذلك منهي عنه، وقد تقدم التنبيه على ما كان من اللعب المشابه لهذا، وصورته أن يجعل سهماً كعقرب الساعة، ويدار على سلع موزعة، فما وقف السهم عليه فهو له، فهذا أيضاً من الملامسة المنهي عنها؛ لأنه لا يعلم على أي سلعة سيقف السهم، والسلع عادة تكون متفاوتة، فمنها ما يساوي درهماً، ومنها ما يساوي عشرة، وفي هذا إغراء للمتلاعبين، أو المتعاقدين على أن يظفر بشيء قيمته كبيرة بثمن قليل.

стр. 2031

بيع المنابذة: صورته وحكمه قوله: (والمنابذة) . المنابذة: قريبة من الملامسة، ولكن المنابذة من النبذ، -والنبذ: الطرح، والرمي، فمثلاً: يقول: أيَّ ثوب نبذته إلي فأنا آخذه بكذا، سواء كانت السلع متساوية، أو كانت السلع غير متساوية، فمثلاً: نجد الآن في الوقت الحاضر لوحات على بعض الدكاكين: كل شيء بخمسة ريال، كل شيء بعشرة ريال، أي أن الثمن متعادل، فيأتي صاحب الدكان ويقول: أي شيء بخمسة ريال، والأثمان متعادلة، وأيَّ شيء نبذته إليك فهو بخمسة، لكن المشتري لا يعلم ماذا سينبذ إليه، فربما نبذ إليه شرّاباً وهو يريد غترة، وربما نبذ إليه ثوباً وهو يريد قميصاً، إذاً هذا معلق على اختيار أحد الطرفين، فلا يجوز ذلك. وكذلك إذا كان العكس، كأن يقول: ما دامت كل السلع عندك بخمسة ريال، فأي سلعة سقطت عليها الخمسة الريال فهي لي، وإن كان الغبن هنا مرتفعاً، إلا أن المانع هو عدم تعيين المبيع عند العقد، وكل هذا منهي عنه؛ سداً للباب فيما لو كانت السلع متفاوتة الأثمان.

стр. 2032

حكم بيع المزابنة وقوله: (والمزابنة) . المزابنة: من الزبن، وهو الدفع، قالوا: المزابنة، والمحاقلة، والمخاضرة، كلها تدخل في المزابنة؛ لأن كلا المتعاقدين يدفع عن نفسه الغبن، ويكون ذلك بالمخاطرة، فهي أيضاً ممنوعة لهذا السبب.

стр. 2033

شرح حديث النهي عن تلقي الركبان قال المصنف ﵀: [وعن طاوس عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تلقوا الركبان، ولا يبع حاضر لباد) قلت لـ ابن عباس: ما قوله: ولا بيع حاضر لباد؟ قال: لا يكون له سمساراً. متفق عليه واللفظ للبخاري] .

стр. 2034

القاعدة العامة في معرفة البيوع المحرمة لو تأملنا في كل ما جاء النهي عن بيعه فإننا نجد عنصر التحفظ عن أكل أموال الناس بالباطل هو السبب البارز في النهي عن جميع البيوع المحرمة؛ لأن من أخذ شيئاً مخاطرة، وكان فيه غبن، كان فيه أكل لأموال الناس بالباطل، فإذا وقع الغبن على البائع فقد خسر شيئاً، وأكله المشتري بالباطل، أو وقع الغبن على المشتري في الثمن، فقد نقص عليه شيء، وأكله البائع بالباطل، وهكذا كل هذه الصور يقع فيها أكل أموال الناس بالباطل، وتدخل تحت قوله سبحانه: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة:١٨٨] ، وقوله ﷺ : (المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه) ، والمال لا يحل إلا بطيب نفس من صاحبه، فمهما كانت صفة العقد وصورته وشروطه -وقد وجدنا في الآونة الأخيرة صور عقود لم تكن في السابق- فإنها لم تفلت من نطاق القواعد العامة التي فيها احترام مال المسلم، وتحريم أكله بالباطل.

стр. 2035

النهي عن تلقي الركبان: صوره وما يتعلق به من أحكام وهنا نهى ﷺ عن تلقي الركبان، والتلقي: هو الاستقبال، قال الله تعالى: ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٣] ، والركبان: جمع راكب، والمراد: الجالب، سواء جاء على قدميه، أو جاء راكباً بعيراً أو فرساً، وقد صار هذا الاسم علماً على كل من يجلب إلى السوق؛ لأن الغالب أن الجالب يأتي من بعيد، وغالباً يأتي راكباً، أي: يركب ما يحمل عليه السلع، فنهى ﷺ عن تلقي الركبان. والركبان إما أن يكونوا قادمين من البادية، أو قادمين من بلد أخرى حاضرة للبيع في هذه البلدة؛ لاختلاف الأسعار، ولكثرة الحاجة، ولقلة السلعة، وهذه أمور تحكمها حالة الأسواق. ولنفترض المسألة في البادية: فإذا جاء الجالب من البادية، فإنه سيأتي بإنتاج البادية، وإنتاج البادية إما أن يكون بهيمة الأنعام، وإما أن يكون نتاجها من ألبان، أو أصواف، أو جلود، ونحو ذلك، وإما حطباً يحتطب من الجبال، ونتاج بهيمة الأنعام يكون سمناً، ويكون أقطاً، كل هذا من إنتاج البادية، فإذا جاء البدوي بسلعة، ويريد أن يبيعها في المدينة، ويشتري بثمنها سلعاً أخرى من السوق، فهو أتى بسمن أو حطب أو جبن، فباع واشترى سكراً، أو قماشاً، أو قهوة، أو هيلاً. إلخ، وهذه هي العادة، فإذا قدم ركبٌ بسلع بدوية، فلا ينبغي لأحد من أهل السوق أن يخرج من السوق، أو يخرج من البلدة ويتلقاهم قبل أن يصلوا إلى السوق، وقبل أن يعرفوا الأسعار، فيساومهم على ما معهم؛ لأنه بتلقيه للركبان يقطع السلع عن أهل السوق. ومن أين يكون التلقي؟ بعض العلماء يقول: يكون التلقي بمجرد خروجه من السوق، وبعضهم يقول: ميلاً، وبعضهم يقول: ميلين، وبعضهم يقول: أكثر، أو أقل، ولكن الأصل العام في ذلك: أن يتلقاه قبل أن يأتي ويلتقي بالناس، ويعرف الأسعار، وبعضهم يقول: التلقي من السوق إلى الطريق ليس فيه شيء؛ لأنه موجود، ولكن التلقي المنهى عنه فيما إذا كان خارج المدينة، فإذا خرج من المدينة، ولقي الركبان خارج المدينة، وساوم واشترى، فهذا هو المنهي عنه، ولكن إذا نظرنا إلى العلة، وهي قطع الاستفادة من السلعة عن أهل السوق، فيتفرد بالبادي، ويشتري منه وهو يجهل السعر، إذاً: سواء تلقاه خارج السوق، أو تلقاه خارج المدينة، فالعلة موجودة. وهنا تتشعب المباحث: فلو أنه خرج وتلقى الراكب، واشترى منه، ثم جاء صاحب السلعة إلى السوق، ووجد أن الذي تلقاه قد غبنه، وأخفى عليه سعر السوق، فله الفسخ، وهو بالخيار، وإذا كان له الخيار فهنا مبحث للفقهاء، وهو: هل العقد الذي انعقد هناك أثناء التلقي سارٍ أو غير سارٍ؟ الجمهور يقولون: هو عقد سارٍ؛ لأن الرسول ﷺ أعطاه -أي: صاحب السلعة- الخيار، والخيار لا يكون إلا عن عقد ثابت، ولو لم يكن ثابتاً لقال: العقد فاسد. وهل النهي عن تلقي الركبان شامل لكل صغير وكبير، ولكل زمان؟ بعض العلماء -وخاصة علماء الحديث- قالوا: في كل صغيرة وكبيرة، وفي كل زمن: خصب، أو جدب، وسواء كان الجالب عالماً بأحوال السوق، أو ليس بعالم، وأخذوا الحديث على عمومه، والآخرون نظروا إلى العلة في النهي، والعلة في النهي هي: غبن البدوي فيما جلب من سلعة، فقالوا: إن كان قد جاء بسلعته، يريد أن بيعها في يومه، وهو لا يعلم الأسعار، ففي مثل هذا يكون النهي، وهذا بخلاف المتردد على السوق الذي يعرف الأسعار، والأسعار من يوم إلى يوم لا تختلف كثيراً، فإذا كان خبيراً بأمر السوق، فلا محظور في ذلك، إن كان قد نوى بيعها في يومه. إذاً: الشرط الأول في تحقق النهي: أن يكون الجالب لا يعرف أسعار السوق، الثاني: أن يكون الجالب جلبها ليبيعها في يومها. ويقول بعض العلماء أيضاً: أن تكون بالناس حاجة إلى تلك السلعة. والبعض الآخر يقول: سواء كانت هناك حاجة للسلعة، أو لم تكن، والذي يهمنا هو الجالب، فإذا كان الجالب جلبها ليبيعها في يومه، وكان لا يعلم الأسعار، فتلقاه إنسان واشتراها منه، ثم جاء إلى السوق فوجد أنه قد غبن، فله الحق في فسخ البيع؛ لأن المشتري قد غبنه وخدعه. وكون الناس في حاجة إليها، أو ليسوا في حاجة إليها، هذا يشترطه البعض، وينفيه البعض الآخر، ويقول الإمام أبو حنيفة ﵀: أو إذا تلقاه وباع له وهو لا يعلم فلا مانع؛ لأنه نصح، لكن إذا كان سيشتري منه فأين النصح؟ النصح يأتي عند (لا يبع حاضر لباد) ، وسيأتي تفصيله إن شاء الله. وهناك من يقول: يجب أن نراعي أصحاب السوق؛ لأنه إذا تلقى الركبان، وأخذ السلعة من هناك، والناس في السوق ينتظرون مجيء الجلب، وهذا قد سبقهم إلى الجلب وحاز السلعة، ففيه مضرة على المستهلك، وعلى أهل السوق، وقد جاء في الحديث: (أحب لأخيك ما تحب لنفسك) . إذاً: مبدئياً نهى ﷺ عن تلقي الركبان. ونظير هذا أيضاً: لو أن شخصاً ذهب وحمل سيارة كبيرة -كهذه التي يسمونها (سكس) - بالأسمنت والشعير، وبالسلع التي يحتاجها أهل البلد، وهو لا يعلم أسعار المدينة، فذهب إنسان إلى (الفريش) وتلقاه، وتبايع معه على حمولة السيارة وغبنه، فباعه، ثم جاء إلى السوق فوجد نفسه قد غبن، لا سيما -كما يذكر الفقهاء- إذا قام المتلقي بالخداع، كأن يقول له: المدينة مليئة بهذه السلع، والناس غير محتاجين إلى هذا، لكن سآخذ منك هذه السلع وأجعلها عندي، ومن ثم أصرفها على مهل، أما أنت فإن جئت إلى السوق فستجد عشرات السيارات كسيارتك، وستجد المستودعات مليئة، ولكن أنا أستطيع تدبيرها، مع أن المدينة ليس فيها ولا سيارة واحدة، ولا شيء من هذه السلع، فيكون قد غره وغشه، وحمسه إلى البيع مخافة ألا يجد من يشتري؛ لأن السوق يقوم على العرض والطلب، فإذا كان العرض كثيراً والطلب قليلاً نزلت السلعة، وإذا كان العكس ارتفعت السلعة. فقالوا: إذا كان قد خدع المتلقي الجالب، وهوّن عليه أمر سلعته، وهوّن عليه أسعار السوق، سواء كان بادياً أو حاضراً، فكل ذلك داخل في هذا النهي؛ لأن الغرض وراء ذلك كله هو أكل أموال الناس بالباطل.
следующие страницы →