← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7714

شرح بلوغ المرام لعطية سالم

عطية سالم

Полный текст (2 523 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

النهي عن بيع اللبن في الضرع قال: (ولا لبن في ضرع) . هذا تقدم الكلام عليه، وأنه لا يجوز؛ لأننا لا نعلم كم مقدار اللبن في هذا الضرع، والضروع تختلف أحجامها، فهناك الضرع متين اللحم يظهر فيه القليل كثيراً، وهناك الضرع رقيق اللحم يظهر الكثير فيه قليلاً، إذاً: هناك غرر محقق.

стр. 2102

حكم بيع المغيب في الأرض وفي هذا الحديث يتوسع الفقهاء فيما يتعلق بحالة الفلاح، والفلاح قد يحتاج في ظروف ما إلى بيع نتاجه، فإما أن نقول فيها بالتسامح، وأنه من الغرر المعروف الذي يقبله الطرفان، ويأتي ذلك في بيع ما كان مقصوده في باطن الأرض، كالجزر والبصل والثوم والقلقاس والبطاط، فإن المقصود منها يكون فيما هو في بطن الأرض. فإذا كان عند إنسان حقل من الجزر، فلو أخذ في كل يوم حوضاً من الحقل بقدر ما يستطيع، وقلعه وغسله وذهب به إلى السوق وباعه عياناً للناس، فالحمد لله، وهذا من أحسن ما يكون، ولكنه أراد أن يبيعه مرة واحدة ويرتاح من عناء السوق والذهاب والإياب، فأتى بتاجر ونظر في الحقل -مع أنه لا يرى المقصود شراؤه؛ لأنه في بطن الأرض- فاتفقا على البيع والشراء، فهل يجوز هذا؟ الذين يمنعون بيع الصوف على الظهر واللبن في الضرع يمنعون هذا؛ لأن هذا مجهول، والذين أباحوا البيع قالوا: يباع على الأنموذج، ومعنى الأنموذج: أن يأتي التاجر إلى الحوض الذي فيه الجزر، والثمرة في الحوض الواحد قد تختلف لاختلاف قربها من الماء، فما كان قريباً من الماء وتطول مدة سقيه فإن ثمره سيكون أجود وأكثر، فالتاجر يأتي إلى مدخل الحوض ويقلع اثنين أو ثلاثة -وهذا هو النموذج- ويذهب إلى طرف الحوض الآخر ويقلع اثنين أو ثلاثة -ويكون هذا نموذجاً ثانياً- ويأتي إلى وسط الحوض ويقلع اثنين أو ثلاثة -ويكون هذا نموذجاً ثالثاً- فإذا أخذ العينة من الأماكن الثلاثة استطاع أن يعمل نسبة متوسطة بين النماذج الثلاثة، وكم سيخرج من هذا الحوض عند قلعه؟ قنطار أو قنطاران أو نصف قنطار، ويخرجه في يوم واحد أو في يومين أو في ثلاثة، بشرط ألا يخرج من الأرض ما يداخل الموجود عند العقد، وأكثر تفصيل هذا المسألة عند المالكية والحنابلة. فإذا تم معرفة مقدار المغيب في بطن الأرض برؤية النماذج، وقد صلح أكله -أما إذا لم ينضج فلا؛ لوجود الغرر- ويكون البيع على ذلك، وقد نص بعض الفقهاء -وخاصة الحنابلة- على جواز بيع مثل هذه الصورة، وكذلك بقية ما كان غائبه مطلوباً، فمن أجازه قال: انتفى الغرر نسبياً، ومن منعه قال: لا يخلو من الغرر، ولا يمكن لأي بيع في العالم أن يسلم من الغرر. وما هو السبب في فرق الربح والخسارة؟ التاجر يشتريها بمائة ويبيعها بمائة وعشرة، فهذه العشرة يدفعها المستهلك وهي غرر عليه، لكنه لا بد من هذا الغرر البسيط، والتسامح فيه من أجل رواج السلع، وقد أشرنا إلى مسألة الثلاثة الذين يدخلون الحمام، فواحد يستهلك خمسة لتر، وواحد يستهلك عشرة لتر، والأجرة واحدة. وكذلك: ثلاثة يركبون الطائرة، فواحد وزنه مائة وخمسون كيلو، وواحد وزنه ستون كيلو، وسعر تذكرة كل واحد مساوٍ للآخر، وهذا فيه غرر على شركة الطيران، ولكن يتسامح في هذا. إذاً: هناك أمور من الغرر لا بد من التسامح فيها، والله تعالى أعلم.

стр. 2103

شرح حديث النهي عن بيع المضامين والملاقيح [وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: (أن النبي ﷺ نهى عن بيع المضامين والملاقيح) رواه البزار وفي إسناده ضعف] .

стр. 2104

معنى بيع المضامين والنهي عنه في نهاية هذا الباب الطويل يسوق المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث في نهي النبي ﷺ عن بيع المضامين والملاقيح، وقد فسرها العلماء بأن المضامين هي: الحمل ضمن بطن الأم، وقد تقدم النهي عن مثل هذا في النهي عن بيع ما في بطون بهيمة الأنعام حتى تضع، وكذلك هنا كل ما كان مغيباً مضمناً في غيره مجهولاً فقد نهى ﷺ عن بيعه، أصالة في الأجنة في البطون، وتبعاً لكل ما هو على هذا المنوال، وقد ذكرنا سابقاً: لو أن إنساناً أتى بصناديق وبعلب وقال: فيها كذا، وسأبيع ما فيها دون أن نفتح العلبة، أو نرى مضمونها، أو نفتش ما فيها، فلا يجوز هذا البيع؛ لأن فيه غرراً.

стр. 2105

معنى بيع الملاقيح والنهي عنه والملاقيح، يقولون: إنها من التلقيح، والتلقيح -وهو في النخل التأبير- هو: إضافة طلع الفحل إلى النخلة، وكذلك في جميع الحيوانات: إضافة ماء الذكور إلى ماء الإناث، فتتلقح الأنثى من ماء الذكر، فالتلقيح والملاقيح من اللقاح، واللقاح يكون من جانب الذكر، فإذا كان هناك فحل نجيب يرغب الناس في نسله وسلالته، فجاء إنسان لصاحبه وقال: أشتري منك لقاح هذا الفحل، فهذا لا يجوز؛ لأنه ليس كل لقاح يكون منه إنتاج، ثم لا يدرى متى يأتي هذا اللقاح، وإذا لقح الأنثى كيف يكون هذا النتاج؟ وكل ذلك يجري في مجرى الغرر كما تقدم في أول الباب. وهناك ناحية تدخل في هذا الباب، وهي ما إذا كان لدى إنسان أنثى من بهيمة الأنعام، وهناك فحل من فحول هذا الجنس عريق السلالة، ورغب في لقاح هذا الفحل، فذهب بالأنثى التي عنده ليلقحها من ذلك الفحل، فهل يشتري لقاح الفحل؟! نقول: نهى ﷺ عن ضراب الفحل) ، ولكن إذا كان صاحب الأنثى راغباً في تحسين نسل أنثاه فإن له أن يكارم، كما قال الرجل لرسول الله ﷺ لما نهى عن ضراب الفحل: (يا رسول الله! إنا نكارم على ذلك) ، أي: يأتي صاحب الأنثى وعندنا الذكر فنطلقه عليها يلقحها، فيكارموننا على ذلك، أي: يعطوننا شيئاً مكرمة وليس مشارطة، وليس بيعاً ولا شراءً، حتى قال بعض العلماء: ربما يأتون بالعلف لهذا الفحل مقابل هذا الجهد الذي بذله وتلقحت به الأنثى، فمثل هذا العمل لا بأس به، ما دام أنه على سبيل الهدية والمكارمة، وليس على سبيل البيع والمشارطة، ولا تقل: أشتري ضراب فحلك بكذا، أو تلقيحه للأنثى عندي بكذا، ولكن اتركه عليها أو أطلقه عليها، فلا بأس. وقد ذكر عن مالك ﵀: أن لصاحب الإبل أن يستأجر الجمل الجيد الذي يرغب في سلالته يومين أو ثلاثة أو أسبوعاً يسرح مع إبله، ويلقح ما تيسر له، فلا مانع في مثل ذلك. واستنجاب النسل أمر معروف ومرغوب، وقد كان من عادات أهل الجاهلية السيئة -وقد قضي عليها والحمد لله- أن الرجل إذا أحب أن يكون له ولدا فارسا أو شاعرا أو كريما، فإنه ينظر من يتصف بذلك من قومه أو من غيرهم، فيرسل زوجته -بعد أن تطهر من حيضتها ولا يمسها- إلى ذلك الرجل، وتبقى عنده إلى أن تشعر بأنها قد حملت، فتعود إلى زوجها ويعاشرها الحياة العادية، فتنجب على فراشه، ويكون أصل الإنجاب وأصل التلقيح من ذلك الرجل، فيخرج الولد مشابهاً لأبيه في الشجاعة أو الفصاحة والبلاغة أو الحكمة أوالكرم، أو الشعر وكانوا يسمون هذا الفعل: نكاح الاستبضاع. تقول عائشة رضي الله تعالى عنها في هذا: (كان النكاح في الجاهلية على أربعة أنحاء) أي: أربع صفات، وذكرت هذا منها، ومنها: أن تخطب المرأة من وليها فيصدقها الخاطب ويتزوجها، أي: مثل النكاح الذي عندنا اليوم، فألغى الإسلام كل تلك الأنواع وأبقى النكاح بخطبة المرأة من وليها ويمهرها صداقها ويدخل عليها وينفرد بها.

стр. 2106

النطف المجمدة والتلقيح الصناعي والآن يوجد في جميع وزارات الزراعة والمؤسسات الكبرى استجلاب النطف المجمدة، وهو ما يسمى: بالتلقيح الصناعي، والتلقيح الصناعي كان يجري حتى على بني الإنسان، وكانت ترتكب فيه الجرائم، ونقابات الأطباء تجرم كل طبيب أجرى عملية تلقيح صناعي لامرأة بماء غير زوجها، ويقولون: إن هذه جناية، فالمؤسسات تأتي بلقاحات لفصائل فارهة، سواء كانت من ذات اللحم، أو من ذات الجري، أو القوة، فيأتون بها محفوظة بطريقتهم الخاصة، ثم يلقحون الإناث من تلك الأجناس بتلك اللقاحات المشهورة، أو المعروفة، أو المرغوب فيها، فيأتي النتاج مهجناً، ويأتي على حسب أصالة ورفاهة الأصل الذي أخذت منه النطف ولقحت به الإناث. فالملاقيح لا يجوز بيعها، ولكن يجوز المكارمة عليها، ولا يجوز نقل نطفة بالنسبة للإنسان عن طريق التلقيح الصناعي، ولا بأس في الحيوان؛ لأن الحيوان ليست له محارم وليس له سلالة نسب، فإنه كلما كان فيه من إصلاح النوعية وتحسينها كان أفضل، ولا بأس بذلك، والله تعالى أعلم.

стр. 2107

كتاب البيوع - باب الخيار المعاملات في الإسلام مبنية على عقود، والعقود عادة إنما تتم بالإقرار والموافقة، ومن هذه العقود عقود البيع إذ تدخل تحت هذا، إلا أنه من سماحة هذا الدين أن أجاز لمن رأى التراجع عن بيعه أن ينقضه برضا الطرف الثاني عن طريق الإقالة، وهذا مبني على التسامح.

стр. 2108

شرح حديث: (من أقال مسلماً بيعته أقال الله عثرته) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (من أقال مسلماً بيعته أقال الله عثرته) رواه أبو داود وابن ماجة وصححه ابن حبان والحاكم] . قبل البدء في شرح هذا الحديث ننبه إلى موضوع التلقيح الاصطناعي؛ لأنه ربما يدخل في الشجر عن طريق التطعيم، كأن تكون شجرتين متجاورتين ومن فصيلة واحدة كالأملاح، فيؤخذ غصن من هذه، ويضبب ويجرح، مع غصن من هذه يضبب ويجرح، ثم تدبس الضبتان معاً ويوضع عليها الطين، وتلف بالخرق، ثم يوالى عليهما صب الماء، ثم هاذان الغصنان سينبت منهما جذور جديدة، ثم تفصل هذه الأغصان وتزرع من جديد كشتلة، فتأتي الثمرة جامعة بين خصائص الشجرتين، فمثلاً: ما يسمى بيوسف أفندي هو من برتقال وليمون، وهذا نوع من تلقيح شجرة بشجرة. على كل: هذا باب واسع في مجاله، والذي يهمنا النهي عن بيع الملاقيح، ولكن يجوز أن يكارم صاحبه عليه. انتقل المؤلف ﵀ إلى حديث خاتمة الباب، وهو نعم الخاتمة، وهو يأتي على جميع صور البيع، وعلى جميع العقود اللازمة، ما عدا ما يدخل فيه المحرمات كالنكاح والطلاق، وذكر هذا الحديث عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: (من أقال مسلماً أقال الله عثرته) ، هنا قيد (المسلم) ، وفي رواية: (من أقال نادماً أقال الله عثرته يوم القيامة) .

стр. 2109

تعريف الإقالة وصورتها الإقالة هي المسامحة والرفع، تقول: أقلني من العقد. أي: سامحني فيه وارفعه عني. وهذه من أحسن مكارم الأخلاق بين المتبايعين، وتدل على كرم النفس والسماحة، والتماس العذر وقبوله من الأخوة، وهي معروفة قبل الإسلام وفي الأمم الماضية، وقد جاء عن نبي الله داود ﵇ حينما أوحى الله إليه: أن ابنِ لي بيتاً في بيت المقدس، وأراه المكان الذي يبني فيه البيت -أو المسجد- وكان الموضع ملكاً لرجل من بني إسرائيل فاستدعاه، وقال له: ثامني على هذا الحوش؛ لأبني فيه بيتاً للرب سبحانه. قال: اشتر. فقال: بمائة ألف. قال: بعتك، ثم قال: يا نبي الله! أستنصحك: الأرض أحسن أم الثمن؟ قال: استنصحتني؛ الأرض أحسن. قال: أقلني. قال: أقلتك. قال: اشتر. قال: بمائتي ألف. قال: بعتك، ثم قال: أستنصحك: الأرض أم الثمن. قال: الأرض. قال: أقلني. خمس مرات. يهمنا في هذا الخبر: أنه طلب من نبي الله أن يقيله فأقاله، وفي الخبر: النصح لله ولعامة المسلمين، وهذا نبي معصوم من الغش، فنصح للرجل بالحق، ولو كان ذلك على نفسه هو؛ حتى ارتفع السعر خمسة أضعاف، وذلك نتيجة النصح والصدق، أخيراً لما تعب داود ﵇ من الرجل قال له: سم ما شئت أعطه لك. قال: أو تفعل؟ قال: نعم، قال: تملأه علي إبلاً وبقراً وغنماً. قال: قبلت. ودعا بني إسرائيل ليجمعوا في الحوش من تلك الأنعام حتى ملئوه. يهمنا في هذا وجود عنصر الإقالة، وصورة الإقالة كما أشارت رواية الحديث الأخرى: (من أقال نادماً) : رجل اشترى السلعة برغبة منه، ثم بعد ذلك بدا له أمر وندم على شرائها، قد يكون كطلبة العلم، يرى الكتاب في المكتبة فيعجبه، ثم يرجع إلى مكتبه ليضعه ضمن الكتب فيجده موجوداً عنده، وكثيراً ما يقع هذا، فيرجع إلى صاحب المكتبة: أنا أخذت الكتاب فوجدته موجوداً عندي في المكتبة، وندمت على شرائه، تقيلني؟ فهنا إن كان صاحب المكتبة كريم النفس، يحب لأخيه ما يحب لنفسه، يقيل عثرات الإخوان سيقول: لا عليك يا أخي، بكم أخذته مني؟ تفضل هذا ما دفعته، هذه هي الإقالة، وهي لا تتقيد بزمن.

стр. 2110

جواز وقوع الإقالة من البائع والمشتري أصل المبحث في الإقالة هو حول نقطة أصولية هي: هل الإقالة بيع أم فسخ؟ إن قيل: إنها بيع فيجري فيها أحكام البيوع، وإن قيل: فسخ، فتجرى عليها أحكام الفسخ بأن يرجع الأمر إلى ما كان عليه قبل العقد: يأخذ المشتري الثمن الذي دفع، ويرد السلعة التي أخذ، أما إذا قلنا: إنها بيع، دخلتها المساومة أرد الكتاب؟ كم ستدفع؟ كم ستنزل من الثمن؟ أعطيك واحد في المائة ورد الباقي، أو البائع ندم وجاء إلى المشتري وقال: ندمت على بيعه لأنه ليس عندي غيره. أي: أن الندم قد يكون من البائع أو من المشتري، فكلٌ منهما قد يعتريه الندم، وقد يضطر إنسان أن يقدم سلعة للبيع لضرورة نزلت به، وهذه السلعة من ألزم ما تكون عليه، ثم يندم ويستعيض عنها ويريد أن يرجعها، كرجل اضطر إلى مال وليس عنده، فجاء لزوجه -وكانت خيرة- فقالت له: خذ، بع هذا. فأخذه على استحياء وانكسار نفس، كيف يحتاج ويمد يده إلى مال الزوجة، وهو الذي قد أعطاها إياه منحة من عنده؟ لكن للضرورات أحكام، فذهب وباع. بعد قليل جاء الله بالفرج من جانب آخر؛ فندم على بيع ما كان لا ينبغي أن يبيعه، فجاء إلى المشتري وقال: أنا ندمت، بعتك المصاغ في حالة اضطرار، والآن فرج الله الأمر، وأريد أن أرد المصاغ لأهله. إذاً: الندم جاء من البائع، كما أنه يأتي من المشتري، وحينئذ المشتري أيضاً يكون كريم النفس، طيب الأصل، ينظر إلى حاله، فيعذره في ندمه، ويقول: لا عليك رد القيمة، فيرد إليه كامل القيمة. الإقالة: هي رد المبيع واسترجاع الثمن، لكن ما حكمها المترتب عليها، هل هي بيع أم فسخ؟ إن قلنا: فسخ؛ فإن الأمر يرجع إلى ما قبل العقد، ولا يترتب عليها ما يترتب على البيع، فمثلاً: شخص له شقص في بيت فباعه، وكان الشريك غير راغب في الشفعة، وترك الشفعة وسقطت شفعته؛ لأنه لم يبادر إليها، ثم علم أن البائع الذي هو شريكه استقال المشتري واسترجع الشقص لملكه، فرجع شريكاً له مرة أخرى، ولو قلنا: الإقالة بيع، فللشريك أن يأخذها بالشفعة، وإن قلنا: فسخ، فليس له حق أن يقول: أنا آخذ الحصة بالشفعة، فنقول له: هذا فسخ للعقد، ورجعت الحصة إلى ما كانت عليه لصاحبها، فليس بيعاً. وإن كان طالب الإقالة المشتري، وجاء ليرد السلعة إلى صاحبها: بكم اشتريتها؟ بمائة، كم تسقط من الثمن؟ قال: عشرة في المائة أنت تأتي لترد والثاني والثالث يرد، ماذا أستفيد أنا؟ اشتريت بمائة أنا أقبل أن أرد لك السلعة وآخذ عشرة في المائة من قيمتها، إن قلنا: الإقالة فسخ فلا يحق له أخذ شيء، وما دفعه المشتري يأخذه كاملاً، وإن قلنا: بيع، فلا مانع من المساومة من جديد، كما لو كانت الإقالة من البائع: أنا بعتها عليك بمائة، ردها علي وأعطيك عشرة فوق المائة، فإذا قلنا: إن الإقالة بيع، جاز فيها الزيادة والنقص على سبيل المبايعات: مساومة ومزايدة ومناقصة، وإن قلنا: فسخ؛ فلا دخل للزيادة ولا للنقص فيها، وإن قلنا: إنها بيع دخل حق الشفعة للشفيع، وإن قلنا: إنها فسخ لا دخل للشريك بالشفاعة فيها. إن قلنا: إنها بيع، ووجد عيب لم نطلع عليه من قبل؛ فللمشتري عوض الأرش في العيب على أنه بيع، وإن قلنا: هي فسخ؛ فسلعتك ترجع إليك على ما كانت هي عليه.

стр. 2111

شمول الإقالة لأبواب المعاملات الرسول ﷺ رَغّب في الإقالة وحث عليها؛ لبقاء الألفة والمودة والأخوة بين المتبايعين، وقد لا يخلو منها سوق من الأسواق، وكثير من الناس ربما يعرض له ما يجعله يرجع عن هذا العقد؛ فالذي ينبغي على المسلمين أن يراعوا هذا الحديث، وأن يعامل بعضهم بعضاً بهذا الإرفاق. ثم قال ﵊: (أقال الله عثرته) ، الجزاء من جنس العمل، والعثرة: هي ضربة اصطدام في حجر أو نحوه، يعثر قد يسقط ويجرح، ثم عممت في كل زلة وخطأ يرتكبه الرجل، يقال: هذه عثرة من فلان. أي: في هذا التصرف أو العمل أو الممشى، فلو أن إنساناً أخطأ عليك. كانت هذه زلة وعثرة، ثم جاء واعتذر إليك، عندها ينبغي أن تقيل عثرته وزلته وتقبل اعتذاره، وهذا من إقالة أخيك في ما ندم عليه، مما ارتكبه في حقك، وهكذا تدخل في كل العلاقات بين الأصدقاء والإخوان؛ لتبقى أصول المودة، وليست قاصرة على البيع والشراء، ولكن أصل البحث فيها في البيع والشراء لضمان الحقوق واسترجاعها، وقد تعمم بأكثر من ذلك لما بين الناس وبعضهم من الصلات. ومن أحسن ما ورد في باب إقالة العثرات: ما جاء عن الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما مع محمد ابن الحنفية أخوه لأبيه، محمد ابن الحنفية أمه من بني حنيفة، والحسن بن علي أمه بنت رسول الله ﷺ ، يقول الخبر: كانا معاً في السوق، فحدث بينهما ما يقع بين الإخوة، وذهب كل منهما إلى بيته، فلما استقر محمد ابن الحنفية في بيته أخذ ورقة وكتب فيها: من محمد ابن الحنفية إلى الحسن بن علي ابن بنت رسول الله ﷺ . انظروا إلى هذا الأسلوب، هو ابن علي، فلماذا لم يقل: محمد بن علي؟ هضم نفسه إلى أقصى حد وانتسب إلى الجارية، ونسب أخاه إلى أعلى حد بـ علي ابن عم رسول الله. وابن بنت رسول الله؛ لأنه في معرض التكريم والإصلاح. أما بعد: تعلم ما كان بيني وبينك في السوق، وقد رجعنا إلى بيوتنا، ولقد هممت بعد العودة أن آتيك وأستسمح منك، وأستقيلك ما كان مني، ولكني تذكرت مكانك من رسول الله - فهو ابن بنت رسول الله، وابن علي ابن عم رسول الله- فكرهت أن أكون بمجيئي صاحب فضل عليك، فإذا أتاك خطابي هذا فخذ ثيابك، وشد نعلك، وائتني أنت في بيتي ليكون لك الفضل علي. انظروا إلى مكارم الأخلاق! استكثر أن يكون له الفضل على الحسن بن علي ابن بنت رسول الله بأن يأتيه في بيته، هذا يد وفضيلة ومنة، قال: لا، أنا لست كفئاً أن تكون لي عليك يد ومنة وأنت ابن بنت رسول الله، وهذه المكرمة يجب أن تكون من ابن بنت رسول الله علي أنا، لأني أنا ابن الحنفية. إذاً: إقالة عثرات الإخوان تكون في كل الأمور. والله أعلم.

стр. 2112

شرح حديث: (إذا تبايع الرجلان فهما بالخيار) قال رحمه الله تعالى: [وعن ابن عمر ﵄: عن رسول الله ﷺ ] . عن رسول الله ﷺ ، سواء سمع من رسول الله أو قال له رسول الله، بأي حالة من الحالات فـ ابن عمر يسند الخبر إلى رسول الله، يعني: أن هذا الخبر الذي سيأتينا به إنما هو عن رسول الله ﷺ ، ليس من عنده ولا من عند صحابي آخر، بل مرفوع إلى النبي ﷺ . [ (عن رسول الله ﷺ قال: إذا تبايع الرجلان) ] . (تبايعا) ، على وزن تفاعلا، من طرفين، مثل تشاجرا، تشاركا، تقاربا، وهي هنا صيغة من صيغ العقود، وفي علم البيان تصلح إنشاء وإخباراً، وكذلك حينما تقول: بعت الكتاب. فهي تصلح أن تكون إخباراً عن البيع الماضي، وتصلح أن تكون إنشاءً في البيع، كما لو جاء إنسان وقال: أريد هذا الكتاب؟ يقول: بعتك. فـ (بعتك) يمكن أن تكون إنشاء كلام وإنشاء حكم نسبي، ويمكن أن يكون إخباراً عن ماض، فإذا قال: (تبايعا) يعني تم البيع بينهما أو أخذا يتبايعان، والفرق بينهما: هو الذي سيأتي عليه مبنى الخلاف بين الأئمة ﵏. فإذا قلنا: إذا تبايعا أخذا في المبايعة، تبايع الرجلان: تفاهما على البيع، وحصل الإيجاب والقبول، وتمت عناصر البيع. (الرجلان) هل الرجلان مفهوم صفة أم أنه مفهوم لقب؟ بمعنى يدخل فيه المرأتان أو رجل مع امرأة كذلك؟ المعنى: إذا تبايع المتبايعان رجلان، امرأتان، رجل وامرأة كل ذلك ما دام أنه في حيز التكليف والعقل والحرية وصحة التصرف والأهلية فهو داخل في: (إذا تبايع الرجلان) . ثم قال: [ (فكل واحد منهما بالخيار) ] . هما: ضمير مثنى، وعندنا اثنان فقط: البائع والمشتري، فكل واحد منهما بالخيار في البيع الذي أوقعاه، أي: من حق كل واحد منهما أن يقول لصاحبه: أنا رجعت عن البيع، والثاني يقول له: أنا رجعت عن الشراء، فكل واحد منهما بالخيار.

стр. 2113

خيار المجلس وقوله: [ (ما لم يتفرقا وكانا جميعاً) ] . هذا يسمى خيار المجلس، فما داما مجتمعين وكانا في مجلس في السوق أو البيت ما عدا المسجد؛ لأن المسجد لا يصح فيه البيع والشراء، فإذا كانا في سيارة، طائرة، أوتوبيس، باخرة. في أي مكان يجمعهما وتبايعا فيه، فهما بالخيار ما لم يتفرقا، سواء كانا في الدكان، أو المعرض فتبايعا وأخذ المشتري سلعته وخرج، فقد افترقا عن مجلس العقد، فهنا لما افترقا فلا خيار، وإن كان المعرض كبيراً، وفيه عدة أصناف من السلع، وعند كل صنف بائع، فوقف عند هذا الصنف وتبايع مع المسئول فيه، وتم البيع، وأخذ سلعته، وذهب -في نفس المعرض- إلى الصنف الثاني؛ فقد افترقا عن محل عقد الصنف الأول. وهكذا يقول أحمد ﵀: الافتراق بين المتعاقدين في كل صورة بحسب العرف، فإن كانا في دكان صغير وخرج أحدهما من الباب فقد افترقا، إذا جاء راجعاً وقال: أنا رجعت. نقول له: ليس لك خيار، ثم ننظر: إن ادعيت موجباً آخر فنعم، أما لمجرد عدم الرغبة فهذا يكون ممتداً ما دمت معه في المجلس، فإذا فارقته وبعدت عنه فحينئذ افترقت، فليس لك حق الخيار في المجلس. إذا كانا في سفينة -كما يقول أحمد - وكانت صغيرة يكون التفرق بذهاب هذا هنا أو ذهاب هذا هناك، وإن كانت كبيرة وذات أدوار، ونزل هذا إلى السفل وصعد هذا إلى العلو، إن كان وإن كان. بحسب ما يكون العرف، فإن وقع الافتراق فلا خيار للمجلس، قال هنا: ما لم يفترقا وكانا جميعاً، أما إذا تبايعا عن بعد، بالمراسلة، بالهاتف، بالفاكس، بكذا وبكذا، فهم متفرقون أصلاً، فلا يدخل في هذا الباب، إلا إذا قلنا: وهما على السماعة، وتفاهما على البيع، وقبل أن ينهيا المحادثة قال أحدهما: يا فلان! أنا تراجعت، لم نفترق بعد، ما زلنا على السماعة، والحديث لا زال موصولاً، حينها لهما الحق في ذلك. وهذا الخيار يفسخ العقد دون رضا الطرف الثاني، سواء كان الذي أراد الفسخ هو البائع كأن يكون تأسف على بيعها، أو ادعى غبناً أو لم يدع، أو مجرد رغبة في السلعة، وكذلك المشتري، ولو لم يدع غبناً، يقول: إن سعرها طيب ورخيص، لكن أنا عندي غيرها في البيت، وأنا في غنى عنها، ما دام في المجلس مع البائع فله حق الرد ولو بالقوة، أما إذا افترقا عنه؛ فحينئذ بطل خيار المجلس. وسيأتي خيار الشرط وهو أوسع ما يكون وأطول وأكثر تفريعاً.

стр. 2114

ذكر خلاف العلماء في ثبوت خيار المجلس هذا النوع من خيار المجلس قال به كل من أحمد والشافعي رحمهما الله ومن وافقهما أو من سبقهما من الصحابة والتابعين، أما مالك وأبو حنيفة رحمهما الله فلم يقولا به، وصار هناك تشنيع على مالك وأبي حنيفة، الحديث صحيح ولماذا لم يقولا به؟ وقد رواه مالك في الموطأ، وما كان يجهله، ولكن لماذا يرويه ولا يعمل به؟ وهذا هو الذي كثر الحديث عنه عند أهل الحديث في شأنه وفي شأن مالك، حتى قال بعض معاصري مالك فيه مقالاً، وكذلك هو مذهب ربيعة شيخ مالك، ومذهب خالد الزنجي شيخ الشافعي، وإذا جئنا إلى سبب رفض مالك العمل بهذا الحديث، يقول: هذا مما ليس عليه عمل أهل المدينة، مع أن ادعاء الإجماع في المدينة لا يتأتى؛ لأن هناك ابن أبي ذئب -وهو من قرناء مالك - قد عمل به، وأخذ بخيار المجلس، وقد ابن عبد البر من أخذ به من المدينة، وبعد إطالة النقاش قال: إن المالكية والأحناف سردوا في هذا الباب شيئاً كثيراً لا دليل لهم فيه، شبهتهم -كما نص مالك في الموطأ-: بأنه لم ير أحداً من أهل المدينة يعمل به، وهناك نصوص أخرى ساقها أبو حنيفة ﵀، منها: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١] ، يقول: إذا كنا سنجعل خيار المجلس عند التبايع فلا يمكن وفاء بعهد ولا وفاء عقد، وكلما عقدنا عقداً اختار في المجلس فسخه. ولكن أجابوا عن ذلك: بأن هذا عام في طريق، وهذا خاص في طريق آخر، ولا يرد هذا على ذاك. ثم يقولون: لو قلنا بخيار المجلس بعد انعقاد العقد، وهو: إن كان لم يقع العقد فله الحق، وإن كان بعد انعقاد العقد فقد انتهى ما بينه وبين صاحبه، وقالوا: إذا تبايعا بمعنى تساوما، فإذا كانا في حالة المساومة فكل منهما بالخيار، فقال ابن عبد البر وغيره: لو حملناه على المساومة لضاعت فائدة الحديث؛ ومعلوم أنه قبل أن يأتي هذا الحديث أن المتساومين بالخيار، ولا يحتاجان إلى حديث يعطيهما حق الفصل ما داما في المساومة ولم يستقر الأمر، إذاً: كل منهما له حق. وقالوا أيضاً: البيعان بالخيار، إذا قال البائع: بعت، والمشترى لم يقرر بقوله: اشتريت. فهذا التبايع وجب من طرف واحد -وهو البائع- والمشتري لم يقل: اشتريت. يعني: أن البيع وقع من طرف واحد، وبقي الطرف الثاني لم يعقد العقد، فقد عقد على نفسه -وهو البائع- الخيار قبل أن يعقد المشتري البيع بقوله: اشتريت؛ لأن البيع لم يتم بعد. وكما قال ابن عبد البر ﵀: كل ما ذكروه احتجاجاً برد الحديث لا محل له، وقال أيضاً عن الإمام أبي حنيفة ﵀: إنه عادة ما يعرض حديث الآحاد على الأصول في الكتاب والسنة، فإذا وجده مخالفاً ربما تركه. وهذا من أشد ما يؤخذ على أبي حنيفة ﵀. وهنا نحب أن ننبه الإخوة على كلام ربما وقفوا عليه لـ ابن أبي ذئب في مالك -ليعلموا ما بين الأقران- وإذا كان ابن أبي ذئب يحمل على مالك، فلماذا لا يحمل على ربيعة شيخه، وعلى أبي حنيفة وأصحابه محمد بن الحسن وأبي يوسف وزفر، وكلهم يقولون بعدم خيار المجلس؟ فإذا كانت المسألة علمية، وكان الاجتهاد موجوداً وله مجال في القضية فلا ينبغي التحامل على أحد الطرفين فيما فهمه. ويقول ابن عبد البر اعتذاراً عن مالك: لعله قد بلغه ما ينسخ هذا الحديث، فترك العمل به. والراجح عند جمهور العلماء: ثبوت خيار المجلس، وعليه مذهب الشافعي وأحمد رحمهما الله، وهو قول ابن عمر ومن وافقه من الصحابة من التابعين، وهذا القدر يهمنا في هذا الحديث: (إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا) .

стр. 2115

الرد على من تأول التفرق بتفرق الأقوال ومما تأولوا به هذا الحديث أن قوله: (تفرقا) أي: بالكلام، كأن يتبايعا بخمسة أو بستة أو بعشرة، صفاته كذا وكذا وكذا. في هذا المجال لهما الخيار، لكن إذا قال: قبلت اشتريت، بعت أخذت اليوم سمعنا أخبار كذا وكذا، وأخذا يتحدثان عن موضوع بعيد عن موضوع العقد، هنا افترقا في القول عن موضوع العقد، فحملوه في بعض التأويلات على الافتراق بالقول، وبعضهم يدخل دلالة اللغة في هاتين الكلمتين، والواقع أن كلاً منهما تستعمل مكان الأخرى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء:١٣٠] ، ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة:٤] ، ((وما تفرق)) أي: في الكلمة، ((إن يفترقا)) أي: بأبدانهما، فجاءت في كلا الأمرين تعبر عن افتراق الأبدان وافتراق الكلمة. ولكن يرد هذا التأويل قوله: (وكانا جميعاً) بأبدانهما، فيكون الافتراق بالأبدان وليس باللسان، وهذا القدر يكفي في التنويه على هذا الحديث، ومن أخذ به، ومن رده، وبم رد من تأويلات، والله تعالى أعلم.

стр. 2116

جواز سقوط خيار المجلس قوله: (إذا تبايع الرجلان؛ فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا أو يخير أحدهما صاحبه) فالتفرق يسقط خيار المجلس، وكذلك يخير أحدهما الآخر وهما في المجلس البائع قال للمشتري: ما رأيك؟ شاور، اختر، أتمضِ البيع؟ خيره في المجلس فاختار البيع، وهما في المجلس، ثم بعد فترة وهما في نفس المجلس، قال: تراجعت. لماذا؟ قال: لا زلنا في المجلس: (ما لم يفترقا) ونحن ما افترقنا، يقول له: لا؛ لأن صاحبك خيرك فاخترت إمضاء البيع فلا خيار لك. (أو يخير أحدهما الآخر) سواء كان الذي خير صاحبه البائع واختار المشتري الإمضاء، أو الذي خير صاحبه المشتري واختار البائع المضي في البيع، فإذا خير أحدهما صاحبه وقال: تعاقدنا، تبايعنا؟ قال: نعم. قال: لك خيار؟ قال: لا، أنا جزمت وانتهيت، عندها يكون انتهى العقد، ولا خيار للمجلس بعد ذلك، أو يقول أحدهما: أنا من جانبي أمضيت، والبائع: أنا بعت وانتهيت، وأنت شاور وفكر، ولك الخيار إلى الغد، أما أنا فلا خيار لي. أصبح الخيار هنا لواحد، والثاني أسقط خياره وأعطى صاحبه مهلة، فيذهب هذا صاحب الخيار ويأتي في المهلة أو قبلها ويقول: أمضيت البيع، انتهى. فإذا جاء وقال: ما ناسبني -بشرط ألا تنتهي المهلة- فله الحق في تلك المدة أن يختار وأن يرد السلعة أو أن يمضي العقد. إذاً: بالافتراق، أو بتخيير أحدهما الآخر ينتهي خيار المجلس. وينبغي التنبيه أيضاً على أن هناك أنواعاً من البيوع لا يدخلها خيار المجلس. منها: بيع السلطان؛ فإذا قام السلطان ببيع مال إنسان مدين ليسد دينه، وأعلن عنه، ورسا المال على شخص، فلا يحق للذي رسا عليه البيع وهو في المجلس أن يقول: لي خيار المجلس. ومنها: بيع التركة بين الورثة الورثة لهم تركة وأرادوا أن يبيعوها ليتقاسموها، وسواء واحد منهم أو خارج عنهم اشترى شيئاً من التركة فليس له خيار فيما اشتراه. ومنها إذا كان يشتري من نفسه لنفسه بأن كان ولياً أو وصياً على صبي، وأراد أن يبيع من ماله للصبي أو يشتري من مال الصبي لنفسه، فإذا تم العقد، فلا خيار له؛ لأن الخيار للنظر في المصلحة، وكذلك بين الشركاء، إن كانوا شركاء في شركة، وأرادوا أن يتفاصلوا وعرضوا الموجود للبيع، فاشترى أحد الشركاء أو جاء إنسان من الخارج واشترى من سلع الشركة، فلا خيار مجلس في ذلك. فهذه: بيع السلطان والتركة والشركة، ومن كان متولياً طرفي العقد في صفقة، فلا خيار لواحد من هؤلاء، كما أنه هنا لا خيار بعد التفرق، ولا خيار بعد أن يخير أحدهما الآخر. قال: [ (فإن خير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك، فقد وجب البيع) ] . هذه صورة ثانية: تبيعني هذه السلعة؟ - لا، أنت لست مشترياً، أنت ستذهب تشاور أمك أو زوجتك أو كذا، أنا أريد بيع وشراء ليس فيه خيار، خيره قبل العقد، قال: لا مشاورة ولا خيار، نتبايع وننهي البيع الآن؛ فتبايعا. ليس له أن يرجع ويقول: لي خيار المجلس، وإن كان بعض الحنابلة يجيز له ذلك، لكن الجمهور على أنه ما دام خيره من قبل وخشي من هذا التطويل، وقال: ما هناك خيار، ونتبايع على ألا خيار بيننا. فقال: قبلت. وتبايعا على ألا خيار بينهما، فقد تم البيع. قال: [ (وإن تفرقا بعد أن تبايعا، ولم يترك واحد منهما البيع؛ فقد وجب البيع) ] . لم يقل البائع: أنا تركت البيع ورجعت. ولم يقل المشتري: أنا تركت البيع ورجعت بعت، اشتريت، في أمان الله، تفرقا، بعد هذا التفرق ما حصل من واحد منهما أنه رجع، أو طلب الفسخ، أو الخيار، أمضيا البيع ومضى كل في سبيله، وحينها لزم البيع.

стр. 2117

شرح حديث: (البائع والمبتاع بالخيار حتى يتفرقا ... ) قال رحمه الله تعالى: [وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵄: أن النبي ﷺ قال: (البائع والمبتاع بالخيار حتى يتفرقا، إلا أن تكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله) ] . قال النبي ﷺ : (البائع والمبتاع -بصريح العبارة- بالخيار -في عقد البيع- ما لم يتفرقا إلا أن تكون صفقةَ -أو صفقةُ- خيار) على ما تقدم في حديث ابن عمر. أشتري منك على أن يكون لي الخيار عدة أيام، ونجد أغلبهم على أن مدة الخيار ثلاثة أيام، ومالك يقول: ليس في ذلك حد عندنا ينتهى إليه، وكل سلعة خيارها بحسبها، فإذا اشتريت ثوباً أو بعيراً، فهذه يكفي فيها ثلاثة أيام؛ لأن النبي ﷺ أعطى صاحب المصراة ثلاثة أيام يحلب وينظر، وبعد الثلاثة الأيام ستظهر، قال: وأكثر من ذلك أكرهه. إذا اشترى عبداً على الخيار: هل تكفي ثلاثة أيام لاكتشاف كل نوايا العبد أو طبائعه أو أخلاقه؟ لا تكفي، اشترى داراً، هل الثلاثة الأيام تكفي لمعرفة الدار وحسن بنائها، ومعاملة جيرانها، وتصريف مرافقها ومنافعها؟ لا، فقالوا: كل سلعة بحسب مكانها تكون مدة اختيارها. إذاً: (إلا أن تكون صفقة خيار) ، أي: مشروط لها خيار، كم يكون؟ الجمهور يقولون: ثلاثة أيام، ومالك يقول: لا حد في ذلك عندنا؛ لاختلاف السلع فيما تحتاجه من مدة يتأملها المشتري، ويعرف محاسنها وعيوبها، والحديث يجيز وجود الخيار بين المتبايعين إلى مدة ما اتفقا عليه؛ ما لم تكن المدة حيلة لاستفادة البائع من المبيع؛ على ما سيأتي بيانه في الخيار في الأجرة على مدة لا تلي العقد. قال: (إلا أن تكون صفقة خيار) وصفقة الخيار: أن يتفق الطرفان على وجود خيار لأحد المتعاقدين مدة معينة بعد إمضاء العقد، سواء كان الخيار للبائع أنا أبيعك لكن أريد أن تعطيني مهلة يومين، المشتري: أما أنا فقد أمضيت البيع من عندي، وأنت لك مهلة ثلاثة أيام. أو كان الخيار للمشتري، البائع قال: بعتك. والمشتري قال: اشتريت؛ ولكن أريد أن أشاور أخي الأكبر، أشاور صديقي، أشاور صاحب خبرة. قال: لك ثلاثة أيام. فوقعت الصفقة صفقة خيار، فهما على شرطهما، إن اختار إمضاء البيع في المدة فالحمد لله، وإن اختار رد المبيع وفسخ العقد فله الحق في ذلك، وإن كان دفع الثمن يسترجعه. ثم تأتي الأحكام والتفريعات التي نص عليها ابن عبد البر وغيره: إذا كان الخيار مدة عشرة أيام، والسلعة في يد المشتري من أجل أن يختبرها، فضمانها وغرمها على من؟ وغنمها لمن؟ تقدم لنا بأن الغنم بالغرم، فهي في يد المشتري على ملكه، وإن تلفت فعلى حسابه، وإن غنمت فلحسابه، إن رد البيع أو أمضاه، أو كان عبداً يحتاج إلى مئونة، أو فرساً يحتاج إلى علف فعلى المشتري؛ لأنها في ملكه، أما إذا بقيت في يد البائع فهي أمانة عنده للمشتري. وهذه التفريعات التي تكثر في هذا الباب لا تحصيها إلا موسوعات الفقه الموسعة. إذاً: جاز خيار الشرط، وخيار الشرط أهم ما فيه هو: ألا يتخذ حيلة، وهذه الحيلة كنا نسمع بها في اليمن على مدى واسع في العقارات، يأتيه ويبيعه العقار ويقول له: لك الخيار إلى أن تأتيني بالثمن فأرد العقار عليك باعه البيت واستلمه وسلم الثمن، ثم ذهب البائع بالثمن، وانتقل المبيع من بيت أو أرض إلى المشتري على أن البائع له الخيار متى ما جمع الثمن جاء به إلى المشتري استرد البيت أو البستان، المحظور في هذا ما هو؟ كان يأتي ويقول: أقرضني ألفاً. يقول: ما عندي قرض. لكنني لست مستغنياً، أعطني البيت وخذ الألف، ويوم أن تردني الألف خذ بيتك. (خذ بيتك) هذه ما هي؟ ظل يجمع الألف سنة سنتين والبيت بيد المشتري، وحينما يرجع البائع ويقول: لي الخيار، وقد أحضرت الثمن، فيسلم الثمن كاملاً للمشتري ويسترجع البيت. سكنى البيت لمدة سنتين من قبل المشتري حتى جمع البائع الثمن مرة أخرى ورده لحساب المشتري الذي انتفع بها، هل كان الأصل في ذلك بيع وشراء والغرم بالغنم، أم كان البيع مبناه على أن المشتري يقرض البائع ويستفيد مقابل القرض سكنى البيت؟ فحينئذ يكون الشرط في الخيار حيلة، وربما تجدونها في كتب الحنابلة في الإجارة، (ويصح خيار الشرط في الأجرة ما لم تكن على مدة تلي العقد) . هذه عبارة زاد المستقنع، وبيان هذا: إذا كان عندك بيت، وتريد أن تؤجره، فأجرته الآن، والمستأجر استلم البيت ودفع الأجرة، وشرط لك الخيار في رد البيت شهراً، البيت عندك شهر، والأجرة عندك، إن هو وقع له اختيار الرد سيرده بعد شهر والأجرة عندك، ترد له الأجرة ويرد لك البيت، حينما أخذ البيت عنده والخيار شهر، فرد البيع واسترد الأجرة كاملة، أجرة الشهر إن كان استفادها مقابل مجرد خيار؛ فلا بأس، لكن إذا كان الشرط والمهلة تلي عقد الإجارة؛ فهي حيلة ليستفيد المستأجر سكنى البيت شهراً، وسيرده بعد مدة الخيار ويسترجع الأجرة كاملة. أما إذا كانت مدة الخيار لا تلي العقد فهذا صحيح. مثلاً: نحن الآن في شهر جماد الآخر، قال: أؤجرك البيت سنة كاملة تبدأ من واحد رمضان، وبينه وبين رمضان أكثر من شهرين فقال له: لكن أنا أريد أن أشاور؟ قال: لك الخيار شهر ونصف من الآن! هل سيستلم البيت؟ استلام البيت في الأول من رمضان، والخيار يبدأ من الآن؛ لأن عقد الإيجار الآن والتسليم في واحد رمضان، فإذا جعل له خياراً شهراً كاملاً لكنه لا يلي مدة العقد؛ لأن مدة العقد من واحد رمضان، بل هو دون مدة العقد، هل سيحصل هناك حيلة أو غبن في شيء؟ لا، اختر على ما ترى، والبيت عند مالكه، وهناك وقت طويل حتى يأتي رمضان، استلم البيت وسلم الأجرة، والفترة هذه كلها لك الخيار فيها، إذاً: ما ضاع شيء على صاحب البيت. إذاً: خيار الشرط على ما شرطاه، ولكن يكره مالك وغيره أن يكون على مدة طويلة؛ لأن فيها شبه نزاع، وألا يكون لحيلة يستفيدها أحد المتعاقدين في مدة هذا الشرط. [ (إلا أن تكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله) ] . هذا -كما يقال- استطراد وتذييل يؤكد معنى الافتراق: ما لم يفترقا، أي: بالأبدان، ولا يحل له، أي: أحد المتعاقدين أن يفارقه من المجلس خشية أن يندم أو يستقيله، هل معناها التفرق بالأبدان أم التفرق بالأقوال؟ بالأبدان، تعاقدتما وأنتما في المجلس، وتخاف أن يرجع في كلامه فتخرج من المكان قصداً خشية أن يرجع، يعني: فارقه ليضيع عليه خيار المجلس، فلا يحل له؛ لأنه فوت عليه فرصة أعطاه الشرع إياها، وكان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما -وهو راوي الحديث الأول- إذا تعاقد مع إنسان على شيء يهمه حينما يتم العقد يفارقه ويخرج، ثم يرجع إليه، قالوا: إذاً كيف يفعل ابن عمر هذا، والرسول يقول: (ولا يحل له أن يفارقه) ؟ يذكر العلماء هذا دليلاً على أن التفرق يراد به تفرق الأبدان وليس تفرق اللسان، ويعتذرون عن ابن عمر بأن مفارقته لمن تعاقد معه بائعاً أو مشترياً أنه لم يبلغه هذا النهي، ولا يحل له أن يفارقه خشية كذا، أو أنه يتأول ذلك على سبيل الإرشاد وليس على سبيل اللزوم على كل له عذره، والله تعالى أعلم. قال: [وفي رواية: (حتى يتفرقا عن مكانهما) ] . هذا هو التفرق بالأبدان عن مكانهما.

стр. 2118

شرح حديث: (إذا بايعت فقل: لا خلابة) قال رحمه الله تعالى: [وعن ابن عمر ﵄ قال: (ذكر رجل لرسول الله ﷺ أنه يخدع في البيوع. فقال: إذا بايعت فقل: لا خلابة) ، متفق عليه] . معنى هذا الحديث: أن رجلاً كان يبيع ويشتري ولكنه كان يخدع في البيع، وقيل: كان قد أصيب في رأسه، وحصل في عقله شيء في المساومة وفي إدراك قيم الأشياء، فكان يبيع ويشتري ويغبن كثيراً، فاشتكاه أهله إلى رسول الله ﷺ ، فاستدعاه وقال: دعك من البيع والشراء الذي خسرت أهلك فيه، فيقول: يا رسول الله! ما لي غنى عن البيع والشراء لا أستطيع أن أترك السوق ولا البيع والشراء، لابد لي من البيع والشراء. فقال له ﷺ : إذا بعت أو اشتريت فقل لمن تتعاقد معه: لا خلابة. هذه الكلمة بمعنى: لا نقص، إن كنت أبيع لا نقص في الثمن، وإن كنت أشتري لا نقص من جانبك تزيده علي في السعر، فكان إذا تعاقد مع أحد يقول له: لا خلابة. وإذا تناكر مع إنسان يأتي واحد من الصحابة يشهد له بأن الرسول ﷺ أعطاه هذا الحق، والمؤلف يسوق هذا هنا لبيان جميع أنواع الخيار المتبقية، وهي تقوم على خيار الغبن. فهذا الرجل كان يغبن في البيع والشراء، وأعطاه الرسول ﷺ حق النقض فيما يتعاقده إن ثبتت زيادة عليه في السعر إذا اشترى، أو ثبت عليه نقص في البيع إذا باع، فكان إذا اشترى سلعة ورجع بها إلى أهله وأخبرهم بالثمن إن أقروا ثمنها مضت، وإلا رجعوا على البائع واسترجعوا الثمن. وهنا المبحث في هذا الحديث: هل لكل إنسان أن يقول: لا خلابة؟ فبعض العلماء يقول: لكل إنسان أن يقول ذلك؛ لأن هذا منع للغبن. والآخرون قالوا: لم يجعل ذلك للعموم، ولكن جعلها لهذا الشخص بذاته فقط، فلا تصح إلا له ولمن كان مثله؛ بأن كان سفيهاً، أو لا يحسن المساومة. إلخ، فإذا وجد من في مثله وفي تلك الحالة، وقال هذه الكلمة: لا خلابة، فهو على ذلك، أما عامة الناس، والذي يتعاطى البيع والشراء، والذي يتعالم ويجعل نفسه أشطر الناس، ويحصل ويحصل. لو قالها لا يسمع منه. والمؤلف ساق هذا الحديث هنا مع الحديثين المتقدمين -خيار المجلس وخيار الشرط- ليبين كل نوع من أنواع الخيار والتي يذكرها العلماء إلى سبعة أصناف داخلة تحت هذا الحديث، وهناك نوع يسمى باسمه: خيار الغبن، وخيار الغبن عند الأئمة تقدم بعض أفراده، ويثبت إذا تلقى الركبان، وإذا وقع النجش، وللمسترسل الذي لا يعرف الأسعار، وفيما يتعلق بنوع من البيوع: التولية والمرابحة والمواضعة، والتولية: هو أن تأتي للتجار: بكم هذه السلعة؟ فيقول: أنا لا أريد منك مكسباً، ولا أن تخسرني، أبيعها لك برأس مالها عشرة. قلت: اشتريتُ. فتبين أن رأس مالها ثمانية، فهذا غبن، ودلس عليك في السعر، فيرد حصة الربح. وكذلك النقص، يقول: أنا لا أريد ربحاً ولا حتى رأس مال، أنا أتنازل لك بعشرة في المائة من رأس المال، كم قيمتها؟ مائتين، ثم تبين أن قيمتها مائة وثمانون، فيكون قد أخذ عشرون زيادة عن رأس مالها، أو قال: أنقص لك ثلاثين، وتبين أنه زاد الثلاثين في سعرها، أي: اختلف قوله في المرابحة، في المواضعة، في التولية؛ فحينئذ يأتي الخيار. كذلك إذا باعه سلعة فوجد فيها عيباً لم يكن يعلمه؛ دلسه البائع أو أخفاه عليه، ثم اكتشف ذلك فله خيار العيب. وكذا إن باعه موصوفاً في الذمة، والموصوف على قسمين: موصوف بعينه، مثلاً: كان في سفر على بعير له، فقال له: بعني بعيرك الذي كان معنا في السفر وكنت تركبه، ما صفاته؟ كم عمره؟ كم يحمل؟ كم يستطيع الصبر على العطش؟ وذكر أوصافاً معينة، فلما أخذت البعير المعين وجدت فيه نقصاً، عندها لك الخيار. أما إذا قلت: أريد بعيراً صفته وصفته وصفته. قال: عندي، ولم يعين لك بعيراً بعينه، فجاءك ببعير فوجدت فيه نقصاً من تلك الصفات، فلا خيار لك، وعليه أن يأتيك بغيره حتى يستوفي لك الصفات التي أردتها في أي بعير من إبله. وهكذا -أيها الإخوة- أنواع الخيار ستة أو سبعة على ما تقدم، والذي ساقه المؤلف ﵀ في هذا الباب يعتبر الأصل الذي يدور عليه، وجميع التفريعات عليه توجد في أمهات الكتب. وبالله تعالى التوفيق.

стр. 2119

كتاب البيوع - باب الربا [١] أكل الربا من أكبر الكبائر، وهو ثلاثة وسبعون باباً، أيسرها مثل أن يأتي الرجل أمه!! فيجب على المسلم أن يتعلم باب الربا ليحذر منه، وقد اهتم أهل العلم بهذا الباب اهتماماً بالغاً، وبينوا أنواعه وأحكامه بياناً شافياً.

стр. 2120

شرح حديث: (لعن رسول الله آكل الربا) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: قال المصنف ﵀: [وعن جابر ﵁ قال: (لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال: هم سواء) رواه مسلم، وللبخاري نحوه من حديث أبي جحيفة] . آكل هنا: اسم فاعل يختص بالذكور، وإذا كانت امرأة تأكل الربا، فهل معفو عنها أو هي داخلة؟ هذا أيضاً من إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به المساوي له، فهي داخلة، (وموكله) وكذلك موكلته. وآكل الربا هو الذي يأخذ الزيادة عن رأس المال، وموكله هو الذي يدفعه، فهو ما أكل، ولكن أطعم غيره، إذاً: عقد الربا فيه آكل وموكل، آخذ ودافع، وكلاهما داخل في هذا الوعيد واللعن. قد يأتي إنسان ويقول: هناك أشياء اضطرارية، هذا أكل الربا اضطراراً، وهذا أكله بغير اضطرار، فالذنب على الذي أخذ، هذا بحث أشرنا إليه في أكل الرشوة وليس في الربا. وقد أشرت سابقاً: أنه في مؤتمر ماليزيا الإسلامي عرض على المؤتمر طلب إباحة الربا للضرورة، وكانت قارعة، وأعان الله بأن قدم: أن الربا لا تدخله الضروريات البتة لا شرعاً ولا عقلاً، وكان النقاش حاداً فعلاً، حتى أعلن رئيس المؤتمر وهو رئيس الوزراء: أن نرجئ هذا القرار إلى مؤتمر آخر. وكلكم تعلمون أنه مؤتمر عالمي، ستة وثلاثون دولة مسلمة مشتركة فيه، ويقدم قرار في لجنة ويدرس ويأتي إلى لجنة للتصويت، ثم يوقف هذا القرار بمناقشة تبطله، ويعلن رئيس المؤتمر بإرجائه، يعني ما نجح، وقام رجل مغربي ﵀ إن مات، وجزاه الله خيراً إن كان حياً، وصاح على الجميع: أتريدون أن نحارب الله ورسوله؟! أجئنا من بلادنا لنعلن الحرب مع الله ورسوله في ماليزيا حتى تريدون أن نبيح الربا؟! إلى أمر يطول شرحه. إذاً: الربا محرم بكل أنوعه وصنوفه، وهناك لفتة عجيبة جداً في (آكل وموكل) ، قال الله عن اليهود: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً * وَأَخْذِهِمْ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء:١٦٠-١٦١] ، وقال: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ﴾ [البقرة:٢٧٥] ، وفي حق اليهود قال: (وَأَخْذِهِمْ الرِّبَا) ، ما قال: وأكلهم، مما يدل على أن الربا كان في اليهود مهنة وليس من حاجة؛ لأن الذي يأكل الربا قد يكون محتاجاً، ولكن اليهود يأخذون، والأخذ أعم من مجرد الأكل، فهم يأخذونه كتجارة، يأخذونه كحرفة، وليس عن حاجة، ومن هنا -أيها الإخوة- لا تجد مرابياً فقيراً، الذين يرابون في أموال الناس هم الأغنياء، وما دمت غنياً ومغنيك الله فلماذا تنزلق في هذا الطريق الحرج؟! قال: (وَأَخْذِهِمْ الرِّبَا) ولم يقل: وأكلهم، إذاً أخذهم للربا كان عن غنى، وليس عن فاقة وحاجة تدعو إلى الأكل. وقوله ﵊: (وكاتبه) ، الكاتب الذي يكتب السند، كما قال الله: ﴿إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:٢٨٢] . وقوله: (وشاهديه) ؛ لأن اثنين يشهدون على الكتابة كالعادة، كما قال الله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ﴾ [الطلاق:٢] ، وشاهده اسم جنس يشمل الواحد والاثنين والعشرة، وقيّد العلماء الشاهد والكاتب في اللعن إذا كانا عالمين بأنهما يكتبان ويشهدان على ربا. أما إذا جاءوا إلى إنسان لا يعلم بذلك، وقالوا: اكتب: هذا له في ذمتي ألف، وما يدري ما سبب الألف، وترتبت على ماذا، فكتب: فلان له في ذمة فلان ألف، وشهد الشهود: نشهد باعتراف فلان بأن في ذمته لفلان ألفاً، فلا شيء عليه، لكن إذا كانوا يعلمون أنه أقرضه ثمانمائة والتزم له بدفع الألف، وكتب الألف على أنه أصل الدَين، وهو يعلم أن الأصل ثمانمائة، والمائتان ربا، فهو شريك. وكما يقولون: وسامع الذم شريك لقائله إذا جلست في مجلس فيه من يغتاب إنسان وتسمعت، وتتبعت، وتسليت؛ فأنت شريك للمغتاب. وسامع الذم شريك لقائله ومُطعم المأكول شريك للآكل لو كان طعام موجوداً في محل لزيد فجاء شخص وقال: والله! إني جائع، فإنسان فضولي رأى الأكل موجوداً فقال: خذ. قال: هل هو حقك؟ قال: لا، ما هو حقي. فالآكل يعلم أن الذي قدم له الطعام لا يملك هذا الطعام، والذي قدم الطعام يعلم أنه لا يملك هذا الطعام، فجاء صاحب الطعام. فيغرم قيمة الطعام الذي أكل، والذي أعطاه ومطعم المأكول شريك الآكل؛ لأنه هو الذي سلطه عليه، وإن كان الآكل هو المتلف المباشر، لكن يضم المطعم في الغرامة؛ لأنه عن طريقه وصل إليه. (وقال: هم سواء) أي: هم سواء في الإثم، لا نقول: الآكل الذي أخذ الربا هو الآثم وحده، بل نقول: هؤلاء شركاء وسواء في الإثم.

стр. 2121

شرح حديث: (الربا ثلاثة وسبعون باباً) قال ﵀: [وعن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: (الربا ثلاثة وسبعون باباً، أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه، وإن أربا الربا عرض الرجل المسلم) رواه ابن ماجة مختصراً، والحاكم بتمامه وصححه] . هذا الحديث الثاني -يا إخوان- يدل على فظاعة الربا، وعلى شناعة أمره، وأن الغريب في هذا هو: مقابلة أبواب الربا بشعب الإيمان، والتقبيح لأيسر هذه الأبواب. إذاً: هناك أبواب لا يعلم جرمها إلا الله، إذا كان أيسر الثلاثة والسبعين مثل هذه الصفة التي ليست في عقولنا صفة أشنع منها؟ ما نقدر أن نتصور صفة أخرى! وهذا من باب التهويل الفظيع الذي يقرع القلوب. (وإن أربا الربا عرض الرجل المسلم) ، وهو ما يسمى بالغيبة، وهو تناول عرض المسلم في غيبته؛ لأن حرمة المسلم عند الله أعظم من حرمة الكعبة، الكعبة إذا هدمت يمكن بناؤها، فحجارتها موجودة، والأرض موجودة، لكن عرض المسلم إذا لمز وغمز، ودم المسلم إذا سفك، فمن يعيد بناءه؟ وهذا مما يعظم شأن الغيبة، وأنها أكثر ذنباً من أدنى أبواب الربا، نسأل الله العافية والسلامة! وما تقدم تمهيد وتوطئة لباب الربا، ومن يريد أن يقف على حقيقة شناعة الربا فلينظر في كتب الرقائق، وما يترتب على تفشي الربا في المجتمعات من قلة المطر، ومحق البركة، وقصر الأعمار، وأشياء كثيرة تتسبب عن الربا. الشبهة التي قامت عند الجاهليين هي قولهم: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥] ، وجاء الجواب: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥] ، وسيأتي إن شاء الله الفرق في المعاملة بين معاوضة البيع ومعاوضة الربا؛ لتنكشف شبهة العرب في الجاهلية، وتظهر حقيقة التشريع؛ لأن الله لم يناقشهم في العلة، ولكن أعطاهم الحكم، كأنه استصغر نفوسهم، واستحقر عقولهم؛ لأنهم شبهوا الربا بما فيه من الزيادة بالبيع بما فيه من الربح، والفرق بعيد جداً، فالله استجهلهم واعتبرهم لا يدركون الحقيقة، فقال: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) ، كأنه قال: لستم أهلاً لأن يقال لكم علة التحريم، بل اسمعوا الحكم فقط واسكتوا، وهذا قمع لهم وتجهيل، وأسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياكم جميعاً لما يحبه ويرضاه. وإذا نظرنا -يا إخوان- إلى النتيجة العملية إذا تعامل الإنسان بالبيع الحلال كما شرع الله: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) ، وإذا تعامل بالربا أو بما هو على شاكلته فيكون بين أحد أمرين: إما أن يأكل لقمة الحلال، أو يأكل لقمة الحرام، وكذلك من تلزمه نفقتهم، إما أن يربيهم على الحلال أو يربيهم على الحرام، وقد بين ﷺ : (أيما لقمة يأكلها الإنسان ينبت منها دم ولحم وعظم، وأيما لحم نبت على الحلال فالجنة أولى به، وأيما لحم نبت على الحرام فالنار أولى به) . وتقدم معنا في الحج، إذا قال الملبي: لبيك اللهم لبيك، وكان طعامه حلالاً، وراحلته حلالاً، ماذا يقال له؟ لبيك وسعديك، حجك مبرور، وذنبك مغفور. وإذا كان طعامه حراماً قيل له: لا لبيك ولا سعديك، ارجع مأزوراً لا مأجوراً! إذاً: يجب التحري في لقمة العيش، وتحري المسلم طيب الكسب ينبني عليه صحة عباداته، وصحة جسمه، وسلامة مصيره يوم القيامة، فلنتحرى الحلال جميعاً بقدر المستطاع، ولنبتعد جميعاً بقدر المستطاع عن طريق الربا، وبالله تعالى التوفيق.

стр. 2122

شرح حديث: (لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل) قال ﵀: [وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل) ] . عقد البيع فيه مبيع وثمن، الثمن من المشتري، والمبيع من البائع، والأصل أن الذهب قيمة المشتريات، كما يقولون: المال السائل، فهو الوسيط بين صاحب السلعة ومن يحتاجها، وكان قبل الذهب وقبل النقود وقبل العملة؛ كان البيع والشراء بالمقايضة، تأخذ صاع تمر وتبيعه لصاحب البر فيعطيك بالتمر براً، أو تأخذ البر وتبيعه لصاحب السكر، فتقول له: خذ هذا الصاع من البر، وأعطني سكراً، فكانت مقايضة بالأصناف والأعيان، وتأخذ صاع الحب وتذهب للجزار وتقول له: أعطني بهذا لحماً، وإلى الآن في بعض البلدان يتعاملون بالحبوب مقايضة في دكان البقالة، إلى الآن موجود. ثم جاءت النقود، والمعاملة بها صارت أيسر وميسرة للسفر، وتحديدها معلوم للجميع، فهنا الذهب بالذهب، أيهما ثمن؟ وأيهما مثمن؟ مع أن الذهب في أصله هو قيمة المشتريات وكذلك الفضة، لكن الذهب يخرج عن كونه قيمة المشتريات ويصبح سلعة؛ لأن الذهب له ثلاث حالات: إما تبر، مادة خام، سبيكة. وإما مضروب، دنانير أنصاف دنانير إلى آخره، وهذه عملة. وإما مصوغ كما يقال: منقوش، سوار، قرط في الأذن، خاتم في الأصبع، كذا كذا إلى آخره. فهو عملة وقيمة للمثمنات حينما يضرب، ويجعل وحدة متحدة وزناً وقيمة، والذين يضربون الذهب الآن يجعلونه جنيهات ذهبية، الجنيه الجورج، الجنيه الأمريكي، الجنيه السعودي، وغيرها، وفي حد علمي أن وزن معظم الجنيهات في العالم، وهو الجنيه الصغير ثمانية جرامات، وكأنه وحدة عالمية، وهناك جنيهات تخرج عن هذا، يوجد جنيه إنجليزي أو أمريكي بقدر أربع جنيهات، وفي عهد البرامكة جعلوا الدينار البرمكي أربعة مثاقيل؛ لأنه كان ضخماً يقدم هدية. والذي يهمنا أن الذهب بالذهب ربا، والذهب أصل قيمة المبيعات، فإذا أصبح الذهب ثمناً ومثمناً، فأين الثمن، وأين المثمن؟ إذا كان الذهب مضروباً نقداً فهذا هو الثمن، وإذا كان الذهب مصوغاً أو تبراً -مادة الخام- فهذا هو المثمن، أي: المشترى. إذاً: يمكن بيع الذهب بالذهب نقداً بنقد، مثل: بيع الذهب بالذهب تبراً بتبر، بيع الذهب بالذهب مصوغاً بمصوغ، بيع الذهب بالذهب مضروباً نقداً بمصوغ، مضروباً نقداً بتبر، كل هذه المسميات داخلة تحت قوله: (لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا ... ) ، حتى قال بعض العلماء: ولو كان أحدهما مغشوشاً والثاني سليماً فلا يجوز أن تبيع ذهباً خالصاً بذهب مغشوش بالنحاس -أو ما يسمى شبه النحاس الراقي الذي يشبه الذهب في لونه- وزناً بوزن، ما يجوز ولو زدت فيه؛ لأننا لا نعلم قدر المغشوش في المغشوش، ولا نستطيع أن نحكم على الذهب الصافي بالذهب الصافي هناك، إذاً مهما كانت صورة الذهب تبراً، نقداً، صافياً، مصوغاً، خالصاً أو مغشوشاً، فجنس ذهب بذهب إذا بيع هذا بهذا لا يمكن أن تكون هناك زيادة، ولا تأخير. فالذهب بالذهب يحرم فيه الزيادة، ويحرم فيه التأخير، يعني: يحرم فيه ربا الفضل، وربا النسيئة. وإذا أردت أن أشتري حلياً، وعندي ذهب دنانير جنيه، فالوجه الشرعي أن توضع الحلي في كفة، وتوضع الدنانير المضروبة في كفة حتى تتعادل الكفتان، والتاجر يأخذ الدنانير الذهب، والمشتري يأخذ الحلي. ولو قال قائل: ما عندي دنانير، لكن عندي ذهب سبائك، وأريد ذهباً مصنعاً، فالوجه الشرعي أن يوضع الحلي المصنوع المزخرف في كفة، ويوضع الذهب الخام السبائك في كفة، فإذا تعادلتا صح البيع، وإذا زاد في وزن السبائك ونقص في المصوغ وقال: من أجل الصياغة؛ بطل هذا البيع، ولا يجوز، وما المخرج من هذا إذاً؟ بع السبيكة بالفضة، واشتري الحلي بالفضة، ويجوز بيع الذهب بالفضة مع الزيادة والنقص، ولا يشترط التماثل في الوزن، الفضة كيلو، وهذا الذهب ربع كيلو، فيوجد فرق في المقدار، لكن يشترط التقابض يداً بيد. إذاً: الجنس بالجنس من هذه المسميات يشترط فيه التماثل والتقابض، مثل بيع الذهب بالذهب تبراً، مصوغاً، مضروباً، مغشوشاً، صحيحاً، مستعملاً، مكسراً، بأي صفة من الأصناف، ما دام مادة الذال والهاء والباء موجودة، فإن بيع بجنسه وجب أن يكون وزناً بوزن، يداً بيد.

стр. 2123

حكم الأوراق النقدية الفضة الآن غير موجودة نقداً، إنما عندنا الأوراق النقدية، وهي تمثل الريال، والريال فضي، إذاً: هذه الأوراق المتداولة تمثل الفضة، فإذا اشترينا ذهباً بفضة بالنيابة وهو الورق فليس هناك وزن، وليس هناك تقدير بين الثمن والمثمن على ما اتفقا عليه، فيجوز شراء الجرام الذهب بثلاثين ريالاً، بخمسين ريالاً، بمائة ريال، لا يوجد مانع، لكن يداً بيد، يقول مثلاً: أعطني هذه الأسورة، وكان وزنها خمسين جراماً -مثلاً-، فقال: قيمتها ألفان، فأعطاه ألفين إلا خمسين ريالاً نقصت، فيقول له: حطها محلها، ولا يقول له: اذهب أنت مؤتمن، ولو أنت مؤتمن ألف مرة، فإن العقد لا يتم، إلا إذا كان الثمن والمثمن يداً بيد. وأهل الذهب ربما يعملون حيلة، يقول أحدهم: خذ هذه خمسين ريالاً قرضة حسنة مني إليك، أعطني الخمسين الباقية، وهذه الحيلة على من؟! تبغى تروج بضاعتك بالحيلة على الشرع؟ لا. وفي الذهب مشاكل كثيرة في الأسواق، إذا بيع بغير جنسه بالدولار، بالربية، بالاسترليني، بأي عملة ما لم تكن ذهبية، بع واشتر ما شئت، ولكن لا تفارق البائع وله عندك فلس واحد.

стр. 2124

حكم صرف الذهب بالفضة ويشترط التقابض في صرف الذهب بالفضة، الصراف يأخذ الذهب ويعطيه الدراهم في نفس المجلس، وينقل بعض العلماء عن مالك لو أن مصطرفاً جاء إلى الصراف، ودفع إليه الدنانير ليعطيه الدراهم، فلا يجوز أن يفارقه ولو قليلاً إلا إذا مد يده بالدنانير ليأخذها، ومد الآخر يده بالدراهم ليدفعها، في نفس المجلس، ويقول: لو أن الصراف أخذ الدنانير، ودخل دكانه ليفتح صندوقه ويأتي بالدراهم فلا يجوز! سمعتم هذا يا جماعة؟! إذا جاء المصطرف بالدنانير، والصراف قاعد عند باب الدكان، وأعطاه مثلاً مائة دينار، فقال: مرحباً، عندي صرف، وأخذ الدنانير من صاحبها، ودخل إلى مكان في آخر دكانه ليفتح الصندوق، ويضع الدنانير ويأتي بالدراهم، مالك قال: لا يجوز؛ لأنه ما حصل يد بيد، والواجب أن يترك الدنانير مع صاحبها، ويذهب يفتح صندوقه، ويأتي بالدراهم إلى صاحب الدنانير، ثم هاء وهاء، خذ وهات. فـ مالك لا يقبل تأخير الصرف ما بين أن يذهب إلى آخر دكانه ويأتي، فما بالك إذا جاءه فقال: أروح البيت ثم أمر عليك؟! هذه معاملة ممنوعة في الذهب بالفضة أو الفضة بالذهب. إذاً: (لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل) ، والمماثلة المعادلة، في الكيل بالكيل، وفي الموزون بالوزن، وفي المعدود بالعد، والذهب والفضة موزونان. وقوله ﵊: [ (ولا تشفوا بعضها على بعض) ] . الشف: الزيادة أو النقص، والعوام يستعملونها، تذهب إلى الجزار وتقول: أبغى لحماً مشفياً، مشفي يعني: منقوص العظم، زائد اللحم (لا تشفوا بعضها على بعض) ، لا تقل: هذا مصنوع ومصوغ ودقة صفتها وصفتها، وهذا قديم ومكسر ويبغى له صياغة من جديد، لا تشفوا الناقص المكسر القديم على وزنه بالجديد أبداً، تبغى ذهباً بذهب مثلاً بمثل، وما تبغى مثلاً بمثل فبع هذا الذهب بفضة، واشتر ذاك الذهب الثاني بفضة، وتكون الفضة هي الوسيط، وبين الذهب والفضة لا ربا في الزيادة، ولكن يداً بيد. وقوله ﵊: [ (ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلاً بمثل) ] . الورِق والورَق أو الوَرْقُ: هو النقد من الفضة خاصة ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ﴾ [الكهف:١٩] سبحان الله! يا إخواني! كم استوقفتني كلمة (هذه) ، فالورِق هو عملة، فالأصل أن يقولوا: ابعثوا واحداً بالدراهم التي معكم لينظر لكم طعاماً ويشتريه، لكن التنصيص على (هَذِهِ) إعجاز القرآن أي: الموجودة معكم؛ لأنها هي مفتاح السر الذي سيكشف عنهم، فلما ذهب بتلك الورق التي معهم إلى المدينة، فالناس رءوا هذه العملة قديمة جداً، فسألوه: من أين هذه؟! فالعملة (هَذِهِ) هي التي كشفت عن سر أصحاب الكهف لأهل المدينة! إذاً: الورق هو الفضة نقداً. وقوله ﵊: [ (ولا تشفوا بعضها على بعض) ] . الفضة حكمها حكم الذهب في جميع التفصيلات السابقة، فإن كانت الفضة تبراً، أو مضروبة دراهماً، أو مصوغة حلياً، جديدة، قديمة، مكسرة، مغشوشة، سليمة، كله إذا كان فضة بفضة فهو مثل الذهب، وزناً بوزن يداً بيد. وقوله ﵊: [ (ولا تبيعوا منها غائباً بناجز) ] ناجز أي: حاضر، فالصائغ عنده الحلية حاضرة، فلا يجوز لك أن تشتريها بدين لك على الصائغ، فهذا بيع حاضر بغائب، ولا يجوز التأخير، فمنع ربا الفضل في الفضة كما منع في الذهب، ومنع ربا النسيئة في الفضة كما منع في الذهب، فالذهب والفضة بنات خالة أو بنات عم.

стр. 2125

شرح حديث: (الذهب بالذهب، والفضة بالفضة ، ... ) قال ﵀: [وعن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : (الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير بالشعير والتمر بالتمر) ] . قدم المؤلف ﵀ حديث أبي سعيد في الذهب والفضة؛ لأن أكثر ما يكون الربا، في المعاملات فيهما، ثم جاء بالحديث الثاني وفيه (البر بالبر) ، ما هو البر؟ أظنه معروفاً في العالم كله، ويسمى البر، أو الحنطة، أو القمح، وكل هذه كما يقول الإمام ابن تيمية ﵀: مترادفات على مسمى واحد، كما تقول: الأسد والغضنفر والهزبر وو الخ. لكن بعض العلماء ينفي توارد الأسماء على مسمى واحد الذي هو الترادف، ويقول ابن تيمية ﵀: هناك سر، فإذا وجدت عدة أسماء لمسمى واحد؛ فكل اسم منها يختص بصفة في المسمى، إذا قلت: أسد، فهذا للجنس يشمل الصغير والكبير والمريض والمتعافي، وإذا قلت: هزبر، فمعناه أنه في حالة النشاط والقوة، وإذا قلت: غضنفر، فمعناه أنه ضخم وكبير، وهذا كله راجع لعين واحدة، ولكن روعيت صفاته، فكان لكل صفة اسم تشير إلى المعنى المنطلق منه. فالحنطة والبر والقمح كلها أسماء لمسمى واحد، ويراعى فيها الجودة والنوعية، وربما أننا نعرف أربعة أو خمسة أصناف موجودة، إذاً: هذا الصنف من الحبوب سمه ما شئت: قمحاً، براً، حنطة، فإذا بيع بجنسه فيجب التماثل والتقابض، صاع بر مديني بصاع بر شامي، تفاوتت صفات كل منهما وخواصه، فيوجد نوع من الحنطة يسمى العرق إذا طحن وعجن صارت العجينة مثل المطاط، ونوع إذا سحبته قليلاً تقطع مثل الذرة، فالذرة ما لها عرق، والقمح له عرق، ويتفاوت، ومهما تفاوت في صنفه، أو في لونه، أو في حجمه، حبة كبيرة وحبة صغيرة، ما دام المسمى بهذه الاسم (حنطة بحنطة) ، فلا تباع الحنطة بالحنطة إلا مثلاً بمثل يداً بيد. وأما الشعير فأعتقد أن العالم كله يعرف الشعير، ولكن كما يقول أهل الفلاحة: الشعير نوعان: شعير يسميه العامة شعير الحمير، وهو للعلف، وشعير يناسب كبار السن، يجعل لهم منه الخبز، فيكون ليناً سهل الهضم، ولا يكون معه إمساك عند كبار السن، ويدخل في الأدوية، فمهما كان صنفه شعير بشعير، أمريكي فرنسي للعلف أو للأكل، فكله شعير، ومالك ﵀ يجعل -في الربويات والزكاة- البر والشعير صنفاً واحداً، ففي الزكاة إذا كان عنده ثلاثة أوسق براً، ووسقان شعير، فقال: يكمّل بعضهما بعضاً؛ لأنهما جنسٌ واحد ويزكي. والجمهور يقولون: لا، ما كمل عنده النصاب، هذا بر ثلاثة أوسق، وليس فيها زكاة، وهذا شعير وسقان وليس فيها زكاة، فلا زكاة عليه فيهما؛ لأن الحديث هنا ذكر الصنفين، ولو كان صنفاً واحداً لاكتفى بذكر أحدهما عن الآخر. إذاً: (البر بالبر والشعير بالشعير مثلاً بمثل) ، لكن لو بعنا البر بالشعير صاع بر بصاعين أو بثلاثة آصع شعير يجوز بشرط أن يكون هاء وهاء، يداً بيد، فإن قال: خذ البر واذهب وأعطني الشعير، لا يجوز، بل يكون كلاهما حاضراً: (ولا تبع ناجزاً بغائب) .

стр. 2126

الربا في التمر قال ﵊: (والتمر بالتمر) ، التمر تتعدد أصنافه، وبعض من كتب عن تمر المدينة قديماً أوصله إلى مائتي صنف، وسمى كل صنف ووصفه، ومن الأسماء المشهورة: الحلوة، والحلية، والبرني، والشلبي، والصفاوي، وما لم يعرف له اسم عند الناس يسمى لونة، أو الجمع المختلط من عدة أشكال، فلو باع صاع تمر صفاوي بصاع تمر حلية فيشترط التماثل والتقابض، وتمر الحلية، تمر صغير، إذا يبس صار مثل الخشب، ولكن إذا لان فهو أقوى أنواع التمر طاقة مع الحلاوة، وأقوى أنواع العلف للحيوانات، وتمر الحلية قيمته ضعف تمر الحلوة، ولا يستوي هذا مع هذا، والآن بعض أنواع التمور الكيلو بمائتين ريال، وبعض منها بعشرة ريالات أو بسبعة ريالات، فلو قال إنسان: كيف أبيع هذا بهذا مثلاً بمثل؟! يا أخي! بع تمرك الجيد بالدراهم، بع الصاع بدراهم، واشتر بقيمة الصاع الواحد عشرين صاعاً من هذا، ولا يوجد مانع، تغاير الثمن عن المثمن فجاز التفاضل. إذاً: التمر بالتمر قضية عامة، وسيأتي حديث تمر خيبر الجنيب: (أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا، إنا نأخذ الصاع بالصاعين) ، وذلك كما يقول ابن عبد البر: كنا نرزق التمر، فنبيع الصاعين بالصاع، فنهينا عن ذلك، وسيأتي له زيادة بيان. إذاً: التمر بالتمر أياً كان نوعه من المائتي صنف، إذا كان التمر ثمناً ومثمناً فلا بد أن يكون بالكيل سواء بسواء، وما كان يباع بالكيل عرفاً فلا يجوز بيعه بجنسه وزناً، والتمر مكيل أو موزون؟ الأصل فيه أنه مكيل، ويرجع في معرفة المكيل والموزون إلى عرف مكة والمدينة، فما كان مكيلاً في المدينة فعرفه الشرعي الكيل، وما كان موزوناً في مكة فعرفه الشرعي الوزن، فالتمر بالتمر مثلاً بمثل، وعرف التمر الكيل، فإذا أخذنا أحسن صنف من التمر في صاع ووضعناه في كفة، وأخذنا أردأ أنواع التمر في صاع ووضعناه في كفة أخرى، فهل يكون هناك زيادة في الحجم المكعب بين الصنفين أو يكونان متساويين؟ متساويين مثلاً بمثل، لكن إذا غايرنا العرف فيه، وبعنا كيلو بكيلو، فهل يتفق الحجم المكعب في كيلو تمر الصفاوي مع الشلبي الذي هو خفيف أو الحلية الذي هو أثقل؟ هل يتفق التماثل في الحجم المكعب؟ لا، ما يتفق، إذاً: هل حصلت المثلية؟ لا، والجهل بالمساواة كالعلم بالزيادة؛ ولهذا لا يجوز بيع صنف ربوي بجنسه إن كان مكيلاً إلا بعرفه الكيل، وإن كان موزوناً فبعرفه الوزن، فإذا غايرنا العرف، اختلف المقدار، ودخلنا في الجهالة بالمساواة، والجهالة بالمساواة كالعلم بالزيادة؛ لأننا نقطع بأن هناك زيادة، إذاً: التمر بالتمر مثلاً بمثل، وتعرف المثلية فيه بالكيل، ويكون الحجم واحداً، ولكن العرف يختلف، وباختلاف العرف يتفاوت الحجم، فالتمر بالتمر مثلاً بمثل بالكيل؛ لأن عرفه الكيل. والذهب يوزن ولا يكال، فلو وضعت ذهباً مكسراً قدر نصف صاع، وقلت: أعطني ذهباً جديداً نصف صاع، هل يتعادل الذهبان؟ لا يتعادل، لو وضعت حلقات وخواتم قدر نصف صاع، ووضعت ذهباً آخر مصوغاً ومكسراً قدر نصف صاع، فهل حصلت مماثلة بالكيل أو لا؟ لا؛ لأن الذهب يتماثل بالوزن. إذاً: لا يجوز بيع الصنف بالصنف بغير عرفه، فلا يجوز بيع الصنف الربوي المكيل بصنفه موزوناً، ولا الموزون مكيلاً؛ لأن اختلاف عرف التقدير يأتي بالزيادة، ويأتي بالربا.

стр. 2127

الربا في الملح قال ﵊: [ (والملح بالملح) ] . الملح عظيم القدر، حتى ذكر مع الذهب والفضة، ومع البر والشعير والتمر، ولا غنى لأحد عن الملح، لكن إذا زاد يفسد، والملح قسمان: ملح جبلي، وهو معدني. وملح بحري. وما كل بحر يخرج منه الملح، فمياه البحار فيها العديد من الأملاح، وبحيرة لوط خاصة فيها أنواع من الأملاح، وملح الطعام يؤخذ مما يسمونه الملاحة، وهي بقاع من الأرض يتجمع فيها الماء، وغالباً تكون الأرض سبخة مالحة، فإذا طفح الماء من منبعه، وامتلأت الحفرة، ترك الماء يتعرض للشمس، وتبخر الماء وترسب الملح، فيجمع ويكوّم ويجفف ويعبأ في الأكياس وينزل به إلى الأسواق، هذا ملح مائي، وليس معناه أن تذهب إلى البحر الأحمر وتستخرج ملح الطعام مباشرة، لا يوجد، وإن وجد فبمقدار قليل مع أملاح أخرى (صوديوم وفسفور وفسفات) ، وكل هذه يمكن استخراجها من المحيطات، ولكن ملح الطعام إما يستخرج من منقع ماء في أرض سبخة وإما من معدن في جبل، وفي أفريقيا بعض الجبال فيها عرق الملح، كما يوجد فيها عرق الذهب، وعرق الفضة، وعرق النحاس، كما يوجد فيها أحجار تحمل كحل الإثمد، تجد حجرة مثل الليمونة أو البرتقالة وفيها كحل العين، لا يكون فيها طين أو تراب، بل يكون فيها كحل من أجود أنواع الإثمد، مطحون وجاهز. والملح المعدني يدق؛ لأنه حجر مثل الرخام، وكيفية استعماله: أن يكسر منه قطعاً مثل علب الكبريت مثلاً، وتضعها في الماء، وتحركها في الماء حتى يستحلب منها الملح، كما أنه إذا وضع الملح في الماء فإنه يذوب نهائياً، سواء كان ملحاً معدنياً أو ملحاً مائياً. وهل الملح يكال أو يوزن في العرف؟ يكال، فإذا أردت أن تبيع ملحاً بملح ولو معدني بمائي فالجنس واحد، فيشترط التماثل والتقابض كما في أجناس البر وأجناس التمر، وكذلك الآن الرز أصناف، بل قالوا: فيه رز صناعي ورز نباتي، والذي يدخل في الربا الرز النباتي، لا الصناعي، ويهمنا هنا قوله: (والملح بالملح مثلاً بمثل) ، فلا يجوز فيه الزيادة، ولا يجوز فيه التأخير. وقوله ﵊: [ (مثلاً بمثل سواء بسواء يداً بيد) ] . (سواء بسواء) أي: متعادل (يداً بيد) ، وفي بعض الروايات: (هاء وهاء) (ها وها) ، (هاك وهاك) ، وهذه اسم فعل كما يقول ابن مالك: بمعنى: خذ، هات.

стр. 2128

القاعدة العامة في معرفة الربا قال ﵊: [ (فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم) ] . هذا هي القاعدة العامة، فإذا اتحدت هذه الأصناف: ذهب بذهب، فضة بفضة، بر ببر، شعير بشعير، تمر بتمر، ملح بملح، وكان الثمن والمثمن من جنس واحد، فلا تشفوا بعضها على بعض، مثلاً بمثل، ويداً بيد، وإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم. فإذا كان الثمن جنساً، والمثمن جنساً آخر، مثلاً: باع ذهباً بفضة، فهل اتحد الجنس أو اختلف؟ اختلف، وهكذا: باع تمراً ببر اختلف، فإذا اختلفت هذه الأجناس، وأصبح المبيع يغاير الثمن، والثمن يغاير المبيع، وإن كان كلاً منهما ربوي، وإن كان كلاً منهما من الأصناف الستة؛ (فبيعوا كيف شئتم) ، بمعنى: صاع بصاعين، صاع بعشرة، لا يوجد مانع، ولكن بقيد: يداً بيد، (فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد) ، فإذا كان عندك البر، وعنده التمر، واشتريت التمر ببر، ويمكن التمر يكون أحسن، والصاع فيه بصاعين بر أو بالعكس كما فعل معاوية، نصف صاع يعادل صاعاً، فهل يجوز أن تبيع البر نصف صاع بصاع تمر إلى بعد يوم؟ لا، ولا يؤخر دقيقة، ولا بد أن يكون الصنفان موجودين، خذ وهات. إلى هنا إن شاء الله يكون قد اتضح لنا صور بيع الربويات الست بعضها ببعض إذا اختلفت أجناسها، ثم بعد ذلك تبقى عندنا مسألة: هل يقتصر الحكم على هذه الأصناف الستة أو يلحق بها غيرها؟ وإذا كان يلحق بها غيرها، فبأي علة يكون الإلحاق؟ سنتكلم على هذا في الدرس القادم. وبالله تعالى التوفيق.

стр. 2129

كتاب البيوع - باب الربا [٢] اتفق أهل العلم على جريان الربا في الذهب والفضة؛ وفي البر والشعير والتمر والملح، واختلفوا في علة الربا فيها؛ ولهذا اختلفوا في الأشياء التي تلحق بهذه الأصناف الستة، ومعرفة خلافهم، ومآخذ أقوالهم، تدرب الطالب على التفقه، وتمرنه على الاجتهاد، فحري بطالب العلم أن يهتم بهذا الباب.

стр. 2130

شرح حديث: (الذهب وزناً بوزن ... )

стр. 2131

أنواع الربا بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: قال المصنف ﵀: [وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الذهب بالذهب وزناً بوزن مثلاً بمثل، والفضة بالفضة وزناً بوزن مثلاً بمثل، فمن زاد أو استزاد فهو ربا) رواه مسلم] . تقدم الكلام على الربا في الأصناف الستة المتقدمة: الذهب، والفضة، والبر، والشعير، والتمر، والملح، وتبين لنا أصول الربويات، وأن الربا يدور على أصله الحقيقي وهو الزيادة، وموضوعه كما قسمه الفقهاء: ربا الفضل. وربا النسيئة. فربا الفضل: هو الزيادة، إذا بيع جنس بجنسه وحصلت زيادة في أحد الطرفين، مثلاً: تمر بتمر صاع بصاع وزيادة درهم مع أحد الصاعين، فهذا هو ربا الفضل. والنسيئة: صاع بصاع، لكن يقول: آخذ صاعك اليوم، وأرد إليك صاعي الذي هو الثمن غداً، هذا هو ربا النسيئة.

стр. 2132

هل يجري الربا في غير الأصناف الستة ؟ نذكر مسألة كثر الخلاف فيها، واختلفت المذاهب في القول بها: هل الربا مقصور على هذه الأصناف الستة أم أنه يدخل في غيرها؟ أو بمعنى علمي: هل يلحق بها غيرها أم لا؟ وإذا كان غيرها يلحق بها فبأي مبدأ؟ وبأي علة؟ لأن القياس عند العلماء: هو إلحاق مسكوت عنه بمنطوق به لعلة جامعة، كما أنهم ألحقوا كل مسكوت عنه من المسكرات بالخمر، بجامع علة الإسكار، فالتحريم جاء نصاً في الخمر، ثم ألحق الفقهاء به كل مسكوت عنه، بأي اسم كان، إذا وجدت علة تحريم الخمر في ذاك المسكوت عنه، وعلة الخمر الإسكار، فإذا وجد الإسكار في العسل أو في اللبن أو في أي ثمرة ألحقت بالخمر في التحريم، وهذا أمر متفق عليه. إذاً: إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به يحتاج إلى رابط، ويحتاج إلى قرابة، ويحتاج إلى صلة نسب بين المسكوت عنه والمنطوق به، فهل يلحق بتلك الأصناف غيرها أم لا؟ وإذا كان يلحق بها غيرها فما هي العلة؟ ذهب داود الظاهري إلى أن المنصوص عليه في الربويات لا يلحق به غيره، وأن أي نوع من الحبوب غيرها من المطعوم أو المكيل أو الموزون أو المدخر أو غيره لا يلحق بالربويات، والربا لا يكون عنده إلا في هذه الأصناف الستة المنصوص عليها فقط، وهذا قول انفرد به عن جمهور العلماء، وعامة علماء المسلمين يلحقون غير المنصوص عليه به، وما هي؟ وبأي شيء يكون الإلحاق؟ قالوا: توجد علة يلحق بها المسكوت عنه، وهذه الست الأصناف نماذج، وكأنها تنبيه بالأخص على الأعم.

стр. 2133

العلة الربوية في الأصناف الستة الذهب والفضة هما المصدر بهما نصوص الربا، ما هي العلة في كونهما ربويين؟ وإذا وجدت فيهما علة فهل هي قاصرة عليهما أم تتعدى إلى غير الذهب والفضة؟ الجمهور على أن علة الذهب والفضة في الربا علة قاصرة، أي: لا تتعدى محلها؛ ولهذا لا يقاس على الذهب والفضة موزون من المعادن الأخرى، وما هي العلة القاصرة؟ قالوا: هي ثمن المبيعات، وقيمة المتلفات. فالذهب والفضة ليسا سلعة، ولكن لها مهمة وهي الثمنية، فلكون الذهب والفضة ثمنية فلا ينبغي أن تدخل في البيع والشراء والزيادة والنقص، هذا على أنها عملة والعلة الثمنية، فلا نتحكم فيها بيعاً وشراء وتكون خالصة من الربا والزيادة. إذاً: الذهب والفضة عنصران ربويان لا يقاس عليهما. فإذا كان ذهبٌ ومعدن آخر: نحاس، أو قصدير، أو زنك، أو برونز أو أي نوع من أنواع المعادن، فإذا بيع ذهب بتلك المعادن وزناً بوزن فهل ينبغي فيه المساواة في الوزن؟ قالوا: لا؛ لأن الذهب ليس سلعة بل هو ثمن وقيمة؛ ولذا علة الربا فيه قاصرة عليه. وهل يجوز أن نبيع الموزونات الأخرى غير الذهب والفضة جنسها بجنسها؟ قالوا: نعم، والعلة في الذهب والفضة هي الثمينة. وقيل: الوزن، ومن قال بأن العلة هي الوزن قال: كل موزون يدخل فيه الربا، وإذا جعلنا الذهب والفضة علتهما قاصرة عليهما وهي الثمنية فلا ربا في الموزونات. نأتي إلى الأربعة الأصناف الأخرى المذكورة، ما هي الصفات المشتركة بينها؟ تمر، بر، شعير، ملح، نؤخر الملح، فهذه الثلاثة: تمر، بر، شعير، ما هو الوصف الذي يشترك بينها؟ أولاً: الكيل؛ لأنها كلها تقدر كيلاً، إذاً: الكيل جزء من علة الربا. ثانياً: الطعم. وهل الطعم في التمر والبر والشعير كالطعم في التفاح والخوخ؟ ثالثاً: الاقتيات، إذاً: يكون مطعوماً مقتاتاً، فالتمر والبر والشعير موزون مطعوم مقتات، وهل يوجد وصف آخر أم لا؟ الادخار، ممكن أن ندخر التمر والشعير والبر سنة أو سنتين بخلاف التفاح والخوخ، فالفواكه إذا لم تكن في الثلاجة، أو وقف الكهرباء فسدت، فهي لا تدخر. إذاً: هناك من قال: العلة في الربويات الثلاثة الموجودة مع الذهب والفضة هي الكيل، فقال: كل مكيلٍ بيع بجنسه فهو ربوي، وجماعة زادوا وقالوا: ليست العلة الكيل وحده، بل العلة كونه مكيلاً مقتاتاً، والمقتات يتضمن المطعوم، وجماعة زادوا في العلة الادخار مع الكيل والاقتيات، فاختلف اجتهاد الفقهاء في اعتبار العلة المشتركة بين الأصناف الثلاثة، فما وجدت العلة فيه مما لم يسم ألحق بها قياساً. فمثلاً: الدخن والذرة غير منصوص عليهما، وهل توجد في الدخن والذرة علّة جامعة مع الثلاثة المذكورة؟ كلاً من الدخن والذرة مكيل وقوت ويدخر، إذاً: لا فرق بينها، فتلحق بالأصناف الستة، فبعضهم ألحق المسكوت عنه بجامع العلة، وبعضهم قال: هناك غير العلة، وهي تقارب المنفعة. فمثلاً: الزبيب ليس من الستة الأصناف، لكن قال: إن الزبيب يشارك التمر في المعنى، فما الفرق بين التمر والزبيب؟ كلاهما حلو، ويكال، ويقتات، ويدخر، فقال: أنا لا ألحق بالقياس، بل ألحق بالاشتراك في المعنى، وتوسعوا في هذا، وأجروا الربا في اللحم باللحم، مثل: لحم الإبل بلحم الغنم؛ لأنه قريب منه في المنفعة، إذاً: من عمل بالقياس ألحق كل ما لم يذكر بما ذكر إن وجدت فيه العلة، واختلفوا في معرفة العلة ما هي؟

стр. 2134

مذهب الأحناف والحنابلة قال الحنابلة: العلة هي الكيل، حتى أجروا الربا في الأشنان، والأشنان نوع من النبات ينبع على مجاري المياه، كان يغسل به الصوف دون الصابون؛ لأنه يذهب عنه الأوساخ والآكلة، ولا يوهن الصوف، فهو نوع من النبات، لكنه يباع بالكيل. وألحقوا بالأصناف الستة الحناء، فإنه إذا دق ورق الحناء صار مثل الدقيق، والعرف فيها الكيل، فقالوا: إذا بيع حناء بحناء فالعلة الكيل، فيمنع الربا فيها بجامع الكيل، واستدلوا بما جاء عند ابن حبان: (كل ما يوزن مثلاً بمثل، وكذلك الكيل) . وبهذا أخذ الحنابلة والأحناف. ومن العلماء من قال: العلة هي: الطعم مع الكيل؛ لحديث: (الطعام بالطعام مثلاً بمثل) ، وكان طعامهم يومئذ الشعير، ولكن اللفظ: (الطعام بالطعام) أنتم طعامكم الشعير، وهناك في مكة طعامهم البر، وهناك في أندنوسيا طعامهم الأرز، وهناك في أفريقيا طعامهم اللوبيا، إذاً: الطعام في كل مكان بحسبه، ولفظ الطعام عام، ولا نخصصه بطعامهم يومئذٍ، هذا طعامكم أنتم، لكن طعام غيركم غير هذا. إذاً: علة الربا، وإلحاق غير المنصوص عليه، اختلفوا فيه اختلافاً كثيراً، فمن استقرت عنده علّة الربا، ثم وجدها في غيرها ألحقه بها، فبعضهم عنده العلة الكيل والوزن فقط لحديث ابن حبان: (كل موزون مثلاً بمثل، وكذلك الكيل) يعني: وكذلك كل مكيل؛ ولهذا اقتصر الحنابلة على أن العلة الكيل فقط.

стр. 2135

مذهب المالكية المالكية عندهم أن العلة هي أن يكون قوتاً مدخراً، فإذا بيع الجنس بجنسه كيلاً أو وزناً، وكلاهما قوت مدخر فيجري فيهما الربا إلا مثلاً بمثل يداً بيد. وهناك من يقول: نلحق بالمنطوق به كل ما كان زكوياً، فما هي الحبوب التي تزكى؟ هل التفاح يزكى؟ لا، هل التفاح يكال أو يوزن؟ عرفه العدد، والآن صار الناس يوزنون كل شيء، ذكر العلماء القدماء أن مما لا يكال ولا يقتات الفواكه، وابن قدامة يقول: التفاح والفرسك والخوخ والمشمش والكمثرى والخيار ليست مكيلة، وليست مدخرة، هي مطعومة ولكن ليست مدخرة. قيل: إن العلة هي الكيل والوزن كما جاء التنصيص عليها في بعض النصوص، وهي موجودة بالفعل في هذه المسميات الست، ومالك ألحق بالمطعوم ما يصلح المطعوم وهو الملح، فالملح ليس قوتاً لكنه مدخر ومكيل، اجتمعت فيه العلتان. إذاً: لا تبع مكيلاً بمكيل مدخراً بمدخر إلا مثلاً بمثل، يداً بيد، والملح ولو لم يكن قوتاً فبه صلاح القوت. الحنابلة يردون -كما يذكر ابن قدامة في المغني- على مالك في قوله: بإصلاح القوت، ويعترضون عليه بالحطب، فالإدام يصلحونه بالحطب والنار، لكن هذا ليس لإصلاح ذات الطعام، بل لإنضاجه، لكن الملح في الطعام يكون جزءاً منه، وألحقوا به التوابل التي تدخل في الطعام، إذاً: قضية الربويات فيما عدا المنصوص عليه بحرٌ لا ساحل له. وكلٌ من الأئمة ﵏ ألحق من غير المسميات ما وجدت فيه العلة التي استقرت عنده، والعلة دائرة بين المقدار الذي هو الكيل والوزن، مكيل بمكيل، موزون بموزون، وبين الأوصاف الأخرى الموجودة في المنصوص عليها، أن تكون قوتاً ومدخراً، وعلى هذا فيجري الربا بلا خلاف عند الجمهور في الدخن والذرة والأرز. والسمسم قوت، ويحكى أن جماعة أضافهم ناس، فقدموا لهم صحن عسل وصحن سمسم، وهم غير عارفين بطبيعة أهل البلد! فرءوا طفلاً صغيراً فقالوا: تعال تعال كل، فجلس الطفل الصغير، وغمس أصبعه في العسل، ثم في السمسم ولحسه، فقالوا: بس! قم، قم، كلم أمك! فهو قوت. وبذر القطن يعصر ويخرج منه زيت، ولكن ليس قوتاً، وحينما نعصر البذرة، وأصبح عندنا زيت، فالزيت مكيل أو موزون؟ الأصل فيه الكيل، وكذا السمن وجميع السوائل الأصل فيها الكيل، فأصبح عندنا الزيت مكيلاً، وأصبح مدخراً، فيدخل في أنواع الربويات، فلو بيع زيت بذرة قطن بزيت بذرة قطن وجب الحلول والتقابض والتساوي. وإذا بيع زيت بذرة القطن بزيت الزيتون، فهل اتحد الجنس أو اختلف؟ اختلف، (بيعوا كيف شئتم) ، فلا يلزم فيه التساوي، ويلزم التقابض؛ لأن كلاً منهما دهن، ويدخلان في علة المقدار التي هي الكيل والادخار. والتفصيل بالجزئيات في أنواع الربويات لا يمكن حصره، ولكن الإلحاق موجود عند الأئمة الأربعة، وما امتنع من الإلحاق إلا داود الظاهري؛ لأنه لم يقل بالقياس.

стр. 2136

الحكمة من تحريم الربا في المطعومات الإلحاق يكون بالعلة، كما ألحقنا كل مسكر بالخمر لوجود علة الإسكار فيه، وهنا يقول ابن رشد في البداية: وصف الطعم يدل على اشتقاق العلة، فالنبي ﵊ قال: (الطعام بالطعام) ، فوصفه بكونه طعماً يدل على أن العلة هي الطعم، كما في قوله سبحانه: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨] ، علة القطع هنا هي السرقة؛ لأن الحكم تعلق بوصف وهو السارق، والسارق اسم فاعل يشتق من سرق يسرق فهو سارق. إذاً: (الطعام بالطعام) دلت كلمة الطعام على علة الربا كما أن كلمة السارق دلت على علة القطع، وكذلك قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور:٢] ، فوصف الزنا في الطرفين هو علة الجلد، إذاً: الطعم علة في الربا لقوله: (الطعام بالطعام) . والذين يقولون: ما خرج عن الأصناف الستة يلحق بها بعلة الكيل والجنس، قالوا: أصل الربا في اللغة هو الزيادة، ولما كانت زيادة الجنس على الجنس غبن، فإذا وجد في المكيل من غير المسميات -مثل الأشنان والحناء- فالعلة واحدة، والأصل حفظ الأموال وعدم الغبن، فيجب أن يكونا متساويين في الفائدة وفي النتيجة، فكيف أعطيك صاع حناء وتعطيني صاعاً إلا ربع؟! لماذا تغبني في ربع الصاع هذا؟ فما دامت متساوية في المنفعة فيجب أن تكون متساوية في المقدار؛ ولذا ذكر ابن رشد قاعدة تبين الربا، وهي أن ما خرج عن قانون الربا مما ليس بربوي، فتكون القيمة بين المبيع والمشترى، لو أن كلاً منهما سلعة بنسبة آحاد هذا الصنف في جنسه مع نسبة آحاد الجنس الثاني في جنسه، ويمثل ويقول: مثلاً: نشتري فرساً بثياب، فالثياب ليست ربوية، والفرس غير ربوي، فيصح أن نشتري الفرس بمائة ثوب، بمائتين ثوب، بعشرين ثوباً، ولكن ما الذي يقدر قيمة الفرس بعدد الثياب؟ قالوا: النسبة، أي: نسبة هذا الثوب الواحد في جنسه كنسبة الفرس الواحد في جنسه، فإذا تحققت النسبة ارتفع الغبن، هذا الفرس في جنسه كم يساوي؟ مثلاً يساوي ألف ريال، وهذا الثوب في جنسه كم يساوي؟ قالوا: عشرة ريال، إذاً: نسبة الفرس في الأفراس ألف ريال، ونسبة الثوب في الثياب عشرة ريال، فكم ثوب نقدر للفرس حتى لا يحصل غبنٌ؟ مائة، إذاً: نأخذ الفرس بمائة ثوب، ولو أخذناه بمائتين يحصل غبن، لو أخذناه بخمسين يحصل غبن، إذاً: النسبة التقديرية بين غير الربويات ترجع إلى المساواة، وترفع الغبن. إذاً: إذا كان المبيع جنساً واحداً فما الذي يرفع الغبن؟ التساوي، كيل بكيل، وزن بوزن، فلا يحصل غبن، ستقول: هذا جنس جيد، وهذا جنس رديء، إن بعناهما متماثلين وقع الغبن فيما هو فرق بين الجودة والرداءة، فنقول: سد هذا الباب، وبع الجيد بدراهم، واشتر بالدراهم الرديء، أو العكس بع الرديء بدراهم، واشتر بالدراهم الجيد، وفي تلك البيعتين لا غبن؛ لأنك ستبيع الرديء بنسبته من جنسه بالثمن المتعادل، وتشتري بالدراهم التي عندك الجيد بنسبته من جنسه بالدراهم، وانتفى الغبن في الصفقتين.

стр. 2137

شرح حديث النهي عن بيع التمر بالتمر متفاضلاً قال ﵀: [وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄: (أن رسول الله ﷺ استعمل رجلاً على خيبر فجاءه بتمر جنيب، فقال رسول الله ﷺ : أكل تمر خيبر هكذا؟ فقال: لا. والله يا رسول الله! إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله ﷺ : لا تفعلوا، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيباً، وقال في الميزان مثل ذلك) متفق عليه، ولـ مسلم: (وكذلك الميزان) ] . نعلم جميعاً أن خيبر فتحت عنوة، وأنها أصبحت للمسلمين، وأن الرسول ﷺ أبقى اليهود فيها يعملونها على جزء من الثمرة، وأصبحت معاملة عند المسلمين تسمى المخابرة، وهي أن رسول الله ﷺ عامل أهل خيبر في بلدهم، وكان ﷺ يرسل إليهم ابن رواحة يخرص عليهم التمر، فيلتزمون بحصة المسلمين، ويأخذون حصتهم، فالعامل بمعنى الأمير، بمعنى الوكيل، بمعنى النائب، عامل رسول الله في خيبر، يعني: نائبه في إدارتها، والحكم فيها، وما يتعلق بشئونهم دنيوياً ودينياً. إذاً: كان ﷺ قد نظّم أمور الدولة، وأقام العمّال، ونظم الجباية، ورتب الإدارات، كما قيل: التراتيب الإدارية في الدولة المسلمة الفتية، هذا العامل سواء كان أميراً أو قاضياً أو حاكماً أو غير ذلك جاء إلى النبي ﷺ بتمر جيد، فلما نظر إليه ﷺ قال: (أكُلّ تمر خيبر هكذا؟) ، وهذا مما ينبه عليه العلماء: أن ولي الأمر يجب أن يتفقد الولاة والعمال، كيف جاء العامل بهذا التمر؟ هل كل تمر خيبر هكذا أو أنه تصرف؟ فتبين أن العامل قد تصرف، فقال: لا والله! يا رسول الله! ما كل تمر خيبر هكذا، إنا لنشتري الصاع من هذا الجيد بالصاعين من دونه، أو الصاعين بالثلاثة، يعني: متفاضلاً، إذاً: نشتري الجنس بجنسه كيلاً مطعوماً مقتاتاً مدخراً مع التفاضل. فماذا قال ﷺ ؟ (لا تفعل) ، لا تفعل ماذا؟ أن تشتري الجنس الواحد بجنسه متفاضلاً، هل تبغى تشتري جنساً بجنسه؟ يجب أن يكون متساوياً، وأما الجودة والرداءة فحلها آخر، وليس في الإسلام طريق مسدود أبداً، عندك السوق، بع الرديء بنقد، فيحصل في يدك النقد ثمناً للرديء، وانقطعت العلاقة بالرديء، وأصبح في يدك نقد ثمنه، فتذهب إلى السوق وتشتري جيداً بالنقد، وأصبحت الصفقة الثانية بين الجيد والنقد، ولا علاقة للصفقة الثانية بالرديء الأول، وإن كان النقد ثمناً لها؛ لأن ببيع الرديء بالدراهم انقطعت علاقة الرديء، ونستأنف علاقة جديدة بالدراهم التي بأيدينا. إذاً: هذا خروجٌ من مأزق فوارق الجودة والرداءة. وقوله: (وقال في الميزان مثل ذلك) ؛ يعني: لأن التمر مكيل، فكأنه قال: كل مكيل بيع بجنسه متفاضلاً لا يجوز، ماذا أفعل؟ بع بالتساوي، وإن كان فرق في الجودة والرداءة فبع بالنقد واشتر بالنقد، وكذلك افعل في كل ميزان، وليس المراد بكلمة ميزان هنا: الآلة التي نزن بها؛ لأنها آلة مصنّعة لا ربا فيها، ولكن المراد: وكذلك الموزون بالميزان. تكلمنا على حديث التمر الجنيب إجمالاً، وهناك مباحث في هذا الحديث فيما يتعلق بالأحكام الفقهية في تلك الصفقة، وهذا الحديث يبين بصفة عامة أن الجنس بجنسه لا بد أن يكون متماثلاً متساوياً ويداً بيد، فهذا الذي استعمله رسول الله ﷺ . إذاً: لا يجوز شراء التمر الجنيب صاعاً بصاعين من الجمع، والجمع يقال: إنه مجموع أصناف مجهولة الاسم، وغالباً ما تكون تلك الأصناف مجهولة الاسم قليلة الجودة عن المعروف المتعين باسمه، وكما نشاهد الآن في المدينة الشيء الفاخر الجيد معروف اسمه، يقول لك: صفاوي، شلبي، سكري، ومثله تمر الإخلاص المعروف في الإحساء، فالتمور الجيدة محافظة على اسمها ومعينة عند الناس، لكن التمور التي غير متميزة قد يكون لها اسم ولكن لا يحفظ. فكونه اشترى صاعاً جنيباً جيداً بصاعين أو صاعين بثلاثة، لا يجوز، والرسول ﷺ عاب ذلك وقال: (لا تفعل) لا تفعل في هذه الصفقة، أو لا تفعل في المستقبل، (ولكن بع الجمع بدراهم، واشتر بالدراهم جنيباً) . إذاً: هذا منهج للتعامل بين الرديء والجيد، وإذا كنا لا نقبل أن نتبادل جيداً برديء مثلاً بمثل؛ لأنه غير معقول، عندي تمر من أجود ما يكون، وتعطيني تمراً أردأ ما يكون، وتقول: مثلاً بمثل، أعطني صاعاً بصاع! أنا غير معطيك، فكيف نفعل؟ صاحب التمر الرديء يريد أن يأكل تمراً جيداً، فليعمل بهذا المنهج، وهو أن تدخل القيمة وسيطاً بين الرديء والجيد، بع الجمع بدراهم، وبعد أن أخذت الدراهم ثمناً للجمع اشتر بالدراهم جنيباً جيداً، ويكون هناك انفكاك بين الصفقة الأولى في الجمع، وبين الصفقة الثانية في الجنيب.

стр. 2138

هل أبطل النبي ﷺ البيع الربوي قبل العلم بالحكم الشرعي ؟ سؤال يبحثه العلماء: إذا كانت تلك الصفقة الصاع بصاعين لا تجوز، فهل أبطل النبي ﷺ تلك الصفقة، ورد الرجل الجنيب واسترجع الصاعين من الجمع أم سكت عن تلك الصفقة وكان التنبيه لما يستقبل؟ التحقيق في ذلك أن الأحكام قبل التشريع تمضي، والحكم بعد صدوره يكون للمستقبل، وكما يقول الأصوليون: ليس للأوامر رد فعل عكسي، إنما تكون للمستقبل، ولا ترجع على الماضي، فالماضي مضى بما كان. والنظم والقوانين والتشريعات إنما تكون من صدورها إلى ما بعد، وهذا هو نص القرآن الكريم، وخاصة في الربويات، فتقدم لنا في دراسة الربا نص القرآن الكريم: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة:٢٧٥] ، يعني الربا الذي حصل عليه قبل مجيء الموعظة له، ما طالب المرابين أن يردوا الربويات على أصحابها، ولكن تركها لهم؛ لأنه ما كان هناك تشريع، ولا كان هناك نهي، فهم أكلوها على مبدأ التعامل عندهم، ثم جاء النهي وتبين الواقع: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ﴾ [البقرة:٢٧٩] من الآن ﴿رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة:٢٧٩] . إذاً: يحرم الربا بعد الموعظة، فما كان قبل الموعظة ترك لهم، ومما يثبت تعميم هذا الحكم أو هذه القاعدة بأن الأوامر للمستقبل أو أن ما وقع قبل الإعلام أو قبل التشريع يترك ما جاء عن عمر ﵁ أنه أتي بنكاح شهد عليه رجل وامرأتان، والأصل في الشهادة شاهدا عدل ممن ترضون من الشهداء، أما قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا﴾ [البقرة:٢٨٢] فهذه لا دخل لها في النكاح والطلاق والدماء، ولكن في الأموال تجوز شهادة رجل وامرأتين، ولما كان الأمر كذلك فماذا يفعل عمر؟ قال: لو كنت سُبقت أو سَبقت؛ لرجمت. لو كنت سُبقت على ما أعلم بالتنبيه ممن سبقني سواء كان عن الرسول ﷺ أو عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه، أو لو كنت سَبقت بالإعلام بعدم صحة النكاح برجل وامرأتين، لو كنت أعلنت ذلك بين الناس، وسبق العلم بمنع هذا، ثم فعل بعد العلم؛ لرجمت؛ لأنه يكون فعل بعد العلم، وإصرار على المخالفة، لكن كانت الشبهة قائمة: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة:٢٨٢] ، فهم عمموا الحكم في الأموال وفي الفروج، وربما يجعلوها حتى في الدماء، فـ عمر رضي الله تعالى عنه لما لم يكن هناك علمٌ منتشر سابق بمنع الشهادة في النكاح برجل وامرأتين -أي: بعدم إدخال النساء في الشهادة في النكاح والطلاق- عذر هؤلاء، ولم يجعل لهذا الفعل أو هذا النهي رد فعل سابق، وأمر بتجديد العقد؛ لأن العقد تبين أنه باطل، وهل عاقبهم نتيجة لبطلان العقد لأنهما كانا زانيين؟ لا، بل من الآن، فكذلك هنا، وإن كان بعض الناس يقول: الرسول أمره برد ذلك، لكن الآخرين يقولون: لم يثبت هذا، ونحن نقول: لا حاجة إلى البحث عن رد العقد الأول أو عن إبطاله، وأنه غير جائز شرعاً ونقول: إنه قد وقع قبل العلم، وما وقع قبل العلم وقبل التشريع فإنه يترك كما في كتاب الله: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة:٢٧٥] ، ثم تكون قاعدة عامة في جميع العقود التي صدرت، وكان الجهل يحتمل فيها؛ لأن هناك أشياء لا يعذر أحدٌ بجهله، فبعد حادثة عمر لو عقد أحد بشاهدٍ وامرأتين هل نقبل منه؟ هل نقول: لم نسُبق ولا سَبق العلم، ولا نعاقبه؟ لا. هذا ما يتعلق بحكم الصفقة الأولى، وقد وقعت مغايرة للحكم الشرعي، ومضت على ما مضت عليه ويستأنف العمل الجديد بما بعد هذا الإعلام.

стр. 2139

كتاب البيوع - باب الربا [٣] حرم الله أكل أموال الناس بالباطل؛ لما يترتب عليه من المفاسد الكبيرة على الفرد والمجتمع، وقد جاء الإسلام ليُتمِّم مكارم الأخلاق، وظلم الناس في أموالهم ينافي ذلك؛ ولهذا حرم الإسلام الربا وكل ما يفضي إليه من المعاملات المالية، وهي كثيرة وينبغي معرفتها للحذر والتحذير منها.

стр. 2140

شرح حديث: (نهى رسول الله عن بيع الصبرة من التمر ...) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه. وبعد: قال المصنف ﵀: [وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن بيع الصبرة من التمر التي لا يعلم مكيالها بالكيل المسمى من التمر) رواه مسلم] . هذه صورة من صور الربا، وتقدم التنبيه على أن الربا بضع وسبعون باباً، فهو أبواب متعددة، فبيع الجمع بالجنيب نوع من الربا، ومن الربا بيع جنس بجنسه متفاضلاً كبر ببر، وهنا لا يوجد تفاضل في الجنس، فما هي الصبرة؟ الصبرة من كل شيء: المجموع المكوّم، تأتي مثلاً بكيس البر، وتفرغه في الأرض، ثم بكيس آخر، وآخر. حتى يصبح بشكل هرمي من البر، وكذلك من التمر، فهذه هي الصبرة، والأصل في بيع الصبرة أن يكال، فنقول لصاحبها: أبغى صاعين. أبغى ثلاثة، أبغى خمسة. ، ومالك ذكر في الصبرة أحكاماً عديدة، وقد نبهت سابقاً أن من أراد الجزئيات الدقائق جداً في الربا فليرجع إلى موطأ مالك، وإلى الباجي في شرحه. نهى ﷺ عن بيع هذا الصبرة بجنسها كيلاً، مثلاً يقول الرجل: يا صاحب الصبرة! هذه الصبرة تمر أو بر؟ قال: تمر، فيقول: أشتريها منك بخمسين صاعاً، والزائد من الخمسين لي، والناقص علي؛ لأنه لا يمكن أن نحكم أن الصبرة خمسين صاعاً ما تزيد تمرة ولا تنقص، فتحتمل الزيادة والنقص، فيقول: آخذها على حظي، آخذها بخمسين صاعاً، وإن وجدتها إحدى وخمسين، أو خمسة وخمسين، أو ستين، فالزائد لي، وإن وجدتها أربعين، أو خمسة وثلاثين، فالناقص عليّ، وما أنا مطالبك بشيء. يوجد تراض وتسامح بينهما، لكن تراضي المتعاقدين لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً؛ لأن كل المعاملات تكون عن تراضٍ، حتى الذي يكتب سنداً بأنه اقترض ألفاً، ويرده ألفاً ومائتين، ويوقع عليه؛ فهو راضٍ بذلك. إذاً: لا كما يقول القانونيون سابقاً: العقد شرعة المتعاقدين. ثم عدلوا في هذه القاعدة وزادوا: ما لم يخالف قانوناً، إذاً: العقد شرعة المتعادقين ما لم يخالف الشرع، ونحن بحمد الله قانوننا الشرع، فما المانع في هذه الصورة أن يصحح بيع الصبرة مجهولة الكيل بكيل معلوم محدد؟ المانع أن الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل.
следующие страницы →