Полный текст (2 523 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.
стр. 2136
الحكمة من تحريم الربا في المطعومات
الإلحاق يكون بالعلة، كما ألحقنا كل مسكر بالخمر لوجود علة الإسكار فيه، وهنا يقول ابن رشد في البداية: وصف الطعم يدل على اشتقاق العلة، فالنبي ﵊ قال: (الطعام بالطعام) ، فوصفه بكونه طعماً يدل على أن العلة هي الطعم، كما في قوله سبحانه: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨] ، علة القطع هنا هي السرقة؛ لأن الحكم تعلق بوصف وهو السارق، والسارق اسم فاعل يشتق من سرق يسرق فهو سارق.
إذاً: (الطعام بالطعام) دلت كلمة الطعام على علة الربا كما أن كلمة السارق دلت على علة القطع، وكذلك قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور:٢] ، فوصف الزنا في الطرفين هو علة الجلد، إذاً: الطعم علة في الربا لقوله: (الطعام بالطعام) .
والذين يقولون: ما خرج عن الأصناف الستة يلحق بها بعلة الكيل والجنس، قالوا: أصل الربا في اللغة هو الزيادة، ولما كانت زيادة الجنس على الجنس غبن، فإذا وجد في المكيل من غير المسميات -مثل الأشنان والحناء- فالعلة واحدة، والأصل حفظ الأموال وعدم الغبن، فيجب أن يكونا متساويين في الفائدة وفي النتيجة، فكيف أعطيك صاع حناء وتعطيني صاعاً إلا ربع؟! لماذا تغبني في ربع الصاع هذا؟ فما دامت متساوية في المنفعة فيجب أن تكون متساوية في المقدار؛ ولذا ذكر ابن رشد قاعدة تبين الربا، وهي أن ما خرج عن قانون الربا مما ليس بربوي، فتكون القيمة بين المبيع والمشترى، لو أن كلاً منهما سلعة بنسبة آحاد هذا الصنف في جنسه مع نسبة آحاد الجنس الثاني في جنسه، ويمثل ويقول: مثلاً: نشتري فرساً بثياب، فالثياب ليست ربوية، والفرس غير ربوي، فيصح أن نشتري الفرس بمائة ثوب، بمائتين ثوب، بعشرين ثوباً، ولكن ما الذي يقدر قيمة الفرس بعدد الثياب؟ قالوا: النسبة، أي: نسبة هذا الثوب الواحد في جنسه كنسبة الفرس الواحد في جنسه، فإذا تحققت النسبة ارتفع الغبن، هذا الفرس في جنسه كم يساوي؟ مثلاً يساوي ألف ريال، وهذا الثوب في جنسه كم يساوي؟ قالوا: عشرة ريال، إذاً: نسبة الفرس في الأفراس ألف ريال، ونسبة الثوب في الثياب عشرة ريال، فكم ثوب نقدر للفرس حتى لا يحصل غبنٌ؟ مائة، إذاً: نأخذ الفرس بمائة ثوب، ولو أخذناه بمائتين يحصل غبن، لو أخذناه بخمسين يحصل غبن، إذاً: النسبة التقديرية بين غير الربويات ترجع إلى المساواة، وترفع الغبن.
إذاً: إذا كان المبيع جنساً واحداً فما الذي يرفع الغبن؟ التساوي، كيل بكيل، وزن بوزن، فلا يحصل غبن، ستقول: هذا جنس جيد، وهذا جنس رديء، إن بعناهما متماثلين وقع الغبن فيما هو فرق بين الجودة والرداءة، فنقول: سد هذا الباب، وبع الجيد بدراهم، واشتر بالدراهم الرديء، أو العكس بع الرديء بدراهم، واشتر بالدراهم الجيد، وفي تلك البيعتين لا غبن؛ لأنك ستبيع الرديء بنسبته من جنسه بالثمن المتعادل، وتشتري بالدراهم التي عندك الجيد بنسبته من جنسه بالدراهم، وانتفى الغبن في الصفقتين.
стр. 2137
شرح حديث النهي عن بيع التمر بالتمر متفاضلاً
قال ﵀: [وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄: (أن رسول الله ﷺ استعمل رجلاً على خيبر فجاءه بتمر جنيب، فقال رسول الله ﷺ : أكل تمر خيبر هكذا؟ فقال: لا.
والله يا رسول الله! إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله ﷺ : لا تفعلوا، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيباً، وقال في الميزان مثل ذلك) متفق عليه، ولـ مسلم: (وكذلك الميزان) ] .
نعلم جميعاً أن خيبر فتحت عنوة، وأنها أصبحت للمسلمين، وأن الرسول ﷺ أبقى اليهود فيها يعملونها على جزء من الثمرة، وأصبحت معاملة عند المسلمين تسمى المخابرة، وهي أن رسول الله ﷺ عامل أهل خيبر في بلدهم، وكان ﷺ يرسل إليهم ابن رواحة يخرص عليهم التمر، فيلتزمون بحصة المسلمين، ويأخذون حصتهم، فالعامل بمعنى الأمير، بمعنى الوكيل، بمعنى النائب، عامل رسول الله في خيبر، يعني: نائبه في إدارتها، والحكم فيها، وما يتعلق بشئونهم دنيوياً ودينياً.
إذاً: كان ﷺ قد نظّم أمور الدولة، وأقام العمّال، ونظم الجباية، ورتب الإدارات، كما قيل: التراتيب الإدارية في الدولة المسلمة الفتية، هذا العامل سواء كان أميراً أو قاضياً أو حاكماً أو غير ذلك جاء إلى النبي ﷺ بتمر جيد، فلما نظر إليه ﷺ قال: (أكُلّ تمر خيبر هكذا؟) ، وهذا مما ينبه عليه العلماء: أن ولي الأمر يجب أن يتفقد الولاة والعمال، كيف جاء العامل بهذا التمر؟ هل كل تمر خيبر هكذا أو أنه تصرف؟ فتبين أن العامل قد تصرف، فقال: لا والله! يا رسول الله! ما كل تمر خيبر هكذا، إنا لنشتري الصاع من هذا الجيد بالصاعين من دونه، أو الصاعين بالثلاثة، يعني: متفاضلاً، إذاً: نشتري الجنس بجنسه كيلاً مطعوماً مقتاتاً مدخراً مع التفاضل.
فماذا قال ﷺ ؟ (لا تفعل) ، لا تفعل ماذا؟ أن تشتري الجنس الواحد بجنسه متفاضلاً، هل تبغى تشتري جنساً بجنسه؟ يجب أن يكون متساوياً، وأما الجودة والرداءة فحلها آخر، وليس في الإسلام طريق مسدود أبداً، عندك السوق، بع الرديء بنقد، فيحصل في يدك النقد ثمناً للرديء، وانقطعت العلاقة بالرديء، وأصبح في يدك نقد ثمنه، فتذهب إلى السوق وتشتري جيداً بالنقد، وأصبحت الصفقة الثانية بين الجيد والنقد، ولا علاقة للصفقة الثانية بالرديء الأول، وإن كان النقد ثمناً لها؛ لأن ببيع الرديء بالدراهم انقطعت علاقة الرديء، ونستأنف علاقة جديدة بالدراهم التي بأيدينا.
إذاً: هذا خروجٌ من مأزق فوارق الجودة والرداءة.
وقوله: (وقال في الميزان مثل ذلك) ؛ يعني: لأن التمر مكيل، فكأنه قال: كل مكيل بيع بجنسه متفاضلاً لا يجوز، ماذا أفعل؟ بع بالتساوي، وإن كان فرق في الجودة والرداءة فبع بالنقد واشتر بالنقد، وكذلك افعل في كل ميزان، وليس المراد بكلمة ميزان هنا: الآلة التي نزن بها؛ لأنها آلة مصنّعة لا ربا فيها، ولكن المراد: وكذلك الموزون بالميزان.
تكلمنا على حديث التمر الجنيب إجمالاً، وهناك مباحث في هذا الحديث فيما يتعلق بالأحكام الفقهية في تلك الصفقة، وهذا الحديث يبين بصفة عامة أن الجنس بجنسه لا بد أن يكون متماثلاً متساوياً ويداً بيد، فهذا الذي استعمله رسول الله ﷺ .
إذاً: لا يجوز شراء التمر الجنيب صاعاً بصاعين من الجمع، والجمع يقال: إنه مجموع أصناف مجهولة الاسم، وغالباً ما تكون تلك الأصناف مجهولة الاسم قليلة الجودة عن المعروف المتعين باسمه، وكما نشاهد الآن في المدينة الشيء الفاخر الجيد معروف اسمه، يقول لك: صفاوي، شلبي، سكري، ومثله تمر الإخلاص المعروف في الإحساء، فالتمور الجيدة محافظة على اسمها ومعينة عند الناس، لكن التمور التي غير متميزة قد يكون لها اسم ولكن لا يحفظ.
فكونه اشترى صاعاً جنيباً جيداً بصاعين أو صاعين بثلاثة، لا يجوز، والرسول ﷺ عاب ذلك وقال: (لا تفعل) لا تفعل في هذه الصفقة، أو لا تفعل في المستقبل، (ولكن بع الجمع بدراهم، واشتر بالدراهم جنيباً) .
إذاً: هذا منهج للتعامل بين الرديء والجيد، وإذا كنا لا نقبل أن نتبادل جيداً برديء مثلاً بمثل؛ لأنه غير معقول، عندي تمر من أجود ما يكون، وتعطيني تمراً أردأ ما يكون، وتقول: مثلاً بمثل، أعطني صاعاً بصاع! أنا غير معطيك، فكيف نفعل؟ صاحب التمر الرديء يريد أن يأكل تمراً جيداً، فليعمل بهذا المنهج، وهو أن تدخل القيمة وسيطاً بين الرديء والجيد، بع الجمع بدراهم، وبعد أن أخذت الدراهم ثمناً للجمع اشتر بالدراهم جنيباً جيداً، ويكون هناك انفكاك بين الصفقة الأولى في الجمع، وبين الصفقة الثانية في الجنيب.
стр. 2138
هل أبطل النبي ﷺ البيع الربوي قبل العلم بالحكم الشرعي ؟
سؤال يبحثه العلماء: إذا كانت تلك الصفقة الصاع بصاعين لا تجوز، فهل أبطل النبي ﷺ تلك الصفقة، ورد الرجل الجنيب واسترجع الصاعين من الجمع أم سكت عن تلك الصفقة وكان التنبيه لما يستقبل؟ التحقيق في ذلك أن الأحكام قبل التشريع تمضي، والحكم بعد صدوره يكون للمستقبل، وكما يقول الأصوليون: ليس للأوامر رد فعل عكسي، إنما تكون للمستقبل، ولا ترجع على الماضي، فالماضي مضى بما كان.
والنظم والقوانين والتشريعات إنما تكون من صدورها إلى ما بعد، وهذا هو نص القرآن الكريم، وخاصة في الربويات، فتقدم لنا في دراسة الربا نص القرآن الكريم: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة:٢٧٥] ، يعني الربا الذي حصل عليه قبل مجيء الموعظة له، ما طالب المرابين أن يردوا الربويات على أصحابها، ولكن تركها لهم؛ لأنه ما كان هناك تشريع، ولا كان هناك نهي، فهم أكلوها على مبدأ التعامل عندهم، ثم جاء النهي وتبين الواقع: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ﴾ [البقرة:٢٧٩] من الآن ﴿رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة:٢٧٩] .
إذاً: يحرم الربا بعد الموعظة، فما كان قبل الموعظة ترك لهم، ومما يثبت تعميم هذا الحكم أو هذه القاعدة بأن الأوامر للمستقبل أو أن ما وقع قبل الإعلام أو قبل التشريع يترك ما جاء عن عمر ﵁ أنه أتي بنكاح شهد عليه رجل وامرأتان، والأصل في الشهادة شاهدا عدل ممن ترضون من الشهداء، أما قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا﴾ [البقرة:٢٨٢] فهذه لا دخل لها في النكاح والطلاق والدماء، ولكن في الأموال تجوز شهادة رجل وامرأتين، ولما كان الأمر كذلك فماذا يفعل عمر؟ قال: لو كنت سُبقت أو سَبقت؛ لرجمت.
لو كنت سُبقت على ما أعلم بالتنبيه ممن سبقني سواء كان عن الرسول ﷺ أو عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه، أو لو كنت سَبقت بالإعلام بعدم صحة النكاح برجل وامرأتين، لو كنت أعلنت ذلك بين الناس، وسبق العلم بمنع هذا، ثم فعل بعد العلم؛ لرجمت؛ لأنه يكون فعل بعد العلم، وإصرار على المخالفة، لكن كانت الشبهة قائمة: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة:٢٨٢] ، فهم عمموا الحكم في الأموال وفي الفروج، وربما يجعلوها حتى في الدماء، فـ عمر رضي الله تعالى عنه لما لم يكن هناك علمٌ منتشر سابق بمنع الشهادة في النكاح برجل وامرأتين -أي: بعدم إدخال النساء في الشهادة في النكاح والطلاق- عذر هؤلاء، ولم يجعل لهذا الفعل أو هذا النهي رد فعل سابق، وأمر بتجديد العقد؛ لأن العقد تبين أنه باطل، وهل عاقبهم نتيجة لبطلان العقد لأنهما كانا زانيين؟ لا، بل من الآن، فكذلك هنا، وإن كان بعض الناس يقول: الرسول أمره برد ذلك، لكن الآخرين يقولون: لم يثبت هذا، ونحن نقول: لا حاجة إلى البحث عن رد العقد الأول أو عن إبطاله، وأنه غير جائز شرعاً ونقول: إنه قد وقع قبل العلم، وما وقع قبل العلم وقبل التشريع فإنه يترك كما في كتاب الله: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة:٢٧٥] ، ثم تكون قاعدة عامة في جميع العقود التي صدرت، وكان الجهل يحتمل فيها؛ لأن هناك أشياء لا يعذر أحدٌ بجهله، فبعد حادثة عمر لو عقد أحد بشاهدٍ وامرأتين هل نقبل منه؟ هل نقول: لم نسُبق ولا سَبق العلم، ولا نعاقبه؟ لا.
هذا ما يتعلق بحكم الصفقة الأولى، وقد وقعت مغايرة للحكم الشرعي، ومضت على ما مضت عليه ويستأنف العمل الجديد بما بعد هذا الإعلام.
стр. 2139
كتاب البيوع - باب الربا [٣]
حرم الله أكل أموال الناس بالباطل؛ لما يترتب عليه من المفاسد الكبيرة على الفرد والمجتمع، وقد جاء الإسلام ليُتمِّم مكارم الأخلاق، وظلم الناس في أموالهم ينافي ذلك؛ ولهذا حرم الإسلام الربا وكل ما يفضي إليه من المعاملات المالية، وهي كثيرة وينبغي معرفتها للحذر والتحذير منها.
стр. 2140
شرح حديث: (نهى رسول الله عن بيع الصبرة من التمر ...)
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
وبعد: قال المصنف ﵀: [وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن بيع الصبرة من التمر التي لا يعلم مكيالها بالكيل المسمى من التمر) رواه مسلم] .
هذه صورة من صور الربا، وتقدم التنبيه على أن الربا بضع وسبعون باباً، فهو أبواب متعددة، فبيع الجمع بالجنيب نوع من الربا، ومن الربا بيع جنس بجنسه متفاضلاً كبر ببر، وهنا لا يوجد تفاضل في الجنس، فما هي الصبرة؟ الصبرة من كل شيء: المجموع المكوّم، تأتي مثلاً بكيس البر، وتفرغه في الأرض، ثم بكيس آخر، وآخر.
حتى يصبح بشكل هرمي من البر، وكذلك من التمر، فهذه هي الصبرة، والأصل في بيع الصبرة أن يكال، فنقول لصاحبها: أبغى صاعين.
أبغى ثلاثة، أبغى خمسة.
، ومالك ذكر في الصبرة أحكاماً عديدة، وقد نبهت سابقاً أن من أراد الجزئيات الدقائق جداً في الربا فليرجع إلى موطأ مالك، وإلى الباجي في شرحه.
نهى ﷺ عن بيع هذا الصبرة بجنسها كيلاً، مثلاً يقول الرجل: يا صاحب الصبرة! هذه الصبرة تمر أو بر؟ قال: تمر، فيقول: أشتريها منك بخمسين صاعاً، والزائد من الخمسين لي، والناقص علي؛ لأنه لا يمكن أن نحكم أن الصبرة خمسين صاعاً ما تزيد تمرة ولا تنقص، فتحتمل الزيادة والنقص، فيقول: آخذها على حظي، آخذها بخمسين صاعاً، وإن وجدتها إحدى وخمسين، أو خمسة وخمسين، أو ستين، فالزائد لي، وإن وجدتها أربعين، أو خمسة وثلاثين، فالناقص عليّ، وما أنا مطالبك بشيء.
يوجد تراض وتسامح بينهما، لكن تراضي المتعاقدين لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً؛ لأن كل المعاملات تكون عن تراضٍ، حتى الذي يكتب سنداً بأنه اقترض ألفاً، ويرده ألفاً ومائتين، ويوقع عليه؛ فهو راضٍ بذلك.
إذاً: لا كما يقول القانونيون سابقاً: العقد شرعة المتعاقدين.
ثم عدلوا في هذه القاعدة وزادوا: ما لم يخالف قانوناً، إذاً: العقد شرعة المتعادقين ما لم يخالف الشرع، ونحن بحمد الله قانوننا الشرع، فما المانع في هذه الصورة أن يصحح بيع الصبرة مجهولة الكيل بكيل معلوم محدد؟ المانع أن الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل.
стр. 2141
الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل في باب الربا
الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل، البر بالبر لا بد أن يكون مثلاً بمثل، وهل عرفنا المثلية في الصبرة؟ لا، نحن عرفناها في الخمسين لكن هل عرفناها في الصبرة؟ لا، إذاً: الجهل بالتساوي كالعلم بالزيادة، كأننا بعنا الصبرة وعرفنا أنها ستون صاعاً، وبعناها بخمسين، لو أن صاحبها كالها ستين صاعاً، وصارت معلومة عنده، ثم جاء المشتري وقال: أشتريها بخمسين، قال: بعتك، فنكون قد علمنا بالزيادة، والزيادة في الجنس الواحد تكون رباً.
إذاً: الجهل بالتساوي كالعلم بالزيادة.
لو جاء وقال: أنا عندي صبرة هناك عند ذاك الباب، وأنت عندك صبرة هناك عند ذاك الباب، وأنا محلي هناك قريب من صبرتك، وأنت محلك هناك قريب صبرتي، فأشتري صبرتك بصبرتي لتنقلها إلى محلك بسهولة، وأنقل صبرتي إلى محلي بسهولة، فما حكم بيع صبرة بصبرة، ولا يوجد تحديد بالثمن؟ لا ندري كم صبرتك، ولا كم صبرتي، إن كانت معلومة الكيل، هذه خمسون صاعاً، فيجوز، ولا توجد زيادة، حصل بيع الجنس بجنسه متساوياً يداً بيد، لكن إذا كنت أنا لا أعلم مقدار صبرتي، وأنت لا تعلم مقدار صبرتك؛ فحينئذٍ لا يجوز إلا إذا كان كيلاً بكيل حتى تتحقق المساواة والمماثلة.
ولو كانت الصبرة موجودة، وصاحب الدراهم جاء وقال: يا صاحب الصبرة! بكم تبيعها؟ قال له: بمائة ريال، قال اشتريت، فعندما جاء يعبئ الصبرة في الأكياس وجد الصبرة مكومة على صخرة، ماذا تقولون؟ تكويمها على الصخرة تدليس، فهي صبرة إلا ربع، فالصخرة زادت في حجم الصبرة، وأنا اشتريت حباً ما اشتريت صخرة، فماذا يفعل المشتري؟ ما دام أن البيع بالدراهم فهي الواسطة، والزيادة والنقصان لا دخل لها هنا، لكن وجدت صورة تدليس؛ لأن كومها على صخرة، أو كانت الأرض غير متساوية، كل الأرض معتدلة إلا عند هذا المحل يوجد محل ناتئ كوم عليه الصبرة.
إذاً: إذا كان يباع المبيع بجنسه فلا بد من معرفة المقدار في الجانبين، أما إذا كان البيع بالدراهم فالجهالة لا تضر، قال: بكم الكيس؟ قال: الكيس بعشرة، قال: كم فيه؟ قال: والله! أحياناً عشرة صاعات، وأحياناً تسعة ونصف، زاد أو نقص لا يضر؛ لأن المقابل هنا الدراهم، وليس بين الدراهم والمطعومات ربا.
стр. 2142
شرح حديث: (الطعام بالطعام مثلاً بمثل)
قال ﵀: [وعن معمر بن عبد الله ﵁ قال: (إني كنت أسمع رسول الله ﷺ يقول: الطعام بالطعام مثلاً بمثل، وكان طعامنا يومئذٍ الشعير) رواه مسلم] .
رجع المؤلف ﵀ إلى البر والشعير، وكان هذا الحديث محله هناك مع تلك الأصناف، لكن كأن المؤلف يريد أن يختم بحث الربويات المطعومة بما هو أعم؛ لأن المتقدم في حديث عبادة بن الصامت ذهب وفضة وتمر وبر وشعير وملح، وهذه أعيان مسماة مميزة معروفة، وهل نقتصر عليها كما اقتصر الظاهرية أو نلحق بها غيرها؟ نلحق بها كل ما وجدت فيه العلة التي توجد مشتركة بين تلك المسميات، وتقدم لنا بأن الكيل والوزن فقط علة عند بعض العلماء، وقالوا: كل مكيل أو كل موزونٍ يجري فيه الربا، وفي حديث الجنيب: (وكذلك الميزان) ، فإذا بيع بجنسه فلا بد من المماثلة ومن القبض، أي: الحلول والتقابض.
الذي يمنع من الإلحاق يقول: الرسول ذكر أشياء، وسكت عن الباقي، فما لنا شغل فيه، والآخرون يقولون: ما دام قد اشترك في المعنى فيدخل، كما قالوا: الزبيب والتمر، والبر والشعير، فهذه مشتركة في المعنى، وكذلك الذرة والبر، وكذلك الدخن وغيره من المكيلات، فقالوا: نلحق، وبعضهم وسعوا في العلة، وبعضهم ضيقوا فيها، وبعضهم زادوا وصفاً آخر وقالوا: قوتاً، وبعضهم قالوا: مقتاتاً ومدخراً.
إذاً: ألحقوا المسكوت عنه بالمنطوق به بالعلة، جاء المؤلف وقال: هذا نص موجود، فالطعام، (أل) هنا لاستغراق الجنس، كل طعام، ولهذا هناك من قال: العلة كل مكيل مزكى، وبعضهم قال: ذكر الطعام ولم يشترط الاقتيات، فأجرى الربا في اللوبيا الحمص الفاصوليا البزاليا الفول، وكل هذه قطنية، ومنع الربا فيها لأنها طعام تؤكل، فأخر المؤلف ﵀ حديث الطعام بالطعام لعمومه وشموله، فهو أوسع من مدلول المسميات الأخر، فكأنه يقول: إن من ألحق المسكوت عنه بالمنطوق به عنده نص ولا مانع أن يثبت الحكم بنص وقياس وإجماع، لا مانع أن تتوافر على تشريع الشيء كل الأصول: إجماع وقياس ونص من كتاب أو سنة.
إذاً: المؤلف أتى بهذا الحديث بعد ما ذكر من الصبرة، ومن الجنيب، والجمع وغير ذلك من المسميات، وهنا جاء طعام بالطعام.
ثم كلمة الصبرة، هل بين لنا نوع هذه الصبرة التي لا يجوز بيعها بجنسها مكيلاً أو كل صبرة من طعام؟ كل صبرة من طعام، إن كانت براً إن كانت شعيراً، إن كانت تمر، إن كانت لوبيا، إن كانت فولاً، إن كانت إن كانت ما دام أنه يدخل تحت عنوان الطعام بالطعام.
وكون الراوي يقول: (وكان طعامنا يومئذٍ الشعير) لا يقصر المعنى العام في الجنس على طعامهم، فطعامهم في ذاك الوقت هو الشعير، وطعام غيرهم البر، وطعام غيرهم اللوبيا، وطعام غيرهم كذا، ونحن طعامنا اليوم الأرز، ولهذا يدخل الأرز مع التمر ومع البر في عموم طعام.
فنلحقه بالقياس كما تقدم، والعلة هي كل مكيل وقوت ومدخر، إذاً: تساوى مع البر وتساوى مع الشعير في علة الربا، فيكون الرز أيضاً ربوياً، وهذا ما يشير إليه تأخير المؤلف ﵀ لإيراد هذا الحديث (الطعام بالطعام) .
стр. 2143
شرح حديث: قاعدة مد عجوة ودرهم
قال ﵀: [وعن فضالة بن عبيد ﵁ قال: (اشتريت يوم خيبر قلادة باثني عشر ديناراً، فيها ذهب وخرز، ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر ديناراً، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: لا تباع حتى تفصل) رواه مسلم] .
هذا من المبيعات المتداخلة، كما يوجد الآن عند الصاغة بعض الحلي مرصع بالأحجار الكريمة التي لها قيمة مستقلة، وغالباً تكون أغلى من الذهب، ولكن الذهب إذا بيع بذهب كان جنساً بجنس، والذهب يباع، وزناً بوزن، والأحجار الموجودة معه ستدخل في الميزان، فيكون ذهب بذهب وزيادة أحجار، لكن ينبغي أن نعرف مقدار الذهب الموجود في قطعة الحلي التي معها أحجار كريمة حتى نقول: إن هذه القطعة فيها ذهب عشرون جراماً، وفيها أحجار كريمة عشرة جرامات فيكون الذهب بالذهب عشرين جراماً، وقيمة الأحجار الكريمة نفصلها جانباً إن بيعت بجنسها ذهب.
وهناك من يفصل في الأحجار الكريمة مع الذهب ويقول: ننظر أيهما أصل وأيهما تبع، قد يكون الأصل هو الجوهرة من الأحجار الكريمة مثل الياقوت، والزمرد، والماس، وهو أغلى أنواع الأحجار الكريمة، وأشدها صلابة، والفيروز، فهذه الأحجار الكريمة قد تحلى بالذهب، فيجعل لها إطار من ذهب، ويجعل عليها نقوش من ذهب، ويجعل فيها حفريات وتملأ بالذهب، إذاً: يكون الحجر الكريم هو الأصل، والذهب هو تبع.
وقد يكون الذهب هو الأصل، سوار من ذهب ورصع في بعض أطرافه أو جهاته بأحجار كريمة من الماس أو من غيرها، فهناك من يقول: ننظر إذا كان الذهب تبعاً للحجر الكريم، واشترينا الحجر الكريم بذهب فلا عبرة بالذهب التابع في هذا الحجر؛ لأنه غير مقصود لذاته، وغالباً يكون طفيفاً، أما إذا كان العكس وكان السوار مثلاً ربع كيلو، والأحجار الكريمة فيه مثلاً خمسة عشر جراماً، فهذه نسبة قليلة جداً، إذاً: الأحجار تبع للذهب، فلا بد أن نعامل الذهب الموجود الذي هو الأصل في تلك السلعة معاملة الذهب بالذهب.
ومالك ﵀ وضح متى تكون الأحجار هي الأصل، ومتى يكون الذهب هو الأصل، فقال: ما كان حده الثلث فأقل، فهو تبع، وما كان الثلثان فأكثر فهو الأصل، وهذا حد تقريبي، فمثلاً حجر كريم محلى بالذهب وزنه مائة جرام، فيه من الذهب عشرة أو عشرون جراماً، فهل بلغ الثلث؟ لا، فهنا عند مالك الذهب تبع وإذا كان العكس، قطعة الحلي وزنها خمسمائة جرام، والأحجار الكريمة التي فيها عشرة أو خمسة عشر جراماً، إذاً: مالك يحد حداً بين ما هو تبع، وما هو أصل؛ أو ما هو أكثر وما هو أقل بالثلث، فما كان الثلث فدون فهو تابع ويعتبر أقل، وما كان أكثر من الثلث فهو أكثر، وهو المقصود بالعقد في البيع والشراء، فإذا كان على سبيل التساوي، فما الحكم؟ إلى عهد قريب كانت تصاغ الدنانير في السوار، أسورة وتحاط بالجنيهات وتعلق حولها، يكون سوار ومعه عشرون أو ثلاثون ديناراً ذهبياً، فإذا كان مع تلك الدنانير أحجار كريمة، وتساوى قدر الدنانير مع الأحجار وبيعت بذهب، فهنا لا نستطيع أن نعرف مقدار الذهب الموجود في القلادة إلا إذا فصلنا ونزعنا عنه الحجارة، فحينئذٍ نستطيع أن نقول: وزناً بوزن، ولكن الآن لو تأتي إلى الصائغ وعنده القلادة أو الأسورة وفيها الأحجار الكريمة، وتقول له: أفصل هذه الأحجار، وزن الذهب بالذهب! لن يوافق؛ لأن هذا يفسد عليه الصنعة، فلا تشتر بالذهب، واشتر بالفضة، وغالب الصاغة يكون عندهم بيان أن هذه القطعة من الحلي يوجد فيها من تلك الأحجار ما وزنه كذا، ويكون قد عرف وزن تلك الأحجار قبل أن يدخلها بالصنعة في هذا السوار، وتقول: يا أخي! أنا أبغى ذهباً بذهب، مثلاً بمثل، فيقول: مرحباً، هذه وزنها خمسمائة جرام، وفيها من الأحجار مائة وخمسون جراماً، إذاً: عرفنا وزن الذهب من وزن الأحجار، فنتعامل مع الذهب الموجود في هذه القلادة على ما عرفنا من وزنه، ولا يبيع بصفة عامة ويقول: والله! ما أدري كم فيها من أحجار؟ ما أدري كم وزن الذهب الذي فيها؟ فكيف يبيع الذهب مثلاً بمثل والحجارة موجودة في القلادة؟! فخروجاً من هذا كله نشتري تلك القلادة الموجود فيها ذهب وحجارة، أو فيها ذهب وفضة، أو فيها ذهب ونحاس، أو على حسب الصنعة؛ نشتريها بالفضة؛ لأنه يجوز التفاضل بين الفضة والذهب، جرام ذهب تأخذه بعشرة جرامات فضة لا يوجد مانع، إذاً: إذا اشترينا بغير جنس الذهب -أياً كان- خرجنا من المحظور.
وقوله ﵊: (لا تباع حتى تفصل) لماذا؟ لنعرف مقدار الذهب فيها؛ لأنه اشتراها باثنى عشر ديناراً، والدينار معروف في ذلك الوقت، لم يختلف وزنه، الدينار والمثقال اسمان على مسمى واحد، المثقال وحدة وزنية، فالدينار وحدة نقدية، أما الدرهم فوحدة وزنية ونقدية، تقول: هذا وزنه درهم، وتقول: هذا قيمته درهم، وإلى الآن بعض الدول تستعمل الدينار على أنه وحدة نقدية، وكذا الدرهم، مثل الدرهم المغربي، والدرهم في الخليج، إلى غير ذلك.
إذاً: لما اشتراها بذهب وجد فيها ذهباً أكثر من الثمن الذي دفع، فيكون أخذ ذهباً بذهب متفاضلاً.
وما سبب وجود التفاضل؟ وجود الأحجار في السلعة، وما عرفنا كم وزن الذهب في تلك الحلية.
إذاً: لكي نعرف مقدار الذهب، نفصل عنها الحجارة الكريمة إذا أمكن، فإذا لم يمكن، أو كان الصانع بنفسه أو التاجر لا يوافق على الفصل، فلا نقول: افصلوا هذا من هذا، ثم ارجعوه وركبوه، بل لا نجعل الثمن ذهباً لوجود الذهب، ونجعل الثمن فضة، ومهما زادت الفضة أو نقصت عن الذهب فلا محظور في ذلك.
стр. 2144
شرح حديث: (نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة)
قال ﵀: [وعن سمرة بن جندب أن النبي ﷺ : (نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة) ] من المبيعات المنهي عنها، وتصنف في أبواب الربا، ما ورد في حديث سمرة الذي ساقه المؤلف ﵀، وهو النهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، والحيوان كل ذوات الأربع، والنسيئة التأجيل والتأخير، وهذا الحديث يعتبر من المشكلات، فقد ورد ما يعارضه من حديثي أبي رافع وابن عمرو، أما حديث أبي رافع رضي الله تعالى عنه فيقول: (استسلف النبي ﷺ بكراً، فرد رباعياً) ، وحديث ابن عمرو يقول: (أمرني رسول الله ﷺ أن أجهز جيشاً، فنفدت الإبل، فكنت آخذ البعير على البعيرين من إبل الصدقة) ، فحديث أبي رافع وحديث ابن عمر كلاهما فيه نسيئة، وحديث سمرة ينهى فيه عن النسيئة! وهنا وقف العلماء ما بين الجمع بين الحديثين، وما بين ادعاء النسخ، وما بين الترجيح بين سند الطرفين، أما حديث سمرة فروي عن الشافعي ﵀ أنه جمع بينه وبين حديث أبي رافع وابن عمرو قائلاً: نهى النبي ﷺ عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة إذا كان كلاً من المبيع والثمن غائباً، أي: كلا طرفي العقد غائباً، كأن تقول: عندي جمل نجيب جيد، فقال لك الآخر: اشتريه منك بجملين أو بثلاثة، وكل من الجمل المبيع والجملين أو الثلاثة -الثمن- غائبة غير حاضرة، بأن قال لك المشتري مثلاً: أين جملك؟ تقول: إنه مع الإبل يرعى في المرعى، ويقول البائع: أين جملاك؟ أو أين الثلاثة الجمال؟ فيقول: إنها تأتيني بعد غد، فيتبايعان حيوان بحيوان كلاً منهما غائب، هكذا فسر الشافعي ﵀ حديث سمرة في النهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، أي: أن يكون النَسَاء في كلا الطرفين.
وذهب الأحناف ورواية عن أحمد بأن هذا الحديث ناسخ لحديث أبي رافع: (تسلف بكراً فرد رباعياً) ، فـ الشافعي يجمع بين الروايات ويقول: الجمع أولى من اطراح أحد الطرفين بادعاء النسخ، والجمهور يقولون: النسخ يحتاج إلى دليل.
وهناك من يقول: إن حديث سمرة أقل إسناداً من حديث أبي رافع ومن حديث ابن عمرو، وقد ذكر الصنعاني شارح هذا الكتاب ﵀ بأنهم اختلفوا في هذا الحديث وصلاً وإرسالاً، فبعض العلماء يقول: هو مرسل، وبعضهم يقول: موقوف على ابن عباس، ومعلوم عند الفقهاء أن المرسل: هو ما لم يذكر فيه الصحابي، كما قال الناظم: ومرسل منه الصحابي سقط وقل غريب ما روى راو فقط فعلى هذا يكون حديث سمرة إما أنه أضعف سنداً، وإما أن يجمع بينه وبين الأحاديث الأخرى بأن النسيئة تحمل على الطرفين، وبيع النسيئة من الطرفين مجمع على النهي عنه، ويسمى بيع الكالئ بالكالئ، والكالئ هو الدين، فلا يجوز بيع دين بدين، فتقول: اشتر ديني الذي علي لك بكذا، وأين ثمن الدين؟ يقول: مؤجل! إذاً: دين بدين لا يجوز، ويقولون: تفسير الشافعي ﵀ يجمع بين الحديثين.
وبعد ذكر الخلاف في هذا الحديث، نأتي إلى ما ذكره المؤلف بقوله: رواه الخمسة، والخمسة هم السبعة ما عدا البخاري ومسلم، أي: أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد، فنأتي إلى أبي داود؛ فنجده يبوب على هذا الحديث كراهية بيعه، ثم بعده يأتي بحديث سمرة، ثم يقول: باب: الرخصة في ذلك، ويذكر عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه اشترى جملاً بجملين وقدم أحد الجملين وقال: الآخر آتيك به غداً، ويعني بالرخصة: أن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة يكون رخصة.
والترمذي ذكر حديث سمرة ثم قال: وقد ترخص بعض أصحاب رسول الله ﷺ في بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، وذكر أثر ابن عمر رضي الله تعالى عنه، وعلى هذا يكون النهي أقل ما فيه الكراهية، وهناك من حمله على المنع والتحريم، وهناك من حمله على أنه ناسخ لغيره، وهناك من رجح أن الحديث ضعيف السند، ووجدنا صنيع أبي داود وصنيع الترمذي أنهم عقبوا هذا الحديث بذكر الرخصة، فيكون الأولى ترك ذلك، اللهم إلا إذا حصل اضطرار ولا اضطرار في ذلك؛ لأن صورة بيع ابن عمر أنه اشترى بعيراً ببعيرين، ودفع بعيراً اليوم، وقال: الثاني آتيك به غداً، إذاً: أقل الدرجات أن هذا الحديث يحمل على الكراهية، والله تعالى أعلم.
стр. 2145
كتاب البيوع - باب الربا [٤]
إذا كانت الأمة تقدم دنياها على دينها، وتمزق دينها لترقع دنياها، وتترك الجهاد في سبيل الله، وتتغافل عن فضائله وفوائده؛ فإن الله يبتلي هذه الأمة بالذل والصغار أمام الكفار حتى ترجع إلى دينها، وقد بين النبي ﵊ هذا في حديثه المشهور الذي يعتبر من دلائل نبوته، فينبغي تدبره، والانتفاع به.
стр. 2146
شرح حديث: (إذا تبايعتم بالعينة)
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد: قال المصنف ﵀: [وعن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم) ] .
إذا تبايعتم، يعني: حصل البيع من طرفين أو من أكثر تكراراً، وصار البيع بالعينة متداولاً، شائعاً ظاهراً فاشياً، (واتبعتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد) اتبعتم أذناب البقر فيه تقبيح، وإن كان العمل شريفاً؛ لأنه في مقابل ترك الجهاد، والجهاد هو ذروة سنام الإسلام، فما كان معطلاً لهذا السنام فإنه يقبح، واتباع أذناب البقر كناية عن الاشتغال بالزراعة والحرث، والتعامل مع البقر.
ومن النعم الزراعة، واختلف العلماء أيهما أفضل: الزراعة أم التجارة؟ قيل: إن الله أنزل مائة قيراط من البركة، تسعة وتسعون منها في التجارة، وواحد في جميع الأعمال، ومع ذلك فالزراعة أفضل من التجارة؛ لأن كسب التجارة للتاجر، وفائدة الزراعة للإنس وللحيوان وللطير، وحتى للجن، فالرسول ﷺ أتاه وفد الجن ثم قالوا: (نريد الطعام يا رسول الله! فقال لهم: كل عظم ذكر اسم الله عليه؛ كساه الله لكم لحماً كأوفر ما كان) ؛ ولهذا يسن للإنسان إذا ألقى العظام أن يسمي الله ليكون طعاماً لمؤمني الجن لا لكفارهم، قالوا: (وعلف دوابنا؟ قال: كل روث حيوان يكون علفاً لدوابكم) .
إذاً: الجن إما أن يأكل من الزرع مباشرة، أو بالواسطة، وقد جاء أنه سرق الطعام من هذا المسجد، وأبو هريرة ﵁ كان حارساً عليه، فأمسكه ليلة ثم ثانية ثم ثالثة، وفي كل مرة كان الجني يعتذر ويقول: أنا مسكين، أنا صاحب عيال، ويتركه، وفي المرة الثالثة قال: لأربطنك حتى تصبح بيدي رسول الله، فقال: أقول لك: اتركني هذه المرة، وأعلمك آية تحرس لك كل شيء من جميع الجن، فقال: وما هي؟ قال: آية الكرسي، إذا قرئت على شيء لا يستطيع جني أن يقربه.
فتركه، وهذه فائدة عظيمة، ولما غدا أبو هريرة على رسول الله في الصباح استقبله رسول الله وقال: (ماذا فعل أسيرك البارحة يا أبا هريرة؟! قال: والله! يا رسول الله! كذا كذا، فقال: أتدري مع من كنت تتعامل في الليالي الثلاث؟ قال: لا، قال: إنه من الجن) ، إذاً: الجني يأخذ الطعام ويأكله، فالزراعة يستفيد منها الجن مع الإنس، والزراعة هي أصل الأقوات، والتاجر لا ينبت نبات الأرض، والحبوب والألبان واللحوم كلها ليست إنتاج التاجر الذي في المعرض! بل هي بسبب الزارع الفلاح الذي يكابد الليل والنهار، ومع ذلك يكني ﷺ عن هذا ويقول: (واتبعتم أذناب البقر) لماذا؟ (وتركتم الجهاد) .
стр. 2147
ترك الجهاد مهلكة
ترك الجهاد مهلكة، ذكروا في تفسير قوله سبحانه: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥] قصة رجل من المسلمين، اصطف الفريقان، فبرز من الصف وقاتل واخترق صف الكفار حتى اخترقه إلى الجهة الأخرى، ثم جاء راجعاً أيضاً كاراً يقتل من يلاقيه حتى رجع إلى صف المسلمين.
فقال قائل: هذا يلقي بنفسه إلى التهلكة، وحده يخترق صفوف العدو! والله يقول: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥] ، فقال رجلٌ من الأنصار: لا تقولوا ذلك، والله! لقد نزلت فينا معشر الأنصار، لما أتم الله الدين ونزل على رسوله الكريم: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] وانتشر الإسلام في جزيرة العرب، فقلنا: لقد انشغلنا عن أموالنا وبساتيننا ومزارعنا، وقد انتشر الإسلام، لو رجعنا إلى مزارعنا لنصلحها، فنزلت: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥] ، فقال: التهلكة بترك الجهاد؛ لأننا إذا تركنا الجهاد جاءنا العدو، وما انتصر الإسلام وانتشر إلا بالاستمرار في الجهاد، وقد قال ﷺ : (رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله) .
стр. 2148
فضل الجهاد في سبيل الله
وفضل الجهاد ليس في حاجة إلى بيان، وتكفي آية واحدة، فالمولى هو الممتن على الإنسان بإيجاده، والممتن عليه بما بيديه، ثم يأتي سبحانه ويتلطف مع عباده ويعقد معهم صفقة ويقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:١١١] اشترى منهم ماذا؟ ﴿أَنفُسَهُمْ﴾ [التوبة:١١١] ، هل ورثوها من آبائهم؟ هل صنعوها؟ هل أنتجوها؟ لا، بل منحهم الله إياها، وكما يقول ابن القيم وغيره من علماء الرقائق: أنفسهم هنا هي أرواحهم، والنفس تطلق ويراد بها الروح، وتطلق ويراد بها الجسم مع الروح معاً، قال الله: ﴿لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ [النساء:٨٤] ، وقال: ﴿أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [الأنعام:٩٣] ، وقال: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي﴾ [الفجر:٢٧-٢٨] ، فقد تطلق ويراد بها الروح فقط، وقد يراد بها مجموع الإنسان، فهنا اشترى من المؤمنين أنفسهم، يعني: شخصيتهم روحاً وجسماً (وَأَمْوَالَهُمْ) اشتراها، وما هو الثمن؟ (بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ) الثمن والله غالٍ، وسلعة الله غالية، (بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ) ، إذاً: يكفي هذا، وقال تعالى عن الشهداء: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩] ، فلا حاجة إلى الكلام في هذا، والسكوت عنه أولى؛ لأنه بوضوحه لا يحتاج إلى بيان، فترك الجهاد في سبيل الله مهلكة، ومن يوم أن ترك الناس الجهاد في سبيل الله واشتغلوا بالزراعة وببيع العينة، سلط الله عليهم الذل.
стр. 2149
الحرص على ما ينفع في الدين والدنيا
هل نترك الزراعة ونموت من الجوع؟! هل نترك البيع والشراء ونعطل مصالحنا؟ لا، والله جعل الحياة الدنيوية أمراً مؤقتاً، وجعل الحياة الأخروية هي الدائمة، وأمرنا أن نعمر الدنيا، وفيها نعمر الآخرة، كما قال سبحانه: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك:١٥] ، وقال: (التاجر البار مع الكرام البررة) ، وتقول عائشة: (من بات كالة يده من عملٍ بات مغفوراً له) ، فالإسلام دين عمل، ودين إنتاج، لكن لا نغلب كفة على كفة، فالإنسان روحٌ وجسد، وكلا الطرفين يحتاج إلى غذاء، وكلاً منهما مغاير في التكوين للآخر، قال الله: ﴿الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:٨٥] ، وقال عن الجسم: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنْ الأَرْضِ نَبَاتاً﴾ [نوح:١٧] ، تعيش كالنبات الذي ينبت، وتعيش على النبات، ومردك إلى الأرض.
فإذا نظرنا إلى الأمم الماضية: نجد أن اليهود غلبت عليهم الماديات، كمن ترك الجهاد واشتغل بالزراعة والتجارة، فما كانت النتيجة؟ احتالوا على ما حرم الله حتى جعل الله منهم القردة والخنازير.
ونجد النصارى غلبوا جانب الروح كما قال الله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد:٢٧] ، فكلتا الأمتين جنحت بها المسيرة أولئك فرطوا، وهؤلاء أفرطوا، وجاءت الأمة المحمدية كما وصفها الله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ [البقرة:١٤٣] ، يقول العلماء: الوسط العدل، وسطاً بمعنى: عدلاً، وسطاً بمعنى: أفضل ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران:١١٠] وسطاً أي: اعتدالاً؛ لأن خير الأمور الوسط، وقال الله في افتتاحية المصحف في الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] .
والاستقامة: وسط بين طرفين، فالشجاعة وسط بين التهور وبين الجبن، والكرم وسطٌ بين الإسراف والتبذير وبين الشح والبخل، وهكذا في العبادات وفي المعاملات، ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] هذا وسط، وذكر الطرفين النائيين المنحرفين ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] ، فالمغضوب عليهم هم اليهود؛ لأنهم تركوا العمل بما علموا، والضالون هم النصارى؛ لأنهم عملوا على جهالة وضلالة، أما المسلمون فلا، قصدوا وأخذوا الوسط ﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ [البقرة:١٤٣] لماذا؟ ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة:١٤٣] أي: بالوسطية، وبإمكانكم الاعتدال في المسيرة والمعاملات، (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) ، أمة متوسطة بلا إفراط ولا تفريط.
وجاءت النصوص: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا﴾ [الجمعة:٩] وليس المراد بالسعي: الجري الذي يخرج عن المروءة، ولكن خذوا في الأسباب، ارجعوا إلى بيوتكم، اغتسلوا، تطيبوا، غيروا الملابس، واذهبوا إلى أين؟ ﴿أَجِيبُوا دَاعِي اللَّهِ﴾ [الأحقاف:٣١] ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩] .
والسعي إلى ذكر الله غذاء للروح، والبيع غذاء للبدن، ولكن لكلٍ وقته (فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ) هل نقعد في الصوامع كما فعل النصارى؟ لا، ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ﴾ [الجمعة:٩] هل نعرض عن الداعي، ونضرب في الأسواق، ونعمل في التجارة، ونغفل عن حي على الصلاة؟ لا، إذاً: الإسلام أعطى الجسم حقه بطرفيه، الروح غذاءها ومقوماتها بالعبادات، وأعطى البدن غذاءه ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك:١٥] ، الأرض ما هي مستعصية عليكم، تزرعون، وتحفرون، وتصنعون، وتخرجون المعادن، الأرض مذللة لكم، والمناكب هي الأعالي، لا تمشوا في بطون الأودية، بل على قمم الجبال! ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك:١٥] .
﴿فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة:١٠] (ابتغوا واذكروا) سبحان الله! (وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) بالكسب والمعيشة، ومع ذلك: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) .
أيها الإخوة! الإسلام جمع بين المصلحتين، ووازن بين حاجة الإنسان روحاً وجسداً، فإذا غلبت كفة على كفة اختل التوازن، إذا غلبت كفة الروح كما كان النصارى فسدت الدنيا؛ ولذا النصراني يقول لك: إذا ضربك أحد على خدك الأيسر فأدر له خدك الأيمن، ما هذا الخنوع؟ لا والله! بل اضربه على خده.
واسأل اليهود عن القرية التي قال أهلها: نحن لا نعمل يوم السبت؛ لأنه ممنوع العمل فيه عندهم، وكانت تأتي الحيتان على وجه الماء يوم السبت، فما قدروا أن يصبروا، فاحتالوا بأن رموا الشباك يوم الجمعة، وتركوها إلى يوم السبت، وأخذوها يوم الأحد، وقالوا: ما عملنا شيئاً يوم السبت! والله! لو عجوزة عمياء تقول لها: عملنا وعملنا ستقول: والله! هذه حيلة، ما تخفى عليها.
إذاً: (إذا تبايعتم بالعينة، واتبعتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد) ، أما إذا لم نترك الجهاد فلنتبع أذناب البقر والجواميس والخيل والإبل، ولنستزرع كل شبرٍ على وجه الأرض، ما دامت راية الجهاد قائمة، والإسلام عنده من ينصره ويرفع رايته، فالحمد لله، ويجب على الأمة كلها أن تعمل، والعجب كل العجب أن الشرق الأوسط بأكمله إنما لحقه ما لحقه من ضائقة الاقتصاد هو من ترك أذناب البقر؛ لأن نسبة ما هو مزروع في الشرق الأوسط كله لا يوازي ٢٥% من أراضيهم، والعالم الأوروبي اتسع في المزارع، وصاروا يغزوننا، ويفيضون علينا بإنتاج البر، بل يتلفونه في البحر من أجل المحافظة على الأسعار في الأسواق، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وزير زراعة دولة أوروبية يقول: بإمكان دولة كذا أن تنتج غذاء للعالم كله، ولا يكلف الميزانية إلا ١٠% فقط! ويقول أستاذ الاجتماع علي عبد الواحد وافي: لو أن مصر زرعت نصف أرضها الصالحة للزراعة؛ لكفت العالم العربي كله، والآن تستقرض الحبوب!! والله! شيء مؤلم يا إخوان!
стр. 2150
حرمة بيع العينة
حذر النبي الصادق المصدوق ﷺ من بيع العينة، وقد وقع مصداق ما قال: (إذا تبايعتم بالعينة) ، والعينة عند الفقهاء: اصطلاح لنوع من البيع مخصوص، وهي صورة واحدة عند الجمهور، وعند الحنابلة عكس العينة يأخذ حكم العينة، والعينة: هي من العين، قيل: هي الاشتغال بالنقد عندما تكثر الأموال بأيدي الناس، ومن قبل كانت المعاملات مقايضة بيع الصنف بالصنف.
والآخرون يقولون: لا، العينة هي بيع العين بذاتها بيعتين: تأتي إلى التاجر وتريد منه قرضاً ألف ريال، فيقول لك: والله! أنا ما عندي قرض، أبيع سكراً وشاهياًوأرزاً، ولكن من أجلك أنا أبيعك من السكر مائة كيس بألف ريال.
- أنا ما عندي فلوس.
- لا مانع، لك مهلة.
اشتريت المائة كيس بألف ريال وتدفعها بعد ستة أشهر! وأنت جئت تبغى أكياس سكر أو تبغى ريالات؟! تبغى الريالات، وهو يعرف هذا، وكتب: عليك ألف ريال قيمة مائة كيس سكر، تقول: هات الأكياس! فيقول: نعم، هي موجودة انظرها بعينك لكن قل لي: أين تضعها؟ وما تبغى بالمائة الكيس؟ هل ستفتح محلاً؟! - لا، ما أنا فاتح محل، سأذهب أبيعها، وآخذ ثمنها، وأقضي حاجتي، فالتاجر يقول لك وكأنه يعاملك بالرفق وبالمعروف: لا يا أخي! لا تتعب نفسك، أنا أشتريها منك بالنقد.
- اشترها مني.
- بثمانمائة!! - أنت الآن بعتها لي بألف!! - لا، ذاك مؤجل، لكن هذا أعطيك الثمانمائة الآن.
فأنت تقول: أين أبيعها؟ فتختصر الطريق وتقول له: هات ثمانمائة.
- خذ، فأخذت الثمانمائة في جيبك، ورجعت إلى بيتك، وحقيقة الأمر آلت هذه الزيادة الكريمة لهذا التاجر الرحيم الرفيق إلى الربا، فإنك أخذت ثمانمائة نقداً، وعلى ظهرك ألفٌ مؤجلة، ويبقى الفرق بينهما مائتين، هذه هي العينة، وابن عباس رضي الله تعالى عنه يقول: (.
الربا بينهما حريرة) ، كان بعض الناس يجلس في دكانه وعنده أثواب قماش حرير أو قطن أو غير ذلك، فيأتيه رجل فيقول: يا فلان! أبغى ألفين ريال قرضة.
- والله! ما عندي، خذ لك بالدين حريراً، فأخذ حريراً بالمبلغ الذي يريده إلى سنة، فيبغى يأخذه، فيقول له: أين تذهب؟! لماذا تتعب نفسك؟! أنا اشتريه منك بكذا، ويرجع الحرير إلى محله، ففي هذه الصورة تتحقق العينة، ويتحقق الربا.
ولكن يقول الفقهاء: إذا كان التبايع على بابه.
أنت بحثت عمن يقرضك ألفاً فلم تجد، فجئت إلى التاجر واشتريت منه البضاعة ديناً على نية أنك تبيعها، وتأخذ الثمن وتقضي مصلحتك، فاشتريت منه بألف ريال ديناً إلى ستة أشهر، لا ننسى النهي عن بيعتين في بيعة، ولا ننسى زيادة الثمن من أجل الأجل.
فأخذت السكر أو الرز من التاجر، وسجل عليك الثمن إلى نصف سنة، ثم جئت بالسيارة وحملت الرز أو السكر إلى بيتك، ثم أخذت تبيعه على من يأتيك، ولا علاقة للبائع في بيعك بالنقد، فالجمهور على أن هذا جائز، ويسمى التورق.
ولو ذهبت بالبضاعة من عند التاجر إلى السوق، وقلت: يا دلال! حرج لي على هذه المائة كيس من الرز، بخمسمائة بستمائة حتى وقف المزاد على ثمانمائة، من الذي يزايد؟ إذاً: الذي يزايد، ويشتري، بعيد كل البعد عن البائع، فالبيع صحيح ولا شيء فيه، أما إذا كان البائع بالأجل أرسل شخصاً وراء المشتري ليشتري منه البضاعة بنقد بكذا، فهذه عين العينة، أما إذا بيعت على غير بائعها، مؤجلاً أو بأي ثمن كانت نقداً، ولا ترجع إلى صاحبها الأول، ولا إلى من لا تجوز شهادته له من الأقارب أو الشريك أو الوكيل؛ إذا لم ترجع للأول فلا شيء عليه.
إذاً: العينة متى تكون محرمة؟ إذا رجعت السلعة المبيعة بثمن مؤجل إلى بائعها بنقدٍ أقل من ثمن التأجيل.
стр. 2151
حرمة الحيلة على الربا
ما هو عكس العينة؟ إنسان احتاج إلى نقد وما وجد أحداً يعطيه، فبحث عمن يبيعه أرزاً إلى آخر السنة بثمن مؤجل فما وجد أحداً يعطيه، هو غير معروف في السوق أو غير مؤتمن أو مماطل، المهم ما أحد بايعه، فذهب إلى البيت وقال لزوجته المسكينة: اعملي معروفاً، هات المصاغ الذي عندك، وأنا أبغى كذا، وأبغى أتصرف، وأفعل لك وأفعل، حيل كثيرة تحصل، فقالت: لا مانع يا ابن الحلال! تفضل، فأخذ المصاغ من المرأة، وذهب إلى الصائغ وقال: أنا عندي هذا الحلي وأريد أن أبيعه، قال: ما عندي مانع، فوزنه وقال: والله! هذا قيمته ألف ريال، فقال: بعت، أعطني الألف، الصائغ أخذ الحلي، والرجل أخذ الألف، ووضعها في جيبه، ثم قال للصائغ: يا شيخ! والله! أنا آسف، هذا حق امرأتي، وأنا قلت لها: سآتي لك به، وأخاف أن تقع مشكلة ونزاع وكذا وكذا، اعمل معي معروفاً، خلصني من هذه المشكلة، قال: ماذا تريد؟ قال: أنا أشتريه منك بثمن مؤجل بألف ومائتين.
قال له: لا مانع، اكتب لي سنداً بألف ومائتين ثمن حلي وزنه كذا، تفضل خذ الحلي، فرجع إلى بيته بحلي المرأة، وبألف ريال، وعلى ظهره للصائغ ألف ومائتان ريال، فهذا حكمه حكم بيع العينة، فالحلي دليل على الطريق، والعملية انتهت على ألف ريال نقداً، بألف ومائتين بعد سنة، وهذا عكس العينة؛ لأن المبيع ملك المشتري، بخلاف الأولى، وكلاهما مآله إلى الربا.
ما موقف العلماء من هذا العقد؟ الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة، مالك، أحمد ﵏ على فساد البيع والتحريم.
الشافعي يقول: إن كان البائع والمشتري لأكياس الأرز مثلاً متفقان بنظرات العيون، وبقسمات الوجوه، ويعرفان بحالة الواقع، وكلاهما يعرف ماذا عند صاحبه، فكأنهما متفقان لفظاً، وكما قيل: الموجود عرفاً كالموجود حقيقة، فإذا جاء إلى رجل معروف أنه قعد في دكانه، ولا يبيع أرزاً ولا سكراً، عنده عشرون أو ثلاثون كيساً على طول السنة وهي موجودة، ويبيعها في اليوم عشرين مرة! ويسترجعها، إذاً: الذي يأتي إليه عادة هل يريد أن يشتري أو من أجل العينة؟ من أجل العينة؛ لأنه معروف بهذا، يقول الشافعي ﵀: إذا وقع العقد على غير اتفاق بين الطرفين فلا مانع.
والجمهور يقولون: لا يجوز أبداً، ما دامت السلعة سترجع إلى بائعها؛ فسداً للباب تمنع، ومالك خاصة عنده سد الذرائع مقدم، وهو أصل من أصول مذهبه، وسد الذرائع هو: ترك ما لا بأس به مخافة مما به بأس.
إذاً: حكم بيع العينة عند الأئمة ﵏ أنها ممنوعة وباطلة عند الأئمة الثلاثة، وفيها تفصيل عند الشافعي، وأجاب عليه الجمهور، وبالله تعالى التوفيق.
стр. 2152
معنى قوله: (واتبعتم أذناب البقر)
في قوله ﷺ : (واتبعتم أذناب البقر) بعضهم يصرفه إلى شيء بعيد فيقول: إذا سخر القوي الضعيف، وساقه بذنب البقر، ففي بعض الجهات يتخذ من ذنب البقر سوط، خاصة في حالات الطغيان، وتسخير الناس في مشاريع حفر نهر، أو في بناء جسر، أو في كذا وكذا، ويسخرون المواطنين للعمل بالقوة دونما أجرة، من أجل أن يقيموا تلك المشاريع، ويسوقونهم بسياطٍ من ذنب البقر، وبعضهم يستعمل إحليل البقر سوطاً، ييبسه بالملح ويصبح كالسوط إلى غير ذلك، ولكن التفسير الصحيح هو الأول: اتبعتم أذناب البقر: أي بالزراعة، وتركتم الجهاد من أجلها، ويكون عليه هذا الوعيد: (سلط الله عليكم ذلاً) ؛ لأنكم تركتم الجهاد الذي فيه قتل النفس، وقتل النفس عزة، تطلب إحدى الحسنيين: شهادة أو نصر، والجزاء من جنس العمل، فعوملوا بنقيض قصدهم، هم تركوا الجهاد ليسلموا من القتل فجاءهم الذل، والذل موت معنوي، وانظر إلى الرقيق إذا أعتقه رجل، فله الولاء؛ لأنه بمثابة من أحياه حياة معنوية (سلط الله عليكم ذلاً لا يرفعه حتى ترجعوا إلى دينكم) ، هذه المصيبة الكبرى، إذاً: ما يقع في الأمم من كوارث وأحداث ومذلة للأفراد والجماعات، إنما هو بسبب، وكل شيء بقضاء الله وقدره، ولكن من قضائه إذا تركت الجهاد سلط عليك الذل، فإذا تركتم الجهاد واستعضتم عنه بالدنيا، جاء الذل بسبب ذلك، ولا يرفع هذا الذل الذي لحق بالأمة حتى ترجع إلى إلى ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١] ، ولما سألوا في غزوة أحد ﴿أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥] ، لماذا من عند أنفسهم؟! الرسول يؤكد عليكم: (لا تبرحوا أماكنكم ولو رأيتم الطير تتخطفنا) ، فنزلوا إلى الغنيمة، فحصل ما قضا الله وقدره، وما شاء فعل ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [آل عمران:١٤٠] .
المهم أن آخر هذا الحديث خطير؛ لأن الأمة الإسلامية إذا أرادت عزتها وأرادت مكانتها التي كانت عليها في القمة، وفي المقدمة؛ فلتجاهد في سبيل الله؛ وبهذا تحصل لها قيادة الأمم، والوسطية الكريمة، والخيرية على الناس، وإنما يحصل هذا بالدين، فإذا شغلت عنه وضيعته، ضيعت مكانتها وأفلت الزمام من يدها، فمتى ترجع إلى دينها، يرد الله عليها ما أخذ منها، وبالله تعالى التوفيق.
стр. 2153
كتاب البيوع - باب الربا [٥]
الرشوة من أعظم الأمراض التي تفتك بالأمة، وفيها مفاسد كثيرة، وأضرار عديدة؛ على الأفراد والمجتمعات، ومن محاسن الشريعة الإسلامية أنها حرمت الرشوة، بل وحرمت ما يشبه الرشوة، وزجرت عنها زجراً شديداً، ورهبت منها ترهيباً عظيماً.
стр. 2154
شرح حديث: (من شفع لأخيه شفاعة ... )
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: قال المصنف ﵀: [وعن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من شفع لأخيه شفاعة فأهدى له هدية فقبلها فقد أتى باباً عظيماً من أبواب الربا) رواه أحمد وأبو داود] .
يسوق المؤلف رحمه الله تعالى حديثاً فيه التقبيح والتنفير من أخذ الهدايا على خدمة الإنسان وفعل الخير، وخاصة في باب الشفاعة، وأصل الشفاعة من الشفع، والأساس في هذا أن الإنسان واحد فرد، فيأتي بشخص معه فيشفعه فيكونا شفعاً، وكما يقولون: العدد إما فرد وإما شفع، فالشفع ما قبل القسمة على اثنين بدون باق، والفرد: الأعداد الفردية أو الآحاد، وهي التي لا تقبل القسمة، مثل: الثلاثة الخمسة السبعة والإنسان وحده قد لا يستطيع أن يصل إلى حاجته عند من هي عنده، فينظر أقرب الناس إلى ذاك الشخص أو من لهم عليه سلطان أدبي أو اعتباري أو حقيقي، فيأتي إليه ويقول: أريد أن تشفع لي عند فلان، أي: تذهب معي بدلاً من أن أكون وحدي، فأكون أنا وأنت، فتشفع لي عنده في كذا وكذا، والشفاعة فضلها معروف عند الجميع: (اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان رسوله ما شاء) .
والشفاعة يوم القيامة يعطيها الله للأنبياء وللصلحاء وللعلماء، وقد يشفع الإنسان في جيرانه وأهل بيته، والطفل يشفع في أبويه، وأعطي ﷺ سبعة أقسام من الشفاعة، وأهمها الشفاعة العظمى، وهي المقام المحمود الذي يغبطه عليه الأولون والآخرون، وذلك حينما يشتد الأمر على أهل الموقف، وتدنو الشمس من الرءوس، فيقول بعضهم لبعض: (ألا تنظرون من يشفع لنا عند ربنا ليأتي لفصل الخطاب؟) ، فيذهبون لآدم أبي البشر، فيعتذر بقوله: إني أكلت من الشجرة وقد نهيت عنها.
فيذهبون إلى إبراهيم ﵇ ويعتذر، والله أعلم بنوع العذر، يقول: كذبت كذبة: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ﴾ [الأنبياء:٦٣] .
ومن اللطائف أن شيخ القراء في المدينة الشيخ حسن الشاعر كان في محفل مجيء المحمل المصري للحج، فقرأ: ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ﴾ [الأنبياء:٦٢-٦٣] ، فقام بعض شيوخ القراءات فحمله وقبّله وكان غلاماً، فإنه وقف على قوله تعالى: ((قَالَ بَلْ فَعَلَهُ)) [الأنبياء:٦٣] كأنه تصديق على قولهم: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء:٦٢] ﴿بَلْ فَعَلَهُ﴾ [الأنبياء:٦٣] يعني: إبراهيم فعله، ثم استأنف كلاماً جديداً: ﴿كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ﴾ [الأنبياء:٦٣] ، ويكون فيه تورية على أن الفاعل فعلاً هو إبراهيم، ولم تكن هناك كذبة، ولكن العلماء يذكرون هذه الكذبة في حديث الشفاعة، ثم يذهبون إلى موسى كليم الله ويعتذر أيضاً بقوله: إني قتلت نفساً، اذهبوا إلى عيسى، ويعتذر عن الشفاعة، اذهبوا إلى محمد، فيأتون إليه ﷺ فيقول: (أنا لها، أنا لها، أنا لها، ويذهب ويسجد تحت العرش، ويلهمه الله محامد لم يكن يعلمها في الدنيا) ، وهي المنوه عنها في الحديث: (بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو علمته أحداً من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك) ، فمن تلك الأسماء الحسنى التي استأثر الله بها في علم الغيب عنده يلهمها رسول الله في ذلك الوقت، فيحمده بها، ويسبحه بها، ويدعوه بها، حتى يستجاب له: (ارفع رأسك، واشفع تشفع) ، فيشفع في جميع الخلائق، فيغبطه على تلك الشفاعة الأولون والآخرون.
قوله: (من شفع لأخيه) يعني: مشى معه في حاجة إلى إنسان، سواء كان هذا الإنسان حاكماً أو غير حاكم، ومطلق حاجة الإنسان عند آخر لم يستطع أن يظفر بها وحده، فيبحث عن شخص له عنده وجاهة، ولا يرد له طلب، قد يكون بسبب إحسان إليه، وقد يكون مكرهاً، كما لو جاء إنسان يشفع لآخر، والشفيع هذا صاحب سلطة وقوة، والمشفوع عنده يخشاه، فإذا رد شفاعته يخشى أن يتسلط عليه، فيقضيها رغماً عنه، أو يكون الشفيع صديقاً محباً مثل زوجه أو ولده أو أبيه أو صديقه، فيكلمه فيه، ويقضي له حاجته من باب المودة والملاطفة والإحسان.
وقوله ﵊: (من شفع لأخيه شفاعة، فأهدى له هدية) ، يعني: بعد الشفاعة، وتكون هذه الهدية كأنها مكافأة على شفاعته، فكأنه أتى باباً عظيماً من أبواب الربا، لماذا؟ يقولون: تلك الشفاعة لا تخلو من أحد أمرين: إما أن تكون شفاعة في حق، وإما شفاعة في باطل، والشفاعة في الحق حق، ولا ينبغي أن تأخذ على الحق أجراً، فمن حق أخيك عليك أن تساعده، ولك أجر عند الله، وإن كانت الشفاعة في باطل فهي باطل، ولا يجوز لك أن تمشي فيها، فضلاً عن أن تأخذ عليها هدية، ومشابهة الهدية بالربا أن كلاً منهما مالٌ في غير مقابل، وقدمنا أن علماء الاقتصاد يقولون: الحياة تبنى على المعاوضة، فسلعة وثمنها متعادلة، ألف ريال قرضه، وألف ريال سداد؛ متعادلة، لكن ألف ريال قرضه وألف ومائة سداد؛ فالألف مقابل الألف، والمائة مقابل ماذا؟ هي زائدة عن الحق، فكذلك الهدية في شفاعته لأخيه زائدة، لماذا تأخذ هدية مقابل مشيك مع أخيك؟! فهذا تقبيح وتنفير من أخذ شيء على الشفاعة؛ لأن هذا إما حق لأخيك فعليك أن تؤديه إليه، وأجرك على الله، وإما باطل فيجب أن تبتعد عنه، بل وتنهاه عنه، لا أن تسعى معه وتأخذ هدية.
стр. 2155
شرح حديث: (لعن رسول الله الراشي والمرتشي)
قال ﵀: [وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال (لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي) رواه أبو داود والترمذي] .
الحديث السابق فيه: شافع، ومشفوع عنده، ومشفوع إليه، وقضيت الحاجة ودفع إليه هدية.
والموضوع الثاني هنا: موضوع الرشوة، والرشوة أخطر وأضر داء في المجتمعات، يفسد الدين والدنيا، والفرد والجماعة والحاكم والمحكوم، فالرشوة في الغالب لا تكون إلا في باطل؛ لأن صاحب الحق لا يحتاج إلى رشوة في الغالب، وفي النادر يحتاجها صاحب الحق، وسميت رشوة للمحاكاة، وأما الغالب الدائم فهو أن تدفع رشوة للباطل، وأما إن كنت صاحب حق فحقك يصل إليك.
إذاً: الرشوة: ما يدفع لإحقاق باطل أو إبطال حق، والله أشار إلى خطر الرشوة في موطن تشريع عجيب يا إخوان! ففي سياق آيات الصيام قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٣] ، ويمضي المنهج والأسلوب في التشريع وفي الرخص وفي الفدية، ثم في إباحة ما كان محرماً، ثم ذكر أول الصيام وآخر الصيام، ثم التحذير من حدود الله فلا تقربوها، ثم النهي عن مباشرة النساء حال الاعتكاف، ثم في النهاية قال: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٨٨] ، تدلوا: من الإدلاء وهو الدلو (وَتُدْلُوا بِهَا) أي: بأموالكم، فالدلو تدلونها إلى قاع البئر لتأخذوا الماء، فكذلك الرشوة، والرشوة من الرشا، والرشا هو الحبل الذي يتدلى به الدلو إلى قاع البئر، فكأن الرشوة بمثابة هذا الحبل الذي ينزل الدلو إلى قاع البئر لأخذ الماء، فكذلك عند الحكام، فالرشوة هي الحبل الذي يتوصل به الراشي إلى المرتشي ليأخذ منه ما يريد، من إبطال حق خصمه أو إحقاق باطله عليه.
وأقول: إن هذا من عجائب التشريع والإعجاز في كتاب الله؛ لأن الآيات في صيام رمضان ولوازمه، ثم قبل الخروج منها يأتي النهي عن أكل أموال الناس بالباطل، وبعدها: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة:١٨٩] ، فأيهما ألصق بالصيام: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة:١٨٨] أو ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ﴾ [البقرة:١٨٩] ؟ الأهلة من تتمة أحكام الصيام (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته) ، لكن حجزها في الأخير، وجاء قبلها بتحريم الرشوة، وكأن السياق الكريم يقول لنا: صمتم رمضان، وصمتم عن الحلال، أمسكتم عن الطيبات، وتعففتم عن الزوجات طيلة الشهر، فأنتم كمن دخل مصحة وهو مريض فتعافى، فقفوا هنا فكما صمتم عن الطيب الحلال من المطعم والزوجة؛ فصوموا عن أموال الناس بقية العام، لا تأكلوا أموال الناس، وأنتم صيام ما أكلتم أموالكم الحلال، وكذلك بعد رمضان لا تأكلوا أموال الناس بالباطل.
ويقولون: بعض الدول الأوروبية تفشت فيها الرشوة، وهي من لوازم الحروب، إذا وقعت حرب في دولة لا بد أن تأتي الرشوة؛ لأن مواد الغذاء والتموين تقل، وليس كل إنسان يحصل على حقه إلا بالرشوة، والمظالم تكثر، فقيل لرئيس وزرائها: لقد تفشت الرشوة في البلد وأفسدتها، فقال: أخبروني عن القضاء، هل وصلته الرشوة أو هو سالم منها؟ قالوا: القضاء سالم منها، فقال: إذاً: البلد بخير؛ لأن القضاء سيرد كل شيء إلى أصله، فالرشوة في القضاء مفسدة كبيرة، يأتي شاهد الزور ويأخذ الرشوة من المشهود له، ويقف أمام القاضي ويشهد، والقاضي لا يعلم الغيب، بل المصطفى صلى الله عليه سلم يقول: (إنكم تختصمون إلي، وإنما أنا بشر، أقضي لكم على نحو ما أسمع، فلعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من أخيه، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن اقتطعت له من حق أخيه شيئاً فإنما أقتطع له قطعة من النار، يأتي بها أسطاماً يوم القيامة في عنقه) ، والأسطام الحديد الذي يحرك به النار، يحرك به الفحم والحطب حتى يشتعل، فلما سمع كلاً منهما ذلك تراجعا، وقالا: حقي لأخي، لا أريد شيئاً.
ويهمنا أن سيد الخلق يقول: (وإنما أنا بشر أقضي على نحو ما أسمع) ؛ لأن الوحي لن يأتيه في هذه؛ لأنه يشرع ويسن للناس، فإذا كان يأتيه الوحي سيقول: الحق عند فلان، والحق عند فلان، والقضاة الآخرون من سيأتيهم؟ وهل جبريل سينزل للقضاة بعد هذا؟! لا.
فالرشوة تفسد النظام، وتضيع المصالح، وتحق الباطل، وتبطل الحق، وإذا أُبطل الحق، وحق الباطل فليس هناك فساد أكثر من ذلك.
إذاً: من هنا يقول ﷺ : (لعن الله الراشي) وهو دافع الرشوة، (والمرتشي) أي: آخذها، وفي لفظٍ: (والرائش بينهما) أي: الساعي بينهما، يقول: كم تدفع لفلان ويمشي لك كذا؟ كم تأخذ من فلان وتفعل له كذا؟ ويساوم ويسعى بين الاثنين، هذا يقول: أدفع ألفاً، وهذا يقول: لا، أنا ما يكفيني إلا ألفين، ولا يزال يتوسط حتى يوصلها إلى ألف وخمسمائة، هذا هو الرائش، وقلنا: الثلاثة يلحقهم هذا الإثم: هذا بدفعه إياها، وذاك بأكلها، وهذا بالسعي فيها.
واليهود ذموا لأكلهم السحت، والسحت هو الرشوة، أو الحرام، أو الباطل، والكل يرجع إلى مصب واحد، وعلى هذا يجب على كل مسلم أن يتجنب مسلك الرشوة.
стр. 2156
حكم إعطاء الرشوة للضرورة ؟
إذا كان هناك موقف اضطرار، فهل تدخل الضرورة في الرشوة أو لا تدخل؟ هناك من يقول: لا ضرورة في الرشوة أبداً، الراشي والمرتشي بأي حالة من الحالات كلاهما داخل في اللعن.
وهناك من يقول: ليس الراشي كالمرتشي، المرتشي داخل في اللعن مطلقاً، ولكن الراشي قد تأتيه ظروف يضطر إليها كما يضطر الجائع إلى أكل الميتة.
وقد سبق -يا إخوان- أن كتبت في هذا الموضوع بحثاً مطولاً، ونشر في مجلة الجامعة الإسلامية، ومما وقفت عليه أن ابن مسعود كان في الحبشة، وفي طريقه اعترضه قطاع الطريق، وأخذوه ورفيقاً معه، وأوثقوهما وباعوهما، فجاءا إلى الوالي ليخلصهم، يقول: ما وجدنا مخلصاً كالرشوة، دفع كل منا دينارين للوالي فأعتق سراحنا.
وفي المجموع لـ ابن تيمية ﵀ أن الراشي إذا اضطر لإحقاق الحق الذي سيبطل أو إنقاذ الحق الذي سيموت أو مات؛ فله أن يفعل ذلك، ويحرم على المرتشي أن يأخذ، ومثل بمثالين: لو أن رجلاً كان مع زوجه، وليس هناك إلا الله، وتحت سقف غرفة النوم قال: أنت طالق بالثلاثين.
ولا يوجد ورقة، يا ابن الحلال! خف الله! - ومن الغد ذهبت لأهلها، وأخبرتهم بالطلاق الموثق والمؤكد، وجاءهم يطلبها، فقالوا: أنت طلقتها! قال: لا، أبداً هي تكذب، أنا في عمري ما تكلمت بالطلاق، ولا عمري أطلقها أبداً.
تعال -يا ابن الحلال- أنت ما قلت: طالق بالثلاثين؟ أنا قلت هذا؟! ما خرجت مني كلمة.
فأهلها قالوا لها: أنت كذابة، أنت تبغي تشردي، اذهبي مع زوجك، فرجعت مع زوجها، ودخلت بيته وقد صمت أذناها بلفظ الثلاثين، فماذا تفعل في هذه الحالة؟ هل تمكنه منها وهي مطلقة بالثلاثين، فتكون قد أتت الزنا يقيناً؟ ماذا تفعل؟ هي مغلوب على أمرها.
يا ابن الحلال! خف الله أنت مطلق! قال: تريديني أكتب لك ورقة بالطلاق، وأسرحك إلى أهلك؟ أعطيني ثلاثين ألفاً! ورجعت المسألة إلى المساومة، فهذا الذي تدفعه المرأة لهذا الزوج المنكر يعتبر رشوة، وإذا كانت تستطيع أن تدفع فهل تدفع وتبعد عن طريق الزنا المتيقن في اعتقادها أو تستمر معه على طلاق الثلاثين؟! تدفع؛ لأنها مضطرة، وليس باختيارها، وهل له حق أن يأخذ هللة واحدة؟ ليس له حق، وعليه أن يقر بالحق، وليس له أن ينكر ذلك! والصورة الثانية: سيد كان مع عبده في سفر أو في خلوة أو في أي مجال، فخدمه خدمة طيبة وقال: أنت معتق لوجه الله، جزاك الله خيراً على ما عملت، وأنت عتيق لوجه الله، ومشيا ولما رجعا إلى البلاد تأسف وقال: كيف يضيع هذا العبد؟ فقال له: يا سيدي! أعطني ورقة بالعتق، فقال: عتق ماذا؟ - أنت قد عتقتني! قال له: أنت مجنون؟ لا عتق ولا شيء! هل يظل في الرق، وهو يعلم يقيناً أن سيده قد أعتقه أو يخلص نفسه من الرق الباطل الموجود حالياً؟ يخلص نفسه، وقال: إذا أردت أن أقر لك بالعتق فأعطني مالاً، فحينئذٍ يعطيه على أنها رشوة ليثبت حريته ويخرج من الرق، والسيد لا يحل له أن يأخذ المال، فهذا يعطي لإحقاق الحق، وذاك يأخذ بالباطل.
стр. 2157
جواز إعطاء الظالم مالاً لكف شره أو تقليله
يذكرون في كتب الفقه لو أن ناظر وقف أو وصي أيتام ابتلي بظالم اعتدى على عين الوقف، وأخذ جزءاً منه، مثلاً جاره اعتدى على الحد، وأخذ جزءاً منه، حاول ناظر الوقف هنا وهناك في المحكمة أن يرجع الحق، وأبرز وثائق الإثبات لكن بدون فائدة، وجاء له هذا الظالم وقال: اسمع! تريد حقك؟ قال: نعم، قال: صالحني بمبلغ كذا، وأنا أرد لك الوقف، فيتفق العلماء أن للناظر أن يصالح هذا الظالم ببعض الوقف ليستخلص البعض، مثلاً: هو أخذ ألف متر، فيقول له: أترك لك مائتين متر، ويسامحه ويصالحه على مائتين متر، ويستنقذ الثمانمائة، وكذلك وصي اليتيم، وآكل مال اليتيم يأكل ناراً في بطنه، ومع ذلك إذا اغتصب ماله، ولم يستطع وصيه تخليصه إلا بجزء منه فله ذلك؛ لأنه عمل لمصلحة اليتيم باستنقاذ البعض بالبعض، وله أجر في ذلك، وذاك عليه وزرٌ فيما يأخذ.
إذاً: الرشوة من حيث هي محرمة، ملعون دافعها، وملعون آكلها، وملعون الواسطة بينهما، ولكن: إذا دعت الضرورة فنجد من العلماء من يقول: اللعن عام دون استثناء، فماذا يفعل صاحب الحق الضائع؟ قالوا: يصبر، لكن إلى متى؟ وهناك من يقول: يرتكب أخف الضررين، وينقذ البعض أو الأكثر بالأقل، والله تعالى أعلم.
стр. 2158
خطورة الرشوة
لو أننا تصورنا مضرة الرشوة لكان الجميع يحاربها، وأكثر ما تكون الرشوة في المسائل التي لها علاقة بالحكومات، بالدوائر الحكومية، ومن أبرز صورها -والكل يعلمها- أن تأتي الدولة، وتطرح مشروع مباني، وتعمل مواصفات في القمة، بأحسن ما يمكن لو نفذت بحذافيرها، في الأبعاد والنسب، نسبة الإسمنت مع الرمل كذا، والحديد كذا، وو وبكل ما يمكن، وتجتهد، وتأتيها المظاريف مقفلة، تفتح المظاريف وترسو على زيد بن عبيد، وزيد بن عبيد وضع أقل عطاء، لكنه يريد أن يحصل على أعلى عطاء، فماذا يفعل؟ الجهة تأتي بمهندس مشرف، والمشرف هذا يمثل جهة المشروع، ويوقع له أو يعطيه سندات على كل خطوة خطوة، أولاً: الحفريات صالحة أو غير صالحة؟ وهكذا في مراحل البناء والتصليح، ويذكرون في ذلك النوادر والحكايات، فبعضهم سحب الحديد بعد التسليح! وبعضهم سحب كذا وكذا، وتقع أشياء لا يتصورها عقل، فيأتي المشرف وينظر إلى التسليح، فيجد الحديد ناقصاً عن المواصفة، فيقول له المقاول: خذ هذا المال واسكت، فيقول: صالح، ويأتي إلى الأبعاد وهكذا ويقول بعض المهندسين: لا ولن تجد مقاولاً يصدق، ولو في العتب حق الطاقة والباب، ينقص فيها الحديد، ينقص فيها الإسمنت، يفعل ويفعل.
لكن نقول: هذا نوع من التحامل، والخير في الأمة إلى يوم القيامة، وهناك من يبرئ ذمته، ويبرئ ساحته، لكن المشكلة في عملية الإشراف، والمشرف يرى النواقص بعينه، ويتغاضى عنها مقابل رشوة يأخذها.
وهذا المقابل لا يدري المسكين أنه يذهب بسببه ضحايا، ولعلكم سمعتم ببعض المشروعات في بعض الدول التي سقطت على من فيها؛ بسبب سوء التنفيذ، وسوء التنفيذ وقع بالاشتراك بين المقاول والمشرف، والمصيبة جاءت من المشرف، فإنه لا يخضع للمقاول إلا بالرشوة.
وكذلك إذا جئنا إلى خفر السواحل والحدود الذين يحرسون البلد من الممنوع، فتقدم إليهم الرشوة فيفتحون الباب على مصراعيه، وو وما نقدر نعدد الشيء الكثير، ولا نتهم أحداً بعينه، ولكن نقول: مضار الرشوة ليست قاصرة على الذي يدفع بأنه غرم بل تحصل أضرار من ورائها أضعافاً مضاعفة، وتكون النتيجة السيئة الحتمية على المواطن.
ولو أخذنا تصوير القرآن الكريم، لوجدنا أن الراشي أدنى الناس منزلة، وأقلهم مروءة، وكأنه -كما في التصوير الموجود في كتاب الله ﴿وَتُدْلُوا بِهَا﴾ [البقرة:١٨٨]- كان على علياء المروءة والكرامة مع الناس، فإذا به يتدلى إلى القاع، وإلى الحضيض، وإلى أدنى مستوى في المجتمع الذي يعيش فيه، ولهذا يصنعها بالدس، ويخشى أن تظهر، ويخشى أن يقال: والله! فلان هذا يرتشي، ويفعل ويفعل.
إذاً: يا إخوان! قضية الرشوة ما هي مجرد كون الإنسان يدفع شيئاً، أو مجرد إنسان يأخذ شيئاً، لا، انظروا إلى النتائج المترتبة عليها، فإنها تعود على المجتمع كله، مدرسة تسقط على الطلاب، مستشفى يسقط على من فيه، عمارة تسقط على سكانها، أليس هذا من جناية الرشوة؟ ولو جئنا إلى الطرق إلى المطارات إلى كذا إلى كذا وهكذا السلاح وعدم ضبطه أو التحرز من مبطلاته أو فساده، أشياء كثيرة ما يستطيع الإنسان أن يعددها، ولكن ننبه على خطر الرشوة في أي بلد، وكما أشرنا أن رئيس تلك الدولة الأوروبية يقول: الرشوة إذا تفشت في القضاء أفسدت البلد، وفعلاً إذا تفشت أفسدت، والله أسأل أن يعافينا وإياكم جميعاً إن شاء الله.
стр. 2159
شرح حديث: (أمره أن يجهز جيشاً فنفدت الإبل، فأمره أن يأخذ على قلائص الصدقة ... )
قال ﵀: [وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ : (أمره أن يجهز جيشاً فنفدت الإبل، فأمره أن يأخذ على قلائص الصدقة قال: فكنت آخذ البعير ببعيرين إلى إبل الصدقة) رواه الحاكم والبيهقي ورجاله ثقات] .
تقدم التنبيه على هذا الحديث عند الكلام على حديث سمرة: نهى ﷺ عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، والعلماء قالوا: عارضه حديث ابن عمرو أنه كان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة، يعني: ربا فضل وزيادة.
وكذلك حديث أبي رافع: (استسلف ﷺ بكراً، فلما جاء صاحب البكر قال: أوفوه، قال أبو رافع: فبحثت فلم أجد بكراً في الإبل، وإنما وجدت رباعياً، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: أعطه إياه، إن خيركم أحسنكم وفاءً) .
وأشرنا إلى تفسير الشافعي لبيع الحيوان بالحيوان نسيئة، وهو أن يكون كلا الطرفين نسيئة وغائباً، ومذهب أبي حنيفة وأحمد أن حديث سمرة نسخ الحديثين الآخرين، وذكرنا أن سند الحديث فيه مقال، وأنه مرسل، وهذا جزء مما تقدم الكلام عليه هناك، ويهمنا أن الرسول ﷺ كلف عبد الله بن عمرو بن العاص أن يجهز الجيش، مثل وزير الدفاع، أو وزير المالية، أمره أن يجهز الجيش، وسيجهزه من إبل الصدقة، مما يوجد للمسلمين، فإن لم يوجد تصرف، إذاً: تسند الأمور إلى من يقوم بها، وهذا مما ذكره صاحب كتاب: التراتيب الإدارية في الحكومة الإسلامية في عهد رسول الله ﷺ ، فذكر من يتولى أمر الصدقة، ومن يتولى أمر الجيوش، ومن يتولى أمر العدالة، ومن يتولى الحراسة، وهكذا، ويكون هناك بداية تخطيط لدولة قائمة، فهذا عبد الله بن عمرو يأمره ﷺ أن يجهز جيشاً، فنفدت الإبل، فأمره ﷺ أن يأخذ من الناس، ويقولون: ولي الأمر له عند الشدة والحاجة -وخاصة عند الحروب- أن يأخذ من الأثرياء قرضاً أو هبة، فإذا وجدت حالة شدة، مثل أن يدهم العدو البلد، أو علم ولي الأمر أن جيش العدو مقبل وليس عنده في صندوقه أو بيت المال أو وزارة المالية ما يجهز ما يقابل به هذا الجيش؛ فله أن يفرض على الأغنياء من أموالهم ما يجهز به الجيش الذي يدافع عن البلد؛ لأنه يدافع عنهم أنفسهم، ومن هنا: فهناك من يأخذ ذلك قرضة، وهناك من يأخذ ذلك مصادرة؛ لأنه حماية للبلد، وحماية لأمن الدولة، وكما يقولون: الأمن القومي، أمن الدولة، وقد نص الفقهاء على أن لولي أمر المسلمين ذلك، ولكن يجب أن يكون ذلك مع حفظ الحقوق، فالرسول ﷺ أمره أن يجهز الجيش، فلما نفدت الإبل أمره أن يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة، وهذا يدل على أنه لا ربا في الحيوان، وهناك نهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة يثبت أن ربا النسيئة يقع في الحيوان، ومالك فرق وقال: إذا كان الحيوان بجنسه فربا، وإذا كان بغير جنسه فلا، فمثلاً: لو اشترى فرساً ببعير، أو اشترى بعيرين بفرس، اختلف الجنس فلا مانع أن يكون نسيئة، والجمهور على ما قدمنا في هذا الحديث، وهو دليل على أنه لا ربا في الحيوان، لا ربا الفضل؛ لأنه يأخذ الواحد باثنين، ولا ربا النسيئة؛ لأنه يدفعها من إبل الصدقة حينما يأتي المصدق في آخر العام بالإبل، والله تعالى أعلم.
стр. 2160
شرح حديث: (نهى رسول الله عن المزابنة)
قال ﵀: [وعن ابن عمر ﵄ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة، أن يبيع ثمر حائطه إن كان نخلاً بتمرٍ كيلاً، وإن كان كرماً أن يبيعه بزبيبٍ كيلاً، وإن كان زرعاً أن يبيعه بكيل طعام، نهى عن ذلك كله) متفق عليه] .
(نهى ﷺ عن المزابنة) ، والمزابنة من الزبن، وهو الدفع، ومنه الزبانية عافانا الله وإياكم، ثم فسرها ابن عمر وقال: والمزابنة -أي: في العرف الشرعي- أن تبيع ثمرة النخل على نخلها بخرصها تمراً، فمائة نخلة فيها رطب، لو أنها تركت كم يجيء منها من التمر، يجيء منها خمسة أوسق، فيقول: أكيل لك الآن خمسة أوسق، وخل بيني وبين الثمرة.
وهكذا الكرم، وإن كان هناك من يكره تسمية العنب كرماً، فهذا العنب لو ترك حتى صار زبيباً، كم يأتي منه من قنطار؟ قال: يأتي عشرة قناطير، فيقول: أقدمها إليك الآن عشرة قناطير زبيباً، وخل بيني وبين شجر العنب، ثم أبيعه عنباً، أو أعصره، أو أتركه حتى يصير زبيباً، أنا حر فيه.
وهكذا حقل للقمح أو للشعير، يقول: كم يحصل منه لو تركناه حتى يجف الحب ويشتد، ثم يحصد ويداس ويصفى؟ قال: يحصل منه خمسون إردباً، قال: أدفع لك الآن هذا القدر، وخل بيني وبينه، وأنا سأحصده يوم الحصاد.
وسواء حصلت في ثمر النخل مقدار ما دفعت لك كيلاً أو أقل أو أزيد، فالزائد لي والناقص علي، وكذلك في العنب، سواء حصل من الزبيب بقدر ما أعطيتك زبيباً أو أقل أو أكثر، وكذلك الحب.
وكل يزبن الغبن عن نفسه، فصاحب النخل يحسب أنه حصل على كيل معلوم أحسن من الذي على الشجر، وصاحب التمر الذي كاله يظن أنه سيحصل مما على الشجر أحسن مما دفعه، ويزبن النقص عن نفسه، وهكذا كل ثمرة بجنسها، أما إذا كان بغير الجنس، مثلاً: اشتريت ثمرة البستان بالذهب والفضة، أو اشتريتها بالقمح، أو بالأرز فلا مانع؛ لأن الأرز بالتمر يجوز فيه الزيادة، ولكن بقي عندنا التسليم، ولا ربا نسيئة إذا اختلفت الأجناس والعلة، إذا كان بالنقد تساوي هذه الثمرة خمسة آلاف أو ستة آلاف، فيقول: تفضل هذا النقد، وأخذ الثمرة التي على رءوس النخيل، وعالجها، وهو ما يرزقه الله، وكذلك العنب، وكذلك الحب.
إذاً: المزابنة بيع الثمرة قبل نضجها بخرصها يابساً من جنسها، الرطب على النخل بالتمر، والعنب بالزبيب، والحب في الحقول بالكيل من طعام من جنسه، والله تعالى أعلم.
стр. 2161
شرح حديث النهي عن اشتراء الرطب بالتمر
قال ﵀: [وعن سعد ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يسأل عن اشتراء الرطب بالتمر، فقال: (أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم، فنهى عن ذلك) رواه الخمسة وصححه ابن المديني والترمذي وابن حبان والحاكم] .
النبي ﷺ سئل عن بيع الرطب بالتمر، يعني: كيلاً بكيل أو وزناً بوزن، فسأل ﷺ ليلفت الأنظار، وإلا فلا يخفى الجواب على رسول الله فقال: (أينقص الرطب إذا يبس؟) وهل يوجد أحد يجهل هذا؟! لا، حتى أطفال أصحاب البساتين يعرفون هذا؛ لأن الرطب يحمل كمية من الرطوبة، فإذا يبس نقص؛ لأنه تتبخر تلك الرطوبات، ويبقى الأصل فيخف، وينقص الرطب عما هو عليه.
فقالوا: نعم ينقص، فنهاهم عن ذلك؛ لأن التمر لن ينقص، ولكن الرطب سينقص، فنكون في النهاية بعنا تمراً بتمر مع التفاضل، وكذلك العنب بالزبيب، وجميع الربويات أخضرها بيابسها، فنهيه ﷺ عن بيع الرطب بالتمر وزناً متساوياً أو كيلاً متساوياً لعلة الربا، وهي نقص الرطب عن مثله تمراً، والتمر لن ينقص؛ لأن النقص قد تجاوزه، والرطب سينقص فيدخل على صاحب التمر نقص في الثمن، والله تعالى أعلم.
стр. 2162
شرح حديث النهى عن بيع الكالئ بالكالئ
قال ﵀: [وعن ابن عمر أن النبي ﷺ : (نهى عن بيع الكالئ بالكالئ، يعني: الدين بالدين) رواه إسحاق والبزار بإسناد ضعيف] .
سواء إسناده ضعيف أو إسناده قوي، هذا متلقى عند الأمة بالقبول، وهو إجماع واتفاق على أنه لا يجوز بيع الدين بالدين، الكالئ هو الدين، وصورة ذلك: لك عند زيد ألف ريال، وحل الأجل؛ لأن قبل الأجل ليس لك المطالبة، فإذا حل الأجل وجئت تطالبه، ولم تجد عنده سداداً، فعلم بذلك إنسان وقال: أنا أشتري منك ما كان لك عند فلان، إن قدرنا أن لك عنده ألف ريال، أو أن لك عنده إردباً من التمر، أو أن لك عنده قنطاراً من كذا، وجاء إنسان وقال: أنا أشتريه، فقال: بكم تشتري الألف ريال؟ قال: بثمانمائة، وبعد شهرين مثلاً: يكون له عند فلان ألف، وأنت تريد أن تأخذ ثمانمائة، وليس هناك استلام ولا قبض، وبقينا في الدين كما كنا فيه، أو لك عنده قنطار أو إردب من التمر، فقال: أنا أشتريه منك بألفين ريال، فقال: هات الألفين، قال: لا، بعد أسبوعين أو بعد شهر، فرجعنا أيضاً إلى الدين كما كان أولاً.
فكل ما كان بهذه الحالة: بأن يشتري دينك الذي عند فلان بثمن مؤجل ديناً عليه هذا لا يصح، والسبب أو العلة في هذا أننا لم نحصل على نتيجة فعلية، وما خرجنا عن نطاق الدين، ولا زال البائع دائناً لم يقبض حقه، بل جاء وارتبط بمدينٍ آخر، ولم يحصل الوفاء من هذا ولا من ذاك؛ ولهذا نهى ﷺ عن بيع الدين بالدين.
ولو أنه قال: قنطارك التمر الذي عند فلان أنا أشتريه بألف ريال بعد شهرين، فهذا لا يجوز، لك تمر عند فلان، وأنا أشتري التمر الذي لك عنده بألفين ريال بعد شهرين، لا يجوز هذا؛ لأن الألفين ما سلمها، ولو أنه جاءه وقال: أريد منك إردبين من التمر بألفي ريال بعد سنة، فهل يجوز أو لا يجوز؟ يجوز؛ لأنه بيع وشراء في عقد واحد، والثمن مؤجل، والناس يتعاملون بالدين دائماً، فليس هنا دين بدين، لكن الممنوع دين بدين مؤجل، وهو النقد، وأكدنا سابقاً بأن الأثمان لا تدخل في ربا النسيئة؛ لأنها قيم المبيعات.
стр. 2163
كتاب البيوع - باب الرخصة في العرايا وبيع الأصول والثمار
الإسلام دين ودنيا، وعبادات ومعاملات، وقد نظم الإسلام أحكام المعاملات تنظيماً حكيماً، ويظهر ذلك بوضوح في باب البيوع، وهو باب واسع شمل كل أنواع المعاملات المالية وبين أحكامها، ومن هذه البيوع التي بينها الشرع بيع الثمار ووضع الجوائح وبيع العرايا.
стр. 2164
شرح حديث: (رخص في العرايا ... )
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد: قال المصنف ﵀: [وعن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه: (أن رسول الله ﷺ رخص في العرايا أن تبيع بخرصها كيلاً) متفق عليه، ولـ مسلم: (رخص في العرية يأخذها أهل البيت بخرصها تمراً يأكلونها رطباً] .
(رخص) يعني: أعطى رخصة في شيء ممنوع.
(رخص في العرايا أن تباع) (أن) تفسيرية، تفسر معنى العرايا التي رخص فيها رسول الله.
(أن تباع -النخلة أو النخلات- بخرصها تمراً) ، تباع ثمرة النخلة والنخلتين وهي رطب بخرصها تمراً، وصورة بيع الرطب على رءوس النخيل بخرصها تمراً كيلاً معلوماً تقدم لنا في المزابنة، والمزابنة: هي بيع الرطب على رءوس النخيل بخرصه تمراً مكيلاً.
مثلاً: هذا البستان فيه مائة نخلة، فتعطيه خمسين وسقاً من التمر الآن، ويدع لك النخل، لكن عندما تأخذ رطباً، وتجفف التمر، تحصل على خمسين أو أربعين أو ستين، هذا ممنوع، وهو من المزابنة.
(رخص في العرايا) ما هي العرية؟ سيأتي بعد البيان الإجمالي (بخرصها تمراً) حالاً، ويدفع التمر لصاحب النخل، وكيف رخص في هذا وهي مزابنة؟ قال: لكي يأكلها المشتري رطباً لا أن يجففها، وموجب الترخيص فيها الرفق بالمسلمين، وهي: أن يأتي إنسان لصاحب بستان يأكل الرطب، وجيرانه ليس لديهم المال ليشتروا نخلة أو نخلتين، ويجوز أن تشتري ثمرة هذه النخلة من رطب بمبلغ كذا نقداً، تسلمه الآن أو لاحقاً، لا مانع، مثل الذين يشترون الثمر كله ويتولون أمره، ينزلون منه رطب، يجففون منه، هذا بيع وشراء طبيعي، لكن جيران البستان ليس عندهم نقد يشترون رطباً يتفكهون به كما يتفكه الناس، وعندهم تمر، جاءهم زكاة من فاعل خير، إذاً الناس يأكلون رطباً جنياً وهؤلاء يأكلون تمراً جافاً من العام الماضي، قالوا: نريد أن نأكل رطباً نحن أيضاً، فهؤلاء الناس الذين لا يستطيعون شراء رطب النخلة نقداً وعندهم تمر، رخص لهم ﷺ أن يشتروا ذلك عرية، وسميت النخلة التي يباع رطبها بالتمر خرصاً عرية ليست عارية، بل عرية من عريانة؛ لأن العارية من الاستعارة ويستعير، لكن عرية عريانة عن ماذا؟ عن حكم المزابنة بمقتضى الرخصة، فخرجت عن حدود المزابنة، لماذا؟ لخصوص هؤلاء الناس ليتمكنوا من مشاركة أصحاب البساتين والنقود من أن يأكلوا رطباً مع الناس.
وهنا أحكام عديدة؛ من أهم تلك الأحكام في رخصة العرية: أن تكون في حدود التفكه، هل يجوز أن يشترى البستان كاملاً بخرصه تمراً ويقال: عرية أتفكه؟ هل كامل البستان للتفكه أو للتجارة؟ للتجارة، إذاً: في حدود التفكه.
إنسان عنده أسرة من شخصين أو ثلاثة أو أربعة هؤلاء يكفيهم نخلة نخلتين، فيأخذ بقدر ما يكفيه للتفكه.
فإذا اشترى على قدر ما يحتاج بتقديره، وبعد أن اشترى قال: ما لنا والرطب! دعنا نجففها وتصير تمراً لعلنا نحصل على أكثر مما دفعنا.
هذا لا يجوز.
إذاً: الشرط الأول: أن يكون في حدود التفكه، الشرط الثاني: ألا يتعمد ترك الرطب على الشجر حتى يثمر؛ لأنه بهذا يكون قد باع تمراً بتمر مؤجلاً، ويكون قد استغنى عن الرطب، وما دام أنه استغنى عن الرطب فترجع العرية إلى المزابنة مرة أخرى، إذاً: رخص في بيع العرية والعرية هي: النخلة أو النخلات يشتريها صاحب العيال بخرص ما فيها من رطب تمراً يدفعه حالاً عند العقد ولا يؤجله.
ثم هو يباشر أخذ الرطب للأكل، وما سبقه عن الأكل وأتمر فلا بأس؛ لأنه لم يتعمد تركه حتى يجف ويصير تمراً.
وإذا زاد من رطبه ماذا يفعل في هذا الزائد هل يتركه على الشجر حتى يجف؟ لا، له أن يبيع أو أن يهدي؛ لأنه أخذ منه في حدود طاقته.
قال ﵀: [ولـ مسلم (رخص في العرية يأخذها أهل البيت بخرصها تمراً يأكلونها رطباً) ] .
رخص أن يأخذها أهل البيت بخرصها تمراً، أي: يأكلها أهل البيت، إذاً العرية: هي بيع الرطب بخرصه تمراً، وهو عين المزابنة، لكن لما كانت للحاجة لأهل البيت لكي يأكلوا رطباً رخص في ذلك رسول الله ﷺ .
стр. 2165
شرح حديث: (رخص في بيع العرايا دون خمسة أوسق)
قال ﵀: [وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: (أن رسول الله ﷺ رخص في بيع العرايا بخرصها من التمر فيما دون خمسة أوسق أو في خمسة أوسق) متفق عليه] .
هذا هو القيد، قلنا بأنه لا يحق أن يشتري ثمرة البستان كله عرية، ولكن يشتري نخلة أو نخلتين في حدود ما يخرج عن ظنية الاتجار، فما كان في حدود خمسة أوسق، والوسق ستون صاعاً، في حدود ثلاثمائة صاع، وقد تكون العائلة كبيرة وذات أرحام وأقارب، وقد يكونون مختصرين، لكن في مجال الخمسة أوسق، أما لو كان الرطب على النخل يخرص بستة أوسق فلا، هذه خرجت عن كونها عرية، هذا يريد أن يتاجر، إذاً: خمسة أوسق فأقل يجوز بيعها بخرصها رطباً يأكله أهل البيت، سواء زاد وأهدوا أو باعوا، أو جف عليهم وغلبهم اشتد الحر وسبق الصيف أوانه، أحياناً تأتي بعض السنوات في منتصف المدة، وتجد البستان بعد أن كان كله رطباً فإذا به في أسبوع واحد كله صار تمراً لشدة الحر.
إذاً: المقدار الذي يكون فيه الترخيص ببيع الرطب بخرصه تمراً إذا كان الخرص خمسة أوسق فأقل، هذا ما ذكره العلماء في التمر والرطب، وهل يقاس على ذلك الرخصة على العنب بالزبيب، والمشمش بالمجفف منه؟ بصفة عامة: الفواكه تجفف، التين يجفف، والعنب يجفف، والمشمش يجفف.
يهمنا: هل يقاس على الرطب والنخلة والتمر غيرها مما يشاكلها، وأهم ذلك العنب والتين أم أنها تقف عند المنصوص؟ يقول الأصوليون: الرخص لا تتعدى محلها؛ لأنها على خلاف الأصل وخلاف القاعدة، فيكون ما عداها محظوراً، ويكون ما عداها مغايراً لها.
إذاً: لا يقاس العنب بأن يخرص ويباع بخرصه زبيباً، ولا التين بخرصه تيناً مجففاً، فالعرية خاصة بالنخلة رطباً وتمراً، وما عدا ذلك لا يدخل في الرخصة.
стр. 2166
شرح حديث: (نهى رسول الله عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها)
قال ﵀: [وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: (نهى رسول الله ﷺ عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمبتاع) ، متفق عليه، وفي رواية: (وكان إذا سئل عن صلاحها قال: حتى تذهب عاهتها) .
وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: (أن النبي ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى تزهى، قيل: وما زهوها؟ قال: تحمار وتصفار) متفق عليه، واللفظ للبخاري] .
هذا نوع من أنواع البيوع الممنوعة احتياطاً من الربا؛ ومن أكل المال بالباطل.
الثمار: جمع ثمرة، ويدخل في ذلك الرطب، العنب، التفاح، الخوخ، الرمان.
كل ما يسمى ثمرة (حتى يبدو صلاحها) صلاحها في ماذا؟ في إمكانية أكلها عند متوسط الناس، لا عند الجائعين يأكلونها وهي خضراء، لكن متوسط الناس أصحاب الأذواق المعتدلة، فإذا بدا صلاح الثمرة جاز بيعها، وهل المراد بصلاح الثمرة كل حبة على حدة؟ قالوا: لا، بين ﷺ ما هو صلاحها، قال: (أن تزهو) ، فما زهوها؟ قال: (تحمار أو تصفار) ما الفرق بين: تحمار وتحمر؟ تفعال: تدل على الشروع في الشيء، والمضي فيه إلى النهاية، فمعنى (تحمار) بدأت مخايل الحمرة وإن لم تكتمل حمرة الثمرة كلها، بمجرد ابتداء اللون، أو الصفرة تميزت ثمرة هذه النخلة بالاحمرار، وثمرة تلك النخلة بالاصفرار ولو لم يكتمل الاحمرار في هذه، ولا الاصفرار في تلك.
وجاء في بعض الروايات عن العنب: (حتى يتموه حلواً) ، يتموه موهاً من الماء، وأصل الماء: موهٌ، فإذا جرى الماء في العنب، بمعنى: العنب في أوله الحبة مثل قطعة لحم، فإذا بدأ في الصلاح بدأ الماء يجري داخل الحبة، ويتموه حلواً، وقد يتموه في بادئ أمره لكن على الحموضة، فحينئذ ما بدا صلاحها ولا تصلح للأكل، لكن إذا تموه وجرى فيه الماء، وكان الماء طعمه حلواً فيها فقد بدا صلاحها.
والعلة في هذا كله: ما جاء في الرواية: (حتى تؤمن العاهة) ، أي: الآفة، وفي بعض الروايات: (حتى يطلع النجم) ، أي: نجم الثريا، ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم:١] ، ذكر منكراً، ويفسره الجميع بأنه الثريا، أمنت العاهة على الثمار، وهذا من قدرة الله ، وليس للثريا تأثير في الثمار، ولكن توقيت للفصول في السنة واختلاف الأجواء بما يناسب الزروع، وكل زرع له فصل معين يجود إن صادفه ويفشل إن لم يصادفه، قد يهيج ويخضر ولكن لا يثمر، وسمعت من الشيخ ابن صالح رحمة الله تعالى علينا وعليه يحكي عن شخص فلاح كبير السن، مر على جماعة يزرعون الدبا الحمراء -التي يقولون عنها: الشرقية- في الضحى، فقال: يا أولادي! لو صبرتم حتى تزول الشمس.
قالوا: وما الفرق بين الآن وزوال الشمس إلا ساعة أو ساعتين.
قال: لا، الشمس تنزل في برج كذا بعد زوال الشمس من هذا اليوم، وهو أول أوان زرع هذا النوع، فكأنهم شباب استخفوا بشيبته، قال: علموا ما زرعتموه قبل الزوال، وما زرعتموه بعد الزوال، فكانت النتيجة فارقاً بعيداً، فما زرعوه قبل الزوال ورقه كبير، وأخضر طويل، وثمرته قليلة، وما كان بعد الزوال الثمرة أكثر من الورق.
إذاً: هناك مواسم زراعية تتناسب مع الجو والهواء والحرارة والبرودة، وكلنا يعلم، والفلاح أعرف بهذا، هناك مزروعات صيفية ومزروعات شتوية، والآن جاءوا بالبيوت المحمية لإيجاد جو يتناسب طيلة السنة مع المزروعات، وأصبحت ترى مزروعات الصيف شتاءً، ومزروعات الشتاء صيفاً؛ لأن البيوت المحمية لا فرق فيها بين صيف وشتاء.
فقوله ﷺ : (حتى يطلع النجم) ، (حتى تؤمن العاهة) ، (حتى يحمار أو يصفار) ، (حتى يزهو) ، كل تلك أوصاف في الثمرة تدل على أنها تجاوزت مرحلة الإتلاف والآفة.
جاء في وضع الجوائح: بأنه إذا اشتراها بعد أن بدا صلاحها، ثم جاءت جائحة سماوية كبرد أسقط الثمرة -كما هو معروف عند أهل الزراعة آفة- وأتلفت الثمرة، ما حكم المشتري مع البائع؟ يرد الثمن، (علام يأكل أحدكم مال أخيه بغير حق) لأن الثمرة لا زالت في بستانك، فهي على حسابك.
يهمنا هنا: نهي النبي ﷺ عن بيع الثمرة لتكون ثمرة.
أما إذا بيعت لتكون علفاً أو غرضاً آخر، جاء إلى النخيل، والنخيل فيه أقنية بكثرة، فالبعض منها يزال تخفيفاً على النخل لتكون علفاً للدواب، فهل باعها على أن تكون ثمرة يبدو صلاحها؟ لا، ولا ينتظر بدو صلاحها، فهكذا إذا بيعت الثمرة لا لكونها ثمرة بل لغرض آخر فإن ذلك ليس فيه نهي، النهي عن بيع الثمرة لتبقى في مكانها في أصولها ثمرة يتم نضجها ويستوفيها المشتري، عندها لا يجوز عقد البيع حتى يبدو الصلاح.
стр. 2167
مقياس بدو الصلاح
إذا كان البستان فيه مائة نخلة، وظهرت حبة أو حبتين زاهية، هل بحبة أو حبتين زهت يحكم ببدو صلاح ثمرة البستان؟ لا، هذه بشائر خير لا مانع، لكن إذا انتشر الاحمرار في أكثر النخيل أو في النخلة الواحدة، وبدا الصلاح في بعض نخيل البستان، وكان البستان فيه عدة أنواع، والصلاح بدا في نوع منه، وبقيت الأنواع الأخرى، أيجوز بيع جميع الأصناف على بدو صلاح صنف واحد أو لابد من بدو الصلاح في جميع الأصناف؟ جميع الأصناف، إذا بدا الصلاح في بستان زيد وجواره بستان عمرو لم يبدو فيه صلاح، فهل نقول: صلاح بستان عمرو يصلح لصلاح بستان زيد؟ لا، المنطقة واحدة والحد واحد؟ لا، التربة تختلف، والماء يختلف، والصلاح كذلك يتفاوت وهكذا.
بدو الصلاح يكون غالباً في البستان الواحد، وإذا كان هناك أصناف وأنواع فإنه يعم الأصناف، وحينئذ تباع الثمرة على بدو صلاحها بنقد لا من جنسها، وبعد ذلك له أكلها رطباً، أو باعها رطباً، أو جففها دخلت في ملكه فيصنع فيها ما بدا له.
стр. 2168
شرح حديث: (نهي عن بيع العنب حتى يسود)
قال ﵀: [وعن أنس رضي الله تعالى عنه: (أن النبي ﷺ نهى عن بيع العنب حتى يسود، وعن بيع الحب حتى يشتد) ، رواه الخمسة إلا النسائي وصححه ابن حبان والحاكم] .
تتمة لما تقدم: قال في حق النخيل: (حتى تحمار أو تصفار) ، (تفعال) ، هذه تدل على الشروع في الشيء والمضي فيه إلى الكمال، كما في قوله سبحانه: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ﴾ [الحجرات:١٤] ، (ولما يدخل) يعني: يدخل ويستمر في دخوله إلى الكمال والتمام، فكذلك يحمار ويصفار، يعني: يبدأ اللون إلى أن يأتي في الكمال.
جاء في العنب: حتى يسود، وهل كل عنب سيسود؟ لا، هناك عنب أسود وأحمر وأبيض، وشريفي، وحجازي، ومصري، وبناتي.
العنب كثير، لماذا أسود بالذات؟ الذي أصله أسود حتى يسود، ويسواد على وزن يحمار ويصفار، ولكن العنب الأبيض الذي ليس فيه سواد! هلا تذكرتم الأسودين، حتى يسواد يعني: يجري فيه اللون الأسود كناية عن الماء، (شهرين: هلال وهلال وهلال لم يوقد في بيت محمد ﷺ ناراً.
قال: فما كان طعامكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء) الماء إذا رأيته في مكان عميق رأيته أحمر أو أسود؛ لغزارة مائه، فيسود بمعنى يظهر فيه الماء، هو كان أخضر فيروزي، ثم لما وجد الماء فيه مال إلى السواد.
إذاً: حتى يسود بمعنى يجري فيه الماء، كما قال: (يتموه حلواً) .
قال: [ (وعن بيع الحب حتى يشتد) ] .
وكذلك بيع الحب في مزرعته، إنسان عنده عشرون فداناً، قمحاً، ثم جاء إنسان وقال: أريد أن أشتري منك مزرعتك هذه، فهل اشتراها ليحصدها علفاً، أو ليبقيها حتى يشتد الحب ويحصد ويذري؟ إن كان اشتراها لتكون علفاً فلا مانع، وإن كان اشترها ليبقيها في زرعها حتى يشتد الحب ويستحصد ويحصد ويدوس ويصفي ويأخذ حباً.
لا يجوز البيع حتى يشتد الحب في سنبله؛ لأنها قبل اشتداد الحب أول ما تكون الحبة فارغة، ثم يجري فيها اللبن، سبحان الله! من أين جاء هذا اللبن؟ الأرض ليس فيها لبن، الماء ما فيه لبن، عود القمح ما فيه لبن، حينما ينعقد هذا اللبن داخل غلاف الحبة ويشتد، قبل الاشتداد يسمى فريكاً فتفرك السنبلة وتأكلها، حب أخضر.
هذا لا يجوز، حتى يشتد وتريد أن تأكلها فصاحب الأسنان القوية هو الذي يستطيع أن يأكلها.
فإذا ما اشتد الحب في سنبله أمنت عليه الآفة، وإذا ما أردت أن تحصد فكيفما شئت، لكن لا يباع بقمح كيلاً، بل بالنقد، فإذا ما اشتراه نقداً بعد اشتداد حبه جاز، وقبل أن يشتد الحب لا يجوز بيعه.
وقلنا: إذا كان الشراء مراداً به التبقية حتى يحصد، أما إذا كان مراده بالشراء أخضر علف أو أي شيء آخر هذا ليس داخلاً في هذا.
стр. 2169
شرح حديث: (لو بعت من أخيك تمراً فأصابته جائحة ... )
قال ﵀: [وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (لو بعت من أخيك تمراً فأصابته جائحة؛ فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً، بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟) ، رواه مسلم، وفي رواية له: (أن النبي ﷺ أمر بوضع الجوائح) ] .
يأتي المؤلف ﵀ في نهاية باب البيوع بهذين الحديثين، الحديث الأول: (إذا باع أحدكم ثمراً لأخيه فأصابته جائحة؛ فلا يأخذ من ماله شيئاً) ، وأمر ﷺ بوضع الجوائح.
صورة هذا الحديث مما تقدم لنا في بيع الثمار وحدها دون الأصول: أنها لا تباع حتى يبدو صلاحها، وبدو الصلاح: هو أن يمكن لصاحب الذوق المعتدل أن يأكله، ثم بين ﷺ نوع هذا الصلاح: بأن ثمر النخل تحمار أو يصفار، وفي العنب أن يتموه حلواً؛ فإذا حصلت تلك الصفات في الثمار جاز بيعها دون أصولها، كما هو المعروف عند أهل المدينة ببيع الصيف، يعني: ثمرة النخل صيفاً، ويكون هناك العنب والرمان والتين، وكل ذلك تباع الثمرة دون الأصل -أي: دون الشجرة- بخلاف ما إذا باع الشجرة والأرض وانتقل الأصل للمشتري، فسيأتي في الحديث حكم ذلك؛ فعلى أن الثمار لا تباع حتى يبدو صلاحها، وفي بعض الروايات: (حتى يطلع النجم وتؤمن العاهة) ، والنجم هو الثريا، وبمشيئة الله سبحانه يعتدل الجو وتؤمن الآفات على الزراعة.
فإذا أمنت العاهة في غلبة الظن وأن الثمرة ستظل سليمة إلى النهاية جاز بيعها، فإذا باعها قبل بدو الصلاح كان مغايراً لما جاء عن رسول الله ﷺ ، وكان معرضاً لإصابة الآفة، أما إذا اشترى الثمرة بعد بدو الصلاح وعلى الوجه الشرعي، ثم جاءت جائحة، والجائحة هي الحدث العام الذي يجتاح -بمعنى: يكتسح ويدفع ما أمامه- بعد أن وقع البيع بعد بدو الصلاح على الوجه المشروع، وجاءت على غير العادة، فمثلاً: اشترى الصيف بعد بدو الصلاح، وبعد أن اشتراه بشهر -أو أكثر أو أقل- جاءت ريح عاتية فأسقطت الثمار وأتلفتها، أو جاء مطر مصحوب ببرد، وأسقط البرد الثمرة وأتلفته، أو نحو من ذلك الذي هو خلاف العاهات الزراعية والآفات التي تعتري الزراعة مما هو معهود عند علماء الزراعة، فتأتي آفة عامة بحدث مفاجئ فتتلف الثمرة، هذه هي الجائحة؛ فحينئذ وقع البيع ودفع المشتري الثمن أو لم يدفع وكان في ذمته، وخلى بينه وبين الثمرة يأخذ منها ما شاء، ويستغلها كيفما شاء.
وعلى صاحب النخلة أو الشجرة أن يسقي إذا احتاجت إلى سقي، أو يمنع من سقيها إذا كان ذلك يضرها، فلو كان لصاحب النخيل زراعة تحت النخل وتحتاج إلى سقي، لكن السقي يضر بالشجر؛ فيمنع للمضرة عما هو مبيع.
стр. 2170
إلزام البائع بوضع الجوائح
إذا جاءت الجائحة وأتلفت الثمرة المبيعة بعد بدو الصلاح على الوجه الشرعي، فهذه الثمرة التي أتلفتها جائحة سماوية على من يكون الضمان؟ الحديث هنا يقول، للبائع: فلا يأخذ من ماله شيئاً لماذا؟ لأن ضمان الثمرة ما دامت على الشجرة على البائع.
وهنا يقع الخلاف، ونجد القلة من العلماء من يقول: البائع لا يتحمل أي شيء، وإنما عوض هذا المثال وتلفه وضمانه على المشتري؛ لأن البائع باع ما تحت يده، وخلى بينه وبين المشتري، فهو في عهدة المشتري، إن سلم سلم له، وإن تلف تلف عليه.
يمكن أن يقول إنسان: هذا مقتضى العقل والقياس، ولكن تخلية البائع للمشتري بينه وبين الثمرة ليست تخلية كاملة، بل هي متعلقة ببقائها، ومن هنا كان الحديث صريحاً صحيحاً ولا يحتمل الاجتهاد عند من يعمل اجتهاده، وكما قيل: لا اجتهاد مع النص، والحديث في آخره يقول: (بأي حق يأكل مال أخيه) ، أنت بعت الثمرة بألف ريال، والمشتري دفع الألف، وبعد لحظات، أو أيام، أو أسابيع، وبعد أن اشترى منك في أوائل بدو الصلاح، وبعد أن اكتمل الصلاح، وأراد أن يستثمر ما اشتراه، ويجني الثمرة؛ فإذا بجائحة تتلف الثمرة عليه، أين المبيع؟ لكأن البائع لم يسلم المشتري عين ما باعه عليه، إذاً: من أول بدو صلاحها إلى أن ينضج ويكتمل صلاحها، إلى أن يستنفد المشتري ثمرته هي في ضمان البائع، والحديث صريح، ولا ينبغي الاجتهاد في معارضة النص، والجمهور على أن: ضمان الثمرة هذه التي ما بيعت إلا بعد بدو الصلاح، وتلفت بآفة عامة سماوية، وليس من صنع أحد؛ فإنها من ضمان البائع.
أما إذا كان ذلك بصنع أحد بأن جاء وأطلق عليها الماء في الليل وزاد إلى أن أفسدها، أو جاء وكانت ثمرة أخرى دون النخيل، أو النخيل ليس مرتفعاً بكثرة؛ وجاء وأطلق فيها إبله أو بقره فأتلفت الثمرة، إذاً: يكون هناك متعدٍ، والمتعدي ضامن، فيكون ضمانها على من تعدى.
إذاً: الكلام في الجوائح العامة السماوية التي لا دخل لأحد فيها.
стр. 2171
قانون التأمين البحري وفساده
نشأ في عالم التجارة والقوانين الاقتصادية ما يسمى بالتأمين البحري، والتأمين البحري هو أول نوع من أنواع التأمين التي انتشرت الآن في العالم، كانت التجارة بحرية، وكان القراصنة يعتدون على السفن، وكانت أكثرها شراعية أو بخارية صغيرة، وكانت الأمواج تأتي عاتية، فلربما طغت الأمواج وأغرقت السفينة، ولربما سطا اللصوص والقراصنة عليها واجتاحوها، فإذا كانت هناك تجارة في عرض البحر، وجاءت الأمواج والرياح فأغرقت السفينة بما فيها من السلاح، المشتري اشترط التسليم في بلده، والمنتج البائع تعهد له بإرسال السلعة إلى محله، لكنها في الطريق ما بين محل الإنتاج ومحل الاستلام تلفت بآفة لا باعتداء، فإذا كان التلف باعتداء القراصنة فهذا تعد من إنسان؛ فهو ضامن؛ فعليهم أن يتبعوهم، أما إذا تلفت بأمر إلهي سماوي: رياح عاتية، أمواج شديدة؛ فأغرقت التجارة؛ فيكون الضمان على البائع؛ لأن المشتري لم يستلم شيئاً بعد، فقاموا وأنشأوا الضمان البحري، وتقوم الشركات تضمن السلعة من موضع إنتاجها أو مبيعها، وتتعهد بشحنها ومتابعة الجو والحالة الجوية، ثم نوع السفينة التي تحملها، وقبل ذلك نوع التعبئة، وتعبئة الزجاج غير تعبئة القماش غير تعبئة الخشب، فشركة التأمين تتولى كنائب عن المشتري استلام السلعة، وتعبئتها بما يناسبها، ثم النظر في السفن التي تحمل هل هي صالحة للإبحار إلى محل التسليم أم لا؟ ثم تسأل مصلحة الأرصاد: هل هناك احتمال رياح أو إثارة رياح أو أمواج؟ بقدر ما لديهم من معلومات يتبادلونها مركزاً عن مركز آخر، فإذا ما اطمأنت شركة التأمين على سلامة الوصول شحنت البضاعة، وأبحرت السفينة، ومضت في طريقها إلى محل التسليم.
إذا عملت كل هذا ووقع المحظور، وجاءت جائحة عارضة بعد كل هذه الاحتياطات؛ فإن شركة التأمين هنا تضمن، والإسلام يقول: توضع الجوائح، فنظام الاقتصاد يحمل شركات التأمين ضمان ما ضمنت به في سلامة وصوله إلى المشتري؛ لأنها تأخذ على ذلك التأمين جعلاً، فلما أخذت الجعل وتوثقت من الأحوال التي تتعلق بإبحار البضاعة، وجاء أمر عارض، فتتحملها، وكونها تتحمل أو لا تتحمل فإنها قد تتحمل في السنة صفقة أو صفقتين، بينما تحصل من المؤمنين على مئات الصفقات وتصل بسلامة ولا تغرم شيئاً، فنسبة ما تغرمه في تلك الحالات لا يتجاوز العشرة في المائة أو العشرين في المائة من مجموع ما يدخل عليها من الصفقات الأخرى، هذا لا يهمنا، ولكن نقول: إن هذه القضية بذاتها عالجها رجال الاقتصاد وأخطئوا فيها، وهنا الإسلام يقول: (إذا باع أحدكم ثمراً فاجتاحته جائحة، فلا يأخذ من ماله شيئاً) .
стр. 2172
النسبة التي بها توضع الجوائح
قوله: (أمر بوضع الجوائح) ، يعني: وضع قيمتها، والجوائح تكون على حالات نسبية، قد تجتاح الجائحة جميع الثمرة، ولا يبق منها ما يصلح، وقد تجتاح البعض، وحينما تجتاح الجميع فلا خلاف أن هذا الحديث موضوعها، أما إذا اجتاحت البعض والبعض قليل؛ فإن هذه تجري بها العادة بأن تهب رياح، أو أن يأتي مطر نوعاً ما فيسقط بعض الثمرة أو يتلفها، فإذا كان الاجتياح لشيء قليل فلا وضع، ولا يرجع المشتري على البائع بشيء؛ لأن ذلك في حدود المعتاد.
وما حد القليل من الكثير؟ يقدره البعض بالثلث، إذا وقعت الجائحة على ثلث الثمرة وضعت من قيمتها عند البائع، باع البستان بألف، وجاءت الجائحة وأتلفت ثلث الثمرة؛ فالبائع يرد ثلث ثمن الثمرة للمشتري، أما إذا كان المتلف أقل من ذلك فهذا يغتفر ويتسامح فيه؛ لأنه من عوارض البيع والشراء، ومن حالات البساتين والرياح وغير ذلك.
إذاً المبدأ الأساسي: ضمان البيع والشراء، وأن عهدة المبيع في ذمة البائع حتى يستوفيه المشتري، وتقدم لنا نظير ذلك: لو أن إنساناً اشترى من آخر مائة كيس من الحب، ودفع الثمن، ولم يستلم ذلك، ولم تزل تلك الأكياس في مستودع البائع، فتلفت الأكياس في مستودع البائع، فتكون من ضمان البائع؛ لأن المشتري لم يستلم السلعة من المبيع؛ فهي في عهدة البائع حتى يستلمها المشتري، فكذلك هنا النخيل بمثابة الأكياس في المستودع؛ فلما ضمن الشرع للبائع ما تلف في مستودعه كذلك ضمنه ما تلف على أشجاره، ثم أمر بوضع الجوائح -وهي ما يجتاح الثمار- ولكن تفصيل بعض العلماء: إذا كانت الجائحة اجتاحت الجميع فعلى هذا النص، وإذا كانت اجتاحت قليلة فهذا مما يتسامح فيه، والحد بين القلة والكثرة هو الثلث، والله تعالى أعلم.
стр. 2173
شرح حديث: (من ابتاع نخلاً بعد أن تؤبر ... )
قال ﵀: [وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي ﷺ أنه قال: (من ابتاع نخلاً بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع الذي باعها إلا أن يشترط المبتاع) ، متفق عليه] .
هذا تابع لبيع الثمرة والأصول: إذا اشترى إنسان بستاناً، والبستان قد أُبر نخله، والتأبير وضع الوبار، وهو دقيق طلع فحل النخل في إناثها، وهذه الطريقة خاصة بالنخل، ولذا قالوا: إن أميز أنواع النباتات هي النخلة، كما قالوا: إن أميز أنواع الحيوانات الخيل، فالنخلة متميزة عن بقية الأشجار بصفات هي أقرب إلى صفات الإنسان، وأرقى أنواع النباتات النخلة؛ لما فيها من الشبه بالإنسان، في حياتها إذا جززت الرأس ماتت، وجميع الأشجار تقطع أغصانها يميناً وشمالاً، وتنبت وتعود إلى ما كانت عليه إلا النخلة، إذا جززت رأس النخلة ماتت، وكذلك ما يقال في أن النخلة ليست لها أغصان في وسطها كشجرة الرمان والتوت وغيرها، بل ساق واحد كالإنسان وعمود واحد، وكذلك قالوا: جميع أجزائها يستفاد منها، ولا يلقى منها شيء، وكذلك الإنسان مفيد للمجتمع بكليته: بعينه، بأذنه، بلسانه، بيده، برجله.
كل ذلك يفيد الأمة، فكذلك النخلة: في ورقها، في جريدها، في ثمارها، في نوى ثمرها، في جذوعها، في كرانيفها.
كل ذلك يستفاد منه ولا يتلف منه شيء.
ثم قالوا أيضاً في هذه العملية -عملية التلقيح وعدم التلقيح-: الإنسان لابد في تلقيحه من لقاء الذكر بالأنثى، فيكون هناك التلقيح كما يقال له فعلاً، ويكون هناك الولد بين الذكر والأنثى، فكذلك ثمرة النخلة لابد من تأبير وبار الذكر أو فحل النخل بطلع الأنثى، يعني تلقيحها متميز ذكر وأنثى، بخلاف بقية الأشجار، سواء كانت الحمضيات من ليمون وبرتقال وأترج وسوى ذلك أو العنب أو التين أو الرمان.
جميع الفواكه فإن فيها أيضاً تأبير -فيها تلقيح- ولكن ليس هناك نوع من شجر العنب، ولا التين ولا البرتقال هذا ذكر وهذه أنثى، الكل منتج، والكل مثمر، ولابد للثمرة من لقاح.
كيف تلقح تلك الأشجار؟ أما النخلة فقد عرفنا بأن الإنسان يأتي ويأخذ أبار الفحل ويضعه في طلع الأنثى، وبقية الأشجار من الذي يلقحها؟ بين الله سبحانه ذلك فقال: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر:٢٢] ، يقولون: إن الشجرة بذاتها تكون فيها أزهار ملقحة، وأزهار تتلقح، فالشجرة الواحدة من كل صنف تحمل النوعين: زهور فيها لقاح ولا تثمر، وزهور تأخذ اللقاح وتثمر، ما الذي ينقل اللقاح من تلك الزهور الملقحة إلى تلك الزهور المتلقحة؟ الرياح، تمر بالشجرة فتأخذ من لقاح زهرة التلقيح وتمر على الزهور الأخرى فتعلق بها لواقح الزهور الملقحة فتلقحها بإذن الله.
وعلماء الزراعة يقولون: أيضاً الفراش والنحل وبعض الحيوانات أو الحشرات تساعد في التلقيح، فالنحلة: تنزل على هذه الزهرة -وهي زهرة لقاح- لتمتص منها، فيعلق بأرجلها نوع من اللقاح، فتنتقل إلى زهرة أخرى لتأخذ منها وجبة غذائها، ويسقط ما علق بأرجلها في تلك الزهرة الأخرى فتتلقح بذلك.
ويقول أيضاً علماء الزراعة: جميع الحبوب لها لقاح، وإذا لم يأتها اللقاح فلا تجد فيها الحبوب، وربما بعض الفلاحين يعرف أن في المزرعة كاملة بعض السنابل على هيئة الدخان، أو هيئة القطن المحروق، والسنبلة الطبيعية لها -كما يقال- السَفَاة، الإبر الصغيرة الممتدة إلى أعلى، وإذا مررت عليها بإصبعك وجدتها كالمنشار مسننة، تلك الفجوات الصغيرة في تلك السفاة الطويلة هي أنابيب ونوافذ تتلقى بها اللقاح الندى، ويدخل من خلالها إلى الحبة عند أول ظهورها في السنبلة، فهناك تلقح وتمشي في نموها، ثم تصير لبناً، ثم تعقد، ثم تكون حبة، فإذا مرت الرياح على تلك السنابل الملقحة لقحتها، وهي نادرة؛ لأن الواحدة تلقح آلاف الأفدنة.
إذاً يهمنا في هذا: أن النخل له طبيعة في التأبير، فإذا أبرت النخلة بدأت في النمو، وبدأت في مسيرتها إلى النضج، من الذي وضع أساس النضج في النخلة: المشتري أم البائع؟ البائع هو الذي أبر، إذاً: مسيرة نمو الثمرة ووصولها إلى النضج من عمل البائع، لذا فهي من حقه.
стр. 2174
تعارف أهل المدينة على أن الثمر لمن أبّر
وقضية أن الثمرة أو الشجرة إذا أُبرت فثمرتها للبائع قضية معروفة في المدينة قبل الإسلام بسنين، كما يذكر علماء التاريخ والأدب: أن بعض التبباعة جاء من اليمن في طريقه إلى أفريقيا، فمر بالمدينة، فاستطاب جوها، فترك ولده ملكاً عليهاً ليرجع ويأتي بأهله ليسكنوها، وفي أثناء غيبة الملك في ذهابه إلى أفريقيا رجع فوجد ولده مقتولاً، لماذا؟ لأن ولده جاء إلى نخلة مثمرة، وطلع وجذ ثمارها، فجاء صاحبها وضربه بالمنجل على رأسه وقال: إنما الثمر لمن أبَّر.
ليس لإنسان لم يؤبر ولا دخل له أن يعتدي عليها، وكان من شأنه أنه لما وجد ولده مقتولاً حاصر المدينة، وأخذ يقاتلها ويقاتلونه، إلى أن طال الحصار فطال عليهم الزمن ونفد زادهم، فقال أهل المدينة فيما بينهم -لتعلموا حال أهل المدينة قديماً-: ليس من الإنصاف أن نقاتل قوماً جياعاً نفد طعامهم، ونحن نأوي إلى بيوتنا ونسائنا نستريح ونتغذى، ثم نصبحهم بالقتال وهم جياع.
قالوا: ماذا نفعل؟! هم المعتدون، ليرحلوا، ما رحلوا، قالوا: إذا لم يرحلوا نقدم لهم العشاء، فإذا بالملك يقول: واعجباً لأهل هذه القرية!! نقاتلهم نهاراً ويقروننا ليلاً! فخرج عليه حبران من أحبار اليهود بالمدينة وسألاه: ماذا تريد من هذا الحصار الطويل؟ قال: أستأصل أهلها الذين قتلوا ولدي.
قالوا: لا تتعب نفسك، لن تسلط عليها.
قال: ولماذا؟ قال: إنها مهاجر آخر نبي يأتي من الحرم.
إلى آخر القصة.
والذي يهمنا أن الثمر لمن أبر، ويأتي الحديث: (من باع نخلاً قد أُبرت، فإن الثمرة للبائع ما لم يشترط المبتاع) ، وعلى هذا: فلو أن إنساناً أبر نخله، ثم جاء بعد التأبير وباع البستان، الثمرة التي في النخل المبيع تكون للبائع، إلا إذا اشترط المشتري أن الثمرة تابعة، ولو أن إنساناً جاء يستأجر البستان سنتين أو ثلاث، ووجد النخل مؤبراً، عقد الإجارة من الآن، ويمضي العقد ثلاث سنوات، ثمرة هذه السنة التي أبرها المؤجر للمؤجر، إلا إذا اشترطها المستأجر.
صاحب البستان احتاج نقداً فرهن البستان وقد أبر نخله، الثمرة الموجودة داخلة في الرهن مع الأصول أو خارجة عنه؟ خارجة؛ لأن صاحب النخل قد أبر، فلا تدخل الثمرة ضمن الرهن، وعلى هذا فالحديث مبين بأن من أبر نخلاً فإن الثمرة له، فلو باع النخل وقد أبرت فإن الثمرة ترجع للبائع ما لم يشترطه المبتاع -المشتري- فإذا اشترط ووافق على ذلك البائع، ف (المؤمنون عند شروطهم) .
стр. 2175
كتاب البيوع - أبواب السلم والقرض والرهن [١]
يعتبر السلم أو السلف عقداً من عقود الإرفاق بين المسلمين؛ وقد جعل الشارع ﵊ له شروطاً حتى لا يقع الغرر أو التعدي على أي من طرفي العقد؛ وفي هذه الشروط: معرفة كيل ومقدار ونوع الشيء المسلم فيه، وعلى هذا جرى الصحابة رضوان الله عليهم في معاملاتهم.
следующие страницы →