← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7714

شرح بلوغ المرام لعطية سالم

عطية سالم

Полный текст (2 523 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

شرح حديث: (عرضنا يوم قريظة فكان من أنبت قتل ... ) قال ﵀: [وعن عطية القرظي رضي الله تعالى عنه قال: (عرضنا على النبي ﷺ يوم قريظة، فكان من أنبت قتل، ومن لم ينبت خلي سبيله، فكنت ممن لم ينبت فخلي سبيلي) رواه الأربعة] . البلوغ يحصل إما ببلوغ خمس عشرة سنة، وإما بنبات الشعر في العانة، وهذه علامة بارزة ترتبط بسن البلوغ وبدء الأهلية، وعلامة الإمناء قد تكون مبكرة عن هذا الحد، فبعض الفتيات قد تحتلم، في تسع سنوات، وبعض الشباب في سن اثنتي عشر قد يحتلم ويكون بالغاً من الناحية الجنسية، وليس بالغاً من الناحية الأهلية، وبالله تعالى التوفيق.

стр. 2207

شرح حديث: (لا يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها) قال ﵀: [وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: (لا يجوز للمرأة عطية إلا بإذن زوجها، وفي لفظ: لا يجوز للمرأة أمر في مالها إذا ملك زوجها عصمتها) ] . هذا الحديث يشعر أن الزوجة إذا ملك الزوج عصمتها حجر عليها أن تتصرف في مالها إلا بإذن زوجها، وهذا هو مذهب مالك ﵀، فعنده أن المرأة إذا تزوجت لا تتصرف في مالها إلا بإذنه، وعند غيره أن المرأة لها حق التصرف في مالها ما لم يكن هناك سفه، أو هناك تضييع، والمقصود بمالها: المملوك لها خاصة سواء كان ميراثاً عن أبيها أو أمها، أو هدية أو تجارة، بخلاف مال زوجها فإنها لا تملك فيه إلا التصرف بالمعروف كإعطاء السائل، وإعارة المتاع واسترجاعه، والجمهور على أن هذا من باب الإرشاد، واحتياطاً لقوله تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ﴾ [النساء:٥] ، وقالوا: إن المرأة قد لا تحسن التصرف في المال، وقد جاءت النصوص المشهورة في تصرف المرأة بمالها بغير إذن زوجها؛ فمن ذلك أن النبي ﷺ خطب في يوم عيد، ثم أتى النساء فوعظهن وحثهن على الصدقة، فجعلت المرأة تتصدق بقرطها، أو بخاتمها، أو بسوارها، وتلقي من حليها الذي معها في حجر بلال رضي الله تعالى عنه، ولم تستأذن زوجها في هذا التصرف، وكان الرجال في جهة والنسوة في جهة. وكانت خديجة رضي الله تعالى عنها تقدم المال لرسول الله ﷺ ، وكانت تنفق عليه صلوات الله وسلامه عليه، وكون المرأة إذا تزوجت وأصبحت في عصمة رجل؛ لا تتصرف في مالها، هذا مذهب المالكية، وبعضهم يحد ذلك بسنتين إلى أن يعرف حصافتها في مالها، وحسن تدبيرها فيه، وعلى كلٍ، فهذا الحديث للإرشاد. واتفقوا على أنه لا يحق للمرأة إذا دخلت في أشهر الحمل الأخيرة أن تتصرف في شيء من مالها، قيل: إذا أنهت الشهر السادس، وقيل: إذا أخذها المخاض، فإذا أخذها المخاض فلا يحل لها بيع ولا شراء ولا وصية؛ لأنها في حالة يخشى عليها فيها من الموت، وتكون كمن وقف في الصف في المعركة، فإنه لا يحل له أن يوصي بأكثر من الثلث؛ لأن المال معرض لأن ينتقل منه إلى الورثة، وكذلك المريض مرضاً مخوفاً فلا يحق له التبرع ولا الوصية إلا في حدود ما سمح به الشارع، وهو ثلث المال، فالمرأة إذا أخذها المخاض تمنع من التصرف في مالها مطلقاً، وإذا أنهت الشهر السادس كان ذلك على سبيل الكراهية، وإذا كانت غير حامل وكانت في عصمة رجل فإن أمرها قد انتقل من أمر أبيها إلى زوجها، وهذا مما يعظم حق الزوج على الزوجة، حتى إنه يتحكم في مالها الذي لا يخصه، وغير مالك جعل ذلك للإرشاد، ولها أن تتصرف في مالها، ولها أهلية التصرف في المال كغيره من الأمور التي لها الحق فيها، والله تعالى أعلم.

стр. 2208

شرح حديث: (إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة ... ) قال ﵀: [وعن قبيصة بن مخارق رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عيه وسلم: (إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: لقد أصابت فلاناً فاقة فحلت له المسألة) ] . تقدم وجوب التعفف عن المسألة وأن: (من سأل وعنده أوقية أتى يوم القيامة وليس على وجهه مزعة لحم) ، وقد ذكرنا قصة الشاب الذي جاء يسأل رسول الله ﷺ ، فقال له: (أراك قوياً جلداً! قال: ليس عندي شيء وعندي عجوز في البيت، قال: ماذا عندك في البيت؟ قال: حلس نفترش نصفه، ونلتحف بنصفه، وقعب نأكل ونشرب فيه، فقال ﷺ : علي بهما، فأخذهما ﷺ وقال: من يشتري هذا؟ فقال رجل: بدرهم، فقال: من يزيد؟ قال رجل: بدرهمين، فباع ذلك عليه وأعطى الشاب الدرهمين وقال: اشتر طعاماً لأهلك، واشتر بدرهم فأساً وحبلاً وأتني بهما، فجاءه بالفأس والحبل، فأخذ الفأس ووضع فيها عوداً وقال: اذهب واحتطب، ولا أرينك خمسة عشر يوماً، فذهب يحتطب ويبيع ويستغني بما يعود عليه من هذا العمل، ثم جاء بعد الموعد ووقف على النبي ﷺ في ثوب جديد ومعه دراهم، فقال ﷺ : لأن يأخذ أحدكم فأساً وحبلاً فيحتطب فيبيع فيستغني؛ خير له من أن يتكفف الناس السؤال) وقال ﵊: (ومن يصبر يصبره الله) وقال: (ما أعطي أحد عطاءً خيراً وأوسع من الصبر) فالصبر على الحاجة أولى من مد اليد. وهنا في باب الحجر يبين المؤلف متى يجوز للإنسان أن يسأل، والواجب أن يكف الإنسان عن المسألة، والمسألة بمعنى السؤال، والسؤال والمسألة يأتيان اصطلاحاً في سؤال استفسار كما يسأل طالب العلم أو المستفتي في مسألة نازلة به ويطلب حكمها، قال الله: ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة:١٠١] ، وهذا من باب المسألة في العلم سواءً ما يتوقع أو لا يتوقع، وتكون المسألة بمعنى سؤال الحاجة، وطلب العون، سواءً كان نقداً أو متاعاً أو مساعدة كشفاعة بجاه إنسان عند إنسان آخر، وهذه المسألة هي المرادة بقوله ﷺ : (لا تحل المسألة إلا لإحدى ثلاثة) ، والمراد بالثلاثة هنا: الجنس، وليس ثلاثة أشخاص فقط، ولكن ثلاثة أصناف من الناس هم الذين تحل لهم المسألة.

стр. 2209

جواز السؤال لمن تحمل حمالة قال ﵊: (رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك) . رجل تحمل حمالة أو امرأة، وذلك بأن تكون هناك خصومة بين الناس، أو نزاع، ويشتد الأمر بين الطرفين، ويحتاج الأمر إلى تدخل من يصلح بينهما، ويكون النزاع على مال، فيأتي إنسان خير ذو مروءة فيتحمل الشيء الذي تنازعوا عليه، وكل يدعيه لنفسه، فهذا تحمل حمالة لغير منفعته الخاصة، ولكن للإصلاح بين الناس. وسيأتي في هذا الكتاب باب الصلح وحكم الجوار، ويبين فيه أقسام الصلح، وهذا الباب من أهم أبواب الفقه، قيل: إن جبريل ﵇ أخبر النبي ﷺ بأن الملائكة تتمنى أن تكون من أهل الأرض لكثرة ما ترى من ثواب عملين، وهما: الإصلاح بين الناس، وسقي الماء، فالذي يتحمل حمالة فهو ساع للإصلاح بين المتنازعين، وإن كان أصل النزاع على مال أو نفس تحمل الغرم، كما قيل: سعى ساعياً غيض بن مرة بعدما تبذل بين العشيرة بالدم تحمل ديات الفريقين، وأصلح بينهما، فالذي تحمل هذا لمصلحة الطرفين وجبت مساعدته، ولا نتركه يتحمل من ماله، فله أن يأخذ من الزكاة، وله أن يسأل ولو كان وفير المال؛ لأنه لم يتحمل لمصلحة شخصه، وإنما توسط مروءة وإصلاحاً، فلو تركنا كل إنسان يتدخل بالإصلاح بين الناس ويتحمل ما يدفعه للإصلاح من عين ماله، لأحجم الناس عن هذا التدخل، وتركوا هذا العمل الخير، وبقي النزاع بين الناس، ولكن ما دام أنه تحمل الغرم لمصلحة الآخرين، فعلى الآخرين أن يساعدوه، وأن يعطوه ما سأل حتى يبلغ ما تحمله، فإن كانت القضية تحتاج إلى تحمل ألف، أو مائة ألف، أو مائتين ألف ريال أو أكثر أو أقل، فإذا أصاب بمسألته ما يوفي عنه حمالته كف عن المسألة؛ لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فما دامت الحمالة موجودة فله حق في السؤال، وما دامت قد زالت وارتفعت فليس له حق، ووجب عليه أن يكف عن المسألة.

стр. 2210

جواز السؤال لمن أصابته جائحة وقوله: (ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش) . مثلاً: إنسان صاحب تجارة، وله سفن في عرض البحار، تحمل تجارته ورأس ماله، فجاءت (أمواج عاتية، ورياح صاخبة، فأغرقت تلك السفن، فهذه جائحة أصابت ماله، وبقي لا مال عنده، فهل نتركه على هذه الحالة؟ لا، بل تحل له المسألة، وهل يسأل حتى يحصل على ما فات عليه؟ لا، فقد يكون فات عليه الشيء الكثير جداً، ولكن كما قال ﵊: (حتى يصيب قواماً من عيش) ، أي: المال الذي يقيم حياته ومعيشته على نمط أمثاله في حياتهم، ولا نقول: ينبغي أن يكتفي بأقل ما يمكن أن يعيش به إنسان، فإذا كانت له عائلة، وله أولاد، وله التزامات، فإن له أن يسأل (حتى يصيب قواماً من عيش) ، حتى يكون كأمثاله في حياتهم اليومية، لا أن يستمر في المسألة حتى يستعيض كل ما افتقده من تجارته، فقد يكون افتقد الشيء الكثير. ومثل ذلك إذا أصيب ماله بحريق أو بغرق أو بلصوص، المهم أي جائحة عامة اجتاحت ماله، كان بالليل غنياً فأصبح فقيراً كما قيل: وما يدري الفقير متى غناه وما يدري الغني متى يعيل وما يدري الفقير متى غناه، فالغني أمر بيد الله، وما يدري الغني متى يعيل: يعيل بمعنى: يفتقر: وما تدري وإن ذمرت سقباً يكون لك أم لغيرك ذا الفصيل إذا كانت لك ناقة حامل، وذمرت سقبها، فلا تدري: أيكون لك هذا الفصيل، وتعيش حتى يكبر وتستمع به أم تتركه مع عنايتك به لغيرك؟ فهذه أمور غيبية لا يعلمها إلا الله، ولا يقدر قدرها إلا الله، فإذا كان إنسان صاحب مال واجتاحت ماله جائحة، فتجب مساعدته من باب التعاون الإسلامي، أو كما يقولون: التضامن الاجتماعي، فأخوة الإسلام تجعل المسلم مع المسلم كالجسد الواحد، وأي فرد آخر أصيب بمثل ذلك فيساعده الجميع، فهو أخوهم قد أصيب بهذه الجائحة، فمن حقه عليهم أن يساعدوه، (وله أن يسأل حتى يصيب قواماً من عيش) .

стр. 2211

جواز السؤال لمن أصابته فاقة وقوله: (ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: لقد أصابت فلاناً فاقة فحلت له المسألة) . وهذا شخص ثالث، فالأول: تحمل حمالة لغيره، فيأخذ حتى يسترد ما تحمل، ولو كان عنده مال؛ لأنه فاعل خير لغيره، فوجب تعاون المسلمين معه، والثاني: ماله موجود، ولكن اجتاحته جائحة فأصبح معدماً، وهذا من حقه على إخوانه المسلمين أن يتعاونوا معه، وإذا سأل حلت له المسألة (حتى يصيب قواماً من عيش) ولا نتركه -بعد أن كان ذا مال وفير- يتكفف الناس السؤال؛ لأن هذا أصعب ما يكون عليه، وهذا أصعب عليه من ضياع ماله واجتياحه؛ لأنه ما تعود هذا، بخلاف الشخص الذي نشأ على المسألة، فلا يهمه أن يسأل أعطوه أو طردوه، عبسوا في وجهه أو استبشروا في وجهه؛ لأنه تعوّد على ذلك فلا يضيره، بخلاف الشخص العفيف المستغني بماله الذي لم يتعود المسألة، فإنه إذا اضطر إلى قرضة من المال، توقف وأحجم أن يطلب من أحد قرضاً، مع أنه سيقترض ويرد؛ لأن القرض يشعر بالحاجة، فمن حقه على المسلمين أن يعطوه ويساندوه (حتى يصيب قواماً من عيش) . وقد جاء عن أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: لو أن رجلاً مات جوعاً في محلة قوم لألزمتهم ديته، لأنه كان يجب عليهم أن يطعموه، ومن هنا يحق للمسلم أن يعلن للعالم: أن ما تدعونه من الضمان الاجتماعي هو موجود في الإسلام بأكثر مما لديكم، ولا ننسى فريضة الزكاة، فهي ضمان إجباري: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج:٢٤-٢٥] ، فيجب أن يتميز المجتمع الإسلامي بالتعاطف والتراحم، كما قال ﷺ : (كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) يعني: أحس بشكوى العضو، ولو كان في أقصى العالم، وقال: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً) ، فهذا الأول والثاني. والثالث: لم يتحمل حمالة لغيره، ولم يك ذا مال فاجتاحت ماله جائحة ولكنه ضعيف الحال، فقير أصابته فاقة، ودخله بقدر حاجته، ولكنه في بعض الظروف تعطلت روافد مصرفه، مثلاً: كانت له تجارة فتعطلت، أو كانت له تجارة فخسر فيها، أو كانت له زراعة فقل دخلها، فأصابته فاقة بأي سبب، ومهما كانت الأسباب فمادام أنه قد أصابته الفاقة، وهو في حالة الحاجة والاضطرار؛ فحينئذ له الحق أن يسأل، وإلى متى؟ (حتى يصيب قواماً من عيش) .

стр. 2212

شهادة ثلاثة لمن أصابته فاقة وشروطهم الثالث الذي أصابته الفاقة لابد أن يشهد له ثلاثة من ذوي الحجا بأنه قد أصابته فاقة، والأصل في الشهادة كما قال الله: ﴿ذَوَى عَدْلٍ﴾ [الطلاق:٢] ، ولو شهد اثنان على إنسان في قتل نفس لقتل، فيقتل المسلم بشهادة رجلين، وهنا يشترط ﷺ أن يقوم ثلاثة من ذوي الحجا، والحجا هو: العقل، فيشهدون بأن فلاناً هذا قد أصابته فاقة، والموجب لكون الشهادة هنا ثلاثة أشخاص، مع أنه يكتفى في الجنايات بشاهدين: أن الشاهدين في الجناية يشهدان في أمر ظاهر عياناً، فهما مثلاً رأياه يقتل بآله حادة أو يخنق، وشهدا على أمر ظاهر واضح، أما من أصابته الفاقة فهو في بيته، وهو في أمره وشأنه، فلا نعلم حقيقة مدخله وحقيقة معيشته؛ ولهذا يشترط في هؤلاء الشهود: أن يكونوا من محلته التي يسكن فيها، وأن يكونوا من ذوي الحجا ممن يدركون ويعرفون مداخل الرجل، ويقارنون بين دخله وبين نفقته؟

стр. 2213

الموظف قد يكون فقيراً لو أن موظفاً له راتب شهري، ولكن لوازم حياته ومستلزماته أكثر من هذا الراتب، فهل يكون غنياً أو فقيراً؟ الفقهاء حددوا المسكين بأنه من كان دخله أقل من نفقته، والفقير من لا دخل له، كما في الآية: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف:٧٩] ، كان عندهم سفينة يعملون في البحر، ويكرونها، ومع ذلك سماهم مساكين؛ لأن دخلهم من السفينة لا يكفي نفقة عوائلهم، وكذلك قد يكون حال صاحب وظيفة، صاحب معرض، صاحب سيارة، صاحب مزرعة، صاحب عمارة، صاحب أي سبب من الأسباب التي يتعاظمها الناس، وينظرون إليها نظرة إعجاب، فقد يكون الدخل مع عظم المورد لا يفي بالحاجة، وهذا أشق ما يكون في المجتمع؛ لأن من لا شيء له ظاهر: لا مزرعة، ولا معرض، ولا وظيفة، ولا شيء، فالكل يقول عنه: مسكين ليس عنده شيء، ويتعاطفون معه، لكن هذا يرون مظهره، ويرون دخله، فيرون أشياء عظيمة، ولا يعلمون بحاله! فالمورد قد لا يكفي، بل قد يكون له وقت معين، كما سئل أحمد عن رجل له مزرعة، وزرع فيها، ونبت الحب ونما وجف، ولم يبق عليه إلا الحصاد، وليس عنده ما يحصد به، وليس عنده نفقته، فهل يعطى من الزكاة؟ قال: يأخذ من الزكاة مع أنه بعد الحصاد سيكون لديه المال الوفير، لكن في هذه الساعة ليس عنده شيء. وأجمعوا أنه إذا كان الرجل يملك منزلاً كبيراً يسعه ويسع غيره معه، وليس عنده نفقة، فله أن يأخذ من الزكاة؛ لأنه لن يأكل من هذا البيت الكبير! ولا يكلف ببيعه والسكن في بيت صغير، وهذا مستوى حياته. فمن أصابته فاقة بأي سبب، وشهد له بالفاقة ثلاثة من ذوي الحجى، فله أن يسألها، وكان الشهود ثلاثة لأن المشهود به أمر خفي، وما كل إنسان حتى من الجيران يعلم بحقيقة أمره، ولن يقول له: كم راتبك؟ وكم مصرفك؟ وكم نفقة عيالك؟ وفي هذه الآونة الأخيرة خاصة، تنوعت وتوسعت مرافق الحياة، فالولد في المدرسة يحتاج، والمريض في المستشفى يحتاج، ونفقات المرافق العامة تحتاج، مثل فواتير كهرباء، وفواتير ماء، وفواتير هاتف، وكلها لوازم شهرية، وأنت تنظر إليه كل يوم في ثياب طيبة، ذاهب إلى الدائرة، وراجع من العمل، وتظن أنه يذهب خماصاً، ويرجع وقد ملأ جيوبه من المال! وهو راتب والله أعلم بحاله، ومعظم الموظفين -لا أقول: خمسون بالمائة بل الأكثر- ربما لا يأتي عليهم نهاية الشهر إلا وقد استدانوا. إذاً: هذا الصنف من الناس يجب التنبه لهم؛ ولذا جعل الشارع ثلاثة من العقلاء الأذكياء الذين لهم بصيرة، ويعرفون حقيقة حياته وحقيقة معيشته، فيشهدون بأن فلاناً أصابته فاقة فعلاً، يعني: ليس عنده ما يكفي حاجته في هذه الحالة، ولا نقول له: يطير في السماء! ولكن نقول: له الحق أن يسأل ويأخذ حتى يسد حاجته، وفي هذا الحديث بيان وجوب التعفف، وإعطاء الفرد المسلم حقه بما يسد حاجته، وتعاون المجتمع في مثل هذه الحالات. ومن هنا -يا إخوان- تجدون في المحاكم إذا ادعى إنسان إعساراً، وادعاء الإعسار لا يكون إلا في المدين، سواءً أعسر في نفقة شرعية، أو أعسر في نفقة سفه، أو أعسر في أمر مما يخصه هو، فيطلب منهم في المحاكم تقديم ثلاثة شهود، واثنان يزكيانهم، ويشهدان على صدقهم وأمانتهم ومعرفتهما بهم، وبالله التوفيق.

стр. 2214

كتاب البيوع - باب الصلح من محاسن الشريعة الإسلامية ترغيبها فيما يدعو إلى الألفة والمحبة، وزجرها عما يؤدي إلى العداوة والبغضاء، وقد رغبت في الصلح بين المسلمين، وللصلح أحكام كثيرة بينتها الشريعة الحكيمة.

стр. 2215

شرح حديث: (الصلح جائز بين المسلمين) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: قال المصنف ﵀: [وعن عمرو بن عوف المزني رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: (الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحاً حرَّم حلالاً أو أحلَّ حراماً، والمسلمون على شروطهم، إلا شرطاً حرَّم حلالاً أو أحلَّ حراماً) . رواه الترمذي وصححه، وأنكروا عليه؛ لأن راويه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ضعيف، وكأنه اعتبره بكثرة طرقه، وقد صححه ابن حبان من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه] . الصلح جائز، وجاءت النصوص في كتاب الله تحث على الإصلاح في المجتمع، والإصلاح أنواع: فهناك الإصلاح بين الزوجين. وهناك الإصلاح بين الطائفتين. وهناك الإصلاح بين الفريقين أيَّاً كانا. إذاً: الصلح جائز، ومُرَغَّب فيه، ومندوب إليه. وكذلك الشرط، كما جاء في حديث بريرة: (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل) ، إذاً: الشرط صحيح. وإذا كان الشرط أحلَّ حراماً أو حرَّم حلالاً فهذا معلوم من الدين بالضرورة أنه يكون شرطاً فاسداً، وسيأتي التنبيه عليه إن شاء الله. وضعف الحديث تجبره شواهد الكتاب أو السنة. وقوله ﷺ : (جائز) يعني: ليس بلازم حتماً، فمن لم يرضَ بالصلح في بادئ الأمر فلا نلزمه به. والصلح مبناه على التنازل، مثلاً إنسان له على إنسان ألف ريال، فجاء وقال: أصالحك على تسعمائة ريال، وأتنازل لك عن مائة ريال، فهذا صلح في هذا الدين. ويقول الفقهاء: الصلح نوعان: الصلح على إقرار، والصلح على إنكار، ففي هذا المثال صلحٌ على إقرار؛ لأنه مقر بالألف، ويقولون: إن كان موضوع الصلح من جنس المصالَح به فلا ينبغي أن يكون بلفظ الصلح، خاصةً إذا كان ربوياً، فألف ريال بتسعمائة هذه ربا، ولهذا يقولون: ينبغي في هذه الصورة أن يقول: أبرأتك من مائة ريال، وأعطني تسعمائة، فيكون هذا إبراء من الدائن، أو يقول المدين: هب لي من دينك مائة ريال، فيكون في هذه الحالة التخفيض والتقليل من الدين بلفظ الهبة أو الإبراء، يقول الدائن: أبرأتك من مائة ريال، أو وهبت لك مائة ريال من الدين، وأعطني الباقي. فلا مانع من ذلك؛ لكن أن يقول: (صالحتك) يقولون: هذا لا يجوز؛ لأنه يكون من صورة الربا أقرب منه من صورة الهبة والعطية. إذاً: المسألة مسألة لفظ، ومسألة اعتبار، لأن الصلح يكون في معنى البيع. أما إذا كان المصالَح به من غير جنس المصالَح عليه مثلاً: له عليه إرْدَبٌّ من التمر، فتعذَّر تقديم الإرْدَبِّ من التمر، فنقوِّمه؛ لأنه إذا تعذَّر عين الدين تعيَّنت القيمة، فإذا كانت قيمة إرْدَبِّ التمر بألف، فقال: أنا أتنازل لك من الألف بمائة. فلا مانع من ذلك. أو يقول: أصالحك على الدين الذي في ذمتك من التمر بتسعمائة أو بمائتين أو بخمسمائة؛ لأن المصالَح به نقد، والمصالَح عليه تمر، فاختلف الدين مع عين الصلح، فلا مانع من ذلك.

стр. 2216

حكم الصلح على الإنكار صلح الإنكار هو أن يدعي إنسانٌ على إنسان شيئاً فينكره. وتحقيق الأمر في هذه المسألة: أن بعض العلماء نفى صلح الإنكار بالكلية كـ الشافعي ﵀، والبعض أجازه؛ ولكن فصل بعض العلماء وقال: لا ينبغي أن يقال: صلح الإنكار ممنوع مطلقاً، أو صلح الإنكار جائز مطلقاً. قالوا: إذا كان المدعى عليه بالدين يعلم حقيقة الدين؛ ولكن أنكره بغية أن يصالحه الدائن على شيء منه، فصالَح مدينٌ له بإرْدَبٍّ من التمر، فقال: ليس لك عندي شيء، فذهب وجاء، وادعى عليه، وما عنده بينة، وما حصَّل شيئاً، فأراد الدائن أن يصالح على بعض حقه لينقذ بعض حقه، فقال: أصالحك على نصف الإرْدَبِّ بقيمة خمسمائة ريال. ففي هذه الحالة الدائن له حق أن يكتفي بنصف حقه، والمدين ليس له حق أن يصالح على أقل من دينه؛ لأنه يعترف به في قرارة نفسه، وكان ينبغي أن يعترف به صراحةً، ويطلب من الدائن أن يخفف عنه أو أن يسامحه، أما أن يجحده بغية أن يصالحه صاحب الحق على جزء منه؛ فهذا لا يجوز. وقد يدعي من ليس له شيء على رجل يستحي من المثول في مجالس القضاة، ويستحي أن يُعرض عليه اليمين، ويتورع أن يحلف يميناً ولو كان صادقاً، فذهب إلى القاضي وادعى عليه: أن لي عليه ألف ريال. فالقاضي يستدعيه، فيقول: لا، أبداً، هذا ليس بيني وبينه معاملة، فيقول القاضي للمدعي: البينة، فيقول: ما عندي بينة، فيقول للمدعى عليه: احلف، وهذا الذي يريد المدعي أن يصل إليه، ويعلم أن المدعى عليه من مروءته وأمانته وزهده أنه لن يحلف، فحينئذٍ يضطر المدعى عليه أن يصالح المدعي، فهل صالَحه على الدين؟ لا. بل صالحه على الدعوى ليترك دعواه، ويفك نفسه من هذا. فحينئذٍ هذا المدعي محق أم ظالم؟ ظالم، وأخذ بصلح الإنكار مال إنسان بغير طيب نفس؛ ولهذا مالك ﵀ يقول: لا ينبغي أن تُسمع كل دعوى، وأن تكون القضية دائماً، البينة اليمين لا. بل يُنظر هل بين المدعي والمدعى عليه ما يشبه دعواه؟ فإن كان المدعي الذي ادعى على إنسان ليس بينه وبين المدعى عليه لقاء ولا معاملة ولا أي شيء، ولا يشبه أن يحتاج ويستدين منه؛ فلا تسمع دعواه، مثلاً: إنسانٌ رأى رجلاً ماشياً صاحب هيئة ومال وكذا؛ فمسكه وقال له: هاتِ حقي. - وما حقك؟ - الدين الذي لي عندك. - أيُّ دين؟! أنا ما رأيتُك، أنا ما أعرفك! - أبداً، لي عندك ألف ريال. ورفع أمره إلى المحكمة، فـ مالك هنا يقول: من أين هذا الرجل؟ - والله! من أفريقيا من هناك من آخر الدنيا، من داكار. - وهذا من أين؟ - هذا من الشام. - وما الذي جمع الشامي على الأفريقي؟! فـ مالك يقول: أولاً نثبت أن هناك ما يشبه حقيقة الدعوى، فيسأله القاضي: هل لقيته قبل ذلك؟ هل سافر إلى الشام؟ هل سافرت أنت إلى داكار؟ فإذا لم يكن هناك ما يشبه الخلطة بينهما فهل يكون لهذه الدعوى محل؟ لا محل لها. مثال آخر: إنسان فقير في المدينة ادعى على تاجر معروف صاحب استيراد وتصدير ومعارض جملة، وقدم عريضة في المحكمة بأن لي عليه عشرة آلاف ريال، والمدعي بعشرة آلاف لا يملك إلا قوت يومه، فالقاضي يجب أن ينظر، هل هناك ما يشبه أن هذا الفقير المسكين امتلك عشرة آلاف، وهذا التاجر المصدِّر المورِّد صاحب الرصيد في البنوك، هل احتاج الغني إلى هذا في عشرة آلاف؟ إذا كان هناك ما يشبه هذا سمع الدعوى، وإذا لم يكن هناك ما يشبه من ثبوت الخلطة فـ مالك يقول: تُرفض الدعوى ولا تُسمع. فإذا القاضي ما رأى هذه الناحية، وقال: عندي مدَّعٍ، والمدعي عليه البينة، والمنكر عليه اليمين، فقال: كونك غنياً، وكون هذا فقيراً، أنا لا دخل لي بهذا، عندك بينة؟ - ما عندي. - ماذا تقول؟ - أريد يمين المدعى عليه. والمدعى عليه لو ادعى عليه بمليون يريد أن يدفعه، فهو متورِّع عن اليمين، وكما قدمنا عن عثمان رضي الله تعالى عنه أنه امتنع أن يحلف وهو محق؛ مخافة أن يصادف قدَر من الله، فيقال: أصيب بكذا لأنه حلف. فهذا قد لا يحلف، وبراءة لعرضه تحمَّل الدين وهو ينكره، ودفعه مفاداةً لليمين. فالصلح على إنكار: إن كان المدعى عليه يعلم حقيقة الدين وينكره، واضطر صاحب الحق أن يصالح عليه، فالمدعى عليه آثم لإنكاره، وما سقط من الدين بسبب مصالحة المدعي الدائن لا يسقط عند الله. وهناك بعض الصور: قد يضطر المدعي أن يصالِح إنقاذاً للبعض من الكل، وينص على هذا الفقهاء في ناظر الوقف، والوصي على الأيتام، هناك عقار وقف، وبجواره رجل ظالم معتد ذو سلطان وجاه، فتعدى على أرض الوقف، فأخذها، فالناظر مطالَب بحفظ ملك الوقف، فحاول معه، فقال له: اذهب ما لك شيء! - يا ابن الحلال، هذا وقف لله، هذا صفته، هذا فيه أيتام، هذا فيه أرامل، هذا هذا هذا - فقال: لا دخل لي، اذهب. - فقال له: أقول لك -يا شيخ- أصالحك على النصف، ويكفيك النصف واترك لنا النصف. أو أن المدعي قال: أنا أعطيك النصف، واترك دعواك، واصرف الموضوع. فهل من حقه أن يقبل هذا الصلح أو يترك؟ يقبل؛ لأنه إنقاذ للبعض من الكل. وإذا صالح ناظر الوقف على نصف العين، فهل النصف الباقي يحل للمعتدي أو أنه حرام في يده؟ حرام في يده. إذاً: الصلح على الإنكار: إن كان المدعى عليه لا يعلم بالدعوى، وأنكر لعدم علمه أو نسي فلا مانع من ذلك، وإن كان أنكر وهو يعلم فهو جاحد، وهو آثم، وما بقي بعد الصلح فهو في ذمته. وكذلك المدعي، إذا ادعى بشيء يعلم أنه لا حق له فيه، وصالحه عليه المدعى عليه، فأخذ شيئاً في هذا الصلح؛ فأخذه إياه غير جائز، وهو آثم بهذا الأخذ، والذي دفع مسكينٌ مضطر يريد أن يحمي ماله.

стр. 2217

معنى قوله: (إلا صلحاً حرم حلالاً أو أحل حراماً) وقوله: (إلا صلحاً حرَّم حلالاً أو أحلَّ حراماً) هذه قاعدة يدخل تحتها كثير من الصور. إذا تنازعوا على شيء، وقال أحدهما: أصالحك على هذه الأرض بشرط أن تعطيني كذا من الأشياء المحرمة، أو أن تؤمِّن لي كذا من الأشياء المحرمة، يعني: يكون الصلح على شيء يحرم اقتناؤه أو محرم بيعه، وطلب أن يصالَح به، فهذا الصلح لا يحل هذا الحرام، ولا يجوز له أن يأخذه في هذا الصلح. فإذا اصطلحوا عليه فهو حرام، وهذا الصلح أدى إلى استباحة الحرام. كما لو جاءه وصالحه على أن يعيره جاريةً وقال: أستمتع بها مدة إعارتها. هذا لا يجوز؛ لأنه صالحه على شيء محرم، والاستمتاع بالجارية لا يجوز إلا بملك يمين أو بعقد نكاح. فأي شيء أحلَّ حراماً أو حرَّم حلالاً، مهما كانت الصور التي تتفرع تحت هذه القاعدة فإن الصلح لا يحلها. مثلاً: امرأة ادعى رجل أنها زوجته في سفر، أو في غربة، ومسك يدها وقال: تعالي! - ماذا بك؟ - أنتِ زوجتي. - زوجتك؟! ثم صالَحها على أن تقر له بالزوجية، فهل هذا الصلح جائز؟ لا؛ لأنه يحلُّ حراماً. إذاً: الصور في هذه القاعدة عديدة، ولا نطيل الوقت فيها.

стр. 2218

معنى قوله: (والمسلمون على شروطهم) وقوله: (والمسلمون على شروطهم) : هذه الجملة تعتبر قاعدة تجمع بين المروءة والأمانة والديانة والصدق، وكما يقال: الإنسان يربط بكلمة من لسانه، والحيوان يُربط بالحبل، وإذا قال إنسان كلمة فيجب أن يقف عندها ويلتزمها، فإذا اشترط شرطاً الآن وأخل به فيما بعد فهذا حرام، ولو صار كل الناس يخلون بشروطهم ما انتظمت أمور الحياة، وكما يقال عن هتلر أنه حينما أراد أن يهاجم دولة قيل له: بيننا وبينهم معاهدة، فقال: المعاهدة يُعمل بها في السلم، أما في الحرب فلا معاهدات!! بينما في الإسلام قال الله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١] ، وإذا كان هناك عهد بين المسلمين والمشركين فلا ينبغي أن يُخفر العهد حتى يُعلَن لهم، وكان المشركون الذين لهم عهود يأتون إلى مكة للحج فقال الله: ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال:٥٨] ، وقال: ﴿أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة:٦] اتركه حتى يرجع إلى بلده. - (والمسلمون على شروطهم) ، وجاء أيضاً بلفظ: (والمؤمنون على شروطهم) . ويقول بعض العلماء كشارح الكتاب هذا: كلمة (على) تدل على الاستعلاء، بمعنى: أن المشترط شرطاً يتعالى عن أن ينزل ويخل بهذا الشرط، فيجب أن يوفي بالشرط، وكون المؤمنين أو المسلمين على شروطهم هذا مما يدل على قوة الإسلام وقوة المسلمين؛ لأنهم لا يخفرون بالشروط، ولا يخفرون بالذمة، بل يوفون بالشرط ولو على كُلفة منهم. ولكن إذا كان هناك شرط يحلُّ حراماً أو يحرِّم حلالاً، فهذا الشرط باطل، كما تقدم في قضية بريرة، قال: (اشتريها واعتقيها واشترطي لهم الولاء) ؛ لأن هذا شرط أحلَّ حراماً، لماذا يكون لهم الولاء؟ ليس لكم الولاء، إنما الولاء لمن أعتق، فهذا الشرط يكون باطلاً. والصور والأمثلة في الشرط الذي يحلُّ حراماً أو يحرِّم حلالاً كثيرة جداً، وليست مفسدات الشرط قاصرة على تحليل الحرام أو تحريم الحلال، بل كل شرط على غير شرع الله فهو باطل، وتقدم لنا قضية أبي حنيفة وابن أبي ليلى وابن شبرمة حينما سألهم السائل عن بيع وشرط، فقائل منهم يقول: البيع صحيح، والشرط صحيح. وقائل يقول: الشرط باطل والبيع صحيح. وقائل يقول: كلاهما باطل! فواحد يقول: كلاهما صحيح. وواحد يقول: كلاهما باطل. وواحد يقول: البيع صحيح، والشرط باطل؟ وذكروا النصوص الموجودة في هذا، فمنهم من يستدل بقضية بريرة، ومنهم من يستدل بجمل جابر، ومنهم من يستدل بحديث آخر. وهكذا في نكاح الشغار، لو قال: أزوجك مولاتي على أن تزوجني مولاتك. اشترط عليه أن يزوجه ليزوجه، وهذا هو نكاح الشغار، فهذا شرط باطل. وأيضاً: لو اشترطت الزوجة عليه ألَّا يكون للضَّرَّة ليلة معها، فقبِل، فهذا الشرط باطل؛ لأن لها حقاً في ذلك.

стр. 2219

حكم اشتراط المرأة عند الزواج بها عدم الزواج عليها هل يجوز أن تشترط المرأة عند الزواج بها -وليس بعد الزواج- على الزوج ألَّا تكون له زوجة حاضرة، وألَّا يتزوج عليها بعد أن يتزوجها؟ بعضهم يقول: هذا شرط باطل؛ لأنه حرَّم حلالاً، فهي تقول: واحدة فقط، والله يقول: ﴿مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر:١] . وبهذه المناسبة أذكر أن والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه عندما سافر إلى أفريقيا، ودخل موريتانيا ونزل في مدينة يقال لها: أبو تلميد، وهذه المدينة مدينة علمية، فيها معهد علمي، وجميع الأسر تطلب العلم، تقريباً الصغير والكبير فيهم طالب علم، والشيخ ﵀ كان في العادة عندما يأتي بلدة يلقي محاضرة في برحة البلد، وإذا كانت هناك أسئلة أو كان هناك شيء فحسب العادة، وكان الذي يدير الندوة أو الحديث عالم أديب شاعر يقال له: أبو مدين، فسأل الشيخ: ما حكم هذا الشرط الشائع عندنا، لا سابقةً ولا لاحقةً، وما قيمة هذا الاشتراط على الزوج؟ فقال ﵀: هذا من حقها، وليس شرطاً أحلَّ حراماً، ولا حرَّم حلالاً؛ لأن الزوجة تقول للزوج: أنا وأنت نعلم قوله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر:١] ، وأنا لا أمنعك من ذلك؛ ولكن أنا أريد لنفسي الانفراد بزوج، ونحن لا زلنا على البر، إن قبلت هذا -أي: تنازلتَ عن حقك في ﴿مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر:١]- فتزوجني، وإن لم تقبل فاذهب واطلب غيري، وأنا لا أمنعك، ولا أحرم عليك. إذاً: هذا الشرط لا يحرم حلالاً، فإنما تختار لنفسك، وأنت بالخيار، إن شئتَ قبلت هذا وتركت حقك فيه؛ لأن ﴿مَثْنَى وَثُلاثَ. ﴾ [فاطر:١] ليس بواجب، إنما هو من باب الجائز. وقد تشترط المرأةُ: السكنى المعينة، أو عدم المضارة، أو عدم مجاورة أهلها، أو عدم السفر بها، وهذه كلها من الشروط التي يجب الوفاء بها، فإنها لم تحل حراماً ولا حرَّمت حلالاً، ولم تدخل ضرراً على أحد الطرفين.

стр. 2220

صور من الشروط التي فيها غرر يوجد الآن بعض المعاملات فيها غرر، فمثلاً نسمع في مجال المواصلات (التكسيات) شركة ليموزين، تشترط على السائق شروطاً، وتعطيه السيارة بشرط أن يأتي في اليوم بكذا، والزائد له، فهذا شرط فيه غرر، وفيه مضرة، فهل يضمن أن يأتي بهذا المبلغ؟ ليس مضموناً عنده، فيكون هذا تكليف بغير المطاق. وكذلك إنسان يعطي إنساناً فندقاً، يهيئه بكل شيء، ويقول: أسلمك إياه لتشغِّله، وتسلمني في كل شهر كذا، والزائد لك. هذا أيضاً غرر، لا تدري هل يحصل هذا الشيء أم لا؟! فهناك شروط فيها غرر ومضرة. وفي معارض السيارات يقول البائع: أبيعك السيارة هذه أمامك، وإذا وجدتَ فيها أي عيب فلا تُرَد، كيف لا تُرَد بالعيب؟ هذا شرط حرَّم حلالاً؛ لأن الحلال أنه إذا وجد في السيارة عيباً فإنه يردها بالعيب أو يأخذ أرش عيبها. وقد يضللون ويقول البائع: أبيعك كومة حديد، أو سكراً في ماء، أو ملحاً في ماء، ويموِّهون أنه لا شيء فيها، ويقطعون على المشتري طريق النظر في العيب حتى لا يردها بعيبها، أو يأخذ أرش العيب. فكل هذه من الشروط الفاسدة، ولو لم يكن الشرط يحرِّم حلالاً أو يحلِّل حراماً، والله تعالى أعلم. ومما ينبغي التنبيه عليه -يا إخوان- أن الحديث لم يقل: الناس على شروطهم؛ ولكن قال: (والمسلمون على شروطهم) ، وفي الرواية الأخرى: (المؤمنون على شروطهم) ، ومعنى هذا أن صفة الإيمان وصفة الإسلام يجب أن تكون مميزة للمسلم والمؤمن على غيره، فإذا تعامل مسلم مع غير مسلم، فهل كون العميل غير مسلم يجوز له أن يخفر ذمته وأن تخفر شرطه؟ لا يجوز، ومن أغرب ما سمعت في الوفاء بالكلمة، وهي أحق بالمسلمين آلاف المرات، أن شخصاً من أهل جدة معروف بالتجارة، وقبل الحرب العالمية تعاقد مع شركة في صفقة حديد، فقامت الحرب العالمية الأخيرة، وتوقفت السفن عن التجارة بسبب الغواصات والألغام وو إلخ، وانقطعت الأخبار بين المستورد الذي من جدة وبين البائع الذي في إيطاليا أو ألمانيا. وبعد أن وضعت الحرب أوزارها، وفتحت الطرق المائية والبرية والجوية إلخ، جاءه إشعار من الشركة التي عقد معها الصفقة: إن الحديد الذي اشتريتَه وتعذَّر إرساله إليك باقٍ عندنا، والآن بعد الحرب قد أصبحت قيمته كذا -بعدة أضعاف من القيمة التي اشترى بها- وأنت بالخيار، هل نرسل إليك الصفقة أو نبيعها ونرسل إليك القيمة الجديدة؟ بعد الحرب وبعد اليأس وبعد انقطاع الأمل، يعرضون عليه هذا!! لو أنهم قالوا: قيمة صفقتك موجودة لكان خيراً منهم؛ لكن يزيد السعر وتتضاعف القيمة ويربح أضعاف الثمن ولا يطمعون فيها، بل يقولون: أنت بالخيار: نرسلها إليك أو نبيعها بالثمن الجديد المضاعَف ربحه ونبعث لك بالقيمة!! هذا يدل على الأمانة. فهم يحسنون التعامل لأجل الدنيا، فهذا الشخص ومن يسمع بتلك المعاملة هل يستبدل عنهم غيرهم؟ لا، بل الكل يسعى إلى أن يتعامل معهم لأنهم أهل صدق ووفاء، والمسلمون أحق بهذا من باب أولى. وعلى هذا: ينبغي على المسلم أو المؤمن أن يفي بالشروط، وكما يقولون: الوصف مُشْعِرٌ بالعلة، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ [المائدة:٣٨] : فحَدَثُ السرقة علة في القطع، وهنا قوله: (المؤمنون على ... ) : وَصْفُ الإيمان علة في أن يفي المؤمن بشرطه. فينبغي على المؤمن أن يعلو بإيمانه على غيره، وألَّا يخفر الشرط مع غيره ولو كان غير مسلم؛ لأن الوفاء من جانب المؤمن علوٌّ واستعلاءٌ بإيمانه عن أن ينحطَّ إلى درجة من يخفر الذمة.

стр. 2221

شرح حديث: (لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره) قال ﵀: [وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يمنع جارٌ جارَه أن يغرز خشبةً في جداره. ثم يقول أبو هريرة: ما لي أراكم عنها معرضين؟! والله لأرمينَّ بها بين أكتافكم!) . متفق عليه] . هذا الحديث قاله أبو هريرة رضي الله تعالى عنه حينما كان أميراً على المدينة في زمن مروان بن الحكم، فهو أمير ينتهي إليه الأمر، وكان يتولى القضاء والإمارة والفتوى إلخ، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يمنع جارٌ جارَه أن يغرز خشبةً في جداره) ، وهذا الحديث يبين حق الجوار، وذكره المؤلف في باب الصلح ونبهنا أن كثيراً من العلماء يقرن الصلح وحقُّ الجوار، بجامع أن كلاً منهما فيه تنازل، وفيه تعاطف، وفيه تعاون، حق الجوار من باب مكارم الأخلاق، وكذلك الصلح من باب المروءة ونحو ذلك، فيجمعونهما معاً. فهذا الحديث ليس من باب الصلح، إنما هو من باب بيان حق الجار على جاره، ففي هذه الجزئية يروي وهو أمير حديث: (لا يمنع جارٌ جارَه) ، والجار هنا هو المجاور الملاصق؛ لأن الجار قد يُطلق على البيت المقابل في الشارع، والجار قد يصل إلى سبعة بيوت أو إلى أربعين بيتاً أو إلخ، فالجار هنا المراد به: الملاصق في البنيان، وكانوا قديماً إذا جاء إنسانٌ يبني بجوار بيت إنسان، لا يبني جداراً بجوار جداره، بل يكتفي بجدار الجار ساتراً عليه، وقد يبنيان الجدار معاً، ويكون الجدار مشترَكاً؛ ولهذا الجدار مباحث في الفقه، فلو تنازع الجاران في هذا الجدار، قال أحدهما: هذا ملكي، وقال الآخر: لا. ملكي، وكلٌّ ادعاه لنفسه، فيقول ابن القيم في إعمال القرينة: يُنظر إلى عقود القُمُط ويُنظر إلى الطياق، فالإنسان في جدار بيته ربما يعمل تجويفاً وهو ما يسمونه: الطاقة غير المفتوحة، والعادة أن تكون من داخل الجدار؟ فإذا تشاحَّ جاران في جدار واحد، ننظر إلى فتحة الطاقة، هل هي مفتوحة إلى هذا اليمين أو مفتوحة إلى هذا اليسار؟ فمن كانت مفتوحةً إلى جهته يكون الجدار له هو. وكذلك القُمُط التابعة للطياق أو إلخ. وكانوا إذا بنى الإنسان من جهة الجار، أقام ثلاثة جدران، وعند التسقيف يجعل الخشب معترضاً إلى جهة الجار والجهة الأخرى، فيقع الخشب على جدار الجار، وقد يضع الخشب معترضاً بمُسامَتَة الجار، فيكون الخشب بعيداً عن جدار الجار، ولنفرض أن الجار غربي وشرقي، والجدار بينهما في الوسط، فإذا كان امتداد الخشب من شرق إلى غرب ستكون أطراف الخشب على جدار الجار، وإذا كانت أطراف الخشب من الشمال إلى الجنوب فهي بعيدة عن جدار الجدار.

стр. 2222

من أحكام الحديث استدل أبو هريرة رضي الله تعالى عنه بهذا الحديث أنه يلزم الجار الأسبق إذا أراد جاره الجديد أن يسقف ما هو بجواره معتمداً على جداره؛ ألا يمنعه. حتى يقول الحنابلة: ولو كان الجار مسجداً، فلو بنيتَ بيتك بجوار المسجد، وأردت أن تسقف على أحد جدرانك وجدار المسجد، فإمام المسجد لا يمنعك، أو المسئول عن المساجد لا يمنعك؛ لأنه جوار. واختلف الفقهاء ﵏ في هذه القضية: هل هذا على سبيل الوجوب والإلزام جبراً؟ فـ أبو هريرة يقول: (ما لي أراكم عنها معرضين؟!) يعني: لم تعجبهم هذه المسألة: (لا يمنع جارٌ جارَه أن يغرز خشبةً ... ) ، فقد يقول الجار: والله هذا اعتداء، يريد أن يستولي على جداري، ويتحكم في مالي! فقال: (ما لي أراكم عنها معرضين؟!) لا يعني هذا: أنهم ليسوا مستبشرين أو ليسوا فرحين! لا. بل القضية ثقيلة عليهم، فقال: (والله لأرمينَّ بها ... ) ما المراد بقوله (بها) ؟ هل هذه القضية أم الخشب؟ القضية، وبعض العلماء يقولون: الخشب، يعني أنه قال: إذا ما قبلتَها على جدارك فسأرميها على كتفَيك. ولكن أين هي الخشبة حتى يرميها بين كتفَيه؟! إذاً: معنى: (لأرمينَّ بها) أي: بهذه القضية، (بين أكتافكم!) أي: ألزمكم بها، وما دام أميراً فهو يملك الإلزام. وهنا مباحث للفقهاء كثيرة، منها: هل هذا على الإلزام أو يملك الجار أن يمنع؟ وإذا سمح له ووَضَع الخشب أو رغماً عنه وُضِع الخشب، فتلف الجدار وسقط، فما الحكم؟ ومتى يجوز أن يضع الخشب؟ وإذا سقط الجدار هل لصاحب الخشب أن يشارك في بناء الجدار؟ وإذا أقام صاحبُ الجدار الجدار فهل يعيد خشبَه مرة أخرى أو لا يعيدها؟ هذه كلها مباحث فقهية في هذه المسألة. نأتي أولاً إلى ما يقوله الفقهاء: يُنظر! هل جدار الجار فيه قوة التحمُّل؟! فلابد أن يُسأل المهندس، فقد يكون بناه على أنه لا يسقِّف على هذا الجدار، وأن الجدار مجرد ساتر، فكيف تأتي أنت وتضع خشبك؟! أنا لم أضع خشبي! وأنا لم أبنِه على هذا الأساس! فتأتي لتضع خشبك أنت على جداري وتهدمه؟! لذا قال الفقهاء: يتحقق هذا الحديث، ويلزم بالوضع إذا كان الجدار يتحمَّل خشب الجار. وإذا لم يكن للجار الأول خشب عليه، فهل يتحمل خشب الجار الجديد أم لا؟ فإذا كان لا يتحمله فليس بواجب؛ لأن فيه مضرة، والمسألة مسألة إرفاق وتعاون بين الجيران. إذاً: (لا يمنع جارٌ جارَه ... ) حينما يكون جدار الجار صالحاً لوضع خشب الجار عليه. ولو وَضَع الخشب، وبنى الدور الثاني، فهل يكتفي بالخشب فقط في الدور الأول؟ قالوا: إذا كان له حق أن يضع خشبه فليبني، وإذا جاء الجار الأول ويريد أن يبني الدور الثاني فيكتفي بجدار الجار هذا، بشرط أن يكون الجدار قابلاً لأن يحمل جداراً آخر.

стр. 2223

شرح حديث: (لا يحل لامرئ أن يأخذ عصا أخيه ... ) قال ﵀: [وعن أبي حميد الساعدي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يحل لامرئ أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفس منه) . رواه ابن حبان والحاكم في صحيحيهما] . يعني: لا يجوز للإنسان أن يأخذ من مال الغير ولو العصا، وفي بعض الروايات: (. ولو عود أراك) ، والعصا يهشون بها على الغنم أو على البعير، فإذا كان لا يحل الشيء الحقير، فما هو أكبر منه من باب أولى. ولماذا جاء المؤلف بهذا الحديث بعد حديث: (. لأرمينَّ بها بين أكتافكم!) ؟ هذا نأخذه من ترتيب العلماء عند إيراد الأدلة، فهي لا تأتي عشوائية، إنما تأتي لغرض ولحكمة، فكأنه يقول: لا يهولنَّكم قول أبي هريرة: (لأرمينَّ بها بين أكتافكم!) ، انظروا إلى هذا الحديث! إذا كان لا يحل لامرئ أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفس، فهل يحق له أن يكظم على نَفَسِه بخشب جاره؟! أيهما أكثر حقاً؟! العصا التي يأخذها وليس له حق فيها أو عيدان وجذوع النخل يضعها على ظهره؟! أيهما أكثر كلفةً يا جماعة؟! الخشب، فوضع الخشب على الجدار، فيه التحكُّم في ماله. إذاً: موضوع الحديث الأخير: لا يحق لإنسان أن يأخذ عصا، وفي بعض الروايات: (. متاعاً ... ) ، ولا يأخذه جاداً ولا مازحاً، فإذا كان لا يجوز للإنسان أن يأخذ متاعاً قليلاً ولو وصل إلى حد عصا؛ فجريدة من النخلة أو عود من الأثل، أو عود خيزران، لا يحق له أن يأخذه من أخيه بغير طيب نفس، فكيف يستحل لنفسه أن يُلزم جاره بخشبه؟! إذاً: حديث أبي هريرة إنما يكون من باب الإرفاق والتعاون والمسامحة على قانون: (لا ضرر ولا ضرار) ، فإن كان جدارك لا يضره أن أضع عيداني عليه، وإقامتي لجدار بجوار جدارك فيه تكلفةٌ عليَّ، فما الذي يمنعك أن تسمح لي أن أحط الأعواد وأسقف، ما دام أنه لا توجد مضرة عليك، ولا يوجد إجحاف على الجدار؟! فهذا من باب الإرفاق، وليس من باب الإلزام، والله تعالى أعلم.

стр. 2224

كتاب البيوع - باب الحوالة والضمان شريعة الإسلام شريعة متكاملة، جاءت بما يصلح الدين والدنيا، وكما أنها حكيمة في أمور العبادات، فهي حكيمة في أمور المعاملات، ويتبين هذا في باب الحوالة والضمان، فإن من درس هذا الباب ظهر له الأحكام الحكيمة في المعاملات المالية وغيرها.

стр. 2225

شرح حديث: (مطل الغني ظلم) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: قال المصنف ﵀: [عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (مطل الغني ظلم، وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع) متفق عليه، وفي رواية لـ أحمد: (ومن أحيل فليحتل) . ] . هذا باب الحوالة والضمان، والحوالة: بفتح الحاء وكسرها حَوالة وحِوالة، فَعالة وفِعالة، وهي من التحول أو التحويل، والضمان من الضم بأن ينضم شخص لشخص آخر في الوفاء بما عليه، والضمان بمعنى الكفالة. والحوالة صورتها: إنسان دائن، وإنسان مدين له، وهذا المدين هو دائن لشخص ثالث، فشخصيات الحوالة ثلاثة: رقم واحد له دين على رقم اثنين، ورقم اثنين عليه دين لرقم واحد، وله دين عند رقم ثلاثة.

стр. 2226

أركان الحوالة الحوالة أركانها خمسة: المحيل الذي هو وسط بين المحال والمحال عليه، والمحال، والمحال عليه، والدين الذي يحال به، والدين الذي يحال عليه. فهذه أركان الحوالة الخمسة، ثلاثة منها في الأشخاص، واثنان في الحقوق. أتى المؤلف رحمه الله تعالى بهذا الباب ليبين حكم هذه العملية إذا وقعت، وماذا يترتب عليها؟ وقوله ﵊: (مطل) المطل والمط: التطويل والتسويف، أتى أجل الدين وهو يَمطُّ فيه ويبعده ويسوف في الأداء، فإن كان الماطل غنياً فهو ظالم؛ لأن الواجب عليه أن يؤدي الدين في موعده. والمطل مصدر، وقوله: (مطل الغني) ، هل الغني فاعل المصدر أم مفعول له؟ الصحيح أنه فاعل، والمصدر مضاف لفاعله، أي: الغني الذي يمطل الناس ظالم، وبعضهم يقول: يحتمل من حيث الصناعة اللغوية أن يكون المصدر مضافاً لمفعوله، وأن يكون الغني مفعولاً للمطل، فيكون الماطل غنياً آخر، ويقولون: إذا كان صاحب الحق غنياً فمطل المدين له ظلم، فإذا كان مطله للغني ظلماً، فما بالك إذا مطل الفقير؟! ولكن الحديث الذي معنا يُبعد هذا الاحتمال؛ لأن في آخره: (يُحل عرضه وعقوبته) ، وحلّية العرض والعقوبة تكون للمدين المطلوب الذي يمطل في سداد الدين. إذاً: المصدر مضاف لفاعله. قال: (مطل الغني ظلم) ، فإذا كان المدين فقيراً فهل مطله ظلم أم خارج عن الظلم؟ خارج عن الظلم؛ لأنه مسكين ما عنده شيء؛ ولذا يقول الشافعي: لا يجوز حبسه؛ فهو ليس بظالم، فهو غير واجد، وقالوا: لو كان له مال مغيّب عنه أو لا تصل يده إليه، فهو كالفقير لا يكون ظالماً. إذاً: معنى الحديث: أن مماطلة الواجد القادر على سداد الدين في أجله ظلم، وهذا الظلم (يُحِل عرضه) : كيف يحل عرضه؟ يقول: فلان هذا مماطل فلان هذا سيء المعاملة حتى اختلف العلماء: هل يفسَّق وترد شهادته بالمماطلة، ويكون هذا ذنب يخرجه عن العدالة؟ فالبعض يقول: نعم، والبعض يقول: لا، إلا إذا تكرر، يعني: مطل دائناً مرّة فلا يفسق، لكن مرتين وثلاث، وصارت معاملته هكذا مع الناس فيُحكم عليه بالفسق، ولا تقبل شهادته لأنه ظالم، وينبغي أن يبادر الناس بسداد الديون، ولا يستحلي إنسان ويستمرئ المماطلة بالدين. وقوله ﵊: (وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع) ، (ومن أحيل على مليء فليحتل) ، بكلا اللفظين، من الذي يحيل؟ ومن المحال؟ ومن المحال عليه؟ قلنا: الحوالة فيها ثلاثة أشخاص، رقم واحد له ألف عند رقم اثنين، ورقم اثنين معترف بالألف لرقم واحد، فجاء رقم واحد يطلب ألفه من رقم اثنين، ورقم اثنين -سواء كان واجداً أم لا- قال: اذهب وخذ ألفك التي علي من رقم ثلاثة، فيكون قد حوّله إلى شخص ثالث، هذه صورتها في الأشخاص، والذي يحال هو رقم واحد، فإذا أحلت على مليء فاحتل، وإذا أُحيل على غير مليء: أيحتل أم يرفض؟ يرفض.

стр. 2227

شروط الحوالة في الحوالة شروط: فيشترط شرط في المحال، والمحيل، والمحال عليه، وشرط في الدين الذي للمحال على المحيل، والدين الذي للمحيل على المحال عليه، لأنه يوجد دينان: دين بين رقم واحد واثنين، ودين بين رقم اثنين وثلاثة. وإذا كان المحال عليه مليئاً، فهل يلزم رضا المحال في إحالته على الثالث أو لا يلزم؟ الحنابلة والجمهور أنه لا يلزم رضاه؛ لأن الرسول ﷺ قال: (من أحيل على مليء فليحتل) ، والذي يشترط رضاه هو المحيل، فلو أن المحيل لم يحل هذا، وهذا عرف أن له عند الشخص الثالث ألف ريال، فذهب يقول له: أعطني ألف ريال مما لرقم اثنين عليك، فسيقول له الثالث: أهو أحالك علي؟ فيقول له: ما أحالني، إذاً: لن يعطيه. فهل يشترط في الحوالة رضا المحيل فقط، أو يشترط رضا المحال والمحال عليه؟ لا يحق للمحال عليه أن يقول للمحيل: لم تحِل عليّ؟ فهذا حقه عليه، وله يستوفيه بنفسه أو بنائب عنه أو بغيره، والذي عليه أن يدفع الألف سواءً وضعها في يده أم في يد شخص آخر. إذاً: المحال عليه لا يؤخذ رضاه إلا عند مالك في صورة واحدة وهي: إذا كان المحال عدواً للمحال عليه، فهو عدو له لا يتعامل معه. فإذا كان المحال عدواً للمحال عليه فـ مالك يقول: المحال عليه لا يلزمه أن يعطيه؛ لأنه أحال عليه عدواً، وهو لا يتعامل مع عدوه، والجمهور يقولون: الحديث مطلق. وقالوا: يشترط في الدين الذي أحيل أن يكون مساوياً للدين الذي أحيل عليه في الجنس، فإذا كان له ألف ريال سعودي أو ألف روبية أو ألف دولار؛ فيجب أن يكون الدين الذي للمحيل على المحال عليه من جنس ذلك، يعني: يحيل أبو الريالات على ريالات، ويحيل أبو الدولارات على الدولارات. فلو كان هذا مدين لعدة أشخاص بعدة مبالغ، واحد له استرليني، وآخر له سعودي، وآخر له دولار، وهو كذلك أيضاً له ديون عند الناس بأنواع من العُمَل، فجاءه المطالبون، فيحيل كل دائن له على نوع الدين الذي له عند الآخر. أما إذا كان هذا له ألف ريال عنده وهو له ألف دولار عند هذا، فلا يصح أن يحيل الألف الريال على الألف الدولار؛ لأن فيها مصارفة بدون تسليم. وإذا كان الجنس واحداً، عنده ألف ريال لهذا، وله خمسة آلاف ريال على ذاك، فأحال صاحب الألف على صاحب خمسة آلاف، فتصح الحوالة. وإذا كان العكس، هذا له خمسة آلاف على هذا، وهذا له ألف على ذاك، فهل يحيل بالخمسة على الواحد؟ لا، بل يحيل بالواحد على الواحد لتساوي الدينين. ويشترط في الدين الذي يحال عليه شرط مهم، وهو: أن يكون ثابتاً مستقراً للمحيل، ليس قابلاً للنقض والفسخ، فلو أن هذا كان قد باع للثالث سلعة، والثالث اشترط الخيار فيها شهراً، وجاء رقم واحد يطالب بالدين، فأحاله على قيمة المبيع لذاك الثالث، فلا تصح الحوالة؛ لأن قيمة المبيع لم يستقر في ذمة المشتري، وبقي له الخيار، وإذا كان الخيار باقياً فإن الثمن معلَّق. إذاً: لا يصح أن يحيل عليه، لأنه يمكن أن يفسخ البيع ولا يدفع الحوالة التي أحاله عليها. والمرأة إذا كان لها ألف ريال صداق على الزوج، ولكنه لم يدخل بها، فهل لها أن تحيل بدين عليها على الزوج، ليأخذ المحال الألف من صداقها؟ لا، لأنه لم يدخل عليها، والصداق إنما يستقر بالدخول، فهذا دين ليس مستقراً. وإذا كان رجل له دين سَلَمٍ على رجل، فهل يحيل عليه؟ لا يحيل عليه؛ لأن دين السَّلَم لا يبدَّل ولا يغيَّر ولا يُحال عليه. إذاً: يشترط في الدين الذي يحال عليه: مماثلة الدين المحال، واستقراره في ذمة المحال عليه. قال ﵊: (إذا أحيل أحدكم على مليء) ، المليء يكون -كما يقول الحنابلة- بالقول وبالفعل وبالجاه، مليء: عنده الوفاء بالدين. ويشترط لصحة الحوالة حلول الدينين، هذا له ألف حل أجلها، وهذا له ألف عند ذاك وحل أجلها، لكن إذا كان دين هذا حلّ على هذا، ودين الثاني لم يحل على الثالث، فلا يحيل على مؤجل؛ لأنه سيقول المحال عليه: ما حل الأجل حتى أدفع لك، فلو جاء صاحب الدين الأصيل وقال: أعطني ديني، يقول له: ما حل الأجل، وما لك حق في المطالبة. إذاً: يشترط لصحة الحوالة رضا المحيل، واتفاق جنس الدينين، وحلول الأجل فيهما، وبقي شروط، وهو: أن يكون المحال عليه مليئاً معروفاً بالوفاء، فيكون عنده مال، ويعطي ولا يماطل، ولا يكون معروفاً عند الناس بأنه لا يدفع الدين الذي عليه إلا بالمحاكم وبالحبس وبالإساءة، فلو كان على هذه الحالة فليس مليئاً في الحوالة، ويرفض المحال أن يحتل إلى هذا؛ لأنه رجل معروف بالمطل، وقد لا يعطيه إلا بعد سنة! ويشترط الحنابلة أيضاً أن يستطيع المحال مقاضاة المحال في المحكمة، ومفهومه لو أن مديناً أحال دائناً على والد الدائن، وقال له: عند والدك لي ألف ريال، اذهب وخذه. فهل الابن يستطيع أن يقدم أباه للمحكمة في الدين؟ لا، وسيقال له: ارجع فأنت ومالك لأبيك. ولو كان الرجل مديناً لأمير أو سلطان أو إنسان ظالم جبار أو إنسان يأكل حقوق الناس ولا يبالي، فحول دائنه على من لا يستطيع إحضاره إلى مجلس القضاء، فهل هذا مليء أم غير مليء؟ غير مليء؛ لأنه يحتاج إلى مقاضاة وإلى معاناة، وقد يحصل الوفاء، وقد لا يحصل. إذاً: إذا استوى الدينان جنساً، ورضي المحيل، وكان المحال عليه مليئاً؛ تمت الحوالة، وبها تبرأ ذمة المحيل من دين المحال، ويتحول المحال إلى المحال عليه، ولا يرجع إلى المحيل بحال من الأحوال أخذ أو لم يأخذ، حتى لو قدر أن المحال توانى عن مطالبة المحال عليه حتى أصبح فقيراً، فلا يقول: هذا غير مليء؛ لأنه وقت أن حوّله المحيل كان المحال عليه مليئاً، والمحال هو الذي تأخر، ولا يحق له أن يرجع إلى المحيل. وقد جاء عن علي رضي الله تعالى عنه أن رجلاً يمانياً كان له دين عند علي، فأحاله على إنسان مليء معروف، فذهب وبعد فترة جاء يطالبه فإذا المحال عليه مفلس، فرجع إلى علي، وطالبه بالدين، فقال له: قد أحلتك، فقال الرجل: هو مفلس، فقال له: لم ترض بنا، ورضيت بغيرنا بديلاً، اذهب ولا كرامة. أي: أن حقك كان علينا، وأنت لم ترض أن تنتظر، وحوّلناك وتحوّلت، وإذا لم تحصل على دينك فليس لك أن ترجع علينا مرة أخرى. ولهذا يقولون: إن الدين المحال برضا المحيل على مليء ينتقل في الحال، ولا يرجع المحال على المحيل بالدين بحالة من الأحوال، ومن يوم أن حوّله برئت ذمته، وانتقل الدين إلى المحال عليه.

стр. 2228

الخلاصة الحوالة فيها ثلاثة أشخاص، وسط وطرفان، وفيها الدين مكرر: دين المحال، ودين المحيل على المحال عليه، وفي كل من الأركان الخمسة نوع من الاشتراط، والمبدأ الأساسي أن الدائن أتى يطلب المدين حقه، وقد حل الأجل، والمدين قال: أنا أحيلك على مدين لي، كما أنا مدين لك تطالبني أنا لي أيضاً مال عند مدين أطالبه، فأحيلك عليه بدينك عليّ حتى تستوفيه من المدين لي، فهذا له دين على الثاني، والثاني له دين على ثالث، والدينان قد حل الأجل بدفعهما، والدينان من جنس واحد، فجاء دائن الشخص الأول يطالب مدين الشخص الثاني بدينه؛ لأن الدائن طالب المدين بحقه، وهذا المدين الشخص الثاني هو دائن في نفس الوقت، والشخص الثالث مدين وليس دائناً، فالدائن الأول جاء لمدينه وقال: أعطني، فقال: مرحباً، وكما أنك تدينني فأنا أدين غيري، وكما أنك تطالبني، بدينك فأنا أطالب غيرك، فاذهب وخذ دينك ممن أطالبه بديني. ويشترط أن يكون دين الدائن الأول من عين دين الدائن الثاني للشخص الثالث، فهذا دين بين (أ) و (ب) ، وذاك دين بين (ب) و (ج) ، فإذا استوى النوع صحت الحوالة بهذا الدين. ويشترط في المحال عليه أن يكون مليئاً، ولا يشترط في المحال أن يرضى ويأذن، فصاحب الدين الأول لا يؤخذ رأيه، فيقول له المدين: حقك عندي، اذهب وخذه من هناك. والأصل في المعاملات عين المعاملة، فلو كان إنسان مديناً، وشخص من أهل الخير علم بأنه مدين، فذهب وسدد الدين عنه من غير أن يشعره، فيكون الدين في هذه الحالة قد تم سداده، وفي الحديث: (أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ قالت: نعم) ، وستأتي قصة أبي قتادة. فإذا اتفق الدينان، والمحيل رضي بالإحالة، والإحالة كانت على مليء؛ فحينئذٍ انتقل دين المدين بالنسبة إلى الشخص الدائن الأول إلى الثالث وهو المدين الثاني، وليس للأول الحق أن يرجع على الثاني، حتى ولو أن الثالث لم يعطه فلساً مادام أنه مليء. أما إذا أحاله على إنسان غير مليء مفلس، فإن كان المحال يعلم بإفلاسه ورضي بالحوالة صحت؛ لأنه رضي بالإحالة على من عرف حاله، وإذا كان لم يعلم بأفلاسه، وافق على الإحالة وقال: هذا رجل سمعته طيبه، وذهب إليه، فإذا به مفلس محجور عليه من قبل الحاكم، ففي هذه الحالة له أن يرجع على المحيل؛ لأن شرط الإحالة لم يتحقق؛ لأنه ما أحيل على مليء. والمليء هو الذي يستطيع أن يدفع، ويستطيع المحال أن يرفعه إلى الحاكم، ويستطيع أن يأخذ حقه منه بدون مماطلة. وإذا أحال بأكثر من حقه على المدين له، فليس عليه إلا أن يدفع دينه، فمثلاً: الأول له خمسة آلاف على الثاني، والثاني له ألف على الثالث، فالثاني حول هذا بالخمسة على الثالث، فيقول الثالث للأول: ليس له عندي إلى ألف ريال، تفضل هذه الألف، والأربعة الآلاف لا أتحملها عنه، ويرجع المحال على المحيل بالأربعة الآلاف الباقية.

стр. 2229

شرح حديث: (حق الغريم وبرئ منهما الميت) قال ﵀: [وعن جابر رضي الله تعالى عنه قال: (توفي رجل منا، فغسلناه وحنطناه وكفناه، ثم أتينا به رسول الله ﷺ فقلنا: تصلي عليه، فخطا خطىً ثم قال: أعليه دين؟ فقلنا: ديناران، فانصرف، فتحملهما أبو قتادة، فأتيناه فقال أبو قتادة: الديناران علي، فقال رسول الله ﷺ : حق الغريم وبرئ منهما الميت؟ قال: نعم، فصلى عليه) . رواه أحمد وأبو داود والنسائي، وصححه ابن حبان والحاكم] . هذه مسألة طويلة الذيل، ويذكر ابن شبة أنه ﷺ أول ما قدم المدينة كان إذا احتضر الميت آذنوا رسول الله ﷺ به، فيذهب إلى بيته وينتظره حتى يقضي، ثم يجهزونه ويصلي عليه، فقالوا: لقد أكثرنا على رسول الله، فلو أننا نجهز الميت ثم نأخذه إلى بيت رسول الله ليصلي عليه هناك، فكان يذهب إلى البيوت ليصلي على الجنائز في المدينة، فأشفقوا عليه ﷺ ، واتفقوا على أن يحملوا الجنازة من مكانها إلى بيت رسول الله، فكان يصلي بها في مصلى الجنائز، ومكان مصلى الجناز هو هذا الحوش الذي ترونه محاطاً ما بين باب جبريل إلى باب البقيع الجديد، وكانوا قديماً يسمونه: فرش الحجر، وهو مصلى الجنائز، فكانوا إذا أتوا بالميت لرسول الله ﷺ ليصلي عليه سأل عن دينه، ولم يكن يسأل عن أي عمل له، وإنما يسأل أعليه دين أم لا؟ والسؤال عن الدين خاصة يدل على شدة الاهتمام بالدين؛ لأن الميت مرهون بدينه في قبره، والشهيد الذي استشهد في المعركة وعليه دين مرهون بدينه حتى يوفي الله عنه يوم القيامة. وقوله: (فخطا خطىً ثم قال: أعليه دين؟ فقلنا: ديناران، فتأخر وقال: صلوا على صاحبكم) ، كأنه يقول: صلاتي لا تنفعه، مع أن صلاته شفاعة له، ودعاء له بالمغفرة والرحمة، وقد سمع رجل دعاء النبي ﷺ في صلاة جنازة فقال: تمنيت أن أكون أنا هذا الميت لهذا الدعاء! فقال أبو قتادة: صل عليه -يا رسول الله- والدين في ضماني، وقد روي مثل هذا عن علي، فقال ﷺ : (حق الغريم، وبرئت ذمته) أي: هل الدين تحول عليك؟ فقال: نعم صار في ذمتي، وبرئت منه ذمة الميت، فتقدم وصلى عليه. فهذا الضمان، فـ أبو قتادة ضمن بقضاء دين الميت، قالوا: يصح الضمان عن الميت. وفي بعض الروايات أن النبي ﷺ (سأل أبا قتادة من الغد فقال: ما فعل الديناران؟ فقال: يا رسول الله! إنما مات أمس، ثم من بعد الغد سأله: ماذا فعل الديناران؟ فقال: قد قضيتهما، فقال رسول الله ﷺ : الآن بردت عليه جلدته) . ولهذا يقال: المدين تتم براءته من وقت السداد، لا من حين الضمان، فهو ضمنه قبل أمس، لكن ما سدد عنه إلا اليوم، فالآن بردت جلدته من حر الدين.

стр. 2230

شرح حديث: (أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم) قال المصنف ﵀: [وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ (كان يؤتى بالرجل المتوفى عليه الدين، فيسأل: هل ترك لدينه من قضاء؟ فإن حدث أنه ترك وفاء صلى عليه، وإلا قال: صلوا على صاحبكم، فلما فتح الله عليه الفتوح قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي وعليه دين فعلي قضاؤه) متفق عليه] . بعد أن فتح الله على المسلمين، وأصبحت تأتيهم الغنائم، قال ﵊: (من ترك غرماً فعلي، أو كلاً فلي -يعني: من كان عاجزاً ذا عاهة فأنا ضامن له، فإن ترك ديناً فعلي دينه- قيل: يا رسول الله! وعلى الأئمة بعدك؟ قال: نعم، وعلى كل إمام بعدي) أي: أن بيت مال المسلمين المنتظم يتضمن سداد دين المعدم، ومغنم الميت يرجع إلى أهله، وهذه -والله- هي الرحمة المهداة فعلاً، إن كان الميت مفلساً معدماً ليس عنده ما يسدد به دينه سدده عنه رسول الله، وإن كان غنياً ذا مال فماله لورثته، ولا يأخذ منه ﵊ شيئاً، قال: (أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم) ، فكان من مات وعليه دين لم يصل عليه، وبعد أن فتح الله عليه الفتوح صار يصلي على من مات وعليه دين، ويقضي دينه من بيت مال المسلمين. ويسوق المؤلف هذا الحديث في باب الضمان؛ لأن دين الميت تحوّل عنه، والضامن اشتغلت ذمته بهذا الدين عن الميت. ويؤخذ منه أنه يصح سداد الدين من وارث الميت ومن غيره أياً كان، وهل يرجع على ورثة الميت أو لا يرجع؟ إن كان ترك وفاءً، وفعل ذلك رحمة بالميت فله أن يرجع، وإن كان فعل ذلك تطوعاً أو صدقة أو هبة فليس له أن يرجع، وبالله تعالى التوفيق.

стр. 2231

شرح حديث: (لا كفالة في حد) قال ﵀: [وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : (لا كفالة في حد) ، رواه البيهقي بإسناد ضعيف] . الكفالة والضمان في الدين على الميت جائزة، وكذلك تجوز في الدين الذي على الحي. واختلف العلماء في كفالة الوجه ويسمونها: كفالة الحضور، فإن الكفالة قسمان: كفالة غرم وأداء، وكفالة حضور، فكثير من العلماء يقول: كفالة الحضور ليست صحيحة ولا تجب، والكفالة الصحيحة كفالة الدين؛ لأنه التزمه وتعهد به. يختم المؤلف الباب بحديث: (لا كفالة في حد) ، بمعنى: لو إنسان لزم عليه حد، فلا يأتي إنسان آخر ويقول: اتركوه، وأنا كفيل به! وإذا ذهب وتغيب ماذا ستفعل؟ أنت لا يقام عليك حد لم ترتكبه، وكيف تعاقب على جرم غيرك؟ هذا لا يجوز، فلا يصح كفالة صاحب حد في إحضاره لإقامة الحد عليه؛ لأن الحدود ليس فيها شفاعة، والحدود ليس فيها نيابة، والحدود ليس فيها مصالحة، إذا بلغت السلطان لا يصح أن يصالح عليها؛ لأنها حق لله، وبالله تعالى التوفيق.

стр. 2232

كتاب البيوع - باب الشركة والوكالة [١] الإسلام يحث على عمارة الأرض من أجل عبادة الله فيها، ومن ذلك أنه حث على التجارة والتعاون فيها بأنواع الشركات، وهذه الشركات أقسامها كثيرة، وأحكامها عديدة، وترتبط بها أحكام الوكالة، والعلم بهذه الأحكام يبين سماحة الشريعة ويسرها وحكمتها.

стр. 2233

معنى الشركة وأنواعها الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: ذكر المؤلف رحمه الله تعالى بعد باب الحوالة والضمان وأنواع المعاملات الشخصية: باب الشَرِكة والوكالة، ويقال: شَرِكة وشِرْكة، والشركة تنقسم إلى قسمين: شركة أملاك، وشركة عقود. فشركة الأملاك: كأن يرث جماعة عن مورثهم بيتاً أو أرضاً أو دابة، فهذه الأرض أو البيت أو الدابة شراكة بين الورثة، كما بيّن سبحانه في إرث الإخوة للأم: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء:١٢] . وهذا النوع من الشركات لا دخل له فيما يبوب له الفقهاء؛ لأنه ملك ثابت على حصص مشاعة، والحصص معروفة: ربع، سدس، نصف، ثلثان، فهي عين مشاعة مشتركة بينهم. والقسم الثاني من الشركات: شركة العقود، وهي محل الدراسة في كتب الحديث وكتب الفقه وهي: أن يتعاقد اثنان أو أكثر على نوع من الاشتراك في عمل قابل للكسب والخسارة. في شركة الأملاك العين المشتركة بينهم ثابتة على ما هي عليه، ارتفع السعر أو نزل السعر هي بعينها موجودة، ولكن شركات العقود فيها الحركة والبيع والشراء والتصرف، فهي قابلة للربح بزيادة رأس المال وقابلة للنقص والخسارة بنقصان رأس المال.

стр. 2234

شركة العنان الشركة التي هي شركة العقود تفصيلها في كتب الفقه، ويقسمها العلماء ﵏ إلى خمسة أقسام، منها المتفق عليه، ومنها المختلف فيه. القسم الأول: شركة العنان، وقد أجمع عليها الناس، وهي أقواها وأكثرها تداولاً، وهي: أن يتساوى الشريكان أو الشركاء، ويشترك كل واحد منهم ببدنه وبماله، فيأتي هذا بألف ريال، ويأتي هذا بألف ريال، ويشتركان معاً في تجارة -بيع وشراء- أقمشة، مواد غذائية، سيارات، مصنع، عمل منتج، ويكون الربح شراكة بينهما، والمهم في أركانها أن كل الشركاء يعمل ببدنه ويُعمل ماله. فهذه الشركة أجمعوا على جوازها وصحتها، ولكنهم اشترطوا شروطاً تمنع النزاع عند تقاسم الأرباح، منها: أن يكون رأس المال من الجميع واحداً، بأن يأتي الجميع بدراهم، أو يأتي الجميع بدنانير، أو يأتي الجميع بريالات، أو يأتي الجميع بدولارات، لكن هذا يأتي بدنانير وهذا بدراهم أو هذا بريالات وهذا بدولارات، لا؛ لأنهم بعد نهاية العمل عندما يريدون أن يصفوا الشركة سيختلفون، هذا كان له ألف ريال وهذا كان له ألف دولار، وسعر الصرف للريال والدولار يختلف، واختلاف سعر الصرف هذا يكون لحساب من؟ فيخلتفون، لكن لما يكون رأس المال واحداً بصرف النظر عن المقدار، فلو كان هذا عنده دولارات، فصرفها ريالات وصارت خمسة آلاف ريال، والآخر عنده ألف ريال، فلا مانع، فالمجموع ستة آلاف ريال، فيعملان والربح على ما شرطاه، حتى بالمناصفة لا مانع، فقد يكون صاحب الألف بحذقه ومعرفته أفضل من صاحبه أبو خمسة آلاف، فتكون خبرته في البيع والشراء تعوض النقص في رأس ماله على ما اتفقا عليه. إذاً: يشترط فيها اتحاد رأس المال، ولا يشترط فيه التساوي. ويشترط أن يعمل كل منهما مع الثاني، فمثلاً فتحا محل (سوبر ماركت) ، يحتاج إلى أكثر من عامل، فهذا على المكينة في الحساب، وهذا مع الزبائن يناول، ويأتيان بصبيان أجراء، وما لهم دخل في الشركة، والمهم أن أصحاب رأس المال يعملون، فهذه شركة العنان. ويشترط فيها أيضاً: معرفة رأس المال للكل، فلو جاء واحد وقال: خذ هذا المال شراكة، ولا ندري كم هو! فهذا لا يصلح، ولابد أن يكون رأس المال معروفاً للطرفين. ويشترط أن يكون رأس المال منهما حاضراً، فلا يقل أحدهما: رأس مالي دين عندي أو سأعطيك فيما بعد، فيصير رأس المال كله من جهة واحدة، فهذا لا يصح. وشركة العنان مأخوذة من عنان الفرس، ففي السباق يكون كل من المتسابقين عنان فرسه متعادلاً مع الثاني، ويكونان متساويان. وأنواع الشركات فيها تفصيلات كثيرة جداً في كتب الفقه، لكن نحن نريد أن نأخذ الهيكل العام، ثم نأخذ ما ساقه المؤلف رحمة الله عليه.

стр. 2235

شركة الأبدان القسم الثاني: شركة الأبدان، وهي اشتراك بالأبدان، وليس فيها ولا فلس، ليس فيها مال، مثل اشتراك اثنين بمجهودهما، مثل اشتراك قوي وضعيف، ارتضيا أن يكونا شريكين بما يعملانه بأيديهما، مثلاً قال أحدهما: يا فلان! أنا أعمل لحالي، وأنت تعمل لحالك، وبعض الأشياء تكون ضخمة وكبيرة وتتعبنا، فدعنا نشترك، أنت تجمع وأنا أجمع، ونكوّن انتاجاً واحداً، ونكون شركاء فيه. مثاله: جماعة ذهبوا يحتشون الحشيش، هذا يحش ويتبع الموجود هنا، وذاك يحش من هناك، وذاك من هناك، ويجمعونه كله، وهم شركاء في هذا المحصول، ومثله أن نصطاد، أخذنا سنانير، وأخذنا شباك، وذهبنا نصطاد بأبداننا بلا مال. وهذا النوع من الشركة يمنعه الشافعي ﵀، ويقول: كل منهما يعمل عملاً، فيجب أن يكون عمله لنفسه، هذا اجتهد وحصل شيئاً كثيراً، فكيف يأخذ الثاني من حصيلة هذا؟ فصاحب الجهد الكبير حقه أكثر، والثاني جهده قليل وحقه قليل، ولكن الجمهور يقولون: هذا جائز؛ لما سيأتي من حديث: اشتركنا يوم بدر. فشركة الأبدان جائزة عند الأئمة الثلاثة ﵏، والهيكل فيها الأشخاص، حتى قال الحنابلة: لو اشترك جماعة بأبدانهم. في بناء عمارة، فأتوا بالحديد، وعملوا الصبة، واشتغلوا حتى أكملوها، فلا مانع. ولو اشترك أربعة في الصيد، وفي يوم من الأيام أحد الشركاء مرض، فذهب ثلاثة، فما حصل عليه الثلاثة فالمريض يشاركهم؛ لأنه شريكهم وتخلف بعذر، وإذا طال مرضه وطالبوه أن يقيم مقامه شخصاً آخر وجب عليه ذلك، فإذا جعل معهم رجلاً نيابة عنه فلا مانع. وإذا قال: والله! ما عندي أحد، ولا أملك إلا نفسي، فيقولون: إذاً فسخنا شركتك معنا، وبعد ما كانت الشركة بأربعة صارت بثلاثة.

стр. 2236

شركة المضاربة القسم الثالث: شركة المضاربة: وهذه الآن موجودة بكثرة، وشركة المضاربة مأخوذة من الضرب في الأرض، وهي: أن يكون المال من جانب، والعمل من جانب آخر. مثلاً: شخص يأتي بألف أو عشرة آلاف ريال أو أكثر أو أقل، ويعطيها لشخص متدرب يعرف ويحسن أعمال التجارة، فيقول له: خذ هذه اتجر فيها والربح بيننا، وعلى أي نسبة؟ على ما اتفقا عليه. إن قالوا: للعامل النصف، فيبقى النصف للثاني. وإن قالوا: للعامل الثلث، فيبقى ثلثان للثاني. وإن قالوا: ثلثان للعامل، فيبقى الثلث لصاحب المال. ولماذا على ما اتفقا عليه؟ قد يكون هذا الشخص العامل جيداً، ويمكن أن يفتح الله عليه، ويرزق الله الجميع على يده، ويستفيد صاحب المال وهو جالس في محله. فهذه شركة المضاربة. في شركة العنان الربح بينهما على ما شرطاه، والوضيعة والخسارة بينهما على قدر رأس المال، ما فيها شرط، كل دفع ألف ريال، فالخسارة بالنصف، والربح على ما شرطاه، والربح لا يتبع رأس المال، ولكن يتبع الشرط الذي يتفقون عليه، أما الخسارة فهي تبع لرأس المال، فإذا كان الأول دفع ألف ريال، والثاني دفع خمسة آلاف ريال، واتفقا على أن الربح مناصفة، فإذا حصلت خسارة فهل تكون مناصفة، الخمس وأربعة أخماس؟ تكون حسب رأس المال، فالأول دفع ألف ريال، والثاني دفع خمسة آلاف، فيكون السدس على صاحب الألف، والخمسة أسداس على صاحب الخمسة. ولو أحدهما دفع عشرة آلاف والثاني دفع أربعة آلاف، فيبقى أربعة من عشرة، هذا عليه أربعون في المائة من الخسارة، وهذا عليه ستون في المائة من الخسارة، وأما الربح فبحسب الشرط. وفي شركة المضاربة الربح بينهما على ما شرطاه، والخسارة كلها على صاحب رأس المال، والعامل لا يتحمل من خسارة رأس المال شيئاً، وهذا فيه عدالة، وليس فيه ظلم. فالخسارة كلها على رأس المال، والربح بالاشتراك. ولا يوجد في هذا غبن، إذا كان صاحب رأس المال حصلت عليه خسارة عشرة في المائة بعد سنة، فالعامل خسر جهده سنة كاملة؛ لأنه ليس له أجرة على صاحب رأس المال، إنما علاقته بهذا العمل، وما يحصل من الربح يأخذ منه حصته، وإذا ما حصل شيء من الربح فما له شيء. فإذا وقعت خسارة فالخسارة على صاحب رأس المال، والعامل يكفيه أنه لم يحصل على شيء، فيكونان متعادلين بلا ظلم ولا غبن. وهذه الشركة لها شروط منها: أن يسلم رأس المال، وأن يكون معلوم المقدار، وإذا شرط صاحب المال على العامل نوعاً خاصاً من التجارة فلا يصح، فقد يكون هذا النوع لا يمشي في السوق، بل اترك له الاختيار، لكن إذا نهاه عن نوع معين وجب عليه أن يمتنع، فإذا قال: لا تضع رأس مالي في ذي كبد رطب، فيحرم عليه أن يتاجر في ذلك، وإذا جعله فيه فهو ضامن. والمراد بذي كبد رطب: الحيوان، فلو اشترى ثلاثمائة شاة، وجلبها من المنطقة الشرقية إلى الغربية، وفي نصف الطريق مات نصفها، عطش أو تعب ومات، فمن يضمن هذا؟ هو قال له: لا تحطها في ذي كبد رطب، ثم هو حطها فيها! فتكون تلك الخسارة على العامل، والعامل لا يضمن شيئاً ما لم يتعد، فإذا تعدى في رأس المال أو فرط في حفظه فهو ضامن، وإذا لم يتعد ولم يفرط، وعمل عملاً عادياً، وكانت الخسارة بحسب حركة الأسواق فلا يضمن؛ ولهذا يقول الفقهاء: إن زيادة ونقصان السعر في الأسواق لا عبرة بها شرعاً. فهذا العامل الذي هو أحد الشريكين في المضاربة لا يتحمل من الخسارة شيئاً ما لم يفرط أو يتعدى. وفي نهاية مدة العقد إذا أراد صاحب المال أن يصفي الشركة أو أن يتحاسب ويعرف حصيلته؛ فعلى العامل أن ينضد التجارة، بأن يصفيها نقداً حتى يعرف صاحب المال قدر الربح أو الخسارة، وينبه مالك هنا على ناحية خطيرة جداً، وهي أنه لا يجوز أبداً أن يأتي صاحب رأس المال للعامل ويقول: نحن الآن في آخر السنة فما النتيجة؟ قال: أبشر، فيه خير كثير، والربح عشرون في المائة، فيقول صاحب المال: إذاً: جددنا العقد، فـ مالك يقول: لا يصح هذا أبداً، بل لا بد للعامل أن ينضد التجارة، ويحضر رأس المال والربح، ثم يقول لصاحب رأس المال: هذا الربح بيني وبينك، ثم إن شاءا بعد ذلك جددا عقداً ثانياً أو اقتصرا على ذلك الربح. ولماذا لا يكتفي مالك بقول العامل لصحاب رأس المال: الربح كذا؟ لأنه يخشى أن تكون المسألة بالعكس، والخسارة عشرون في المائة، والعامل يغطي هذا على صاحب رأس المال من أجل أن يجدد عقداً آخر؛ ليعمل ويعوض، فيكون فيه نوع من الربا أو نوع من إكراه العامل على تحمل خسارة موجودة، فلا بد أن يأتي برأس المال، ويخبر صاحب رأس المال بالموجود، فيعلم هل ربحت تجارته أو خسرت، ثم بعد ذلك إن شاء عقد معه مضاربة جديدة، فهذا القسم الثالث هو شركة المضاربة.

стр. 2237

شركة الوجوه الرابع: شركة الوجوه: وهي ليس فيها فلوس، وليس فيها رأس مال، لكن فيها وجاهة، فيها ثقة، فيها شخصية معروفة بالسوق، فيأتي اثنان معروفان لأصحاب الأسواق الذين يبيعون بالجملة، فيقول: تعال -يا أخي- نأخذ أتعابه ونتسبب ونربح، أنا آخذ على وجهي وجاهي عند التجار، وأنت أيضاً تأخذ على وجهك وجاهك عند التجار؛ لأن العملة الصعبة الحقيقية عند التجار هي صدق الكلمة، وما يروج في سوق التجارات عند الناس مثل الصدق والكلمة الصادقة الوفية، فإذا عرف التجار من إنسان الصدق والوفاء، فلو أراد كل ما عندهم لأعطوه، أما اللف والدوران فهي عملة مزيفة، تلف وتدور قليلاً ثم تدوخ وتطيح، ولم يبق لكلمته أي معنى ولو في عشرة ريال، ولو أعطوه شيئاً فهي مجاملة أو صدقة. فإذا كان إنسان صادق الكلمة، وفيّ الوعد، أميناً في المعاملة، فجميع التجار يرغبون في التعامل معه، ولو تأخر عليهم الثمن شيئاً ما فلا مانع، فيأتي رجلان من هذا الصنف إلى التجار ويأخذان بضاعة منهم، ثم يبيعان ما أخذاه بجاههما من التجار، ثم يأخذان مرة أخرى ويبيعانه، وهكذا تسير شراكتهما على الوجاهة، ثم بعد هذا يؤديان الحقوق لأصحابها، ويقتسمان الربح على ما شرطاه، وإذا خسر فبقدر ما جمعه كل واحد منهما، هذا أخذ على جاهه عشرة آلاف، وهذا أخذ على جاهه عشرين ألفاً، فمن أخذ على جاهه شيئاً فهو ضامن له، فتكون الخسارة على قدر ما أخذاه، وكل منهما يسمى مدين بالتضامن، فكلاهما متضامن مع شريكه في تسديد الدين، فلو علم أصحاب السوق أنهما شريكان يأخذان على جاههما، ولحقهما دين؛ فلأصحاب السوق أن يطالبوا من شاءوا منهما؛ لأنهما مشتركين، فهذا شركة الوجوه.

стр. 2238

شركة التفويض القسم الخامس: شركة التفويض: ويمكن الكثير يعملها، يأتي إنسان صاحب مال لزميله أو جاره صاحب مال يقول له: يا فلان! نحن شركاء فيما عندنا، فوضتك في مالي، وفوضتني في مالك، فكل منهما يبيع ويشتري في ماله بالأصالة، وفي مال شريكه بالوكالة، وبدون تحديد: كم عندك؟ وكم عندي؟ وبعض العلماء يمنع هذه الشركة ويقول: فيها ضرر، وقد يكون المال الموجود معلوماً لدى الطرفين، والبعض يقول: تجوز ما لم يدخلا فيها كسباً نادراً أو غرامة نادرة، والكسب النادر مثل الميراث، فالأول يعلم أن عنده في دكانه بضاعة مثلاً بخمسة آلاف ريال سواء اتحدت البضاعة أو اختلفت، والثاني عنده بضاعة بعشرة آلاف، وتفاوضا مفاوضة مطلقة في كل ما يملكان، فإذا ورث أحدهما مالاً في أثناء الشراكة، فهل يدخل الميراث في هذه؟ لا، وإن دخل فيها أبطلها؛ لأن التعاقد كان على الموجود المعتاد، ولو أن أحدهما صارت عليه غرامة، وقعت حادثة ولزمته غرامة، فما دامت شركة مفاوضة فإنه يأخذ من ماله ومن مال شريكه، والشريك ما كان متوقعاً مثل هذه الغرامات النادرة فتبطل بهذا. هذه أنواع الشراكات الخمسة، وكتب الفقه فصلتها على حسب موضوع الكتاب وسعته واختصاره، فقد تجد كتاباً من مراجع الحنابلة (كالروض المربع) مثلاً يجملها كلها في ورقتين، وتجد (المغني) مثلاً يفصلها في خمسين أو ستين صفحة، وتجد (المجموع) أيضاً توسع في جزئياتها واحتمالاتها، وذكر لها تفريعات على أصولها. ونحن بعد هذه المقدمة لأنواع الشركات نرجع إلى الأحاديث التي في الباب، ونأخذ مدلولها وما ينطبق منها على تلك الشركات الخمسة، فما انطبق عليها فالحمد لله، وما لم ينطبق عليها فنرجع إليها في كتب الفقه. ومهما يكن من شيء، فلا يمكن أبداً أن نفقه موضوع الشركات من كتب الحديث، ولا حتى من (فتح الباري) ولا غيره، إنما يفهم ذلك من كتب الفقه والتفريع، لأنها تخرج الجزئيات على الكليات، والفروع على القواعد، وتذكر الأمثلة الكثيرة، فرحمة الله على الفقهاء.

стр. 2239

شرح حديث: (أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه ... ) قال المصنف ﵀: [عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (قال الله تعالى: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خان خرجت من بينهما) رواه أبو داود وصححه الحاكم] . هذا الحديث صدر المؤلف ﵀ به الباب، لا لنوع من أنواع الشركات الخمسة، وإنما لإطار الشركات كلها، ففيه حث للشركاء على الأمانة والصدق، وتحذير لهم من الخيانة والكذب، يقول المولى سبحانه: (أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خان أحدهما صاحبه خرجت من بينهما) ، فالله لا يكون مع الخائن.

стр. 2240

معية الله ربما يتطلع الكثير إلى معنى: ثالث الشريكين وأقول: أرح نفسك، فهذا من مواطن العقيدة، ومواطن العقيدة ليست قواعد فقهية وإنما هي مبادئ اعتقاديه، وقد قال : ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ﴾ [المجادلة:٧] ، وقال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] ، وقال: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] ، وقال: ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢] ، وهذه المعيات حيرت علماء العقيدة، وحيرت حتى السلفيين؛ لأن السلف يقولون: نحن لا نئول آيات الصفات، مثل: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] ، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ، وكما قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ﴾ [الفجر:٢٢] ، ونقول كما قال الله، ونقول: هي على مراد الله، لكن المعية أولوها وقالوا: المراد بالمعية: معية علم ونصرة وتأييد كما قال تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾ [طه:٤٦] . ويتعين على طالب العلم أن يتضلع من علوم العربية، كما أنه يذهب إلى مكة ويتضلع من زمزم. وينبغي أن يعلم أحكام علم الوصل والفصل، ومجيء الجمل متتالية، فإن كانت الجملة الثانية معطوفة بالواو فهي بعيدة عنها مغايرة لها، وإن كانت بدون عطف الواو فهي عينها أو جزء منها أو مفسرة لها، فقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] لم يقل بعدها: (وصراط الذين) ، بل قال: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧] ، فيكون الصراط المستقيم هو ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧] . وكذا قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢] ، لم يقل بعدها: (والذين يؤمنون) ، بل قال: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٣] ، فيكون الذين يؤمنون بالغيب هم عين المتقين. وكذلك هنا لم يقل: إنني معكما وأسمع وأرى، بل قال: ﴿مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] ، فيكون قوله: (أسمع وأرى) تفسير لقوله: (معكما) ، كما أن ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٣] تفسير (للمتقين) . وهكذا علم البلاغة يكشف لنا كثيراً من الغوامض في كتاب الله، ولما سئل أحمد بن حنبل ﵀ عن قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى﴾ [المجادلة:٧] ما معناه؟ وكيف يكون؟ قال: اقرأ ما قبلها وما بعدها: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة:٧] ، قال: بدأها بالعلم، وختمها بالعلم، فيكون المعنى: معهم بعلمه، وليس هذا من باب التأويل، وصرف الصفة عن معناها، ولكنه تحقيقها وتنزيلها على ما جاء به كتاب الله؛ لأن الله جعله قرآناً عربياً. (أنا ثالث الشريكين) ، لا تتعب نفسك وتقول: كيف يكون ثالثهم؟ وهناك شريكان آخران فكيف يكون ثالثهم؟ وهناك شريكان أيضاً فكيف يكون هو ثالثهم؟ العلماء يقولون: (أنا ثالث الشريكين) بمعنى: من كان الله شريكه فإنه ولابد يربح، فالمعنى: وفقهما، وبارك لهما، وأربحهما في تجارتهما، والذين يخرج من بينهم رب العالمين سيكلهم لأنفسهم ويخسرون، فهذا هو المعنى الكلي، ولا تجهد نفسك في مسائل العقائد، ولا تحاول أن تتعمق فيها، ولن تحصل على شيء. إذاً: الشركة يكون مبناها على الأمانة، وكما أسلفت أن العملة الصعبة في العالم كله في عالم التجارة هي الكلمة الصادقة، والوعد الوفي، والأمانة، فإذا وجدت هذه الثلاثة في إنسان أياً كان ولو لم يملك إلا درهماً واحداً فهو يملك السوق كله، وإذا فقدت هذه الصفات ولو كان رصيده الملايين أو المليارات فإنه لا يثق التجار بكلماته. إذاً: هذا حث على صدق التجارة والأمانة والوفاء، وقد ذكرت لكم قضية الحديد المستورد من إيطاليا لرجل من جدة، هذا وهم كفار، ونحن أحق بهذا الوفاء منهم، وهم لم يفعلوا ذلك ديانة، ورجاء مثوبة عند الله بل من أجل الربح؛ لأن من يسمع عنهم بمثل هذا لن يستعيض عنهم أحداً أبداً، ويكون دائماً يتعامل معهم.

стр. 2241

شرح حديث السائب (أنه كان شريك النبي قبل البعثة ... ) قال ﵀: [وعن السائب المخزومي ﵁: (أنه كان شريك النبي ﷺ قبل البعثة، فجاء يوم الفتح فقال: مرحباً بأخي وشريكي) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة] . السائب كان شريكاً للرسول قبل البعثة، وجاءه في عام الفتح فقال: (مرحباً بشريكي، ما كنت تماريني ولا تداريني) . نشرح هذا الحديث على الهدوء وعلى الراحة، وننظر إليه بمناظير بعيدة: (مرحباً بأخي وشريكي) كان شريكه في الجاهلية، فأول فائدة من هذا الحديث أن الرسول اشتغل بالتجارة، وقد اشتغل أيضاً برعي الغنم. يقولون: النماء الاجتماعي يكون إما بالصناعة أو بالزراعة، فما جاء عن نبينا ﷺ إنه اشتغل بالزراعة، فمكة أرض غير زراعية؛ ولهذا لما جاء المدينة، ورآهم يوءبرون النخل، أشار عليهم أنهم لو تركوه فلعله يثمر فتركوه فصار كله شيص! ً، فهو ما جرب زراعة، وهذه أمور دنيوية؛ ولذا قال: (أنتم أعلم بأمر دنياكم مني) . ورعي الغنم نوع من التنمية، وفيها حكمة، فالغنم حية، وهل كلها تمشي على وتيرة واحدة مثل جهاز ميكانيكي؟ لا، بل واحدة تمشي يمين وواحدة يسار وواحدة تفر واثنتان تتناطحان، فهي أمة، ومن أحسن وأتقن سياسة الغنم فيمكن أن يحسن سياسة بني آدم، فرعي الغنم تدريب له، ويعود على الرفق والحرص على المصلحة، فإنه يبحث لها عن المرعى الخصب، ويحرص على مواعيد سقيها، ويهشها بعصا صغيرة جداً، ثم إذا ولدت وأنتجت الغنم أخذ ولدها بين يديه، وهذا بخلاف رعاة الإبل فما يسوقها إلا بعصا كبيرة، وترى الجمل رافع رأسه فوق، ولازم يرفع رأسه إلى أعلى؛ ولهذا فأهل الإبل هم أهل الكبر والخيلاء، وأهل الغنم هم أهل الوديعة والسكينة، فراعي الغنم يعلم بسياسة الإدارة للأمة، ويحرص على الجماعة، ويكتسب الرفق والرحمة، ويسعى لمصلحة الضعيف، وكل ذلك كان عند رسول الله، فهو مكتمل الأخلاف ﵊. وأهم شيء في التجارةصدق الكلمة، والوفاء بالعهد، والأمانة، وكل ذلك ظهر منه ﷺ ، ولما سافر في تجارة لـ خديجة مع ميسرة، أكرمه الله بالربح الوفير، فكان ماهراً في التجارة. وأقول: ينبغي لطالب العلم أن يكون ذا مهنة، وأن يكون ذا اتجاه منتج، إن كان عنده رأس مال فبتجارة، وإن لم يكن فبرعي غنم، وإن لم يتأت له الذهاب إلى البوادي، وصعب عليه ذلك، وبقي في المدن فينبغي أن يكون عنده صنعة، ويكون عنده طريق للرزق، ونعلم أن كثيراً من العلماء كان يتعاطى التكسب، فـ أبو حنيفة كان يتعاطى التجارة، وغيره أيضاً، وعندما يكون عند طالب العلم جانب إنتاج واستثمار؛ فإنه يكون عوناً له على القيام بنفسه، وليس بلازم أن يكون من كبار التجار، ولكن بقدر ما يكفيه، وما يسد حاجته، ونحن نعلم أن كثيراً من طلبة العلم الكبار كان يبيت طاوياً ما عنده شيء، ولكن كانوا أصحاب عفة. إذاً: الرسول ﷺ عمل في التجارة قبل البعثة، وهي من عادة قومه، وجاراهم في ذلك، وكما يقولون: البركة مائة جزء، تسعة وتسعون منها في التجارة، وواحد في بقية الأعمال. ويهمنا أن النبي ﷺ قبل البعثة كان كفرد من أفراد المجتمع في أمور حياتهم، وإن كان متميزاً بذاته وصفاته؛ لأنهم لما اختلفوا في وضع الحجر الأسود، وكادوا يقتتلون، اتفقوا على أول من يخرج عليهم، فكان الخارج عليهم محمد بن عبد الله ﷺ قبل البعثة بخمس سنوات، فكلهم قال بلسان واحد: الأمين ارتضيناه، الأمين ارتضيناه، فكان متميزاً بالأمانة والإصلاح ومكارم الأخلاق. زيد بن حارثة خطف من قومه، وبيع في مكة، ووصل إلى خديجة رضي الله تعالى عنها، فوهبته لرسول الله ليخدمه، وكان أبوه يبحث عنه في القبائل، حتى قيل له: إنه في مكة عند بني هاشم، فقدم مكة ووصل إلى الرسول قبل البعثة، وقال له: إن ابني عندك، وقد جئتك بالفداء، وجاء عمه مع أبيه، وقال: ما أحببت من الفداء نعطيك، فقال: (أوغير ذلك؟ قال: وما هو؟ قال: أخيره بيني وبينك، فإن اختارني فما أنا بمفادي من يختارني، وإن اختارك فهو لك بدون فداء، قال: والله! أنصفتني، فدعاه، فقال: نعم، هذا أبي وهذا عمي، قال: اسمع منهما، فسمع منهما، فقال: والله -يا محمد- لا أختار عليك أحداً أبداً! فأبوه قال: ويحك يا زيد! أتختار العبودية والرق على الحرية؟! وتختار الغريب الأجنبي على أبيك وعمك؟ قال: نعم، والله! مدة ما صحبته ما قال لي لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: لم لم تفعله؟) يعني: وجد عند رسول الله ما لم يجده عند أبيه، فالرسول أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وكذلك كان قبل الرسالة أولى وأرأف بالشخص من أبويه، صلوات الله وسلامه عليه. والشاهد من هذا الحديث: (مرحباً بأخي وشريكي) كلمة: (شريكي) ، إذاً: الشراكة أو الشركة كانت معاملة موجودة عند العرب قبل أن يأتي الإسلام، وجاء الإسلام وأقرها، والإسلام جاء فوجد أموراً عديدة، منها ما ألغاها كالربا ومهر البغي. إلى أخره، ومنها ما أقره، وأنواع من الأنكحة ألغاها وأنواع من الأنكحة أقرها، فالإسلام أصلح أوضاع المجتمع. إذاً: هذا الحديث ساقه المؤلف تحت باب (الشركة) ليبين أن الشركة كانت موجودة قبل الإسلام، وجاء الإسلام وأقرها، ويجمعون على أنها من العقود الجائزة، والله أعلم.

стр. 2242

شرح أثر ابن مسعود: (اشتركت أنا وعمار وسعد فيما نصيب يوم بدر) قال المصنف ﵀: [وعن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: (اشتركت أنا وعمار وسعد فيما نصيب يوم بدر) الحديث رواه النسائي] . يسوق المؤلف ﵀ هذا الحديث من أجل قوله: (اشتركت) ، إذاً: كما أنه ﷺ كان له شريك قبل البعثة، فكذلك استمرت الشراكة في الإسلام؛ لأن شراكة الرسول ﷺ مع السائب كانت قبل البعثة، والإسلام أقرها، فيأتي المؤلف بهذا الحديث: (اشتركت أنا وسعد وعمار) ، ولم يتم الحديث؛ لأنه ما له غرض في تمام الحديث، والمطلوب من إيراد هذا الحديث إثبات الشراكة بعد الإسلام في بدر. إذاً: الشراكة كانت موجودة قبل البعثة، وأقرها الإسلام، والشراكة استمرت بعد مجيء الإسلام وأقرها رسول الله ﷺ . قال: (اشتركت أنا وسعد وعمار يوم بدر) ، هل كان في يوم بدر بيع وشراء أو كان فيه قتال؟ كان فيه قتال، وجميع البدريين الذين اشتركوا في المعركة ثلاثمائة وأربعة عشر، ولكن اشترك هؤلاء الثلاثة فيما يحصلون عليه من الغنائم، وما ينتابهم من الفائدة، فصار الثلاثة شركاء فيما يأتي به واحد منهم، وما أتى به اثنان يرجع للثلاثة، فأصبحوا هم الثلاثة كشخص واحد، قال: فأتى سعد بأسيرين، ولم آت أنا وعمار بشيء، فهم ثلاثة اشتركوا، فواحد أتى بأسيرين، واثنان من الشركاء ما أتوا بشيء، فماذا كانت النتيجة؟ النتيجة: أن الثلاثة صاروا شركاء في الأسيرين؛ لأن في المرة الثانية قد يأتي الآخر بثلاثة أسرى، وفي المرة الثالثة يأتي آخر بأربعة أو خمسة أسرى، فما دام تم عقد الشراكة بينهم، فما يأتي من أحدهم فهو شركة بين مجموعهم، سواء كان قليلاً أو كثيراً. وهل اشتراك هؤلاء الثلاثة فيها رأس مال؟ ليس فيها، وتقدم معنا أنواع الشراكة الخمسة، وهذ هي شراكة الأبدان، وهذا يسوقه المؤلف هنا ليبين الدليل على صحة شراكة الأبدان؛ لأن الشافعي ﵀ يمنعها، ويقول: هؤلاء أشخاص يعملون بأبدانهم، فمن عمل شيئاً فلنفسه هو، ولماذا يشاركه غيره في عمله؟ هو اكتسب وبذل جهداً فلماذا يعطيهم من غير مقابل؟ ولماذا يأخذون ماله بغير حق؟ فـ الشافعي ﵀ غلب جانب العمومات، ولكن لا اجتهاد مع النص، وهذا يسميه الأصوليون: فساد الاعتبار، فهنا ثلاثة من أصحاب رسول الله ﷺ ، وفي هذا اليوم الأغر يشتركون شراكة أبدان، وسبحان الله ما جاء كل واحد بأسير حتى نقول: كانوا متساويين، بل أحدهم أتى بأسيرين، والآخران ما أتوا بشيء، ونحن قدمنا في شركة الأبدان عن الفقهاء أنه لو أن أحد الشركاء قصر في العمل، وغاب عن المشاركة معهم بعذر، فله نصيبه فيما اكتسبه الآخرون، فإن الشركاء رضوا بغيابه، فإذا لم يرضوا وطلبوا منه إقامة بديل عنه وجب عليه أن يأتي ببديل مكانه، فإذا لم يأت ببديل ولم يرضوا بغيابه فلهم أن يفسخوا شراكته معهم، ويخرج من الشراكة، وليس في هذا مضرة على أحد.

стр. 2243

شرح حديث: (أتيت وكيلي بخيبر ... ) قال المصنف: [وعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: (أردت الخروج إلى خيبر، فأتيت النبي ﷺ ، فقال: إذا أتيت وكيلي بخيبر فخذ منه خمسة عشر وسقاً) رواه أبو داود وصححه] . هذا الحديث في موضوع الوكالة، وموضوع الوكالة من ضروريات الأخذ والعطاء والحركة؛ لأن كثيراً من الناس تكون له الحاجة والمصلحة التي لا يستطيع أن يؤديها، أو لا يتأتى له أن يدخل فيها، مثل إنسان له حقوق عند بعض الناس، ولا يمكن تخليصها إلا عن طريق السلطة والمحاكمة، وبعض الناس يكون بمكانة من المروءة أو من السلوك ولا يحب أن يجلس في مجلس القضاء، ولا أن يناقشه خصمه، وقد يكون دونه، وقد يتجرأ عليه بكلمة، فهو يعفي نفسه من هذه المقابلات، ويوكل شخصاً عنه في المحاكمة. أو إنسان مقيم في بلد، وله مصالح وحقوق في بلد أخرى، ولا يستطيع أن يواصل ويباشر طلبها بنفسه، لبعد المشقة أو لاختلاف الوضع أو أو إلى أخره، فماذا يفعل؟ هل يضيع حقه؟ لا، يقيم وكيلاً عنه يتولى ذلك. إذاً: الوكالة تقتضيها حياة الناس، وقد تكون امرأة ما تحسن الكلام، قال الله: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:١٨] ، وتوجهت عليها دعوى، ولا تستطيع أن تدافع عن نفسها أمام أخيها أو أمام عمها أو غيرهما، فماذا تفعل؟ هل تذهب عند القاضي تبكي؟ البكاء ما يعبر عن الحق، والقاضي ما تستميله العواطف، والقاضي لا يحكم بعلمه: (إنكم تختصمون إلي، وأنا بشر، فلعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من الآخر؛ فأقضي له على نحو ما أسمع) ، إذاً: هذه محتاجة إلى أن تقيم وكيلاً عنها، ويكون مستوعباً لقضيتها مع خصمها، ويقف أمامه موقف الند للند. إذاً: الوكالة أمر تقتضية الحياة، وضرورة التعامل مع الناس سواء كان بالاختيار أو بالاضطرار، وكما يقولون: الوكيل كالأصيل، والوكيل على قسمين: وكيل مستقل، ووكيل مطلق. ويذكر الفقهاء من شروط الوكالة وحقوق الوكيل مع الأصيل أن الوكيل يحكي الأصيل فيما ينقله عنه، وفيما يوصله إلى القاضي. وهل للوكيل أن يوكل غيره؟ وهل للوكيل إذا وكل في عمل أن ينيب غيره فيه؟ كل هذه الجزئيات تبحث في كتب الفقه. واتفقوا على أنه إذا وكل في أمر، ولم يعط حق توكيل الغير؛ فلا يحق له ذلك، ويجب أن يباشر ذلك بنفسه، ويجب أن يباشر العمل الذي وكل فيه إلا إذا اقتضى الأمر عملاً لا يليق بمثله، كما لو كان وكيلاً في بيع وشراء في متجر، فإنه يباشر فتح المحل، ويباشر عرض المتاع الموجود، ويباشر معاملة الزبائن بكيل أو بوزن أو بذرع أو بمثل ذلك، وهو مسئول عن هذه الأعمال بنفسه، لكن إذا كانت هناك نوعيات في المستودع لمصلحة هذا المحل، ولا يمكن أن يحملها إلا حمال مختص، ولا يمكن نقلها من المستودع إلى المحل إلا بآلة، فهل نقول له: احملها على ظهرك كالحمال؟! لا، لأنه لا يليق به، فله أن يستأجر من يؤدي هذا العمل، ولو أن المحل احتاج إلى إصلاح: ترميم البناء أو الأرض أو السقف، ومثله لا يفعل هذا، فيأتي بمن يفعل هذا على حساب موكله؛ لأنه يعمل ما فيه المصلحة، والوكالة باب واسع تتناوله كتب الفروع، ويلزم على طالب العلم أن يرجع فيها إلى تلك المراجع. وفي هذا الحديث أن جابر بن عبد الله الصحابي الجليل، توجه إلى خيبر لمصلحته أو أرسله الرسول ﷺ لحاجة، وبمناسبة ذهابه كلفه رسول الله ﷺ بمهمة عند وكيل رسول الله في خيبر، فقال: (إذا أتيت وكيلي في خيبر فخذ منه خمسة عشر وسقاً) ، وهذا محل الشاهد: (إذا أتيت وكيلي في خيبر) ، يعني: أن الرسول ﷺ كان له وكيل سواء كان في خيبر أو في الطائف أو في أي مكان.

стр. 2244

مشروعية جعل علامة بين السلطان ووكيله هل الوكيل الذي في خيبر يعلم أن رسول الله أرسل جابراً ليأخذ منه هذه الأوسق؟ هل عنده خبر؟ ما عنده خبر، والرسول لم يسبق أن أرسل إليه: سأرسل إليك جابراً، ولكن في بعض الروايات أنه قال لـ جابر: (فإذا طلب منك أمارة فأمسك ترقوته) ، والترقوة: العظم المحيط بالعنق، يعني: إذا كلمته فأمسكه في ترقوته، وهذه هي الشفرة، أي: كلمة السر والعلامة حتى يصدقك بأنك وكيل من عندي، ولا أحد يعرف أن هذا بيني وبينك، وما يعرفها إلا أنا، فإذا أبنتها فهي العلامة، وهي أصدق من البرقية، فالبرقية يمكن أن تزور، وهذا نوع من المعاملات مما كان عليه رسول الله ﷺ في معاملته مع الناس، فكان يتعامل معهم كغيره من البشر، ما قال له: سيأتيك جبريل ويقول له: كذا، لا؛ لأن التعامل مع الناس يحتاج إلى منهج بشري يستطيع كل إنسان أن يطبقه، كما قال: (إنكم تختصمون إلي، وأنا بشر أقضي على نحو ما أسمع) ، هذا وهو رسول الله ﷺ يأتيه الوحي في أبسط الأشياء، جاءه الوحي بأن يخلع نعليه؛ لأن فيهما أذى، فخلع نعليه في الصلاة بعد التكبير، فلماذا في القضاء لم يأته جبريل ويقول له: الحق مع هذا والباطل عند هذا؟ يذكرون في تاريخ القضاء -والله أعلم- يذكره صاحب معين الحكام أنه كان في زمن نبي الله داود؛ إذا أرادوا أن يحتكموا، كانت سلسلة معلقة في سقف المجلس، فإذا تقدم المدعي قال: مد يدك إلى السلسلة، فإن كان محقاً تدلت السلسلة حتى يمسكها بيده، وإن كان مبطلاً بعدت عنه، وإذا أنكر المدعى عليه، قال: مد يدك، فإن نالها عرفنا أنه صادق، وإذا لم ينلها عرفنا أنه كاذب، ويقولون: جاء رجل وادعى على رجل أنه ائتمنه أمانة، ثم طلبها منه فجحدها، فلما علم الخصم أنه تقدم إلى نبي الله داود، وأن السلسلة ستفضحه احتال، فأخذ الأمانة وهي دنانير، فنقر عصاه، ونزل فيها الدنانير حتى ملأها وكبسها، وجاء يتوكأ عليها، فتقدم المدعي الذي له ألف الدينار فطولت السلسلة، فمد يده فأمسك السلسلة، فأنكر المدعى عليه، وقال: أبداً ما له عندي شيء، فقال: أمسك السلسلة، فقال لخصمة: امسك العصا حتى أمسك السلسلة، وفي هذه اللحظة كان حق المدعي عنده، وليس عند المدعى عليه، فمد يده فأمسك السلسلة، وما يمكن أن الاثنين يكونان صادقين، كما جاء في حديث اللعان: (الله يعلم أن أحدكما كاذب) ، فلا يمكن الإثبات والنفي في وقت واحد، فأبطل السلسلة عندما وجد تحايل عليها، وفي الحديث: (البينة على المدعي، واليمين على من أنكر) . وهذا من باب الشيء بالشيء يذكر، فالرسول ﷺ كان يتعامل مع عامة الناس كفرد من الأفراد؛ لأن هذا منهج التعامل مع البشر، ولو أنه كان يعاملهم على منهج الرسالة والوحي، فكيف يفعل من بعده؟ فمثلاً في القضاء قال: (أقضي على نحو ما أسمع) ، فلو جاءه جبريل وقال له: هذا محق، وهذا مبطل، وبعده من سيأتي للقضاة؟ لن يأتيهم جبريل، لكن عندهم ما هو في طاقة البشر، القضاء على نحو ما يسمع، وهناك أيضاً فراسة القاضي أو إلهام ونور من الله للقاضي يساعده به على الحكم. إذاً: كان النبي ﵊ له وكيل، والوكيل كان ينوب عنه، وكان بينه وبين الوكيل مثلما يكون بين الموكل ووكيله في العالم كله، من علامات أو أمارات. إلى آخره.

стр. 2245

كتاب البيوع - باب الشركة والوكالة [٢] الشريعة الإسلامية مبنية على التيسير، والحرج منفي عنها، ومن الأحكام الفقهية التي شرعت للتسهيل على العباد الوكالة، ولها صور كثيرة منها: الوكالة في البيع والشراء، والوكالة في جمع الزكاة، والوكالة في ذبح الأضاحي والبدن، والوكالة في إقامة الحدود، وغير ذلك.
следующие страницы →