Полный текст (2 523 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.
стр. 2241
شرح حديث السائب (أنه كان شريك النبي قبل البعثة ... )
قال ﵀: [وعن السائب المخزومي ﵁: (أنه كان شريك النبي ﷺ قبل البعثة، فجاء يوم الفتح فقال: مرحباً بأخي وشريكي) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة] .
السائب كان شريكاً للرسول قبل البعثة، وجاءه في عام الفتح فقال: (مرحباً بشريكي، ما كنت تماريني ولا تداريني) .
نشرح هذا الحديث على الهدوء وعلى الراحة، وننظر إليه بمناظير بعيدة: (مرحباً بأخي وشريكي) كان شريكه في الجاهلية، فأول فائدة من هذا الحديث أن الرسول اشتغل بالتجارة، وقد اشتغل أيضاً برعي الغنم.
يقولون: النماء الاجتماعي يكون إما بالصناعة أو بالزراعة، فما جاء عن نبينا ﷺ إنه اشتغل بالزراعة، فمكة أرض غير زراعية؛ ولهذا لما جاء المدينة، ورآهم يوءبرون النخل، أشار عليهم أنهم لو تركوه فلعله يثمر فتركوه فصار كله شيص! ً، فهو ما جرب زراعة، وهذه أمور دنيوية؛ ولذا قال: (أنتم أعلم بأمر دنياكم مني) .
ورعي الغنم نوع من التنمية، وفيها حكمة، فالغنم حية، وهل كلها تمشي على وتيرة واحدة مثل جهاز ميكانيكي؟ لا، بل واحدة تمشي يمين وواحدة يسار وواحدة تفر واثنتان تتناطحان، فهي أمة، ومن أحسن وأتقن سياسة الغنم فيمكن أن يحسن سياسة بني آدم، فرعي الغنم تدريب له، ويعود على الرفق والحرص على المصلحة، فإنه يبحث لها عن المرعى الخصب، ويحرص على مواعيد سقيها، ويهشها بعصا صغيرة جداً، ثم إذا ولدت وأنتجت الغنم أخذ ولدها بين يديه، وهذا بخلاف رعاة الإبل فما يسوقها إلا بعصا كبيرة، وترى الجمل رافع رأسه فوق، ولازم يرفع رأسه إلى أعلى؛ ولهذا فأهل الإبل هم أهل الكبر والخيلاء، وأهل الغنم هم أهل الوديعة والسكينة، فراعي الغنم يعلم بسياسة الإدارة للأمة، ويحرص على الجماعة، ويكتسب الرفق والرحمة، ويسعى لمصلحة الضعيف، وكل ذلك كان عند رسول الله، فهو مكتمل الأخلاف ﵊.
وأهم شيء في التجارةصدق الكلمة، والوفاء بالعهد، والأمانة، وكل ذلك ظهر منه ﷺ ، ولما سافر في تجارة لـ خديجة مع ميسرة، أكرمه الله بالربح الوفير، فكان ماهراً في التجارة.
وأقول: ينبغي لطالب العلم أن يكون ذا مهنة، وأن يكون ذا اتجاه منتج، إن كان عنده رأس مال فبتجارة، وإن لم يكن فبرعي غنم، وإن لم يتأت له الذهاب إلى البوادي، وصعب عليه ذلك، وبقي في المدن فينبغي أن يكون عنده صنعة، ويكون عنده طريق للرزق، ونعلم أن كثيراً من العلماء كان يتعاطى التكسب، فـ أبو حنيفة كان يتعاطى التجارة، وغيره أيضاً، وعندما يكون عند طالب العلم جانب إنتاج واستثمار؛ فإنه يكون عوناً له على القيام بنفسه، وليس بلازم أن يكون من كبار التجار، ولكن بقدر ما يكفيه، وما يسد حاجته، ونحن نعلم أن كثيراً من طلبة العلم الكبار كان يبيت طاوياً ما عنده شيء، ولكن كانوا أصحاب عفة.
إذاً: الرسول ﷺ عمل في التجارة قبل البعثة، وهي من عادة قومه، وجاراهم في ذلك، وكما يقولون: البركة مائة جزء، تسعة وتسعون منها في التجارة، وواحد في بقية الأعمال.
ويهمنا أن النبي ﷺ قبل البعثة كان كفرد من أفراد المجتمع في أمور حياتهم، وإن كان متميزاً بذاته وصفاته؛ لأنهم لما اختلفوا في وضع الحجر الأسود، وكادوا يقتتلون، اتفقوا على أول من يخرج عليهم، فكان الخارج عليهم محمد بن عبد الله ﷺ قبل البعثة بخمس سنوات، فكلهم قال بلسان واحد: الأمين ارتضيناه، الأمين ارتضيناه، فكان متميزاً بالأمانة والإصلاح ومكارم الأخلاق.
زيد بن حارثة خطف من قومه، وبيع في مكة، ووصل إلى خديجة رضي الله تعالى عنها، فوهبته لرسول الله ليخدمه، وكان أبوه يبحث عنه في القبائل، حتى قيل له: إنه في مكة عند بني هاشم، فقدم مكة ووصل إلى الرسول قبل البعثة، وقال له: إن ابني عندك، وقد جئتك بالفداء، وجاء عمه مع أبيه، وقال: ما أحببت من الفداء نعطيك، فقال: (أوغير ذلك؟ قال: وما هو؟ قال: أخيره بيني وبينك، فإن اختارني فما أنا بمفادي من يختارني، وإن اختارك فهو لك بدون فداء، قال: والله! أنصفتني، فدعاه، فقال: نعم، هذا أبي وهذا عمي، قال: اسمع منهما، فسمع منهما، فقال: والله -يا محمد- لا أختار عليك أحداً أبداً! فأبوه قال: ويحك يا زيد! أتختار العبودية والرق على الحرية؟! وتختار الغريب الأجنبي على أبيك وعمك؟ قال: نعم، والله! مدة ما صحبته ما قال لي لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: لم لم تفعله؟) يعني: وجد عند رسول الله ما لم يجده عند أبيه، فالرسول أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وكذلك كان قبل الرسالة أولى وأرأف بالشخص من أبويه، صلوات الله وسلامه عليه.
والشاهد من هذا الحديث: (مرحباً بأخي وشريكي) كلمة: (شريكي) ، إذاً: الشراكة أو الشركة كانت معاملة موجودة عند العرب قبل أن يأتي الإسلام، وجاء الإسلام وأقرها، والإسلام جاء فوجد أموراً عديدة، منها ما ألغاها كالربا ومهر البغي.
إلى أخره، ومنها ما أقره، وأنواع من الأنكحة ألغاها وأنواع من الأنكحة أقرها، فالإسلام أصلح أوضاع المجتمع.
إذاً: هذا الحديث ساقه المؤلف تحت باب (الشركة) ليبين أن الشركة كانت موجودة قبل الإسلام، وجاء الإسلام وأقرها، ويجمعون على أنها من العقود الجائزة، والله أعلم.
стр. 2242
شرح أثر ابن مسعود: (اشتركت أنا وعمار وسعد فيما نصيب يوم بدر)
قال المصنف ﵀: [وعن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: (اشتركت أنا وعمار وسعد فيما نصيب يوم بدر) الحديث رواه النسائي] .
يسوق المؤلف ﵀ هذا الحديث من أجل قوله: (اشتركت) ، إذاً: كما أنه ﷺ كان له شريك قبل البعثة، فكذلك استمرت الشراكة في الإسلام؛ لأن شراكة الرسول ﷺ مع السائب كانت قبل البعثة، والإسلام أقرها، فيأتي المؤلف بهذا الحديث: (اشتركت أنا وسعد وعمار) ، ولم يتم الحديث؛ لأنه ما له غرض في تمام الحديث، والمطلوب من إيراد هذا الحديث إثبات الشراكة بعد الإسلام في بدر.
إذاً: الشراكة كانت موجودة قبل البعثة، وأقرها الإسلام، والشراكة استمرت بعد مجيء الإسلام وأقرها رسول الله ﷺ .
قال: (اشتركت أنا وسعد وعمار يوم بدر) ، هل كان في يوم بدر بيع وشراء أو كان فيه قتال؟ كان فيه قتال، وجميع البدريين الذين اشتركوا في المعركة ثلاثمائة وأربعة عشر، ولكن اشترك هؤلاء الثلاثة فيما يحصلون عليه من الغنائم، وما ينتابهم من الفائدة، فصار الثلاثة شركاء فيما يأتي به واحد منهم، وما أتى به اثنان يرجع للثلاثة، فأصبحوا هم الثلاثة كشخص واحد، قال: فأتى سعد بأسيرين، ولم آت أنا وعمار بشيء، فهم ثلاثة اشتركوا، فواحد أتى بأسيرين، واثنان من الشركاء ما أتوا بشيء، فماذا كانت النتيجة؟ النتيجة: أن الثلاثة صاروا شركاء في الأسيرين؛ لأن في المرة الثانية قد يأتي الآخر بثلاثة أسرى، وفي المرة الثالثة يأتي آخر بأربعة أو خمسة أسرى، فما دام تم عقد الشراكة بينهم، فما يأتي من أحدهم فهو شركة بين مجموعهم، سواء كان قليلاً أو كثيراً.
وهل اشتراك هؤلاء الثلاثة فيها رأس مال؟ ليس فيها، وتقدم معنا أنواع الشراكة الخمسة، وهذ هي شراكة الأبدان، وهذا يسوقه المؤلف هنا ليبين الدليل على صحة شراكة الأبدان؛ لأن الشافعي ﵀ يمنعها، ويقول: هؤلاء أشخاص يعملون بأبدانهم، فمن عمل شيئاً فلنفسه هو، ولماذا يشاركه غيره في عمله؟ هو اكتسب وبذل جهداً فلماذا يعطيهم من غير مقابل؟ ولماذا يأخذون ماله بغير حق؟ فـ الشافعي ﵀ غلب جانب العمومات، ولكن لا اجتهاد مع النص، وهذا يسميه الأصوليون: فساد الاعتبار، فهنا ثلاثة من أصحاب رسول الله ﷺ ، وفي هذا اليوم الأغر يشتركون شراكة أبدان، وسبحان الله ما جاء كل واحد بأسير حتى نقول: كانوا متساويين، بل أحدهم أتى بأسيرين، والآخران ما أتوا بشيء، ونحن قدمنا في شركة الأبدان عن الفقهاء أنه لو أن أحد الشركاء قصر في العمل، وغاب عن المشاركة معهم بعذر، فله نصيبه فيما اكتسبه الآخرون، فإن الشركاء رضوا بغيابه، فإذا لم يرضوا وطلبوا منه إقامة بديل عنه وجب عليه أن يأتي ببديل مكانه، فإذا لم يأت ببديل ولم يرضوا بغيابه فلهم أن يفسخوا شراكته معهم، ويخرج من الشراكة، وليس في هذا مضرة على أحد.
стр. 2243
شرح حديث: (أتيت وكيلي بخيبر ... )
قال المصنف: [وعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: (أردت الخروج إلى خيبر، فأتيت النبي ﷺ ، فقال: إذا أتيت وكيلي بخيبر فخذ منه خمسة عشر وسقاً) رواه أبو داود وصححه] .
هذا الحديث في موضوع الوكالة، وموضوع الوكالة من ضروريات الأخذ والعطاء والحركة؛ لأن كثيراً من الناس تكون له الحاجة والمصلحة التي لا يستطيع أن يؤديها، أو لا يتأتى له أن يدخل فيها، مثل إنسان له حقوق عند بعض الناس، ولا يمكن تخليصها إلا عن طريق السلطة والمحاكمة، وبعض الناس يكون بمكانة من المروءة أو من السلوك ولا يحب أن يجلس في مجلس القضاء، ولا أن يناقشه خصمه، وقد يكون دونه، وقد يتجرأ عليه بكلمة، فهو يعفي نفسه من هذه المقابلات، ويوكل شخصاً عنه في المحاكمة.
أو إنسان مقيم في بلد، وله مصالح وحقوق في بلد أخرى، ولا يستطيع أن يواصل ويباشر طلبها بنفسه، لبعد المشقة أو لاختلاف الوضع أو أو إلى أخره، فماذا يفعل؟ هل يضيع حقه؟ لا، يقيم وكيلاً عنه يتولى ذلك.
إذاً: الوكالة تقتضيها حياة الناس، وقد تكون امرأة ما تحسن الكلام، قال الله: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:١٨] ، وتوجهت عليها دعوى، ولا تستطيع أن تدافع عن نفسها أمام أخيها أو أمام عمها أو غيرهما، فماذا تفعل؟ هل تذهب عند القاضي تبكي؟ البكاء ما يعبر عن الحق، والقاضي ما تستميله العواطف، والقاضي لا يحكم بعلمه: (إنكم تختصمون إلي، وأنا بشر، فلعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من الآخر؛ فأقضي له على نحو ما أسمع) ، إذاً: هذه محتاجة إلى أن تقيم وكيلاً عنها، ويكون مستوعباً لقضيتها مع خصمها، ويقف أمامه موقف الند للند.
إذاً: الوكالة أمر تقتضية الحياة، وضرورة التعامل مع الناس سواء كان بالاختيار أو بالاضطرار، وكما يقولون: الوكيل كالأصيل، والوكيل على قسمين: وكيل مستقل، ووكيل مطلق.
ويذكر الفقهاء من شروط الوكالة وحقوق الوكيل مع الأصيل أن الوكيل يحكي الأصيل فيما ينقله عنه، وفيما يوصله إلى القاضي.
وهل للوكيل أن يوكل غيره؟ وهل للوكيل إذا وكل في عمل أن ينيب غيره فيه؟ كل هذه الجزئيات تبحث في كتب الفقه.
واتفقوا على أنه إذا وكل في أمر، ولم يعط حق توكيل الغير؛ فلا يحق له ذلك، ويجب أن يباشر ذلك بنفسه، ويجب أن يباشر العمل الذي وكل فيه إلا إذا اقتضى الأمر عملاً لا يليق بمثله، كما لو كان وكيلاً في بيع وشراء في متجر، فإنه يباشر فتح المحل، ويباشر عرض المتاع الموجود، ويباشر معاملة الزبائن بكيل أو بوزن أو بذرع أو بمثل ذلك، وهو مسئول عن هذه الأعمال بنفسه، لكن إذا كانت هناك نوعيات في المستودع لمصلحة هذا المحل، ولا يمكن أن يحملها إلا حمال مختص، ولا يمكن نقلها من المستودع إلى المحل إلا بآلة، فهل نقول له: احملها على ظهرك كالحمال؟! لا، لأنه لا يليق به، فله أن يستأجر من يؤدي هذا العمل، ولو أن المحل احتاج إلى إصلاح: ترميم البناء أو الأرض أو السقف، ومثله لا يفعل هذا، فيأتي بمن يفعل هذا على حساب موكله؛ لأنه يعمل ما فيه المصلحة، والوكالة باب واسع تتناوله كتب الفروع، ويلزم على طالب العلم أن يرجع فيها إلى تلك المراجع.
وفي هذا الحديث أن جابر بن عبد الله الصحابي الجليل، توجه إلى خيبر لمصلحته أو أرسله الرسول ﷺ لحاجة، وبمناسبة ذهابه كلفه رسول الله ﷺ بمهمة عند وكيل رسول الله في خيبر، فقال: (إذا أتيت وكيلي في خيبر فخذ منه خمسة عشر وسقاً) ، وهذا محل الشاهد: (إذا أتيت وكيلي في خيبر) ، يعني: أن الرسول ﷺ كان له وكيل سواء كان في خيبر أو في الطائف أو في أي مكان.
стр. 2244
مشروعية جعل علامة بين السلطان ووكيله
هل الوكيل الذي في خيبر يعلم أن رسول الله أرسل جابراً ليأخذ منه هذه الأوسق؟ هل عنده خبر؟ ما عنده خبر، والرسول لم يسبق أن أرسل إليه: سأرسل إليك جابراً، ولكن في بعض الروايات أنه قال لـ جابر: (فإذا طلب منك أمارة فأمسك ترقوته) ، والترقوة: العظم المحيط بالعنق، يعني: إذا كلمته فأمسكه في ترقوته، وهذه هي الشفرة، أي: كلمة السر والعلامة حتى يصدقك بأنك وكيل من عندي، ولا أحد يعرف أن هذا بيني وبينك، وما يعرفها إلا أنا، فإذا أبنتها فهي العلامة، وهي أصدق من البرقية، فالبرقية يمكن أن تزور، وهذا نوع من المعاملات مما كان عليه رسول الله ﷺ في معاملته مع الناس، فكان يتعامل معهم كغيره من البشر، ما قال له: سيأتيك جبريل ويقول له: كذا، لا؛ لأن التعامل مع الناس يحتاج إلى منهج بشري يستطيع كل إنسان أن يطبقه، كما قال: (إنكم تختصمون إلي، وأنا بشر أقضي على نحو ما أسمع) ، هذا وهو رسول الله ﷺ يأتيه الوحي في أبسط الأشياء، جاءه الوحي بأن يخلع نعليه؛ لأن فيهما أذى، فخلع نعليه في الصلاة بعد التكبير، فلماذا في القضاء لم يأته جبريل ويقول له: الحق مع هذا والباطل عند هذا؟ يذكرون في تاريخ القضاء -والله أعلم- يذكره صاحب معين الحكام أنه كان في زمن نبي الله داود؛ إذا أرادوا أن يحتكموا، كانت سلسلة معلقة في سقف المجلس، فإذا تقدم المدعي قال: مد يدك إلى السلسلة، فإن كان محقاً تدلت السلسلة حتى يمسكها بيده، وإن كان مبطلاً بعدت عنه، وإذا أنكر المدعى عليه، قال: مد يدك، فإن نالها عرفنا أنه صادق، وإذا لم ينلها عرفنا أنه كاذب، ويقولون: جاء رجل وادعى على رجل أنه ائتمنه أمانة، ثم طلبها منه فجحدها، فلما علم الخصم أنه تقدم إلى نبي الله داود، وأن السلسلة ستفضحه احتال، فأخذ الأمانة وهي دنانير، فنقر عصاه، ونزل فيها الدنانير حتى ملأها وكبسها، وجاء يتوكأ عليها، فتقدم المدعي الذي له ألف الدينار فطولت السلسلة، فمد يده فأمسك السلسلة، فأنكر المدعى عليه، وقال: أبداً ما له عندي شيء، فقال: أمسك السلسلة، فقال لخصمة: امسك العصا حتى أمسك السلسلة، وفي هذه اللحظة كان حق المدعي عنده، وليس عند المدعى عليه، فمد يده فأمسك السلسلة، وما يمكن أن الاثنين يكونان صادقين، كما جاء في حديث اللعان: (الله يعلم أن أحدكما كاذب) ، فلا يمكن الإثبات والنفي في وقت واحد، فأبطل السلسلة عندما وجد تحايل عليها، وفي الحديث: (البينة على المدعي، واليمين على من أنكر) .
وهذا من باب الشيء بالشيء يذكر، فالرسول ﷺ كان يتعامل مع عامة الناس كفرد من الأفراد؛ لأن هذا منهج التعامل مع البشر، ولو أنه كان يعاملهم على منهج الرسالة والوحي، فكيف يفعل من بعده؟ فمثلاً في القضاء قال: (أقضي على نحو ما أسمع) ، فلو جاءه جبريل وقال له: هذا محق، وهذا مبطل، وبعده من سيأتي للقضاة؟ لن يأتيهم جبريل، لكن عندهم ما هو في طاقة البشر، القضاء على نحو ما يسمع، وهناك أيضاً فراسة القاضي أو إلهام ونور من الله للقاضي يساعده به على الحكم.
إذاً: كان النبي ﵊ له وكيل، والوكيل كان ينوب عنه، وكان بينه وبين الوكيل مثلما يكون بين الموكل ووكيله في العالم كله، من علامات أو أمارات.
إلى آخره.
стр. 2245
كتاب البيوع - باب الشركة والوكالة [٢]
الشريعة الإسلامية مبنية على التيسير، والحرج منفي عنها، ومن الأحكام الفقهية التي شرعت للتسهيل على العباد الوكالة، ولها صور كثيرة منها: الوكالة في البيع والشراء، والوكالة في جمع الزكاة، والوكالة في ذبح الأضاحي والبدن، والوكالة في إقامة الحدود، وغير ذلك.
стр. 2246
شرح حديث: (بعث رسول الله مع عروة بدينار يشتري له أضحية ... )
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: قال المصنف ﵀: [وعن عروة البارقي رضي الله تعالى عنه: (أن رسول الله ﷺ بعث معه بدينار يشتري له أضحية) الحديث رواه البخاري في أثناء حديث وقد تقدم] .
لما كانت مهمة هذا الكتاب المبارك بيان أدلة الأحكام، فهو يذكر من الحديث محل الدليل، كالحديث السابق: (اشتركت أنا وعمار وفلان) الحديث؛ لأن موضع الشاهد منه: (اشتركت) ، وكذا حديث: (إذا أتيت وكيلي بخيبر فخذ منه) ولم يذكر كيف عرف أنه وكيله، وهذا له جانب آخر.
وهنا الرسول ﷺ أعطى البارقي ديناراً ليشتري له أضحية، والشاهد هنا أن عروة قد تصرف تصرف الوكيل، ونحتاج إلى إيراد كامل الحديث ليتبين مناط الاستدلال على الوكالة؛ لأن مجرد إعطائه ديناراً ليشتري له شاة قد لا يكون وكالة، فعندما أقول لك وأنت ذاهب إلى السوق: خذ هذا، واشتري لي كذا، فهذه مساعدة وتعاون، وليست وكالة.
والذي حصل من عروة أنه ذهب بالدينار واشترى شاتين، هو أعطاه ديناراً يشتري شاة واحدة، فهو تصرف، وهذا التصرف بحكم الوكالة.
ولما اشترى الشاتين، لقيه رجل وقال: أتبيع شاة من هاتين؟ قال: نعم، قال: بكم؟ قال: بدينار، فباع شاة من الشاتين بدينار، فهو باع ملك غيره، فالمال للرسول ﷺ ، واشترى الشاتين لرسول الله ﷺ ، وجاز له أن يبيع ملك الغير بالوكالة.
فجاء إلى النبي ﷺ وقال: (خذوا شاتكم، وهذا ديناركم) ، فسأله عن خبره، فذكر له الخبر، فهل قال له: وكالتك مفسوخة؟ لا، بل قال: (بارك الله لك في بيعك وشرائك) ، فكان الناس يأتونه، ويلقون إليه أموالهم شراكة معه؛ بغية بركة دعوة رسول الله ﷺ ، فكان لو أخذ حفنة من تراب ليبيعها لربح فيها! وعرف الناس أنه أصابته دعوة رسول الله ﷺ .
انتهينا من باب الوكالة، وهذا تصرف تصرف الوكيل، وأقره وكيله على ما تصرف، ولو لم يأمره من قبل؛ ولهذا فإن الوكيل لو تصرف لمصلحة موكله وأقره الموكل على ذلك صح التصرف، وإذا تصرف ظاناً منه أنه لمصلحة موكله ولكن موكله رفض، فالتصرف باطل، ويكون لحساب الوكيل، وهو يتحمل مسئوليته، ولهذا تفصيلات عديدة في باب الوكالة.
إذاً: الوكالة انتهت، ولكن هل نقف على هذا بهذه السرعة؟ ونحن نعلم أن الحديث بحر، ودلالته لا تنتهي، والناس يتفاوتون في الاستنتاج وفي التفقه في معنى الحديث، فمن العلماء من قال: استنتجت من حديث: (يا أبا عمير! ما فعل النغير؟) أربعين مسألة!
стр. 2247
هل يحدد ربح البائع ؟
يذكر الفقهاء في باب البيوع زيادة الثمن ونسبة الربح، فهذا الرجل كانت نسبة الربح عنده مائة في المائة، فكم نسبة الربح؟! ليست هناك نسبة في ربح البيع والشراء، ولكن ينبغي ألا يستغل البائع جهالة المشتري، وألا يستغل البائع حاجة المشتري واضطراره فيزيد عليه.
ذات مرة رأيت نسخة من كتاب (المستصفى) للغزالي، طبعة قديمة في مجلد ممتاز، فقلت لصاحب المكتبة: بكم هذا؟ قال: هذا غالي الثمن، ولعل هذا من باب التحريض، فقلت: بكم؟ قال: بخمسين ريالاً.
وكان في ذلك الوقت راتب الجندي الشهري ستين ريالاً، فكم تكون نسبة قيمة هذا الكتاب؟ وكم قدر الخمسين ريالاً لطالب العلم في ذلك الوقت؟ المهم اشتريت الكتاب، وحمداً لله وشكراً له على ما كنت عليه في ذلك الوقت، فرآه معي بعض الإخوان فأعجب به، وقال: من أين؟ فقلت: من فلان، قال: أوه! عسى ما أكلك، قلت: كيف أكلني؟ قال: هذا إذا عرف أن المشتري طالب علم، وله حاجة ماسة إلى الكتاب، يضاعف عليه القيمة، فمرة ثانية إذا أردت أن تشتري منه أرسل شخصاً عامياً عادياً ليشتري لك، بكم اشتريت؟ قلت: بخمسين ريالاً، قال: أوه! رده، قلت: لا والله! لو قال لي بمائة لاشتريته، فالفلوس تذهب وتنتهي، لكن هذا يبقى، ولا زال عندي بحمد الله إلى الآن منذ خمسين سنة في مكتبتي.
المهم أن مثل هذا كان المفروض عليه أن يخفف على طالب العلم.
ومرة أخرى كنت أريد كتاب (التقرير على التحرير) ، وفتشت عنه في المدينة وفي مكة فلم أجده، فقال لي رجل: هو موجود في مكتبة باصفرين في جدة في سوق الندى، فذهبت إليه، وبعد العشاء وجدت المكتبة، وكانت صغيرة، وفيها رجلان جالسان معهما فانوس، فسلمت عليهما، وقلت: لا مؤاخذة أقطع حديثكم قليلاً، قالا: نعم، قلت: يا شيخ عندك كتاب كذا؟ قال: نعم، عندي نسختان، قلت: أبغى نسخة، قال: ليست للبيع، قلت: في المثل: مطابق وأخوه عريان، يعني: كيف تلبس ثوبين وأخوك عريان؟ فأعطه ثوباً منهما، قلت له: لماذا يا شيخ؟! قال: هذه طبعة قديمة، وأصبح الكتاب مفقوداً وأنا معتز به، قلت: جزاك الله خيراً، لكن إذا جاءك طالب علم فبعه، لعل الله ينفعه به، وأنا مضطر إليه، وهو غير موجود، وعجزت أن أحصله، وأنت رجل كبير السن، وتعرف حاجة طالب العلم للكتاب، فقال: لا، أبداً، فقال له صاحبه: يا شيخ خف الله، معك في المكتبة نسختان، وطالب علم يجيء إليك ويقول لك: أبغى واحداً وتقول له: لا.
حرام عليك، قلت: جزاك الله خيراً ساعدني.
وأخيراً قال لي: بخمسة وثلاثين ريالاً، وهو ثلاثة أجزاء، والله! لو قال لي: بثلاثة آلاف، وكانت في يدي في ذاك الوقت، لأعطيته بطول يدي، فقلت له: مرحباً بخمسة وثلاثين أو خمسة وأربعين أكثر أو أقل بسيطة، فقال الذي بجواره: هات ثلاثين فقط قلت: والله! إنك رجل خير، وفيك بركة، تفضل، وقال لي: هما في الرف، تخير إحدى النسختين وخذها، وكانت النسختان متقاربتين، فأخذت نسخة منهما، وفي أمان الله، السلام عليكم.
يهمني أنه ليس هناك تحديد للربح، ولكن نؤكد على الرفق، وعدم استغلال جهالة المشتري، وعدم استغلال شدة حاجته.
стр. 2248
حكم التسعير
يبحث الفقهاء في حكم التسعير وتحديد الثمن، ولقد طلب الصحابة رضوان الله تعالى عليهم من الرسول ﷺ أن يسعر لهم فقال: (إن الله هو المسعر، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس لأحدكم عندي مظلمة) وما هي المظلمة؟ أن تحدد عليه سعر السلعة وتمنعه من الربح، أليست هذه مظلمة؟ ولما جاءوا لـ عمر وقالوا: يا عمر! غلى اللحم فسعره لنا، فقال: لا، أرخصوه أنتم، قالوا: كيف نرخصه وليس عندنا؟! قال: اتركوه لهم، فتركوه اليوم الأول، وتركوه اليوم الثاني، فإذا بالجزارين ينادونهم: هلموا -يا جماعة- للحم، قالوا: لا، أنتم أغليتموه علينا، ثم رخصوه لهم.
إذاً: متى يكون التدخل؟ عند الاحتكار، إذا جمع تجار أو تاجر ما في السوق، ثم أغلاه بعدما نفذ ما بأيدي الناس، مثل بعض تجار التمور وقت الجذاذ يجمع ما نزل السوق من الصنف الطيب، وبعد شهر أو شهرين الناس يبحثون عن التمر لكن قد ابتلعته بالوعة التاجر الفلاني، فيقولون: بع لنا يا فلان! قال: لا، أنا لا أبيع الآن، وينتظر شدة الحاجة ليتحكم، وبعد أن كان الصاع بريال يبيعه باثنين أو بثلاثة أو بأربعة، فحينئذ يتضرر الناس، فيتدخل ولي الأمر كما ذكره الإمام ابن تيمية ﵀، كما يتدخل عند توقف بعض الطوائف عن أعمالهم مثل السقايين والخبازين.
فلو أن أصحاب الأفران أضربوا عن أن يخبزوا، فماذا نأكل؟ تشتري دقيقاً وتعجنه، وتشتري فرناً وتخبز، وهل كل إنسان يقدر أن يعمل هذا؟ لا، فيلزمهم الإمام بالرجوع إلى العمل.
وكذلك السقاة، كانوا من قبل يأخذون الماء على الكتف، والآن لو أن عمال مصلحة المياة توقفوا عن العمل، وأوقفوا الماء، ولم يوجد ماء في البلد، فهل لولي الأمر أن يتركهم؟ لا، بل يلزمهم على العودة إلى العمل.
وهكذا شركة الكهرباء لم يعد للناس عنها غنى، وقد نصبر عن الطعام والشراب ولكن لا نستغني عن الكهرباء، لا نقدر نمشي في الظلام، ولا نعيش في الظلام، نصبر على الجوع حتى ييسر الله، فلو أضرب عمال الكهرباء، وتوقفت المكائن أو الموتورات عن الإنتاج، فولي الأمر يلزمهم بمعاودة العمل؛ لأن مصالح الناس ترتبت عليه.
إذاً: التسعير لا يكون إلا عند الاحتكار لما يحتاجه الناس، ولا يوجد له نظير في الأسواق، فيلزم ولي الأمر المحتكرين أن يخرجوا البضاعة ويقدر لهم الربح المناسب، وذلك بالنظر إلى رأس المال، فلا هو يزيده على الناس ولا هم ينقصونه عنه، وفعلاً إن الله هو المسعر، فالسعر بيد الله ، قد يجمع إنسان ويجمع الآخر لمناسبة معينة، لكن تأتي المناسبة والكل يخرج ما عنده، فيكثر العرض على الطلب فيرخص السعر، ونظام الاقتصاد يكون بالمعادلة بين العرض والطلب، وإذا كان الطلب كثيراً والعرض قليلاً غلا في السعر، وإذا كان العرض كثيراً والطلب قليلاً صارت البضاعة رخيصة، فالكل يعرض في تلك المناسبة التي جمع لها، فيكثر العرض ويقل الطلب فترخص السلعة عما كان يتوقعه التجار.
стр. 2249
شرح حديث: (بعث رسول الله عمر على الصدقة ... )
стр. 2250
مشروعية بعث الجباة لجمع الزكاة
قال المصنف ﵀: [عن أبي هريرة ﵁ قال: (بعث رسول الله ﷺ عمر على الصدقة) الحديث متفق عليه] .
هذا من أحاديث الوكالة: أن النبي ﷺ بعث عمر على الصدقة، وبعث العمال من هدي النبي ﷺ ومن بعده من الخلفاء الراشدين، وكان العمال يجمعون الصدقة من أرباب الأموال الظاهرة، ويوزعونها على المحتاجين، أو يأتون بها إلى رسول الله ﷺ ، وهم العاملون عليها، وقد بين العلماء أن هؤلاء العاملين يذهبون إلى أصحاب الماشية وبهيمة الأنعام على مياههم، فيجمعون ما عندهم من إبل أو بقر أو غنم، ولا يفرقون بين مجتمع، ولا يجمعون بين مفترق، ويحصون على الناس ما يملكون، فمن بلغ عنده النصاب أخذوا الزكاة منه، ونصاب الغنم أربعون، وإلى مائة وعشرين ففيها شاة، ومائة وواحد وعشرون فيها شاتان إلى مائتين، وهكذا في كل مائة شاة.
ونصاب الإبل أقله خمس وفيها شاة، وعشر فيها شاتان، وإذا بلغت خمسة وعشرين فبنت مخاض، فكان هؤلاء العمال إذا أتوا إلى الناس قبضوا منهم الزكاة بحسب ما لديهم من تعليمات، وأخذوها منهم بالوكالة عن ولي الأمر.
ومن غرائب ما حدث في مثل ذلك أنه ﷺ بعث عامله إلى جهة الحناكية، فوجد عند رجل خمسةً وعشرين من الإبل، فقال: (زكاة إبلك بنت مخاض) ، وبنت المخاض هي: التي لها سنة ودخلت في الثانية، يعني: أمها ماخض بأختها، فقال الرجل: بنت مخاض! ماذا تجزي هذه وليست ظهراً فيركب، وليست ضرعاً فيحلب؟! ولكن هذه ناقة كوماء خذها في سبيل الله، فقال العامل: لم تجب عليك فلا أستطيع أن آخذ أكثر من الواجب، فتشاح العامل مع صاحب الإبل، فقال العامل لصاحب الإبل: إن كنت مصراً فدونك النبي ﷺ بالمدينة، فاذهب بها إليه، فإن قبلها قبضتها منك، فجاء مع العامل إلى النبي ﷺ وأخبره وقال: يا رسول الله! إن بنت مخاض في سبيل الله لا تجزي شيئاً، ولكن هذه ناقة كوماء (يعني: سمينة مثل كوم اللحم) خذها في سبيل الله، فقال له ﷺ : (أطيبة بها نفسك؟ قال: نعم يا رسول الله! فقال للعامل: خذها، وقال له: بارك الله لك في إبلك!) فتناسلت إبله إلى زمن معاوية رضي الله تعالى عنه، حتى كان يخرج العشرات من رءوس الإبل في زكاته.
نرجع إلى تتمة الحديث: لما رجع عمر ﵁ قال: (يا رسول الله! إن خالد بن الوليد منع زكاته، والعباس أمسك زكاته) ، اشتكاهم عمر إلى رسول الله ﷺ ، فقال ﷺ : (أما خالد فإنكم تظلمون خالداً، لقد احتبس عتاده وأدراعه في سبيل الله) يعني: وهذا مال وقف لا زكاة فيه ما دام أنه في سبيل الله.
وأخذ منه الفقهاء أن الوقف إذا كان وقفاً خيرياً للفقراء والمساكين قربة لله فلا زكاة فيه؛ لأنه كله في سبيل الله، أما إذا كان وقفاً أهلياً -وهذا اصطلاح عند الفقهاء- بمعنى وقف على أشخاص معينين يقتسمون ريعه، فهنا ينظر لكل واحد على حدة، فمن أخذ من هذا الوقف ما فيه نصاب، ومكث عنده الحول، فإنه يزكي عليه لا على أنه وقف ولكن على أنه مال اكتسبه.
стр. 2251
حكم تقديم إخراج الزكاة ؟
وأما زكاة العباس فقال ﵊: (فإنها عليّ) ، وذكر في بعض الروايات: (أن الرسول ﷺ كان استسلف من العباس زكاة سنتين) .
ويختلف العلماء هل يجوز تقديم زكاة سنة قبل مجيء حولها أم لا؟ مالك وغيره يقول: لا يجوز؛ لأنها مؤقتة كتوقيت الصلوات، وكما أنه لا تصح صلاة قبل دخول وقتها، فكذلك لا يصح أخذ زكاة قبل مجيء موعدها، ولكن الجمهور يقولون: هذه حالة نادرة، وكان ﷺ احتاج إلى هذه الزكاة من العباس فاستسلفه، أي: أخذ زكاة تلك السنة، واستسلفه زكاة السنة التي تليها.
إذاً: الرسول ﷺ كان يبعث العمال وكلاء عنه.
стр. 2252
قصة ابن رواحة عندما خرص نخل خيبر
ترك النبي ﵊ خيبر في أيدي اليهود يعملونها بالنصف، فإنه لما أراد أن يجلوهم ﷺ عنها، قالوا: (نحن أعرف بالأرض وبالنخل وبالزراعة منكم، وأنتم مشغولون عنها، فدعنا فيها نقوم بها، فقال: نترككم ما شاء الله) ، يعني: بدون تحديد زمن، وبدون التزام، فكان رسول الله ﷺ يبعث إليهم عند إبان الجذاذ من يخرص نخلهم، وأرسل إليهم يوماً عبد الله بن رواحة، فجمعوا له من حلي نسائهم وقالوا: هذا لك وخفف عنا، يعني: إن كنت تجد أن نخل خيبر ألف وسق فاجعلها ثمانمائة أو سبعمائة، لكنه كان أشد خوفاً لله منهم، وقال (والله -يا إخوة الخنازير- لقد جئتكم من عند أحب الناس إلي، ولأنتم أبغض الناس إلي، وليس حبي لرسول الله أو بغضي إياكم بحاملي على أن أحيف عليكم، أنا قاسم وإن شئتم فاقبلوا ووفوا إلينا، وإن شئتم فارفعوا أيديكم ونوفي إليكم) ، فقالوا: يا ابن رواحة! والله! بهذا قامت السماوات والأرض، أي: بالعدالة حين القدرة، فهو قال فيها: عشرة آلاف وسقاً، لكم خمسة آلاف، ولنا خمسة آلاف، فإن شئتم التزموا لنا بالخمسة الآلاف وسقاً ونكف عنكم، وإن شئتم ارفعوا أيديكم ونحن ندفع إليكم خمسة آلاف وسقاً، فهذه هي عين العدالة والمساواة.
الوكالة بابها طويل، والحاجة إليها ضرورية ولازمة، والوقت لا يتسع لأكثر من هذا، والوكيل الذي ذهب لقبض أموال الزكاة وكيل عن ولي الأمر مطلقاً، ولو ماتت بعض الأنعام في طريقه، فهل عليه شيء من هذه الأنعام؟ يده يد أمانة، لا ضمان عليه فيها إلا إن فرط أو تعدى فهو ضامن، وإن لم يفرط ولم يتعد فليس بضامن؛ لأنه مؤتمن على ذلك، ولم تجن يده جناية على ما تحت يده.
وهل له أن يتصرف فيها ويبدلها؟ فعل ذلك معاذ في اليمن، فإنه استبدل الزكاة والجزية بالثياب، وقال: هذا أرفق عليكم، وأنفع لأصحاب محمد؛ لأن مئونة النقلة من اليمن إلى المدينة كبيرة، فعندما يسوق بهيمة الأنعام من اليمن إلى المدينة، كم يأخذ عليه من زمن؟ وكم يتلف عليه منها؟ فبدلها بالوكالة عن ولي الأمر بثياب.
стр. 2253
شرح حديث: (نحر النبي ﵊ ثلاثاً وستين بدنة ... )
قال ﵀: [وعن جابر ﵁: (أن النبي ﷺ نحر ثلاثاً وستين، وأمر علياً ﵁ أن يذبح الباقي) الحديث رواه مسلم] .
عندما حج الرسول ﷺ ، كان علي شريكاً معه في الهدي، وكان علي وأبو موسى الأشعري في اليمن، وكان علي على مخلاف، وأبو موسى على مخلاف، واجتمعا على أن يحجا، فقدم علي رضي الله تعالى عنه بعدد من الإبل هدياً، والرسول ﷺ خرج من المدينة ومعه هدي، فاجتمع لرسول الله ﷺ مما خرج به من المدينة وما جاء به علي من اليمن مائة بدنة، فشرك علياً معه، فلما كان يوم النحر ذهب ﷺ لينحر الهدي، فنحر بيده الشريفة ثلاثاً وستين بدنة ثم وكل علياً في أن ينحر بقية المائة.
إذاً: الرسول ﷺ باشر نحر عدد، ووكل علياً في نحر عدد آخر.
وتكملة الحديث أن الرسول ﷺ أمر علياً أن يأتي بالجزارين من أجل أن يسلخوا تلك الإبل، وأن يقطعوا لحمها، ويقسموها على الحاضرين، وأمره أن يتصدق بجلالها، والجلال جمع جلالة، وهي ما تجلل به البدنة من الغطاء، كانوا يغطونها بقماش مثل الزينة؛ لأنها هدية مقدمة إلى الله ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة:٩٥] ، وكانت تلك الجلال تجمع في منى، ويأخذها بنو هاشم ويصنعون منها كسوة الكعبة، وما يفيض يتصدق به، وكان من عادتهم -كما فعل ابن عمر - أن يحللوها عند خروجها من المدينة، وإذا انفصلوا عن ذي الحليفة نزعوها عنها لئلا تمزقها الشجر، ولا تتسخ بالنوم على الأرض، وإذا قدموا إلى مكة وصعدوا بها إلى عرفات جللوها بها، ونزلوا بها إلى المنحر ثم ينزعونها عنها حتى لا تتلوث بدمائها.
ومن هديه ﷺ أن أمر بأن يؤخذ له من كل بدنة بضعة لحم، وجمعت تلك القطع المائة في القدور وطبخت، وشرب ﷺ من المرق وأكل من اللحم، قال الله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا﴾ [الحج:٢٨] ، وقالوا: إن الحكمة والسر في أن المهدي يأكل من هديه لكي يختار نوعية الدم الذي سيريقه، ولا يكون مريضاً ولا هزيلاً، بل يتخير ما سيأكل منه؛ ليطعم غيره.
والذين يبحثون وراء الرموز ووراء الحكم من أجل الاستنتاجات يقولون: في فعله ﷺ هذا حكمة عظيمة وإشارة لذوي الألباب، وهي أن النبي ﷺ نحر ثلاثاً وستين، ولم ينحر ستين، ولا سبعين، قالوا: وهذا مقصود؛ وذلك أنه ﷺ توفي عن ثلاثة وستين سنة، فالسنة التي حج فيها هي تمام الثلاثة والستين، وقولنا: هي مقصودة فيه نوع من التجوز، لكن سواء كانت بالصدفة أو مقصودة فهي إشارة، فكأنه يقول للأمة: هذا عدد أعوام حياتي، أعيش ثلاثة وستين سنة، وفعلاً رجع إلى المدينة صلوات الله وسلامه عليه، ومكث زمناً غير بعيد، وانتقل إلى الرفيق الأعلى.
إذاً: نحر بيده ﷺ ثلاثاً وستين.
стр. 2254
لماذا أهدى النبي ﵊ مائة بدنة ؟
بعض طلبة العلم يفتش وينبش ويسأل: لماذا أهدى مائة؟ كان يكفيه شاة أو يشترك هو وستة في بدنة، قالوا: لا، هذا العدد أيضاً له تاريخ؛ لأنه ﷺ كان يقول: (أنا ابن الذبيحين) ، والمراد: أبوه عبد الله وإسماعيل ﵇.
أما إسماعيل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ﴾ [الصافات:١٠٢] إلى قوله: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات:١٠٣] إلى قوله: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات:١٠٧] .
يقولون: إن هذا الذبح والفداء الذي نزل به جبريل هو القربان الذي كان قد قربه هابيل: ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ﴾ [المائدة:٢٧] ، هابيل قدم كبشاً كبيراً طيباً، وقابيل قدم حزمة زرع، وكان صاحب زراعة، وهابيل كان صاحب ماشية، فذاك الكبش من ذاك الوقت يرعى في الجنة، حتى نزل فداء لإسماعيل، والله أعلم، لكن هكذا يقول بعض العلماء.
وعبد الله والد رسول الله ﷺ أيضاً أخذ للذبح، وذلك حينما رأى أبوه عبد المطلب في المنام قائلاً يقول له: أحيي برة، وبرة هي: زمزم، وكانت جرهم لما جلت عن البيت ردمت زمزم، وهذا كالحروب العسكرية يدمرون المنشآت حتى لا يستفيد عدوهم منها، فطمسوها وبقيت مطموسة، فأتي فقيل له: أحيي برة، يعني: يحيها بنبشها، قال: وأين هي؟ قالوا: حيث ترى الغراب ينكت في الأرض، في المكان الفلاني، أي: حول الكعبة، فخرج فإذا بالغراب ينكت في محل، فبدأ بالحفر، وكلما مر عليه بنو هاشم وأهل مكة، سألوه: ماذا تفعل يا عبد المطلب؟ قال: أحفر زمزم، قالوا: كيف تبحث عن زمزم، وزمزم مطموسة، ولا أحد يعرف مكانها؟! قال: أنا عرفت مكانها، فكانوا يسخرون منه، فلما نزل بالحفر رأى طي البئر، فقالوا: زمزم ليست لك وحدك، نحن شركاء معك في زمزم، ومنعوه من إتمام الحفر حتى يشتركوا معه، وتكون زمزم للجميع، فما استطاع أن يقاومهم، فنذر لله إن رزق بعشرة بنين، وعاشوا حتى يحملوا السلاح ليذبحن واحداً منهم لله، دار الزمن واكتمل عنده عشرة من البنين، فاجتمعوا فأخبرهم بنذره، فقالوا: وف بالنذر، قال: من أذبح؟ قالوا: اختر، فاستهموا، فكان السهم على عبد الله، فأخذه ومضى ليذبحه، فقامت قائمة قريش، وكان عبد الله أحب أبنائه لأهل مكة، فقالوا: لا والله! لن تذبحه، قال هذا الذي وقع عليه السهم، قالوا: لا، أبداً، فاحتكموا إلى عدة أشخاص، وأخيراً احتكموا إلى كاهنة كانت في جهة الحنكية شرقي المدينة، فقالت لهم: كم دية الرجل عندكم؟ قالوا: كذا، قالت: استهموا على ولدكم مع عشرة من الإبل، فإن طلعت السهام على الإبل فانحروها وتكون فداءً له، وإن طلعت السهام على ولدكم فزيدوا الإبل عشراً وأعيدوا القرعة، فما زالوا يقترعون ويطلع السهم على عبد الله، ويزيدون حتى وصلت الإبل مائة، وحينئذ طلع السهم على الإبل، ففرحت قريش وقالوا: سلم عبد الله اذبح الإبل، قال: لا، عشر مرات وأنا أعيد القرعة ويطلع السهم على ولدي، سأعيد القرعة، فأعادها فطلعت على الإبل، ثم أعادها فطلعت على الإبل، ثلاث مرات، فذبحت الإبل فداء لـ عبد الله والد رسول الله ﷺ ؛ ولهذا كان يقول: (أنا ابن الذبيحين) ، وقوله هذا: يرد على من يقول: إن الذبيح هو إسحاق، وكثير من الناس يقول هذا، ولكن التحقيق في هذه المسألة أن الذبيح حقيقة هو إسماعيل ﵇، واليهود هم الذين صرفوا كلمة الذبيح لإسحاق ليذهبوا بها فخراً لهم، ففدي عبد الله بمائة من الإبل، وعاش عبد الله حتى أودع الأمانة التي كان يحملها في مقرها، وذهب إلى حال سبيله، وجاءت تلك الأمانة إلى الوجود، وهي النبي ﷺ ، ومضى عليه من العمر أربعون سنة، ثم كانت الرسالة، وعاش ثلاث عشرة سنة بمكة، وعشر سنوات بالمدينة، وكل ذلك عمر الرسالة، فلما حج أهدى مائة من الإبل، وكأنه يقول: لئن فدي أبي بمائة من الإبل أن تذبح للأصنام، فأنا أذبح مائة من الإبل لوجه الله تعالى، وهكذا يربطون بين هذا وبين ذاك، وكما ربطوا بين نزوله في المحصب وهي المعلاة، فإن النبي ﷺ لما نزل من منى بات هناك، وتجدون في كتب الفقه والحديث خلافاً في هذا: هل كان هذا النزول من النسك أو كان على سبيل الإرفاق بالناس حيث يبيت في أول مكة بدلاً من أن يدخل في الليل مكة ويتعب أصحابه، وهذا أخف عليهم عند خروجه إلى المدينة؟ قالوا: لا، لقد كان هذا النزول متعلقاً بحدث وقع في أول الأمر وهو: أنه ﷺ لما دعاهم إلى التوحيد كتبوا الصحيفة الظالمة على مقاطعة بني هاشم، وألجئوهم للدخول إلى الشعب، وتلك الصحيفة كتبت بظلم في ذلك المكان، في خيف بني كنانة، فكأنه ﷺ يقول: لئن شهد هذا الخيف كتابة صحيفة ظالمة فليشهدن نزول الأمة الإسلامية بعد نزولها من الحج، وتكون ليلة مباركة تمحو آثار تلك الليلة الظالمة.
стр. 2255
شرح حديث: (واغد -يا أُنيس- على امرأة هذا ... )
قال ﵀: [وعن أبي هريرة ﵁ في قصة العسيف، قال: قال النبي ﷺ : (واغد -يا أُنيس - على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها) الحديث.
متفق عليه] .
هذا الحديث -يا إخوان- مباحثه كثيرة، ومواضيعه هامة وخطيرة؛ لأنه يتعلق بعدة أمور، وأول هذا الحديث، أنه جاء رجل إلى النبي ﷺ ومعه رجل آخر، فقال: يا رسول الله إن ابني هذا كان عسيفاً عند هذا -والعسيف: الأجير- فزنى بامرأته، فقالوا: على ولدك مائة شاة، فافتديت ولدي بمائة شاة فاقض بيننا -يا رسول الله- بكتاب الله، فقال ﷺ : (نعم، سأقضي بينكما بكتاب الله، على ابنك جلد مائة وتغريب عام، وغنمك رد عليك، واغد -يا أُنيس - على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها) .
إذاً: القضية قضية حد من حدود الله، ومجيء والد العسيف مع زوج المرأة إلى رسول الله ﵊ له شأن، ولو أن الرجل جاء بولده فقط ولم يسم أحداً؛ ما طلب رسول الله المرأة؛ لأن الحد يقام على من أقر على نفسه، ولو أقر على امرأة بعينها لا يقبل منه؛ لأنه إقرار الغير على الغير، والرسول ﷺ كما يقال: (يلم ولا يتبع) .
فـ الغامدية لما جاءت هل سألها: زنيت بمن؟ لا لم يسألها، وهكذا ماعز لما اعترف بأنه زنى، هل قال له: زنيت بمن؟ ما سأل، ولو قالت الغامدية: زنيت بفلان، وجاء فلان وقال: هي تكذب، فهل يمكن أن يقام عليه الحد بمجرد قولها؟ لا، وكذلك ماعز لو قال: زنيت بفلانة، وجيء بها وقالت: لا، هو يكذب، هل يقام عليها الحد لمجرد دعوى؟ لا، فلابد من أربعة شهود صفتهم كذا وكذا أو الإقرار من الشخص نفسه.
لكن هنا اجتمع الطرفان: الرجل يقر على ولده، وولده يسمع، وهذا يقوم بمثابة إقرار الولد، وزوج المرأة يسمع، وهذا لا يكون بمثابة إقراره عليها، لأنها لم تؤاخذ بإقرار زوجها بل قال: (اغد) ليسمع منها شخصياً.
فمن أهم مباحث الحديث: مجيء هذين طائعين طالبين إقامة الحد، وقد أفتي والد العسيف بفتوى خطأ، فقيل له: عليك أن تفدي ولدك بمائة شاة، وهذا حكم غير صحيح، وإذا رفع الحكم الباطل إلى ولي الأمر فإنه يلغيه، فقال: (غنمك رد عليك) ؛ لأن هذا باطل.
стр. 2256
رجم الزاني المحصن
قال والد العسيف: اقضي بيننا، بكتاب الله، فقضى بينهما بكتاب الله وقال: (على ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد -يا أُنيس - إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها) ، فقضى بينهما بكتاب الله، الطرف الأول عليه جلد مائة؛ لقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢] ، والجلد بكتاب الله، والطرف الثاني قال: (واغد -يا أُنيس - إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها) ، خذ المصحف! هل في المصحف رجم الزاني؟ هل تقرءون الآن في المصحف رجم الزاني؟ لا، لكن قال الأصوليون ومدققوا علماء الحديث: إن الرجم من كتاب الله؛ لأن الرسول ﷺ قال: (سأقضي بينكما بكتاب الله) وحكم في امرأة هذا بالرجم؛ لأنها محصنة، والعسيف ما هو محصن، بل هو أعزب بكر، والبكر عليه الجلد، وهذا في نص كتاب الله، وأين الرجم في كتاب الله؟ الرسول يقول: (سأقضي بينكما بكتاب الله) ، وقضى على المحصنة بالرجم، ونحن لا نجد الرجم في كتاب الله! وهل كتاب الله فيه ظاهر وباطن؟! لا، ولكن قضاء رسول الله من قضاء الله، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:٣] ، وقال العلماء: بالإجماع كانت آية الرجم ثابتة في كتاب الله، ونصها: (والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله) ، ثم نسخ لفظها وبقي حكمها، وقد خطب عمر الناس يوم الجمعة وقال: (آية الرجم ليست في المصحف، ولكننا قرأناها ووعيناها، ورجم رسول الله ﷺ ورجمنا معه) .
فهي ثابتة في كتاب الله أو غير ثابتة؟ غير ثابتة الآن، وما الذي حصل؟ حصل نسخ اللفظ، وبقي الحكم.
وهنا يتساءل علماء الشريعة ما دام الحكم باقٍ فلماذا ينسخ اللفظ؟ قالوا: تكريماً لهذه الأمة، حتى لا يسجل على شيوخها أنهم زناة، فإذا بقيت تقرأ: (الشيخ والشيخة إذا زنيا) ، ففيه أن من شيوخ هذه الأمة زناة، لكن من دواعي الستر من المولى سبحانه على ضعاف هذه الأمة نسخ اللفظ وبقي الحكم، وها هو ﷺ يقرر هنا أن الرجم في كتاب الله، فحكم بينهما بكتاب الله، وحكم على المرأة بالرجم، إذاً: الرجم في كتاب الله.
стр. 2257
صحة الوكالة في إقامة الحدود
تصح الوكالة والنيابة من ولي الأمر إلى إنسان لينفذ الحكم أو ليسمع الإقرار ويقوم مقامه، ففي هذا الحديث لم يدع المرأة، والمتهم بريء حتى تثبت إدانته، فلا نستدعيها وما عرفنا أنها زنت، ومجرد قول والد العسيف: إن ابني زنى بامرأة هذا؛ لا يثبت زناها؛ لأنها قد تنكر، فوكل النبي ﷺ من يذهب إليها ويسألها.
стр. 2258
إقامة الحد بالإقرار أو الشهود
بعض العلماء يقولون: يجب تكرار الإقرار لإقامة الحد، كما يشترط في الشهادة أربعة، فقالوا: يجب أن يقر الزاني على نفسه في مجلس الحكم أربع مرات بأنه زنى، لكن هل الرسول قال له: اسمع منها الاعتراف أربع مرات وما قيمة التكرار إذا كان الإقرار صادراً من الجاني؟ وإنما احتجنا لأربعة شهود؛ لأنهم يثبتون الزنا على غيرهم.
ولماذا يجب الأربعة الشهود في الزنا مع أن البكر يجلد، وتكفي شهادة رجلين في قطع الرقبة في القصاص؟ إذا شهد شاهد واحد بأنه رأى بعينه الزنا كالمرود في المكحلة، فهل الشاهد الواحد يقام به الحد؟ إذا شهد اثنان، هل نقيم بشهادتهما حداً على طرفين؟ لا، الزنا يكون باشتراك، ولا يتأتى من جانب واحد، وإذا ثبت الزنا بالشهادة، فسنقيم الحد على الطرفين، فلما كانت إقامة الحد على طرفين احتجنا إلى أربعة شهود، حتى نكون قد أقمنا الحد على كل واحد منهما بشاهدين، ولا يكون في ذلك هضم ولا يكون في ذلك نقص.
ويقول بعض الفقهاء: إنما تشدد الشرع في إثبات الزنا لدرء المفاسد والسمعة وعدم إشاعة الفاحشة وكذا وكذا، ولذا البعض يقول: ما أقيم حد زنا بشهادة قط إلى اليوم، فهو متعذر.
إذاً: لماذا الحد؟ قالوا: هو كالسوط المعلق، فكلما هم أحد بالزنا رأى هذا السوط يسقط عليه أو رأى تلك الحجارة تقذفه، فامتنع، ففيه إرهاب وتخويف، لكن هذا تشريع، والله أعلم بالحكمة، بخلاف القوانين الوضعية فقد تكون خالية من الحكمة، ويهمنا أن التشريع الإسلامي حكيم ثابت، وهو أقوى من رسوخ الجبال.
وقوله: (واغد -يا أُنيس - على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها) ، مفهوم المخالفة إذا لم تعترف فلا ترجم، فأتى إليها فاعترفت فرجمها، وهذه هي الوكالة في إقامة الحدود، وبالله تعالى التوفيق.
والراجح الاكتفاء في الإقرار بمرة واحدة، وليس بلازم أن يقر عدة مرات، والذين اشترطوا تكرار الإقرار، استدلوا بأن ماعزاً أقر فأعرض عنه، فجاءه من قبل وجهه فأقر فأعرض عنه، أربع مرات، قالوا: ليستخلص منه أربعة إقرارات ليثبت الحد عليه، لكن لا والله ما كان رسول الله ليحتال على ماعز حتى يستخلص منه أربعة إقرارات وهو لا يدري ذلك، ولكن كان يعرض عنه لعله يولي ويدبر، كما جاء أنه قال لرجل جاء بزان: (هلا سترته بردائك) ، والغامدية اعترفت وهي حامل، فقال: (اذهبي حتى تضعي، فرجعت ووضعته، ثم جاءت، فقال: اذهبي حتى تفطميه، فرجعت ثم جاءت به مفطوماً، وفي يده كسرة يأكل منها، فقال: اذهبي حتى تجدي من يكفله) ، فهل كان يردها هذا الرد من أجل أن تأتي بعد ذلك؟ لا، ولو أنها لم تأت ما طلبها، وبالله تعالى التوفيق.
стр. 2259
كتاب البيوع - باب الإقرار
الإقرار سيد الأدلة، وقد أثبتت الشريعة حجيته بضوابط وشروط معتبرة، والعمل به وإقراره يدل على كمال الشريعة وعدالتها وحكمتها.
стр. 2260
شرح حديث: (قل الحق ولو كان مراً)
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: قال المصنف ﵀: [وعن أبي ذر ﵁ قال: قال لي النبي ﷺ : (قل الحق ولو كان مراً) صححه ابن حبان من حديث طويل] .
قبل الدرس نقدم الشكر لله، ونحمده سبحانه أن أعادنا إلى هذا المكان، وجمعنا بالإخوان في هذا الدرس المبارك، ونسأله سبحانه أن يتم علينا وعلى كل مريض الشفاء، وأن يوفقنا وإياكم جميعاً لما يحبه ويرضاه، وأن يبارك لنا في هذه الجلسات، وهذه الدروس، إنه سميع مجيب.
وأخبر الإخوان أني طيلة هذه المدة ما ذهب عني التشوق إلى لقائكم، والجلوس معكم، والتحدث إليكم، وأحمد الله سبحانه، وإن كان هناك بعض الأثر، ولكن دائماً بحمد الله ولو كنت متأثراً إذا جئت إلى الدرس وجلست وسميت الله سبحانه أحسست بكل نشاط وبكل ارتياح، فأحمده سبحانه وأشكر فضله؛ ولهذا أحث الإخوة على الحرص الدائم على طلب العلم عامة، وفي المسجد النبوي خاصة، وقد قال ﷺ : (من راح إلى مسجدي هذا لعلم يعلمه أو يتعلمه كان كمن غزى في سبيل الله) ، وقد ميّز الله هذا المسجد المبارك ببركات عديدة، يفتح بها على طلاب العلم، فيحصلوا على أضعاف ما يحصله طلاب الجامعات أياً كانت، ويكفي أنه إذا ذكر في الحديث: قال رسول الله ﷺ ، فحالاً وبسرعة وقوة ورغماً عنك تتذكر مكانة رسول الله ﷺ .
ونسأله سبحانه أن ييسر الخير لنا ولكم، وأن يعلمنا وإياكم، ويفتح علينا وعليكم والمسلمين، إنه سميع مجيب، ونبدأ بحمد الله الدرس، وإلى الإقرار.
стр. 2261
معنى الإقرار
الإقرار في اللغة: قرّ، بمعنى: مكث وثبت، تقول: أقر بالمكان بمعنى: جلس وثبت فيه، ومنه قرار البئر، وقرار النهر أي: عمقه ونهايته، والإقرار يكون في الحقوق المدنية أو في الجنائية، إلا أنهم في الجنائية اصطلحوا على أن يسمى اعترافاً، يقال: اعترف بالجريمة، وفي الحقوق المالية يقال: أقر، وهو في الشرع -سواءً كان جنائياً كالحدود، أو مدنياً كالأموال ونحوها- يسمى إقراراً، ويعرفونه: بأنه إخبار عن حق في الذمة للغير، هذا أوجز التعريفات، وإن كانت قد تعددت، فالإقرار إخبار، والبعض يعتبر الإقرار إنشاءً، والصحيح الأول، والفرق في اللغة بين الإخبار والإنشاء هو: أن الإخبار إنباء عن شيء حاصل بالفعل قبل أن تخبر عنه، مثلاً تقول: أكلت تمراً، تخبر بالأكل، والأكل قد وقع قبل أن تخبر به، بخلاف الإنشاء، تقول: كل تمرة، الآن ما حصل الأكل، وأنت تنشئ القول بإيجاد الأكل، وهناك ألفاظ تحتمل الخبر والإنشاء ينصون عليها كصيغة البيع والطلاق، تقول: بعت كتابي، بعتك الكتاب، بعت واشتريت، قد تقول قبل البيع والشراء: أتبيعني كتابك؟ فيقول: بعتك، ويمكن أن تقول: بعتك كتابي العام الماضي، ولم تدفع لي ثمناً، فبعتك تحتمل إخباراً عن بيع قد سبق قبل القول، وتحتمل إنشاء البيع الآن بإيجاب وقبول.
فالإقرار من باب الإخبار عن شيء سابق، وليس إنشاءً، أقول: هذا الكتاب لك، هل هو إخبار أم إنشاء؟ إن قلت لك هذا بمعنى: أعطيتك إياه، فهو إنشاء هدية تتوقف على القبول، وإن كان إخباراً فأكون قد أعطيتك الكتاب من قبل، والآن أقرر أني قد أعطيته لك فلا أملك الرجوع، والإقرار له مباحث عديدة، وهو ركن أصيل في القضاء، وطرق الإثبات ثلاثة كما جاء عن عمر رضي الله تعالى عنه في أمر الزنا: إما بينة أو حمل أو إقرار، يعني: لا يثبت حد الزنا إلا بالبينة كما ذكر سبحانه أربعة شهود، وإما أن يظهر الحمل وهي ليست ذات زوج، وإما الإقرار.
مع أن قول عمر: أو الحمل، فيه نقاش؛ لأن المرأة قد تبتلى بالحمل بدون زنا، وذلك إذا وصل إلى محلها ماء الرجل دون قصد، كما قال عمر: اعزلوا ما شئتم، فإن جاءت الأمة بولد وهي تحت سيدها لألحقت الولد به؛ لأن الماء يسري، ولذا عندما قال رجل للنبي ﵊: (لي جارية، وأحب منها ما يحب الرجل من أمته، أفأعزل عنها؟ فقال: اعزل إن شئت أو لا تعزل، إذا أراد الله خلق الولد من ماء الرجل خلقه ولو ألقيته على حجر) ، يعني: ولو ألقى الماء على حجر، وجاءت امرأة ولامسته ووصل إلى جسمها فحملت، مثل التلقيح الصناعي يكون مشروعاً إذا كان بماء الزوج، وممنوعاً إذا كان بماء رجل أجنبي، وقد يكره مطلقاً.
стр. 2262
الإقرار سيد الأدلة
الإقرار يقول فيه أرباب القوانين: هو سيد الأدلة، مع أنه يدخله الاحتمال؛ لأن الخبر في اللغة: ما احتمل الصدق والكذب لذاته، وكلمة (لذاته) ، تخرج غيره كإخبار الله وإخبار رسوله، فهي لا تحتمل إلا الصدق، أما قول شخص: أكلت، فهذا إخبار، قد يصح أنه أكل ولعله لم يأكل.
فالإقرار أصل في القضاء في الإثبات، وهو سيد الأدلة؛ لأن غالب الأحوال أن الشخص لا يعترف على نفسه بما فيه مضرة، فلا يقول: سرقت، وهو لم يسرق، ويعلم أنها تقطع يده، أو يقول لك: عندي ألف وما عنده شيء، فيغرم الألف!! فالغالب أن الشخص لا يقر على نفسه إلا بالحق، ولكن قد يكون الإقرار لغرض، وليس الإقرار صحيحاً، وهذا من أصعب ما يكون أمام القضاة؛ لأن القاضي إذا سمع الدعوى، وسأل المدعى عليه فأقر بصدق ما ادعى به المدعي؛ انتهينا، هذه دعوى، وهذا إقرار المدعى عليه، فلم يبق إلا الحكم، ولكن قد تكون هناك دوافع تدفع الشخص إلى أن يقر بغير الواقع، إما لدفع شيء أعظم مما ادعي به عليه، وإما لمصلحة لنفسه.
стр. 2263
من أخبار القضاة
يذكر وكيع في إخبار القضاة: أن شيخاً دخل ومعه شاب على القاضي، فادعى الشيخ على الشاب ألف دينار، فسأل القاضي المدعى عليه: ما تقول؟ قال: نعم، أقر بأن له عليّ ألف دينار، فتعجب القاضي! ثم قال: قوما عني وارجعا غداً، فذهبا، وكان في السابق القاضي يستصحب طلبة العلم والعلماء ويستشيرهم في مجلس القضاء بغية الوصول إلى الحق، فكان بعض أصدقاء هذا القاضي من العلماء جالساً، وسمع الدعوى، وسمع الإقرار، ورأى القاضي صرفهما، فلما انصرف قال: ما بالك؟! مدعٍ يدعي ومدعى عليه يقر بصدق الدعوى، وتقول: قوما وارجعا غداً! لماذا لم تحكم بمقتضى الإقرار؟! قال له: على رسلك، ننتظر، وفي الغد جاء شخص مع الشيخ والشاب يصيح: مولانا القاضي! إن ولدي هذا قد أفسد علي مالي، وقد طلب مني ألف دينار، فامتنعت أن أعطيه، فأتى وتواطأ مع هذا الشيخ، أن يدعي عليه بألف فيعترف، وليس عنده ما يسدد، فتحكم عليه بالحبس، فتأتي أمه وتلح عليّ أن أدفع الألف لأخرجه من الحبس، ثم يخرج ويقتسمها مع الشيخ.
فهنا التفت القاضي لصاحبه وقال: أرأيت؟! قال: ما الذي ساق نظرك لذلك؟! قال: ألم تر سرعة إقراره؟! لأنه قال فوراً: نعم.
وبهذه المناسبة أذكر أنه دخل عليّ شيخ وشاب، والشيبة أعرف اسمه له قضايا كثيرة، وكان الشاب يدعي على الشيخ أنه باعه أرضاً وقبض ثمنها منذ ثلاث سنوات، ولم يسلمها إليه، ويطلب الحكم عليه بأن يفرغ له الأرض، فإنه باعه الأرض منذ ثلاث سنوات وأخذ ثمنها، ولم يفرغ له الأرض، فطلب أن يفرغها له، وهذا حق.
فسألت الشيبة المدعى عليه، فقال: نعم، أنا بعت واستلمت! فضحكت! فالشيبة فطن فقال: لماذا تضحك؟! قلت: أضحك عليكم، قال: لماذا؟ قلت: أنت -يا فلان- شيبة، وتعرف المحاكم، وتذهب وتأتي، ما هي قضيتكم التي أنتم تختصمون فيها؟ كيف يقول: اشتريت، وأنت تقول: بعت واستملت، بلا إنكار؟ فضحك الشيخ!! فقلت: لماذا تضحك؟! قال: لأنك فهمتنا! قلت له: ما هي القصة؟ قال: أنا بعت، وجئنا لكاتب عدل ليكتب، فامتنع؛ لأن الأرض فيها مبيعات، وليس فيها حلول درعة، وقال: لازم تعملوا درعة وتأتوا، فقلت: إذاً: دعواكم عند الكاتب.
فقد يكون الإقرار مظنة التهمة، والقاضي الفطن يتنبه لدوافع الإقرار.
стр. 2264
لابد في الإقرار من قرينة تدل على صدق المقر
جاءت الجهنية إلى النبي ﵊، وأقرت على نفسها بالزنا، وطلبت إقامة الحد، فردها ﷺ ، فهذا إقرار صحيح، والدافع عليه هو ما قالت: طهرني.
وكذا الرجل الذي وجد امرأة في طرف المدينة، فأصاب منها كل شيء إلا الجماع، فقال: أصبت حداً فأقمه علي وطهرني، فسأله عما فعل، فذكر كل شيء إلا الوطء، فأمره بما يطهر ذلك.
فالإقرار سيد الأدلة إذا كانت هناك قرائن تؤيده، أما إذا وجدت قرائن تدل على أن هناك عوامل أخرى حملته على الإقرار بغير الواقع فلا قيمة له.
ومن مباحث الإقرار يتناول العلماء أيضاً: من هو الذي يقبل إقراره؟ وما هو الحق الذي يقبل الإقرار به؟ ومن الشخص الذي يصح الإقرار له؟ وهناك مباحث واسعة في رجوع المقر عن إقراره، والفرق في هذا الرجوع بين شخص وشخص، وبين حق وحق، فيختلف الحكم إذا كان الذي رجع عن الإقرار معروفاً بالتهمة، أو إذا كان الحق لله سبحانه في حد من حدوده.
وهذه المسائل بحثت فيما يتعلق بالإقرار، وأعتقد أن استيفاء أحكام الإقرار لا يتأتى بما اقتصر عليه المؤلف، فإنه اقتصر بجزء من حديث، وإلا فأبواب الإقرار القضائية وأبواب الإقرار الفقهية متسعة.
стр. 2265
ثبوت الحق بالإقرار
قول النبي ﵊: (قل الحق ولو كان مراً) ، يدل هذا اللفظ: (قل الحق) على صحة إثبات الحق بالإقرار؛ لأنه لو لم يكن لقول الحق فائدة في الإثبات لما صح.
ويقولون: الإقرار حجة بالكتاب، والسنة، والإجماع.
في الكتاب في قضية الدين: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ [البقرة:٢٨٣] ؛ لأنه يملي ما عليه، ويقر بذلك في نفسه، ومن حكمة التشريع: أن الذي يملي على الكاتب هو المدين؛ لأن إملاءه عليه اعتراف بالدين، لا أن نملي عليه الدائن؛ لأنه يملي بما يريد، وإقرار الشخص لا يسري إلا على نفسه، فلا يحق للدائن أن يملي على الكاتب، فهذا من الأدلة، وأيضاً قوله تعالى: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ﴾ [آل عمران:٨١] ، وقوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف:١٧٢] ، فأخذ المولى سبحانه العهد على النبيين بالإيمان بالنبي ﷺ : ﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران:٨١] .
وفي السنة لما جاء ماعز واعترف بالزنا، ورده عليه ثم ألزمه بإقراره، وأمر بإقامة الحد عليه، وكذلك قصة العسيف، لما جاء أبو العسيف مع رجل آخر، وقال: إن ابني كان عسيفاً عند هذا -يعني: أجيراً عنده- فزنى بامرأته، فسألت فقيل: على ابنك وليدة ومائة شاة، فاقض بيننا -يا رسول الله- بكتاب الله فقال: (سأقضي بينكما بكتاب الله: الوليدة والمائة شاة رد عليك، وعلى ابنك الجلد وتغريب عام -لأنه بكر- واغد -يا أنيس - إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها) ، ثم رجمها بناءً على اعترافها.
إذاً: الإقرار بينة يعتمد عليها بنص السنة في ذلك.
وجاء رجل إلى أبي بكر فقال: إني وجدت رجلاً مع امرأتي، فقال: يا فلان! اذهب إلى امرأته فسلها، فوجدها مع نسوة فقال لها: إن زوجك يقول كذا وكذا -وإقرار الإنسان لا يكون إلا على نفسه، يعني: ما يلزمك من إقراره غيرك أي شيء- فأقرت ولم تنزع عن إقرارها، وأصرت على إقرارها واعترافها، فأمر برجمها.
стр. 2266
هل يشترط تكرار الإقرار ؟
وهل يكون الإقرار مرة واحدة، أو مرتين بعدد الشهود في الأموال، أو أربع مرات بعدد الشهود في الزنا؟ الصحيح: أن الإقرار ما دام أنه اعتراف المرء على نفسه يكفي مرة.
والذين قالوا: يجب تكراره، استدلوا بقضية ماعز؛ لأنه أتى فاعترف فأعرض عنه، ثم جاءه عن يمينه، وجاءه من أمامه ومن خلفه أربع مرات، لكن الرسول كان يعرض عنه لعله يذهب ويترك إقراره، لا لينتزع منه تكرار الإقرار الموجب للحد؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات، ولما ألح قال: (أبك جنون؟ قال: لا، لعلك فاخذت؟ لعلك قبلت؟) ، فقال: بل زنيت بها، وكل هذا من دواعي صدقه، وتلك الأسئلة كأنها إيماء له بالرجوع عن إقراره، وسأل أصحابه: (أمجنون هو؟) .
قالوا: تكرر اعتراف ماعز أمام رسول الله أربع مرات، فيجب أن يكون الإقرار في الزنا أربع مرات بدلاً من أربعة شهود.
لكن جاء رجل برجل وقال: قد سرق، وليس معه متاع، فقال: (ما إِخالك سرقت!) حتى يقول: ما سرقت، ويذهب.
وجاء عن علي أنه قال: إذا جاء المعترف بالسرقة أو بالزنا فردوه.
إذاً: ليس تكرار إقرار ماعز، وإعراض الرسول عنه؛ لإثبات الحد بل هو يريد أن يدرأه عنه، ويدل على أن الإقرار مرة يكفي قوله في حديث العسيف: (فإن اعترفت) ، وما قال: أربع مرات.
إذاً: الإقرار مرة يكفي في الحقوق، أما الرجوع عن الإقرار فهذا مبحث كبير، إذا كان الرجوع عن حد من حدود الله فيصح رجوعه، بل إن الإمام أبا حنيفة ﵀ ذهب إلى أبعد من هذا، فقال: لو جاء إنسان وأقر على نفسه بالزنا، ولم يعين من زنى بها، أخذ بإقراره؛ لكن إذا عين المرأة التي فعل معها الفاحشة، وسئلت فنفت، فهي لا تؤاخذ بإقراره، ويسقط الحد عن هذا المعترف! لماذا؟! قالوا: لأن الزنا لابد فيه من جانيين، وهذه أنكرت، وقبلنا إنكارها، والزنا لا ينتصف، إذاً: لا يقام عليه الحد، وهذه شبهه، والجمهور على خلاف ذلك، وأنها إن أقرت أخذت بإقرارها، وإن لم تقر لا يقام عليها الحد.
والرسول ﷺ لما جاءته الجهنية ما سألها: مع من زنيت؟ ولما جاءه ماعز ما سأله: مع من زنيت؟ فهو يرغب في الستر على المسلمين، فلا يبحث عن الزناة، بل يسكت عنهم.
стр. 2267
من وصايا رسول الله ﷺ
ذكر المؤلف ﵀ جزءاً من حديث طويل، وسبق أن كتبت عنه في كتاب صدر باسم: وصايا رسول الله ﷺ ، وجمع هذا الكتاب فوق الخمسين وصية بنص الوصية، لا كما فعل بعض الناس جمع النصائح من باب الترغيب والترهيب، وجعلها وصايا، بل ذكرت ما فيه: (أوصاني خليلي) ، وهذا الحديث ذكره الشارح الصنعاني وسنشرحه جملة جملة.
[وعن أبي ذر ﵁ قال: (أوصاني خليلي ﷺ ] .
هذه الخلة نعمة كبرى، وإذا سمعت هذه الكلمة: (أوصاني خليلي) تحس برقة وتحس بشفافية، وقوة ارتباط: (خليلي) من التخلل، وأصل الخلة: مأخوذة من عيدان الخِلال، أتعرفون الخِلة؟ إن الفلاحين يعرفوها، وقبل ما تظهر المساويك هذه وفرشات الأسنان، كان كوز الخِلة في الجيب دائماً وأبداً، وهي عبارة عن ثمرة فيها أعواد رفيعة دقيقة مثل الإبر التي طرفها عادي، وليست متينة، والكوز يجمع حوالى مائة عود، فكانوا يخَللون بها الأسنان، ينظفون ما بين السن والسن، وما بين السن والسن ضيق جداً، وبعضهم يتخلل بالخيط، فالخلة هذه تدخل بين السنّين بقوة وبضغط، ولا تدع فراغاً بين السن والسن إذا تخلل بها، فكذلك الخلة محبة تتخلل القلب فلا تدع فراغاً لغير المحبوب؛ ولهذا قال ﵊: (لو كنت متخذاً من أمتى خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن الله اتخذني خليلاً) ، ومنه الخليلة، شديد الحب لها، حتى تخلل حبها قلبه، فلم يبق لغيرها مكان، وهنا قال: (أوصاني خليلي) يعني: حبيبي الذي ملأ حبه قلبي، فلم يعد لأحد مكاناً فيه.
وإذا كان الموصى له بهذه الصفة يحب خليله، فسيوصيه بأعظم شيء، وبأحسن شيء؛ لأنها وصية من الخليل إلى الخليل، قال: (أوصاني خليلي) ، من هو؟ ما يحتاج أن يسميه؛ لأن الوصف إذا ذكر مطلقاً صرف إلى أعلى فرد فيه، وأعلى فرد في الخلة والمحبة للصحابة ولكل مسلم هو رسول الله ﷺ ، وفي الحديث: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ماله وولده والناس أجمعين) .
وكلمة: الوصية وأوصاني لها فقه في اللغة: وصل، وصي، قالوا: إذا اتفقت الكلمتان في المادة في حروفها، واختلفت في حرف واحد، كان بين الكلمتين ارتباط وصلة، فوصي من وصل الحبل، فكأن الموصي يصل الموصى إليه بخير من عنده، فعندما تقول: أوصيك بكذا؛ فكأنك تصله بمعروف من عندك، ومنه الوصية في المال، تقول: أوصيت لفلان بكذا، يعني: وصلته بشيء من مالي.
стр. 2268
النظر إلى من هو أسفل منك
قال: (أوصاني خليلي ﷺ : أن أنظر إلى من هو أسفل مني، ولا أنظر إلى من هو فوقي) ] .
أول جملة في الوصية أن أنظر إلى من هو أسفل مني.
والناس في الدنيا قسمان بالنسبة إليك، دونك وأعلى منك، مهما كنت، وإن كنت لا تملك إلا درهماً، فهناك من هو دونك لا يملك درهماً، وهو مريض، فهو دونك.
وإن كنت تملك ملياراً، فهناك من يملك مائة ألف فهو دونك، وهناك من يملك المليارات فهو فوقك.
إذاً: دون وفوق أمور نسبية، ومهما كنت في حالة من الحالات، فهناك من هو دونك، وهناك من هو فوقك.
انظر إلى هذه الجملة! والله! ثم والله! لو أن العالم كله وقف عندها، وطبقها لاستراح، إذا نظرت إلى من هو دونك وعندك مائة ألف، أو ألف ريال، أو في يدك عشرة ريالات، وهو عنده ريال واحد، فصاحب الريال ماذا سيفعل به؟ سيأخذ له رغيفاً من الخبر، وقليلاً من ملح، أو حبتين تمر! وأنت معك عشرة ريال، ستأخذ خبزاً، وتأخذ لبناً، وتأخذ جبناً، وحلواء، فإذا نظرت إلى صاحب الريال وأنت معك عشرة، فهل تقلق وتنزعج أو ترضى؟ ترضى وتطمئن، وإذا نظرت لمن عنده ألف ريال، ستقول: أوه! والله! هذا سيأتي بذبيحة، هذا سيفعل، وتجري على يديك ورجليك من أجل أن تدركه فلا تستطيع، إنسان يمشي وهو يتوكز على عصا، وآخر يزحف على الأرض، وآخر يجري على قدميه، وأنتم في طريق واحد، وأنت تمشي برجلك وتتوكز على عصا، والآخر مر عليكم مثل الفرس، فلو نظرت إلى هذا السريع وأردت أن تجري مثله، تتعب نفسك وتسقط، لكن إذا نظرت إلى هذا الزحاف مشيت على مهلك؛ لأنه يوجد من هو أقل منك.
ولو كنت صاحب سيارة، انظر إلى من هو دونك، ولا تنظر إلى سيارة أحسن من سيارتك، لأنك إن رضيت بسيارتك استرحت، وهي ستوصلك، وإذا نظرت إلى الأخرى تألمت.
كذلك في البيوت، إذا نظرت إلى من يسكن في عشة في خيمة في صندقة، وأنت في بيت من اللبن، قلت: الحمد لله معي بيت مبني، وإذا نظرت إلى صاحب الفيلة والعمارة والحديقة ماذا تفعل؟ تبيت كمداً، والحسرة لا تفيدك شيئاً.
وفي الملابس قد تقول زوجتك: أريد فستاناً، فتشتري لها بمائتين ريال، فتقول: لا! فلانة عندها فستان بألف، فإذا نظرت إلى من فوقها أرهقت زوجها، وشقت عليه، ونكدت نفسها، وما طابت نفسها بفستان بمائتين، لكن التي ما عندها، ولا شيء، وتستعير ثوباً من جارتها إذا احتاجت، فإذا جاءها فستان بمائة ريال تقول: هذا ليوم العيد، وتفرح به؛ لأنها ما عندها شيء، فلو نظرت المرأة إلى من دونها أراحت نفسها، وأراحت زوجها.
وهكذا في الأمور الأخرى، بعضهم يقول: مهر ابنتي كذا.
لا، لازم بنتي يكون مهرها كذا، ولو نظر إلى من كان مهرها عشرة ريال أو درهمين لفرح بمهر ابنته، لكن يقول: أريد الزواج في قصر صفته كذا، حتى في مكان الأفراح قد ينظر المرء إلى من فوقه أو ينظر إلى من تحته، وفي جميع أحوال الحياة، سواء في نفسك أنت، أو في ظروف حياتك، كلما نظرت إلى من هو دونك استرحت، وإذا نظرت إلى من هو فوقك تعبت، وكما يقول الناس: الذي يمشي في الطريق مستوياً مستريح، لكن الذي يمشي ونظره إلى السماء، رقبته ورأسه يدوخ.
والمقصود من هذا -يا إخوان- القناعة بالواقع، إذا كنت تنظر إلى من دونك، ووجدت نفسك خيراً منه، قنعت بما أنت عليه، وإذا نظرت إلى من هو فوقك لا تعرف القناعة لنفسك طريقاً ودائماً تقلق، وكان والدنا الشيخ محمد الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه عندما جاء الرياض، يأتيه فلوس وهدايا من الملك عبد العزيز الله يغفر له، فقد كان يعطي العلماء في المناسبات، فكان الشيخ حالاً يقسمها على الأرامل، وعلى أسر منقطعة في المدينة من عوائل الشناقط، ويرسل لأهله أيضاً، وكان يكثر من هذا، ففي يوم كنت خالياً معه، فقال: أنا خائف على نفسي، جئت من بلادي بكنز عظيم جداً، والآن أخشى عليه الضياع، قلت له: ما هو هذا الكنز يا شيخ؟! أنا أعرف أن الشيخ في بعض الأحيان لا يجد مالاً، وهذا ليس عيباً في طالب العلم، وكان يرسلني لأقترض له من بعض الأشخاص، فقلت له: ما هو هذا الكنز وأنا اقترض لك من فلان وفلان؟ قال: هو كنز القناعة، كنت قانعاً بكل ما يكون في حياتي وجدت أو لم أجد كله عندي سواء، وفعلاً كانت الأمور عنده سواء، وهذا الكنز من القناعة من أين جاء إليه؟ من النظر إلى من هو دونه.
أيها الإخوة! هذه الجملة من الوصية تعطي الإنسان طمأنينة وقرارة نفس، وقناعة بالواقع، وأخيراً الأمر سواء، فصاحب المليارات وصاحب الريالات في النهاية هم مستوون، صاحب المليارات ليس له منها إلا ما أكل وأفنى، أو لبس فأبلى، وأنت ليس لك من دنياك إلا ما أكلت، أو لبست، وصاحب الريالات آكل ولابس، لكن الخلاف في النوعية، هذا يأكل لحماً مشوياً، وهذا يأكل جبناً وفولاً وطحينية، والمعدة ستمتلئ، والفوارق هذه لا يعادل بها طمأنينة النفس.
وهذا باب واسع، ومن أراد التوسع في هذه الوصية بالذات فليرجع إلى ذاك الكتاب: (وصايا الرسول ﷺ .
стр. 2269
حب المساكين والدنو منهم
قال: [ (وأن أحب المساكين وأن أدنو منهم) ] .
ولماذا يحبهم؟! ولماذا لا يحب الأغنياء؟ لو قلت: صديقي الأمير فلان، وصديقي التاجر فلان، فأنت إذا صادقت من هو أكبر منك كنت معه في منزلة وضيعة، لو كنت مع كبير التجار، وأنت تاجر صغير، وجالسته في المجالس، فالناس يفضلونه عليك، ويقدمون له التشريف والتكريم دونك؛ لأنهم يرونك دونه.
وإذا كنت مع تاجر أقل منك فستكون أنت موضع التكريم.
أوصاه أن ينظر إلى من هو دونه، والآخر إلى من هو دونه، وهكذا حتى يصل إلى المساكين، فجالس المساكين، وأحب المساكين؛ لأنهم يحفظون لك دوام النظر إلى من هو أقل منك، والمساكين دائماً وأبداً حياتهم سهلة، لا يكلفونك شيئاً ليس في طاقتك، وهم أقرب الناس إلى الله بالطاعة، وبالذكر، وأقل شيء أنهم لا يظلمون الناس، ولا يعتدون عليهم، ولا يتعاملون معاملة منهياً عنها، ما عندهم شيء، فأحب المساكين، وادن منهم، لا تحبهم من بعيد! بل، أزورهم، أخالطهم، أجالسهم؛ لأكون دائماً على هذا المستوى، وكلما تطلعت نفسي إلى أعلى، أتذكر هؤلاء فيردونني.
стр. 2270
صلة الرحم
قال: [ (وأن أصل رحمي وإن قطعوني وجفوني) ] .
ما دام أنه يحب المساكين وهم قد يكونون غرباء وأجانب، فليصل رحمه، وليس حب المساكين محبة في القلب فقط، بل إذا أحب المساكين عطف عليهم وساعدهم، المسألة ليست بالكلام فقط، والحب هذا يكون جسراً لمنفعة المساكين والعطف عليهم، فإذا كان سيعطف على المساكين ويدنو منهم فذو رحمه أحق بذلك.
وذكرت لكم أنه إذا وجدنا صفاتاً متعددة في حديث واحد؛ فلننظر إلى العامل المشترك بينها، فصلة الرحم جاءت مع المساكين بجامع العطف والعطاء، حتى ولو كان ذوو الأرحام أغنى منك، فحقهم عليك أن تصلهم وإن قطعوك.
جاء رجل إلى الرسول ﷺ وقال: إن لي أقرباء أحسن إليهم ويسيئون إلي، وأصلهم ويقطعونني، قال: (لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل) ، أي: الرماد الحار، وصلة الرحم غنية عن التنبيه عليها.
стр. 2271
قول الحق ولو كان مراً
قال: [ (وأن أقول الحق ولو كان مراً) ] .
(وأن أقول الحق ولو كان مراً) ؛ لأن قول الحق فيه صلة لصاحب الحق، كان الحق ضائعاً خفياً لا يعرفه أحد، فإقراره بالحق كما يعطي المساكين، وكما يصل رحمه، فيعطي صاحب الحق حقه، وكيف يكون الحق مراً؟ لأن الحق ثقيل، فيه إلزام، وله توابع، والكذب ذاهب في الهواء، والحق أمر معنوي، والمرارة أمر حسي، تقول: هذا الطعام مر، وهذا الطعام حلو، والحلاوة والمرارة أمر مادي موجود ملموس؛ ولكن الحق أمر معنوي، وهذا على سبيل التشبيه؛ لأن الحق لو كان مطعوماً لكان مراً كما قال الشاعر: ولم أر كالمعروف أما طعمه فحلو وأما وجهه فجميل المعروف أمر معنوي، وهو الإحسان، لكن شبهه لو كان من الناس لكان جميل الوجه، ولو كان في الطعام لكان حلواً.
стр. 2272
شروط صحة الإقرار
محل الشاهد من هذا الحديث: أن الإقرار معتبر؛ لأنه إذا أقر بالحق على نفسه أخذ به، وألزم بما أقر به، وهنا تفاصيل عديدة، فما يشترط في المقر؟ ومتى يقضى عليه بإقراره؟ قالوا: يشترط أن يكون عاقلاً، سليماً، بالغاً، حراً، فيعترف بإرادته بغير إكراه، وكونه عاقلاً أخرج المجنون، والمغمى عليه، والمخدر ففاقد العقل فاقد الأهلية، وفي الحديث: (رفع القلم عن ثلاثة: النائم حتى يصحو، والمجنون حتى يفيق، والصبي حتى يبلغ) .
فلا يعتبر الإقرار حال الجنون، والإغماء، والنوم، فبعض الناس قد يتكلم وهو نائم، وربما يعترف بشيء وهو نائم، فلا يؤاخذ بذلك؛ لأن الإقرار التزام، والالتزام مسئولية، وهذا فاقد المسئولية.
قالوا: وأن يكون بالغاً؛ لأنه يقر على نفسه بحق، والصبي ليس عليه التزام، وكذلك أن يكون اعترافه بإرادته لا بإكراه؛ لأنه إذا أكره ألغي إقراره، كما في قوله سبحانه: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦] ، وهذا في أعظم شيء وهو التوحيد، تكلم بما يوهم شركاً، وأقر بما يريدونه؛ ليدفع عن نفسه التعذيب، ولكنه إقرار مكره، ويذكر ابن قدامة ﵀ أو غيره: أن امرأة أتت عمر وقالت: إن زوجي طلقني ثلاثاً ثم أنكر، فاستدعاه، فقال: كانت دائماً تسألني الطلاق وأمتنع، فذهبت وإياها يوماً نشتار عسلاً -اشتار العسل بمعنى: جناه- في صفحة جبل، فتدليت بحبل إليه -ربط الحبل في قمة الجبل في صخرة، وتدلى بالحبل حتى نزل عند مستوى النحل- فقامت على رأسي وقالت: طلقني، قلت: لا أطلق، قالت: سأقطع عليك الحبل! وإذا قطع الحبل سيتردى ويموت، فقال: أنت طالقة ثلاثاً، قال: فطلقتها ثلاثاً، فضحك عمر رضي الله تعالى عنه وقال: اذهب لا شيء عليك، لا طلاق في إكراه.
فإذا أكره الإنسان على شيء لا يعتبر ذلك، ويبحث الفقهاء عن نوعيه الإكراه، فليس إكراه زيد كإكراه عمرو، بعض الناس يعتبر مجرد التأنيب والعتاب إكراهاً، وبعض الناس لو جلد عشرة أسواط أو عشرين سوطاً، ما يعتبر هذا شيئاً، فالإكراه بحسب الشخصيات، فهذه شروط من يؤاخذ بإقراره.
وكذلك يشترط إمكان إقراره عقلاً، فلو أن امرأة ادعت على رجل بالزنا، والشخص الذي ادعت عليه مجبوب الذكر، فجاء ليدرأ الحد عن غيره فقال: نعم زنيت بها، فكشفنا عليه فإذا به ليس عنده آلة الزنا، فهل يكون هذا الإقرار صحيحاً؟ ليس بصحيح، لو جاءت بأربعين شاهداً فواقع الحال يكذب البينة، وكذلك لو قال: هذا ولدي، ونظرنا في السن، فإذا بهذا ولد والمدعي له عمره خمس سنوات.
فهل يتأتى هذا؟ لا.
يقول المالكية: إذا كان هناك ما يشبه قبول الدعوى سمعت.
وعلى كلٍ الإقرار مباحثه طويلة، وهو سيد الأدلة، ولكن تحفه شبهات، ويجب أن يتحرى فيه، ومن أراد التوسع فكتب الفقه تفصل ذلك.
стр. 2273
كتاب البيوع - باب العارية
من سنن الله في خلقه أنه جعلهم محتاجين إلى بعضهم البعض، فلا يستطيع أحد أن يعيش بمفرده دون الآخرين مهما كان، ولهذا شرع الله للناس التعامل فيما بينهم البين، وبين لهم ما يحل من هذه المعاملات وما يحرم، ومن هذه المعاملات التي أباحها الله للناس لحاجتهم إليها: العارية، بل إن الله ندب إليها وتوعد من يمنع الماعون.
стр. 2274
حديث: (على اليد ما أخذت حتى تؤديه)
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد بن عبد الله الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه.
أما بعد: فيقول المصنف ﵀: [عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ : (على اليد ما أخذت حتى تؤديه) رواه أحمد والأربعة وصححه الحاكم] .
هذا الحديث ليس فيه نص في ذكر العارية، ولكن فيه: (على اليد ما أخذت) ، سبحان الله! هل اليد هي الآخذة أو الإنسان هو الذي يأخذ بيده؟! الجواب: هو الإنسان ولكن هذا من البلاغة؛ لأن اليد هي المباشرة، فأسند الفعل إليها، وأما حقيقة فليست هي الآخذة ولكنها آلة الأخذ، وهنا (اليد) (الـ) هنا للجنس أي: كل يد (عليها ما أخذت حتى تؤديه) .
(تؤديه) يعني: ترده من حيث أخذته، ومن أين أخذته؟ أخذته من شخص جاز التصرف فيه.
стр. 2275
الأشياء التي تصح إعارتها
(ما أخذت) (ما) عام يخصص بما يجوز أخذه وهو الذي تجوز إعارته، وقد وسع الفقهاء فيما تجوز إعارته حتى قالوا: العبد والجارية.
لكن ينص الحنابلة في بعض كتبهم: على أنه لا تصح إعارة الجارية في موطن الفتنة، كما لو أعيرت لرجل تخدم عنده وليس عنده أحد فهو سيخلو بها، وهذا لا يجوز، لكن إعارة الجارية لامرأة لا بأس بها.
стр. 2276
وجوب رد العارية
(على اليد ما أخذت) أخذت ممن؟ ومن أين؟ وهل أخذت سرقة أو أخذت غصباً؟ المراد: أخذت من مالك العارية أو من ينوب عنه.
(حتى) وحتى: حرف غاية، (تؤديه) أي: ترده من حيث أخذته، واستدلوا على وجوب ردها بقوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨] ، والحديث عام في كل ما أخذته يد من غيرها، إذا استأجرت عيناً، أو استأجرت سيارة فعليك أن تؤديها: (على اليد ما أخذت) وهي في ضمانها حتى تؤديه، فإذا استعرت أرضاً مثلاً: فعليك هذه الأرض حتى تؤديها، أو استعرت داراً تسكنها، أو دكاناً تستخدمه، أو دابة تركبها، وكل ذلك مما تصح إعارته فعليك ضمانها، وعليك حفظها.
(على اليد ما أخذت) هنا يقولون: في الحديث محذوف مقدر يرجع تقديره إلى حكم العارية.
أي: مؤداة أو مضمونة.
فإن كانت مؤداة فعلى اليد حفظها، وإن كانت مضمونة فعليها ضمانها.
أي: على اليد ضمان ما أخذت، وعلى اليد حفظ ما أخذت، وكلا التقديرين وارد.
وعليه يأتي البحث في العارية أمضمونة هي أم مؤداة؟ والفرق بين مضمونة ومؤداة: المضمونة لو تلفت بصرف النظر عن صور الإتلاف فيما تلفت، وقلنا: عليه الضمان ضمن القيمة أو المثلية، والقيمة إن كانت مقومة، والمثل إن كانت مثلية، وأما مؤادة فالموجود منها يرده ويؤديه إلى صاحبها، والتالف لا ضمان فيه.
إذاً: العارية من حيث هي مندوب إليها في الحكم، وقد ذم الله مانعيها في عموم قوله سبحانه: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون:٧] ، ثم يأتي الكلام عن أنواعها وعن أحكام المعير، والمستعير، والضمان.
إذاً: (على اليد ما أخذت حتى ترده) ، هل في هذا الحديث تنصيص على ضمان أو عدم ضمان؟ يقول العلماء: ليس في الحديث تنصيص وإنما فيه تقدير نحتاج إليه: (على اليد ما أخذت حتى ترده) ماذا عليها؟ بعضهم يقول: على اليد حفظها وضمانها، وقيل: على اليد أداؤها، وعلى كلا الوجهين جاءت الأقوال والمذاهب في الضمان وفي الأداء وعدم الضمان، وكل له وجهة، وتحقيق المناط هنا في الأداء أو الضمان ما لم يوجد تعدٍ أو إفراط، فإذا تلفت في إفراط أو تعدٍ فيكون بالإجماع ضامن، وأما إذا تلفت في عين ما استعيرت له فهنا جاء الخلاف: فإذا استعار دابة ليركبها فذهب وحمل عليها الحطب فتلفت، فهو بهذا قد تعدى، وإذا استعارها ليركبها من المدينة إلى قباء فذهب وحملها خشب من البيت إلى قباء، فهو بهذا قد استعملها في غير ما استعارها له.
فهو بحمل الخشب عليها قد تعدى، فإن تلفت تحت الخشب فهو ضامن باتفاق، وكذلك إذا تلفت بتفريط، فإذا استعارها ثلاثة أو أربعة أيام ليركبها، ولما وصل إلى البيت لم يعطها ماءً ولا علفاً فتلفت فهذا فيه تفريط.
وإذا استعرت سيارة ومشيت بها من غير زيت، ولا ماء، ولا كشفت على كذا ولا على كذا، ومشيت بها في محلات وعرة فبنشرت الكفرات، وعطلت المكينة، فأنت بهذا قد حصل منك تفريط في عدم النظر فيما تحتاج إليه السيارة، وتعدٍ في مشيك بها في طريق غير معبد لا تمشي فيه السيارات، ففي هذه الحالة لا خلاف في ضمانها.
ولكن الخلاف في نقطة واحدة والبحث محصوراً عليها وهي: فيما لو استعارها ليركبها فركبها وفي أثناء الطريق قبل أن يصل إلى الغاية التي استعارها من أجلها وسماها لصاحبها تلفت تحته، فهنا يأتي الخلاف، ولكن إن استعارها للفريش فقال له: أعطني دابتك، أو أعطني سيارتك أتوصل عليها للفريش -منطقة- وآتي، فلما وصل تعداها إلى المساجيد -منطقة- والذي سافر على الجمال يعرف المساجيد، أو الطريق الأول قبل طريق الهجرة.
استعارها لمكان معين ولكنه تجاوز المكان، فتلفت في حدود المجاوزة، فهو ضامن، ضامن الأجرة؛ لأن صاحبها لم يأذن له في تلك الزيادة، وضامن عينها إن تلفت في تلك الزيادة؛ لأنها تلفت بسبب التعدي.
إذاً: أهم مباحث العارية أولاً: الندب إليها وتذكر أم المؤمنين عائشة ﵂ وتقول: إنه كان عندها ثوب قطري -نسبة إلى قطر- ثمنه خمسة دراهم وما كانت امرأة تتزين في المدينة إلا استعارته.
الآن يستأجرون من الكويفيرة أو يذهبون إلى المرأة التي تعنى بتهيئة النسوة أو العرائس فعندها أنواع من ثياب العرائس، وبعض الناس لا يقدر أن يشتري بدلة عروسة فيستأجر أو يستعير، وقد كان نساء الأنصار رضي الله تعالى عنهن ربما استعارت المرأة منهن ثوباً لتخرج إلى حاجتها إذا لم يكن عندها ثياب تخرج بها.
والذي يهمنا أن عائشة رضي الله تعالى عنها كانت تعير ثياباً كانت عندها.
إذاً: هذا من استباحة المنفعة بغير عوض؛ لأنه مأذون فيه من صاحب العين، وعليه أن يرد العين بعد استيفاء منفعتها، وهذا من أهم المرافق بين المسلمين وتعاطفهم وتعاونهم.
стр. 2277
الخلاف في معنى الحديث
إذاً: (على اليد ما أخذت حتى تؤديه) استدل به من قال: بأن العارية مضمونة، والآخرون ينازعون في الاستدلال بهذا الحديث ويقولون: الحديث محتمل تقديرين: الأول: على اليد حفظ العارية.
والثاني: على اليد ضمان العارية.
فعلى تقدير الحفظ فهو ليس بضامن، وعلى تقدير الضمان فهو ضامن، ولا نزاع فيما لو تلفت بتعدٍ أو تفريط.
стр. 2278
من فوائد حديث: (على اليد ما أخذت ... )
ومن فوائد هذا الحديث: أنه إذا كان للعارية مئونة رد فهي على المستعير، فإذا استعرت سيارة من المدينة لتصل بها إلى آبار علي فوصلت، فليس من حقك أن ترجع إلى صاحبها وتقول له: سيارتك في آبار علي اذهب فخذها؛ لأن على اليد ما أخذت حتى تؤديها.
إذاً: عودتها من آبار علي إلى صاحبها بالمدينة على المستعير، ولو تلفت هناك أو تعطلت فالمسئول عن إعادتها هو المستعير، ثم ننظر هل هو ضامن للعطل فعليه أن يصلحه أو ليس بضامن، وهكذا إذا استعار شيئاً آخر فإن عليه أن يرده من حيث أخذه وأجرة الرد على المستعير.
стр. 2279
حديث: (أدِ الأمانة إلى من ائتمنك ... )
قال المؤلف ﵀: [وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك) رواه الترمذي وأبو داود وحسنه، وصححه الحاكم، واستنكره أبو حاتم الرازي، وأخرجه جماعة من الحفاظ.
وهو شامل للعارية] .
الحديث الثاني في هذا الباب أيضاً أعم من العارية، (أد الأمانة إلى من أئتمنك) انظر: (من ائتمنك) : يعني: لا تخلف ظنه فيك، ائتمنك واعتبرك أميناً، فأمَّنك أمانة، والأمانة والأمن مأخوذان من لفظ واحد فكأنه آمن على سلعته عندك، وهي آمنة عندك من الضياع، وأنت أمين عليها، فيجب عليك أن تحفظها.
(أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك) : إذا خان: فهل خيانته إياك عيب أو مدح؟ وهل فيها إثم أو أجر؟ الجواب: فيها إثم، فإذا كنت أنت تستنكر عليه أنه خانك فكيف ترتكب ما تنكره عليه؟! قال ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨] ، فعليك أن تؤدي الأمانة إلى صاحبها، والأمانة: لفظ عام شامل سواءً كان في الحقيقة أو المجاز.
أبو طلحة لما مرض ولده وكان شغوفاً به وكلما دخل سأل عنه زوجه أم سليم، وفي يوم من الأيام توفي الطفل وأبو طلحة غير موجود، فقالت لأهله: لا يكلمه أحد قبلي، فلما جاء سأل عن الولد فقالت: إنه في غاية الراحة -ما كذبت ولكن ورّت- فهيأت له عشاءه ثم تهيأت له حتى قضى حاجته.
وانظر إلى القدرة والتحمل عندها، فولدها مات ولم تنزل عليه دمعة عين، ولم يحصل منها ولولة ولا صياح ولا بكاء، واستقبلت زوجها بهذا الاستقبال، حتى في نفسها، فتجهيز الطعام أمره سهل، ولكن أن تتهيأ وتمكنه من نفسها، فأي نفس تقبل هذا الآن؟ ولكن هذا منها كان وفاءً بحق الزوج، وأين هذا الصنف يا إخوان؟! وأين هذه النوعية من النسوة؟ إنها نسوة الصدر الأول من السلف الصالح، فهذه هي الزوجة التي تعين زوجها على كل خير، وتكون فعلاً سكناً له.
لما قضى حاجته قالت: يا أبا طلحة! أرأيت لو كان لجيرانك أمانة عندك فطلبوها أتؤديها إليهم أم تمسكها عندك؟ قال: بل أؤديها.
قالت: إذاً: إن الله قد أخذ ولدك، فقم فواره، فغضب وقال: سكتِ عليَّ حتى أكلت، ودنوت مني حتى اقترفت، ثم تقولين: وار ولدك، ثم غدا في الصباح يشكوها إلى رسول الله ﷺ : (فتبسم وقال: أعرستما البارحة؟ قال: نعم، قال: بارك الله لكما في ليلتكما) ، فأنجبت الولد المبارك وكان منه الخير الكثير.
إذاً: (أد الأمانة إلى من ائتمنك) أياً كان نوعها على سبيل المجاز أو على سبيل الحقيقة، والمراد هنا: الأمانة الحقيقية العينية، ائتمنك على كتاب، ائتمنك على أوراق، أئتمنك على نقد، على آلة، على أي شيء، فأي عين ائتمنك عليها فأدها إليه.
стр. 2280
حكم خيانة الخائن
قال: (ولا تخن من خانك) وفي هذه المسألة يقولون: لو أن الذي خانك وأخذ من مالك ولم يرده ولم تقدر على أخذه منه جهراً فظفرت له بمال سراً أو خفية أو دون علم منه، فهل تأخذ حقك مما ظفرت به من ماله أو تؤديه إليه كاملاً وتطالب بمالك الذي أخذه من قبل؟ للعلماء في هذه المسألة مباحث طويلة، وقد أطال ابن عبد البر في هذه المسألة وكذلك ابن رجب عند حديث: (لا ضرر ولا ضرار) لمناسبة عندهم فيه، وهذه المسألة تسمى عند المالكية في الفقه بالاعتصار: من العصر، أي أنه يعتصر حقه مما ظفر به من مال خصمه، ويقول ابن عبد البر: إنه إن أخذ حقه، أي: مقابل حقه لم تكن خيانة؛ لأن الخيانة هي: أخذ الشيء ظلماً، وهذا حينما أخذ هل اعتدى على صاحب المال وظلمه أو استرد حقه؟ استرد حقه.
وابن حزم يقول: يتعين عليه أن يأخذ؛ لأن في الحديث قال رسول الله ﷺ : (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً قيل: يا رسول الله! أنصره إذا كان مظلوماً فكيف أنصره إذا كان ظالماً؟ قال: تردعه عن الظلم) فأنت حينما تأخذ حقك من ماله فقد ردعته عن الظلم ورفعت المظلمة التي كانت عنده لغيره، وتغيير المنكر واجب.
والجمهور يختلفون، وابن عبد البر يجيب عن هذا الحديث: (ولا تخن من خانك) ، ويستدل بجواز أخذ الحق بأدلة أخرى مع تفصيل إن كان المال الذي ظفرت به هو من عين مالك، فإذا كان قد اغتصب عليك صحوناً فضفرت بعشرة صحون له، وهو أخذ منك خمسة فخذ خمسة ورد له الخمسة، وكذلك إن كان المال الذي أخذه عليك دراهم وظفرت بدراهم له، أو دنانير فإن كان من غير عين ما خانك به فهل تأخذ مقدارها أم لا؟ إذا خانك في لباس، أو في ثياب، وظفرت له بمال فضة أو ذهباً وهذا المال من غير جنس ما أخذ منك فهل تأخذ قيمة ما خانك فيه؟ على هذا الخلاف الذي يذكرونه عند هذا الحديث: (أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك) ويقول ابن عبد البر: لا تخن من خانك.
أي: بعد أن أدى إليك ما كان قد خانك فيه، فإذا كان قد خانك في مال ثم أداه إليك ثم ظفرت له بمال بعد ذلك فلا تأخذ من ماله وتقول: لأنه كان قد أخذ مني، وكان قد خانني، فالمعاملة قد ارتفعت ولم يعد الآن خائناً لك؛ لأنك قد استوفيت حقك منه.
فقوله: (ولا تخن من خانك) ، أي: بعد وفائه حقك، أما قبل وفاء الحق إذا أخذت حقك من ماله فلست بخائن، واستدلوا على ذلك بحديث هند مع أبي سفيان لما قالت: (يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني ويكفي عيالي أفآخذ من ماله ما يكفيني؟ قال: خذي من ماله ما يكفيكِ ويكفي عيالكِ بالمعروف) ، فهو أمسك عنها وقصر عنها في النفقة وهذا يُعد خيانة، وهي ظفرت بماله تحت يدها فتأخذ من ماله ما يسد حاجتها، فهل هي خائنة؟ قالوا: لا؛ لأن الخيانة تنتفي إذا كانت بالمعادلة، كما جاء في عموم قوله سبحانه: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠] ، وقوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل:١٢٦] ، والمجازي على السيئة ليس مسيئاً والمعاقب على قدر ما عوقب به ليس معاقباً وإنما مسترد للحق.
إذاً: (أد الأمانة إلى من ائتمنك) ، هذا صفة عامة.
و (ولا تخن من خانك) ، أي: بعد وفاء الأمانة، وأما من أخذ حقه من الخائن فهو ليس بخائن.
(لا تخن) أنا ما خنت ولكن أخذت حقي.
следующие страницы →