← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7714

شرح بلوغ المرام لعطية سالم

عطية سالم

Полный текст (2 523 стр.). Показаны 2486–2523 · переход к 2491.

стр. 2486

ميراث الجدات بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله. وبعد: فيقول المصنف ﵀: [وعن ابن بريدة، عن أبيه ﵄: (أن النبي ﷺ جعل للجدة السدس إن لم يكن دونها أم) رواه أبو داود والنسائي، وصححه ابن خزيمة وابن الجارود، وقواه ابن عدي] . من مشاكل الميراث ميراث الجدة، والجدة هي أم الأم أو أم الأب، يقولون: إن الجدة جاءت لـ أبي بكر رضي الله تعالى عنه، فقالت: أعطني ميراثي في قضية الجد أعطاه النبي ﷺ السدس وتساءل العلماء: من كان مع الجد حتى أعطي السدس؟ وعمر رضي الله تعالى عنه لما أتاه سائل في الجد قال: من عنده علم فليأتنا؟ فقام رجل فقال: يا أمير المؤمنين! إن رجلاً أتى النبي فأعطاه السدس، ثم دعاه فأعطاه السدس طعمة. فقال عمر: مع من ورثه؟ قال: لا أدري. قال: لا حياك ولا بياك، ما أغنيت شيئاً. العلماء يتساءلون مَن مِن الورثة أصحاب الفروض الذين يبقى بعدهم الثلث حتى يحصل الجد على سدسين؟ فقالوا: المتوقع في هذا: أن يكون الميت ترك بنتين، فالبنتان لهما الثلثان، فبقي الثلث فأخذه الجد فرضاً وطعمة، أو ترك بنتاً وبنت ابن، فالبنت لها النصف، وبنت الابن لها السدس تكملة الثلثين، وبقي الثلث بعدهما للجد فرضاً وطعمة، هذا تتمة لمن كان مع الجد حينما أعطاه الرسول ﷺ ما أعطاه فيما تقدم. هنا الجدة أعطاها النبي ﷺ السدس، هل الجدة من ذوي الفرائض في كتاب الله؟ ليست مذكورة، إذاً: هذا عطاء من النبي ﷺ للجدة، بشرط ألا تكون الأم موجودة، فالرسول إنما أعطى الجدة سدس الأم، إذاً: أصل السدس الذي تأخذه الجدة هو للأم، فإذا لم توجد الأم انتقل إلى أمها، وعلى هذا كان عطاء من النبي ﷺ . ومبحث العلماء في الجدة والجدات من جهتين: جهة الجهات التي ترث منها الجدة والجدات، وجهة توريث المجتمعات من الجدات. فـ مالك ﵀ يورث من جهتين: أم الأم وأم الأب فقط. وأحمد ﵀ يزيد جدة ثالثة، وهي: أم أب الأب، يعني جدة الأب. وأبو حنيفة والشافعي رحمهما الله يورثان كل جدات وجدن متساويات قال في الرحبية: وإن تساوى نسب الجدات وكن وارثات فالسدس بينهن بالسوية. وكن كلهن وارثات، أي: ولا توجد واحدة محجوبة بمن قبلها. وعلى هذا: فإن السدس ميراث الجدة إن انفردت من جهة الأم أو من جهة الأب إن لم توجد الأم. ومالك يورث اثنتين، وأحمد يزيد واحدة، والشافعي وأبو حنيفة: يورثان كل من وجد من الجدات متساويات سواء كن أربعاً أو خمساً أو أكثر أو أقل. ولنعلم بأن الجدة لا تكون من جهة الأم إلا واحدة: أم الأم، وأم أم الأم، وهكذا، فخط الأم هذا كله جدة واحدة، لكن أم أب الأم ساقطة؛ لأنها أدلت إلى الوارث بذكر وهو أب الأم، إذاً الجدة الوارثة من جهة الأم لا توجد إلا من طريق واحد. ومن جهة الأب عند مالك أم الأب، وهي أم الأب الأدنى وأمهاتها، وسلسلتها تتعادل مع أم الأم. ويزيد أحمد أم أب الأب يعني: جدة أبي الميت أم أبي أبيه، وأمهاتها، وإذا توسعنا أكثر من هذا فأم أبي أبي الأب لا تدخل عند أحمد ولا عند مالك، ولكن تدخل عند الشافعي وأبي حنيفة. لم تكن الأم موجودة؛ لأن الأم تحجب الجدة لأن الأصل لها، سواء كانت من جدة من جهة الأب أو الأم. ومتى يتساوى ثلاث جدات أو أربع أو خمس؟ هذه مشكلة، ولا عمر نوح ﵇! إذا قلنا: أم الأم وأم الأب متساويات وقريبات، فيمكن أن توجد هذه الجدة وتلك معاً، لكن إذا صعدنا درجة أم أم الأم وأم أم الأب فهن متساويات، في الدرجة التي تأتي عند أحمد: أم الجد، فصار بينها وبين الميت الأب والجد وصارت هي في الدرجة الثالثة، فإذا تساوى الجدات الثلاث في الدرجة، فعند أحمد الثلاث يرثن، وعند مالك لا يرث إلا اثنتان، وعند الشافعي وأبو حنيفة ترث ولو كانت أم أبي أبي أبي الأب، وجدة جدة جدة جد الجد، ولن يعيشوا إلى هذا الوقت! وهذه مسألة نظرية، وفي اعتقادي أنها ما وقعت ولن تقع، إذا قلنا: الجدة في الطبقة الخامسة، فبينها وبين المائة شيء يسير، ستعيش إلى ذلك الوقت، وهل هذا كما يقولون: من التصوير الفقهي، والمسائل المفترضة؛ لأنه متمش مع القاعدة الفقهية في الميراث؟ هنا ناحية بعد هذا (وكن كلهن وارثات) ، إذا وجدت أم الأم، وأم أم الأم، فهناك قربى وبعدى، فأم الأم هي القريبة، أما أم أمها فبعيدة، إذاً: السدس يكون للقريبة، فكل من كانت أقرب للميت سواء من جهة واحدة أو من جهات أخرى، فإن القربى المنفردة في طريقها تحجب البعدى على التحقيق، وإذا كان الطريق متعدداً، وعندنا أم أم أم أم أم أم، يعني: جدة رقم ستة للأم، وعندنا جدة رقم سبعة للأب، تفاوت القرب والبعد، فالذي يرث منهما القربى، ولو عكسنا وجعلنا السادسة من جهة الأب، والسابعة من جهة الأم، فهناك من يقول: القربى تحجب البعدى ولو كانت البعدى من جهة الأم، فالجدة رقم ستة من جهة الأب تحجب الجدة رقم سبعة من جهة الأم، وهذا قول للإمام أبي حنيفة ﵀. والآخرون يقولون: إذا كان أصل السدس للأم، فجدة الأم هي الأصل، فإن بعدت ووجد معها أقرب منها من جهة الأب، فإن قوة الأصل في كون السدس للجدة للأم يدنيها؛ لأنها هي الأصل، فتشارك الجدة من الأب وإن كانت التي لأم بعدى، فتنزل وتشارك التي لأب وإن كانت التي لأب قربى؛ لأن الأصل مع التي لأم، فيقوي ضعف بعدها. وإذا كان العكس: القربى للأم، والبعدي للأب؟ فالتي للأب لا تنزل وتشارك التي لأم، بل تسقط؛ لأن التي لأم جمعت قوتين: قوة القرب وقوة الأصالة. فاختصت عند قربها بالسدس، ولعل في هذا القدر كفاية من جهة الجدات.

стр. 2487

اختلاف العلماء في ميراث الخال قال المصنف ﵀: [وعن المقداد بن معدي كرب قال: قال رسول الله ﷺ : (الخال وارث من لا وارث له) أخرجه أحمد والأربعة سوى الترمذي، وحسنه أبو زرعة الرازي، وصححه الحاكم وابن حبان] . الخال أخو الأم، والعم أخو الأب، فهذا العم -أخو الأب- وارث، والخال -أخو الأم- أيضاً لابد أن يرث، والعجيب: أن الجمهور لا يقولون بهذا، يقولون: الخال ليس بوارث، لأنه إن كان وارثاً بفرض فأين فرضه، وإن كان بتعصيب فهناك حديث: (ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر) ، وإذا ورثتم الخال فلماذا لا تورثون الخالة، والعمة مع العم؟ إذاً: أوقفوا العمل بهذا الحديث إلا بعض من هو خارج عن المذاهب الأربعة، ونحن لا نستطيع أن نتتبع هذه الشواذ، إلا أن المعروف عن طوائف من الشيعة أنهم يورثون الخال، ويجعلون له ميراثاً لا على الحديث فقط، فقوله: (الخال وارث من لا وارث له) معناه: إذا وجد وراثٌ للميت مع وجود الخال فإن الخال لا شيء له؛ لأن الرسول ﷺ يقول: (الخال وارث من لا وارث له) . قال بعضهم: الخال هنا بمعنى بيت المال. وهذه بعيدة جداً، وردوا عليهم وقالوا: لو كان يريد ذلك لقال: (أنا وارث من لا وارث له) . يهمنا في قضية الخال: أن الجمهور تركوا العمل بهذا الحديث للحديث المتقدم: (ألحقوا الفرائض بأهلها) ، وليس الخال صاحب فرض لا في الثمن ولا الربع ولا النصف ولا الثلثين ولا الثلث ولا السدس، إذاً: ليس له فرض. قوله: (من لا وارث له) ، ما حكم العصبة؟ إذا وجد أصحاب الفرائض ما هو موقف الخال، والشيعة لما ورثوه أنزلوه منزلة الأم كما ينص الحلي في كتابه الشرائع: لو مات عن خال وعم، فللخال الثلث، وللعم الثلثان؛ لأنه لو وجدت الأم مع العم يكون لها الثلث؛ لعدم الفرع الوارث ولعدم وجود جمع من الإخوة، فلها الثلث، قالوا: فيأتي الخال وينزل منزلتها، ويأخذ حقها. إذا: هذا الحديث لم يعمل به الجمهور لمعارضته لما هو أقوى منه، ولمخالفته لمدلول قوله: (ألحقوا الفرائض بأهلها، وما بقي فلأولى رجل ذكر) . بقي أن يقال: الخال والخالة والعمة من ذوي الأرحام، وبنت البنت وابن البنت، وكل الأقرباء الذين لا ميراث لهم فهم من ذوي الأرحام، والخلاف في توريث ذوي الأرحام موجود عند الفقهاء، فمنهم من يورث، ومنهم من يقول: بيت المال أولى منهم إن انتظم، أي: إن كان موجوداً ويتقبل ميراث من ليس له وارث، ويتولى الإنفاق على مصالح المسلمين.

стр. 2488

ولاية رسول الله على المؤمنين قال المصنف ﵀: [وعن أبي أمامة بن سهل ﵁ قال: كتب عمر إلى أبي عبيدة ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: (الله ورسوله مولى من لا مولى له، والخال وارث من لا وارث له) رواه أحمد والأربعة سوى أبي داود، وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان] . هذا الخبر عن عمر ﵁ يؤيد الخبر الذي قبله، إذاً: عمر يرى ميراث الخال، لكن على أي حالة؟ وما نصيبه في الميراث؟ لا ندري ما نعطيه، وليس عندنا فيه شيء. قوله: (الله ورسوله مولى من لا مولى له) . هذه واضحة بأن من مات ولا وارث له ولا مولى له يواليه، والمولى هنا عام لغةً، وليس المولى الخاص بالعبد الذي أعتقه ومولاه. فالرسول ﷺ ولي من لا ولي له، والقاضي ولي من لا ولي له نيابة عن ولي الأمر، فإذا كانت امرأة وليس لها عاصب أو ولي أمر يزوجها فالقاضي وليها يزوجها، وهكذا ولي الأمر له هذه الولاية، ولذا تجدون الفقهاء يقولون في بعض القضايا: هل حكم فيها الرسول بالولاية أو بالتشريع؟! فهنا الولاية عامة، وقد جاء ما يوضح هذا في أول الإسلام؛ فقد كان النبي ﷺ إذا قدمت إليه جنازة للصلاة عليها سأل: هل عليه دين؟ إن قالوا: نعم. قال: صلوا عليه أنتم. وإن قالوا: لا. صلى عليه، ثم بعد أن فتح الله الفتوح، وصار عند المسلمين المال قال: (من ترك غنماً فغنمه لورثته، ومن ترك غرماً فغرمه علي) ، وكلمة: (علي) ، يعني: علي ولي الأمر، وولي الأمر لا يدفع من عنده شخصياً، ولكن من بيت مال المسلمين. وهذا تحقيق -كما يقال- لكفالة الإسلام للمعدمين، وهذا له طرقه، ويكون التصرف مع بيت مال المسلمين عن طريق الحاكم، حتى لا ينتحل كل إنسان استحقاقاً بأي وجه من الوجوه فينفد مال المسلمين ويأخذ ومن لا يستحق الأخذ. وعلى هذا إذا انتظم بيت مال المسلمين، وكان فرد من أفراد الأمة الإسلامية عليه حقوق نظر فيها: إن كانت هذه الحقوق ثابتة بوجه شرعي، ولحقته من جانب مشروع؛ تولى وليه وهو صاحب الأمر من بيت مال المسلمين أمر دينه وقضاه، وإن كان غير ذلك فالله تعالى أعلم: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب:٦] . بمعنى أعم: يقضي ﷺ في أمر المسلمين بما يراه بالولاية، فيحجر على السفيه ويحفظ ماله، ويطالب بحقه إذا لم يكن له قدرة على المطالبة، فلو قتل أبو قاصر صغير من الذي يتولى حقوق هذا الطفل في المطالبة وحفظ حقوقه؟ ولي أمر المسلمين، إما بنفسه أو يقيم عليه قيماً أو وصياً يتولى ذلك، فإن كان يستحق الدية طالب بها وحفظها حتى يكبر ويرشد، وإن كان يستحق دماً قصاصاً، فهناك من يقول: بنظر الولي ينفذ، وهناك من يقول: المطالبة بالدم من حق صاحب الدم العاصب، فينتظر بهذا الصغير حتى يبلغ ويرشد ويطالب بالقصاص، فيعطى طلبه. المرأة التي لا ولي لها، يزوجها الوالي بالولاية، القاصر المعتوه يقيم عليه قيماً نيابة عنه يرعى شئونه ومصالحه، وعلى هذا ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [الأحزاب:٣٦] ؛ لأن ولاية رسول الله على المسلمين ولاية جازمة ومنفذة وقائمة، وهو أولى بهم من أنفسهم.

стр. 2489

ميراث الحمل قال المصنف ﵀: [وعن جابر ﵁، عن النبي ﷺ قال: (إذا استهل المولود ورث) ، رواه أبو داود، وصححه ابن حبان] . هذا الحديث فيما يتعلق بصحة ميراث الحمل إذا وُلد، ويتفرع عليه بعض المسائل في الرق وأم الولد. يقول ﷺ : (إذا استهل) الاستهلال والإهلال والتهليل مأخوذ من الهلال، أصل وضع الكلمة للهلال حينما يظهر في أول الشهر؛ لأن الناس يترقبونه، فإذا رآه أحدهم هلل، أي: رفع صوته وقال: هذا الهلال. ثم استعملت الكلمة بعد ذلك في كل تهليل، أي: في كل رفع الصوت، وتستعمل من باب النحت التهليل قول القائل: لا إله إلا الله. كما قيل: التسبيح من قول القائل: سبحان الله. الحوقلة من قوله: لا حول ولا قوة إلا بالله. واستهلال الصبي إنما هو ظهور الصوت بالبكاء والصراخ عند ولادته؛ لأن هذه الحالة هي أصدق علامة على حياتها؛ لأن الميراث لا يكون إلا للحي، فإذا لم يستهل ولم يصرخ ولم تثبت حياته فلا ميراث له، والأصل في باب الحمل في الميراث أنه واسع؛ وذلك أن الميت إذا مات وترك ورثة أحياء، وترك زوجه حاملاً، هذا الحمل إن ثبت وجوده في الرحم كائناً حياً فهو من أهل الورثة، ويستحق الميراث باستهلاله صارخاً. أما إذا جاء وقت الولادة فنزل ميتاً فلا ميراث له، وإن كان الأصل فيه عند موت مورثه الحياة، لكنه لما جاء إلى الدنيا جاء إليها ميتاً، والميت لا يرث شيئاً.

стр. 2490

اختلاف الفقهاء في التوريث التقديري وتوقيف القسمة عند وجود حمل والفرضيون حينما يعملون المسألة الفرضية التي فيها الحمل ينقسمون إلى قسمين: هناك من يوقف التركة فلا يقسم منها شيئاً، ويقول: ننتظر حتى يأتي الحمل لننظر أهو ذكر أم أنثى أو توأم ذكور أو إناث، أو ذكر وأنثى؟ هذا على أقل التقدير في التوأم، وقد يكون التوأم أربعة وخمسة وستة وسبعة، وقد سمعت قصص كثيرة في الآونة الأخيرة عن المرأة التي ولدت سبعة في المستشفى، وكانوا يأخذونهم واحداً واحداً للتطعيم أو للتطهير أوكذا، وكانت نائمة، فاستيقظت فوجدت ستة، فصرخت فأفزعت المستشفى كله، قالوا: ما بك؟ قالت: أين السابع؟ قالوا: هل يكفيك الستة؟ قالت: واحد مثل الستة. والقصة التي يذكرها الشافعي ﵀: عن المرأة التي ألقت كيساً في صنعاء فظنته ديدان، فألقته في الشمس، فجاءهم الدفء فتحركوا فإذا هم أولاد صغار، أربعون طفلاً في كيس، وأخبار تذكر ويذكرها السلف، سواء كانت الحقيقة أو قريباً من الحقيقة، لقد لامسنا أو شاهدنا أو سمعنا وقرأنا عن الستة والسبعة، فماذا يفعل قاسم التركة في نصيب الحمل؟ الشافعي ﵀ ليس عنده ميراث بالتقدير، فيوقف التركة حتى يتبين الوارث: فالخنثى المشكل يوقف التركة حتى نعرف هل هو ذكر أو أنثى، وفي الغرقى والهدمى نوقف التركة حتى نعرف من الأسبق، وفي الحمل نوقف حتى يأتي ونتبين كم هو. والأئمة الثلاثة ﵏ يعملون بالتقدير، فمثلاً تركة فيها خنثى مشكل، فيقولون: نقدر المسألة مرتين، مرة على أنه ذكر، ومرة على أنه أنثى، ثم نعطي الورثة الأقل من أنصبتهم في التقديرين، ونحفظ له الأكثر، فإذا جاء على أكثر التقدير أخذه، وإذا جاء أقل من التقدير رددناه على بقية الورثة، وكذلك الحمل، إلا أنهم في الحمل يقدرون المسألة خمس مرات، ويعمل له خمسة جداول لتقسيم تركة، ويؤتى بالجامعة للمسائل الخمس، ويعرف جزء السهم، ويعطى الموجودون الأقل من حصتهم في الجداول الخمسة، ويوقف الباقي لحساب الحمل.

стр. 2491

يشترط في توريث الحمل وجوده عند موت مورثه يشترط في الحمل أن يكون عند موت مورثه موجوداً بالفعل، وكيف نعرف؟ ما عندنا أشعة، قالوا: نعمل بالحساب. فإذا جاء بعد موت مورثه لأقل من ستة أشهر عرفنا أنه استوفى كامل الستة موجوداً في رحم أمه قبل موت مورثه؛ لأن أقل مدة الحمل ستة أشهر، فلو أنه ولد بعد مورثه بخمسة أشهر، فهو موجود في الرحم، إذاً: ثبت وجوده في الرحم عند موت مورثه. فإذا مات المورث واعتدت الزوجة للوفاة، وبعد ستة أشهر قالت: أحس بحمل. فننتظر حتى كمال تسعة أشهر حسب العادة عشرة أشهر، سنة وسنتين وثلاث، ماذا تقولين؟ قالت: الحمل موجود، أنا أحس به. إلى أربع سنوات، فإذا جاء لأربع سنوات فأقل بأسبوع واحد قلنا: هو من الميت، واستكمل الأسبوع الناقص في حياة مورثه، هذا ما لم تتزوج. فعلى كل: الفقهاء والفرضيون لهم حساب في إثبات الحمل عند موت مورثه. وفي إثبات حياته ليستحق ما جعل له.

стр. 2492

علامات حياة الحمل عند الولادة وكون الاستهلال هو علامة على الحياة هو العلامة الفارقة الأولى الواضحة التي يفهمها الجميع. الفقهاء يزيدون على ذلك ما يسمى: بتحقيق المناط، وهو كل علامة تحقق أن المولود ولد حياً، فلو نزل ساكتاً وما صاح ولا شيء، لكنه أعطي الثدي فامتصه، فهل هو حي أو ميت؟ حي. وضعناه في إناء فيه ماء، فإذا به يغطس بيديه ورجليه، فهل هو حي أو ميت؟ حي؛ لكن -كما يقول الفقهاء- لا حركة المضغوط، لو أنه حينما نزل من أمه تحركت يد أو رجل وسكن بعد ذلك، فهل تلك الحركة التي حصلت عند الولادة تدل على الحياة؟ قالوا: لا؛ لأنه كان مضغوطاً في الرحم، وخرج من مكان ضيق، واليد والرجل إذا كانت مضغوطة إذا ذهب عنها الضغط حصلت لهما حركة؛ فهذه حركة المضغوط. لو أخذت هذا الثياب وضغطته بقوة ثم تركته فإنه سيتحرك، هل هذه حركة حياة أو حركة المضغوط؟ فإذا تحرك حركة تثبت حياته فالحمد لله، أما حركة المضغوط فلا. ما تحرك، ولا مص الثدي، ولا صاح، لكن عطس، فالعطاس يدل على حياة، وهكذا بما يسمى تحقيق المناط في أنه نزل حياً. لو مات بعد عشر دقائق أو خمس دقائق، فإذاً: هذا موت جديد حادث يثبت له ميراثه، وينتقل عنه إلى من يرثه من إخوانه وأمه. إلى آخره. فهنا: متى يستحق الحمل ميراثه، سواء أوقفنا قسمة التركة أو قسمنا الأقل على الحاضرين حتى لا يتضرروا، والذي أوقفناه لحسابه موجود، إن جاء ما يثبت حياته قلنا: تفضل هذا حقك إن كان يستحقه كله أو بعضه على حسب التقديرات، فهذا الحديث يدل على إثبات الحياة للوارث قبل موت مورثه أو إثبات وجوده. وهنا أم الولد إذا كان الأصل فيها الرق، متى تتحرر في حياته أو بعد مماته؟ نقطة الصفر التي يموت فيها سيدها هي نقطة الصفر التي تتحرر فيها، إذاً: لم تجتمع مع سيدها في الحياة بحرية؛ لأن الحرية جاءتها بوفاة سيدها، إذاً: لا ترث؛ لأنها لم تشارك سيدها في الحياة بالحرية ولو لحظة.

стр. 2493

توريث أطفال الأنابيب نحن عندنا مشاكل اليوم: طفل الأنابيب، كيف نثبت حياته عند موت مورثه ونثبت له حكم الحياة في النهاية؟ مهما كانت ظروفه وأوضاعه؛ لأنهم -على ما سمعنا من المختصين- يأخذون البويضة من الزوجة، ويأخذون الماء من الزوج، ويلقحون البويضة بماء زوجها، ثم يضعونها في أنبوب فيه سائل يتعادل مع حرارة الرحم، أو أن الزوجة بعد أن تلقح البويضة في رحمها -أو أنبوب فالوب كما يسمونه- وثبت تلقيح البويضة في داخل رحم الأم، لكن الأم لا يستطيع رحمها أن يواصل بالحمل وحينها تسقط، فيلجئون إلى إخراج البويضة الملقحة من المرأة، ويضعونها في جهاز يسمونه الأنبوب أو غير ذلك، فيواصل نموه داخل هذا الوعاء، فهو من الناحية القانونية والعرفية والشرعية ابن لهذين الزوجين، بخلاف ما يقع في بعض الجرائم حيث تلقح بويضات بعض النسوة بماء غير الزوج، فإذا كانت البويضة قد لقحت في حياة الزوج، وأخذت في النمو إلى أن تشكل هيئة إنسان، لا إن كان دماً جامداً مضغة أو علقة، بل ظهر فيه تخطيط الإنسان تأكيداً؛ لأن النمو مستمر في حياة الجنين، فإذا ظهر في خلقة الإنسان فإنه حينئذ ثبتت حياته في الأنبوب حين حياة أبيه، بعد هذا مات أبوه والجنين في الأنبوب حي على هيئة الإنسان، أي: ظهر فيه تخطيط الإنسان، وجزمنا بأنه طفل ماض في نموه إلى حالة الولادة. إذاً: جاء الشرط الأول وهو ثبوت حياة الجنين في حال حياة أبيه، فأخذ طفل الأنبوب في طريقه إلى أن استكمل ستة وثلاثين أسبوعاً -التسعة الأشهر- فأخرج من الأنبوب إنساناً يصيح ويطلب الثدي، فإذا جاء مولود مكتمل، فحينئذ له ميراثه؛ لأنه ثبتت حياته عند استكمال مدة التلقيح أو الحضانة في هذا الجهاز.

стр. 2494

أحكام قتل الوارث لمورثه قال المصنف ﵀: [وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : (ليس للقاتل من الميراث شيء) رواه النسائي والدارقطني، وقواه ابن عبد البر، وأعله النسائي، والصواب: وقفه على عمرو] . يقولون في هذه القضية: إن القاتل يعامل بنقيض قصده؛ لأن غالب حالات قتل الوارث مورثه استعجالاً للميراث، ويلحق به قتل الموصي لمن أوصى إليه، كأن أوصى رجل لإنسان بعد موته ببيت، فطالت حياة الموصي، والموصى إليه ينتظر وفاته ليأخذ البيت، فلما استطال المدة قتله ليأخذ البيت، فمادام أن قصده بالقتل الحصول على الوصية فليحرم عليه أخذها. ولا يرث من قتل من أجل الميراث لماذا؟ لأنه يعلم إذا قتل أنه لا يرث، فهو حريص على الميراث، إذاً سيحافظ عليه، ويبعد كل تهمة أو شبهة عنه في قتله حتى يصح له الميراث؛ لأنه حريص عليه، وكذلك الموصى إليه يبعد كل البعد عن قتل الموصي حتى تسلم له الوصية، فالمعاملة بنقيض القصد في القاتل وفي الموصي. ولكن الفقهاء فصلوا في القتل، فقالوا: هو عمد، وخطأ، وشبه عمد، وشبه خطأ، فالعمد وشبهه يتفق الجمهور على أنه لا يرث؛ لأنه متعمد، إلا إذا كان متعمداً بحق بأن كان له عليه قصاص لابن عمه، بأن كان قد قتل أباه فجاء وهو العاصب فقتل قاتل أبيه والحال أنه عاصبه، فالأئمة الثلاثة يقولون: يرث؛ لأنه لم يقتل متعمداً من أجل ميراث، لكن قتله بحق ألا وهو القصاص. والشافعي يقول: لا يرث، ولو كان قتله بحق. الخطأ الشافعي يقول: إذا شارك في قتل الخطأ ولو بالشهادة عليه التي تثبت القصاص فلا ميراث له، ولو كان قاضياً وحكم بمقتضى البينة بقتله، وكان القاضي وارثاً لهذا فلا يرث منه مع أنه نفذ حكم الله بالقصاص! قال: لأنه شارك؛ فيحرم من الميراث سداً للباب بالكلية. وما عدا الشافعي ﵀ فإن مالكاً يقول: القاتل خطأ يرث من رأس المال قبل القتل، ولا يرث من الدية. والخلاف في هذا موجود عند الأئمة ﵏، والقصد فيه حرمان القاتل من الميراث لئلا يتعجل قتل مورثه من أجل أن يأخذ الميراث، ونظير ذلك من تزوج امرأة في عدتها، وهو يعلم أنها لا زالت في العدة، فإنه يفرق بينهما إلى الأبد، ولا يتزوجها بعد ذلك قط، حتى ولو تزوجت بعده برجل آخر؛ لأنه تعجل زواجها قبل انقضاء العدة؛ فيعامل بنقيض قصده، أي: حرصك عليها ضيعها منك، وكان الواجب الانتظار حتى تنتهي العدة وتصبح خاطباً من الخطاب، أو أن تحصل لك وعداً، أما أن تتزوجها وأنت تعلم فهذا يمنع منها إلى الأبد. وهل يقام عليه الحد؟ منهم من يدرأ عنه الحد لشبهة العقد، ومنهم من يقول: يستحق الحد ويقام عليه.

стр. 2495

أحكام ميراث الولاء قال المصنف ﵀: [وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما أحرز الوالد أو الولد فهو لعصبته من كان) رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجة، وصححه ابن المديني، وابن عبد البر] . وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (الولاء لحمة كلحمة النسب، لا يباع ولا يوهب) رواه الحاكم من طريق الشافعي، عن محمد بن الحسن، عن أبي يوسف، وصححه ابن حبان وأعله البيهقي] . هذان الحديثان يكمل بعضهما بعضاً، الأول: (ما أحرز الولد فهو لعصبته من كان) وأين أصحاب الفروض؟ قالوا: هذا ليس له دخل في الفروض، هذا جزء من الحديث الذي بعده، هذا فيما يتعلق بغير المال والميراث، مثل الحقوق العامة، والشفعة، ورد العيب، وبالأخص هنا في باب الميراث، فلعصبته ما كانوا. الذي يختص بالعصبة في الميراث، ولا يدخل فيه صاحب فرض هو الولاء، فالولاء لحمة لا يوهب ولا يورث، إذاً ما أحرز الوالد والولد في الولاء فهو لعصبته من كان، ولا دخل لأصحاب الفروض في الولاء، والولاء لحمة كلحمة النسب لا يوهب ولا يورث ولا يباع، لا ينقل بعوض، ولا يتحكم فيه وارث. وقوله في الحديث الأول: (لعصبته من كان) ، فيه قضية يذكرها الفرضيون، وأثناء الطلب أتعبتنا جداً، ولا ميراث لعصبة عصبة المعتق إلا إذا كانا عصبة للمعتق، وهو محل هذا الحديث. يمثل له الفرضيون بصورتين: صورة يتحقق فيها عصبة المعتق، وصورة تنتفي فيها عصبة المعتق. وذكر صاحب العذب الفائض في بعض فروعها يقول: غلط فيها من القضاة (ت) والتاء في حساب حروف الجمل أربعمائة (أبجد هوز) أربعمائة قاض غلطوا فيها، عصبة عصبة المعتق: رجل تزوج بامرأة من قبيلة تميم، والمرأة ليس لها عاصب في قبيلتها وقد أنجبت ولداً، وأعتقت عبداً، ثم توفيت فولاء العبد الذي أعتقته لابنها؛ لأنه عاصبها وأقرب عصبة لها، وإذا كان هذا الولد بعد أن حاز الولاء إليه توفي، وترك عمه أو ابن عمه وهم عصبة له، لكن هل هم عصبة للمرأة؟ لا، وعندئذ إذا حاز الولد الولاء بعصبته لأمه فعصبة عصبة المعتقة لا يرثون الولاء؛ لأنهم ليسوا عصبة للمعتقة الأساسية. نعيد القضية بطريقة أخرى: مصري تزوج سودانية، فكان لهما ولد، والسودانية أعتقت عبداً، ثم ماتت عن ولاء العبد وعندها ولدها، فولاء من أعتقت لولدها من زوجها المصري. فإذا مات الولد وفي حوزته الولاء الذي ورثه عن أمه، ويوجد عم للولد -مصري بلا شك- وابن عم عمه، فعمه وابن عمه عصبة له يرثان عنه المال، لكن هل يرثان عنه الولاء بالعصبة؟ لا، لماذا؟ لأنهما ليسا عصبة للسودانية. مثال حينما يكون عصبة عصبة الميت عصبة للمعتق: امرأة تزوجت بابن عمها، هناك صلة؛ فالأسرة واحدة والجد واحد، وهذه المرأة أعتقت عبداً، وكان لها ولاؤه، ثم جاءت بولد حاز الولاء عن أمه، ثم مات الولد، وورثته أخته أو بنته أو عمه ممن هم عصبة له، أما ميراث المال فمستحق، وكذا العم عاصب في المال أيضاً. بقي الولاء. فعم الولد هل هو عاصب للمرأة التي أعتقت أم لا؟ عاصب؛ لأنها متزوجة بابن عمها، وعم الولد ابن عمها أيضاً، فهو عاصب لها في الأصل، إذاً: يحق له أن يرث الولاء. هذا معنى قوله: (ما أحرز الوالد أو الولد فهو لعصبته من كان) . أما الحديث الآخر: (الولاء لحمة كلحمة النسب، لا يباع، لا يوهب) ، ولا يورث. إلخ. هنا مسألة: فالولاء وصف معنوي يستحقه المعتق على من أعتقه؛ لأنه بمثابة من أخرجه من العدم إلى الحياة، كان ميتاً معنوياً، تحت حكم سيده لا يتولى المناصب الشرعية كالقضاء والولايات وغيرها، فلما أعتق صار كبقية الأحرار في حقوقهم الخاصة، فإذا مات المعتَق فولاؤه للمعتِق، ماذا ينفعه هذا الولاء للمعتق؟ يرث به ميراث العصبة، ولكن متى؟ قالوا: درجات انتقال التركة إلى الغير تبدأ بالفروض لقوله: (ألحقوا الفرائض بأهلها) ، فأول شيء نعطي أصحاب الفروض فروضهم. المرتبة الثانية: العصبة لقوله: (فما بقي فلأولى رجل ذكر) . فإذا بقيت سهام ولم يوجد عاصب نرد على الورثة بنسبة ميراثهم، وهو نظام ما يسمى بنظام الرد، أو أننا ندخل ذوي الأرحام بعد العصبة النسبية، وهم يختلفون أيهما يقدم: الرد، أم إدخال ذوي الرحم ليأخذوا الباقي على نظام توريث ذوي الرحم بالتنزيل أو القرابة، ثم بعد ذلك العصبة بالسبب، والعصبة بالسبب هي الولاء، فالولاء هو آخر من يأتي إلى الميراث. مسألة: عتق إنسان عبداً، وأصبح له الولاء عليه، فبالولاء إذا مات العبد وكان له أولاد أو ذوي فروض أعطينا ورثة العبد مما يملك على الترتيب السابق: ذوي الفروض، ثم العصبات، ثم الرد أو ذوي الرحم، ثم المعتق بالولاء. مسألة: أعتق عبداً ومات السيد قبل العبد، ولم يكن للسيد من يرثه، أو عنده أصحاب فروض، فما بقي بعد الفروض هل العبد الأدنى -يسمى العبد الأدنى أو الولاء الأدنى والولاء الأعلى، أو المولى الأدنى أو المولى الأعلى- يرث سيده؟ لا يرث، ويصير حقه إلى بيت المال، فأيها أقرب وأولى بالمنفعة: هذا العبد الذي كان يخدم طوال عمره في حياة سيده، أو بيت المال الذي كل إنسان يأخذ منه خمسه؟ هو أقرب. ويذكرون عن عثمان ﵁ -ورواية عن أحمد - أن الولاء يورث به من الطرفين كالزوجية، أي كما أن كلاً من الزوجين يرث الآخر، فهو سبب مزدوج. ولكن الجمهور على أن الولاء لطرف واحد، وهو للمولى الأعلى يرث بولائه عتيقه. والله تعالى أعلم.

стр. 2496

تخصصات الصحابة في العلوم الشرعية قال المصنف ﵀: [وعن أبي قلابة، عن أنس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (أفرضكم زيد بن ثابت) أخرجه أحمد والأربعة سوى أبي داود، وصححه الترمذي، وابن حبان، والحاكم، وأعل بالإرسال] . لو جئنا إلى العرف الحاضر في الدراسة كان لدينا ثانوية عامة، وقد يكون فيها نوع تخصص: أدبي، علمي، إذا جئنا إلى شهادة البكالوريوس وجدنا الكليات المتعددة ما بين طب وهندسة وزراعة وميكانيكا وأشياء ومتعددة، ثم بعد البكالوريوس تأتي شهادة الماجستير، ثم بعد هذا يختار بحثاً آخر في الدكتوراه، وبهذا بلغ القمة في منهج الدراسة النظامي، وهو في حياته العملية يستفيد من تجاربه ربما أكثر من دراسته، فإذا جئنا الآن إلى الطب بصفة عامة، تخرج من كلية الطب، انصرف إلى الماجستير، ما موضوعه؟ اختار جهازاً في الجسم، وتخصص فيه بشهادة ماجستير، نفس القسم الذي اختاره فيه جزئيات، فعمل شهادة دكتوراه في جزئية من تلك الجزئيات؛ مثلاً: جراح، تخرج بكالوريوس جراحة، ثم في الجراحة هناك جراحة المخ، والعظام، والغضروف. إلخ، فتخصص في نوع من أنواع الجراحة، حينما نعمل (كونسلت) طبي على مريض في عملية جراحية، هل نأتي بطبيب العيون والأسنان والجلد ليكتبوا تقريراً على هذا المريض؟ أم نأتي بالمختصين في موضوعه الجراحي المطلوب؟ نأتي بالمختصين، ولا دخل لطبيب الأسنان ولا العيون ولا لطب الجلديات ولا المسالك البولية في عملية جراحية للمخ مثلاً؛ لأن المختصين في هذه المادة أعرف، ويتعاونون فيما بينهم. إذا كان الشخص مريضاً بالقلب ومر عليه طبيب أسنان وأعطى تقريراً عنه، هل يسمع منه؟ ليس له دخل في هذا، نعم يحترم ولكن لا يعمل به في شيء، فإذا جاء المتخصص في القلب اعتبرنا قوله. وهكذا أيها الإخوة كان التخصص العلمي موجوداً في عهده ﷺ ، فقوله: (أفرضكم) ، أصبح زيد هنا من خاصة العلماء، فإذا كان جميع العلماء من سلف الأمة وخلفها يعرفون الفرائض، يدرسونها، ويقسمون التركات، والقضاة يحكمون فيها، ولكن عند النزاع في مسألة لا نأخذ فيها رأي شخص عادي حتى لو كان أبا بكر وعمر، ولكن رأي زيد؛ لأن الرسول خصه بأنه أفرض -أفعل تفضيل- وما استثنى أبا بكر ولا عمر، فعلى هذا: إذا اختلف السلف أو الخلف في قضية فرضية وظهر رأي لـ زيد، كان هذا ترجيحاً لهذه المسألة. وجاء عن ابن عباس: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) ، فإذا تنازعوا في تأويل آية، وكان لـ ابن عباس رأي فيها كان رأي ابن عباس مقدماً على غيره. (أعرفكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل) ، إذا اختلفوا في مسألة أحلال أم حرام، وكان هناك رأي لـ معاذ كان رأي معاذ هو الأرجح، وكذلك (أمين هذه الأمة أبو عبيدة) . وعلى هذا: فالجمهور يعتبرون رأي زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه مرجحاً في مسائل الخلاف في موضوع الفرائض. والله أعلم، ونوصي الإخوة -مرة أخرى- بالعناية بالفرائض؛ لأنها كما قيل فيها في الصحيح: (أول علم يفقد في الأرض) . والفرائض قسمان: هذا القسم الذي درسناه فقه الفرائض، بقي: الحساب في الفرائض، والحساب كما يقولون رياضة عقلية لا تخطئ، والعقل هو الذي يخطئ فيها، فبأي طريقة أو منهج استطعت أن توصل حق كل ذي حق اتخذها، سواء كان بالنسب الأربع عند الفرضيين: تداخل، توافق، تباين، تماثل، أو بالحساب العصري الحديث العوامل الأربعة، أو بالجبر -كما يقولون- أو بأي صفة استطعت أن تقسم التركة على أهلها. وبالله تعالى التوفيق.

стр. 2497

كتاب البيوع - باب الوصايا جعل الله للإنسان قبل موته أموراً يستطيع أن يستدرك بها ما فرط فيه وما فاته في حياته، ومن هذه الأمور: الوصية، والوصية تشملها الأحكام الخمسة، ولهذا على المرء أن يوصي بما عليه من حقوق للآخرين، وعليه أيضاً أن يوصي بصدقة في حدود ما أذن له الشرع حتى ينتفع بأجرها بعد موته.

стр. 2498

شرح حديث: (ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي به ... ) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فيقول المصنف ﵀: [عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال (ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده) متفق عليه] . (ما حق امرئ مسلم) كذلك ولا امرأة؛ لأن المرأة مثل الرجل في التكاليف، إلا ما اختص به الرجل دونها، (ما حق) أي: لا يجوز، ولا يجب، (ما حق) ما نافيه، وحق اسمها وخبرها يأتي فيما بعد، (امرئ) مذكر امرأة، وامرأة مؤنث امرئٍ. (له شيء) أي: حق والحق هنا يكون مالي واعتباري: كحق في الشفعة، أو حق في القصاص، أو حق في الدية، أو حق من حقوق الجوار، فكل تلك الحقوق داخلة في عموم (له شيء) .

стр. 2499

الوصية وأحكامها قوله: (يبيت ليلة أو ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده) أو حق يريد أن يوصي، (حق يريد) رد كتابة الوصية لإرادة الموصي، ومن هنا قال الجمهور: الوصية جائزة وليست واجبة؛ لأنه قال: (يريد أن يوصي) وإذا لم يرد أن يوصي فلا شيء عليه. والبعض قال: الوصية واجبة، وهذا المبحث هو مبحث حكم الوصية. الوصية تعتريها الأحكام الخمسة. وقوله: (ما حق امرئ له شيء يريد أن يوصي فيه ويبيت ليلة أو ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده) ما هو الحق الذي يريد أن يوصي به؟ قالوا: يوصي بما كان عنده من حقوق للناس ولا يعلمها الناس، ولا يعلمها إلا هو صاحب الحق فقط، كإنسان أتى إلى صديقه، أو إلى جاره وقال: يا جاري! أو يا صديقي! هذا الكيس فيه ألف ريال أمانة عندك حتى أطلبه، ولم يشهد على ذلك، فأخذ جاره أو صديقه الكيس ووضعه عنده، ولم يكتب عليه ما يعرّفه وأصبح في صندوقه مع أكياس ماله، فلو مات غداً هذا المال الذي في ذمته ما حكمه؟ ولو جاء صاحبه وطالب الأولاد فقالوا: ما أخبرنا، وما قال لنا، فهل عندك بينه؟ فقال: لا، والله! ما عندي، فأنا ائتمنه لأنه صديقي أو جاري؟ قالوا: مثل هذا تتعين الوصية في حقه؛ لأنه لا يدري هل يأتيه الموت بعد ليلة أو بعد ليلتين، أو يأتيه الموت قبل الليلة أو الليلتين، فحيث أن ذمته قد تحملت بحقٍ للآخرين وهو لا يضمن الموت فلا يحق له أن يبيت الليلة أو الليلتين إلا ووصيته مكتوبة بهذا الحق. ومثل هذا لو كان هناك قضية بين اثنين ولم يشهدها إلا هو، وحينما يتنازع هذان الشخصان لا إثبات لهما إلا عنده، فهو لن يأتي بالشهادة قبل أن يستشهد، ولكن إذا مات وتنازعا فمن الذي يثبت الحق لأحدهما؟ ليس هناك إلا هو، فيجب عليه أن يكتب: (عندي شهادة في موضوع كذا وكذا) ويدعها ورثته. وقد تكون الوصية تارةً واجبة، كما إذا كان مديناً بدين، أو اشترى سلعة وبقي في ذمته من قيمتها شيء، ولم يعلم أولاده، وصاحب السلعة لم يوثق البيع بكتابة، فإذا خشي أن يأتيه الموت ولم يخبر الورثة بالدين الذي في ذمته، فيتعين عليه أن يوصي ويكتب ما عليه من دين، حتى إذا جاء أصحاب هذا الدين أو ذاك دفعوا إليهم دينهم. إذاً: (ما حق امرئ مسلم عنده شيء يريد) هذه الإرادة قد تكون بحكم الوجوب وقد تكون بحكم الندب، فإذا كان عنده مال وأولاده في غنى عنه، وأراد أن يجري على نفسه صدقة بعد موته عملاً بقول النبي ﷺ : (إذا مات الإنسان انقطع) ، فلا يسوّف حتى يفاجئه الموت وهو لم يوص فقد تفوت عليه الصدقة ويحرم من هذا الخير. إذاً: تندب الوصية هنا؛ لأن عمل الصدقة له بعد موته ليس للوجوب إنما هو للندب والاستحباب، كما قال النبي ﷺ : (إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادةً لكم في أجوركم) . وإذا كان عنده مال محدود وعنده عيال كثير وهم في حاجة إلى العشر من تركته، فذهب وأوصى بثلث ماله، فهل الورثة في حاجة إلى هذا الثلث أو هم في غنى عنه؟ الجواب: هم في حاجة إليه. فإذا كان ورثتك هم أولى من الآخرين، فلماذا توصي بالثلث للفقراء والمساكين المشتتين في العالم، أو في بلدك، وعيالك وأولادك في حاجة إلى هذه الوصية؟! فإذا أنفقت على زوجك فلك أجر، كما قال النبي ﷺ : (حتى اللقمة تضعها في فيِّ امرأتك فلك بها أجر) وكذلك اللقمة التي تضعها في فيِّ ولدك أو بنتك، كما سيأتي في حديث سعد قال ﷺ : (لأن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكففون الناس) فدع الثلث لعيالك، وهنا الوصية تكره، ولهذا كانت المضارة في الوصية من أكبر الكبائر. وقد جاء حديث: (إن الرجل أو المرأة يعيش أحدهما ستين سنةً يعمل الخير، فإذا جاء عند الموت ضار بوصيته -عياله في حاجة وأوصى وصية مضارة لهم- فيختم له بعمله هذا فيكون من أهل النار، والرجل والمرأة يعمل أحدهما بالشر ستين سنةً ويعدل عند الموت في وصيته فيختم له بالخير فيدخل الجنة) . إذاً: الوصية تعتريها الأحكام الخمسة بحسب حالات الموصي وما يوصي به، ومن يُوصى إليه، والمضارة في الوصية سيأتي الحديث عنها في محلها إن شاء الله. إذاً: (ما حق امرئ مسلم عنده شيء يريد) هذه الإرادة تحتمل الأحكام الخمسة: (يريد) لأنها متعينة عليه في دين خفي، (يريد) لأنه يحب فعل الخير من بعده. (يريد) لأنه يريد أن يفعل شيئاً مطلقاً. أي: في جانب الخير، فتكون مباحة ومندوبة وواجبة.

стр. 2500

فضل القراءة والكتابة وبيان لماذا كان النبي ﷺ أمياً قال: (إلا ووصيته مكتوبة عنده) فلو قيل: إن رسول الله صلى الله عليك وسلم قد قال: (نحن أمة أمية لا نقرأ ولا نكتب) فمن أين جاءت الكتابة الآن؟ وهل في قوله: (إلا ووصيته مكتوبة) تقرير للكتابة أو إهمال لها؟ الجواب: فيه تقرير لها. إذاً: ما كان لا يقرأ ولا يكتب عجزاً ولا كراهية، ولا نقصاً في العلم والتعليم، فقد افتتحت رسالته العظمى بقوله سبحانه: ﴿اقْرَأْ﴾ [العلق:١] ، سبحان الله! وقد جاءت الوصية بالكتابة في آية الدين: فيملي الذي أخذ، وإذا كان عاجزاً يملي عنه وليه مع وجود شاهدين وكاتب. فإقرار الكتابة عند رسول الله أقوى من عند أي شخص آخر. إذاً: هو يكرم ويقدر القراءة والكتابة، وكذلك الشعر، قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس:٦٩] فلماذا منعه من الشعر، وقد كان النابهون عند العرب الشعراء؟ علماء الأدب يذهبون في هذا مذاهب عديدة وقد سبق أن كتبت رسالة في الأدب في الصدر الإسلامي، وكانت مقررة في الجامعة. وإنما منع الله رسوله من الشعر تكريماً له، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس:٦٩] أي: ليس هو من أهلة، ولماذا؟ قال سبحانه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس:٦٩] ، فهذا هو شغله، وهذه هي ميزته، فهو لا يتميز على الرجال بالشعر والنبوغ فيه وإنما بالنبوة: (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس:٦٩] ، ولو جئنا وقلنا: وما الذي يمنع من أن يكون شاعراً، وعنده ذكر وقرآن؟ قلنا: يمنع من هذا أن العرب في الجاهلية عند أن دعاهم إلى الإسلام قالوا عنه: شاعر، وكاهن، ومجنون. فإذا كانوا قد اتهموه بالشعر وهو لم يقل شعراً ولم يعرف به فكيف لو اشتهر قبل الرسالة بالشعر؟! فلو كان شاعراً وجاء بمثل قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق:١] ، فسيقولون عنه: هذا شعر من ضمن الشعر الذي كان يقوله، ولكن ليس بشاعر. وكذلك لما قالوا: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل:١٠٣] ، قال الله رداً عليهم: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل:١٠٣] أي: فليس بينهما صلة. إذاً: في عدم تعليمه ﷺ القراءة والكتابة معجزة؛ لأنه أصبح معلماً للناس القراءة والكتابة، وأول قضايا العناية بالتعليم هي تعليم الصبية الصغار بعد غزوة بدر، فقد كان من لم يجد فداءً لنفسه من المشركين وهو يعرف القراءة والكتابة، يفادي نفسه بتعليم عشرة من صبية الأنصار القراءة والكتابة، فكان الذين يفادون بالتعليم مثل الذين يفادون بأربعمائة أوقية، أو بخمسمائة، أو بألف، أو بأكثر، أو بأقل. إذاً: (إلا ووصيته مكتوبة) : الكتابة لها اعتبار في الشرع، في المعاملات وفي تحقيق المناط في الكتابة من حيث معرفة الخط، ولهذا يقول العلماء: هذا مبدأ من مبادئ علم الحديث وهو الرواية بالوجادة؛ لأنهم يقولون: إذا كان هناك طالب علم يقرأ على شيخ، ومات الشيخ ووجد في كتبه ما لم يسمعه منه، فيجوز له أن يقول عن فلان بالوجادة؛ لأنه وجد بخطه أحاديث بأسانيدها مرفوعة إلى النبي ﷺ ، فكأنه أخذها بالسماع إلا أن السماع أعلى رتبةً؛ لأنه مواجهة ومشافهة، فإذا وجدت الوصية بخط الموصي ولو لم يكن عليها إشهاد فخطه شاهد عليها، ويعمل بها. واستدلوا أيضاً: بأن النبي ﷺ كان يبعث بكتبه إلى الملوك ولم يشهد عليها، وبمجرد ما يصل الرسول برسالة النبي ﷺ إلى من أرسل بها إليه يصدقها، فإن كان متأدباً وأراد الله له الخير عظم هذه الرسالة واحترمها وتأدب في الجواب عليها، كما فعل المقوقس مع حاطب فإنه لما رأى الرسالة أكبرها وحفظها وتآنس معه، حتى روي أنه قال: ألستم تقولون: إن محمداً حبيب الله، ورسوله، وأنه يدافع عنه ويحبه؟! قال: بلى، قال: فلمَ تركه لأهل مكة يخرجونه ليلاً، ويختفي في الغار -هذه كما يقولون: حجج قوية-؟ فقال له: وأنت أيها الملك! ألا تؤمن بأن عيسى رسول الله؟ قال: بلى. قال: ألا تؤمن في اعتقادك أنه ابن الله؟ قال: بلى، قال: فلمَ تركه أبوه لليهود يصلبونه؟! فقال: حكيم جاء من عند حكيم، ولهذا العامة يقولون: إذا أرسلت فأرسل حكيماً ولا توصه. يقولون في حكاية عن بعض أصحاب الملك ابن عبد العزيز: أنه أرسله إلى جهة وقال له: قبل أن تذهب غداً ائتني، فلما جاء قدم له رسالة فقرأها إلى آخرها ثم قال: ما هذا؟ قال: أن تعمل بما فيها، فقطعها ورماها أمامه!! فقال له: ما هذا؟! قال: الحاضر يرى مالا يرى الغائب، فأنت هنا قاعد في محلك لا ترى ما يكون هناك، وأنا هناك أشاهد ما يطرأ من الأمور وأنظر أشياء مستجدة أنت لا تدري عنها، فلن أتقيد بكتابتك، ولكن سأعمل بما أرى، وهكذا. فقالوا: كان رسول الله ﷺ يبعث الرسائل إلى الملوك ولم يوقع عليها أحد من الصحابة.

стр. 2501

حكم كتابة الوصية والإشهاد عليها يقولون: لا يشترط في كتابة الوصية التي يبيت وهي مكتوبة تحت رأسه إشهاد الشهود. وقوله: (إلا ووصيته مكتوبة تحت رأسه) ، تحت رأسه، هل يتركه للأولاد يلعبون بها؟ وهل يتركها تذهب وتجيء مع الفراش وتضيع؟ الجواب: لا. وإنما الغرض شدة الحرص على كتابة الوصية قبل أن يصبح، وقالوا: ليس الغرض بالليلة أو الليلتين التحديد ولا مفهوم لها، فتصح ولو بعد أسبوع ولكن الحديث جاء للحث والتأكيد على الإسراع بالوصية. ويلحق العلماء هنا حكم الأمر بكتابة الوصية، فلو أنه أشهد جماعة من الناس في مكان من العادة أنهم يجتمعون فيه، في ناديهم، أو في مسجدهم، أو في مجلسهم الذي هو محل اجتماعهم فقال: أشهدكم أن فلاناً له عندي دين قدره كذا، أو أشهدكم أن فلاناً له عندي أمانة بكذا، أو أشهدكم أني أوصي بالنخل الفلاني صدقة جارية بعد موتي، فيصح، يعني: أنه يجزئ عن الكتابة إعلانه بما يريد أن يكتبه على جماعته أو على أحد من رهطه الذين في محلته، حتى إذا فاجأه الموت وجاء صاحب الأمانة يطلبها وجد من يشهد له بها، أو جاء صاحب الدين يطلبه جاء من سمعه المدين فشهد له بدينه وهكذا، والغرض من ذلك حفظ الحقوق. وبهذا يبين لنا المصنف رحمه الله تعالى حكم الوصية في قول النبي ﷺ : (ما حق امرأ مسلم ... ) الحديث، ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة:١٨٠] . وقد أشرنا إلى الأحكام التي تعتري الوصية من الوجوب إلى الندب إلى الكراهية إلى الإباحة إلى التحريم، فلو أوصى لكنسية أو لكتب بدعة فهي وصية محرمة ولا تنفذ.

стр. 2502

حكم الرجوع عن الوصية أو تبديلها ومن أحكام الوصية: أن له أن يرجع فيها قبل الموت، وله أن يغير فيها ويبدل؛ لأن العبرة في نفاذها إنما هو بعد موته ولهذا يقال: ثلث المال الذي تتعلق به الوصية هل يكون عند كتابتها ولو طال به الأجل عشر سنوات، أم يكون عند موته؟ فلو كتبها وعنده مليون وعند الموت كان عنده مائة ألف فقط، فهل العبرة بوقت الكتابة أم بوقت الموت؟ الجمهور على أنها بوقت الموت.

стр. 2503

شرح حديث: (إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير ... ) قال المصنف ﵀: [وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه قال: (قلت: يا رسول الله! أنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة أفاتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا، قلت: أفأتصدق بشطره قال: لا. قلت: أفأتصدق بثلثه، قال: الثلث والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس) ، متفق عليه] . حديث سعد رضي الله تعالى عنه هذا هو أصل في مقدار الوصية. قوله: (مرض سعد) قيل في عام الفتح، وقيل في حجة الوداع، (فأتاه النبي ﷺ يعوده) ، وهذا من مكارم أخلاقه صلوات الله وسلامه عليه أنه كان يعود أصحابه إذا مرضوا، ويشيعهم إذا ماتوا، (فلما دخل عليه رسول الله ﷺ قال: يا رسول الله! قد بلغ بي من الوجع ما تراه، وعندي مال كثير وليس يرثني إلا ابنة واحدة أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا، قال: بنصفه؟ قال: لا، قال: بثلثه؟ قال: نعم، والثلث كثير) ، وفي رواية عند مسلم: (كبير) ، (لأن تذر) تذر -كما يقولون- فعل الأمر فيها ذر (لأن تذر ورثتك) وهو يقول: ما عندي ورثة إلا بنت، والنبي ﷺ يقول له: ورثتك، فهل ورثتك جمع أم فرد؟ الجواب: جمع، وهو يقول: عندي بنت واحدة، فقال له ﷺ : (لأن تذر أو تدع ورثتك أغنياء -بمالك- خير من أن تدعهم يتكففون الناس السؤال) . إذا أوصيت بثلثي المال وبقي الثلث، وبطريق الإيحاء والإلهام سيكون لك ورثة ولهذا قال: (لأن تذر ورثتك أغنياء) ، ولم يقل: وريثتك هذه البنت، بل قال: ورثتك، وفي بعض الروايات: (أخلف بعد أصحابي يا رسول الله! قال:. ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضربك آخرون ... ) إلى آخره. وقالوا: قد ولد له بعد ذلك فمنهم من قال: أربعة، ومنهم من قال: ستة، ومنهم من قال: ثمانية من الأولاد ذكوراً وإناثاً، ومنهم من قال: أقل، ومنهم من قال: أكثر من ذلك، وهنا كون سعد يقول: أوصي بثلثي مالي، وجاءت رواية أخرى: أن النبي ﷺ دخل عليه فقال: أوصيت؟ قال: نعم، قال: بكم؟ قال: بجميع مالي فقال: (لأن تدع ورثتك ... ) إلى أخره، فقال: بكم أوصي؟ قال: بالعشر، ولا زال يقول وأقول: يعني هو يزيد قليلاً وأنا أنقص قليلاً حتى قال: (الثلث والثلث كثير) . والثلث كثير. يعني: انقص منه، والثلث كثير فيه الخير والبركة وفيه الكثرة التي أنت تريدها، فيكون على هذا الثلث هو الحد الأقصى فيما يمكن أن يوصى به. وقالوا: إن هذا الحديث من معجزاته ﷺ ، وهو أنه أخبر سعداً وهو مريض بأنه سيعيش وسيأتي له الأولاد ويكون له الورثة العديدون، وقد كان كما قال ﷺ . إذاً: الوصية لا تجوز أن تزيد عن الثلث، وابن عباس ﵄ كان يقول: (لو غض الناس عن الثلث لكان خيراً) ، وكان يقول: (أحب إليَّ أن يكون الربع) ، والربع فيه الخير.

стр. 2504

حكم الوصية بأكثر من الثلث من أوصى بأكثر من ثلث ماله نظرنا فإن كان لأجنبي سألنا الورثة: أتجيزون الزائد عن الثلث أم تسترجعونه؟ فإن قالوا: أجزنا وصية ميتنا، قلنا: على بركة الله، وإن قالوا: لا نجيزها، رد الزائد عن الثلث، وإن قال البعض: نجيز والبعض قالوا: لا نجيز، رددناها في حق من لم يجز وأجزناها في حق من أجاز. وهنا قد يحصل فعل الخير؛ لأن الإنسان عند موته يزهد في الدنيا بكاملها، حتى في أهله وأولاده، وينظر إلى ما بعد الموت، ويريد أن يقدم كل ما يمكن أن يستطيعه لآخرته، فهو تحت تأثير الرغبة والرهبة: الرهبة فيما هو مستقبل أمامه، والرغبة فيما عند الله من الأجر، فهل نتركه تحت تأثير الرغبة والرهبة أو ننصحه؟ الجواب: ننصحه، ونبين له الصواب، ونخرجه من تحت وطأة هذا التأثر، وفي قضية الشخصين الذين اختصما في مواريث بينهما قال لهما ﷺ : (إنكما تحتكمان إليّ وأنا بشر فأقضي لبعضكم على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فإنما أقتطع له قطعه من النار) ، فكل منهما قال: حقي لصاحبي، لا أريد شيئاً، فما الدافع الذي جعله يقول: حقي لصاحبي، وهو يتخاصم معه ويقول: أريد حقي منه، والآن يقول حقي لصاحبي! ما الدافع لذلك؟ الجواب: الخوف من النار؛ لأن النبي ﷺ قال: (أقطع له قطعة من النار) . إذاً: كل واحد منهما وقع تحت تأثير الخوف من النار، فهل قال لهما النبي ﷺ : اذهبوا وائتوا بالمال نفرقه على المساكين؟ لم يقل لهما ذلك، وإنما قال: (أما وقد قلتما ذلك فارجعا فاقتسما وتحريا في القسمة، واستهما وليبح كل منكما صاحبه) . وماذا بعد هذا من الاحتياطات؟! قال: (اقتسما وتحريا القسمة) ، أي: لا تتساهلا، ولا تقولا: نحن متسامحان، بل تحريا؛ لأن -كما يقولون- بعد السكر صحوة، فأنتما الآن تحت تأثير الخوف من النار قد تتسامحان، وبعد هذه المدة تنسيان النار ويطالع كل منكما في نصيبه مع الآخر، فإن كانا قد تحريا في القسمة قال: لا، مالي شيء عنده، وإن كانا قد تساهلا، قال: نعم، والله! لقد تساهلت معه، فالفرس الفلاني مقابل كذا هذا فيه غبن علي أو أو. إلخ. فلم يتركهما ﷺ تحت تأثير مخافة النار، وإنما وجههما لما ينبغي أن يكون بينهما، عملاً للمستقبل نفسياً، وهنا إذا كان الإنسان يموت فإنه يريد أن يترك الدنيا، ولا يهمه من الذي يريد، ولا من الذي يشحت، ﷺ : (أن تدع ورثتك أغنياء ... ) الحديث، وهكذا تكون التربية النفسية، والأخلاقية، والاجتماعية، ومصلحة الأولاد فيما بعد، ولئلا يضارهم في الوصية كما سيأتي إن شاء الله. وهنا قال: (لأن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون -أي: يمدون أكفهم إلى الناس- الناس) والله أعلم. لهذا يا إخوان! أنبه على أنه ينبغي على القضاة -كما هي السنة- أن القاضي يعظ كلاً من الخصمين بالحق، ويخوفهما من قضاء يوم القيامة، فإذا وجد إنساناً وقد وقع تحت تأثير الموعظة فلا يأخذه بذلك، بل يبين له حقيقة حقه وبيان أمره، فقد يقول: تنازلت، أو تركت الدعوى، أو أصالحه؛ لأنه قد وقع تحت تأثير ما، فلا يأخذه في تلك الحالة النفسية الاضطرارية، ولكن ينبهه على حقه ليكون على بينة، والله تعالى أعلم.

стр. 2505

شرح حديث: (إن أمي افتلتت نفسها ولم توص ... ) قال المصنف ﵀: [وعن عائشة ﵂: أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! إن أمي افتلتت نفسها ولم توص، وأظنها لو تكلمت تصدقت، أفلها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: نعم) متفق عليه، واللفظ لـ مسلم] . في حديث عائشة ﵂ هذا عدة جوانب من المباحث الفقهية: قولها رضي الله تعالى عنها: (أن رجلاً) ورجل: نكره لم يعرف من هذا الحديث من هو؟ ومعلوم عند علماء الحديث أن النكرة غير المعرفة، ولا يؤخذ بحديث الرواي حتى يعرف من هو؟ وهل هو عدل، ثقة، ضابط أم لا؟ ولكن كون الرجل أتى النبي ﷺ وسأله، دل على أنه صحابي، والصحابة كلهم عدول عند أهل السنة، لا يفتش عن أحد منهم، فسواء عرف بشخصه وبذاته، أو جهلت شخصيته وذاته، فما دام أنه قد ثبتت صحبته لرسول الله ﷺ ، وقد عرف هذا الرجل من روايات أخرى أنه سعد بن أبي وقاص فقد جاء: (أنه خرج مع النبي ﷺ غازياً، ثم ماتت أمه في غيبته) الحديث، وجاء في رواية: (أنه قيل لها: أوصي؟ قالت: بمَ أوصي والمال مال سعد؟ أي: ليس لي) . وهنا يقول: (إن أمي افتلتت نفسها) . أي: ماتت فجأة دون أن تعطى فرصة للتصدق، وقال: (إنها لو تكلمت) أي: في آخر حياتها لتصدقت. أي: لأوصت بالصدقة، وهنا النبي ﷺ يقره على أنها لو أوصت لصحت وصيتها. ثم يتساءل (وأظنها) لما يعلم من رغبتها في الخير في حياتها، (أنها لو تكلمت لتصدقت) ، بمعنى: لأوصت بالصدقة؛ لأنها في تلك الحالة ليست في حالة إخراج صدقة فعلاً؛ لأنها مريضة وقد افتلتت نفسها، فليس هناك إمكانية لإجراء الصدقة بالفعل، فأقره ﷺ على أن لها ذلك وأن الوصية عند الموت جائزة، كما تقدم وكما سيأتي، وحدود ما شرع الله هو الثلث كما تقدم في قضية سعد أنه قال: (يا رسول الله! أنا ذو مال كثير ولا يرثني إلا ابنة واحدة أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا، بشطر مالي؟ قال: لا، بثلث مالي، قال: نعم، والثلث كثير) ، وجاء في الروايات الأخرى: (تصدق بالعشر، فلا زال يتكلم وأتكلم حتى قلت الثلث؟ قال: والثلث كثير) وحدود وصية أو تصرف المريض مرض الموت في ماله محصورة في الثلث. هذا جانب من جوانب الحديث.

стр. 2506

انتفاع الميت بعمل الحي الجانب الثاني من هذا الحديث: بعد صحة الوصية من المريض في مرض موته، تأني قضية انتفاع الميت بعمل الحي؛ لأنه قال: (أينفعها إن تصدقت عنها؟ قال: نعم) ، فهذا إقرار من النبي ﷺ للولد أن يتصدق عن أمه، ويؤيد هذا الحديث؛ الحديث الآخر وهو قول النبي ﷺ : (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: -ومنهم- ولد صالح يدعو له) ، وجاء في الحديث الآخر قال ﷺ : (إن خير ما أكل الرجل من كسبه أو من عمله وإن ولد الرجل من كسبه) أي: أن كسب الولد ينسب لأبيه كما قال ﷺ : (أنت ومالك لأبيك) ، وقد تقدمت الإشارة والتنبيه إلى أن هناك بعض النصوص ظاهرها التعارض مع هذا مثل قوله سبحانه: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩] ، وهذه التي افتلتت نفسها قد انتهت عند سعيها السابق قبل افتلات النفس، وهنا السؤال هل ينفعها عمل ولدها بعد أن انتقلت إلى مولاها؟ فقال: نعم، ينفعها، وجاءت أحاديث أخرى منها: أن العاص بن وائل أوصى في الجاهلية أن يعتق عنه مائة بدنة، فقام أحد أبنائه وأعتق خمسين في الجاهلية، وأسلم بعض أبنائه فسأل رسول الله: (أفأعتق عنه؟ فقال: لو كان مسلماً فأعتقت عنه لنفعه ذلك) . إذاً: العمل من الولد للوالد بإجماع المسلمين، وقد تقدم تقسيم العلماء الأعمال الخيرة التي يرجوها الإنسان لغيره أو يعملها ويهبها لغيره وقالوا: إن أعمال القرب تنقسم إلى قسمين: قسم بدني محض: كالصلاة، والصيام، والدعاء، وتلاوة القرآن. وقسم مالي محض: كسداد الديون، والصدقة عنه، وأداء الكفارات. وهناك قسم ثالث يجمع بين الأمرين: كالحج ففيه نفقة، وفيه حركة البدن فهو حل وارتحال، فأجمعوا: على أن كل قربة مالية من الولد لوالده أنها تصله وينتفع بها، ثم وسعوا الدائرة وقالوا: كل صدقة مالية من أي مسلم لمسلم آخر تنفعه ولو لم يكن ولده، كما جاء في قضية شبرمة، عند أن قال رجل: لبيك اللهم! عن شبرمة فقال له ﷺ : (ومن يكون؟ قال: أخ لي، أو صديق لي، قال: حججت عن نفسك؟ قال: لا. قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة) ولم يقل له: لست بولد له، أو لا تنفعه حجتك عنه، بل أقره على ذلك، وكذلك فعله ﷺ عن خديجة فقد كان يتصدق عنها بعد ما هاجر إلى المدينة، وكانت عائشة رضي الله تعالى عنها ربما أثارتها الغيرة لكثرة ما وجدت رسول الله ﷺ يتصدق عن خديجة. وأما القسم البدني المحض، فممن ذكر هذا المبحث الإمام ابن تيمية ﵀ وهذا المبحث موجود في عدد من صفحات كتاب المجموع، وذكر: أن الصحيح أن عمل الإنسان البدني للميت ينفعه وذكر فرداً فرداً عن الصلاة، واستدل بحديث الرجل الذي جاء وقال: (كنت أبر أبي في حياته فكيف أبره بعد موته؟ فقال النبي ﷺ له: تصلي له مع صلاتك وتدعو له مع دعائك) فقال: هذه صلاة من الولد للوالد، فله أن يصلي ركعتين ويقول: أجرها وثوابها لوالدي. ومثل هذا أيضاً: ركعتي الطواف في الحج، وإن كانت تبعاً لكنها صلاة أجزأت عن ميت، وكذلك الصوم قال ﷺ : (من مات وعليه صوم صام عنه وليه) ، ثم قال: بقي بعد ذلك الدعاء وتلاوة القرآن قال: والدعاء هو كما جاء في الشرع تكليف للأمة بكاملها، والدعاء للميت قد جاء في عمل من جحده فقد كفر وهو الصلاة على الجنازة، فإننا في التكبيرة الثالثة ندعو للميت بما يسر الله ، فقال: هذا عمل مشروع وهو من حق الميت على الحي، وهو فرض كفائي، ثم بعد ذلك له أن يدعو له بظهر الغيب، وكذلك الاستغفار، ثم بحث المسألة من الجانب العقلي، وقرر ثبوت ذلك وجوازه. وهنا قال: (وأظنها -أي: ظن يقين- لو تكلمت تصدقت أفينفعها إن تصدقت عنها؟ قال: نعم) . والغرض من إيراد هذا الحديث هنا هو بيان صحة الوصية في مرض الموت، هذا مع أن المريض مرض الموت لا يحق له أن يتصرف في ماله؛ لأن المال أصبح مال الورثة، كما قال الصديق رضي الله تعالى عنه لأم المؤمنين عائشة: (والله! يا ابنتي! ما أحد أحب إلي غناً منك، ولا أحد أعز علي فقراً منك، وقد كنت نحلتك جذاد خمسين وسقاً، فلو كنت حزتيه لأخذتيه، ولكنه الآن مال وارث) ؛ لأنه أحس في مرضه هذا الذي هو فيه أنه مرض الموت. فإذا وصل الإنسان إلى مرض الموت وتأكد الأمر في ذلك فليس له حق التصرف في ماله، وكذلك في الحالات التي هي مظنة الوفاة كالمرأة في حالة النفاس، لا يحق لها أن تتصرف في مالها، وكذلك الرجل إذا وقف بين الصفين في القتال؛ لأن نفاس المرأة مظنة الوفاة، لما تجد من معاناة وشدة، وكذلك الإنسان إذا كان في أرض المعركة أمام العدو فإنه يحتمل إحدى الحسنيين، فهذه الأحوال أو تلك الحالات تمنع الإنسان من أن يتصرف في ماله، إلا إذا كانت وصية وفي حدود الثلث على ما تقدم وعلى ما سيأتي إن شاء الله.

стр. 2507

شرح حديث: (لا وصية لوارث) قال المصنف ﵀: [وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث) ، رواه أحمد والأربعة إلا النسائي وحسنة أحمد والترمذي وقواه ابن خزيمة وابن الجارود، ورواه الدارقطني من حيث ابن عباس ﵄ وزاد في آخره: (إلا أن يشاء الورثة) ، وإسناده حسن] . هذا الحديث تكلم عنه المؤلف، وتكلم عنه الشارح أيضاً، وذكر عن الشافعي ﵀ أنه قال: لقد وصل إلى حد التواتر، وإن الأمة قاطبة تعمل به. إذاً: إذا وصل إلى هذا الحد فلا حاجة إلى البحث في رواياته مادام أنه قد جاء عن مثل هذا الإمام الجليل ﵀ ورضي الله تعالى عنه القول بأنه قد وصل إلى حد التواتر، والمتواتر لا يبحث في سنده، حتى لو كان فيه غير عدول لقبلت أقوالهم مع الآخرين تأييداً للواقع. والمتواتر هو: ما جاء من طرق متعددة يرويه جمع عن جمع يستحيل في العادة تواطؤهم على الكذب، ويكون نهاية استنادهم الحس، وليس الظن والاجتهاد وإنما الرؤيا أو السماع، فمثلاً: لو حدثت حادثة في الحج كأن نزل مطر وفيه برد، ويقولون: قد نزل البرد في عرفات حتى تمزقت بعض الخيام وو و، فالذي هو في المدينة أو في مصر أو في الشام أو في المغرب إذا رجع الحجاج وكل على انفراده أخبر بما وقع يوم عرفات فإن هذا العدد من الناس يستحيل أن يتواطئوا وأن يجتمعوا في مكان ويقولون: لنخبر أهل المدينة أنه وقع برد، ولم يكن قد وقع، فإذا استحال اجتماعهم وتواطؤهم على الخبر وكان مستند إخبارهم الحس، فقد رأوا، وشاهدوا، وجاءهم البرد على رءوسهم، فكل هذه استنادها على شيء محسوس فيقبل، وأما مقدار هذا العدد فالأصوليون يقولون: من ثلاثة إلى خمسة، وعلماء الحديث يقولون: بعدد لا يمكن حصره، فإذا وصل الحديث إلى حد التواتر كان العمل به لازماً ما لم يعارضه شيء آخر. وهنا في هذا الحديث: (إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث) ، لأن الوارث قد أخذ حقه، فلو أعطيناه زيادة على حقه الذي أعطاه الله فإننا، نكون قد غيرنا في أعطيات الله للناس في الميراث، ويكون في ذلك مضارة على غيره من الورثة، وهنا قالوا: إن هذا الحديث نسخ آية الوصية، وهي قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة:١٨٠] لمن؟ ﴿لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة:١٨٠] . يقولون: قبل أن تنزل آيات المواريث، كان المال للولد، والوصية للوالدين والأقربين. أي: وصية بما جادت به نفسه، والمال من حيث هو كثر أو قل للولد، ثم أنزل الله الفرائض وجعل للذكر من الأولاد ضعف الأنثى، كما قال تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١] ، وكذلك الإخوة والأخوات، وجعل للأبوين مع وجود الولد لكل واحدٍ منهما السدس، وجعل للزوجة ما بين الربع والثمن، وللزوج مابين النصف والربع، فأعطى كل ذي حق حقه.

стр. 2508

نسخ القرآن بالحديث البعض يقول: إن الحديث مهما كان فرداً من الآحاد فهو لم يتحقق قطعاً أنه متواتر، ولا ينسخ القرآن بالآحاد وهذا متفق عليه، وهل ينسخ القرآن بالمتواتر؟ وقد بحث هذا والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه في مذكرته وقال: من نظر الخلاف الموجود عند العلماء فإن الصحيح قول من يقول: المتواتر هو سنة -فعلية، أو قولية- جاءت عن الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى، فهي وحي، كما قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٤] . وإذا كان القرآن وحي وهذا المتواتر وحي فإن الوحي ينسخ بعضه بعضاً، وقال قوم: مهما كان فإن كان السنة أنزل رتبةً؛ لأن القرآن قطعي الثبوت، والسنة ظنية الثبوت ما لم تكن متواترة محققة، فلا ينسخ قرآن بسنة ولو متواترة، والآخرون قالوا: النسخ جائز، فالشيخ ﵀ قال في ذلك: التحقيق في ذلك أنه جائز شرعاً ولم يقع فعلاً. يقول: من حيث النظر الأصولي والتشريعي هو جائز. أي: من حيث العقل، والقواعد العلمية، يجوز أن ينسخ الحديث المتواتر آية من كتاب الله، ولكنه لم يقع بالفعل، فلم يقع نسخ في كتاب الله بحديث متواتر. إذاً: عملياً النسخ بالمتواتر لم يقع وأصبحت المسألة نظرية علمية، وقد أجمعوا على أن الحديث النبوي ولو كان آحاداً فإنه يخصص عموم الكتاب، كما جاء في قوله سبحانه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة:٣] ، فجاء الحديث عن النبي ﷺ قال: (أحلت لنا ميتتان ودمان ... ) الحديث، فخصص من عموم الميتة: الجراد والحوت، ومن عموم الدم: الكبد والطحال، فهذا تخصيص لعموم آية في كتاب الله بالحديث الآحاد. وكذلك قد تضيف السنة تشريعاً كاملاً مستقلاً إلى كتاب الله كما جاء في قوله سبحانه: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء:٢٣] ، هذا نص في تحريم الجمع بين الأختين في النكاح، فجاءت السنة وألحقت بهذا قال ﷺ : (لا تنكح المرأة على عمتها ولا بنت أخيها ولا تنكح المرأة على خالتها ولا على بنت أختها) ، فهذه زيادة على تحريم الجمع بين الأختين، وهذا مما تلقي بالقبول والإجماع أنه لا يجوز. إذاً: (إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث) أي: أن الوصية كانت مشروعةً لمن كانوا ورثة قبل مجيء آيات المواريث، وفي هذا الحديث بيان على أنه لا وصية لمن دخل في نطاق الورثة، وقد نبه أيضاً والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه وقال: القرآن في آيات الوصية نسخ بقرآن وهو ما جاء في آيات الفرائض، وهذا الحديث إنما هو دال على موقع النسخ وليس هو الناسخ، فقوله ﷺ : (إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه) ، أي: أعطاه في آيات المواريث. إذاً: أعطى أصحاب الوصية في المواريث حقهم فلا وصية لهم، والحديث دليل على موضع النسخ والناسخ هو آيات المواريث ضمناً، فقال رحمة الله تعالى علينا وعليه: إن الحديث لم ينسخ القرآن، ولكنه دل على موضع الناسخ من القرآن للقرآن.

стр. 2509

حكم إجازة الورثة وصية المورث لبعض الورثة وهنا ذكر المصنف بعض الروايات والطرق الكثيرة التي جاءت في هذا الحديث ومنها: الزيادة التي اختلف فيها: (إلا أن يشاء الورثة) اختلف في هذه الزيادة، ولكن أقرت عقلاً وشرعاً. شرعاً بهذه الزيادة المقبولة الثابتة، وعقلاً بأن أصل الميراث هو حق للورثة، فإذا أوصى الميت لبعض الورثة ببعض المال فجاء الورثة الذين يستحقون كل المال وقالوا: لا مانع من أن ننفذ وصية مورثنا، ونحن نجيز هذا القدر الزائد علينا، تنفيذاً لوصيته، فيقولون: أصحاب الحق قد تنازلوا عن حقهم، وأقروا المورث في وصيته لواحد منهم. إذاً: الحق لا يعدوهم، فإن أجازوا فقد أجازوا من حقهم، وإن منعوا فقد منعوا في حقهم؛ لأن لهم أن يمنعوا. إذاً: لو أوصى الموصي لأحد الورثة بشيء زائد عن حصته فلا بأس إن أجاز الورثة، وبعضهم يناقش في هذه المسألة ويقول: ينظر لماذا نفل هذا الوارث دون بقية الورثة؟ وهل هناك موجب لذلك؟ وأكثرهم يتكلمون عما يكون من هذا بين الزوجين، فقد يوصي الزوج لزوجته بحصة من المال أو بشيء من المتاع، كما جاء عن بعض السلف أنهم كانوا يوصون: لا يكشف عما في غرفة فلانة من المال، أو لا تفتش، أو ولا تكلف، أو ولا تطالب، أو ما في غرفتها فهو لها -أي: زيادة عن ميراثها-. والمالكية يقولون: ننظر كيف كانت المعاملة بين هذين الزوجين، فإن كان يحبها في حياته وكان يقدمها على غيرها فهذه وصية مضارة بغيرها، وتنفيل لها بدون موجب، وإن لم تكن له زوجة أخرى وكانت الحياة متبادلة فيما بينهما فلعل بينهما حقوقاً أراد أن يعوضها عن تلك الحقوق بهذا الزائد من مالها الفعلي في بيته. وكذلك قالوا: إذا كان الوارث الذي وصي له بشيء زائد عن ميراثه في حالة فاقة، وفي حالة احتياج إلى مساعدة من إخوانه وشركائه في الميراث ولو لم يكن ميراث فإذا راعاه المورث وأوصى له بشيء، فلا مانع إذا أقرت الورثة هذه الوصية. وهناك من يقول: لا وصية لوارث أجاز الورثة أو لم يجيزوا، وهذا مذهب الظاهرية، فإنهم منعوا الميت أن يوصي الوارث أياً كان؛ لأن الرسول ﷺ قال: (لا وصية لوارث) ، ولم يجيزوا تلك الزيادة حتى ولو رضي بقية الورثة، قالوا: لأن الشرع قد أنهى الموضوع: (فلا وصية لوارث) ، فلا يحق لأحد أن يوصي لوارث بشيء، ولكن مذهب الجمهور: أن الوارث إذا كان له صفة قائمة به تستدعي التعاطف معه وأجاز ذلك الورثة فإن الوصية تصح له. والله تعالى أعلم.

стр. 2510

حكم رجوع بعض الورثة في إجازته لوصية مورثه لبعض الورثة وفي هذا الموضوع يبحث العلماء مسألة دقيقة وهي: لو أن الميت عند موته جمع الورثة وقال: أنا أريد أن أوصي لأخيكم، أو لأختكم، أو لأمكم أو لزوجة أبيكم، بكذا وصية خاصة، فهل تجيزونها أو تمنعونها؟ إن قالوا جميعاً: نجيزها، أو قالوا جميعاً: لا نجيزها، فالعمل بما قالوا وهذا بالإجماع متفق عليه، وإن قال البعض: نعم نجيز، وقال البعض: لا نجيز أجيزت في حق من أجاز. فإذا أوصى بالثلث، فيؤخذ ثلث الورثة الذين أجازوا ويعطى للموصى إليه بإجازتهم. ولكن النقطة الحساسة في هذا هي: لو أنهم كلهم قالوا: نعم أجزنا، وبعد موت المورث وعند التنفيذ قام البعض وقال: أنا رجعت عن إجازتي، أو أنا لا أجيز تلك الوصية، فهل له حق في هذا الرجوع أو ليس له حق؟ يرى بعض المالكية أنه ليس له حق؛ لأن إجازته الأولى هي بمثابة الصدقة، والهبة، والهدية، فكأنه وهب لهذا الوارث ما أوصى به المورث، فإذا رجع في ذلك رجعنا إلى الكلام في العائد في هبته، وبعضهم قالوا: له أن يرجع؛ لأنه قد يكون إنما أجاز تكريماً لمورثهم، وبعض المالكية أيضاً قالوا: إذا كان هذا الذي رجع عن إجازته يعيش في كنف الموصي في حياته وخشي إن هو قال: لا أوافق أن تحصل عليه ضيقة في معيشته في كنف المورث، أو خشي أن يضيق عليه بسبب عدم موافقته، فوافق لتبقى حياته في كنف مورثه إلى النهاية، ولما أمن الأمر وتوفي الموصي رجع إلى حقه فقال: أنا لا أجيز، قالوا: يقبل رجوعه إن كان معللاً بهذه العلة أو بما يشبهها، والله تعالى أعلم.

стр. 2511

شرح حديث: (إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم ... ) قال المصنف ﵀: [وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة في حسناتكم) رواه الدارقطني، وأخرجه أحمد والبزار من حديث أبي الدرداء، وابن ماجة من حديث أبي هريرة ﵁ وكلها ضعيفة، لكن قد يقوي بعضها بعضاً. والله أعلم] .

стр. 2512

الحث على الوصية بالخير عند الموت قوله: (إن الله تصدق عليكم، بثلث أموالكم، عند وفاتكم، زيادة في حسناتكم، أو زيادة في أجوركم) هذا الحديث على ما فيه من ضعف في السند، يقول العلماء: في هذا تفضل من الله على العبد بأن أكرمه الله بهذا في آخر حياته، ليُعمل به بعد وفاته فيكون فيه زيادة في أجره وهو ميت. وقوله: (إن الله تصدق) ما قال: أعطى، أو سمح، وإنما قال: (تصدق) . والصدقة في عرف اللغة والشرع هي: تمليك الغني للفقير بدون عوض. فما وجه الشبه بين الصدقة وبين السماح للميت بالوصية في حدود الثلث عند موته؟ الذي يظهر من الجو العام والسياق النبوي الكريم هو: أن محل الصدقة هنا أنها صدقة من الله، فهو سبحانه تصدق عليكم بأموالكم التي في أيديكم، فإن قيل: كيف يتصدق علينا بما في أيدينا؟ قلنا: نعم. من جهتين: الجهة الأولى: أن المريض إذا وصل إلى مرض الموت منع من التصرف في ماله، وأصبح المال مال وراث، فلما لم يصبح له ملك في المال، وجاءه ثلث ماله، كان هذا الثلث بمثابة الصدقة؛ لأنه قد منع من التصرف فيه، وأصبح غير ملك له، ومنع من أن يتصرف في أي جزئية منه، لكن الله سمح له بالثلث، فكأنه تصدق عليه بالثلث بعد أن منع منه. الجانب الثاني: المال في أيدي الناس حقيقة هو مال الله، يعطيه من يشاء، ويحرمه من يشاء، قال : ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور:٣٣] . إذاً: حقيقة الأموال التي في أيدي الناس سواء كانت نقداً أو متاعاً أو طعاماً أو لباساً أو مساكن أو مزارع، كلها لله، فهو يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، وبيده الخير سبحانه. إذاً: هو المالك لمالك الذي في يدك، وإنما أنت متصرف فيه بما شرع لك، فلما كفت يدك وكان المال هو مال الله، قال: خذ ثلث مالك وتصدق به عن نفسك زيادةً في أجرك الذي عملته قبل الموت. إذاً: الثلث هذا هل هو عمل قبل الموت أم بعد الموت؟ الجواب: عمل بعد الموت؛ زيادة في أجوركم، فمهما عملت في حياتك من أعمال الخير، البدنية والمالية، والمشتركة بينهما وفعلت وفعلت فإن كل ذلك مسجل لك في صحيفتك، وعندما يأتي الموت تختم الصحيفة فيقال لك: لا. افتح اعتماداً جديداً صدقة عليك، فيكون تصريفك لهذا الثلث زيادة في أجرك -أجر عملك الذي علمته قبل أن يأتيك الموت- ويستمر أجر هذا الثلث الذي أنفقته بعد وفاتك. إذاً (زيادة لكم في أجوركم) هذا كما في الحديث الآخر (إذا مات الإنسان انقطع عمله. صدقة جارية) . والله أعلم. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ونبيه محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2513

كتاب البيوع - باب الوديعة إن من أصول الإسلام التعاون على البر والتقوى، ومما يدخل في هذا الأصل العظيم: حفظ الودائع، وهو من الأخلاق العالية والقيم النبيلة، وقد كان هذا الخلق محموداً عند الناس في الجاهلية فكان من محاسنهم التي أقرها الإسلام واستحبها لمن كان قادراً على القيام بأمر الوديعة، ولو تلفت الوديعة في يد المودع عنده فإنه غير ضامن؛ لأنه مؤتمن، ما لم يفرط أو يتعد، وللوديعة مباحث كثيرة يذكرها العلماء في كتب الفقه، وغالبها مباحث اجتهادية.

стр. 2514

شرح حديث: (من أودع وديعة فليس عليه ضمان) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: قال المصنف ﵀: [عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵄، عن النبي ﷺ قال: (من أُودع وديعة فليس عليه ضمان) أخرجه ابن ماجة، وفي إسناده ضعف] .

стр. 2515

تعريف الوديعة لغة واصطلاحاً نأتي إلى موضوع الوديعة. الوديعة في اللغة: من ودع الشيء. بمعنى: ترك، ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى:٣] أي: ما تركك، يقول: دع عنك كذا، أي: اتركه عنك، وقالوا: إن الودعية متروكة عند المودع، وقيل: من الوداعة، والوداعة: السكون، (فأتوها وعليكم السكينة والوداعة والوقار) فإما أن تكون من الاستقرار والسكون عن التقليد والحركة بإيداعها عند المودع، وإما أن تكون من الترك، بأن تركها صاحبها مستقرة عند المودع، ومهما يكن أصلها في اصطلاح أهل اللغة فإن أصل الوديعة في الشرع: أن يجعل إنسان مالاً له عند غيره يحفظه له، ويقولون: إن عقد الوديعة عقد جائز، ولكل من الطرفين إنهاؤه متى شاء.

стр. 2516

الأدلة على مشروعية الوديعة وقالوا: إن الوديعة ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع. أولاً: الكتاب: فقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨] والوديعة أمانة. ثانياً: السنة: (على اليد ما أخذت حتى تؤديه) ويدخل فيه الاستعارة والإجارة والوديعة: ثالثاً: والإجماع: أجمعت الأمة على ذلك. وهي مشهورة عبر التاريخ في الجاهلية والإسلام، فأما في الإسلام فإن النبي ﷺ كان موضع إيداع أهل مكة. يقولون: ما كان لإنسان شيء يخاف عليه إلا وأودعه عند محمد بن عبد الله ﷺ ؛ لأمانته، ولما أراد الهجرة خلف علياً رضي الله تعالى عنه لأمرين: الأمر الأول: التعمية على العدو، بأن المسجى تحت البردة هو محمد ﷺ عليه وسلم؛ فينتظرونه. الثاني: الأمانات، فلما أراد الهجرة ﷺ أودع تلك الودائع عند أم أيمن، وكلف علياً أن يردها لأصحابها بعد أن يخرج؛ لأنه لو ردها قبل الخروج للفت الأنظار إليه، وكان من أهم عوامل نجاح الهجرة الكتمان. وأما في الجاهلية: ففي قصة السموءل مع امرئ القيس، حينما أتى امرؤ القيس إلى السموءل وأودعه سلاحه، وذهب يجمع رجالاً وسلاحاً لقتال أعدائه، فشعر أعداؤه بذلك، فجاءوا إلى السموءل لأخذ سلاح امرئ القيس فامتنع، وقال: إنها وديعة وأمانة ولا أخفر الأمانة والوديعة. وكان محصناً في حصنه، فعجزوا أن يصلوا إليه، فوجدوا ولده خارج الحصن، فهددوه بقتل ولده إن لم يسلم سلاح امرئ القيس فامتنع، وقتل ولده على نظره وعينه ولم يسلم الوديعة والأمانة!

стр. 2517

حكم الوديعة لعظم مكانة الأمانة قالوا: إنها تستحب، وقد تجب إذا علم المودع أنه إذا لم يقبلها ضاعت، وهو أمين عليها، أما إذا وجد من يستقبلها غيره، أو رأى من نفسه الضعف، فخشي أن يفرط فيها إما بضياع، أو طمع فيها بأن تضعف نفسه أمامها؛ فلا يحق له أن يقبلها. إذاً: الوديعة أمانة، والوديعة: مال الغير يحفظه غيره، ويكون أميناً في ذلك. والحديث يتكلم عن جانب واحد من جوانب الوديعة: بأن المضمَّن لا يضمن؛ لأن يده عليها يد أمانة، والأمين لا يضمن، ولأنه أمسكها لحظ صاحبها لا لحظ نفسه، فهو غير متهم. وهناك جوانب أخرى متعددة في الوديعة، وابن قدامة ﵀ أورد في المغني في مباحثها ما يقارب من خمس وثلاثين صفحة، كلها تدور حول تحقيق المناط في الضمانة، والضمان، وعدم الضمان، والأصل في ذلك: أن المودع لا يضمن ما لم يأتِ موجب الضمان: من تفريط أو تعدٍ، وسبق أن قلنا: إن موجبات الضمان في القوانين الوضعية وفي الأحكام الشرعية أحد الأمرين: التفريط أو التعدي، والفرق بين القتل الخطأ والعمد: أن الخطأ بسبب التفريط، والعمد بسبب التعدي العامد والعدوان، وهكذا كل من فرط في حق الغير ضمن، وكل من تعدى على حق الغير ضمن؛ لأنه فعل ما ليس له أن يفعله، فعلى الإنسان أن يحرص، وأن يأتي بالعمل على وجهه الكامل.

стр. 2518

تعدد مباحث الوديعة مباحث الوديعة طال بحثها عند الفقهاء: من الذي يحق له أن يودع، ومن الذي يستحق أن يستودع ويقبل الوديعة، صفة حفظ الوديعة عند المودع بين حفظها ومستوى حرزها، وإذا كانت تحتاج إلى إنفاق والمودِع ليس موجوداً فماذا يفعل؟! وإذا أراد السفر وخشي عليها، ولم يجد صاحبها ولا وكيلها فماذا يفعل؟! أيحملها معه في السفر وهو مظنة الإتلاف؟! أم يودعها عند غيره؟! وهل يضمن بإيداعها عند غيره أم لا؟! وإذا خلطها بماله وكان من جنسها: دارهم مع دراهم، دنانير مع دنانير، تمر مع تمر، زيت مع زيت؟! وإذا خلطها مع غير جنسها: بر مع شعير، وهكذا أيضمن في هذه الحالات أو لا يضمن؟ وإذا كانت في حرز، مثل: كيس أو صندوق ونحوه ففك رباط الكيس أو الصندوق، ولو لم يخرج منها شيء أيضمن أم لا يضمن؟ وكل هذه المباحث موثقة أو مفصلة في كتب الفقه كما أشرنا ذلك عن الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى. وأهم ما ينبغي التنبيه عليه: أن الصناع سابقاً لم يكونوا يضمنوا؛ لأن الصنعة في أيديهم أمانة، ولكن في زمن علي رضي الله تعالى عنه لما كثر ادعاء الصناعة وتلف السلع ضمنهم، وقال: سداً للباب، وسداً للذريعة، فإذا علم الصانع أن موضوع الصنعة في ذهب أو نحاس أو خشب أو خياطه أو غير ذلك إذا تلف لا يضمن فرط، وإذا علم أنه يضمن بأي حال من الأحوال أتقن.

стр. 2519

تلف الوديعة لو ادعى المودع أن الوديعة تلفت بحدث عام كغرق أو حرق أو سرقة أو نحو ذلك، وادعى بأن الوديعة تلفت في هذه الأحداث! فينظر هل لديه بينة على وجود هذا الحدث من حيث هو، بصرف النظر عما تلف فيه، فإن أقام البينة على وجود ذلك الحدث برئ، فإذا قال: إن بيته قد أحرق -عياذاً بالله- وأحرقت الوديعة مع متاعه وماله، فلا يكلف البينة على أن الوديعة أحرقت بعينها، ولكن يكلف البينة على وجود الحريق في بيته؛ لأن هذه الأمور العامة لا تكاد تخفى، فيشهدها الجيران وغيرهم، وكذلك ما كان بعيداً عن الجيران، ويشيع أمرها في القرية، فإذا ادعى تلفاً بحدث عام كلف البينة على إثبات ذلك الحدث. وإذا ادعى أن الوديعة سرقت وماله لم يسرق ضمن؛ لأنه أحد أمرين: إما لا سرقة أصلاً، أو تفريط في وضعها في غير حرزها، ولماذا لم يسرق ماله معها؟! أما إذا ادعى بأنه وضعها في حرز ماله هو، بأن كان لديه صندوق في البيت يؤمن فيه أمواله فوضعها معها، فادعى أن الصندوق قد سرق، أو كسر وأخذ ما فيه، فحينئذ يقبل قوله، ويكون لا ضمان عليه.

стр. 2520

جحود الوديعة عند رد الوديعة هل يشهد على الرد أو لا يشهد؟! وإذا جاء صاحب الوديعة يطلبها فقال: لا شيء لك عندي، ولم تودعني شيئاً، ولم آخذ منك شيئاً. فلما ضيق عليه قال: هاه! نعم صحيح، أنت أودعتني ورددتها عليك. ضُمِّن؛ لأنه بقوله: رددتها عليك كذب نفسه في قوله: لم تودعني شيئاً. فأصبح خائناً كذاباً، والمؤتمن ليس بكذاب. أما إذا قال: وديعتي عندك. فقال: ليس لك عندي شيء، ثم قال: أنا أودعتك. قال: نعم أودعتني ولكن ليس عندي لك شيء؛ لأني رددتها عليك في الوقت الفلاني. فكلمة (ليس لك عندي شيء) تحتمل عدم الوديعة بالكلية، وتحتمل ردها إليه بعد الإيداع، فإذا قال ابتداءً: ما أودعتني، ثم رجع واعترف يكون ضامناً. ولو أنه أخذ الوديعة وتصرف فيها، ثم بعد زمن ردها إلى محلها، فهو ضامن إن تلفت، وتبرأ ذمته بردها إن أعادها في موضعها أو إلى صاحبها.

стр. 2521

سفر المودَع عنده إذا أراد السفر ووديعته عنده ماذا يفعل؟! عليه أن يبحث عن صاحبها أو وكيل له يسلمها إليه، سواء كان هذا السفر ضرورياً أو غير ضروري؛ لأنه له حق في ذلك، فإذا لم يجد صاحبها ولا وكيله جاء إلى الحاكم، وقال: عندي وديعة كذا، وأريد السفر، ولا آمن تركها في البيت، فيردها للحاكم، والحاكم مأمون على ذلك ويضعها حيث ما يحفظها. وإذا لم يجد الحاكم، أو كان الحاكم بعيداً عنه، فماذا يفعل؟! قالوا: إن نظر إلى أمين آخر يمكن أن يأمنه على ماله هو فأودعه إياها، فتلفت عند المودع الثاني، قالوا: لا ضمان عليه؛ لأنه في حالة ضرورة، وأودعها عند مؤتمن هو يأتمنه على ماله، فليس مفرطاً ولا متعدياً. أما إذا أودعها عند شخص عادي ليس معروفاً بالأمانة فتلفت، فهو ضامن؛ لأن صاحبها ارتضاه هو ولم يرتضِ هذا المودع الجديد؛ لأنه لا يعرف عنه شيئاً. إذاً: فالمباحث عديدة وواسعة في ما يتعلق بالوديعة.

стр. 2522

غالب مباحث الوديعة اجتهادية النصوص في أمر الوديعة قليلة، وكل أبحاثها اجتهادية، ومردها إلى هذا الحديث وإلى غيره من العمومات كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨] وحديث: (على اليد ما أخذت حتى تؤديه) فهذه نصوص جانبية يؤتى بها في مباحث الوديعة، في ضمانها وفي ردها إلى صاحبها.

стр. 2523

من دقائق مباحث الوديعة ومن الدقائق في هذا الباب: ما يذكره الفقهاء: مِن أن مَنْ أودع وديعة فجاء صاحبها يطلبها، فقال: نعم، ولكني الآن جائع، وأريد أن آكل، فله المهلة، أو قال: نعم، ولكني الآن متعب وأريد أن أستريح؛ فله الراحة، أو قال: أنا الآن أكلت وامتلأت بطني، وأريد المهلة حتى ينهضم الطعام، وأستطيع أن أتحرك براحة، فيعطى المهلة وهكذا؛ لما له فيه مصلحة. أما إذا طلبها منه بعيداً عن موطنها، فمثلاً: أودعه بالمدينة ولقيه بمكة، وقال: ائتني بوديعتي، فليس له حق في تكلفته في هذا الوقت، وللمودَع عنده أن يقول: وديعتك حيث أودعتني بالمدينة. وإذا قال: إذا رجعت إلى المدينة فابعث بها إلي، فعليه أن يدفع مؤنة ردها وإرسالها؛ لأن مئونة إرسالها تابعة لها، وهي على صاحبها، ولا يكلف المودع بأجرة نقلها، قليلة كانت الأجرة أو كثيرة. وبهذا القدر نكتفي، ومن أراد الزيادة والتفصيل فليرجع إلى كتب الفقه، وهذا الذي نبهنا عليه وننبه عليه دائماً: أن على طالب العلم أن يجمع بين مراجع الفقه ومراجع الحديث، فالحديث أصل يرجع إليه في تطبيق القواعد، والفقه تفصيل الجزئيات فيما يطرأ على الموضوع أو يظن به. والله أسأل أن يوفقنا وإياكم جميعاً لما يحبه ويرضاه.