Полный текст (2 523 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.
стр. 2451
شرح حديث: (من وهب هبة فهو أحق بها ... )
قال المصنف ﵀: [وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: (من وهب هبة فهو أحق بها مالم يثب عليها) رواه الحاكم وصححه، والمحفوظ من رواية ابن عمر عن عمر قوله] .
стр. 2452
الهدية المقرونة بالعوض والثواب
هذه هبة الثواب: (من وهب هبة) عامة في كل ما تقدم (ما لم يثب) خصصت نوع الهبة (فهو أحق بها مالم يثب عليها) .
إذا قدمها لمن هو أعلى منه وينتظر منه المثوبة عليها، فإذا خاب ظنه ما أعطاه شيئاً، يقول: أرجعها وهو أحق بها؛ لأنه قدمها كسلعة تثمن وكسلعة يعوض عليها أكثر من قيمتها، وهذا هو مبدؤه، وعلى هذا دفعها برضاه، فإذا لم يحصل على الثواب، تكون أخذت منه بغير طيب نفس، والإسلام حرم مال الأخ على أخيه إلا بطيب نفس.
(والمحفوظ من رواية ابن عمر عن عمر قوله) .
إما من كلام عمر أو من قوله ﷺ ، كل ذلك من باب التشريع، وعمر ممن أمرنا أن نأخذ عنهم رضوان الله تعالى عليه.
وبالله تعالى التوفيق.
стр. 2453
كتاب البيوع - باب اللقطة
لقد عالج الشرع الكثير من الجوانب الاجتماعية بين الناس، ومن تلك الجوانب: اللقطة التي تضيع من الإنسان بسبب الزحام أو الذهول عنها لأمر ما، وقد قنن الشرع لتلك الحوادث أحكاماً، منها: جواز أخذ الحقير منها، وما لا تتبعه همة من أضاعه، وأما في الأمور العظيمة فقد ألزم الملتقط بأمور منها: أن يعرف أماراتها من عفاص ووكاء ونحوه، ثم يعرفها سنة، ويشهد ذوي عدل على أماراتها، وأما في ضالة الحيوان فقد قسمها إلى قسمين: قسم يعتدي عليها الذئاب فأجاز أخذها، وقسم تدافع عن نفسها، وتصبر على جوعها وعطشها فأمر بتركها، ومن أهم ما ينهى عنه من اللقطة: لقطة الحاج والمعاهد، فهي سواء في حكمها مع لقطة المسافر، ولا يجوز أخذها.
стр. 2454
شرح حديث: (مر النبي ﷺ بتمرة في الطريق ... )
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فيقول المصنف ﵀: [عن أنس قال: (مر النبي الله ﷺ بتمرة في الطريق فقال: لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها) متفق عليه] .
стр. 2455
حكم لقطة الأشياء المحتقرة
المؤلف ﵀ صدَّر هذا الباب بحديث التمرة: (أن النبي ﷺ وجد تمرة في الطريق) .
أي: الطريق المعهود، وليست في خلاء ولا خراب، وقولنا: (في الطريق المعهود) .
أي: مظنة أنها وقعت من إنسان مر بهذا الطريق، فقال ﷺ : (لولا أني أخشى أن تكون من الصدقة لأكلتها) .
بدأ المؤلف بهذا الحديث ليبين: أن الشيء التافه لا يدخل في حكم اللقطة في تعريفها وتملكها وغير ذلك، وأن التمرة لو سقطت من إنسان لن يعود ليبحث عنها، فهي تمرة من ضمن التمر، وهذا أمر بسيط؛ لأنه ﷺ يقول معللاً ذلك بأمر خارجي: (لولا أني أخشى أن تكون من الصدقة لأكلتها) ، لماذا؟ لأن الصدقة محرمة عليه، فتورعاً وتخفظاً من المحرم عليه امتنع من أكلها، ولو علم أنها ليست صدقة لأكلها.
وكيف يأكلها وهي ملك للغير؟ قالوا: يلتقطها؛ لأنها أمر تافه.
إذاً: التافه ليس من باب اللقطة، ولا يحتاج إلى تعريف.
ويذكرون عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها: أنها وجدت تمرة في الطريق، فأخذتها فأكلتها وقالت: (إن الله لا يحب الفساد) ، يعني: لو تركتها لفسدت، ووطئها الناس، وجاء عليها الغبار وتلفت ولم يُستفد منها أحد، وهي لا تحرم عليها الصدقة.
ومن ناحية أخرى: كونه ﷺ يلتقط تمرة ويمتنع من أن يأكلها، فأين يذهب بها؟ قالوا: كما جرت العادة في أصغر طفل أو إنسان يواجهه -ممن لا تحرم عليه الصدقة- يعطيه إياها، كما كانوا في المدينة من عادتهم إذا جاءت باكورة الثمرة في أول مجيء الصيف ظهرت كالتين؛ والحماط نضجت حبة منه، يأتون بها إلى رسول الله ﷺ فرحاً بوجودها، علماً منهم أنه يفرح بفرحهم، وليدعو لهم، وحينما يعطوه إياها هل يستأثر بها لنفسه؟ لا.
أو يردها على من أتى بها؟ لا.
بل ينظر إلى أصغر الموجودين في المجلس فيقدمها إليه.
وكنت قد وقفت منذ زمن على خبر مثل هذا: (أن الحسن رضي الله تعالى عنه كان يمشي مع رسول الله ﷺ فرأى تمرة في الأرض فالتقطها ليأكلها) .
وهذا شيء طبيعي؛ لأن الطفل لا يعرف إلا ما ألقت يده إلى فمه، سواء كان نافعاً أو غير نافع، (فأدخل ﷺ إصبعه في فيه، وهو يقول: كخ كخ- لأن هذه لغة الطفل- ويخرج التمرة من فيه ويقول: أخشى أن تكون من تمر الصدقة) .
إذاً: الصغير لا يقره وليه على التقاط ما لا يجوز أكله، أو على أكل ما لا يجوز له في حكمه شرعاً، وإن كان صغيراً ليس عليه تكليف، لأن وليه مسئول عنه.
ومن هنا قالوا: من وجد شيئاً تافهاً لا تتبعه همة أصحابه فأخذه فلا مانع، وجاءت روايات بعض الأحاديث: (لقد أذن لنا رسول الله ﷺ في العصا، وفي الحبل، وفي الشسع) ، شسع النعل: هو الخيط الذي يأتي في مقدمة النعل، ويأتي في القدم بين أصبع الإبهام والتي تليها، ويربط على وسط الرجل، فهذا الشسع من التوافه، ومما لا يلتفت إليه.
وكل زمن له مقاييسه، فإذا وجدنا من مستحدثات الأمور وتوابع الحياة أشياء لا يتبعها صاحبها ويرجع إذا افتقدها ليبحث عنها، اعتبرناها لقطة؛ مثلاً: الطلاب في المدارس يخرجون، يسقط منهم مرسام، يسقط منه ورقة، المساحة، فهو لا يرجع يبحث عنها؛ لأن أباه سوف يشتري له غيرها بدون عناء، فمثل هذه في عرف الطلاب لا يبحث عليها، لكن لو ضاع منه قلم (باركل) سيرجع إلى المدرسة ليفتش عنه؛ لأن قيمته غير المرسام، وكذلك لو سقط منه كشكول كبير؛ بخلاف ما إذا كانت ورقة عادية.
إذاً: الأمور بالعادات وبحسب الوقت والعرف؛ فننظر في أي زمان ومكان وجد هذا الشيء، وما قيمته؛ فإن كان مما لا تتبعه همة الناس فيأخذه، وإن كان مما له قيمته وتتبعه همة الناس وتبحث عنه فهو في حكم اللقطة، والله تعالى أعلم.
стр. 2456
شرح حديث: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عن اللقطة ... )
قال المصنف ﵀: [وعن زيد بن خالد الجهني قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عن اللقطة؟ فقال: اعرف عفاصها ووكاءها، ثم عرفها سنة) ] .
[ (جاء رجل) ] .
стр. 2457
أحكام اللقطة
من هذا الرجل؟ مجهول، ولكن من هذا المجهول؟ صحابي؛ لأنه يسأل رسول الله.
إذاً: ثبتت له الصحبة وثبتت له تبعاً الثقة والأمانة، فلا نحتاج إلى أن نعرف عينه ما دمنا قد عرفنا جنسه، والصحابة كلهم عدول، ولسنا في حاجة إلى أن نبحث عن اسم هذا الرجل، كما يقول بعض العلماء: بحثت عن اسمه فلم أجده، ويجيء الثاني ويقول: ظفرت باسمه بحمد الله في موضع كذا وكذا.
[ (جاء رجل) ] .
كان السائل رجلاً، وهذا كما يقال: قضية عين؛ ووصف طردي، ليس له أي أثر.
[قال الرجل: (سألت النبي ﷺ عن اللقطة) ] .
كلمة اللقطة معناها شيء يلتقط منقول وليس من بهيمة الأنعام.
стр. 2458
وجوب معرفة وكاءها وعفاصها
[ (قال: اعرف عفاصها) ] .
العفاص هو كما هو معروف عند بعض الناس ممن يهتمون بالغترة والمكوى، يمسكها شخص يقول: عفصتها، يعني: ثنيتها، فكذلك العفاص: هو الوعاء الذي ينثني على ما بداخله، فالعفاص مقابل الكيس والخرقة، ولكن سمي بوصفه الذي يئول إليه؛ لأنه إن عفص على ما فيه حفظه، فعفاصها: كيسها، خرقتها، نوع قماشها ولونه وحجمه.
[ (ووكاءها) ] .
الوكاء: هو الرباط؛ كما جاء في الحديث: (إن البلاء لينزل ليلة في السنة، فأوكئوا السقاء، وأطفئوا السراج، وخمروا الإناء، ولو لم يجد أحدكم إلا عوداً يجعله بعرضه عليه ويسمي الله كفاه، وأطفئوا السراج؛ فإن الفويسقة تضرم على الناس بيوتهم) .
الفويسقة: الفأر، ذكراً كان أو أنثى.
وكيف تضرم -أي: تحرق- على الناس بيوتهم؟ كانوا يستضيئون بالزيت، مثل القناديل التي كانت معلقة في المسجد كان يوضع فيها القنديل بالزيت، وهو إناء مثل الكأس يوضع فيه الزيت، ويوضع فيه فتيل من القطن؛ يسمى: السحيل، فيوضع هذا الإناء في الكأس، ويجعل طرفه على حافة الكأس من خارج، ويشعل بالكبريت، فالشعلة التي تجيء في هذا الفتيل تضيء، وكلما كان الزيت نقياً كان الضوء أصفى، قال الله: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ [النور:٣٥] فتأتي الفأرة من أجل أن تشرب هذا الزيت، وتخاف من الشعلة فتجيء بذنبها وترفع الشعلة عن الكأس بالكلية، ولما تطرحه تطرحه على أرض الغرفة على الفراش، فتضرم على الناس بيوتهم.
قوله: (أوكئوا السقاء) ، لماذا؟ لأنك إذا تركت القربة مفتوحة الفم -خاصة في المناطق الحارة- فإن هوام الأرض تتتبع الرطوبات، فقد تأتي إلى القربة وتدور وتبحث فتجد هذا المأوى في فمها لرطوبته، فتدخل فتؤذي أصحابها، ولهذا نهى ﷺ أن يشرب الإنسان من فم القربة، ولكن يصب الماء في إناء ويشرب منه؛ لأنه لو كان في فم القربة شيء من تلك الهوام سينزل في الإناء وتراه، وإذا كان سليماً، فالحمد لله.
فالوكاء هو الخيط أو الحبل أو السلك الذي يربط به العفاص، وقد تكون مخيطة وليس عليها وكاء، لكن أيضاً خيطها الذي خيطت به قد يكون متميزاً.
وفي بعض الروايات: (وعددها) كيف (وعددها) وهي مربوطة بخيط وأنا ما فككتها؟! ولذا بعض العلماء يسقط كلمة العدد، والذين يثبتونها قالوا: أتى بصفات العفاص والوكاء فككناها وعددنا، هل اتحد العدد مع ما يقول أم لا؟ وبعضهم يقول: الإنسان قد ينسى عدد الدراهم التي في العفاص.
لو قلت لك الآن: أخرج محفظتك، وكم فيها من ريال فقد لا تضبط ذلك الضبط الكافي، لكن يمكنك أن تعرف ما فيها من حيث الجملة.
إذاً: قالوا: العدد ليس بشرط، وكونه يعرف عفاصها ووكاءها عبارة عن أمارات وشواهد على أن اللقطة له هو؛ لأنها لو لم تكن له ما عرفها.
إذاً: (اعرف عفاصها ووكاءها) لتكون علامات وأمارات لمن يأتي ويصف، ويكون هذا الوصف قرينة وبينة على أنها له، وهل يأتي ببينة على أنها له؟ وهل يحلف اليمين بأنها له؟ كل هذا وارد، ولكن سيأتي تفصيل ذلك فيما بعد إن شاء الله.
стр. 2459
وجوب تعريف الضالة سنة
[ (اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة) ] .
إذا لم تكن في صرة، كشنطة أو خُرج، أو شيء من هذه الأشياء التي جرت العادة أن توضع فيها الأمتعة، فالحجم قد يكون متفقاً، أو حتى أنهم في بعض حوادث الإجرام يأتون بشنطة مثل الشنطة ويحصل تبادل في الزحام، ويذهبون بالشنطة الحقيقة ويورطونه في شنطة أخرى، والشكل واحد، ممكن أن يقال في هذا: ما دام أن الشنطة لها أرقام، يقال له: بأي رقم تفتح؟ وهذه لا تكون بالتخمين، ولا يذكره إلا من هو عارف وحافظ، حتى إذا عرف أن أحداً عرف هذا الرقم قد يغيره.
إذاً: الغرض من هذا: التأكد من معرفة اللقطة بأوصافها، بحيث لو جاء إنسان وادعاها، صار هنا مدع، وهناك من يقول: عليه البينة، وهناك من يقول: وصف العفاص والوكاء هو بينة، ويؤكد هذا ابن القيم في الطرق الحكمية، فيقول: ليست البينة معناها شاهدي عدل، بل البينة فيعلة من البيان، وكل ما بين الحقيقة فهو بينة، ويستشهد لهذا: بما كان في السابق من بعض أصحاب البيوت التي تكون متجاورة، فصاحب البيت يجعل في جداره من الداخل طاقة في نفس الجدار، يعني: أن البناء كان على طوبة، وعند الطابق الأعلى على نصف الطوبة، ونصف الطوبة صار طاقة- المشكاة- فيأتي جاره ويبني بجواره ويكتفي بجدار جاره عن أن يقيم جداراً خاصاً له، وأن تطاول الزمان جاء الأولاد، وهدم بيت الجار الثاني، فادعى في الجدار القائم أنه له، قال الآخر: لا.
هذا لي،؛ فينظر الطاقة في جهة من؟ من المعروف أن الباني يجعل الطاقة في جهته من داخل الغرفة لا يجعلها من الخارج، فإذا كانت الطاقة جهة اليمين داخل الغرفة فهي لمن هي في جهته، ويكون الثاني ليس له في الجدار شيء، فتكون قرينة ودلالة وبينة على أن الجدار للجار الذي تفتح الطاقة إلى جهته، ويذكرون أمثلة عديدة في هذا.
فالغرض من تعريف العفاص والوكاء، وإذا قيل العدد، والشكل واللون كل ذلك من باب التأكيد على أن من جاء وادعاها فهذه البينة دليل على أنه صاحبها.
[ (اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة) ] .
جاء في بعض الروايات: (سنتين، ثلاث، خمس) ، وفي حديث أُبي: أنه لما وجد كيساً فيه مائة دينار، فقال له: (عرفها حولاً، قال: عرفت حولاً فما جاءني أحد؟ فأتيت الرسول فقال: عرفها حولاً) إذاً: (عرفها سنة) هذا الحد الأدنى، وهو المعمول به عند الجميع، فقالوا: إن قضية أبي أو غيره سنتين أو ثلاث أو خمس لها حكم شيء آخر.
وبعضهم يقول في المحقرات: إذا أردت أن تعرفها فتعريفها يكون ثلاثة أيام.
وكيفية تعريفها بماذا تحصل؟ قالوا: أولاً: يعرفها في المكان الذي وجدها فيه إن كان آهلاً بالناس؛ كمن وجدها في السوق، فعليه أن يعرفها في محل ما وجدها، ويذكر لأصحاب المحلات التي حول المكان أنه وجد لقطة هنا، ومن سألكم عن شيء ضائع له فهو عندي، ولا تقل: لقطة فيها كذا أو صفتها كذا، بل تذكر فقط أنك وجدت لقطة، فإذا كانت عزيزة على صاحبها وتتبعها همته، فسيأتي ويسأل، فتسأله: ما نوعها؟ فإن ذكر الأوصاف كما تقدم، فهي له، وإن ذكر البعض، فقالوا: البعض لا يكفي؛ لأنه قد يكون من باب الصدفة.
ثانياً: في المجتمعات للناس كالأسواق، ثم على أبواب المساجد، ولا يكون داخل المسجد؛ لما ورد في الحديث: (إذا سمعتم من ينشد ضالة في المسجد فقولوا له: لا ردها الله عليك) ، يعني: يعامل بنقيض قصده؛ لأنه ينشدها من أجل أن يحصل عليها، ولأن المساجد لم تبن لذلك، إنما بنيت لذكر الله وما والاه، لكن يطوف على باب المسجد: وجدت لقطة في اليوم الفلاني، من سأل عنها فهي عندي.
ثم قالوا: عرفها مبدئياً: يومياً لأسبوع، ثم يوم في الأسبوع، ثم يوم في الشهر، ثم كل ثلاثة أشهر مرة، إلى أن تنتهي السنة.
стр. 2460
حكم اللقطة بعد تعريفها حولاً كاملاً
قال: (ثم عرفها سنة، فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها) ] .
إن جاء صاحبها في السنة وعرفها واطمأننت إلى أنها ملكاً له، والأوصاف التي جاء بها مقنعة؛ دفعتها إليه، فإذا لم يأت من يعرفها في غضون السنة، فهناك من يقول: يتصدق بها باسم صاحبها، كالإمام أبي حنيفة ﵀.
والجمهور يقولون: شأنك بها، يعني: أصبحت ملكاً لك تفعل فيها ما تشاء.
والجمهور أيضاً يقولون: إن شئت تصدقت بها على ذمة صاحبها، فإن جاء أخبرته أنك تصدقت بها عليه؛ فإن شاء قبل وكان أجر الصدقة له، وإن شاء لم يقبل، وكان أجر الصدقة لك، وتعطيه عوضها؛ لما في بعض الروايات: (وهي أمانة عندك) أو: (أنت ضامنها) ، إلى آخر ما جاء في هذه المسألة.
مسألة: بعض الأشياء لا تحتمل أن يحتفظ بها سنة، مثلاً: حقيبة فيها طماطم ولحم وخضار، هل تحتفظ بها سنة تعرفها؟ لا؛ لأن هذه لا تحتمل المدة والبقاء، حالاً تعرفها بأوزانها وكمياتها، ثم بعد ذلك تصدقت أو أطعمت أو أخذتها أنت وأكلت، وعرفت القيمة، فإن جاء صاحبها وتعرف عليها، قلت: إن هذه تفسد إذا ما أنفقتها، لذا تصدقت بها -أو أكلتها- وهذه قيمتها.
стр. 2461
حكم ضالة الغنم
[ (قال: فضالة الغنم؟ قال: هي لك، أو لأخيك، أو للذئب) ] .
ما قال: (فلقطة الغنم) ، بل: (فضالة الغنم) ، إذاً: يقال في الحيوان: ضالة، وفي المال والمتاع: لقطة.
فهنا الرسول ﷺ بين له مصيرها: (هي لك، أو لأخيك، أو للذئب) قدمه أولاً على غيره؛ لأن يده عليها، (أو لأخيك) ، يعني: غيرك، سواء كان صاحبها الذي ترجع إليه أو ملتقط آخر، فإذا كان ملتقط آخر فأنا أولى بها؛ لأني أنا السابق إليها.
وهذا الأسلوب نفهم منه أننا نأخذها ونعرفها، لأننا إن تركناها تركناها للذئب.
يعني: كأن الذئب له فيها، وهل نرضى أن نترك أموالنا للذئاب؟ لا.
ومما يذكر في السير عام الوفود سنة تسع: مجيء ذئب للنبي ﷺ وهو وأصحابه فأخذ يحرك ذنبه إلى أن اقترب من الرسول ﷺ ، فأومأ بما أومأ به، فقال ﷺ : (هذا وافد الذئاب إليكم، ماذا تنزلون له من أغنامكم؟ قالوا: والله ما ننزل له بشيء، فقال له: هه هه- يعني: اختلس الذي تقدر عليه-) ، هنا الذئب أيضاً جعل الرسول له حق.
وقالوا: كون الذئب ثالث ثلاثة فالأولى أن يأخذها السابق إليها، ولو كنت أضمن أن أخي سيأخذها قد أتركها له، ولكني لا أضمن؛ لأنها مترددة بين أخي والذئب.
إذاً: آخذها أولى، ويقول مالك: لا ضمان عليه، والجمهور يقولون: إن جاء صاحبها بعد أكلها ضمنها.
ومالك لم لم يضمنه؟ قال: لو أخذها الذئب؛ فلا ضمان عليه وهذا مثله؛ لأن الثلاثة سواء.
والآخرون يقولون: اللام هنا ليست للتمليك، ولكنها أمانة في يده، فإذا أكلها ضمنها، بدلالة: أن صاحبها لو جاء قبل أن يأكلها، ما ملكها الملتقط، لكن على قول مالك: اللام للتمليك، فإذا ذبحها فأكلها فلا غرامة عليه مثل الذئب، وما قول مالك إذا جاء صاحبها قبل أن يذبحها، يدفعها إليه أم يقول له: ما لك شيء عندي؟ قالوا: إذا كان يلزمه أن يدفعها إليه قبل ذبحها، فهي لا زالت في ملك صاحبها.
إذاً: إذا ذبحها ذبحها وهي في ملك صاحبها.
إذاً: رأي الجمهور في هذا أقوى وأسلم، والذئب لا يدخل معنا في التشريع.
стр. 2462
حكم ضالة الإبل
[ (قال: فضالة الإبل؟ قال: ما لك ولها؟) ] .
الإبل: اسم جنس يصدق على الناقة وعلى البعير.
وفي بعض الروايات: (فتمعر وجهه ﷺ ، وقال: ما لك ولها؟) .
[ (معها سقاؤها وحذاؤها) ] .
سقاؤها، أي: أنها تحمل الماء الذي يكفيها الأيام العديدة، وخالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه لما عزم أن يأتي من العراق إلى الشام نجدة لـ أبي عبيدة قال: من يدلنا على طريق قريب؟ فقال له شيخ كبير: إن الطريق صفته كذا وكذا، وهو نصف المسافة، ولكن ليس هناك ماء في الطريق إلا مسيرة عشرة أيام، فخاطر ومشى، ولكن ماذا فعل؟ عطش الإبل عدة أيام، ثم ورد بها إلى الماء فشربت وملأت بطونها، ثم جاء على العجاف من الإبل التي لا تحمل المتاع، ولا هي ذات لحم كثير، وربط أشفارها حتى لا تجتر، فكان كل يوم أو يومين ينحر من هذه الإبل العجاف ويتلقى الماء الذي حملته في كرشها، فيسقي الخيل، فكان كأنه اصطحب معه صهاريج من الماء تمشي، وكانت هذه الإبل انتهت عند موعد الماء الوحيد.
والرجل كبير السن هذا كان قد كف بصره، قال: انظروا في منحى الجبل، فنظروا فلا في شيء، قال: ويحكم! إن لم تجدوها هلكتم، ليس هناك ماء إلا بعد ثمانية أيام، ثم رجعوا أخرى يبحثوا، قالوا: في المنحى نجد أغصان شجرة تحت الرمل، قال: اكشفوا عنها، فكشفوا عنها، فإذا بالعين تحت تلك الشجرة، فشربوا.
(فمعها سقاؤها) في قصة خالد سقاؤها وسقاء غيرها؛ لأن الإبل تصبر على العطش وتحمل من الماء ما يكفيها ثلاثة وأربعة وخمسة أيام لا ترد الماء.
[ (وحذاؤها) ] نحن نعلم أن الحذاء لباس الإنسان، ولكن الإبل لديها أيضاً أحذية؟ وهذا من الاستعارة، أي: تشبيه الخف بالحذاء في المعنى العام، وهو وقاية القدم في الوطء، ولهذا الإبل تطأ الشوك والحجارة؛ لأن خفها أقوى من النعل في رجل الإنسان.
إذاً: معها مقومات الحياة والسلامة: إذا لم تجد ماء فمعها سقاؤها لا تعطش.
والمشي معها نعالها -حذاؤها- تمشي مكان ما تريد، وتأكل من ورق الشجر.
إذاً: لا خوف عليها من الذئب، فتركها في مكانها أقرب إلى وجود صاحبها إياها، أما أن تأخذها يتبعك صاحبها؟ فقالوا: ترك هذه واجب ولا يحق له التقاطها.
стр. 2463
إلحاق الفقهاء ضالة البقر ونحوها بالإبل
الفقهاء ﵏ ما سكتوا عندما ذكر في هذا الحديث الإبل، ولكن كما هي عادة الفقهاء: الاستنباط، وإلحاق المسكوت بالمنطوق: البقر، الخيل، البغال، الحمير، هل تلحق بالشاة أو بالإبل؟ وفي الأثر عن فلان بن جعفر: أنه كان في العراق ببقر له فنظر فإذا بقرة غير بقره، فقال: ما هذه البقرة؟ قالوا: تبعت البقر، فردها، وقال: (من آوى ضالة فهو ضال) .
إذاً: البقرة تتبع الإبل أم الغنم؟ فقالوا: كل من يحمي نفسه من صغار السباع فهو تبع للإبل؛ لأن كبار السباع الإبل لا يحمي نفسه منها، كما يذكر في أفريقيا أن الأسد إذا جاء والبعير منوخ وضربه بيده على دماغه أطاح به في الحال.
إذاً: كل حيوان يحمي نفسه من صغار الوحوش، كما قالوا: ولد الأسد، والذئب، وابن آوى، والثعلب، هذه لا يقوى على افتراس البعير والبقر.
وقالوا: مثل ذلك في الخيل والبغال، إذا وجدها فهي ملحقة بحكم الإبل، فهي تستطيع أن تمشي أو تصبر إلى أن تجد صاحبها.
[ (قال: ما لك ولها؟ معها سقاؤها وحذاؤها، ترد الماء، وتأكل الشجر؛ حتى يلقاها ربها) متفق عليه] .
стр. 2464
قاعدة: (كل شيء يحمي نفسه لا يلتقط)
نجد الفقهاء ﵏ قالوا: كل شيء يحمي نفسه لا يلتقط، فقالوا: الرحى الكبيرة، أو حجر الطاحون، أو الخشبة الكبيرة الضخمة، هذه تحمي نفسها، ولا يقدر على أخذها أحد، وقد وجدنا في نجران طاحوناً أو رحى؛ حجم القاعدة: متر ونصف، والسمك ثلاثين (سم) ، فتصور قطعة حجر واحدة متر ونصف في متر ونصف بارتفاع ثلاثين (سم) ، والطبق الذي فوقه مثله ما عدا عشرة (سم) من الجهات كلها، فمن سيأخذ هذه؟ وشاهدنا (هاوند) ؛ عبارة عن قطعة حجر يمكن أن يقعد إنسان فيه، واليد التي تطحن بها فيه بسمك فخذ الرجل، بطول، وزايدة عن ارتفاعه حوالي ذراع.
إذاً: تتركها، بمعنى: لو أنك مررت على مكان كان فيه سكان رحلوا عنه، ووجدت في مكانهم متاع، لا تقل: هذه لقطة آخذها؛ لأنهم سوف يرجعون إليها، إلا إذا علم الإنسان أن صاحبها تركها رغبة عنها، فلو وجد ناقة، وعلم من حالها أن صاحبها تركها عنوة رغبة عنها؛ تعب من علفها، ومن كونها عجفاء، وغير قادرة من أن تساير الإبل، فتركها تخففاً منها ومن مئونتها، فله أن يأخذها؛ لأن صاحبها قد عافت نفسه إياها؛ وتركها قصداً، وما دام أنه تركها قصداً فأنت إذا أخذتها كأنك أحييت أرضاً مواتاً، فهي لك بأخذك إياها.
قالوا: وكذلك الأواني الكبيرة مثل القدور.
والقاعدة العامة: كل ما كان يحمي نفسه من الغير لا يكون لقطة، ولا يحق لك أن تأخذه، وما لا يحمي نفسه من صغار السباع كما ذكروا في البقر والخيل والبغال، واختلفوا في الحمير في المذهب الحنبلي، وغيرهم يلحقها بها، فإذا كان الأمر كذلك فهي تابعة لضالة الإبل.
стр. 2465
شرح حديث: (من آوى ضالة فهو ضال ... )
[وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من آوى ضالة فهو ضال ما لم يعرفها) رواه مسلم] .
стр. 2466
حكم كتمان الضالة
هذا الحديث تحذير لمن يجد ضالة فيأويها ويسكت عنها، سواء عرف مصدرها أو لم يعرف، جاءته إلى بيته كبقرة أو ناقة أو شاة، وسكت عنها ولم يعرف، يقول: أنا ما أخذتها، هي جاءتني.
[ (فهو ضال) ] .
الضلال ضد الهدى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] ، فهو ضال بإيواء الضالة، وهذا من المجانسة، وهذا كما أشرت في أثر الرجل الذي رأى بقرة في بقرة فقال: من أين هذه البقرة؟ قالوا: تبعت البقر، فطردها وأبعدها حتى غابت، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من آوى ضالة، فهو ضال) .
стр. 2467
شرح حديث: (من وجد لقطة فليشهد ذوي عدل ... )
[وعن عياض بن حمار رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (من وجد لقطة فليشهد ذوي عدل، وليحفظ عفاصها ووكاءها، ثم لا يكتم ولا يغيب، فإن جاء ربها فهو أحق بها، وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء) رواه أحمد والأربعة إلا الترمذي، وصححه ابن خزيمة وابن الجارود وابن حبان] .
تقدم الكلام على عموم اللقطة، وعلى شيء من الكلام على الضوال، ثم هنا يأتي المؤلف بهذا الحديث، وفيه عدة نقاط تستوقف الدارس عندها، نأخذ ذلك جزءاً جزءاً:
стр. 2468
الإشهاد: حكمه وفائدته في اللقطة
قال: [وعن عياض بن حمار رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (من وجد لقطة فليشهد ذوي عدل) ] .
النقطة الأولى: قوله ﷺ : (من وجد لقطة فليشهد ذوي عدل) .
كل الأحاديث التي تقدمت فيما يتعلق باللقطة أو الضوال ليس فيها تعرض للإشهاد، وهنا يأتي المؤلف ﵀ بهذا الحديث وفيه: أن النبي ﷺ قال: (وليشهد ذوي عدل) : فبعض العلماء قال: في جميع اللقط يشهد ذوي عدل، من باب حمل المطلق على المقيد.
والآخرون يقولون: لا.
إن الأمر فيه تفصيل؛ لأن ملتقط اللقطة أحد رجلين؛ إما أن يكون واثقاً من أمانة نفسه على اللقطة، فهذا لا حاجة إلى إشهاده؛ لأن أمانته ستحمله على حفظها وردها إلى صاحبها إذا جاء، وإذا كان يخشى أن تضعف نفسه أمام اللقطة، وتراوده على أن يمتلكها دونما تعريف، أو يتصرف في بعضها أو شيء من ذلك، فليشهد؛ ليكون إشهاده عليها ذوي عدل مانعاً له من أن يضعف أمام نوازع نفسه في اللقطة، وهذا ضمان للقطة فيما لو مات هذا الملتقط قبل مضي الحول، فإذا التقطها وأخذ يعرفها إلى تمام الحول وفي أثناء الحول مات، من فربما لا يعلم عنها أحد، لكن حينما يشهد ويأتي إنسان ينشد ضالة أو لقطة، سيجد من يشهد بأن فلاناً أشهدنا على أنه التقط لقطة.
إذاً: الإشهاد على اللقطة يرجع إلى حال الملتقط، ما بين الأمانة والضعف أمام نوازع النفس فيها.
[وليحفظ عفاصها ووكاءها] .
بعض العلماء يزيد ويقول: يدخل تحت الإشهاد إذا كان الملتقط فاسقاً، يخشى عليه من اللقطة، ولكن الفاسق لن يشهد، وسيكتمها، ولذا جاء في آخر الحديث: (ولا يكتم) ، فالأمران متقابلان؛ لأن من يطمع في اللقطة يكتمها، فإذا ما أوقع الشهادة عليها سلم من ذلك وامتنع.
[ (وليحفظ عفاصها ووكاءها) ] .
هذا لفظ مشترك في الأحاديث المتقدمة.
стр. 2469
النهي عن كتمان اللقطة
[ (ثم لا يكتم ولا يغيب) ] .
لا يكتم من صفاتها التي يعرفها، ولا يغيبها عمن جاء ينشدها، فإذا التزم بهذين الأمرين، ثم أتي منشد ينشد فسيذكر عفاصها ووكاءها.
فإن قال: لا.
هذا ليس عفاصها ولا وكاؤها؛ لأنه ما اطلع أحد عليها، فلو جاء صاحبها الحقيقي ووصف صفاتها الكاملة كتمها.
إذاً: أولاً ألزمه أن يشهد، ثم نهاه أن يكتم، أو يغيب، يغيب اللقطة مرة واحدة ويجحد، يغيب من صفاتها شيئاً فيدخل في (يكتم) .
إذاً: هذا تحذير للملتقط من أن يقصر في تعريفها، أو يطمع في أخذها لضعف أمانته وائتمانه عليها، بأي حالة من الحالات التي تحول بين اللقطة وصاحبها.
[فإن جاء ربها فهو أحق بها] .
أولاً: يشهد حفظاً لها، ولا يكتم ولا يغيب، ضماناً لها عنده، فإذا جاء صاحبها فهو أحق بها، ولا تطمع فيها، فهو أحق بها منك وإن كنت أنت لقطتها بعد سقوطها أو ضياعها منه.
وهنا قالوا: اللقطة في يد الملتقط على ملك صاحبها؛ لأنه إذا جاء فهو أحق بها، بالملك السابق قبل الالتقاط.
стр. 2470
معنى قوله: (وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء)
[ (وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء) ] .
(وإلا) أي: بعد التعريف، فلم يأته أحد ولم يكتم، وانتظر سنة فلم يأت أحد فهي مال الله.
جميع المال لله! ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور:٣٣] ، كل ما في يد الإنسان مسلم أو كافر فهو من مال الله، ولكن هنا إذا أطلق بصفة عامة يكون مال الله ما ليس بأيدي الناس، وفي الحقيقة المبدئية: الملك كله لله، ونفس اللاقط والملقوط له أنه أيضاً عبد لله، والمال في يد الناس عوارٍ مسترجعة، لكن حينما يقول: هو مال الله؛ يعني: رجع إلى الأصل، ليست هناك يد مخصصة من خلق الله لها عليه تملك، فيرجع إلى الأصل وهو لله .
[ (مال الله يؤتيه من يشاء) ] أي: مال الله يؤتيه من يشاء بعمل وكسب، بهبة، بلقطة، بأي وجه من وجوه التمليك التي تئول إلى عبد من عباد الله، فهو مال الله يؤتيه من يشاء.
стр. 2471
شرح حديث: (أن النبي ﷺ نهى عن لقطة الحاج)
قال المصنف ﵀: [وعن عبد الرحمن بن عثمان التيمي ﵁: (أن النبي ﷺ نهى عن لقطة الحاج) رواه مسلم]
стр. 2472
أحكام لقطة الحرم المكي
هذا جزء في باب اللقطة، وهو في الواقع محير.
(نهى ﷺ عن لقطة الحاج) ، وفي بعض الروايات: (عن لقطة الحرم) والمعني بذلك: حرم مكة، فبعضهم يقول: لقطة الحرم تشمل الحاج والمكي المقيم، وقد توجد بعض العلامات على اللقطة تميزها، إن كانت لحاج أو لمكي، فإن تبين أنها لمكي فحكمها حكم لقطة أي بلد كان، وإن كانت أماراتها وعلاماتها تدل على أنها لقطة حاج فهي محل السؤال.
وبعض العلماء يعمم لقطة الحاج في جميع مواطن الحجاج، فيشمل لقطة عرفة، ومزدلفة، ومنى.
وبعضهم يقول: والمدينة؛ لأنها المواطن التي يتواجد فيها الحاج.
ولكن النص هنا: (نهى عن لقطة الحاج) .
وفي بعض الأحاديث في فتح مكة وحرمتها: (لا يختلى خلاؤها، ولا تلقط لقطتها، إلا لمنشدها) فكذلك في هذا الحديث: (نهى عن لقطة الحاج) ، إلا لمنشدها.
جميع اللقط ستنشد، فما الذي خص مكة بهذا؟ لم كانت لها خصوصية في هذا زيادة عن لقطة جدة أو الطائف أو الرياض؟ قالوا: الغرض من هذا هو: المبالغة في الإنشاد عليها أو تعريفها، ولا تحدد ملكيتها بسنة أو سنتين أو أكثر، ولكن إن عجز وغلب الظن.
وخصت لقطة الحاج؛ لأن من يريد أن يعرف اللقطة يتوقع مجيء صاحبها ويعرفها، والحاج قد سقطت منه اللقطة، وربما سافر إلى بلاده، فهو لا يدري عن تعريفها، ولا يدري متى سيعود.
فقالوا: يعرفها عند أهل قطرها إن كانت معروفة، لأن اللقطة تميز أحياناً إن كانت لبعض الحجاج في بعض الأقطار؛ فهذه سلعة لحجاج هنود، أو شاميين أو مصريين، إن كانت متميزة تعمد تعريفها عند الوفود القادمة من تلك البلاد، لربما يكون صاحبها قد أوصى الوافدين أن ينشدوا عنها.
إذاً: (نهى عن لقطة الحاج إلا لمنشدها) ، ومعلوم أن كل لقطة سينشدها لاقطها، ولكن قالوا: هذا زيادة في تعريفها وإنشادها.
ثم قالوا: كل لقطة في أي قرية أو في أي مكان يلتقطها الملتقط، فقد يلتقطها على نية التملك إن لم يجد صاحبها بعد الحول، لكن لقطة الحاج لا يلتقطها على نية أنه سيتملكها بعد تعريفها الحول، ولكن يلتقطها على نية التعريف المؤبد.
وإذا لم يوجد لها من يعرفها، والبعض يقول: يسلمها للسلطان، والبعض يقول: هي مال الله، كما تقدم.
هل هذه المكاتب المقامة لأخذ لقطة الحاج تجزئ؟ نقول: إنه ينبغي ترتيب وتنظيم ما يقال له: محل الضائعات، نعلم أن مكة بعض المراكز المخصصة محل للضائعات أو الضائعين عن مخيماتهم أو حجاجهم، والعاملين في الحكومة جزاهم الله خيراً يجعلون لهم مخيماً ويقومون عليهم حتى يوصلونهم إلى عرفات، والمناسك، ثم يقولون: ثم ينادى على رءوس الأشهاد: يوجد حاج صفته كذا وكذا، من عرفه يأتي يأخذه، هذا الحاج الضائع ليس بلقطة.
فكذلك بعض الأماكن للضائعات؛ إنسان ضاعت له شنطة، أو كيس، أو أي شيء يروح في محل الضائعات، ويبحث، إن وجد ضالته أو ساقطته أخذها، وتنظيم مثل هذا المحل للضائعات يريح اللاقط.
وبعضهم يقول: لا يلتقطها، ويتركها.
والآخرون كما يؤكد ابن عبد البر: وإن لم يتعرض لقطة الحاج، إلا أنه قال في عموم أخذ اللقطة أو تركها: الأولى أخذها، حفظاً لمال أخيه المسلم.
إذاً: لقطة الحاج تتميز عن لقطة غير الحاج: بأنه مظنة السفر عنها، ولربما في عام مقبل يأتي من جانبه من ينشد عنها، فإذا لم يأت هذه السنة يأت السنة التي بعدها.
وتقدم بأن يكون في حالة ما إذا كانت مما يقبل البقاء كدراهم ودنانير، أو ملابس أو شيء من هذا.
أما إذا كان طعاماً أو شراباً أو مما يسري إليه التلف فلا ينبغي أن يبقيها حتى تتلف في محلها، بل يستنفدها، أو يتصدق بها، ويحتفظ بقيمتها، إن أكلها قدّرها واحتفظ بالقيمة وعرّف، ومن جاء أخذ القيمة، وإن تصدق عرف قيمتها قبل أن يتصدق بها، فإذا جاء صاحبها أخبره، فإن شاء نزل على الصدقة، وتكون باسمه، وإن شاء لم ينزل عليها، وطلب حقها يعطيه إياها.
стр. 2473
شرح حديث: (ألا لا يحل ذو ناب .
ولا اللقطة من مال معاهد ... )
قال المصنف ﵀: [وعن المقدام بن معد كرب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ألا لا يحل ذو ناب من السباع، ولا الحمار الأهلي، ولا اللقطة من مال معاهد إلا أن يستغني عنها) رواه أبو داود] .
стр. 2474
حكم لقطة الذمي والمعاهد
يأتي المؤلف ﵀ بهذا الحديث ليبين: أن لقطة المعاهد ولقطة المسلم سواء، لا تتملك بلقطتها، بل عليه أن يعرفها كما يعرف لقطة المسلم.
والمعاهد بخلاف الحربي فلو وجدت لقطة حربي تملكتها في الحال، بل الحربي بذاته لو وجد وقدر عليه أن استؤسر وكان أسيراً؛ لأنه حرباً على المسلمين، فإذا كان معاهِداً أو مُعاهَداً -أي: له عهد عند ولي أمر المسلمين- فماله وعرضه وكل ما يمتلكه حرام، ولا يجوز لمسلم أن يخفر ذمة ولي الأمر فيه، ولهذا قال الإمام أبو حنيفة ﵀ وإن كان انفرد بهذا القول: (من قتل معاهداً قتل به) .
والجمهور يقولون: لا يقتل مسلم بكافر.
ولكنه يقول: هو أصبح في الأحكام الذاتية والمالية كحكم المسلم؛ لأن ولي أمر المسلمين أعطاه أماناً، وعاهده على الأمن والحفظ، فأصبح في ذمة ولي أمر المسلمين، فمن اعتدى على معاهد يكون قد خفر ذمة ولي أمر المسلمين.
وأعتقد أننا في هذه الآونة ليس عندنا حربي ومعاهد، والعرف العام عند جميع الدول: من دخل دولة بتصريح من ولي أمرها فهو معاهد.
والمسلم الآن يذهب إلى بلاد غير المسلمين، ولا يمكن أن يدخل في مطار أو ميناء إلا بتأشيرة من سفارة تلك البلدة أنه مأذون له في الدخول، وبالإذن له بالدخول لزم أمران: الأول: لزم عليه أن يلتزم بنظم تلك الدولة؛ لأنه دخل إليها ملتزماً بنظمها، ولهذا مدة وجوده فيها تسري عليه أحكام قوانينها.
الثاني: هو مؤمن بتلك التأشيرة على ماله ونفسه وعرضه؛ لأنه دخل بإذن، فهذا الإذن يعتبر بمثابة المعاهدة، فكذلك الحال في البلاد الإسلامية، أي: شخص أوروبي أو آسيوي حصل على تأشيرة لدخوله بلدة إسلامية عريبة، فتلك التأشيرة بمثابة العهد، وأصبح في ذمة المسلمين عن طريق ولي الأمر عهد بالبقاء مدة هذا الإذن في تلك التأشيرة.
إذاً: يعامل في بيعه وشرائه وهبته والهدية منه وإليه، يعامل في اللقطة كما يعامل المسلم، وما ذكر مع هذا إنما جاء طردياً مع ذكر المعاهد؛ (لا يحل ذو ناب من السباع، ولا الحمار الأهلي) وفي الحديث الآخر: (ولا ذو مخلب من الطير) ، وكل هذه أكلها من المحرمات، ووالدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه توسع في بحث هذه المحرمات عند قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً.
﴾ [الأنعام:١٤٥] ، وقال: لا أجد وقت نزول تلك الآية، ولا يمنع أن يتجدد فيجد أحكام أشياء أخرى؛ منها: تحريم كل ذي ناب، وتحريم كل ذي ظفر -أي: من الطيور الجوارح-، والحمر الأهلية حرمت عام خيبر كما جاء في بعض النصوص، والبحث في تحريم الحمر الأهلية دون الحمر الوحشية بحث مطول، وإن كان جنس الحمار واحد، ولكن هذا يعيش عالة على الآدميين مستأنساً عندهم، وذاك يعيش مستقلاً بذاته مع الوحوش يدفع عن نفسه، وكل منهما له خصائص ذاتية.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 2475
كتاب البيوع - باب الفرائض [١]
قسم الله تعالى المواريث بين أقارب الميت قسمة عادلة تناسب الأعباء التي يتحملها الوارث، وتتوقف على مقدار القرابة من الميت، وقد جاء عن النبي ﷺ أحاديث تبين بعض أحكام الفرائض والعصبات، وقد شرحها العلماء شرحاً منهجياً يساعد المسلم على فهم أحكام الميراث.
стр. 2476
شرح حديث: (ألحقوا الفرائض بأهلها)
قال المصنف ﵀: [عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : (ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر) ، متفق عليه] .
هذا الحديث مبدأ أساسي في علم الفرائض والمواريث، ولا يمكن أن يخلو باب من أبواب المواريث عن هذا الحديث؛ إذ هو القاعدة الأساسية، وهو مشتمل على ثلاث نقاط: الأولى: (ألحقوا) ، من الذي سيلحق: العامي أم المتعلم؟ المتعلم، فطالب العلم هو الذي يلحق.
الثانية: الملحوق، وهو (الفرائض) .
الثالثة: هذه الفرائض التي نريد أن نلحقها هل يتعين معرفتها أو تلحق جزافاً؟ يتعين معرفتها.
إذاً عندنا ملُحِق: وهو طالب العلم، وفرائض: يجب أن يعرفها الملحق مع أهلها وأصحابها و (الفرائض) ، وهي جمع فريضة، (بأهلها) أي: بأصحابها المستحقين لها كل بحسبه.
стр. 2477
أنواع الفروض وأقسامها
وهل الفرائض في الميراث محدودة ومحصورة أم مطلقة لكل جماعة؟ محصورة، وكما في متن الرحبية: واعلم بأن الإرث نوعان هما فرض وتعصيب على ما قسما فالفرض في نص الكتاب ستة لا فرض في الإرث سواها البتة إذاً: الفرائض في علم الميراث ستة أنصبة لا سابع لها، ولا أحد يستطيع أن ينقص واحداً، والفروض في كتاب الله هي حسب قاعدة تنازلية أو تصاعدية، إن أردت قاعدة تنازلية: تأخذ الثلثين ونصفهما ونصف نصفهما، والنصف ونصفه ونصف نصفه، وإن أردت تصاعدياً قلت: السدس، وضعفه، وضعف ضعفه.
والثمن، وضعفه، وضعف ضعفه فالتنازلية تكون: الثلثان، ونصف الثلثين ثلث، ونصف الثلث السدس.
هذه ثلاثة جاءت عن طريق الفرض، وتأتي إلى النصف، ونصف النصف ربع، ونصف الربع ثمن، فصارت ستة فروض، وهي الفروض الموجودة في علم الميراث، ويتعين على كل مسلم معرفتها؛ لأنه في وقت من الأوقات سيكون وارثاً أو موروثاً، فإذا كان وارثاً يعلم ما له، وإذا كان موروثاً علم ما عليه.
إذاً: الفرائض في كتاب الله وسنة رسوله وإجماع المسلمين ست، وبعضهم يحاول أن يضيف ثلث الباقي.
وثلث الباقي هذا تغطية أتوا بها على الأم وضحكوا عليها ومشت، وما خرجت عن كلمة ثلث، سواء كان ثلث الباقي أو ثلث رأس المال كله، لا يوجد مسمى سبع، ولا تسع، ولا عشر هذه هي مسميات الفرائض.
(ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر) دع قوله: (رجل ذكر) ، فلا يوجد رجل أنثى، والحديث يعطينا قاعدة في تقسيم هذه الفرائض، فالفرائض تلحق بأهلها، والباقي لأولى رجل؛ لكن على أي أساس؟ عرفنا بأن الفرائض أنصبة محدودة، لا يوجد فيها زيادة ولا نقص ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء:١١] ، إذاً كما قال صاحب الرحبية: واعلم بأن الإرث نوعان هما فرض وتعصيب على ما قسما.
стр. 2478
توريث العصبات مع أصحاب الفروض
إذاً: (ألحقوا الفرائض بأهلها) خاص بالفروض الستة، والتعصيب: (فما بقي فلأولى رجل ذكر) ، وعلى هذا يكون تقسيم الفرائض على قسمين؛ فإذا جاء الورثة قيل لهم: أنتم من أي الأصناف؟ قالوا: نحن من أصحاب الفروض.
فيقال: فما هي فروضكم؟ فتحدد فروضهم ثم يقال: خذوا فروضكم، فإن استغرق فروض الموجودين من الورثة تركة الميت أخرجنا العصبة.
وإن لم تستغرق الفروض كل التركة وبقي شيء، فإنا نعطي الباقي للعصبة.
ومثال ذلك: إذا وجدت بنت وبنت ابن فقط، قلنا: للبنت النصف، ولبنت الابن السدس لأنها ليست كابنة الصلب، فتعطى السدس تكملة الثلثين، بقي من التركة الثلث فأين نذهب به؟ إن وجدت عصبة فذلك الثلث لها، لقوله: (فما بقي فلأولى رجل ذكر) .
стр. 2479
توريث ذوي العصبات إذا اجتمعوا
قوله: (فما بقي فلأولى رجل ذكر) ، فإذا وجد عدة أشخاص كلهم عصبة، فهل ينفرد أحدهم أو تقسم عليهم، فالابن عصبة، وابن الابن عصبة، والأب عصبة وصاحب فرض، والجد صاحب فرض وعصبة، والعم، وابن العم، والأخ، وابن الأخ؛ كل هؤلاء عصبة، فلو وجد إخوة أشقاء ذكور في المسألة السابقة، فالبنت مع بنت الابن أخذتا الثلثين، وبقي الثلث، فإن كان هناك إخوة أشقاء أو لأب متساوين في الدرجة قسم عليهم، وإذا وجد أخ شقيق وأخ لأب، فإننا ننظر: فهما في الأخوة سواء، ولكن في القوة ليسا سواء، فالأخ الشقيق أقوى من الأخ لأب، فيأخذ الثلث الباقي دون الأخ الأب.
ويدخل أيضاً باب الحجب والتعصيب تحت هذا الحديث.
إذاً: هذا الحديث هو القاعدة الأساسية لعلم الفرائض، وما وجد منه فألحقوه بأهلها الموجودين، وإذا لم يوجد صاحب فرض ووجد العصبة فالعصبة لهم ما أبقت الفرائض، وإذا لم توجد فرائض فلهم جميع المال.
إذاً: هذا الحديث كما يشير العلماء بأنه الأصل والمبدأ في علم الفرائض بقسميه: أصحاب الأنصبة المفروضة أو العصبة، والعصبة قد تتساوى في الجهة وتتفاوت في القوة، فإذا كان إخوة أشقاء وإخوة لأب، وأعمام أشقاء وأعمام لأب، فالجهة واحدة وهي الأخوة، لكن يختلفون في القوة فالأشقاء أقوى.
وقد تتفاوت الدرجة: كالأولاد وأولاد الأولاد، فأولاد الأولاد عصبة، لكن الأولاد أقرب منهم، فيقدمون عليهم في العصوبة لقربهم من الميت وإن اتحدت الجهة.
والجهات كما يقولون بنوة فأبوة فأخوة فعمومة، وعلى هذا فإن أقرب الجهات إلى الميت هي البنوة، فإذا وجد ابن وعشرون أخ، فإن الابن يحجب الإخوة بكاملهم، وولد الولد تابع في جهة الولد، فابن ابن وعشرون أخ شقيق يحجبهم، لأن الجهة الأقرب للميت هي جهة البنوه، إذاً: ابن الابن يطرد العشرين الأخ الشقيق.
إذاً: جهات العصبة إذا تفاوتت قرباً وبعداً قدمنا الأقرب والأولى.
أولاد الأولاد في حالة عدم وجود الأولاد عصبة، وجهة البنوة تشملهم، وجهة البنوة تشمل الابن وابن الابن مهما نزل، فابن عشرين بطن ابن، وإذا وجد فهو أولى من الأخ الشقيق؛ لأن جهة البنوة مقدمة على جهة الأخوة، وكذا إن وجد أخ شقيق وعشرون عم، أي الجهتين أقرب: الأخوة أو العمومة؟ الأخوة.
إذاً: الأخ الواحد يحجب الأعمام، فإذا وجد من كان من جهة قربى وآخر من بعدى كانت القربى أحق.
وقفنا عند الجهة: هل الجهة متعادلة في القوة من حيث الصلة بالميت أو متفاوتة؟ جهة البنوة ليس فيها تفاوت، فكلهم أبناؤه، لكن جهة الأخوة تتفاوت قوة وضعفاً، فمن يدلي بالأب والأم معاً أقوى ممن يدلي بواحد منهما، أي: بالأب وحده أو يدلي بالأم وحدها، ولضعف الأخ لأم جعل له فرض مقطوع، فإذا وجدت جهة الأخوة نظرنا في هذه الجهة: هل كلهم متساوون في القوة بالإدلاء إلى الميت أو متفاوتون، فإن كانوا متفاوتين في القوة قدمنا الأقوى.
وإذا اجتمع إخوة وأعمام، أي الجهتين أقرب؟ الإخوة.
стр. 2480
معنى قوله: (فلأولى رجل ذكر)
قوله: (فلأولى رجل ذكر) يخرج أولى أنثى، فبنت الابن هي وارثة، ولكن أنثى، لو أعطينا أصحاب الفروض فروضهم، هل ما بقي نعطيه لبنت الابن؟ لا؛ لأنها ليست برجل.
وهكذا لو وجد أبناء الأخ مع بنات الأخ، فالجهة واحدة وهي جهة الأخوة، وبنت الأخ تساوي ابن الأخ في الدرجة مستوية، ولكنها ليست رجلاً ذكراً، فلا تدخل في الأولوية فيما بقي بعد أصحاب الفرائض.
والمناقشة الطويلة التي تجدونها في المطولات وخاصة فتح الباري وغيره لقوله: (أولى رجل ذكر) يقولون: ما حاجة كلمة: (ذكر) ، مع (رجل) ؟ لأنه إن كان (ذكر) نعتاً لرجل، فماذا زادتنا وماذا أعطتنا من فائدة؟ يقول صاحب سبل السلام: وقد تكلموا فيها، وذكر بعض كلامهم، ولكن بفائدة قليلة، وابن حجر في فتح الباري يورد آراءً عديدة، ثم يفند بعضها ويترك بعضها بلا تفنيد، وأنا في نظري -والله تعالى أعلم- أنه لا حاجة لهذا كله، وليس هناك إشكال في وصف الرجل بكونه ذكراً، فكلمة (الذكر) ليست نعتاً لرجل، ولكنه وصف كاشف لعلة استحقاق الرجل لما بقي.
ولو مات عن زوجة وولد، فالزوجة لها الثمن والسبعة الأثمان للولد، فيأتي قائل ويقول: لماذا يأخذ الولد سبعة أثمان، ولماذا لا يزاد في نصيب الزوجة قليلاً؟ فيقال له: لأنه ذكر.
قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء:١١] ، لِمَ لم يقل: للولد؟ السياق (في أولادكم) والمادة معنا ولد، ولماذا لم يقل: (يوصيكم لله في أولادكم للولد مثل حظ البنتين) ، لو تأملنا أساليب اللغة العربية لوجدنا هذا الوصف مستعملاً في القرآن الكريم، فهنا أبرز الرجل بصفة الذكورة لأنها مناط الحكم والمسئولية، وأبرز البنت بوصف الأنثى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١] .
ومن حيث البلاغة والإعجاز والمعنى في غير كلام الله نقول: هما متساويان، ولكن نحن في كلام الله لا نستطيع أن نتحكم أو نعترض، لكن في أداء المعنى يوجد التساوي.
إذاً: أبرز معنى الذكورة في الرجل؛ لأنه ميزه على البنت، ونقص البنت بوصف الأنوثة: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١] .
والأنثى نقصت هنا في ماذا؟ قال: لأن الذكر يبحث له عن أنثى، والأنثى يأتيها ذكر يأخذها، فالذكر تحمل مسئولية أنثى تعيش بجانبه، وعليه نفقتها وصداقها، والأنثى محجبة مكرمة معززة في بيت أبيها، فيأتي الذكر ويدفع صداقها ويأخذها، فما غرمت درهماً واحداً، فنصيب الذكر وزع على الإناث، ونصيب الأنثى توفر لها كاملاً.
إذاً: وصف الرجل بكونه ذكراً نعت للرجل وبيان لحقيقته، فنصف العاقل وربع المجنون يعرف بأن الرجل ذكر، ولكن لماذا تبرز وصف الذكورة؟ ونحن نجد نظير ذلك في كتاب الله ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [الكهف:٥] ، وهل ستخرج الكلمة من غير الفم؛ من العين أو من الأذن؟ لا، لكن أبرز موطن خروجها لأنها كلمة جوفاء لا قيمة لها، وما تجاوزت في مدلولها غير الفم، فهي ليست عن عقل أو عن تفكير، أو عن تردد الفكر والاستذكار، أو تأمل حقائق الواقع، إنما هي كلمة طائشة، كما أنك تأتي لغرسه على وجه الأرض فترفعها بإصبعيك فتقلعها، لكن الشجرة المتمكنة عروقها من تخوم الأرض لا تستطيع أن تنتزعها.
إذاً: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [الكهف:٥] ، ونحن نعرف بأن الكلمة لن تخرج إلا من الأفواه، فلماذا ذكر الأفواه مع أن الكلمة ومدلولها ولازمها أنها من الأفواه؟ ليبين أنها لا أصل لها تعتمد عليه.
كذلك: ﴿وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام:٣٨] ، معلوم أن الطائر في الجو لن يطير بأرجله بل سيطير بجناحيه، فلماذا أبرز جناحيه؟ ليبين -والله تعالى أعلم- أن هذا الطائر مهما حلق في الجو فليس ذلك بقوة الجناحين ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ﴾ [الملك:١٩] ، والحدأة خاصة تمد جناحيها وتتقلب يميناً ويساراً وتحوم دون أن تحرك جناحها مرة، وهل امتداد الجناح عنده القوة في أن يمسكها إلى هذا الحد؟ لا، ولذلك قال: (ويقبضن) قد نقول: حينما تمد جناحيها تعلقت بالجناحين في الهواء؛ لأن حركة الطيران قبض وانتشار، فحينما تقبض جناحيها من الذي يمسكها؟ ولماذا لا تسقط؟ إنه يريد أن يبين أن الجناحين عبارة عن وسيلة وأخذ بسبب، وحقيقة طيرانها بقدرة الله سبحانه.
وبعضهم يقول: وصف الرجل بالذكورة لبيان القوة، وهناك من يقول: ذلك احتياط من أن يذهب الذهن إلى امرأة كما قالوا: (مزقتم ثياب فتاة الحي والرجلة) .
قد تطلق كلمة (الرجلة) على الأنثى، ولكن هذا نادر وشاذ، والعرب لا تعتمد عليه.
فجاء الوصف بالذكورية ليبين موجب العلة والحكم، ومناط الحكم في هذه القضية كما جاء هناك ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١] ، فهو يبين موجب استحقاق تمييز الرجل عن المرأة بذكورته، وأنه بذكوريته سيصبح أباً وجداً وينفق على عياله.
стр. 2481
أحكام الميراث بين المسلمين وغيرهم
قال المصنف ﵀: [وعن أسامة بن زيد ﵁: أن النبي ﷺ قال: (لا يرث المسلم الكافر، ولا يرث الكافر المسلم) متفق عليه] .
هذا مما يتفق عليه الجمهور، إلا في صورة تستثنى، الكفار معروفون في ذلك الوقت، لكن هناك طوائف أخرى لم تدخل في دين سماوي كالبوذية وأمثالهم.
وهل هناك توارث بين الصابئة واليهود والنصارى؟ وإذا قيل: لا يرث الكافر المسلم أو المسلم الكافر.
فما حكم الكفار فيما بينهم؟ فالحكم ظاهر بين المسلم وبين كل من اليهود والنصارى والمشركين الوثنيين، ولكن اليهودي والنصراني، كلاهما كافر، واختلفت ملتاهما: هذه يهودية وهذه نصرانية، ولذا فحديث: (لا توارث بين أهل ملتين) يجمع الجميع.
هناك ناحية ربما استثناها الحنابلة ومن وافقهم، وهي حينما يموت الوالد وله أولاد، منهم المسلم ومنهم الكافر، على مقتضى هذا الحديث أن الميراث كله لأولاده المسلمين، فلو أن الولد الكافر أسلم بعد موت أبيه قبل قسمة التركة، استحق الميراث، مع أنه كان في لحظة موت أبيه كافراً.
قال الناظم: ويمنع الشخص من الميراث واحدة من علل ثلاث رق وقتل واختلاف دين فافهم فليس الشك كاليقين فهو عند موت مورثه لا يستحق الميراث.
التركة موجودة ولم يقتسمها الأولاد المسلمون، وهو قد أسلم؛ فهل نتجاوز عن الفترة التي سبقت ونورثه مع إخوته أو نقول: أنت لم تكن عند موت المورث مستحقاً للميراث؟ من نظر إلى تأليف القلوب، ومساعدة الآخرين على الإسلام في مثل هذه الحالة -أي: قبل أن تقسم التركة- قالوا: نشركه مع إخوانه بإسلامه، ونتجاوز عن فترة ما بين موته وإسلامه، ونجعله كأنه أسلم في حياة أبيه.
نحن في باب الميراث نكتفي بهذا، وهذا الذي يهمنا في هذا العلم، ولكن لا توجد زاوية من الزوايا نقف عليها: هذا ولده، وذاك ابن عمه، فلما كان ولده كافراً لا يرثه، وابن ابن ابن ابن عم لأب لكنه مسلم يأتي ويرث؛ لماذا؟ من الحكم الإلهية أن تقوم الأمة الإسلامية على مبدأ غير الدم والعصب، والرحم والنسب، ولكن على الأخوة الإسلامية، ولهذا كان أول عمل عمله النبي ﷺ مع الناس لما قدم المدينة هو المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار.
ومن العجب! أنني قرأت أنه كان هناك ثلاثة أبناء عمومة للنبي ﷺ ، أبناء المطلب بن عبد مناف بن قصي، ولما قدموا وهاجروا آخى الرسول ﷺ بين كل واحد منهم وواحد من الأنصار فهؤلاء ثلاثة إخوة جاءوا جميعاً، فلماذا لا يؤاخي فيما بينهم؟ لأن أخوة النسب موجودة، وستكون عبارة عن تحصيل حاصل، وهو يريد توثيق الروابط بوصف الإيمان؛ ولنعلم أن رابطة الإيمان أقوى من رابطة النسب والدم.
ومن هنا كان المسلم أحق بالمسلم ولو كان بعيد النسب عنه، والكافر بعيد عن نسبه الأساسي بسبب الكفر، ومثال ذلك أيضاً: مصعب بن عمير في عودته من بدر وجد أخاه أسيراً في أيدي بعض الأنصار، فقال لهم: شدوا وثاقه؛ فإن أمه ذات مال لعلها تفديه منكم بمال.
فنظر إليه وقال: أهذه وصيتك بي يا أخي؟ قال: لست أخاً لي، هؤلاء إخواني أما أنت فلا.
هو أخوه من أم وأب، وهؤلاء من الأنصار بعيدون كل البعد عنه، لكن الإسلام قرب البعيد، والكفر أبعد القريب، وعلى هذا كان لا توارث بين المسلمين والكفار ليوجد العزلة لتتميز الأمة الإسلامية عمن عداها؛ لتكون بذاتها ذات كيان خالص إسلامي، ولهذا نهى أن يساكن المسلم غير المسلمين ويخالطهم إلا للضرورة، حتى قال: (لا يتراءى نار كل منهما للآخر) .
ولما سئل في حديث أبي ثعلبة الخشني: (إنا بأرض قوم أهل كتاب، أفنأكل في آنيتهم -وفي رواية: وهم يطبخون الخنزير، ويشربون الخمر-؟ قال: لا، إلا ألا تجدوا غيرها، فارحضوها غسلاً وكلوا فيها) ، فقوله: (لا) ، لئلا يكون هناك تبادل الإعارة، يعقب ذلك التعاطف والتواد والهدايا فتخلط العادات بالسنة.
إذاً: لا يرث الكافر المسلم، ولا المسلم الكافر، ويتبع ذلك أنه لا توارث بين ملتين؛ فاليهودي لا يرث النصراني، والنصراني لا يرث اليهودي، وكلاهما لا يرث البوذي وأمثاله.
والله تعالى أعلم.
стр. 2482
قضاء النبي في البنت مع ابنة الابن والأخت
قال المصنف ﵀: [وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه (في بنت وبنت ابن وأخت، فقضى النبي ﷺ : للابنة النصف، ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت) ، رواه البخاري] .
في هذه المسألة ثلاثة مناهج: منهج أهل الحديث، أو منهاج الرحبية، أو منهج الفقهاء، وأيسرها وأوضحها عند طالب العلم منهج الرحبية، وقد تقدم بحمد الله المرور عليها فيما قبل، ولكن نحن الآن سنأخذ ما يورده المؤلف، والرحبية أشرطة مسجلة في مكتبة الحرم.
فمنهج الرحبية هو الإتيان بالفروض متتابعة: إذا قلنا بأن النصف هو الفرض، فإننا ننظر من الذي يرث النصف؛ ثم نأتي بالورثة من الرجال، والوارثات من النساء، ويحدد بحيث لا تستطيع أن تدخل واحداً أو تخرج آخر، لأنهم عدد محصور محدود، والمؤلف هنا جاءنا بمسائل فردية وصورة وقعت.
هذه صورة يسوقها لنا بهذا الشكل، وتقدم بحثها في غير هذا الموضع، ابن مسعود يقول: إن الرسول ﷺ أُتي بمسألة فرضية: بنت، وبنت ابن، وأخت.
هنا لم يذكر لنا أي أنواع الأخوات كانت، نحن نعرف جهة الأخوة، ولكن نعلم بأن جهة الأخوة تتفاوت، هل هي أخت شقيقة، أو لأب، أو لأم؟ لكن التقسيم يدلنا على أنها ليست لأم، إما شقيقة أو أخت لأب، فالرسول ﷺ أعطى البنت نصف التركة، وأعطى بنت الابن السدس مع البنت، وإذا ضممنا السدس إلى النصف كان الثلثين، والباقي أعطاه للأخت، إذاً هذه الأخت ليست لأم؛ لأن الأخت لأم نصيبها السدس، وهذا ثلث، فهو ضعف ما تستحقه التي لأم، إذاً: هي إما شقيقة وإما لأب.
وكون بنت الابن تأخذ السدس؛ لأن البنات إذا كانتا اثنتين فأكثر يكون لهن الثلثان، فإذا وجد ثلاث بنات وبنت ابن سيكون البنات لهن الثلثان، وبنت الابن لا شيء لها؛ لاستغراق البنات للثلثين.
وهذا فيه تنصيص على أن الأخت مع البنت عاصبة لها: والأخوات إن تكن بنات فهن معهن معصبات الأخوات إن كن بنات، أي: إذا وجد بنات للميت وأخوات، فالبنات من أصحاب الفروض، والأخوات ينتقلن من الفروض إلى التعصيب مع الغير -مع البنات- فيأخذن ما بقي.
لو كانت بنت صلبية وأخت شقيقة فللبنت النصف، وبقي النصف للأخت الشقيقة تعصيباً؛ لأنها عصبة مع البنت، فإذا وجد بنات وأخذن الثلثين فإن الباقي للشقائق، ولو وجد مع البنات أم وزوجة، فالأم تأخذ السدس، والزوجة الثمن والبنات الثلثين، وما بقي من التركة فهو للأخت.
وأنصح الإخوة مرة أخرى أن يرجعوا إلى كتب الفرائض التي اختصت بهذا الفن، والأصل في هذا الرحبية وأمثالها، والشروح القديمة عليها ميسرة وسهلة، ويستطيع أن يتعاون مع بعض إخوانه الذين درسوها سابقاً، أو الذين يستطيعون أن يحللوا ألفاظ الكتاب ويستفيدون منه؛ لأن الفرائض في كتب الحديث لا تكفي، إنما هي أصول كما أشرنا: (ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر) ، إذ كل مباحث الفرائض جاءت في هذا الحديث، لكن ما كل العقول تستطيع أن تستوعبها أو تستنتجها، فيجد في كتب الفرائض الشرح المبسط لهذا الباب.
стр. 2483
اختلاف العلماء في كون الكفر ملة واحدة
قال المصنف ﵀: [وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يتوارث أهل ملتين) رواه أحمد والأربعة إلا الترمذي، وأخرجه الحاكم بلفظ أسامة، وروى النسائي حديث أسامة بهذا اللفظ] .
تقدم في الحديث السابق: (لا يرث المسلم الكافر، ولا يرث الكافر المسلم) ، وهذا فيه نوع من الإجمال، وكان حري بالمؤلف أن يأتي بهذا الحديث بجواره، ولكنه جاءنا بحديث بيان ميراث البنت وبنت الابن والأخت معهما، وهنا: (لا يتوارث أهل ملتين) ، الملة: هي المعتقد والدين، وإذا نظرنا إلى ملتين وجئنا إلى كلام العلماء: هل الكفر كله ملة واحدة أو ملل شتى.
إن كان الكفر كله ملة واحدة؛ فهذا بمعنى الحديث الأول: (لا يرث المسلم الكافر، ولا يرث الكافر المسلم) ، أياً كان نوع كفره، وإذا كان الكفر مللاً شتى فيكون هناك جانبان: علاقة المسلم بغيره، وعلاقة أصحاب الملل بعضهم ببعض.
وهنا نجد من العلماء من يقول: الكفر كله ملة واحدة.
وهناك من يقول: الكفر ملل.
ويستدل كل بما لديه.
ومن أدلة كون الكفر مللاً شتى أن هناك اليهود والنصارى، وكل منهما يحارب الأخرى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة:١١٣] ، فكل منهما يحارب الأخرى في ملتها وعقيدتها.
مالك ﵀ يقول: الكفر ثلاث ملل: يهودية، ونصرانية بنص الكتاب (وقالت اليهود) (وقالت النصارى) وما عدا اليهود والنصارى يجتمعون تحت مسمى ملة واحدة، فالمجوس والصابئة وعبدة الأوثان.
كل هؤلاء عند مالك ملة واحدة.
وهناك من يقول: كل مسمى من هذه المسميات ملة مستقلة.
وهناك من يقول: كل هذه الأصناف ملة واحدة.
وعلى هذا فالمسلم لا يرث اليهودي ولا النصراني، ولا أجناس الملل الأخرى، وعند مالك: اليهودي لا يرث النصراني، والنصراني لا يرث اليهودي، وكل منهما لا يرث الملل الأخرى من الصابئة والمجوس وعبدة النجوم.
إلخ.
إذاً: (لا يتوارث أهل ملتين) ، أي: مختلفتين في المعتقد والمنهج، والبعض يقول: إن المجوس ملة مستقلة، وكان لها كتاب ثم نسخ، والذي يهمنا الخلاف في ميراث المسلم من غيره، سواء كان غير الإسلام ملة واحدة فلا ميراث أو مللاً شتى أيضاً فلا ميراث بينها وبين المسلمين، أما هم فيما بينهم فسيرجع إلى التفصيل المتقدم، إن قلنا: بملل شتى فلا يهودي يرث نصرانياً، ولا نصراني يرث يهودياً، ولا واحد منهما يرث مجوسياً ولا بوذياً ولا وثنياً.
стр. 2484
ميراث الجد مع الإخوة
قال المصنف ﵀: [وعن عمران بن حصين ﵁ قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن ابن ابني مات، فما لي من ميراثه؟ فقال: لك السدس.
فلما ولى دعاه، فقال: لك سدس آخر، فلما ولى دعاه، فقال: إن السدس الآخر طعمة) رواه أحمد والأربعة، وصححه الترمذي، وهو من رواية الحسن البصري عن عمران، وقيل: إنه لم يسمع منه] .
هذا شروع أو بيان لما جاء في ميراث الجد، والجد -كما قال بعض السلف- لا حياه الله ولا بياه، أي: اضطربت الروايات في حقه، فهناك من يجعله كالوالد سواء لقوله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج:٧٨] ، وقوله: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف:٨٢] ، فقالوا: الجد من جهة الأب كالأب، ويجمعون على أن الجد من جهة الأم لا مدخل له في الميراث، وكل جد من أدلى إلى الميت بواسطة أنثى فلا ميراث له، والجد الصحيح عندهم: هو الذي أدلى إلى الميت بمحض طريق الذكورة أبوه، أبو أبيه، أبو أبي أبيه، أبو أبي أبي.
أبيه، فهؤلاء كلهم جدود للميت، وكلهم له حق في الميراث ما لم يكن هناك من يحجبه، فهذا الجد الذي جاء وقال: (إن ابن ابني) هو جد لأب، والجد لأم لا يخطر على بالنا، إلا إن كان من ذوي الأرحام، وذوو الأرحام لهم منهج مستقل.
قال: (إن ابن ابني مات، فماذا لي من ميراثه) ، هنا القضية الواقعية بالفعل أن الرسول ﷺ قال: (لك السدس.
ثم ولى فدعاه، قال: لك سدس آخر.
فلما أخذ السدس الآخر ولى فدعاه، قال: السدس الآخر طعمة) يعني: ليس بفرض، وهنا الحكمة في التعليم وعدم اللبس؛ لأنه لو قال: لك الثلث -وهو مجموع السدسين- لربما ظن الجد أن فرضه من ولد ولده الثلث، ولكن الحال ليس كذلك، فالجد له السدس فرضاً، والباقي تعصيباً، فنجد من هذا حكمة النبي ﷺ في التعليم والإرشاد، وعدم إيجاد اللبس على السائل، فأعطاه حقاً أولاً بالفريضة حتى ولى وانفصل بهذا الحق وانقطعت علاقته، فدعاه، وقال: لك سدس آخر، فأخذه وذهب، ثم دعاه وقال: السدس الثاني هذا ليس كالأول، الأول فريضة والثاني طعمة.
على هذا التفصيل يأتي الكلام في الجد، وكما قال الشوكاني: وللعلماء في الجد أقوال كثيرة، من أراد التفصيل فيها رجع إلى كتب المواريث.
ومما ذكر عن ميراث الجد في عهد الصحابة ما يقال: إن عمر رضي الله تعالى عنه مر بـ عثمان وهو جالس في الطريق، فسلم عليه فلم يرد ﵇، فأخذ في نفسه، وأتى أبا بكر رضي الله تعالى عنه فقال: يا أبا بكر! سل عثمان ما لي أسلم عليه فلا يرد علي السلام؟! دخلنا في الخصومة، ودخلنا في الظنيات والتقديرات، ونبني على الحبة قبة، فلم ينته عمر من كلامه إلا ودخل عثمان فقال: السلام عليكم.
فقال له أبو بكر: ما لك يا عثمان لا ترد السلام على عمر؟ وهذا هو الموقف الصحيح؛ أن نسأله ما عنده؟ قال: ومتى سلمت يا عمر؟ قال: حينما كنت جالساً في المكان الفلاني.
قال: والله ما شعرت به ماراً ولا سمعته حين سلم.
إذاً: قد كان عنده عذر، هناك فتش عمر عما يشغل بال أخيه عثمان عنه؛ لأن مثل هذه الحالة لا تكون إلا في إنسان لا يشعر بمن حوله، وهذه قد تحدث.
قال عمر: فيم كنت تفكر؟ قال: كنت أفكر في ميراث الجد، وكنت أقول: ليتنا سألنا رسول الله ﷺ وأعطانا فيه علماً شافياً، فقال عمر: والله ما أخرجني من بيتي الآن إلا قضية الجد.
إذاً عمر كان في بيته يفكر في الجد، وعثمان كان مشغول البال في الجد، إذاً: الجد شغلهم؛ لأنه لم يأت فيه نص صريح في حكمه في الميراث.
هذا الحديث على ما في سنده، إلا أنه لا بأس به، وهو يعطينا: أن الجد له حالتان -هذا مبدئياً-: حالة يرث بالفرض فله السدس، فلو أن الفروض استغرقت جميع التركة وعالت وفيها جد، فإننا نعطيه السدس ليأخذ حقه فرضاً، وتارة يرث بالتعصيب، كهذا السدس الثاني الذي هو طعمة، فإذا أخذ أصحاب الفروض فروضهم، وبقي شيء زيادة عن السدس أخذه تعصيباً.
أي أنه إذا بقي السدس أخذه فرضاً، وإذا بقي أقل من السدس يفرض له السدس ويكمل له وتعول المسألة من أجله.
والفقهاء ﵏ لما اختلفوا في الجد منهم من قال: الجد أب.
وهو مذهب الإمام أبي حنيفة ﵀، والمعمول به حتى الآن، فيحجب الإخوة، وغير الأحناف يقولون: الجد والإخوة يرثون جميعاً لكونهم معه سواء في مدى قرب الجد والإخوة من الميت.
كم بين الجد والميت من واسطة؟ واحد وهو الأب، وكم بين الأخ لأب وبين الميت؟ واحد وهو الأب، إذاً قرب الجد من الميت كقرب الأخ من الميت، فقالوا: الجد يقاسم الإخوة.
وإذا لم تبق الفروض شيئاً ماذا يفعل؟ قالوا: إذا لم تبق الفروض شيئاً للجد فيفرض له السدس، وتعول له المسألة، ويسقط الإخوة.
الخلاصة: الجد مع غير الإخوة له ثلاث حالات، فيرث: إما فرضاً وإما تعصيباً، وإما فرضاً وتعصيباً معاً كهذا الحديث.
فإذا وجد الإخوة فهو بالأحظ من ثلاث حالات؛ الحالة الأولى: يفرض له السدس إن لم تبق الفروض شيئاً، فبدلاً من أن نقول: هو عاصب، والعاصب ليس له شيء.
نقول: يدخل الجد في خط أصحاب الفروض، فنفرض له السدس.
وإذا كانت الفروض أخذت نصف التركة، وبقي النصف، فهنا الباقي يقتسمه الجد مع الإخوة بحسب الأحض من ثلاث حالات: إما أن يأخذ ثلث الباقي إذا كان ثلث الباقي أحظ له من سدس الجميع، أو يقاسم الإخوة كواحد منهم، أو يأخذ سدس المال إذا كان أحظ له من المقاسمة وثلث الباقي.
هذا مذهب الجمهور على أنه مع الإخوة يخير، ويعامل بما هو الأحظ من أمور ثلاثة كما تقدم ولو كانوا خمسة إخوة وهو السادس فأيهما أحسن: أن يأخذ ثلث الباقي أو يقاسم ويأخذ سدس الباقي؟ إذا قاسم سيكون نصيبه واحداً من ستة مما أبقت الفروض، وإذا قال: لا أريد مقاسمة وآخذ ثلث الباقي فهو أحسن له، وإذا كان الباقي سدس المال، كأن تكون الفروض استغرقت التركة وما بقي إلا السدس فهل يأتي الإخوة ويقاسمونه في هذا السدس؟ لا، بل يقال: هذا السدس فرضه وليس للإخوة شيء.
ونرجع ونقول كما قال الشوكاني: وللعلماء في الجد أقوال كثيرة، من أراد الاستيعاب والتوسع فليرجع إلى كتب الفن.
وأحسن ما بين أيدينا من الكتب كتاب العذب الفائض، وهو من الكتب القديمة، أما الكتب الجديدة فهي -كما يقال- قطرة من بحر، لن يأتوا بشيء من صناديقهم، ولكن أخذوا من تلك الموسوعات القديمة الموجودة عن سلف الأمة.
وبالله تعالى التوفيق.
стр. 2485
كتاب البيوع - باب الفرائض [٢]
اتفق الفقهاء على توريث أصحاب الفروض، إلا أنهم اختلفوا في توريث الجدة على ثلاثة أقوال، ثم اختلفوا في ميراث الخال، وكذلك ميراث القاتل عمداً، وكذلك ميراث الحمل، وما يتخرج عليه من مسائل عصرية كأطفال الأنابيب، وللعلماء تفصيلات وأدلة يبينون فيها سبب اختيارهم لما رجحوه من الأقوال.
стр. 2486
ميراث الجدات
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله.
وبعد: فيقول المصنف ﵀: [وعن ابن بريدة، عن أبيه ﵄: (أن النبي ﷺ جعل للجدة السدس إن لم يكن دونها أم) رواه أبو داود والنسائي، وصححه ابن خزيمة وابن الجارود، وقواه ابن عدي] .
من مشاكل الميراث ميراث الجدة، والجدة هي أم الأم أو أم الأب، يقولون: إن الجدة جاءت لـ أبي بكر رضي الله تعالى عنه، فقالت: أعطني ميراثي في قضية الجد أعطاه النبي ﷺ السدس وتساءل العلماء: من كان مع الجد حتى أعطي السدس؟ وعمر رضي الله تعالى عنه لما أتاه سائل في الجد قال: من عنده علم فليأتنا؟ فقام رجل فقال: يا أمير المؤمنين! إن رجلاً أتى النبي فأعطاه السدس، ثم دعاه فأعطاه السدس طعمة.
فقال عمر: مع من ورثه؟ قال: لا أدري.
قال: لا حياك ولا بياك، ما أغنيت شيئاً.
العلماء يتساءلون مَن مِن الورثة أصحاب الفروض الذين يبقى بعدهم الثلث حتى يحصل الجد على سدسين؟ فقالوا: المتوقع في هذا: أن يكون الميت ترك بنتين، فالبنتان لهما الثلثان، فبقي الثلث فأخذه الجد فرضاً وطعمة، أو ترك بنتاً وبنت ابن، فالبنت لها النصف، وبنت الابن لها السدس تكملة الثلثين، وبقي الثلث بعدهما للجد فرضاً وطعمة، هذا تتمة لمن كان مع الجد حينما أعطاه الرسول ﷺ ما أعطاه فيما تقدم.
هنا الجدة أعطاها النبي ﷺ السدس، هل الجدة من ذوي الفرائض في كتاب الله؟ ليست مذكورة، إذاً: هذا عطاء من النبي ﷺ للجدة، بشرط ألا تكون الأم موجودة، فالرسول إنما أعطى الجدة سدس الأم، إذاً: أصل السدس الذي تأخذه الجدة هو للأم، فإذا لم توجد الأم انتقل إلى أمها، وعلى هذا كان عطاء من النبي ﷺ .
ومبحث العلماء في الجدة والجدات من جهتين: جهة الجهات التي ترث منها الجدة والجدات، وجهة توريث المجتمعات من الجدات.
فـ مالك ﵀ يورث من جهتين: أم الأم وأم الأب فقط.
وأحمد ﵀ يزيد جدة ثالثة، وهي: أم أب الأب، يعني جدة الأب.
وأبو حنيفة والشافعي رحمهما الله يورثان كل جدات وجدن متساويات قال في الرحبية: وإن تساوى نسب الجدات وكن وارثات فالسدس بينهن بالسوية.
وكن كلهن وارثات، أي: ولا توجد واحدة محجوبة بمن قبلها.
وعلى هذا: فإن السدس ميراث الجدة إن انفردت من جهة الأم أو من جهة الأب إن لم توجد الأم.
ومالك يورث اثنتين، وأحمد يزيد واحدة، والشافعي وأبو حنيفة: يورثان كل من وجد من الجدات متساويات سواء كن أربعاً أو خمساً أو أكثر أو أقل.
ولنعلم بأن الجدة لا تكون من جهة الأم إلا واحدة: أم الأم، وأم أم الأم، وهكذا، فخط الأم هذا كله جدة واحدة، لكن أم أب الأم ساقطة؛ لأنها أدلت إلى الوارث بذكر وهو أب الأم، إذاً الجدة الوارثة من جهة الأم لا توجد إلا من طريق واحد.
ومن جهة الأب عند مالك أم الأب، وهي أم الأب الأدنى وأمهاتها، وسلسلتها تتعادل مع أم الأم.
ويزيد أحمد أم أب الأب يعني: جدة أبي الميت أم أبي أبيه، وأمهاتها، وإذا توسعنا أكثر من هذا فأم أبي أبي الأب لا تدخل عند أحمد ولا عند مالك، ولكن تدخل عند الشافعي وأبي حنيفة.
لم تكن الأم موجودة؛ لأن الأم تحجب الجدة لأن الأصل لها، سواء كانت من جدة من جهة الأب أو الأم.
ومتى يتساوى ثلاث جدات أو أربع أو خمس؟ هذه مشكلة، ولا عمر نوح ﵇! إذا قلنا: أم الأم وأم الأب متساويات وقريبات، فيمكن أن توجد هذه الجدة وتلك معاً، لكن إذا صعدنا درجة أم أم الأم وأم أم الأب فهن متساويات، في الدرجة التي تأتي عند أحمد: أم الجد، فصار بينها وبين الميت الأب والجد وصارت هي في الدرجة الثالثة، فإذا تساوى الجدات الثلاث في الدرجة، فعند أحمد الثلاث يرثن، وعند مالك لا يرث إلا اثنتان، وعند الشافعي وأبو حنيفة ترث ولو كانت أم أبي أبي أبي الأب، وجدة جدة جدة جد الجد، ولن يعيشوا إلى هذا الوقت! وهذه مسألة نظرية، وفي اعتقادي أنها ما وقعت ولن تقع، إذا قلنا: الجدة في الطبقة الخامسة، فبينها وبين المائة شيء يسير، ستعيش إلى ذلك الوقت، وهل هذا كما يقولون: من التصوير الفقهي، والمسائل المفترضة؛ لأنه متمش مع القاعدة الفقهية في الميراث؟ هنا ناحية بعد هذا (وكن كلهن وارثات) ، إذا وجدت أم الأم، وأم أم الأم، فهناك قربى وبعدى، فأم الأم هي القريبة، أما أم أمها فبعيدة، إذاً: السدس يكون للقريبة، فكل من كانت أقرب للميت سواء من جهة واحدة أو من جهات أخرى، فإن القربى المنفردة في طريقها تحجب البعدى على التحقيق، وإذا كان الطريق متعدداً، وعندنا أم أم أم أم أم أم، يعني: جدة رقم ستة للأم، وعندنا جدة رقم سبعة للأب، تفاوت القرب والبعد، فالذي يرث منهما القربى، ولو عكسنا وجعلنا السادسة من جهة الأب، والسابعة من جهة الأم، فهناك من يقول: القربى تحجب البعدى ولو كانت البعدى من جهة الأم، فالجدة رقم ستة من جهة الأب تحجب الجدة رقم سبعة من جهة الأم، وهذا قول للإمام أبي حنيفة ﵀.
والآخرون يقولون: إذا كان أصل السدس للأم، فجدة الأم هي الأصل، فإن بعدت ووجد معها أقرب منها من جهة الأب، فإن قوة الأصل في كون السدس للجدة للأم يدنيها؛ لأنها هي الأصل، فتشارك الجدة من الأب وإن كانت التي لأم بعدى، فتنزل وتشارك التي لأب وإن كانت التي لأب قربى؛ لأن الأصل مع التي لأم، فيقوي ضعف بعدها.
وإذا كان العكس: القربى للأم، والبعدي للأب؟ فالتي للأب لا تنزل وتشارك التي لأم، بل تسقط؛ لأن التي لأم جمعت قوتين: قوة القرب وقوة الأصالة.
فاختصت عند قربها بالسدس، ولعل في هذا القدر كفاية من جهة الجدات.
стр. 2487
اختلاف العلماء في ميراث الخال
قال المصنف ﵀: [وعن المقداد بن معدي كرب قال: قال رسول الله ﷺ : (الخال وارث من لا وارث له) أخرجه أحمد والأربعة سوى الترمذي، وحسنه أبو زرعة الرازي، وصححه الحاكم وابن حبان] .
الخال أخو الأم، والعم أخو الأب، فهذا العم -أخو الأب- وارث، والخال -أخو الأم- أيضاً لابد أن يرث، والعجيب: أن الجمهور لا يقولون بهذا، يقولون: الخال ليس بوارث، لأنه إن كان وارثاً بفرض فأين فرضه، وإن كان بتعصيب فهناك حديث: (ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر) ، وإذا ورثتم الخال فلماذا لا تورثون الخالة، والعمة مع العم؟ إذاً: أوقفوا العمل بهذا الحديث إلا بعض من هو خارج عن المذاهب الأربعة، ونحن لا نستطيع أن نتتبع هذه الشواذ، إلا أن المعروف عن طوائف من الشيعة أنهم يورثون الخال، ويجعلون له ميراثاً لا على الحديث فقط، فقوله: (الخال وارث من لا وارث له) معناه: إذا وجد وراثٌ للميت مع وجود الخال فإن الخال لا شيء له؛ لأن الرسول ﷺ يقول: (الخال وارث من لا وارث له) .
قال بعضهم: الخال هنا بمعنى بيت المال.
وهذه بعيدة جداً، وردوا عليهم وقالوا: لو كان يريد ذلك لقال: (أنا وارث من لا وارث له) .
يهمنا في قضية الخال: أن الجمهور تركوا العمل بهذا الحديث للحديث المتقدم: (ألحقوا الفرائض بأهلها) ، وليس الخال صاحب فرض لا في الثمن ولا الربع ولا النصف ولا الثلثين ولا الثلث ولا السدس، إذاً: ليس له فرض.
قوله: (من لا وارث له) ، ما حكم العصبة؟ إذا وجد أصحاب الفرائض ما هو موقف الخال، والشيعة لما ورثوه أنزلوه منزلة الأم كما ينص الحلي في كتابه الشرائع: لو مات عن خال وعم، فللخال الثلث، وللعم الثلثان؛ لأنه لو وجدت الأم مع العم يكون لها الثلث؛ لعدم الفرع الوارث ولعدم وجود جمع من الإخوة، فلها الثلث، قالوا: فيأتي الخال وينزل منزلتها، ويأخذ حقها.
إذا: هذا الحديث لم يعمل به الجمهور لمعارضته لما هو أقوى منه، ولمخالفته لمدلول قوله: (ألحقوا الفرائض بأهلها، وما بقي فلأولى رجل ذكر) .
بقي أن يقال: الخال والخالة والعمة من ذوي الأرحام، وبنت البنت وابن البنت، وكل الأقرباء الذين لا ميراث لهم فهم من ذوي الأرحام، والخلاف في توريث ذوي الأرحام موجود عند الفقهاء، فمنهم من يورث، ومنهم من يقول: بيت المال أولى منهم إن انتظم، أي: إن كان موجوداً ويتقبل ميراث من ليس له وارث، ويتولى الإنفاق على مصالح المسلمين.
стр. 2488
ولاية رسول الله على المؤمنين
قال المصنف ﵀: [وعن أبي أمامة بن سهل ﵁ قال: كتب عمر إلى أبي عبيدة ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: (الله ورسوله مولى من لا مولى له، والخال وارث من لا وارث له) رواه أحمد والأربعة سوى أبي داود، وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان] .
هذا الخبر عن عمر ﵁ يؤيد الخبر الذي قبله، إذاً: عمر يرى ميراث الخال، لكن على أي حالة؟ وما نصيبه في الميراث؟ لا ندري ما نعطيه، وليس عندنا فيه شيء.
قوله: (الله ورسوله مولى من لا مولى له) .
هذه واضحة بأن من مات ولا وارث له ولا مولى له يواليه، والمولى هنا عام لغةً، وليس المولى الخاص بالعبد الذي أعتقه ومولاه.
فالرسول ﷺ ولي من لا ولي له، والقاضي ولي من لا ولي له نيابة عن ولي الأمر، فإذا كانت امرأة وليس لها عاصب أو ولي أمر يزوجها فالقاضي وليها يزوجها، وهكذا ولي الأمر له هذه الولاية، ولذا تجدون الفقهاء يقولون في بعض القضايا: هل حكم فيها الرسول بالولاية أو بالتشريع؟! فهنا الولاية عامة، وقد جاء ما يوضح هذا في أول الإسلام؛ فقد كان النبي ﷺ إذا قدمت إليه جنازة للصلاة عليها سأل: هل عليه دين؟ إن قالوا: نعم.
قال: صلوا عليه أنتم.
وإن قالوا: لا.
صلى عليه، ثم بعد أن فتح الله الفتوح، وصار عند المسلمين المال قال: (من ترك غنماً فغنمه لورثته، ومن ترك غرماً فغرمه علي) ، وكلمة: (علي) ، يعني: علي ولي الأمر، وولي الأمر لا يدفع من عنده شخصياً، ولكن من بيت مال المسلمين.
وهذا تحقيق -كما يقال- لكفالة الإسلام للمعدمين، وهذا له طرقه، ويكون التصرف مع بيت مال المسلمين عن طريق الحاكم، حتى لا ينتحل كل إنسان استحقاقاً بأي وجه من الوجوه فينفد مال المسلمين ويأخذ ومن لا يستحق الأخذ.
وعلى هذا إذا انتظم بيت مال المسلمين، وكان فرد من أفراد الأمة الإسلامية عليه حقوق نظر فيها: إن كانت هذه الحقوق ثابتة بوجه شرعي، ولحقته من جانب مشروع؛ تولى وليه وهو صاحب الأمر من بيت مال المسلمين أمر دينه وقضاه، وإن كان غير ذلك فالله تعالى أعلم: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب:٦] .
بمعنى أعم: يقضي ﷺ في أمر المسلمين بما يراه بالولاية، فيحجر على السفيه ويحفظ ماله، ويطالب بحقه إذا لم يكن له قدرة على المطالبة، فلو قتل أبو قاصر صغير من الذي يتولى حقوق هذا الطفل في المطالبة وحفظ حقوقه؟ ولي أمر المسلمين، إما بنفسه أو يقيم عليه قيماً أو وصياً يتولى ذلك، فإن كان يستحق الدية طالب بها وحفظها حتى يكبر ويرشد، وإن كان يستحق دماً قصاصاً، فهناك من يقول: بنظر الولي ينفذ، وهناك من يقول: المطالبة بالدم من حق صاحب الدم العاصب، فينتظر بهذا الصغير حتى يبلغ ويرشد ويطالب بالقصاص، فيعطى طلبه.
المرأة التي لا ولي لها، يزوجها الوالي بالولاية، القاصر المعتوه يقيم عليه قيماً نيابة عنه يرعى شئونه ومصالحه، وعلى هذا ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [الأحزاب:٣٦] ؛ لأن ولاية رسول الله على المسلمين ولاية جازمة ومنفذة وقائمة، وهو أولى بهم من أنفسهم.
стр. 2489
ميراث الحمل
قال المصنف ﵀: [وعن جابر ﵁، عن النبي ﷺ قال: (إذا استهل المولود ورث) ، رواه أبو داود، وصححه ابن حبان] .
هذا الحديث فيما يتعلق بصحة ميراث الحمل إذا وُلد، ويتفرع عليه بعض المسائل في الرق وأم الولد.
يقول ﷺ : (إذا استهل) الاستهلال والإهلال والتهليل مأخوذ من الهلال، أصل وضع الكلمة للهلال حينما يظهر في أول الشهر؛ لأن الناس يترقبونه، فإذا رآه أحدهم هلل، أي: رفع صوته وقال: هذا الهلال.
ثم استعملت الكلمة بعد ذلك في كل تهليل، أي: في كل رفع الصوت، وتستعمل من باب النحت التهليل قول القائل: لا إله إلا الله.
كما قيل: التسبيح من قول القائل: سبحان الله.
الحوقلة من قوله: لا حول ولا قوة إلا بالله.
واستهلال الصبي إنما هو ظهور الصوت بالبكاء والصراخ عند ولادته؛ لأن هذه الحالة هي أصدق علامة على حياتها؛ لأن الميراث لا يكون إلا للحي، فإذا لم يستهل ولم يصرخ ولم تثبت حياته فلا ميراث له، والأصل في باب الحمل في الميراث أنه واسع؛ وذلك أن الميت إذا مات وترك ورثة أحياء، وترك زوجه حاملاً، هذا الحمل إن ثبت وجوده في الرحم كائناً حياً فهو من أهل الورثة، ويستحق الميراث باستهلاله صارخاً.
أما إذا جاء وقت الولادة فنزل ميتاً فلا ميراث له، وإن كان الأصل فيه عند موت مورثه الحياة، لكنه لما جاء إلى الدنيا جاء إليها ميتاً، والميت لا يرث شيئاً.
стр. 2490
اختلاف الفقهاء في التوريث التقديري وتوقيف القسمة عند وجود حمل
والفرضيون حينما يعملون المسألة الفرضية التي فيها الحمل ينقسمون إلى قسمين: هناك من يوقف التركة فلا يقسم منها شيئاً، ويقول: ننتظر حتى يأتي الحمل لننظر أهو ذكر أم أنثى أو توأم ذكور أو إناث، أو ذكر وأنثى؟ هذا على أقل التقدير في التوأم، وقد يكون التوأم أربعة وخمسة وستة وسبعة، وقد سمعت قصص كثيرة في الآونة الأخيرة عن المرأة التي ولدت سبعة في المستشفى، وكانوا يأخذونهم واحداً واحداً للتطعيم أو للتطهير أوكذا، وكانت نائمة، فاستيقظت فوجدت ستة، فصرخت فأفزعت المستشفى كله، قالوا: ما بك؟ قالت: أين السابع؟ قالوا: هل يكفيك الستة؟ قالت: واحد مثل الستة.
والقصة التي يذكرها الشافعي ﵀: عن المرأة التي ألقت كيساً في صنعاء فظنته ديدان، فألقته في الشمس، فجاءهم الدفء فتحركوا فإذا هم أولاد صغار، أربعون طفلاً في كيس، وأخبار تذكر ويذكرها السلف، سواء كانت الحقيقة أو قريباً من الحقيقة، لقد لامسنا أو شاهدنا أو سمعنا وقرأنا عن الستة والسبعة، فماذا يفعل قاسم التركة في نصيب الحمل؟ الشافعي ﵀ ليس عنده ميراث بالتقدير، فيوقف التركة حتى يتبين الوارث: فالخنثى المشكل يوقف التركة حتى نعرف هل هو ذكر أو أنثى، وفي الغرقى والهدمى نوقف التركة حتى نعرف من الأسبق، وفي الحمل نوقف حتى يأتي ونتبين كم هو.
والأئمة الثلاثة ﵏ يعملون بالتقدير، فمثلاً تركة فيها خنثى مشكل، فيقولون: نقدر المسألة مرتين، مرة على أنه ذكر، ومرة على أنه أنثى، ثم نعطي الورثة الأقل من أنصبتهم في التقديرين، ونحفظ له الأكثر، فإذا جاء على أكثر التقدير أخذه، وإذا جاء أقل من التقدير رددناه على بقية الورثة، وكذلك الحمل، إلا أنهم في الحمل يقدرون المسألة خمس مرات، ويعمل له خمسة جداول لتقسيم تركة، ويؤتى بالجامعة للمسائل الخمس، ويعرف جزء السهم، ويعطى الموجودون الأقل من حصتهم في الجداول الخمسة، ويوقف الباقي لحساب الحمل.
следующие страницы →