Полный текст (2 523 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
كتاب الصلاة - باب المواقيت [٤]
تحديد أوقات الصلوات من أهم المهمات، لا سيما وقت صلاة الفجر؛ لأن الفجر فجران، فجر كاذب، وفجر صادق، فلابد من التمييز بينهما، وقد بين ﵊ الفرق بينهما، وشرح العلماء ذلك.
ومن فوائد معرفة أوقات الصلوات أن يحرص على أداء الصلاة في أول وقتها، فإن ذلك من أفضل الأعمال عند الله تعالى.
стр. 422
حرمة منع أحد من الطواف وركعتيه متى شاء
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فيقول المصنف ﵀: [وعن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله ﷺ : (يا بني عبد مناف! لا تمنعوا أحداًَ طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار) رواه الخمسة، وصححه الترمذي وابن حبان] .
هذا من الأسلوب الرفيع، والبلاغة الواضحة، فيقول ﷺ : (يا بني عبد مناف! لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار) ، وإذا كان الغرض عدم منع الناس من الطواف فكان يكفي أن يقول: لا تمنعوا أحداًَ يطوف بهذا البيت، وهذا يؤدي الغرض، لكن قال: (يا بني عبد مناف! لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى ... ) .
ويقولون: إن السبب هو مخافة أن يأتي بعض الملوك أو بعض الجبابرة أو بعض الأشخاص، فيمنع الناس من المطاف من أجل ذلك الشخص، وهذا كرهه العلماء إلا لمصلحة راجحة، مثل أن يخاف على حياة شخص كما يفعل الآن بعض الأحيان من الاتجاهات السياسية أو الاتجاهات الأمنية، والمصلحة تقتضي ذلك، لا لتعظيمه ولا لتوقيره دون الناس، فالبيت أعظم، لكن ولي الأمر هو المسئول عن ضمان هذه الشخصية التي دخلت الحرم في ضمانه وأمانه وتحت تصريحه بنفسه.
إذاً: قوله: (لا تمنعوا أحداً طاف وصلى) هو على العموم، أي: بمقتضى قيامكم على البيت، لكن قال زيادة على هذا النهي عن منع الطائف والمصلي: (أية ساعة من ليل أو نهار) ، فما حاجة المجيء بهذه الجملة؟ وهي للعموم لا للخصوص؟ الجواب: لأن هناك بعض الأوقات قد نُهي عن الصلاة فيها، فرفع ذلك الحظر، ورفع النهي عن الصلاة في تلك الأوقات من ساعات الليل والنهار، أي: لا تمنعوا أحداً في أي وقت من الأوقات، ولو بعد العصر أو بعد الصبح.
إذاً: مجيء هذه الجملة الأخيرة يستفاد منه أنه قد سبق النهي عن الصلاة في ساعات معينة، واستثنى منها صلاة ركعتي الطواف، وهذا الحديث من أوضح الأدلة على أن صلاة ما سوى ركعتي الطواف لا تجوز، وأما هذه فقد خرجت بنص مستقل، ولماذا؟ يقولون: لأن البيت يأتيه الناس في جميع الأوقات، وقد يأتي الرجل فيطوف ويذهب، وقد يأتي مع جماعة كذلك، فإذا منع الناس من الطواف والصلاة في أوقات معينة، فطاف بعضهم بعد العصر مثلاً وأرادوا أن يسافروا، فهل نحبسهم حتى تغرب الشمس وكل واحد منهم قد طاف ولم يبق عليه إلا الصلاة؟ لا.
إذاً: لجواز الطواف في أية ساعة من ليل أو نهار أبيح للطائف أن يصلي ركعتي الطواف في أي ساعة شاء من ليل أو نهار.
стр. 423
بيان معنى الشفق
[وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أن النبي ﷺ قال: (الشفق الحمرة) رواه الدارقطني، وصححه ابن خزيمة، وغيره وقفه على ابن عمر] .
هذا تفسير لحديث: (ووقت المغرب إذا غربت الشمس ما لم يغب الشفق) ، فما هو الشفق؟ اختلفوا في معنى الشفق لغة، فقيل: هو الحمرة الباقية إثر غروب الشمس، وقيل: هو بياض يكون بعد تلك الحمرة، فالجمهور على أن الشفق الحمرة، فإذا غاب الشفق دخل وقت صلاة العشاء، وقبل أن يغيب الشفق تصح صلاة المغرب أداء، والإمام أبو حنيفة ﵀ يقول: الشفق هو البياض الذي يكون بعد تلك الحمرة، ولذا ساق المؤلف هذا الحديث ليبين تعيين الشفق.
وهل هذا التفسير مرفوع إلى النبي ﷺ أو موقوف على ابن عمر؟ هذه المسألة موضع اجتهاد واختلاف نظر، ولا يقال فيها: إن كان موقوفاً فله حكم الرفع؛ لأنه ليس أمراً غيبياً، وليس أمراً غير حسي، بل هو حسي ولغوي، لكن ولو كان موقوفاً على ابن عمر رضي الله تعالى عنه، فإنه من أهل اللسان، وهو أعرف به من غيره، والله تعالى أعلم.
стр. 424
الفجر فجران
[وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (الفجر فجران: فجر يُحرم الطعام، وتحل فيه الصلاة، وفجر تحرم فيه الصلاة -أي صلاة الصبح- ويحل فيه الطعام) رواه ابن خزيمة والحاكم وصححاه] .
ساق المؤلف رحمه الله تعالى في باب المواقيت حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال: (الفجر فجران) ، وقد تقدم بيان وقت صلاة الصبح، وأنه حينما ينفجر النهار من الليل، وتقدم حكم من أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس.
وهنا يبيّن المؤلف حقيقة الفجر الذي بطلوعه يدخل وقت الصلاة، ولما كان الفجر كلمة مشتركة بين مسميين؛ بيّن النبي ﷺ كلاً منهما وحكمه، فقال: (الفجر فجران: فجر يحرم الطعام، ويحل الصلاة) أي: يحرم الطعام على الصائم، ويُحل الصلاة، أي: صلاة الصبح، (وفجر يحل الطعام ويحرم الصلاة) أي: صلاة فجر ذلك اليوم، بخلاف صلاة الليل أو الوتر أو نحو ذلك، وقد بيّن ﷺ الفرق بين الفجرين بعلامة حسية لكل منهما، فأما الفجر الذي يُحل الطعام، ولا يُحل الصلاة فإنه يذهب مستطيراً في الأفق كذنب السرحان، والسرحان هو الذئب، وهذا الفجر يأتي قبل نهاية الليل، ويكون كالعمود الأبيض ممتداً من الأرض إلى السماء.
وأما الفجر الثاني فبينه ﷺ بكونه مستطيلاً كجناحي الطير، وفي بعض الروايات أنه ﷺ وضع أصبعيه المسبحتين من اليمنى واليسرى بحذاء بعض ثم مد يديه يميناً ويساراً، والمسبحة هي التي تلي الإبهام، فقرن ﷺ بين أصبعيه ثم مد يديه، وهكذا يكون الفجر الذي تجوز فيه الصلاة، ويحرم فيه الطعام على الصائم، فهو يمتد في الأفق يميناً ويساراً، أما الأول فإنه يمتد من الأرض إلى السماء كالعمود، والفجر الأول يسميه الناس: الفجر الكاذب، ومعنى ذلك: أنه ليس فجراً حقيقاً يتوقف عليه الصوم والصلاة.
قال الفخر الرازي في تفسيره: إن هذا الفجر الأول من أعظم الدلائل على قدرة الله، فإنه إيجاد موجود بلا سبب، وذلك أن الفجر الثاني عندما ينتشر في الأفق إنما هو أثر من آثار اقتراب الشمس منا، فإذا اقتربت الشمس منا انفجر الضوء من الظلام، وهو المعبر عنه في آية الصوم بالخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، قال: فهذا الفجر الثاني مسبب عن سبب وهو ضوء الشمس، وكلما اقتربت الشمس منا كلما اشتد النور إلى أن تشرق الشمس على وجه الأرض، فالفجر الثاني مسبب عن سبب وهو الشمس، أما الفجر الأول فلا نعلم له سبباً! فهو موجود بإيجاد الله له بدون أي سبب، وبدون أن يتوقف على شيء ينشأ عنه.
ولو تأملنا لوجدنا أشياء عديدة أنشأها الله بلا سبب، مثل حور الجنة، يقول سبحانه: ﴿إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً﴾ [الواقعة:٣٥] ، فلم تكن لهن ولادة، ولم يكن هناك مبدأ آدم وحواء، ولكن الله سبحانه أنشأ الحور العين أكرمنا الله وإياكم بهن في الجنة.
وينشئ أيضاً الولدان، وكذلك غرس الجنة ونعيمها وثمارها وأنهارها دون أن تكون متسببة عن غيرها، فأنهار الدنيا متسببة عن أمطار، فماء المطر ينزل من السماء فيجري ودياناً وأنهاراً، وكذلك حليب الدنيا وعسل الدنيا وغير ذلك، أما حليب الجنة وماء الجنة وعسل الجنة وخمر الجنة؛ فكل هذه ينشئها الله سبحانه دون سبب، وقد علمنا بانعدام جزء السبب لا كامل السبب في بعض أمور الدنيا، فخلق الله آدم من تراب، فخلط هذا التراب بماء فصار منه بشراً سوياً، بلا أب ولا أم، ثم خلق منه حواء، فهي امرأة جاءت من أب بلا أم، وأما عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام فإنه رجل من امرأة بلا أب، وسائر البشر من أب وأم، وهي سنة الله في خلقه، قال الله: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء:١] .
إذاً: هذا الفجر الأول -كما أشار إليه هذا الإمام- آية وعلامة تحدث كل يوم، تدل على قدرة الله في إيجاد مسببات بلا أسباب، والذي يهمنا في الفقه أن هذا الفجر الأول لا يمنع الصائم من الطعام، ولا يُبيح للمصلي صلاة الصبح، ثم يأتي الفجر الثاني وهو على العكس من ذلك، يُحرم الطعام على الصائم، ويبيح الصلاة للمصلي، وبيّن ﷺ الفرق بينهما بأن الأول يمتد كذنب السرحان وهو الذئب، والثاني ينتشر في الأفق كجناحي الطير، والله تعالى أعلم.
[وللحاكم من حديث جابر نحوه، وزاد في الذي يُحرم الطعام: (إنه يذهب مستطيلاً في الأفق) ، وفي الآخر: (إنه كذنب السرحان) ] .
وهذا من البيان العملي لربط الأحكام بالمظاهر المعروفة للجميع، فصفة الفجر الأول أنه يذهب مستطيراً كذنب السرحان، وما أظن واحداً من العرب يجهل معنى السرحان، وصفة الفجر الثاني أنه يكون كجناحي الطير في الأفق، وذلك يكون في نهاية الليل وأول النهار.
стр. 425
أفضل الصلاة في أول وقتها
[وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (أفضل الصلاة في أول وقتها) رواه الترمذي والحاكم وصححاه، وأصله في الصحيحين] .
جاءت الرواية: (في أول وقتها) ، وجاءت رواية أخرى: (على وقتها) ، والفرق بينهما: أن (في) ظرف للأفضلية، فتكون أفضل الأعمال الصلاة في أول الوقت، وعلى الرواية الثانية: (على وقتها) تكون الفضيلة ممتدة على كامل الوقت، ولكن جمهور العلماء يقولون: على: حرف استعلاء، وتكون قد اشتملت على الوقت كله، فقوله: (على وقتها) يفسره: في وقتها.
стр. 426
توجيه إجابة النبي عن أفضل الأعمال بأجوبة مختلفة
يقول بعض العلماء: هذا الحديث فيه إشكال، وهو: كيف تكون الصلاة -وهي فرع عن الإيمان- أفضل الأعمال، وكان ينبغي أن يكون الإيمان أفضل الأعمال؛ لأنه الأساس؟ الجواب: لا حاجة إلى هذا الإشكال، فقد جاء الحديث الصريح أن رجلاً قال: (يا رسول الله! أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: إيمان بالله، قال: ثم ماذا؟ قال: الصلاة على أول وقتها) ، وسأله رجل آخر عن ذلك فقال ﷺ : (إيمان بالله، قيل: ثم ماذا؟ قال: بر الوالدين) ، وسأله آخر أيضاً فقال: (إيمان بالله، قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله) ، لكن يرى بعض العلماء أن في هذا شبه تعارض، فالسؤال واحد والجواب مختلف! ولكن أجاب ابن دقيق العيد وغيره عن هذا فقال: ليس هناك اختلاف، وليس هناك تعارض، بل هذا مراعاة لحال السائل وما يصلح له، فرأى رجلاً لا يستطيع أن يكابد الجهاد، فهو ضعيف البنية، فلما سأل عن أفضل الأعمال أرشده لما يصلح له، فقال: (إيمان بالله ثم الصلاة على وقتها) ؛ لأنه مهما كان ضعيفاً، فإنه لا يعجز أن يصلي الصلوات على أول وقتها.
ولما سأله الثاني وعرف أن له أبوين قال له: (إيمان بالله، ثم بر الوالدين) ، وليس المعنى: بر الوالدين مع ضياع الصلاة، فالصلاة كتاب موقوت، والصلاة أمرها معلوم من الدين بالضرورة، فالمعنى: أنه بعد الصلاة وبعد أداء الواجبات المفروضة فإن بر الوالدين من أفضل الأعمال، ولما رأى الثالث قوياً جلداً أرشده إلى أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله وهو الجهاد في سبيل الله؛ لأن حالته تناسب ذلك.
وقد جاء في بعض الأحاديث أن النبي ﷺ كان جالساً مع بعض أصحابه، فمر فتىً شاب قوي فقال رجل: (لو كان جلد هذا وشبابه في سبيل الله! فقال ﷺ : إن كان خرج يسعى ليعف نفسه فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على زوجه وعلى أهله وأبويه فهو في سبيل الله ... ) إلى آخر الحديث، والشاهد: أن الناس يرون الجهاد أنسب للأقوياء.
стр. 427
مراعاة حال المستفتي دون الخروج عن السنة
ومن هنا ينبغي على المفتي أن يراعي حالة المستفتي إذا سأله عن شيء عام، فينظر إلى حالته وما يناسبه، فإذا كان يناسبه الصلاة أرشده إليها، وإذا كان يناسبه الصيام أرشده إليه، إلى غير ذلك من الأعمال، ولكن لا ينبغي أن يخرج مراعاة لحال السائل عن حدود ما شرع الله، ويغير سنة رسول الله.
وقد ذكر في تاريخ الأندلس أن ملكاً وقع على جارية له في نهار رمضان، فاستفتى بعض العلماء فقال له: لا كفارة لك في هذا الوطء إلا أن تصوم شهرين متتابعين، فقال له زملاؤه من العلماء: لم أمرته بصيام شهرين؟ فإن الرسول ﷺ لما جاءه الرجل الذي قال: (هلكت وأهلكت! قال: وما أهلكك؟ قال: واقعت أهلي في نهار رمضان، فقال: أتجد رقبة تعتقها؟ قال: والله لا أملك إلا هذه، قال: أتستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: وهل وقعت فيما وقعت فيه إلا من الصيام! قال: هل تجد ما تطعم ستين مسكيناً؟ قال: والله! ما عندي ما أطعم أهلي، فقال: اجلس، فأتي بفرق من طعام فقال: أين السائل؟ خذ هذا فأطعمه أهلك) ، فالسنة -في كفارة من وطء في نهار رمضان- بدأت بعتق رقبة، ثم ثنت بصيام شهرين متتابعين، ثم ثلثت بإطعام ستين مسكيناً، وهذا المفتي لما سأله الملك قال: لا كفارة لك إلا صيام شهرين متتابعين.
فقالوا له: لماذا غايرت الترتيب الذي جاء في السنة؟ قال: هذا ملك، ولديه الكثير من الجواري والعبيد، فلو قلت له: أعتق رقبة، لكان يمكنه أن يجامع في كل يوم في نهار رمضان، ويعتق رقبة، فهو نظر إلى حالته، ووجد أنه لا يردعه إلا الصوم، لكن قالوا له: ليس هذا عليك، بل عليك أن تخبره بعتق رقبة، وهذا هو ما بينه رسول الله ﷺ في سنته، ولا يصح الاجتهاد المخالف للسنة.
ونقول أيضاً: إن الخير في السنة، فلو كان ملكاً وأمكنه أن يعتق عن كل جماع رقبتين أو أكثر، فإنه أفضل من أن يصوم؛ لأنه -كما يقول الأصوليون- الخير المتعدي خير من الخير اللازم لصاحبه، فإذا أعتق الملك أمة وصارت حرة، فإن كل من تنجبه سيكونون أحراراً، فهو إذا أعتقها فكأنما أوجدها من العدم إلى الوجود، أي من الرق إلى الحرية، فيصير لها أحكام الأحرار، وكذلك العبد، حتى أنه يصير صالحاً للقضاء، وصالحاً للجهاد، وصالحاً للقيادة، وصالحاً للإمارة والولاية، فيكون هناك خير كثير، وكذلك الأمة تنجب لنا أحراراً، فإذا أعتق ثلاثين جارية، فإنه حرر ثلاثين رقبة، أما لو صام عشرين شهراً فما الذي سيعود على الناس من صومه؟ لن يعود على الناس من صومه شيء.
إذاً: لا ينبغي في مراعاة حال السائل تجاوز ما سنه الله وشرعه وسنه رسول الله.
وظن المفتي أن في ذلك المصلحة خطأ، بل المصلحة كل المصلحة في اتباع ما سنه رسول الله ﷺ ، ولو كان الأمر كما قال هذا المجتهد، لقال: صوم شهرين متتابعين أو عتق رقبة، ولكنه لم يقل هذا، بل قال: (أتجد رقبة؟ قال: لا أملك إلا رقبتي!) .
إذاًَ: على المفتي أن يراعي حال المستفتي حينما يكون في الأمر سعة، ويكون هناك أنواع متعددة، فيرشده إلى ما يلائمه، وما يصلح مع حاله، كما سئل ﵊: أي الأعمال أفضل؟ فقال: (الصلاة في أول على وقتها) وفي الحديث الآخر أجاب إجابة أخرى، فالسؤال واحد، وتنوعت الإجابة، وليس في هذا خلاف، وليس فيه تعارض، ولكن فيه مراعاة حال السائل وما يصلح له.
стр. 428
فضل الصلاة في أول الوقت
نستفيد هذا الحديث: أن الصلاة في أول الوقت من أفضل الأعمال، والمؤلف أتى بهذا الحديث بعد بيان حديث: الفجرين، وتقدم حديث: (أصبحوا بالصبح فإنه أعظم لأجوركم) ، وبه أخذ الأحناف.
وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان نساء الأنصار يشهدن صلاة الفجر مع رسول الله متلفعات، ثم ينصرفن من الصلاة وما يعرفهن أحد من الغلس) فهذا يدل على أنه ﷺ كان يبكر بصلاة الصبح، وقوله: (أصبحوا بالصبح) ، فعله مرة واحدة وتركه، وكان ﷺ يداوم على صلاة الصبح في أول وقتها، وقد ذكرنا أن أفضل صلاة الصبح إنما هو في أول وقتها، وجاء في الحديث: (إنه كان ينفتل من صلاة الصبح حين يعرف الرجل جليسه، وكان يقرأ بالستين إلى المائة) ، ولذا جمع بعض العلماء بين النصوص: بأنه كان يغلس بالصبح، ويطيل فيها القراءة، ولا يخرج منها إلا وقت الإسفار، وقد تقدم هذا المبحث.
وجاء المؤلف بهذا الحديث هنا، بعد حديث: (الفجر فجران) ليبين أن أفضل صلاة الصبح في أول وقتها، والحديث عام في جميع الأوقات.
стр. 429
استثناء صلاة العشاء وصلاة الظهر وقت الحر من أفضلية أول الوقت
ولا ننسى أن تأخير صلاة الظهر في شدة الحر، وصلاة العشاء أفضل، كما جاء في الحديث: (إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم) ، فالأفضل في الظهر عند شدة الحر تأخيرها عن أول وقتها، وذلك للذين يأتون من بعيد، ولا يجدون فيئاً يستظلون به إلى المسجد، وكذلك العشاء يستحب أن تؤخر، فإنه ﷺ أخر العشاء ليلة إلى ثلث الليل، ثم خرج، وقد كانت رءوسهم تخفق فقال: (ما على وجه الأرض غيركم ينتظر هذه الصلاة، وإنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي) ، فأخر العشاء إلى ثلث الليل، وقال: (إنه لوقتها) وكان يحب ذلك، ولكن كان يُعجل بها حتى لا يشق على المصلين، وقد كان ﷺ يدخل في الصلاة وفي نيته الإطالة ثم يخفف عندما يسمع بكاء الأطفال رحمة بقلوب الأمهات.
وعلى هذا؛ فهذا الحديث عام، ولكن يخص منه ما جاءت النصوص بفضل تأخيرها عن أول وقتها، وهي صلاة الظهر إذا اشتد الحر، وصلاة العشاء لمن لم يشق عليه ذلك، والله تعالى أعلم.
стр. 430
تفضيل أول وقت الصلاة وأوسطه على آخره
قال المؤلف: [وعن أبي محذورة أن النبي ﷺ قال: (أول الوقت رضوان الله، وأوسطه رحمة الله، وآخره عفو الله) أخرجه الدارقطني بسند ضعيف جداً، وللترمذي من حديث ابن عمر نحوه، دون الأوسط، وهو ضعيف أيضاً] .
أبو محذورة هو مؤذن رسول الله ﷺ بمكة، وفي جعله مؤذناً قصة، وهي أنه لما رجع النبي ﷺ من حنين واقترب من مكة نزل منزلاً، فخرج الصبيان من مكة لينظروا رسول الله ﷺ ، وفي ذلك المنزل أذن مؤذن رسول الله للصلاة، فقام الصبيان يحاكون المؤذن، كما هي عادة الصبيان في تقليد الكبار أو في محاورتهم، فسمعهم رسول الله ﷺ فأعجبه أذان أبي محذورة، فقد كان متميزاً عن أذان الصبيان، فناداه، فلما جاء ذكر له الأذان، فقال: (اذهب فأنت مؤذن أهل مكة) ، ومن هنا نأخذ أن الغلام المميز يصح أذانه؛ لأن الرسول ﷺ نصب هذا وهو غلام يحاكي أذان الكبار، وقد أعجبه صوته، وفيه أيضاً أن نتخير للأذان من كان حسن الصوت دونما تغنج، ودونما تكسر، حتى لا يخرج بأذانه عن اللائق بهذا الشعار العظيم.
يقول رضي الله تعالى عنه: إن النبي ﷺ قال: (أول الوقت رضوان الله، وأوسط الوقت رحمة الله، وآخر الوقت عفو الله) ، وبصرف النظر عن ضعف السند، يقول العلماء: الفرق بين رضوان الله ورحمة الله وعفو الله: أن الرضوان أعلى الدرجات، كما قال الله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة:١١٩] ، والرحمة هي: سعة فضل من الله على العبد، والعفو لا يكون إلا عن تقصير، فكأن الصلاة آخر الوقت لا تكون إلا من مقصر، سواء كان هذا التقصير عن عذر فيعفى، أو كان عن إهمال أو عن انشغال فلا يعفى عن تقصيره، ولكنه يستحق العفو، فليسأل الله العفو، والحديث سنده ضعيف جداً، ولكن نقول: إنه في فضائل الأعمال، ولا يترتب عليه حلال وحرام، وإنما يبين فضيلة أول الوقت وأوسط الوقت على آخره، والله تعالى أعلم.
стр. 431
حكم صلاة التطوع بعد طلوع الفجر
قال المؤلف: [وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ قال: (لا صلاة بعد الفجر إلا سجدتين) أخرجه الخمسة إلا النسائي، وفي رواية عبد الرزاق: (لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر) ، ومثله للدارقطني عن عمرو بن العاص ﵁] .
هذا بيان وقت من الأوقات المنهي عن الصلاة فيها، وتقدم أنها سبعة أوقات، وهذا الوقت من بعد طلوع الفجر حتى صلاة الصبح، ويستثنى من ذلك ركعتان، وما هما الركعتان؟ بينت الرواية الأخرى أنهما سنة الصبح، فإذا طلع الفجر وأذن المؤذن وانتظر الناس الإقامة؛ فما بين الأذان وإقامة الصلاة للصبح لا يجوز التنفل، لكن يجوز ركعتان فقط وهما ركعتا الفجر، أي: سنة الصبح، وما عدا ذلك لا يجوز، اللهم إلا ما جاء في حق من نام عن الصلاة أو نسيها فإنه يصليها حين يذكرها.
وجاء عن كثير من العلماء ومنهم علي رضي الله تعالى عنه أن هذا الوقت يجوز فيه صلاة الوتر لمن نام عن الوتر واستيقظ في ذلك الوقت، ولم يكن قد أوتر، فله أن يوتر بعد طلوع الفجر قبل أن يصلي ركعتي الصبح ثم يصلي سنة الصبح، ثم يصلي الفريضة، فقد جاء عنه أنه خرج يوماً لصلاة الصبح فأراد المؤذن أن يقيم الصلاة، فأشار إليه أن اصبر حتى أوتر.
وجاء عن مالك ﵀ أنه سئل عن صلاة الوتر في ذلك الوقت، فقال: لا بأس، لكن أكره أن يتعمد ذلك؛ لأن في بعض الروايات: (إذا طلع الفجر فلا وتر) .
وعند الأحناف أن الوتر واجب، وهم يفرقون بين الواجب والفرض، فالفرض ما ثبت بنص قطعي من كتاب أو سنة متواترة، والواجب ما ثبت بغير ذلك، فهم يرون أن الوتر واجب، وأنه يقضى ولو بعد طلوع الشمس، وبعضهم يقول: إلى ما قبل الزوال، أي: لا يترك أبداً؛ لأن صلاة الوتر جاءت فيها نصوص شديدة، مثل حديث: (من لم يوتر فليس منا) ، وحديث: (أوتروا يا أهل القرآن! فمن لم يوتر فليس منا) إلى غير ذلك.
إذاً: هذا الوقت من طلوع الفجر إلى صلاة الصبح لا صلاة نافلة فيه، اللهم إلا قضاء الصلاة الفائتة أو ركعتي الفجر أو الوتر لمن لم يكن أوتر إذا نام عن الوتر واستيقظ في ذلك الوقت.
стр. 432
حكم الصلاة بعد العصر
قال المؤلف ﵀: [وعن أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: (صلى رسول الله ﷺ العصر، ثم دخل بيتي فصلى ركعتين، فسألته، فقال: شغلت عن ركعتين بعد الظهر فصليتهما الآن، فقلت: أفنقضيهما إذا فاتتا؟ قال: لا) أخرجه أحمد، ولـ أبي داود عن عائشة رضي الله تعالى عنها بمعناه] .
تقدم أنه ﷺ قال: (لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس) ، وقد علم الجميع ذلك، ثم رأت أم سلمة الحكيمة رضي الله تعالى عنها من النبي ﵊ خلاف ذلك.
وأنا أسميها: الحكيمة لمواقف عديدة صدرت منها، فالنبي ﵊ دخل عليها بعد العصر فإذا به يصلي! وهي تعلم منه أنه (لا صلاة بعد العصر) ، فحملت ذلك منه على النسيان، فقالت لجارية عندها: قومي بجوار رسول الله ﷺ ، وقولي له: كنت تنهى عن الصلاة بعد العصر، وها أنت تصلي بعد العصر، قالت: ثم تأخري عنه، يعني: ذكريه إن كان ناسياً، فاستمر ﷺ في صلاته، ولما صلى الركعتين انقلب إليها يعلمها، فقال: (هاتان ركعتان كنت أصليهما بعد الظهر) ، ونحن نعلم أن للظهر سنة: ركعتين قبلها، وركعتين بعدها، أو أربعاً قبلها أو أربعاً بعدها.
قال: (هاتان ركعتان كنت أصليهما بعد الظهر، فجاءني وفد عبد القيس بأموالهم -وفي رواية:- بإيمانهم، فشغلت بهم عنهما، فها أنا أصليهما) ، فبين ﷺ سبب صلاته هاتين الركعتين بعد العصر، ففهمت أم المؤمنين أنه قضاهما؛ لأن سنة الظهر ينتهي وقتها بصلاة العصر؛ لأنها صلاة مرتبطة بالظهر، والسنن الرواتب مرتبطة بفريضتها، فأدركت أنه يقضيهما وليستا أداء، ولهذا قالت: أفنقضيهما إذا فاتتا؟ تعني: إذا فاتتا علينا نحن أيضاً، بأن انشغلنا عنهما، فهل نقضيهما أيضاً بعد العصر؟ فكان جوابه ﷺ أنه قال: (لا) ، ثم إنه داوم على هاتين الركعتين بعد العصر؛ فيقول الجمهور: من القواعد الأصولية أنه صلوات الله وسلامه عليه إذا أمر بشيء ولم يفعله فهذا من خصوصياته، أو نهى عن شيء وفعله فهو من خصوصياته، مثاله لما جاء أبو أيوب بطعام فيه من البقول، فأمرهم ﵊ بأكلها ولم يأكل هو منها، فعدم أكله منها وهي مطبوخة من خصوصياته، ولذا قال عمر رضي الله تعالى عنه: أميتوها طبخاً، يعني: تلك البقول التي تجعل في الطعام من بصل ومن ثوم ومن كراث ونحو ذلك، الشاهد أنه أمرهم أن يأكلوها، وامتنع هو، فكان امتناعه منها خاصاً به.
وكذلك هنا نهى عن الصلاة بعد العصر وصلّاها، فكانت صلاته لها وقد نهى الناس عنها من خصوصياته، لكن قال بعض العلماء: صلاة النبي ﵊ ركعتين كل يوم بعد العصر مع المداومة عليها مشكل، وليس هناك موجب للقضاء، وليس هناك ما يشرعها من جديد، فأجاب بعض العلماء بأنه كان ﷺ إذا بدأ عملاً داوم عليه ولا يقطعه.
ومن أمثلة ما نهى عنه وكان يفعله لأنه من خصوصياته: الوصال في الصوم، فإنه نهى عن الوصال وواصل، فكان الوصال من خصائصه، ولذا عندما ألحوا عليه في وصالهم مثله، قال: (لست كأحدكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني) ، ولا ينبغي الخوض بالعقل في هذا، والتساؤل ماذا كان يطعمه؟ وماذا كان يسقيه؟ وإذا أطعمه وسقاه فهل يكون ذلك وصال مع أنه يأكل ويشرب مما يطعمه ربنا ويسقيه أم ليس هناك وصال؟ نقول: لا، فالشهداء عند ربهم يرزقون، ونحن لا ندري كيف يرزقون، وماذا يرزقون، فكذلك ﷺ يعطيه ربه قوة الطاعم والشارب، فيعطيه قوة، ويعطيه عوناً، ويعطيه ما شاء، وهذا لا دخل لنا فيه، قال: (أبيت يطعمني ربي ويسقيني) ، فنقول: نعم، كما قال ﷺ .
إذاً: كان رسول الله ﷺ يصلي هاتين الركعتين بعد العصر، وجاء عن زيد بن خالد أنه صلى بعد العصر ركعتين فرآه عمر، فضربه بالدرة وهو يصلي، فلما انتهى من صلاته، قال له: اضرب يا أمير المؤمنين! فهما ركعتان أصليهما ولن أتركهما، فقال: يا زيد! ما ضربتك عليهما إلا أني خشيت أن يصلي الناس بعد العصر فيتمادوا في صلاتهم حتى غروب الشمس، وقد نهى ﷺ عن الصلاة عند غروب الشمس، فـ عمر كان يضرب من يصلي بعد العصر.
وابن عمر كان يروي حديثاً: (لا تحروا بصلاتكم غروب الشمس) ، فـ ابن عمر كان يرى جواز الصلاة ما لم تصفر الشمس، وعمر كان يضرب الناس على الصلاة من أول الوقت سداً للذريعة، أي: مخافة أن يصلي هذا في أول الوقت، ثم يأتي الثاني وينظر إليه فيصلي، ويأتي الثالث بعده فيصلي، وهكذا يتوالى الناس بالصلاة بعد العصر مباشرة والشمس بيضاء، ثم تمتد صلاة الناس إلى غروب الشمس، وكل واحد يتابع الذي قبله، فـ عمر منع من ذلك سداً للذريعة.
إذاً: يهمنا من هذا الحديث أنه لا صلاة بعد العصر كما تقدم البحث فيه، وصلاة النبي ﷺ الركعتين بعد العصر اعتبرها العلماء من خصوصياته ﷺ .
стр. 433
كتاب الصلاة - باب الأذان [١]
الأذان من شعائر الإسلام العظام، فقد تضمن إعلان أصول الإسلام، ففيه تكبير الله وتعظيمه، والشهادة له بالوحدانية، ولنبيه بالرسالة، وفيه الدعوة إلى عمود الإسلام وهو الصلاة، والترغيب فيها، وهذه الشعيرة العظيمة لها أحكام وآداب ينبغي العلم بها.
стр. 434
مشروعية الأذان
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: قال المصنف ﵀: [باب الأذان: عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه قال: (طاف بي وأنا نائم رجل فقال: تقول: الله أكبر، الله أكبر، فذكر الأذان -بتربيع التكبير من غير ترجيع، والإقامة فرادى، إلا قد قامت الصلاة- قال: فلما أصبحت أتيت رسول الله ﷺ فقال: إنها لرؤيا حق ... ) الحديث، أخرجه أحمد وأبو داود، وصححه الترمذي وابن خزيمة] .
لاحظوا ترتيب المصنف في التبويب، فإنه بعدما أنهى أحاديث توقيت الصلوات الخمس، جاء بباب الأذان، فكأنه يقول: إذا دخل الوقت جاء الأذان، وإذا أذن جاءت الإقامة، وإذا أقام جاءت الصلاة، وهذه صفتها وكيفيتها.
والأذان لغة: الإعلام، وكل كلمة وجدت فيها: الهمزة والذال والنون فاعلم أنها من مادة الأُذن، وفقه اللغة يقول: إن أصل وضع اللغة للمحسوس ثم يتفرع عنه إلى المعنوي، فالأُذن هي مادة أذن، وكلما سمعت بكلمة مركبة من هذه الحروف فاعلم بأن فيها إعلام.
تقول: الآذن والمأذون، الآذن هو الذي يُلقي في أذن المستأذن الإذن بالدخول، وتقول: هذا مأذون وهذا آذن، أذنت لك في كذا، آذني في كذا، وقال الشاعر: (آذنتنا ببينها أسماء) .
يعني: أعلمتنا وأنذرتنا، وهكذا أصل مادة الأذان من الأُذن؛ لأن المتكلم يلقي في أذن السامع ما يريد أن يلقيه، فكان الأذان إعلاماً، وهو في الشرع: إعلامٌ مخصوص بلفظ معين في وقت معين.
وشرع الأذان بعد مجيء النبي ﷺ إلى المدينة، وكانوا في بادئ ذي بدء يعلم بعضهم بعضاً بالوقت، فإذا مر إنسان على بيت آخر قال له: جاء الوقت، وهكذا يمر بعضهم على بعض، فيُعلم بعضهم بعضاً بدخول الوقت حتى يجتمعوا إلى المسجد، فإذا دخل الوقت يصلون.
ثم اجتمعوا وتشاوروا ليروا وسيلة مناسبة ليعلموا بها دخول الوقت، فقال بعضهم: (نتخذ ناقوساً، فقال ﷺ : الناقوس للنصارى، وقال بعضهم: ننفخ بوقاً، فقال ﷺ : البوق لليهود، وقال بعضهم: نوقد ناراً، فقال ﷺ : النار للمجوس) ، وإيقاد النار إعلام سريع، فهو مثل البريد أو المواصلات، وكان يمكن أن يصل الخبر من الحجاز إلى العراق عن طريق النار في ربع ساعة، وقد كان الناس في الحالات الخطيرة الهامة، إذا كانوا ينتظرون جيشاً مغيراً أو ينتظرون قدوم أمر خطير؛ يجعلون المنارات على رءوس الجبال، وفيها موضع يوقد فيه النار، وتعلمون مدى سرعة الضوء، فسرعة الضوء أسرع من سرعة الصوت، فإذا وصل الخبر المدينة أشعل صاحب المدينة النار في منارته، وهكذا الذي يليه، وليكن بينهما -مثلاً- مائتا كيلو، فإذا رأى النار فإنه حالاً حينما يرى ضوء النار من المدينة يشعل النار عنده، وحينما يشعل النار عنده يرى الآخر ضوءها ولو من بعد مائتا كيلو أو أكثر من ذلك فيشعلها، وهكذا حتى يصل الخبر بإشعال النار إلى بغداد مثلاً، وذلك قد يكون في نصف ساعة، وهذا أسرع من الطائرة، وأسرع من الصاروخ.
المهم أنهم عرضوا وسائل الإعلام، وكلها أعرض عنها رسول الله ﷺ ؛ لأنها مشهورة عند كافرين، ونحن قد أُمرنا أن نخالفهم، لا أن نسير في ركابهم، بل لا نشابههم في شيء، فانصرفوا ولم يتفقوا على شيء، فجاء عبد الله بن زيد إلى النبي ﷺ وقال: (يا رسول الله! رأيت فيما يرى النائم، ولم أكن بنائم) أي: هو في حالة بين كونه نائماً وغير نائم، وهذه حالة قد تعرض لبعض الأشخاص، فيرى بعض الأشياء وهو في أوائل النوم، ولم يتمكن النوم منه، ولم يكن مستقيظاً تمام الاستيقاظ، بل يكون في حالة بين بين، قال: (رأيت فيما يرى النائم، ولست بنائم، رجلاً عليه بردين أخضرين يحمل ناقوساً، فقلت: هل تبيع لنا هذا الناقوس؟ قال: وماذا تفعلون به؟ قلت: نعلم به للصلاة قال: ألا أدلك على غير ذلك؟ قال: بلى، فألقى عليه الأذان -كما هو معروف الآن- ثم تنحى قليلاً وقال: ثم تقولون -وألقى عليه ألفاظ الإقامة-، فجاء عبد الله بن زيد إلى الرسول فأخبره بذلك، فلما سمع ذلك رسول الله ﷺ قال: إنها لرؤيا حق، قم فألقه على بلال فإنه أندى صوتاً منك) ، فالذي رأى الرؤيا، وشرع الأذان على يده لم يباشره، ولكن باشره من هو أولى منه.
ومن هنا نأخذ أن تعيين المسئوليات يكون بحسب من يصلح لها، لا بحسب مراعاة شخص أو مناسبة أخرى، فهذا الذي رأى الرؤيا بالأذان ألقاه على بلال، وقام بلال ورفع الصوت به، فلما سمع عمر رضي الله تعالى عنه تلك الألفاظ جاء يجر رداءه وقال: (يا رسول الله! والذي بعثك بالحق! لقد رأيت مثل ما أسمع الآن فيما يرى النائم) ، وهكذا شرع الأذان برؤيا منام، وجاء على يدي بعض أصحاب رسول الله ﷺ .
وهنا نجعل الفقه في جانب، وننظر إلى هذا الواقع، رسول الله ﷺ يتلقى وحي الله في كل صغيرة وكبيرة، وهذا الأذان -وهو أعظم شعار في العالم الإسلامي- يشرع بهذه الطريقة، فلم يوح به على النبي ﷺ ، ولم يأته جبريل ﵇ ويعلمه الأذان مباشرة أمام الناس كما جاءه وقال: أخبرني عن الإسلام؟ أخبرني عن الإيمان؟ أخبرني عن الإحسان؟ أخبرني عن الساعة؟ وكل ذلك يجيبه رسول الله ﷺ ، ما عدا أمر الساعة، ثم ولى، فقال: (أعيدوه، فلم يدركوه، فقال: هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمور دينكم) ، ونظير ذلك عند مقدمه ﷺ من الهجرة، عندما هاجر من مكة إلى المدينة، فكان رسول الله يأتيه الوحي، لكن عندما تلقاه الناس وشيعوه من قباء إلى المدينة، كل منهم يقول: هلم عندنا يا رسول الله! كان يقول: (دعوها فإنها مأمورة) -أي: الناقة التي يركبها- فكان يوحى إليه في الصغيرة والكبيرة ولكن هنا يقول عن ناقة عجماء: (إنها مأمورة) ولماذا هذا؟ لاشك أنه لحكمة عظيمة، أما موضوع الأذان فنقول -والله تعالى أعلم-: لقد جاء الأذان بإكرام رسول الله ﷺ ، حيث جعلت الشهادة برسالته قرينة بشهادة لا إله إلا الله، حيث يقول المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله، مرتين، ثم يقول: أشهد أن محمداً رسول الله، مرتين، فلما كان في الأذان تعظيم وتكريم للرسول ﷺ باقتران اسمه مع اسم رب العالمين، وكان ذلك حظ لرسول الله ﷺ ، فإذا شرع بواسطة أحد الناس وأفرادهم، فإنه يكون قاطعاً لألسنة أولئك المتربصين الذين يرمون سهام التشكيك في ضعاف الناس، فلو شرع على لسان النبي لقالوا: إن محمداً هو الذي جاء باسمه مع اسم الله، ولكن لما جاء بواسطة شخصين غير رسول الله ﷺ ؛ فلا يستطيع إنسان -مهما بلغ به التشكيك، ومهما بلغ به الحقد على الإسلام- أن يطعن في رسول الله بذلك، بل أتى به من أتى، ثم هو قرر أنها رؤيا حق، فتشريع الأذان ليس برؤيا من حيث هي، ولكن بتقريره ﷺ أن تلك الرؤيا حق، أي: أن ألفاظ الأذان حق.
فيكون مشروعاً، والسبب تلك الرؤيا، ثم التثبيت والتقرير منه ﷺ .
стр. 435
حكم الأذان قبل دخول الوقت
قال المصنف ﵀ [وعن ابن عمر ﵄: (أن بلالاً أذن قبل الفجر فأمره النبي ﷺ أن يرجع فينادي: ألا إن العبد نام) رواه أبو داود وضعفه] .
هذا الحديث مما احتج به الإمام أبو حنيفة على أنه لا يجوز أذانٌ قبل الوقت، وبلال رضي الله تعالى عنه أذن، وكان هو المؤذن للصلاة، فإذا بأذانه وقع قبل تحقق طلوع الفجر، فأمره النبي ﷺ أن يرجع إلى حيث أذن وينادي بصوت مرتفع: (ألا إن العبد قد نام) ، وهذه صفة العبودية لله وحده؛ لأن بلالاً قد أعتق؛ لأن أبا بكر ﵁ اشتراه وهو في مكة وأعتقه، فهو عتيق لـ أبي بكر ﵁ قبل أن يهاجر رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.
(ألا إن العبد قد نام) ، وإذا كان قد نام فيكون قد غفل عن تعيين الوقت، والأذان في الوقت بدقة، فرجع ليعلم الناس بهذا؛ لأن أذانه سيغر من يصلي في البيوت، ومن يريد الصيام عن الطعام، فلما يعلموا بأنه قد نام، وأن الأذان الأول جاء في غير وقته؛ يستطيع الصائم أن يأكل، ويعيد الذي صلى صلاته؛ لأنها وقعت قبل الوقت.
فالإمام أبو حنيفة ﵀ يقول: هذا بلال أذن قبل الوقت، وأمره النبي ﷺ بأن يعلم عن نفسه بأنه قد نام.
إذاً: بلال ما كان يؤذن إلا في الوقت، ولكن السنة أثبتت أن بلالاً كان يؤذن قبل الوقت، والذي يؤذن في الوقت إنما هو ابن أم مكتوم.
стр. 436
اختلاف العلماء في الأذان للجمعة قبل الزوال
أخذ الجمهور من هذا الحديث: أنه لا يجوز الأذان للصلاة إعلاماً بدخول الوقت قبل أن يدخل الوقت، وهذا في جميع الأوقات الخمسة ما عدا الجمعة، فإنهم اختلفوا في جواز الأذان لها قبل دخول الوقت، فالأئمة الثلاثة يقولون: لا يؤذن للجمعة إلا بعد دخول وقت صلاة الظهر، وهو: زوال الشمس عن كبد السماء، ومالك ﵀ يذكر في الموطأ: أن جعفراً كان له طنفسة عند جدار المسجد الغربي، فإذا غطاه الظل أذّن المؤذن وبدأ في صلاة الجمعة، ومعلوم أن الظل أو الفيء لا يكون إلى جهة المشرق إلا بعد زوال الشمس عن كبد السماء إلى جهة الغرب؛ لأن الظل عكس الشمس، إذا كانت الشمس في المشرق فالظل يكون إلى المغرب، وإذا كانت في المغرب فالظل يكون إلى المشرق، فنص مالك ﵀: أنه لا يجوز النداء للجمعة إلا كما يجوز للظهر، وهذا ما عليه المذاهب الثلاثة.
أما الإمام أحمد ﵀ فإنه يجوّز صلاة الجمعة قبل الزوال، ولهذا يجيز الأذان لها قبل ذلك، ويقول: الجمعة عيد، وتصح صلاة العيد إذا ارتفعت الشمس وقت الضحى إلى قبل الزوال، فالأمر عند أحمد متسع، ولكن المنصوص عن أحمد: أن المستحب ألا تكون الجمعة إلا بعد الزوال.
إذاً: مذهب أحمد جواز إيقاع صلاة الجمعة قبل الزوال، ولكن المستحب عنده ألا تكون إلا بعد الزوال، وبهذا يتفق مع الجمهور، والله تعالى أعلم.
стр. 437
مشروعية القول مثل ما يقول المؤذن
قال المصنف ﵀: [وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن) متفق عليه] .
هذا الحديث -يا إخوان- يستوجب وقفة طويلاً؛ وذلك لهذه السنة النبوية الشريفة: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول) ، والمثلية هنا ليست في الهيئة والكيف، ولكن في اللفظ فقط؛ لأن المؤذن يقول بصوت مرتفع ليسمع الآخرين، ولكن نحن إذا كنا في المسجد أو في الطريق أو في البيت أو في أي مكان إنما نحكي قول المؤذن لأنفسنا لا للغير؛ لأننا لا ننادي أحداً يأتي إلينا، وهذا ملفت للنظر! أنا أسمع المؤذن وأعي ما قال، فإذا قال: الله أكبر، أدركت معنى ذلك، وإذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله، أدركت كذلك، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، كل هذه معانٍ أنا أدركها، فلماذا أقول بلساني وأسمع نفسي أو من بجواري هذا القول؟ نتأمل ذلك من جانبين: الجانب الأول: معاني الأذان، نجد الأذان قد جمع قواعد التوحيد وأصوله، ونظير ذلك التلبية في الحج، فالتلبية إعلان برفع الصوت، وهي شعار الحج، والأذان نداء برفع الصوت وهو شعار الإسلام، وإذا أخذت اللفظ الأول: (الله أكبر الله أكبر) فإنك تستشعر عظمة الله، وأنه أكبر من كل كبير، ما قال: الله كبير، بل أكبر -أفعل التفضيل- كل ما كبر في نظرك أو في اعتقادك أو في حسبانك فالله أكبر من ذلك.
وتأتي بالشهادتين تجدد العهد مع الله أنك تشهد أن لا إله إلا الله، وتجدد العهد بأنك تشهد أن محمداً رسول الله، وهما شهادتان يجزئ التلفظ بهما في العمر مرة واحدة، فيدخل الإنسان بهما الإسلام، ولكن تجديدهما أفضل الذكر وأقرب القربات إلى الله .
فإذا سمعت (حي على الصلاة) فهو نداء يناديك باسم الله الأكبر، و (حي) بمعنى: أقبل على الصلاة التي هي عماد دينك، وهي حصن لك، تنهى عن الفحشاء والمنكر، وتعين على نوائب الحياة ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:٤٥] .
و (حي على الفلاح) تشعرك بفلاحك في الدنيا والآخرة، و (الله أكبر) حتى لا يشغلك عنها شيء، (لا إله إلا الله) .
فإذا تأملنا معاني هذه الألفاظ تحتم على السامع أن يقولها بلسانه ويسمع نفسه، لتكون عملياً تطرق القلب، وتملأ السمع، فيكون في حالة الأذان متوجهاً إلى الله سبحانه.
الجانب الثاني: المؤذن يؤذن وأنت في شغل، ففي الفجر وأنت في نوم، وفي الظهر وأنت في القيلولة، وفي العصر وأنت في العمل، وفي المغرب وأنت في عملٍ أو على طعام، وكذا في العشاء، فكل أوقات النداء أوقات شغلٍ، فإذا سمعت (الله أكبر) وكنت في نومك أو في عملك عرفت أن الله أكبر، ويجب أن تقوم وتنهض وتجيب حي على الصلاة، حي على الفلاح، فإذا كنت في عملك في النهار مشتغل في متجرك، أو مشتغل في مصنعك، أو مشتغل في عمل بيتك، مهما عظم هذا العمل، وتسمع (الله أكبر) ؛ علمت بأن الله أكبر مما في يدك، ومما يشغلك عن أداء الصلاة، فمن أجاب هذا النداء تهيأ له.
وتوقيت الصلوات مرتبط مع تلك الحركة الكونية للشمس، وهذا الضوء الذي ينفجر من ظلام الليل آية من آيات الله، ثم إذا بالشمس تدور حتى تصل إلى كبد السماء، ثم تتحول إلى الغروب، ثم تتضيف إلى الغروب، ثم هي تغرب من هذا الكون عن هذا الجهة وتمضي في سبيلها، حركات يتغير من أجلها الكون بأسره! وإذا تأمل الإنسان هذا، وكان خالي الذهن، وجلس في عراء من الأرض، وعند نهاية الليل وعند إقبال النهار، يتأمل في هذا الكون ليل يمضي، وفجر يأتي، وحركة لا يقدر عليها إلا القوي المتعال، فيستدل بتفكره في هذه الحركة الكونية على عظمة الله وقدرة الله، فإذا سمع المؤذن يقول: الله أكبر، فكأنه يقول له: إن الذي يأتي بهذه الحركة، ويغير مجرى الزمن، ويغير أوضاع الكون هو الله، فيمتلأ قلبه إيماناً بالله.
وهكذا تتعلق أوقات الصلوات الخمس بتغير أحوال الزمن وبمسيرة الشمس، وكل حركة في ذلك تنادي بأن الله أكبر.
إذاً: الأذان ليس مجرد كلمات تطرق السمع، ولكنها معانٍ جليلة، تعلقت بأحداث كونية عجيبة، ولهذا جاءت السنة النبوية بأن تصغي إليه، وتردده، فإذا كنت تعمل بيدك وأذنك مع المؤذن ولسانك يحكي قوله فما يفرغ المؤذن من أذانه حتى تكون قد استخلصت نفسك مما أنت فيه، وجمعت شعورك وإحساسك إلى معاني هذا النداء، فتنفض يدك مما أنت فيه، وتذهب وتتوضأ وتأتي إلى بيت الله لأداء الصلاة.
فقوله: (إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول) ، ليست المسألة بالعبارات، وليست المسألة ذكر كلمات، ولكن لتعيش بوجدانك وروحانيتك وإحساسك وشعورك مع هذا النشيد الأعلى: الله أكبر، لا إله إلا الله.
стр. 438
ترديد الأذان لمن سمع مؤذنين في وقت واحد
وهنا مباحث فقهية: إذا كنت تسمع أذاناً واحداً فإنك تقول مثل ما يقول وتخرج من العهدة، وإذا كان هناك أذانان، سواءً في مسجد واحد يأذنان معاً أو متواليين أو في عدة مساجد وتسمع أذان كل مسجد عقب الأخر هل تكتفي بإجابة المؤذن الأول فقط أو تردد مع كل مؤذن الأذان كل ما سمعت ذلك؟ يوجد قاعدة أصولية: إذا تعدد السبب هل يأتي المسبب أم لا؟ هناك حالتان: - حالة يتعين فيها الإتيان بالمسبب في كل مرة.
- وحالة يجزئ فيها مرةً واحده.
فمثلاً: قوله ﷺ : (آمين، آمين، آمين) حينما صعد المنبر، فقالها ثلاث مرات في ثلاث درجات، وسئل عن ذلك فكان مما قال: (أتاني جبريل ﵇ فقال: رغم أنف امرئ ذكرت عنده ولم يصل عليك، قل: آمين) ، فقالوا: إن تكرار الصلاة على النبي ﷺ عند سماع ذكره متعين، فهذا متعدد السبب، ويتعين إيجاد المسبب عند وجوده، فكلما سمعت ذكره صلوات الله وسلامه عليه تعين عليك أن تصلي وتسلم عليه.
وهناك من الأمور ما يتعدد ويتكرر ويجزئ عنها شيء واحد مرة واحدة، كما في نواقض الوضوء، لو أن إنساناً كان على وضوء ثم أحدث ما ينقض الوضوء ثم أحدث حدثاً آخر ثم أحدث حدثاً آخر، فإنه يجزئ عن ذلك كله وضوء واحد؛ لأن الأحداث لا تجدد الحدث عند الإنسان، الحدث هو واحد وإن تعددت أسبابه، فيكفي لرفعه وضوء واحد، وكذلك الغسل إذا لم يغتسل للحدث الأول ولا للثاني فإنه يجزئ عنه غسل واحد.
فهل الأمر يقتضي تكرار المأمور به أم لا؟ فهنا قال: (إذا سمعتم فقولوا) ، قد سمعنا الأول وقلنا مثله، فهل نقول مثل المؤذن الثاني بالأمر الأول؟ أكثر العلماء أنه كلما سمعت مؤذناً يؤذن فعليك أن تقول كما يقول، وهناك من يقول: تكفي المرة الأولى، ولكن الأول أصح.
стр. 439
حكم ترديد الأذان أثناء الصلاة
وهل تقول كما يقول المؤذن وأنت في صلاة؟ بعض العلماء يقول: نعم؛ لأن الأذان كله ذكر لله، وأنت في الصلاة تذكر الله ، وعند (حي على الصلاة) تقول: (لا حول ولا قوة إلا بالله) ، وهناك من يعارض إذا كنت في صلاة وسمعت المؤذن.
والبعض يقول: إن في الصلاة لشغل، فلا تجبه وأنت في الصلاة، وبعضهم يقول: يجوز ذلك في النافلة ولا يجوز في الفريضة؛ لأنه يتسامح في النوافل مالا يتسامح في الفرائض، والله تعالى أعلم.
واختلف الفقهاء في مسألة: هل تقول كما يقول مقيم الصلاة حين يشرع في إقامتها أو أن ذلك خاص في الأذان فقط؟
стр. 440
ما يقول السامع للأذان عند الحيعلتين ؟
[ولـ مسلم عن عمر ﵁ في فضل القول كما يقول المؤذن كلمةً كلمةً سوى الحيعلتين فيقول: لا حول ولا قوة إلا بالله] .
هذا استثناء في ترديد الأذان، فحينما يقول المؤذن: (الله أكبر، الله أكبر) تحكي ما يقول، وإذا جاء إلى الحيعلة وقال: (حي على الصلاة، حي على الفلاح) فهل تحكي هذه العبارة بلفظها؟ هناك من يقول: لا تحكيها، ولكن تقول محلهما: (لا حول ولا قوة إلا بالله) ، ولماذا؟ قالوا: لأن قولك: حي على الصلاة نداء لغيرك ليحضر إلى الصلاة وأنت ما ناديت أحداً، و (حي على الفلاح) معنى خارج عن معنى الأذان المتعلق بالصلاة، فيقولون: في هذه الحالة تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وتشعر نفسك بأنه لا حول ولا قوة لك على إجابة نداء المؤذن إلا بالله، هو يناديك وأنت تقول: نعم أستعين بالله على إجابتك، لا حول لي ولا قدرة لي ولا قول لي على أن أجيبك إلا بالله .
وهذا إشعار بالضعف والعجز، واستكانة بين يدي الله حتى يعينك على إجابة المنادي: (حي على الصلاة) .
وبعض العلماء يقول: تقول الحيعلتين، وتعقبهما بقولك: لا حول ولا قوة إلا بالله.
يعني: تجمع بين اللفظين فتقول: (حي على الصلاة حي على الصلاة) لا حول ولا قوة إلا بالله.
والعلماء يقولون في معنى الحوقلة: لا حول عن معصية، ولا قدرة على طاعة إلا بالله، وهذا عين التوحيد؛ لأن الإنسان ضعيف بالنسبة للمعصية، فالنفس والهوى والشيطان وميول الرغبات كل ذلك عوامل تدعوه إلى المعصية، فكيف يصد هذه العوامل المجتمعة إلا بالله ، وكذلك فعل الطاعة لا تقدر عليها إلا بالله.
قال الله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾ [البقرة:٤٥] أي: ليست بهينة، وهذه الكبيرة كيف تؤديها؟ بقوة من الله سبحانه ﴿إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة:٤٥] هم خاشعون لله، ومن كان خاشعاً لله كان له عون من الله .
إذاً: عند الأذان تحكي ألفاظه، وعند الحيعلتين هناك من يقول: لا حاجة أن تذكرهما؛ لأن معناهما لا يتحقق عندك، وتقول محلهما: (لا حول ولا قوة إلا بالله) وهذه الكلمة أعطيها الرسول ﷺ من كنز تحت العرش ليلة الإسراء، كما أعطي فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، والله أعلم.
стр. 441
مشروعية الصلاة على النبي ﷺ بعد الأذان سراً
هذا الحديث من أعظم الأحاديث عنه ﷺ ، (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول) ، إلى هنا أكتفى المؤلف وتتمة الحديث: (ثم صلوا عليّ وسلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة لا تنبغي إلا لعبدٍ واحد، أرجو الله أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة كنت له شفيعاً يوم القيامة) .
السنة بعد أن ينتهي سامع الأذان من حكاية المؤذن أن يصلي ويسلم على النبي ﷺ سراً كما حكى ألفاظ المؤذن، وكذلك المؤذن حينما يفرغ من الأذان بصوته العالي الذي ينادي به الناس، يصلي على النبي ﷺ سراً ليكون ممتثلاً، وكما يقول السامع للأذان ذلك، كذلك أيضاً المؤذن، ويقول -ما علمنا ﷺ مثل السامع: (آت محمداً الوسيلة والفضيلة) .
وفي هذا الحديث ما ينبغي التنبيه على أن بعض الجهات أخذ من هذا الحديث الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ عقب كل أذان بصوت مرتفع كألفاظ الأذان! وأدخلوا الصلاة والتسليم على النبي ﷺ في الأذان بناءً على ذلك! قالوا: فالمؤذن يصلي عليه كما كان يؤذن لقوله: (فصلوا علي) ، فنقول: التشريع صحيح، ولكن الكيف خطأ، ما كان أصحاب النبي ﷺ ، ولا كان الخلفاء الراشدون، ولا المؤذنون لهم يصلون على النبي عقب الأذان بارتفاع الصوت، وهذا جعل بعض الجهال يظنون إلى اليوم أنها ضمن الأذان وضمن ألفاظه.
وهذا لا ينبغي.
قال ابن الحاج في المدخل: لا شك أن الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ من أفضل القربات، ويكفي أن رسول الله ﷺ يقول: (من صلى عليّ مرة واحدة صلى الله عليه بها عشر مرات) ، واحدة منك يا عبد يا مسكين تقابل بعشر مرات من رب العالمين! أي فضل أعظم من هذا؟ فإذا كان الأمر كذلك فلا ينبغي أن تأتي بها إلا في المواضع التي شرعت فيه، وما شرعت الصلاة والسلام على رسول الله عقب الأذان بصوت مرتفع كالأذان، فقال ﵀ -وهو الحق-: نعلم أن هناك مواطن لا يجوز الدعاء فيها، حتى أعظم القربات، فالقرآن هو أعظم القربات فبكل حرف منه عشر حسنات، ومع ذلك نهينا عن قراءة القرآن في الركوع وفي السجود، مع أن الإنسان أقرب ما يكون من الله وهو ساجد، ومنعت هذه في تلك، فكل شيء مكانه، ولا ينبغي الابتداع، ولا ينبغي إيجاد ما لم يوجد من قبل، وكما قال مالك ﵀: (لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها) .
والله تعالى أعلم.
стр. 442
مشروعية الدعاء للنبي ﷺ بعد الأذان بالوسيلة
وقوله: (ثم سلوا لي الوسيلة) ، بين النبي ﷺ أنها منزلة في الجنة رفيعة لا تنبغي إلا لعبد واحد بلا مشاركة، ويقول ﷺ (أرجو أن أكون أنا هو) .
يا سبحان الله! ومن يتقدم عليه إليها؟ ومن هو أحق بها منه؟ لا أحد، ولكن هذا تواضع منه مع رب العزة، ولم يأتل على الله بأنه صاحبها، ولكنه حسن الظن بالله، والتواضع بين يدي الله، وإن كان يعلم أنه أفضل الخلق صلوات الله وسلامه عليه، وأنها لا تنبغي لغيره، ولكن تأدباً مع الله واحتراماً لقدرة الله وعطائه وحكم إرادته المطلقة، قال: (أرجو) ، وهذا الرجاء حقيقة، ولن تكون إلا له.
والمقام الرفيع الذي وعده هو الشفاعة العظمى حينما يحشر الناس جميعاً في صعيد واحد، وتدنو الشمس من الرءوس، ويلجم الناس العرق، ولم يكن بين الشمس وبين رءوسهم إلا قدر ميل.
قيل: ميل المرود الذي للمكحلة، وقيل: ميل المسافة، ومهما يكن من شيء فالشمس الآن في الصيف بيننا وبينها بلايين الأميال ومع ذلك يتضرر الإنسان من حرارتها، فإذا كانت يوم القيامة بقدر ميل واحد.
أي: كيلو ونصف فكيف يكون الحال؟ (فيضج الناس، ويقولون: ألا ترون ما نحن فيه، ألا تطلبون من يشفع لنا عند ربنا، ليأتي لفصل القضاء، فيقولون: ومن يشفع لنا؟ قالوا: اذهبوا إلى نوح أبي البشر فيذهبون إلى نوح فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله قط، وإني قد دعوتي على قومي دعوةً أغرقتهم، اذهبوا إلى إبراهيم خليل الرحمان، فيأتون إلى إبراهيم ويعتذر لهم أيضاً، ويقول: أذهبوا إلى موسى كليم الله، فيذهبون إلى موسى ويعتذر، ويقول: اذهبوا إلى عيسى روح الله، فيأتون إليه ويعتذر ويقول: اذهبوا إلى محمد ﷺ ، فيذهبون إليه فيقول ﷺ : أنا لها، أنا لها، ويذهب حتى يسجد تحت العرش، ويلهمه الله بمحامد وتسابيح لم يكن يعلمها من قبل) ، وهذا مثل الحديث: (أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك) ، فما استأثر سبحانه به في علم الغيب عنده يلهمه رسوله في ذلك الوقت، (فيسبح الله ساجداً إلى ما شاء الله حتى يقول له المولى سبحانه: يا محمد! ارفع رأسك، وشفع تشفع، فيقول: يا رب! فصل القضاء) ، وهذه الشفاعة العظمى التي شملت الأمم جميعها بما فيهم من الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وهو المقام المحمود الذي يغبطه عليه الأولون والآخرون.
ثم تتوالى الشفاعات بعد ذلك، وهي سبعة أنواع، يشفع في قوم استحقوا النار ولم يدخولها، ويشفع في قوم لترتفع درجاتهم في الجنة، ويشفع في أناس دخلوا النار فعلاً فيخرجون منها، إلى غير ذلك من أنواع الشفاعات.
في هذا الحديث يبين ﷺ أن مستمع المؤذن يقول كما يقول المؤذن، ثم يصلي على النبي ﷺ ، ثم يسأل الله له الوسيلة والمقام المحمود، فمن فعل ذلك كان له وعد عند رسول الله بالشفاعة ووعده صادق، والله أعلم.
стр. 443
مشروعية اتخاذ المؤذن
قال المصنف ﵀: [وعن عثمان بن أبي العاص ﵁ قال: (يا رسول الله! اجعلني إمام قومي، فقال: أنت إمامهم، واقتد بأضعفهم، واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً) أخرجه الخمسة، وحسنه الترمذي، وصححه الحاكم.
] هذا الصحابي كان في وفد، وكان أصغرهم سناً، وكان بالغاً، فسأل النبي ﷺ فقال: اجعلني إمام قومي، فقال: أنت إمامهم، ويقولون: إنه كان يمر عليه الوفود فيتلقاهم في الطريق فيسمع منهم القرآن، ويحفظ منهم ما سمعوا من رسول الله، فكان قد جمع بعض السور الصغار من القرآن الكريم، وهذا لا يتنافى مع حديث: (يؤمكم أقرؤكم لكتاب الله) ، فهذا إذا تعدد القراء نظرنا من هو أقرأ وأحسن تلاوة، في تجويده وإخراج الحروف من مخارجها، وإعطاء الحروف حقها، والمد والإدغام ونحو ذلك، ويكون أحفظ من الآخرين، فإذا تساووا في ذلك نظرنا من هو أقرؤهم، وقدمناه للإمامة، مع توافر الشروط الأخرى، وهي: أن يكون تقياً ورعاً يعرف حق هذا المقام العظيم بين يدي الله، كما جاء في الحديث -وهو مكتوب عندكم في المحراب هناك-: (تخيروا أئمتكم فإنهم وافدوكم إلى الله) ، فالإمام يتقدم القوم ويسأل الله: اهدنا الصراط المستقيم، يسأل لنفسه ولمن معه، فينبغي تخير الإمام، قال ابن الحاجب: كان في المغرب لا يقدم للإمامة إلا من شهد له أهل القرية بصلاحه وأفضليته على الجميع، أما في بعض البلدان الأخرى -وقد سماها ولا أريد أن أسميها- فإن الإمامة عندهم مرهونة بالنقود، وقد يتولاها من هو كذا وكذا! وهنا قوله: (اجعلني إمام قومي) ، كيف يطلب الإمامة وهي ولاية، والرسول ﷺ يقول: (من طلب ولايةً أو إمارةً لا نعطيه إياها) ؟ قالوا: إذا علم الإنسان من نفسه الاستطاعة بالقيام بحق الولاية، وإنها ستضيع إذا أسندت إلى غيره لعدم وجود الأكفاء، فيتعين عليه أن يتقدم لحفظها لا لحظ نفسه، واستدلوا بقصة نبي الله يوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام فإنه عندما عبر الرؤيا للملك، وذكر له الأمر قال: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ﴾ [يوسف:٥٥] ، وهذه ولاية على الأرزاق ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٥] أي: عندي الأهلية، ولو تركت لغيره لضاعت، فكان من حقه أن يتقدم لطلب الولاية لحفظها، وهكذا القضاء والإفتاء والأذان والإمامة وكل عمل ديني محض.
وقوله هنا: (واقتد بأضعفهم) ، كيف يقتدي بأضعفهم والمأمومون يقتدون به هو؟ المعنى: أنك ستكون إماماً، فلا تجعل السلطة والاختيار لك في أن تفعل ما شئت، وتطيل عليهم، بل اقتد بأضعف من يصلي وراءك، فليكن أضعف المأمومين هو القدوة لك، فلا تثقل عليه ولا تؤذيه بالإطالة، إنما عليك أن تراعي حال المأمومين.
وقد عرفنا قصة معاذ بن جبل ﵁، وقد جاء في حقه أنه: (أعرفكم بالحلال والحرام) ، فكان يصلي مع النبي ﷺ العشاء في المسجد الشريف، ثم يذهب ليصلي بأهل قباء العشاء، فدخل ذات ليلة في صلاة العشاء، وكان رجل يعمل طيلة نهاره في بستانه فدخل في الصلاة معه فإذا بـ معاذ بعد أن قرأ: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] آمين يقرأ: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١-٢] ، وشرع في أول البقرة، فقال الرجل في نفسه: والله! لن يقف حتى يختمها، فانعزل عنه، وصلى منفرداً، ورجع إلى بيته، وفي بعض الروايات أنه حينما أتى إلى المسجد أرسل نواضحه وتركها تمضي إلى البيت، ودخل في الصلاة وهو لا يدري: هل ستذهب إلى البيت أو لا؟ وهو طول النهار يعمل، فهو متعب، فإذا قام وراء الإمام الذي يشرع في الأولى بالبقرة، فربما الركعة الثانية يقرأ فيها بآل عمران! ومتى ينتهي؟! فاختصر الطريق من قريب، وصلى وذهب إلى بيته، وعلم معاذ بذلك، فقال: إنه رجل منافق، ما صبر على الصلاة! والمنافقون يأتون الصلاة وهم كسالى، فبلغ الرجل مقالة معاذ في حقه، فأتى إلى النبي ﷺ واشتكى من معاذ؛ لأنه رماه بالنفاق، وقد فعل كذا وكذا، فاستدعاه رسول الله ﷺ وقال: (أفتان أنت يا معاذ؟!) ، سبحان الله! رجل يقرأ بالبقرة في ركعة ويقول له: أنت فتان! إنه اجتهد، وغلب جهة العاطفة، وهو كان حديث عهد بالصلاة خلف رسول الله، وحديث عهد بسماع تلاوة رسول الله ﷺ ، وحديث عهد بصلاة أمهم فيها رسول الله، وتلك حالة روحية تجعل عندهم انفتاح وانفساح وقدرة على إطالة القيام ولو الليل كله، ولكن غيره ليس مثله، فقال له: (أفتان أنت؟) ، ولماذا؟ وأين الفتنة؟ تطويلك هذا يؤدي إلى ترك الجماعة وتفرق الناس، وستكره الناس للصلاة، وهذه أعظم فتنة، أين أنت من ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] ، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس:١] وذكر له سوراً قصاراً من المفصل.
فقوله: (واقتد بأضعفهم) ، سواءً كان لكبر سن أو كان لمرض أو لاشتغال، فيجب أن تراعي المصلين الذين خلفك، وتقتدي بأضعفهم، وتراعي ما يستطيعه من الإطالة والقيام والقراءة.
وقوله: (واتخذ مؤذناً) ، فيه أدب التعيين، ما كل إنسان يأتي يؤذن، إنما يكون المؤذن مرتب من المسئول؛ لأن الأذان إعلام لأداء الصلاة لله، وهذا عمل رسمي، فلا ينبغي لكل من هب ودب أن يأتي ويؤذن، هل ندري من يحسن الأذان أم لا؟ هل ندري أمانته واستقامته أم لا؟ لا ينبغي لأي إنسان أن يقدم على الأذان إلا بإذن مأذون من الإمام أو من ولي الأمر، اللهم إلا المساجد العامة التي على الطرقات، وليس لها مؤذن خاص، ولا إمام خاص، وبينت على الطريق لمن تحضره الصلاة فيصلي؛ فلا مانع لمن حضر الوقت وهو حاضر أن يؤذن، وكذلك من حضر الصلاة أم بالناس، ولو تعددت الجماعات في هذه المساجد فلا مانع.
أما المساجد المقيمة عند أحياء عامة، وثابت أهلها وسكانها؛ فلا ينبغي أن يؤذن مؤذن إلا مأذون له، ولا يؤم الناس إلا معين فيها، ولا يجوز إعادة الجماعات في تلك المساجد مرتين أبداً.
стр. 444
جواز إعطاء المؤذن أجراً على سبيل الهبة والعطاء لتفرغه
وقوله: (لا يأخذ على أذانه أجراً) ، هذا هو الأكمل والأفضل فمن يعمل القربة، ويجب عليه أن يحسن النية، ويحتسب الأجر عند الله ، لكن إذا اتخذ بمعنى: كلف، والاتخاذ تكليف، والتكليف فيه التزام، والالتزام فيه شغل عن واجبه وواجب أهله، فماذا يفعل؟ قالوا: لا يعطى أجراً بعقد إجارة، ولكن يعطى بنية الهبة، ومن باب العطاء، ولا مانع من ذلك، وعلى هذا أجاز العلماء إعطاء المؤذن والإمام وكل من كان عمله قربة في الإسلام، فيأخذ لا على عقد المؤاجرة، ولكن على سبيل الهبة والعطاء، وعلى سبيل الرزق من بيت مال المسلمين، والله تعالى أعلم.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 445
كتاب الصلاة - باب الأذان [٢]
يشرع اتخاذ إمام ومؤذن لكل مسجد تقام فيه جماعة، ويختص كل منهما باختصاصات، وهذا يدل على مشروعية توزيع الاختصاصات في الإسلام، فالإسلام دين ينظم الأمور ويرتبها على أحسن وجه، وقد جاءت السنة ببيان كثير من آداب المؤذن حتى يقوم باختصاصه على أكمل وجه.
стр. 446
حكمة الأذان
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: يقول المصنف ﵀: [وعن مالك بن الحويرث ﵁ قال: قال لنا النبي ﷺ : (إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم) الحديث أخرجه السبعة] .
هذا الحديث تكملته: (وليؤمكم أقرؤكم) ولنبين رأي من يقول: إن هذه صيغة أمر: (وليؤذن لكم أحدكم) ، واعتبر الأذان واجباً من الواجبات، وتقدمت معنا هذه المسألة: هل الأذان حق للإعلام بدخول الوقت أو حق للصلاة؟ على القول بأنه إعلامٌ لدخول الوقت، فإذا كان القوم مجتمعين أو كانوا قد سمعوا أذاناً من مسجد آخر، فإنه يكفيهم؛ لأنهم قد علموا بدخول الوقت، وإذا كان الإعلام للصلاة، فإنهم يؤذنون للصلاة، ولو سمعوا أذان مسجد آخر.
وأعتقد أن الراجح كون الأذان للصلاة، وليس للوقت، أو هو لهما معاً، وكونه للصلاة أرجح، لقضية تعريس النبي ﷺ وانتباههم بعد ارتفاع الشمس، وفي الرواية الصحيحة أن الرسول ﷺ أمر بلالاً فأذن، وكونه أذن بعد خروج الوقت يرجح أن ذلك للصلاة، وإن كانوا يقولون: الإقامة للصلاة آكد من الأذان، فهنا قال: (وليؤذن لكم أحدكم) ، صيغة أمر تقتضي وجوب الأذان، وهذا الأمر لهم كان حين عودتهم إلى ديارهم وهم في السفر، وكذلك الحال في الحضر، وقد كان ﷺ إذا غزا غزوة ومر بقوم ولم يعلم عن حالهم: أهم مسلمون أو من المشركين؛ فإنه ينتظر إلى وقت الصلاة، فإذا سمع أذاناً علم أنهم مسلمون، ولم يغر عليهم، وكان غالباً ما ينشئ الإغارة بعد طلوع الفجر أول النهار، فكان ينتظر أن يسمع منهم أذان الفجر، فإن هم أذنوا علم أنهم مسلمون، فجنب عنهم، وإن لم يؤذنوا علم أنهم غير مسلمين؛ لأنهم لم يقيموا شعار الإسلام.
قال مالك ﵀: إذا ترك أهل قرية الأذان قوتلوا عليه، حتى ولو كنا نعلم أنهم مسلمون، ويصلون، ويصومون، لكنهم تكاسلوا عن الأذان للصلوات واكتفوا بالإقامة، فإنهم يقاتلون حتى يؤذنوا؛ لأن الأذان أصبح شعار من شعارات الإسلام، كما يقال عن التراويح: إنها سنة رمضان، وشعار المسلمين في رمضان، فمن عطلها في المساجد فهو مخطئ وعلى أهل القرية إحياء قيام التراويح في المساجد، وإن كانت في البيت هي أفضل منها في المسجد، لكن إقامتها في المساجد شعار من شعارات الإسلام؛ فينبغي أن يحافظ عليه، ولا يجوز تعطيلها، والله تعالى أعظم.
стр. 447
الترسل في الأذان والحدر في الإقامة
قال ﵀: [وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لـ بلال: (إذا أذنت فترسل، وإذا أقمت فاحدر، واجعل بين أذانك وإقامتك مقدار ما يفرغ الآكل من أكله) الحديث رواه الترمذي وضعفه] .
هذه التعليمات في هذا الحديث من رسول الله ﷺ في كيفية الأداء للأذان والإقامة، قد تعلم المؤذن ألفاظ الأذان والإقامة، ولكن كيف تكون صيغة الأداء؟ قال النبي ﷺ لـ بلال: (إذا أذنت فترسل) ، كما يقال لشخص يمشي: على رسلك، كما في قصة البعير الذي هاج على صاحبه، ولما ذهبوا عنده رأى أبو بكر رضي الله تعالى عنه أن البعير هائج داخل البستان، فقال لرسول ﷺ : على رسلك يا رسول الله! فإن البعير هائج، وتقدم ﷺ إلى البعير الهائج في البستان، وكانت المفاهمة كما تقدم بيان ذلك مراراً.
فترسل.
أي: تمهل واجعل بين كل جملة وجملة فراغاً.
بينما قال في الإقامة: فاحدر، والحدر هو كما تقول: انحدر السيل.
أي: أسرع، والانحدار: الانصباب من علو إلى أسفل، ويكون في ذلك إسراع.
وما الفرق بين الأذان والإقامة؟ كما يقال: لكل مقام مقال، وهذا هو سر البلاغة، الأذان هو إعلام للغائب بدخول الوقت، والغائب مختلف البعد فيحتاج إلى تطويل في الأذان حتى يعلم أكثر عدد ممكن من الناس؛ لأنه لو أتى بألفاظ الأذان في دقيقتين يكون قد انتهى ومن لم ينتبه لم يسمع شيئاً، بخلاف ما إذا لو أتى بالأذان في ربع ساعة مثلاً، ومن العجب ما حكاه بعض العلماء من البدع أن بعض القرى كانت تحتم على المؤذن أن يستغرق نصف ساعة في أذانه! وهذا تطويل أكثر من اللازم، وقد يؤخر الصلاة عن أول وقتها.
فترسل.
أي: أنك لا تسرع في أداء ألفاظ الأذان فتفوت على الكثيرين السماع، فتمهل في الأذان وترسل بحيث أن الأذان يأخذ وقتاً أوسع، لإبلاغ البعيدين، فيكون فيه فرصة أوسع لتعميم البلاغ والنداء للمصلين.
أما الإقامة فهم موجودون، ولا ينادي بعيداً، إنما هو يعلم الحاضرين بأن الإمام قد حضر، وأنه قد تهيأ وقام في محرابه، ولم يبق إلا أن تقوموا للصلاة اقتداء بالإمام، فالإقامة إشعار بأن الإمام قد حضر، وأن الصلاة ستقام الآن.
إذاً: لا في حاجة إلى الترسل فيها، ولا حاجة إلى الإطالة فيها، إنما هي مجرد إشعار بقرب شروع الإمام في أداء الصلاة ليتهيئوا إلى القيام، وإلى تعديل الصفوف، كما هي السنة، وكان بعضهم يقوم إذا رأى الإمام، ومنهم من يقوم حتى يقول المقيم: قد قامت الصلاة، وبعضهم يقول: إن السنة في القيام للصلاة حينما يشرع المؤذن في الإقامة.
أي: يقوم حينما يسمع قول المؤذن: قد قامت الصلاة، فلا يبادر بالقيام حينما يسمع المؤذن يقول: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، إنما ينتظر حتى يصل إلى قوله: (قد قامت الصلاة) فينهض ويقوم، والبعض يقول: هذا بحسب حالات الأشخاص، فهناك إنسان خفيف البنية سريع الحركة بمجرد أن يسمع الإقامة يكون قد نهض، ولا ينهض بعجلة وبخفة؛ لأن المقام مقام طمأنينة وسكينة، ولهذا السنة لمن سمع الإقامة وهو خارج المسجد ما جاء في الحديث: (فائتوها وعليكم السكينة والوقار، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم، فاقضوا أو فائتموا) ، ولا ينبغي الإسراع للصلاة لمن سمع الإقامة؛ لأن الإسراع قد يخل بالمروءة، وهو مذهب للخشوع والخضوع.
فإذا سمع الإنسان وهو في المسجد المقيم نهض إذا كان ثقيل الحركة كبير السن، ضعيف البنية، لو أنه انتظر حتى يقول: قد قامت الصلاة، ولربما كبر الإمام تكبيرة الإحرام وهو لم ينهض بعد، فهو أعلم بحالته، وتقدير ظروفه، وبالوقت الذي يبدأ بالقيام فيه حتى يكون قائماً مستوياً حينما يكبر الإمام تكبيرة الإحرام حتى لا تفوته تكبيرة الإحرام.
فقوله: (يا بلال! إذا أذنت فترسل) ، أي: تمهل، لا تسرع وتتعجل، (وإذا أقمت فاحدر) أي: فأسرع، وليكن هناك فرق بين أداء الأذان وبين أداء الإقامة؛ لأن لكل واحد منهما مهمة تتناسب مع كيفية الأداء، فالأذان نداء إلى البعيدين، فيحتاج إلى ترسل وإعطاء فرصة أكثر، والإقامة إعلام للحاضرين فلا حاجة إلى زيادة الوقت.
وقوله: (واجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله) ، هذا تحديد بواقع الحال، بحيث أن الإنسان لو كان على طعام وأذن المؤذن فلو أنه عجل بالإقامة لكان هذا الآكل بين أحد أمرين: إما أن يقضي حاجته ونهمه من طعامه فتفوته تكبيرة الإحرام وقد تفوته الركعة الأولى، وإما أن يترك الطعام ونفسه متعلقة به، وهذا يشوش عليه صلاته، كما جاء في الأثر: (إذا قدم العَشاء، وقامت العِشاء، فقدموا العَشاء على العِشاء) ، قالوا: هذا لمن كان جائعاً ونفسه متعلقة بالطعام، وأما إذا كان شبعان ولا يهمه أن يقدم العشاء أو يؤخر، فيقدم صلاة العشاء من باب أولى.
فهنا جعل ﷺ بين الأذان والإقامة قدر ما يفرغ الآكل من أكله، وقد يقول إنسان: الناس يتفاوتون في طبيعة الأكل، فهناك من يأكل على تمهل فيتم المضغ للأكل ويشرب الماء، وهناك من يعجل، والعامة تقول: إذا أكلت فكل أكل الجمال، وإذا كذا فافعل فعل الرجال، يعني: لا تكن مثل بعض الناس أو صنف من الناس يستغرق الساعة والساعة والنصف في تناول الطعام، حديث وكلام وسمر وإلى آخره، لا، بل طبيعة وسط الناس.
وجاء عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه كان يقيم المقيم فيذهب أحدهم إلى الخلاء، ويقضي حاجته، ويتوضأ، ويأتي ويدرك النبي ﵊ في الركعة الأولى، وقد يؤذن المؤذن فيذهب الذاهب إلى قضاء حاجته ويتوضأ وما قد قامت الصلاة.
وتقدم أنه كان ﷺ ، في صلاة العشاء أحياناً وأحياناً، إذا رآهم اجتمعوا عجل، وإذا رآهم تأخروا أخر، مراعاة لظروف الناس، فإذا تعود جماعة مسجد معين أو قرية معينة شيئاً؛ روعي ظروف هؤلاء الجماعة، أما التشريع العام فأقل ما يكون بين الأذان والإقامة قدر ما يفرغ الإنسان العادي من طعامه، والله تعالى أعلم.
стр. 448
استحباب الأذان على وضوء
قال المصنف ﵀: [وله عن أبي هريرة ﵁ أن النبي صلى الله وسلم قال: (لا يؤذن إلا متوضئ) وضعفه أيضاً] .
هذا الحديث من أحكام الأذان، وهذه الصيغة صيغة الحصر، (لا وإلا) من أقوى صيغ الحصر، كأنه ينفي أذان غير المتوضئ، ولا يأذن لغير متوضئ، فمفهوم ذلك أن غير المتوضئ لا يؤذن، ولكنهم مجمعون -لضعف هذا الحديث- على أنه لو أذن غير المتوضئ فإن الأذان صحيح ولا يعاد، بخلاف الجنب، فإنهم يختلفون فيه: فمنهم من يقول: يصح أيضاً ولا يعاد، ومنهم من يقول: لا يصح الأذان مع الجنابة، ويقولون: الأمر هنا تعليم وإرشاد؛ لأن المؤذن بعد الأذان إنما ينتظر في المسجد، وينتظر مجيء الإمام ليقيم الصلاة، ويصلي مع الناس، ولا ينادي الناس للصلاة ويخرج ليتوضأ، فنحن لا نعرف متى يرجع، ولا ننتظر حتى يأتي، ومن أذن فهو يقيم، فهذا تعليم وإرشاد بحيث يكون متهيئاً للصلاة، لا يضطر إلى أن يخرج بعد أن يؤذن من المسجد ليتوضأ.
وقالوا: ونظير هذا أن من غسل ميتاً فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ، قالوا: حمل الميت ليس حدثاً يوجب الوضوء، ولكنه من باب الإرشاد، بحيث أنه إذا حمل الميت وجاء ووضعه سواءً كان في المسجد أو كان عند المقبرة على خلاف في ذلك، وقاموا للصلاة عليه؛ فلا يحتاج إلى الوضوء فيحمله ثم يتخلى عنه عند الصلاة عليه! ولذا ينبغي أن يكون متوضئاً متهيئاً للصلاة عليه، أما إذا حملها وهو غير متوضئ فإن الناس يصلون عليه وهو لا يستطيع أن يصلي عليه، فيكون ذلك قصوراً منه، فوت على نفسه ثواب الصلاة على الجنازة، ويكون في صورة غير لائقة.
قالوا: وكذلك هنا: (لا يؤذن إلا متوضئ) ، فأجمعوا واتفقوا على أن المؤذن إذا أذن وهو على غير وضوء على حدث أصغر؛ فإن الأذان لا يعاد، واختلفوا لو كان جنباً، وفيما إذا أذن صبي دون البلوغ، وفيما لو أذنت امرأة، وفيما لو أذن غير مسلم، قيل: يعاد الأذان، ولا يعتد بأذان هؤلاء الأشخاص.
وبهذه المناسبة يتفقون أنه يجوز لو كان هناك خطيب للجمعة وإمام للصلاة، فلا مانع، وتصح الجمعة بخطيب على حده وإمام على حده، فيمكن أن يكون الخطيب غير إمام، وأن يكون الإمام غير الخطيب، فلو خطب وهو غير متوضئ لا تعاد الخطبة؛ لأنها مجرد ذكر وموعظة بخلاف الإمام، فلابد أن يكون على طهارة كاملة من الحدثين، فالمؤذن والخطيب يصح عملهما ولو كانا غير متوضئين، أما الجنابة فلا.
стр. 449
المؤذن أحق بالإقامة
قال المصنف ﵀: [وروى زياد بن الحارث ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ومن أذن فهو يقيم) وضعفه أيضاً] .
هذا أيضاً من باب التعاليم والآداب في الأذان، من أذن فهو يقيم، وهذه الحكمة واضحة عندما نكون جالسين في المسجد ونسمع المؤذن، وعلمنا بدخول الوقت، ومن أراد أن يتنفل نافلة قبلية تنفل، ثم بعد ذلك سمعنا إنساناً آخر يقيم الصلاة فإنه يلتبس علينا: هل هذه إقامة الصلاة بعد الأذان الذي سمعناه أم هو أذان في مسجد آخر؟ أما إذا كان نفس المؤذن هو الذي يقيم فإننا قد علمنا من هو بأذانه الأول عندما دخل الوقت.
ويمكن أن يكون للإقامة شخص آخر فيكون أدعى لمعرفة الإقامة أن الأول أذان والثاني إقامة، وسيأتي عن عبد الله بن زيد أنه لما رأى الأذان تطلع أن يكون مؤذناً؛ لأنه هو صاحب القضية، ولكن الرسول ﷺ قال: (قم فأمله على بلال فإنه أندى منك صوتاً قال: اجعلني أقيم.
قال: أقم) ، ويقولون: هذه الرواية وإن كان فيها ما فيها، فهي أول مرة استجابة لطلبه وتطييب لخاطره، ولكن بعد ذلك الذي يؤذن هو الذي يقيم، واتفقوا أنه إذا أذن إنسان وأقام آخر وصلوا الصلاة بتلك الإقامة أن الإقامة صحيحة، ولا تحتاج إلى إعادة.
مثلاً: المؤذن كان له عذر ولم يستطع أن يقيم الصلاة، فأناب غيره ليقيمها، حتى الإمام يجوز أن يقيم الصلاة بدل المؤذن أو أي أحد من الحاضرين يجوز أن يقيم الصلاة بدل المؤذن، ثم إذا حضر المؤذن فلا حاجة إلى إعادة الإقامة من المؤذن؛ لأنه سقط حقه في غيبته أو في عدم تقدمه ابتداءً.
إذاً: الأولى والسنة أن من أذن فهو يقيم، ولو قدر أنهم قدموا شخصاً آخر ليقيم الصلاة؛ لأن المؤذن كان على غير وضوء أو انتقض وضوءه فذهب ليتوضأ، وغاب علينا وأراد الإمام وهو أملك بالإقامة أن يقيم الصلاة؛ فإنه يقدم شخصاً من الحاضرين ليقيم الصلاة في غيبة المؤذن الذي كان له حق الإقامة، ثم لا تقام الإقامة بعد حضوره.
стр. 450
حكم إقامة الصلاة لغير المؤذن
قال المصنف ﵀: [ولـ أبي داود من حديث عبد الله بن زيد أنه قال: (أنا رأيته) ، يعني: الأذان (وأنا كنت أريده) ، قال: (أقم أنت) وفيه ضعف أيضاً] .
هكذا رواية عبد الله بن زيد أنه لما رأى ألفاظ الأذان في المنام أو كما يقول الأحناف: تلقاه عن ملك، على الخلاف في الرواية؛ لأن رواية عبد الله بن زيد فيها: (رأيت كأني وأنا في النوم أقول: نائم ولست بنائم) .
يعني: بين المنام واليقظة، في حالة بين وبين، فالأحناف حملوا هذه الحالة على أن الرجل الذي رآه عبد الله بن زيد لابساً حلة خضراء ويحمل كذا وكذا أنه ملك نزل ليعلم عبد الله ألفاظ الأذان، وسواءً كان ملكاً أو كانت رؤيا منام، فالرؤيا الصالحة جزء من ست وأربعين جزءاً من النبوة، فلما أجرى الله هذه السنة على يده، وأراه إياها، رأى أن لنفسه حقاً فيها، وقال: (كنت أريده) ، أي: كنت أريد الأذان؛ لأنه شرف عظيم وفضل كبير، وقد قال عمر: لولا الإمامة لكنت مؤذناً، أو لو كنت أستطيع الأذان لأذنت، فالمؤذن يشهد له كل من سمع صوته من شجر وحجر ومدر، والمؤذنون أطول الناس أعناقاً، ويوجد آثار كثيرة في فضل المؤذنين.
فكان يريده لنفسه لأنه الذي رآه، ولكن كونه الذي رآه شيء، وموضوع الأذان شيء آخر، فموضوع الأذان إعلام، والأحق بالإعلام من كان أندى صوتاً، أما كونك رأيته وصوتك دون صوت بلال في ارتفاع الصوت أو النداوة أو القبول أو الصيغة وحسن إصغاء الناس إليها فهذا أدعى لأن يتولى هو الأذان؛ لأنها صفات ذاتية في الأذان، وكونك أنت رأيته يكفيك شرفاً وفضلاً، أما أداء الأذان بذاته فنحن نريد الإعلام، والإعلام أحق به من كان أندى صوتاً، وهذا من وضع الشيء في موضعه، لكن من حقه أن يتطلع، فقال له ﷺ : (أقم أنت) ، يعني: نحن جعلنا الأذان لـ بلال لأنه أندى منك صوتاً، وهذا هو الوصف المناسب للحكم، وأما أنت لكونك رأيته وتتطلع إليه فأقم، والإقامة شريكة الأذان، بل إن الرسول ﷺ سماها أذاناً في قوله: (بين كل أذانين صلاة) ، وهما الأذان والإقامة، والإقامة تكون بألفاظ الأذان.
إذاً: من أذن فهو يقيم، وعبد الله بن زيد تطلع للأذان فجعله ﵊ أن يقيم وبلال يأذن، ومن هنا قالوا: لو أقام غير المؤذن صحت الإقامة ولا تعاد.
стр. 451
المؤذن أملك بالأذان والإمام أملك بالإقامة
قال المصنف ﵀: [وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (المؤذن أملك بالأذان، والإمام أملك بالإقامة) ، رواه ابن عدي وضعفه، وللبيهقي نحوه عن علي ﵁ من قوله] .
هذا يمكن أن نسميه توزيع المسئولية وتوزيع الاختصاصات، نحن نعلم بأن الإمام من حيث هو أعلى منزلة من المؤذن، الأجر لا نتكلم عليه هنا، لكن المنزلة في الدين أو المنزلة في الناس فإن الإمام أعلى منزلة من المؤذن، ولهذا يقولون: النبي ﷺ والخلفاء الراشدون رضوان الله عليهم كانوا يؤمون الناس في الصلاة ولم يكونوا مؤذنين.
فالمؤذن أدنى مرتبة من الإمام، ولكن كما في الحديث: (المؤذن مؤتمن، والإمام ضامن) ، فهم أمناء على الوقت؛ لأنهم مع التكرار والتعود أصبحوا يعرفون الوقت بسرعة ولو لم تكن هناك آلة، ولو لم تكن هناك وسيلة لقياس الزمن، مع أن مقاييس الزمن معروفة من قبل بالظل، فإذا كان المؤذن كل يوم خمس مرات يتتبع الأوقات، يتتبع طلوع الفجر، ويتتبع زوال الشمس، ويتتبع ظل كل شيء مثله، ويتتبع الغروب، ويتتبع غياب الشفق، في كل الأوقات الخمسة؛ فهذا أنه بعد شهر يصير هذا شيء جبلي عنده، حتى لو نظر إلى الأفق ونظر إلى الساعة فاختلفا فإنه يقدم الأفق على الساعة.
وكان الأفق أضبط عنده من الساعة.
إذاً: المؤذن أمين على الوقت.
ومن هنا: إذا سمعنا المؤذن يؤذن لا نحتاج إلى بينة على دخول الوقت، وعلى صحة الصلاة، وعلى الإمساك في الصيام، وعلى الإفطار في رمضان؛ لأننا نكون جالسين في المسجد، وما رأينا هل الشمس غربت أو لم تغرب ما ندري، حتى الساعة في أيدي الناس هذه تقدم دقيقتين وهذه خمس وهذه تؤخر، وهذه كذا، لكن حينما نسمع المؤذن نلغي هذه الساعات التي تقدم والتي تؤخر، وما نسأل فيها، وعندنا المؤذن أمين على صيامنا بوقت دخول الفطر، وكل الذين في المسجد من آلاف مؤلفة، ومن في البيوت من حريم ورجال وصغير وكبير يأتمنون المؤذن على دخول الوقت، ويأتمنونه على الإفطار.
وبعض العلماء يذكر هنا مسألة أصولية وهي: أن قبول خبر المؤذن وائتمان المؤذن على الوقت، وترتيب الأحكام الشرعية من صلاة وإمساك وإفطار على أذانه؛ يعتبر أقوى دليل على قبول خبر الواحد؛ لأن المؤذن شخص واحد، والأمة كلها تقبل خبره، وتعمل به، فتؤدي الصلاة والصلاة لا تؤدى إلا في وقتها، ويمسك عن الطعام من أجل الصيام فيحرم ما أحل الله، ويفطر ويأكل ويستحل ما كان حراماً، وكل ذلك بخبر الواحد، فقالوا: إن قبول المؤذن في إخباره عن الوقت وائتمانه عليه أقوى دليل في قبول خبر الواحد عند الأصوليين، والله تعالى أعلم.
стр. 452
مشروعية توزيع الاختصاصات وترتيب الأمور
هنا المؤذن أملك بالأذان، وأمين على الوقت، والإمام أملك بالإقامة، فالإمام هو الذي يرى أن نقيم الصلاة الآن أم ننتظر بعض الناس المتأخرين قد يرى أن نقدم الإقامة إذا كان في المسجد جماعة من النسوة معهن الأطفال، وسمع الصراخ، والصياح أو هناك شيء حدث ويحتاجون إلى أن يعجلوا الصلاة.
إذاً: الإمام الذي يملك أن نقيم الآن أو نتأخر، نتعجل بالإقامة في أول وقتها أو نؤخرها.
ويقولون: إذا اختلف الإمام والمؤذن في الوقت، فقال الإمام للمؤذن: قم فأذن، قال: لا، الوقت ما جاء، هل نأخذ بكلام المؤذن أم بكلام الإمام؟ المؤذن؛ لأن هذا اختصاصه، والإمام ما هو ضابط للوقت كضبط المؤذن، ولو أنهم اتفقوا وأذن المؤذن ثم بعد فترة قال الإمام: يا مؤذن! أقم الصلاة، قال: لا، انتظر، نأخذ بكلام الإمام؛ لأن الإمام أملك بالإقامة، كما أن المؤذن أملك بالوقت، وهذا نسميه توزيع الاختصاص، حتى لو كنا في عمل دنيوي فهناك ذوي اختصاص في جانب من الجوانب، فينبغي أن نقدم من كان اختصاصه في هذا الموضوع ولا نحابي في ذلك.
وفي السنة النبوية: (أعرفكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضكم زيد، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة) وقال لـ ابن العباس: (اللهم! فقهه في الدين، وعلمه التأويل) فإذا اختلفوا في فريضة من الميراث فالمقدم رأي زيد، بالرغم أن فيهم أبو بكر وعمر، وهم أفضل منه، لكن هو مختص بذلك، وكذلك لو اختلفوا وتنازعوا في حلال أو حرام فرأي معاذ مرجح.
ولما أراد النبي ﷺ أن يبني المسجد النبوي البناية الثانية، وكان ذلك بعد عودته من خيبر، وكان المسجد الأول (٦٠×٧٠) ذراعاً، وكان من جذوع النخل كما تعلمون، وكثر الناس، فأراد أن يوسع المسجد إلى أن صار (١٠٠×١٠٠) ، وكان هناك رجل من بني حنيفة وفد إلى المدينة، فرأى رجلاً من الأنصار يخلط الطين بالتبن، فلم يعجبه عمله فقال: أرني وأخذ منه المسحاة، وأخذ يخلط الطين، والرسول ﷺ ينظر فقال: دعه لهذا العمل فإنه أعرف به منك، وهذا إسناد العمل للمختص فيه.
فلو جاءنا مهندس معماري وعنده مشروع زراعي، وعنده رجل خبير في الزراعة بدون دراسة، فهل يقدم المهندس المعماري أو الفلاح الخبير المجرب عشرين أو ثلاثين سنة؟ الفلاح الذي اكتسب الخبرة والتجارب، وكذلك العكس لو عنده مشروع معماري، وجاءنا مهندس زراعي، وجاء معلم من المعلمين العاديين واختلفوا، وكل له وجهة نظر فمن نقدم؟ نقدم المعلم الذي له تجارب عشرين ثلاثين أربعين سنة في البنيان، وهذا مهندس زراعي تخصصه في الزراعة.
إذاً: توزيع الاختصاصات من صميم الإسلام، كذلك التخصص في مادة دنيوياً أو أخروياً إلا أن تخصص المادة العلمية اليوم فيه جوانب سلبية، فالطالب درس الابتدائي والمتوسطة والثانوي على قدر في العلوم، وجاء إلى الكلية ودرس منهج الكلية، والكلية قد تكون نظرية كالجامعة الإسلامية، لأن دروسها كلها نظرية، وليست عملية، وقد تكون عملية، مثل: كلية هندسة، كلية طب، مكنيكا، كهرباء، فهذه أشياء عملية، فهو يدرس ويطبق بالعمل، فإذا كانت هذه الحالة، ودرس المنهج العام ثم أراد أن يتخصص في فن من الفنون أو علم من العلوم ففي الجامعة الإسلامية -مثلاً- كلية الشريعة، فيها أصول وفقه وتفسير وحديث ومصطلح، فأراد أن يتخصص في مادة من تلك المواد الرئيسية بخلاف المواد الفرعية.
مثل: النحو والصرف والبلاغة، فهي في كلية الشريعة فرعية وليست أصلية، ولا يقبل من خريج الشريعة أن يتخصص في اللغة؛ لأن اللغة أساسية في كلية اللغة، وأما الحديث والتوحيد والتفسير فهي علوم فرعية في كلية اللغة، وهكذا.
إذاً: لكل كلية منهجها ودروسها الأساسية والتكميلية، فإذا كان الطالب في كلية الشريعة وأراد الماجستير في أصول الفقه فهذا من حقه، والناحية السلبية هي أن يكرس جهده كله في أصول الفقه ويكون ذلك على حساب المواد الأخرى من فقه وحديث وتفسير، فلا يكون مبرزاً في بقية المواد كما هو مبرز في مادة الأصول، وهذه ناحية سلبية بالنسبة للمواد الأخرى، وحينما كان عدد الطلاب محدوداً كان يتعين على كل متخرج أن يكون مبرزاً في جميع المواد التي في الكلية، ولما كثر المتخرجون وازداد العدد فلا مانع أن نخصص هذا في الأصول، ونخصص هذا في الفقه، ونخصص هذا في الحديث، ومن مجموع المتخصصين يكون عندنا منهج تخصصي في مواد الكلية كلها.
وينبغي على الطالب في ذاته إن اختار مادة يتخصص فيها ألا يغفل، بقية المواد؛ لأنه كما كان يقول والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه: العلوم أقران.
فالأصولي لا يستغني عن الفقه للتشبيه والتمثيل والبيان، والفقيه لا يستغني عن أصول الفقه ليبني ويستنبط على أصول الأحكام، وكل منهما لا يستغني عن الحديث؛ لأنه مرجع لاستنباط الأحكام، وكذلك التفسير.
إذاً: المؤذن أملك بالوقت، والإمام أملك بالإقامة، وهذا من توزيع الاختصاصات، فكل في حده، وكل في مجاله، والله تعالى أعلم.
стр. 453
الترغيب في الدعاء بين الأذان والإقامة
قال المصنف ﵀: [وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة) رواه النسائي وصححه ابن خزيمة] .
هذا إخبار منه ﷺ أنه لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة، وهل هذا أسلوب حصر كالأساليب المتقدمة أو خبر عار عن الحصر؟ لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة، هل تعرض لأوقات أخرى؟ ما تعرض لها.
إذاً: هذا إخبار بالنسبة لموضوع الباب، وهو الأذان والإقامة، وهناك مواطن كثيرة جداً يستجاب فيها الدعاء، كالساعة التي في يوم الجمعة عند صعود الإمام إلى المنبر إلى الفراغ من الخطبة والصلاة، وفي الثلث الأخير من الليل، ودعاء المظلوم، وفي حالة عمل الخير وعمل البر، وعقب ختم القرآن، فلكل ختمة دعوة مستجابة، ويوم عرفة، وليلة الجمعة، وليلة العيدين، وكل هذه مواطن يستجاب فيها الدعاء، ولكن المؤلف هنا أتى بما يتعلق بالأذان والإقامة.
стр. 454
الدعاء بعد الأذان
قال المصنف ﵀: [وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (من قال حين يسمع النداء: اللهم! رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة) أخرجه الأربعة] .
هذا تتمة الحديث المتقدم: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، ثم سلو الله لي الوسيلة، فمن سأل الله لي الوسيلة كنت له شفيعاً يوم القيامة) ، فهنا يعطينا الصيغة التي بها نسأل الله الوسيلة له ﷺ ، (من قال حين يسمع الأذان) ، أي: وقال مثلما يقول المؤذن وصلى علي ثم قال: (اللهم! رب هذه الدعوة) ، الدعوة إلى الصلاة، أنت تدعو: حي على الصلاة والفلاح فهذه دعوة تامة.
(والصلاة القائمة) ، هذه الصلاة عماد الدين، ومكانتها عند الله عظيمة.
(آت محمداً) ، في هذا الحديث لفظ محمد مجرد عن السيادة، وبعض العلماء ينظر بعمق ويقول: نحن نسأل له، والمسئول له يجب أن يكون في مقام التواضع مع المسئول، فهل عندما نسأل له الوسيلة نسيده ونعظمه وهو سيد وعظيم أم أن المناسب للمقام -مع تكريم النبي ﷺ أن نقول كما قال ﷺ : (آت محمداً الوسيلة) ؟ المناسب الثاني، وحينما يكون المقام مقام تكريم وتعظيم فلا بأس بذكر السيادة، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا وسيد العالمين وسيد الثقلين أجمعين محمد ﷺ .
لا مانع من ذلك لكن هنا: (آت محمداً الوسيلة) ، وقد بين ﷺ أنها منزلة رفيعة في الجنة لا تنبغي إلا لشخص واحد، قال: (وأرجو أن أكون أنا هو) .
إذاً: هذه الصيغة التي نسأل الله له بها الوسيلة.
الدعوة التامة بكل أركانها، وتامة بكل تشريعاتها، لا نقص فيها أبداً، في هيئتها في أدائها في مهمتها، وما يعود على الإنسان منها فهي تنهى عن الفحشاء والمنكر، وتعين على نوائب الدهر.
(الوسيلة) ، أي: تلك المنزلة الرفيعة.
(والمقام المحمود الذي وعدته) ، المقام المحمود هو مقام الشفاعة العظمى حينما يعتذر عنها جميع الأنبياء آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم جميعاً أفضل الصلاة والسلام، ويتقبلها رسول الله ﷺ ، ويشفع لهم عند رب العزة سبحانه، حتى يأتي لفصل القضاء، فتكون شفاعة شاملة للأمم مع أنبيائهم، وهو المقام المحمود الذي يغبطه عليه الأولون والآخرون صلوات الله وسلامه عليه.
قال: (حلت له شفاعتي) ، هذا وعد منه ﷺ أن من فعل ذلك استحق شفاعة رسول الله ﷺ .
ونسأل الله حسن الختام بحسن ختام هذا الحديث الذي فيه إرهاص بشفاعة النبي ﷺ ، ونسأل الله أن يكرمنا وإياكم جميعاً بشفاعته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 455
كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة [١]
من شروط الصلاة: طهارة البدن واللباس والمكان الذي تصلي فيه، ويجوز الصلاة بالنعلين الطاهرتين إذا لم يكن هناك مانع مثل أن يكون المسجد مفروشاً ويخشى تضرر الفراش بالنعال، أو إذا كانت الصلاة بالنعال ستسبب فتنة وخلافاً.
стр. 456
مسائل في الصلاة
стр. 457
طهارة النعلين من الأذى والمراد به
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا وطئ أحدكم الأذى بخفيه فطهورهما التراب) أخرجه أبو داود، وصححه ابن حبان] .
تقدم شيء من الكلام على الصلاة في النعلين، وجاء المؤلف رحمه الله تعالى تبعاً لذلك بهذا الحديث، وهو أن الرسول ﷺ قال: (إذا وطئ أحدكم الأذى بنعليه فطهورهما التراب) ، والحديث المتقدم هو: (إذا أتى أحدكم المسجد فلينظر أسفل نعليه، فإذا رأى أذى أو قذراً فليمسحهما في التراب وليصل فيهما) ، وهما دليلان على طهارة النعل بالمسح بالتراب.
والأذى والقذر حمله بعض العلماء على النجاسة، والتحقيق أنهما أعم من كونهما نجسين، قال البيهقي: يحتمل أن يكون الأذى من الطاهر المستقذر، كما يقولون عن الطين الذي في الطريق: هو أذى مع أنه طاهر.
وقال الشافعي ﵀: اليابس من القذى أو الأذى أو ما هو أخص كالنجاسة يطهر إذا ذهبت منه العين، وذهب اللون، وذهبت الرائحة.
أما إذا كان النعل به أذى أو قذى -على المعنى الأعم أو المعنى الأخص- رطباً فيقول الشافعي ﵀: لا يطهره إلا الماء.
وجاء عن مالك رحمه الله تعالى أن الحديث محمول على ما يستقذر في اليابسات، فإذا مر على يابس مستقذر وعلق شيء منه، فإنه إذا مر على يابس آخر طهره، كما جاء في إطالة ذيل ثوب المرأة، فإن اليابس الآخر الطاهر سيستخلص ما علق بذيل المرأة من الأذى أو القذى اليابس، ولن يبقى شيء هناك.
وقد حكى مالك ﵀ الإجماع على أن النجاسة لا تطهر إلا بالماء، خلافاً للإمام أبي حنيفة ﵀ الذي يقول: إن كل مائع طاهر يزيل النجاسة لأن النجاسة عنده حكم ظاهر المراد إزالة عينها، والجمهور أنه تعبدي، ولا يستعمل في إزالة النجاسة إلا الماء، ومن هنا قال البيهقي: يحتمل أن يكون الأذى أو القذى هو كل طاهر مستقذر.
ويقول الآخرون: لو أن إنساناً لم يلبس النعل، ومشى حافياً، ووطئ الأذى أو القذى، وكان في هذا الأذى أو في هذا القذى نجاسة، فهل تطهر قدمه بدلكها في التراب، أم يتعين عليه غسلها؟ قالوا: إن النجاسة في الثوب والبدن لا يزيلها إلا غسلها بالماء، وكذلك النجاسة إذا كانت معروفة بالحواس، فإما أن تعرف بالرؤية بلونها، أو بالشم برائحتها، أو بالجرم بالعين، فلا بد من إزالة عينها وإزالة رائحتها وإزالة لونها، وإلا فلا يصح أن يصلي بهذه النعل.
стр. 458
حكم الصلاة في النعلين
هذا الموضوع يهم في الدرجة الأولى طلبة العلم؛ لأن العامة لا يصلون في النعلين تحرجاً، والذي يفعل ذلك -خاصة في هذه الآونة- هم بعض الإخوة طلبة العلم؛ لحديث: (خالفوا اليهود وصلوا في النعال) ، وحديث: (إذا أتى أحدكم المسجد فلينظر أسفل نعليه) ، وفيها أمر بالصلاة في النعلين.
وأنبه إلى الرجوع في هذا إلى معالم السنن، وإلى شرح السنة، أو إلى سنن أبي داود، أو إلى سنن الترمذي، أو إلى فتح الباري، أو إلى شرح ابن دقيق العيد للعمدة فسنجد حديث أنس رضي الله تعالى عنه أنه سئل: هل صلى النبي ﷺ في نعليه؟ فقال: نعم.
وروى عن النبي ﷺ أنه قال: (من شاء فليصل في نعليه، ومن شاء فليخلعهما) ، وعلقوا على ذلك لأن هذا ناسخ للأمر الذي جاء في حديث: (إذا أتى أحدكم المسجد فلينظر أسفل نعليه) ، قالوا: (فليصل) هنا أمر، نسخه عن الوجوب قوله: (إن شاء) .
قال ابن دقيق العيد في مبحث دقيق نقله عنه ابن حجر في فتح الباري: إن قول النبي ﷺ : (إذا أتى أحدكم المسجد) ، وكذلك ما حدث للنبي ﷺ وهو في الصلاة، حيث كان في فتح مكة -وقيل: بالمدينة- فقرأ بأول سورة المؤمنون، وأخذته كحة فاختصر القراءة، وقد أمره جبريل أن يخلع نعليه فخلعهما، فخلعوا نعالهم، فلما سلم قال: (ما حملكم على خلع نعلكم؟ قالوا: رأيناك خلعت فخلعنا.
قال: أما إنه أتاني جبريل ﵇ فأخبرني أن في نعلي أذى فخلعتهما) ، ثم قال ﷺ : (إذا أتى أحدكم المسجد فلينظر.
إلخ) ، فهذا تتمة لحديث جبريل ﵇.
قال بعض العلماء: جبريل ﵇ أخبر النبي ﷺ بذلك بعد أن دخل في الصلاة، وفي رواية من هذا الحديث أنه ﷺ لما خلع نعليه جعلهما عن يساره، ثم قال: (إذا خلع أحدكم نعليه وصلى فلا يجعلهما عن يمينه، ولا عن يساره فيؤذي بهما جاره) ، وفي بعض الروايات: (لا يجعلهما عن يمينه ولا عن يساره فتقع عن يمين جاره) ، وعلّق على ذلك الخطابي بأن هذا من باب احترام الجوار، واحترام الصلاة.
لذا ينبغي أن يجعل الإنسان في الجانب الأيمن أفضل النعلين.
قال ﷺ : (وليجعلهما بين قدميه) ، فهذه هي السنة في وضع النعلين، فإذا كان يريد ابتداءً أن يصلي، ويريد أن يضع النعلين فلا يضعهما عن يمينه؛ لأن هذا -كما يقال- ليس من الاحترام الكامل، ولا عن يساره فيأتي أحد فيصلي بجواره فتكون نعليه عن يمين هذا المصلي فيؤذيه بها، ولا تلقاء وجهه؛ لأنه إذا سجد ستكون أمامه، فيكون هذا المنظر غير لائق بالصلاة، ولكن ليجعلهما بين قدميه.
قالوا: هناك جزء مضى من الصلاة قبل أن يخبر جبريل رسول الله ﷺ ، ثم جاء جبريل وأخبره بالأذى، فلو قدرنا أن الأذى كناية عن النجاسة فكيف يُقَرُّ النبي ﷺ وقد أوقع جزءاً من صلاته وهو متلبس بنجاسة، وكان الأولى أو الأنسب أو المتوقع أن يبادر جبريل ﵇ فيخبره قبل أن يدخل في الصلاة بتلك النجاسة؛ لأن الأكمل في حقه ﷺ أن يكون أطهر وأبعد من هذا كله؟ قالوا: كلمة (أذى) لا تحمل على النجاسة؛ لأنها لو كانت نجاسة لكان النبي ﷺ في ابتداء الأمر صلى بنجاسة، وهذا لا يليق، ولا تصح الصلاة به، وكذا قال البيهقي في السنن: يحتمل قوله: (قذى أو أذى) أنه طاهر يستقذره الناس، أو طاهر مستقذر.
قال ابن دقيق العيد: قوله في الحديث: (فليحتهما، وليصل فيهما) ليس دليلاً على استحباب الصلاة في النعلين، وإنما هو إباحة بمعنى الرخصة، وقال: أما كونه مستحباً فليس بوارد؛ لأنه ليس من الزينة التي أمرنا بأخذها عند المساجد في قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١] ، فإن كان داخلاً في معنى الزينة فهو مطلوب ومستحب، ولكن النعل يلامس الأرض، ويخالط الأذى والقذى، فيضعفه ذلك عن منزلة الاستحباب، ولا يدخل في الآية.
وقال: إن إزالة النجاسة هي المرتبة الأولى في التشريع؛ لأنها من درء المفاسد، ودرء المفاسد إنما هو في الضروريات كما يقال، وأخذ الزينة هو الدرجة الثانية، والتشريع يدور حول درء المفاسد وجلب المصالح من التحسينيات والكماليات إلى كل ركن في الإسلام.
والاستحسان يدخل في جميع العبادات، وهو الترقي بتلك العبادة، فمن باب الاستحسان أخذ الزينة، وكمال اللباس، والعناية بالنظافة، وطهارة الثياب والمكان طهارة كاملة، وقد جاء في الحديث: (ما على أحدكم أن يتخذ ثوبين للجمعة سوى ثوبي مهنته) ، وكذلك أن يغتسل، وأن يتطيب، فهذا استحباب، والأصل هو صلاة الجمعة.
فدرء المفاسد بتجنب النجاسات هو درجة أعلى، وأشد طلباً من درجة الاستحسان والكمال، فالحفاظ على ترك النجاسة أولى في التشريع وأهم من الحفاظ على الزينة في اللباس.
قال: فليس هناك داعٍ إلى الصلاة في النعلين، إلا إذا كان داخلاً في عموم قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١] ، وهذه هي الدرجة الثانية في التشريع، وتجنب النجاسة هي الدرجة الأولى في التشريع.
قال: وعلى هذا فليس في الحديث ما يدل على استحباب الصلاة في النعلين، والنبي ﷺ لما سئل قال: (إن شئت فاخلعها، وإن شئت فصل فيهما) .
ونحن في هذه المسألة بحاجة إلى التوسع والاستقصاء؛ لما يحدث فيها من أخذ وعطاء مع بعض الإخوة الغيورين على السنة، وهم يقولون: إن التعليل هو قوله ﵊: (خالفوا اليهود وصلوا في النعال؛ فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا في خفافهم) .
فما دام ان ابن دقيق العيد يقول: الصلاة في النعلين ليست مستحبة، وغيره يقول: هي مسنونة -كما قال الشوكاني الذي جمع كل هذه الأقوال التي أشرت إلى مراجعها، وانتهى إلى أن الأصل المشروعية- فنقول: الأصل جواز الصلاة في النعلين، وهي مشروعة، ولكن مع التحفظ من وجود أذى أو قذى، ولو كان لابس الخفين وفوق الخفين نعلان يباشر بهما الأرض فإنه يصلي بالخفين ولا غبار على ذلك، ولا أحد ينكر عليه.
أما النعلان اللذان يباشر بهما الطريق، ويدخل بهما بيت الخلاء فإنه قد يتساهل في نظافتهما، ولا يكفي أن ينظر فيهما ويحتهما في التراب، فهل هو بهذا الحت قد طهرهما؟ فالأئمة ﵏ اختلفوا في تحقيق المناط في تطهير النعلين بالحت حتى ذهاب عينها وذهاب لونها وذهاب رائحتها، وهناك من يقول: هذا في اليابسات وهناك من يقول: يحتمل أن يكون هذا في الطاهر المستقذر.
فالأحوط أنه لا حاجة إلى الإصرار على الصلاة في النعلين، مادام أن النبي ﷺ صلى منتعلاً وصلى حافياً، أي: صلى على كلتا الحالتين.
ولو أن إنساناً في سفر نزل في أرض فلاة وهو بنعليه، فنظر فيهما فلم يجد فيهما أذى ولا قذى، ولا يستطيع أن يصلي على الحصباء؛ لأنه يتأذى من ذلك فنقول: يصلي في نعليه لهذه الحاجة، ولا مانع من ذلك، فإذا لم يكن هناك حاجة فليخلعهما.
فالصلاة في النعلين رخصة يباح فعلها، والرخصة معللة بقوله: (خالفوا اليهود) ، فهل نقول: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؟ أشرنا أنها لا تدخل تحت هذه القاعدة؛ لأنه ليس هناك الأمر المطلق بالصلاة في الخف، وإنما لعلة بذاتها، والذي يهمنا الآن هو تنبيه الإخوة ألا يجعلوا هذه المسألة مثار خلاف ونزاع بينهم.
ومن الحكمة النبوية الكريمة أنه صلوات الله وسلامه عليه كان يترك الأمر الذي يحبه ويتقرب بفعله لما يترتب عليه من مفاسد أخرى، ومن ذلك حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعلى عنها عندما سألته أن يدخلها الكعبة لتصلي فيها، فأخذ بيدها وقال: (صلي في الحجر؛ فإنه من البيت) ، وذكر أن قومها قصرت بهم النفقة عن إقامة الكعبة على قواعد إبراهيم، فتركوا من البيت جزءاً حجروا عليه حتى لا يضيع في المسح، ثم قالت: ما بال الباب مرتفعاً؟ قال: (ليدخلوا من شاؤوا ويمنعوا من شاؤوا، ولولا حداثة قومك بكفر لهدمت الكعبة، ولأقمتها على قواعد إبراهيم، ولجعلت لها بابين: باب للداخل، وباب للخارج، وسويتهما بالأرض) ، فهو رغب أن يجعل الكعبة على تلك الحالة، ولكن ترك ذلك مراعياً ما يترتب عليه من رد الفعل في نفوس قريش؛ لأنهم كانوا حدثاء عهد بشرك.
وكذلك لما شرب من بئر زمزم قال للسقاة: (انزعوا يا بني عبد المطلب؛ فلولا أن يغلبكم الناس لنزعت معكم) ، فرغب أن يأخذ الدلو ويسقي نفسه، ولكن خاف أن يأتي كل مسلم فيقول: إن الرسول ﷺ قد نزع بالدلو فأنا أنزع مثله، فإذا أراد جميع الحجاج أن ينزعوا بالأدل فيسغلبون السقاة على زمزم.
فكان ﷺ يترك الشيء الذي يرغب فيه خوفاً مما يترتب عليه، وهذا يسميه علماء الأصول سد الذرائع، وهو ترك الجائز مخافة الوقوع في الحرام، والأصل فيه من كتاب الله قوله تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٠٨] ، فلو أنكم سببتم أصنامهم فهذا ليس فيه مانع، وهي تستحق ذلك، ولكن إن فعلتم ذلك فنتيجة ذلك أن يسبوا الله، فلو أنكم سببتم آلهتهم سبوا إلهكم.
وقد جاء عنه ﷺ أنه قال: (من الكبائر شتم الرجل والديه، قالوا: وهل يسب الرجل أباه؟ قال: نعم.
يسب أبا الرجل فيسب أباه) ، فهو السبب في سب أبيه.
وأذكر قصة لشخص أشهد الله أني أراه على الفطرة، وهو إنسان فيه خير كثير، وكانت مخالطته للناس قليلة، وكان يحافظ على الصلوات جماعة، وكان يلبس نعلين كبيرتين ويصلي بهما، وكان معه عصا منحنية يتوكأ عليها، ففي يوم من الأيام في صلاة العصر صلى بجانبي، وعكس ا
стр. 459
حكم الكلام في الصلاة
قال رحمه الله تعالى: [وعن معاوية بن الحكم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن) رواه مسلم] .
هذا من بيان شروط الصلاة، فلا تصح الصلاة إذا وقع فيها كلام الناس، ويراد بكلام الناس الكلام الذي منشأه من الناس، وإلا فالناس يتكلمون بالتسبيح والتكبير وغير ذلك مما أصله من التشريع، بأن يكون نصاً قرآنياً، أو حديثاً نبوياً، فإذا قرأ الإنسان القرآن فهذا كلامه، والأصل فيه أنه كلام المولى سبحانه، وهذه قضية عقدية لها مكانها.
ونعلم جميعاً أنه إذا قال إنسان: (اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد ﷺ فهذا ليس من كلام الناس؛ لأن الله أمر بأن تصلي على النبي ﷺ وإن اختلفت الصيغ فالأولى أن يتحرى الإنسان الصيغ الواردة عن رسول الله ﷺ ، وهي أنواع الصلاة الإبراهيمية في تشهد الصلاة.
فكلام الناس هو ما أنشأه الناس من عندهم، وإذا جئنا إلى بعض المواطن نجد أن النبي ﷺ أرشد المصلي في سجوده أن يجتهد في الدعاء، فقال: (أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء) ، فالدعاء قد يكون من كتاب أو سنة، وقد يكون من كلام الإنسان يسأل الله حاجة له خاصة، فيقول: اللهم! اشف ولدي اللهم! نجح ولدي، اللهم! رد علي غائبي بخير.
فهذا كلام الإنسان في مصلحته الشخصية، وعموم الدعاء مطلوب ومشروع، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] ، والنبي ﷺ أوصى ورغب الإنسان أن يدعو الله في السجود.
قال بعض العلماء: يجوز أن تدعو الله بما ورد في الكتاب على تأويل الدعاء، لا على تأويل التلاوة، فتقول -مثلاً-: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ... ) ، (رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي، وأن أعمل صالحاً ترضاه، وأصلح لي في ذريتي، إني تبت إليك وإني من المسلمين) .
فهذه ألفاظ دعوات يأخذها الإنسان من الكتاب، ويتكلم بها لا على أنها تلاوة، ولكن على أنها دعاء وطلب.
ولهذا فإن الجنب والحائض إذا أتيا بهذه الألفاظ من الأدعية من الكتاب وهما لا يريدان تلاوة، وإنما يريدان التعبد بالدعاء بهذه الألفاظ فلا مانع، وإن كان الجنب والحائض يمنعان من تلاوة القرآن، كما قال علي رضي الله تعالى عنه: (لا، ولا حرفاً واحداً) .
فكلام الناس المراد به ما عدا ما شرعه النبي عليه ﷺ من التسبيح والتحميد والتكبير؛ لأن المصلي يحمد الله، سواءٌ كان في الفاتحة، أم عند الرفع من الركوع، والتسبيح يكون في الركوع وفي السجود، وهذا من كلامه، فيسبح الله ويحمد الله.
والمنهي عنه في الصلاة هو ما يبينه الحديث الذي يأتي بعده: (يكلم أحدنا صاحبه في حاجته) ، كأن يقول: أين كنت أمس؟! وكيف حال المريض الذي كان عندكم؟! وما هو السعر اليوم في السوق؟ وهل فلان أتى أم لم يأت؟ فكلام الناس هذا الذي في مصلحة الناس لا دخل له في العبادة، ولا يجوز في الصلاة.
وقد كانوا يتكلمون في الصلاة فنهوا، وقال ﵊: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير ... ) إلخ.
стр. 460
الدعاء بما لم يرد
مسألة: هل للمصلي أن يسأل الله في قنوته أو في سجوده بما أراد، أو يتقيد بما هو وارد؟ بعض المالكية يقول: ما هو مشروع في العبادة يتقيد به، كالقنوت في الصلاة، والقنوت في النوازل، فينبغي أن يتقيد القانت بما ورد من الدعاء في تلك المناسبة عن رسول الله ﷺ ، ولا يدخل من كلام الناس شيئاً؛ لأن القنوت عبادة.
وهناك من يقول: ما دام الباب باب دعاء فله أن يدعو بالمناسب، والرسول ﷺ قنت شهراً يدعو على رعل وذكوان، وقد سماهم بأعيانهم كما في قصة أصحاب الرجيع، وهم القراء الذين استشهدوا.
مسألة: إذا كان في الصلاة فهل له أن يتكلم بالقرآن مخاطباً لإنسان سأله عن شيء، أو استفسر عن شيء، أو رأى شيئاً ويريد أن ينبه عليه فتلا آية من كتاب الله ليدل على المطلوب؟ الجمهور يقولون: لا.
لأن هذا يخرج القرآن إلى كلام الناس فيجيب به الآخرين.
وسيأتي أنه ﷺ كان في صلاة النافلة يأذن بالتنحنح، أو يرد السلام بإشارة اليد.
فقوله ﷺ : (أن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس) يدل على أنه لا ينبغي لإنسان وهو في الصلاة أن يتكلم بكلام الناس، ولو فعل بطلت صلاته، ولو كان حرفاً واحداً يؤدي معنى.
فلو أن إنساناً وقف بجوارك وقال: أجاء زيد؟ فقلت: (لا) فهذا حرف، لكن هذا الحرف يتضمن نفي جملة، أي: لم يأت.
لأن النفي هنا راجع إلى جملة المجيء، وأنت تقول: (لا) ، فـ (لا) وحدها ليست كلمة، كما قال ابن مالك في الألفية: كلامنا لفظ مفيد كاستقم واسم وفعل ثم حرف الكلم فكلمة (استقم) هي كلمة واحدة، وهو يقول: كلامنا لفظ مفيد.
ويقول النحاة: لفظ مركب.
والإفادة حصلت بكلمة (استقم) ؛ لأن المعنى: (استقم أنت) ، فهي كلمة متضمنة جملة كاملة.
وكذلك الحروف المستعملة في المعاني، نحو: يا زيد فـ (يا) تقوم مقام الفعل: (أناديك) ، فكذلك إذا حصل كلام ولو بحرف واحد يؤدي معنى يحسن السكوت عليه فحينئذٍ تبطل الصلاة.
следующие страницы →