← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7714

شرح بلوغ المرام لعطية سالم

عطية سالم

Полный текст (2 523 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

مسائل في الصلاة

стр. 457

طهارة النعلين من الأذى والمراد به الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا وطئ أحدكم الأذى بخفيه فطهورهما التراب) أخرجه أبو داود، وصححه ابن حبان] . تقدم شيء من الكلام على الصلاة في النعلين، وجاء المؤلف رحمه الله تعالى تبعاً لذلك بهذا الحديث، وهو أن الرسول ﷺ قال: (إذا وطئ أحدكم الأذى بنعليه فطهورهما التراب) ، والحديث المتقدم هو: (إذا أتى أحدكم المسجد فلينظر أسفل نعليه، فإذا رأى أذى أو قذراً فليمسحهما في التراب وليصل فيهما) ، وهما دليلان على طهارة النعل بالمسح بالتراب. والأذى والقذر حمله بعض العلماء على النجاسة، والتحقيق أنهما أعم من كونهما نجسين، قال البيهقي: يحتمل أن يكون الأذى من الطاهر المستقذر، كما يقولون عن الطين الذي في الطريق: هو أذى مع أنه طاهر. وقال الشافعي ﵀: اليابس من القذى أو الأذى أو ما هو أخص كالنجاسة يطهر إذا ذهبت منه العين، وذهب اللون، وذهبت الرائحة. أما إذا كان النعل به أذى أو قذى -على المعنى الأعم أو المعنى الأخص- رطباً فيقول الشافعي ﵀: لا يطهره إلا الماء. وجاء عن مالك رحمه الله تعالى أن الحديث محمول على ما يستقذر في اليابسات، فإذا مر على يابس مستقذر وعلق شيء منه، فإنه إذا مر على يابس آخر طهره، كما جاء في إطالة ذيل ثوب المرأة، فإن اليابس الآخر الطاهر سيستخلص ما علق بذيل المرأة من الأذى أو القذى اليابس، ولن يبقى شيء هناك. وقد حكى مالك ﵀ الإجماع على أن النجاسة لا تطهر إلا بالماء، خلافاً للإمام أبي حنيفة ﵀ الذي يقول: إن كل مائع طاهر يزيل النجاسة لأن النجاسة عنده حكم ظاهر المراد إزالة عينها، والجمهور أنه تعبدي، ولا يستعمل في إزالة النجاسة إلا الماء، ومن هنا قال البيهقي: يحتمل أن يكون الأذى أو القذى هو كل طاهر مستقذر. ويقول الآخرون: لو أن إنساناً لم يلبس النعل، ومشى حافياً، ووطئ الأذى أو القذى، وكان في هذا الأذى أو في هذا القذى نجاسة، فهل تطهر قدمه بدلكها في التراب، أم يتعين عليه غسلها؟ قالوا: إن النجاسة في الثوب والبدن لا يزيلها إلا غسلها بالماء، وكذلك النجاسة إذا كانت معروفة بالحواس، فإما أن تعرف بالرؤية بلونها، أو بالشم برائحتها، أو بالجرم بالعين، فلا بد من إزالة عينها وإزالة رائحتها وإزالة لونها، وإلا فلا يصح أن يصلي بهذه النعل.

стр. 458

حكم الصلاة في النعلين هذا الموضوع يهم في الدرجة الأولى طلبة العلم؛ لأن العامة لا يصلون في النعلين تحرجاً، والذي يفعل ذلك -خاصة في هذه الآونة- هم بعض الإخوة طلبة العلم؛ لحديث: (خالفوا اليهود وصلوا في النعال) ، وحديث: (إذا أتى أحدكم المسجد فلينظر أسفل نعليه) ، وفيها أمر بالصلاة في النعلين. وأنبه إلى الرجوع في هذا إلى معالم السنن، وإلى شرح السنة، أو إلى سنن أبي داود، أو إلى سنن الترمذي، أو إلى فتح الباري، أو إلى شرح ابن دقيق العيد للعمدة فسنجد حديث أنس رضي الله تعالى عنه أنه سئل: هل صلى النبي ﷺ في نعليه؟ فقال: نعم. وروى عن النبي ﷺ أنه قال: (من شاء فليصل في نعليه، ومن شاء فليخلعهما) ، وعلقوا على ذلك لأن هذا ناسخ للأمر الذي جاء في حديث: (إذا أتى أحدكم المسجد فلينظر أسفل نعليه) ، قالوا: (فليصل) هنا أمر، نسخه عن الوجوب قوله: (إن شاء) . قال ابن دقيق العيد في مبحث دقيق نقله عنه ابن حجر في فتح الباري: إن قول النبي ﷺ : (إذا أتى أحدكم المسجد) ، وكذلك ما حدث للنبي ﷺ وهو في الصلاة، حيث كان في فتح مكة -وقيل: بالمدينة- فقرأ بأول سورة المؤمنون، وأخذته كحة فاختصر القراءة، وقد أمره جبريل أن يخلع نعليه فخلعهما، فخلعوا نعالهم، فلما سلم قال: (ما حملكم على خلع نعلكم؟ قالوا: رأيناك خلعت فخلعنا. قال: أما إنه أتاني جبريل ﵇ فأخبرني أن في نعلي أذى فخلعتهما) ، ثم قال ﷺ : (إذا أتى أحدكم المسجد فلينظر. إلخ) ، فهذا تتمة لحديث جبريل ﵇. قال بعض العلماء: جبريل ﵇ أخبر النبي ﷺ بذلك بعد أن دخل في الصلاة، وفي رواية من هذا الحديث أنه ﷺ لما خلع نعليه جعلهما عن يساره، ثم قال: (إذا خلع أحدكم نعليه وصلى فلا يجعلهما عن يمينه، ولا عن يساره فيؤذي بهما جاره) ، وفي بعض الروايات: (لا يجعلهما عن يمينه ولا عن يساره فتقع عن يمين جاره) ، وعلّق على ذلك الخطابي بأن هذا من باب احترام الجوار، واحترام الصلاة. لذا ينبغي أن يجعل الإنسان في الجانب الأيمن أفضل النعلين. قال ﷺ : (وليجعلهما بين قدميه) ، فهذه هي السنة في وضع النعلين، فإذا كان يريد ابتداءً أن يصلي، ويريد أن يضع النعلين فلا يضعهما عن يمينه؛ لأن هذا -كما يقال- ليس من الاحترام الكامل، ولا عن يساره فيأتي أحد فيصلي بجواره فتكون نعليه عن يمين هذا المصلي فيؤذيه بها، ولا تلقاء وجهه؛ لأنه إذا سجد ستكون أمامه، فيكون هذا المنظر غير لائق بالصلاة، ولكن ليجعلهما بين قدميه. قالوا: هناك جزء مضى من الصلاة قبل أن يخبر جبريل رسول الله ﷺ ، ثم جاء جبريل وأخبره بالأذى، فلو قدرنا أن الأذى كناية عن النجاسة فكيف يُقَرُّ النبي ﷺ وقد أوقع جزءاً من صلاته وهو متلبس بنجاسة، وكان الأولى أو الأنسب أو المتوقع أن يبادر جبريل ﵇ فيخبره قبل أن يدخل في الصلاة بتلك النجاسة؛ لأن الأكمل في حقه ﷺ أن يكون أطهر وأبعد من هذا كله؟ قالوا: كلمة (أذى) لا تحمل على النجاسة؛ لأنها لو كانت نجاسة لكان النبي ﷺ في ابتداء الأمر صلى بنجاسة، وهذا لا يليق، ولا تصح الصلاة به، وكذا قال البيهقي في السنن: يحتمل قوله: (قذى أو أذى) أنه طاهر يستقذره الناس، أو طاهر مستقذر. قال ابن دقيق العيد: قوله في الحديث: (فليحتهما، وليصل فيهما) ليس دليلاً على استحباب الصلاة في النعلين، وإنما هو إباحة بمعنى الرخصة، وقال: أما كونه مستحباً فليس بوارد؛ لأنه ليس من الزينة التي أمرنا بأخذها عند المساجد في قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١] ، فإن كان داخلاً في معنى الزينة فهو مطلوب ومستحب، ولكن النعل يلامس الأرض، ويخالط الأذى والقذى، فيضعفه ذلك عن منزلة الاستحباب، ولا يدخل في الآية. وقال: إن إزالة النجاسة هي المرتبة الأولى في التشريع؛ لأنها من درء المفاسد، ودرء المفاسد إنما هو في الضروريات كما يقال، وأخذ الزينة هو الدرجة الثانية، والتشريع يدور حول درء المفاسد وجلب المصالح من التحسينيات والكماليات إلى كل ركن في الإسلام. والاستحسان يدخل في جميع العبادات، وهو الترقي بتلك العبادة، فمن باب الاستحسان أخذ الزينة، وكمال اللباس، والعناية بالنظافة، وطهارة الثياب والمكان طهارة كاملة، وقد جاء في الحديث: (ما على أحدكم أن يتخذ ثوبين للجمعة سوى ثوبي مهنته) ، وكذلك أن يغتسل، وأن يتطيب، فهذا استحباب، والأصل هو صلاة الجمعة. فدرء المفاسد بتجنب النجاسات هو درجة أعلى، وأشد طلباً من درجة الاستحسان والكمال، فالحفاظ على ترك النجاسة أولى في التشريع وأهم من الحفاظ على الزينة في اللباس. قال: فليس هناك داعٍ إلى الصلاة في النعلين، إلا إذا كان داخلاً في عموم قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١] ، وهذه هي الدرجة الثانية في التشريع، وتجنب النجاسة هي الدرجة الأولى في التشريع. قال: وعلى هذا فليس في الحديث ما يدل على استحباب الصلاة في النعلين، والنبي ﷺ لما سئل قال: (إن شئت فاخلعها، وإن شئت فصل فيهما) . ونحن في هذه المسألة بحاجة إلى التوسع والاستقصاء؛ لما يحدث فيها من أخذ وعطاء مع بعض الإخوة الغيورين على السنة، وهم يقولون: إن التعليل هو قوله ﵊: (خالفوا اليهود وصلوا في النعال؛ فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا في خفافهم) . فما دام ان ابن دقيق العيد يقول: الصلاة في النعلين ليست مستحبة، وغيره يقول: هي مسنونة -كما قال الشوكاني الذي جمع كل هذه الأقوال التي أشرت إلى مراجعها، وانتهى إلى أن الأصل المشروعية- فنقول: الأصل جواز الصلاة في النعلين، وهي مشروعة، ولكن مع التحفظ من وجود أذى أو قذى، ولو كان لابس الخفين وفوق الخفين نعلان يباشر بهما الأرض فإنه يصلي بالخفين ولا غبار على ذلك، ولا أحد ينكر عليه. أما النعلان اللذان يباشر بهما الطريق، ويدخل بهما بيت الخلاء فإنه قد يتساهل في نظافتهما، ولا يكفي أن ينظر فيهما ويحتهما في التراب، فهل هو بهذا الحت قد طهرهما؟ فالأئمة ﵏ اختلفوا في تحقيق المناط في تطهير النعلين بالحت حتى ذهاب عينها وذهاب لونها وذهاب رائحتها، وهناك من يقول: هذا في اليابسات وهناك من يقول: يحتمل أن يكون هذا في الطاهر المستقذر. فالأحوط أنه لا حاجة إلى الإصرار على الصلاة في النعلين، مادام أن النبي ﷺ صلى منتعلاً وصلى حافياً، أي: صلى على كلتا الحالتين. ولو أن إنساناً في سفر نزل في أرض فلاة وهو بنعليه، فنظر فيهما فلم يجد فيهما أذى ولا قذى، ولا يستطيع أن يصلي على الحصباء؛ لأنه يتأذى من ذلك فنقول: يصلي في نعليه لهذه الحاجة، ولا مانع من ذلك، فإذا لم يكن هناك حاجة فليخلعهما. فالصلاة في النعلين رخصة يباح فعلها، والرخصة معللة بقوله: (خالفوا اليهود) ، فهل نقول: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؟ أشرنا أنها لا تدخل تحت هذه القاعدة؛ لأنه ليس هناك الأمر المطلق بالصلاة في الخف، وإنما لعلة بذاتها، والذي يهمنا الآن هو تنبيه الإخوة ألا يجعلوا هذه المسألة مثار خلاف ونزاع بينهم. ومن الحكمة النبوية الكريمة أنه صلوات الله وسلامه عليه كان يترك الأمر الذي يحبه ويتقرب بفعله لما يترتب عليه من مفاسد أخرى، ومن ذلك حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعلى عنها عندما سألته أن يدخلها الكعبة لتصلي فيها، فأخذ بيدها وقال: (صلي في الحجر؛ فإنه من البيت) ، وذكر أن قومها قصرت بهم النفقة عن إقامة الكعبة على قواعد إبراهيم، فتركوا من البيت جزءاً حجروا عليه حتى لا يضيع في المسح، ثم قالت: ما بال الباب مرتفعاً؟ قال: (ليدخلوا من شاؤوا ويمنعوا من شاؤوا، ولولا حداثة قومك بكفر لهدمت الكعبة، ولأقمتها على قواعد إبراهيم، ولجعلت لها بابين: باب للداخل، وباب للخارج، وسويتهما بالأرض) ، فهو رغب أن يجعل الكعبة على تلك الحالة، ولكن ترك ذلك مراعياً ما يترتب عليه من رد الفعل في نفوس قريش؛ لأنهم كانوا حدثاء عهد بشرك. وكذلك لما شرب من بئر زمزم قال للسقاة: (انزعوا يا بني عبد المطلب؛ فلولا أن يغلبكم الناس لنزعت معكم) ، فرغب أن يأخذ الدلو ويسقي نفسه، ولكن خاف أن يأتي كل مسلم فيقول: إن الرسول ﷺ قد نزع بالدلو فأنا أنزع مثله، فإذا أراد جميع الحجاج أن ينزعوا بالأدل فيسغلبون السقاة على زمزم. فكان ﷺ يترك الشيء الذي يرغب فيه خوفاً مما يترتب عليه، وهذا يسميه علماء الأصول سد الذرائع، وهو ترك الجائز مخافة الوقوع في الحرام، والأصل فيه من كتاب الله قوله تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٠٨] ، فلو أنكم سببتم أصنامهم فهذا ليس فيه مانع، وهي تستحق ذلك، ولكن إن فعلتم ذلك فنتيجة ذلك أن يسبوا الله، فلو أنكم سببتم آلهتهم سبوا إلهكم. وقد جاء عنه ﷺ أنه قال: (من الكبائر شتم الرجل والديه، قالوا: وهل يسب الرجل أباه؟ قال: نعم. يسب أبا الرجل فيسب أباه) ، فهو السبب في سب أبيه. وأذكر قصة لشخص أشهد الله أني أراه على الفطرة، وهو إنسان فيه خير كثير، وكانت مخالطته للناس قليلة، وكان يحافظ على الصلوات جماعة، وكان يلبس نعلين كبيرتين ويصلي بهما، وكان معه عصا منحنية يتوكأ عليها، ففي يوم من الأيام في صلاة العصر صلى بجانبي، وعكس ا

стр. 459

حكم الكلام في الصلاة قال رحمه الله تعالى: [وعن معاوية بن الحكم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن) رواه مسلم] . هذا من بيان شروط الصلاة، فلا تصح الصلاة إذا وقع فيها كلام الناس، ويراد بكلام الناس الكلام الذي منشأه من الناس، وإلا فالناس يتكلمون بالتسبيح والتكبير وغير ذلك مما أصله من التشريع، بأن يكون نصاً قرآنياً، أو حديثاً نبوياً، فإذا قرأ الإنسان القرآن فهذا كلامه، والأصل فيه أنه كلام المولى سبحانه، وهذه قضية عقدية لها مكانها. ونعلم جميعاً أنه إذا قال إنسان: (اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد ﷺ فهذا ليس من كلام الناس؛ لأن الله أمر بأن تصلي على النبي ﷺ وإن اختلفت الصيغ فالأولى أن يتحرى الإنسان الصيغ الواردة عن رسول الله ﷺ ، وهي أنواع الصلاة الإبراهيمية في تشهد الصلاة. فكلام الناس هو ما أنشأه الناس من عندهم، وإذا جئنا إلى بعض المواطن نجد أن النبي ﷺ أرشد المصلي في سجوده أن يجتهد في الدعاء، فقال: (أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء) ، فالدعاء قد يكون من كتاب أو سنة، وقد يكون من كلام الإنسان يسأل الله حاجة له خاصة، فيقول: اللهم! اشف ولدي اللهم! نجح ولدي، اللهم! رد علي غائبي بخير. فهذا كلام الإنسان في مصلحته الشخصية، وعموم الدعاء مطلوب ومشروع، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] ، والنبي ﷺ أوصى ورغب الإنسان أن يدعو الله في السجود. قال بعض العلماء: يجوز أن تدعو الله بما ورد في الكتاب على تأويل الدعاء، لا على تأويل التلاوة، فتقول -مثلاً-: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ... ) ، (رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي، وأن أعمل صالحاً ترضاه، وأصلح لي في ذريتي، إني تبت إليك وإني من المسلمين) . فهذه ألفاظ دعوات يأخذها الإنسان من الكتاب، ويتكلم بها لا على أنها تلاوة، ولكن على أنها دعاء وطلب. ولهذا فإن الجنب والحائض إذا أتيا بهذه الألفاظ من الأدعية من الكتاب وهما لا يريدان تلاوة، وإنما يريدان التعبد بالدعاء بهذه الألفاظ فلا مانع، وإن كان الجنب والحائض يمنعان من تلاوة القرآن، كما قال علي رضي الله تعالى عنه: (لا، ولا حرفاً واحداً) . فكلام الناس المراد به ما عدا ما شرعه النبي عليه ﷺ من التسبيح والتحميد والتكبير؛ لأن المصلي يحمد الله، سواءٌ كان في الفاتحة، أم عند الرفع من الركوع، والتسبيح يكون في الركوع وفي السجود، وهذا من كلامه، فيسبح الله ويحمد الله. والمنهي عنه في الصلاة هو ما يبينه الحديث الذي يأتي بعده: (يكلم أحدنا صاحبه في حاجته) ، كأن يقول: أين كنت أمس؟! وكيف حال المريض الذي كان عندكم؟! وما هو السعر اليوم في السوق؟ وهل فلان أتى أم لم يأت؟ فكلام الناس هذا الذي في مصلحة الناس لا دخل له في العبادة، ولا يجوز في الصلاة. وقد كانوا يتكلمون في الصلاة فنهوا، وقال ﵊: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير ... ) إلخ.

стр. 460

الدعاء بما لم يرد مسألة: هل للمصلي أن يسأل الله في قنوته أو في سجوده بما أراد، أو يتقيد بما هو وارد؟ بعض المالكية يقول: ما هو مشروع في العبادة يتقيد به، كالقنوت في الصلاة، والقنوت في النوازل، فينبغي أن يتقيد القانت بما ورد من الدعاء في تلك المناسبة عن رسول الله ﷺ ، ولا يدخل من كلام الناس شيئاً؛ لأن القنوت عبادة. وهناك من يقول: ما دام الباب باب دعاء فله أن يدعو بالمناسب، والرسول ﷺ قنت شهراً يدعو على رعل وذكوان، وقد سماهم بأعيانهم كما في قصة أصحاب الرجيع، وهم القراء الذين استشهدوا. مسألة: إذا كان في الصلاة فهل له أن يتكلم بالقرآن مخاطباً لإنسان سأله عن شيء، أو استفسر عن شيء، أو رأى شيئاً ويريد أن ينبه عليه فتلا آية من كتاب الله ليدل على المطلوب؟ الجمهور يقولون: لا. لأن هذا يخرج القرآن إلى كلام الناس فيجيب به الآخرين. وسيأتي أنه ﷺ كان في صلاة النافلة يأذن بالتنحنح، أو يرد السلام بإشارة اليد. فقوله ﷺ : (أن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس) يدل على أنه لا ينبغي لإنسان وهو في الصلاة أن يتكلم بكلام الناس، ولو فعل بطلت صلاته، ولو كان حرفاً واحداً يؤدي معنى. فلو أن إنساناً وقف بجوارك وقال: أجاء زيد؟ فقلت: (لا) فهذا حرف، لكن هذا الحرف يتضمن نفي جملة، أي: لم يأت. لأن النفي هنا راجع إلى جملة المجيء، وأنت تقول: (لا) ، فـ (لا) وحدها ليست كلمة، كما قال ابن مالك في الألفية: كلامنا لفظ مفيد كاستقم واسم وفعل ثم حرف الكلم فكلمة (استقم) هي كلمة واحدة، وهو يقول: كلامنا لفظ مفيد. ويقول النحاة: لفظ مركب. والإفادة حصلت بكلمة (استقم) ؛ لأن المعنى: (استقم أنت) ، فهي كلمة متضمنة جملة كاملة. وكذلك الحروف المستعملة في المعاني، نحو: يا زيد فـ (يا) تقوم مقام الفعل: (أناديك) ، فكذلك إذا حصل كلام ولو بحرف واحد يؤدي معنى يحسن السكوت عليه فحينئذٍ تبطل الصلاة.

стр. 461

نسخ جواز الكلام في الصلاة قال رحمه الله تعالى: [وعن زيد بن أرقم أنه قال: (إن كنا لنتكلم في الصلاة على عهد رسول الله ﷺ ، يكلم أحدنا صاحبه بحاجته، حتى نزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام) ، متفق عليه، واللفظ لـ مسلم] . هذا الحديث يشعر بأن الصلاة مرت بأطوار، وقد ذكر ابن كثير ﵀ في تفسيره أن الصلاة مرت بثلاث حالات، منها الإعلام بها، فكان يعلم أحدهم صاحبه بالصلاة، فهذا الطور الأول، ثم جاء الأذان بعد ذلك. وكان الرجل المسبوق يأتي فيسأل من في الصف: كم صليتم؟ فيشير بأصابعه ولا يتكلم: صلينا ركعة أو صلينا اثنتين، فيصلي المسبوق ما فاته بسرعة، ثم يلحق الإمام في الركعة التي هو فيها، ويتساوى معه في عدد الركعات، فإذا أتم الإمام صلاته يكون هو أيضاً قد أتم؛ لأنه أتى بما سبق به أول ما جاء، فإذا سلم الإمام سلم معه؛ لأنه أتى بما نقص عليه قبل أن يتابع الإمام. فجاء معاذ بن جبل وقال: والله لا أجد النبي ﷺ على حالة في الصلاة إلا تابعته عليها. فجاء ذات مرة وقد فاته من الصلاة شيء، فدخل مع الرسول ﷺ على ما هو عليه، ولم يأت بشيء قبل، ولم يسأل أحداً، ولما سلم النبي ﷺ علم ما الذي فاته من صلاته، فقام يقضي ما فاته، فرأى النبي ﷺ هذا العمل من معاذ فقال لهم: (إن معاذاً قد سن لكم في الصلاة سنة فاقضوها) . فكان الواحد منهم يكلم صاحبه في الصلاة بحاجته، حتى نزل قوله سبحانه: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:٢٣٨] . ونص الآية الكريمة فيه عطف الخاص على العام، وهذا يستدعي الاهتمام بهذا الخاص على أفراد عمومه، ومثله قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ﴾ [البقرة:٩٨] ، فجبريل داخل في عموم (ملائكته) ، ولكن عطف جبريل على عموم الملائكة يدل على خصوصية جبريل ﵇؛ لأن اليهود لما سألوا: من الذي يأتيك بالوحي يا محمد؟! قال: (جبريل) . قالوا: هذا عدونا من الملائكة؛ لأنه يأتي بالعذاب، وأما ميكائيل فهو صديقنا؛ لأنه يأتي بالأرزاق. فهم أبدوا عداوة لجبريل بخصوصه، فجاءت الآية الكريمة ترد عليهم: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ﴾ [البقرة:٩٨] ، وخص جبريل الذي يتخذونه عدواً، فيكون عطف جبريل ﵊ على عموم الملائكة لأمر أثاره اليهود بخصوصه هو. وهنا كذلك قال الله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة:٢٣٨] ، والصلوات خمس صلوات، والوسطى منها بلا شك، فخص الوسطى من تلك الصلوات بالحث عليها بذاتها، فتكون موضع عناية ورعاية أكثر من عموم الصلوات الداخلة في اللفظ العام: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة:٢٣٨] .

стр. 462

اختلاف العلماء في تعيين الصلاة الوسطى وقد اختلف العلماء ﵏ في تحديد الصلاة الوسطى، فـ مالك ﵀ يقول: هي صلاة الصبح. وقال بعضهم: كل الصلوات الخمس صالحة لأن تكون الوسطى؛ لأن الوسطية في الصلوات نسبية. ولكن لو قلنا: الصلوات الخمس صالحة لأن تكون الوسطى فمعناه أن الصلوات الخمس كلها صلوات وسطى، ونحن عندنا الوسطى واحدة فقط كما في هذه الآية؛ لأنه تعالى قال: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة:٢٣٨] ، ثم خص واحدة من تلك الصلوات وجعلها الوسطى. فـ مالك ﵀ قال: إنها صلاة الصبح. والجمهور يقولون: الصلاة الوسطى هي صلاة العصر. فما موجب تخصيص مالك لصلاة الصبح؟ وما موجب تخصيص الجمهور لصلاة العصر؟ أما مالك ﵀ فإنه نظر إلى شدة اهتمام النبي ﷺ بصلاة الصبح، وقوله: (لقد هممت أن آمر رجلاً يؤم الناس، ثم أنطلق برجال معهم حزم من حطب، فأحرق على أناس بيوتهم) ، وهم: الذين لم يشهدوا صلاة الصبح. وأي اهتمام أكثر من هذا، فهو قد هم أن يحرق البيوت على من فيها لأنهم لم يصلوا الصبح، ولكن البيوت فيها النساء، وليست الجماعة واجبة عليهن، والبيوت فيها الصبيان وليست عليهم الفريضة، فكونه يقول: (لقد هممت) والرسول ﷺ ما يهم بأمر إلا وهو مهتم بشأنه يدل على عظم قدر صلاة الصبح. قال مالك: هذا الاهتمام أشد ما سمع؛ لأنه في سبيل أن يحرق على الناس بيوتهم، وفيهم من ليس مكلفاً بالصلاة. وقال أيضاً: صلاة الصبح هي وقت نوم وغفلة، وكثير من الناس قد يغلبه النوم فيها، ويضيع صلاة الصبح، فيكون هذا الحث عليها. أما الجمهور فقالوا: صلاة العصر وقد جاءت نصوص كثرة تبين ذلك منها: حديث غزوة الأحزاب لما شغلوا بالعدو -ولم تكن قد شرعت صلاة الخوف- حتى دخل الليل، فـ عمر ﵁ جاء إلى رسول الله ﷺ وقال: والله -يا رسول الله- ما صليت العصر حتى كادت الشمس أن تغرب! فقال النبي ﷺ : (والله! ما صليتها) ، ثم دعا على المشركين فقال: (ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً كما شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر) ، فالصلاة الوسطى التي شغلوهم عنها هي صلاة العصر، وبعد ذلك صلى المغرب والعشاء، وهما تشتركان في الوقت، فالتي فاتهم وقتها هي صلاة العصر، فسماها ﷺ بأنها صلاة العصر. وجاء بسند صحيح عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها أنها طلبت من زيد أن يكتب لها مصحفاً، فقالت: إذا وصلت إلى هذه الآية الكريمة: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:٢٣٨] فآذني -تعني: أعلمني وأخبرني أنك وصلت- فلما وصل أخبرها، فقالت: اكتب: (والصلاة الوسطى صلاة العصر) ، وهذا تفسير منها للآية، وأم المؤمنين رضي الله تعالى عنها حاشاها أن تزيد كلمة في كتاب الله، ولكن كان السلف رضوان الله تعالى عليهم يجعلون بعض الألفاظ شارحة أو مفسرة لمعنى غامض أو هامٍّ على هامش المصحف، فكتب على هامش المصحف: (الصلاة الوسطى) ؛ لأن الصلاة الوسطى ما جاءت في القراءة، ولا ثبتت قراءة في كتاب الله، لكنها أملتها عليه كأنه من باب الشرح، وتكون في حافة المصحف. ولهذا أمير المؤمنين عثمان ﵁ لما أتاه من يشتكو إليه اختلاف القراء في القراءات جمع القراء، وجمع الكتاب، وكتب المصحف الإمام، فطلب الصحف التي كانت عند أم المؤمنين حفصة رضي الله تعالى عنها، وهي التي جمع فيها القرآن في عهد أبي بكر رضي الله تعالى عنه، ثم انتقلت من أبي بكر إلى عمر، ثم كانت عند حفصة ابنة عمر رضي الله تعالى عن الجميع، فاستعارها منها لينقل المصحف على رسم واحد، وأمر كل من كان عنده مصحف كتبه لنفسه أن يحرقه، حتى لا يطول الزمن ويدخل ما كان في الهوامش في صلب القرآن، فأحرق الجميع ما كان بأيديهم، واكتفوا بالمصحف الإمام الذي قرئ على عثمان رضي الله تعالى عنه، وأصبح المصحف الذي يرجع إليه العالم الإسلامي، وجعله خمس نسخ، وأرسل كل نسخة إلى مصر من الأمصار ومعها قارئ يقرئ الناس، فأخذوا القرآن سماعاً ووجادة. فأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها أملت على الكاتب أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، ولم ينكر الكاتب، ولم ينكر عليها من سمع بذلك. فالجمهور على أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر؛ لما قاله ﷺ في غزوة الأحزاب، ولقول أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها عند إرادتها كتابة مصحف لها. وقال الجمهور: إن جميع أوقات الصلاة تأتي عند فراغ الناس إلا العصر، فصلاة الصبح يكون الناس فيها فارغين من الأعمال، وما على الإنسان إلا أن يصلي ثم يرجع لينام كما شاء، وصلاة الظهر تأتي عند القيلولة والناس قد ملوا من العمل وجاؤوا إلى بيوتهم للقيلولة وللغداء والراحة، فهم في فراغ، والمغرب يكون عند انتهاء النهار وأول الليل، فيأوي الناس إلى بيوتهم وهم فارغون، وكذلك في العشاء يكونون في بيوتهم فارغين، فجميع الصلوات الخمس تأتي أوقاتها عند فراغ الناس من العمل إلا العصر، فهي في وقت شدة العمل، أو هي في أوسط أوقات العمل. وقد جاء عن بعض الصحابة أنه قال: كنا نصلي العصر مع النبي ﷺ ، فيذهب الذاهب إلى بني عوف فيجدهم يصلون العصر. قال الشراح: كانوا يؤخرون العصر في المدينة؛ لأنهم أصحاب فلاحة وأعمال، فكانوا يقيلون، فإذا قاموا من القيلولة استأنفوا العمل، فيأتي وقت العصر وهم في وسط عملهم، فإن تركوا العمل في أول وقت الصلاة وصلوا تكون العودة إلى العمل ثقيلة، ولكنهم يتمادون في العمل شيئاً ما حتى يذهب شيء من أول الوقت، ثم يصلون العصر ولا يعودون إلى العمل. فكان يأتي وقت العصر والناس في شدة عملهم، ولهذا كانوا يشغلون عنها، وكانوا يؤخرونها، وكانت أعمالهم تعوقهم عنها، فجاء التنبيه عليها؛ لأنها في حاجة إلى العناية والرعاية؛ لأن أشغال الناس تكون في وقتها أشد ما تكون. والله تعالى أعلم.

стр. 463

كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة [٢] من كان يصلي وأراد أن ينبه الإمام على خطأ، أو ينبه أحداً على أي أمر فله أن يسبح إن كان رجلاً وأما المرأة فتصفق. ويجوز للمصلي أن ينحنح في الصلاة للحاجة، وأن يرد السلام بالإشارة، وأن يحمل صبياً إذا احتاج إلى حمله، وأن يبكي، وأن يقتل الحية والعقرب وكل هذا من سماحة الشريعة وتيسيرها.

стр. 464

أفعال يجوز فعلها في الصلاة

стр. 465

تسبيح الرجال وتصفيق النساء إذا حدث شيء في الصلاة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: فيقول المؤلف ﵀: [وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء) متفق عليه، زاد مسلم: (في الصلاة) ] . تقدم الكلام على النهي عن الكلام في الصلاة، كما بيناه في سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] ، وجاء النص: (فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام) . والقنوت له معان فوق عشرة، منها السكوت، ومنها الخشوع، ومنها دوام العبادة، ومنها خشية الله، وكل هذه من معاني القنوت. وأتى المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب بعدة نصوص لبعض الصور التي قد تطرأ على المصلي فيحتاج إلى أن يتكلم، وهو منهي عن الكلام أثناء الصلاة، فماذا يفعل؟! فأورد قول النبي ﷺ : (التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء) ، والمعنى: أن المصلي إذا نابه شيء وأراد أن ينبه عليه، ولا يستطيع أن يقول: يا فلان! احذر كذا، أو يا فلان! افعل كذا، أو إذا كان مأموماً وسها إمامه، فهو لا يستطيع أن يقول: يا إمام! أنت سهوت فتركت ركعة، أو أنت قمت من الركعة الثانية، ولو قال هذا بطلت صلاته؛ لأنه مأمور بالسكوت، منهي عن الكلام، فإن له أن ينبه الإمام بأن يسبح فيقول: سبحان الله. وكذلك إذا كان إنسان في صلاته، وأمامه إنسان يريد أن يكلمه، فحينما همّ بالانصراف قال: (سبحان الله) فلفت نظره لذلك، فجلس ينتظر ما وراء قوله: سبحان الله. وفي بعض الحالات قد يضطر الإنسان أن يخرج من الصلاة للضرورة، كإنسان يصلي وطفل أمامه، وأمام الطفل شيء خطير، كنار تلهب، أو كهرباء، أو شيء آخر، وخشي على الطفل أن يهلك، فله أن يخرج من صلاته وينقذ الطفل، وآخرون يقولون: لا. لكن يبقى في صلاته ويسعى ويأخذ الطفل ويبعده، وله أن يسبح ليسمع أحداً قريباً فينتبه لهذا التسبيح، ويدرك الغلام. فالرجل إذا نابه شيء في صلاته يقول: سبحان الله. وهذا هو (التسبيح) من باب النحت، والتحميد قول: (الحمد لله) ، والتهليل: (لا إله إلا الله) ، والتكبير: (الله أكبر) ، والحوقلة: (لا حول ولا قوة إلا بالله) ، فهذه كلمات نحتت، وهي تدل على جمل كاملة، فالتسبيح للرجال، فإذا نابه شيء قال: (سبحان الله) ؛ لينبه غيره، والإمام إذا سمع المأمومين يقولون: (سبحان الله) . وكان على شك رجع إلى صوابه وإلى يقينه، واستفاد من قولهم: (سبحان الله) . أما المرأة إذا نابها شيء فلكون صوتها لا ينبغي أن يرتفع، ولا ينبغي أن يسمعه الأجانب فإنها تصفق، ولا تصفق كما تصفق في اللعب، وإنما قالوا: بإصبعين من يمينها على يسراها، وهل ذلك في باطن الكف أم في ظاهره؟ بعضهم يقول: في باطن الكف والغرض من هذا التنبيه، فبإصبعين من كفها الأيمن تضرب كفها الأيسر مرتين أو ثلاثاً أو أكثر حتى تنبه من تريد أن تنبهه. فنحن نهينا عن الكلام، وأمرنا بالسكوت عندما نزل قوله سبحانه: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] أي: خاشعين صامتين لا تتكلمون. فلو أن إنساناً تكلم سهواً أو جهلاً فماذا يكون الحكم؟ الجواب: إن كان ناسياً فلا شيء عليه عند الأكثر؛ لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ، وقوله ﵊: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان) . وإذا تكلم جاهلاً بالحكم فبعضهم يجعل الجهل كالنسيان، وبعضهم يقول: الجاهل لا يعذر؛ لأن هذه أمور تعرف من الدين بالضرورة، ودليل القائل بأن الجاهل كالناسي حديث معاوية بن الحكم لما عطس بجواره رجل، فقال: يرحمك الله. ولما أنهى ﷺ صلاته دعاه وقال: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التكبير والتسبيح وقراءة القرآن) ، فهو قالها جهلاً، ولم يأمره ﷺ بإعادة صلاته، مع أنه تكلم جاهلاً. والآخرون يقولون: هذا كان في أول التشريع، وما كان يعلم الجميع حكم هذا، وهو لم يعلم حكم ذلك، وخاصة الذين ذهبوا إلى الحبشة، وكان النهي عن الكلام في الصلاة في مكة قبل الهجرة، وبعد الهجرة علموا بذلك. فالمؤلف ﵀ بيّن لنا أن المصلي لا يحق له أن يتكلم، وأنه يلزمه أن يسكت، ثم ذكر عدة نصوص لعدة حالات، وهذا من حسن التأليف.

стр. 466

البكاء في الصلاة قال رحمه الله تعالى: [وعن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه قال: (رأيت رسول الله ﷺ يصلي وفي صدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء) ] . هذا الصحابي الجليل يروي لنا أنه رأى النبي ﷺ يصلي وفي صدره أزيز كأزيز المرجل، أي: القدر الكبير الذي يغلي. والأزيز من أسماء الأصوات، كما تقول: خرير الماء، وتقول: صفير الطيور، وزقزقة العصافير، وصلصلة الجرس، وغليان الماء. والألفاظ التي فيها تكرار الحروف تدل على حركة، أو على صوت، قالوا: الأزيز هو: صوت يكون داخل الصدر لانفعال الإنسان، ولا يكون باللسان ولا بالهمهمة، إنما يكون لانفعال داخلي في صدر الإنسان، وسبب ذلك هو انفعال نفسي، كأنه يريد البكاء ويحبس بكاءه، فهو صوت في جوف الإنسان وفي صدره. فهو صوت يعيه السامع، فهل هذا كلام مما نهي عنه، أم أنه خارج عن حد الكلام فلا يبطل الصلاة؟ قالوا: إن البكاء بالعين بدون التلفظ باللسان، والأزيز في الصدر بدون حرف يخرج منه لا يبطل الصلاة، وهي حالة -كما يقولون- روحية تغلب على صاحبها ولا يمكلها، وتتحكم هي فيه، كما جاء في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي ﷺ قال: (مروا أبا بكر فليصل بالناس. فقالت: إنّ أبا بكر رجل أسيف لا يتمالك عينيه أن يقوم مقامك، فقال: مروا أبا بكر، فإنكن صواحب يوسف) . فأم المؤمنين عائشة ﵂ كان لها نظر بعيد جداً، وله أثره في الخلافة؛ فقيام أبي بكر رضي الله تعالى عنه إماماً بالناس بدل رسول الله ﷺ ، وهو في مرضه يدل على أن الذي سيتولى الصلاة بعده هو الذي سينيبه ﷺ ويستخلفه بعده، وإن لينص عليه، وهذه واحدة. والثانية: إذا كان لك شخص عزيز كريم في عمل، فسافرت ورجعت ووجدت إنساناً غيره في هذا العمل فحالاً تتساءل بلهفه: أين فلان؟ وتخاف أن يكون وجود فلان هذا كناية عن وفاة الأول، وهذا قام مقامه، فالقلب يتأثر حينما يرى شخصاًآخر يقوم مقام من تعلق قلبه به، فـ عائشة رضي الله تعالى عنها حسبت حسابين: الأول: حسبت أن يحزن الناس حين يرون أبا بكر قام مقام رسول الله ﷺ ، وفي هذا نوع من التشاؤم، وأي مسلم يجد شخصاً في مكان رسول الله يتأثر ويتألم؛ لأنه لا يريد أن يغيب رسول الله عن هذا المقام. والثاني: أدركت أم المؤمنين عائشة أن أمر رسول الله ﷺ لـ أبي بكر أن يصلي بالناس مقدمة لاستخلافه، ولذلك لما اجتمع الصحابة رضي الله تعالى عنهم في السقيفة ﷺ قال أبو بكر: أيها الحاضرون! هذا أبو عبيدة، وهذا عمر، فاختاروا من شئتم، وبايعوا له ولا تختلفوا، فقال عمر: سبحان الله! ارتضاك رسول الله ﷺ لديننا بالصلاة، ولا نرتضيك لدنيانا! مد يدك لأبايعك فبايعه، فكان أمره ﷺ لـ أبي بكر أن يصلي بالناس فيه إشارة إلى أنه هو الذي سيتولى الأمر من بعده. فإذا كان الأمر كذلك فأم المؤمنين عائشة خافت إذا أمر رسول الله أبا بكر أن يصلي بالناس، أن يقال: هي التي دفعت رسول الله ﷺ ليقدم أباها؟ ولا تسلم من التهمة، وحفصة موجودة، وعائشة موجودة، وهذه بنت عمر وهذه بنت أبي بكر، فأقل شيء أن يقال: هي التي من وراء هذا، وهي التي سعت، وهي السبب، فلما كان هذا الاتهام وهذا التساؤل محتملاً -وهو خطير حين تتهم أنها هي وراء اختيار أبيها- أعلنت للناس عند رسول الله قولها له: إن أبا بكر رجل أسيف، إذا قام في الصلاة لا يتمالك عينيه من البكاء، فكأنها تقول: لا يصلح لذلك، فإذا حصل ذلك تقول: أنا ليس لي ذنب، كان رأيي من قبل أنه لا يصلح لهذا. ومن هنا ندرك معنى قوله: (إنكن صواحب يوسف) ، فما الذي جاء بصواحب يوسف إلى هنا؟ والجواب: لأنهن أخفين شيئاً وأظهرن شيئاً آخر، وأدرك رسول الله ﷺ مقصد عائشة وأنها تريد أن تدفع عن نفسها شبهة التهمة بأن لها سبباً في تقديم أبي بكر على غيره. والشاهد من هذا قول عائشة: (إن أبا بكر رجل أسيف، إذا قام في الصلاة لا يتمالك عينيه من البكاء) ، فالبكاء لا يبطل الصلاة، والبكاء والأزيز يكون في حالة الخشوع، وحالة الخوف من الله ، وقد يكون في الصلاة، وقد يكون خارج الصلاة، وهي منح يمنحها الله للمؤمن الصادق، ومن علامات ليلة القدر رقة القلب، كما قالت عائشة: ألا تجد في نفسك أحياناً رقة القلب ودمعة العين؟ فذاك إذا صافحك جبريل، فأحياناً الإنسان يحس برقة قلبه، وتدمع عينه ولا يعرف السبب، وقد يكون عقب قراءة آية، أو عقب تأمل في موقف، غير ذلك، وقد يكون لمجرد انطلاقه بروحه في عالم ملكوت المولى سبحانه، فيجد عالماً بعيداً يرقق قلبه، ويدر دمعته. فالإنسان قد يعرض له ما يرقق طبعه، ويزيد قوة روحه، فتحصل له هذه الحالة، فقد يبكي ويفرج عن نفسه، وقد يكتم البكاء، قال ابن تيمية ﵀: القوي الذي يكظم ذلك، ويقدر على نفسه، بخلاف هؤلاء الذين يصيحون ويصرعون، ويقولون: المخلص المكثر من العبادات قد يحدث له حالة صرع وغيبوبة مع الله ، ولكن هذا لضعفه، وقوي الشخصية هو الذي يتحمل هذه النفحة، ويتحمل هذا الانفعال، ويتماسك. فأزيز صدره ﷺ وهو في الصلاة لشدة خشوعه بين يدي الله، ولذة مناجاته لله، فإذا حصل مثل هذا للإنسان وهو في صلاته لا يبطلها، والله تعالى أعلم.

стр. 467

التنحنح في الصلاة للحاجة قال رحمه الله تعالى: [وعن علي قال: كان لي من رسول الله صلى الله عليه مدخلان، فكنت إذا أتيته وهو يصلي تنحنح لي. رواه النسائي وابن ماجة] . قوله: كان لي من رسول الله ﷺ مدخلان، أي: إذا جئته وهو في حجرة عائشة واستأذنته للدخول، فكان له مدخلان، فعند مدخل يقول: ادخل، إذا لم يكن في الصلاة، وعند مدخل يتنحنح إذا كان في الصلاة، ولا يمكن أن يقول: ادخل، فقد أمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام، وبعض الناس يمثل النحنحة بصفارة الإنذار، فالتنحنح صوت يخرج من الحلق بدون حروف أو كلمات، فإذا تنحنح المصلي، لم ينطق بكلمة، وإنما أسمع صوتاً أخرجه من الحلق، فكان النبي ﵊ إذا تنحنح يعرف علي رضي الله تعالى عنه أنه في الصلاة، فيعلم أن الرسول أذن له بالدخول. والتنحنح في الصلاة لا يبطلها، ولو كان يبطلها ما فعله رسول الله ﷺ ، وبعضهم يقول: هذا في النافلة، أما في الفريضة فلا؛ لأن النحنحة ربما تخرج حرفاً دون قصد، مثل: (أح أح) فيخرج الهمزة والحاء، فقالوا: لا يجوز التنحنح في الفريضة، وقالوا: كان علي رضي الله تعالى عنه لا يذهب يستأذن على رسول الله إلا وهو في بيته، ورسول الله ﷺ كان يصلي في بيته النافلة، ولو كان في المسجد لم يستأذن عليه علي؛ فإن المسجد بيت الله، وكل الناس يدخلون المسجد بلا استئذان، كما جاء عن الحسن رضي الله تعالى عنه أنه قال: (إذا أردت أن تدخل على ربك بلا استئذان، وتخاطبه بلا ترجمان، فأسبغ وضوءك، واستقبل القبلة، وقم في محرابك، وكبر للصلاة) ، فعندما تدخل المسجد تقول: باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنبي، وافتح لي أبواب رحمتك. وتدخل وتقوم في محرابك، وتخاطب ربك بلا ترجمان، وكم في الصف الواحد من ألسنة متعددة؟ وكلهم يناجي ربه بلسانه! فحديث علي رضي الله تعالى عنه يدل أن هذا الاستئذان كان في البيت، وهو يصلي النافلة، وهل يجوز ذلك في الفريضة أم لا؟ قيل: في الفريضة لا، والحاجة لا تدعو إلى ذلك في الفريضة، ولكن تدعو إلى ذلك في النافلة في البيت. ولو قدر أن مريضاً أو خائفاً أو غيرهما ممن تصح له الصلاة في بيته، كان يصلي فرضه فاستأذن عليه إنسان، فهل يتنحنح في الفريضة كما تنحنح رسول الله ﷺ في النافلة؟ الذين يفرقون بينهما يقولون: النافلة يغفر فيها ما لا يغفر في الفريضة، بدليل أن المسافر يتنفل على راحلته، ويومئ حيث ما توجهت به، بخلاف الفريضة فلابد أن ينزل إلى الأرض ويركع ويسجد وهو على الأرض، ويكون مستقبل القبلة، ففرق بين الفريضة وبين النافلة، والله تعالى أعلم.

стр. 468

رد المصلي للسلام بالإشارة قال رحمه الله تعالى: [وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قلت لـ بلال: كيف رأيت النبي ﷺ يرد عليهم حين يسلمون عليه وهو يصلي؟ قال: يقول هكذا وبسط كفه. أخرجه أبو داود والترمذي وصححه] . في قوله: كيف رأيت رسول الله ﷺ يرد عليكم السلام؟ قال: (يقول هكذا وبسط كفه) . اختلف أهل العلم: هل بسطه كان إلى الأعلى، أم بغير ذلك؟ فبعضهم يقول: يقبض أصابعه ويمد السبابة، وبعضهم يقول: يمد الكف كاملاً، وهو دليل على جواز رد السلام بالإشارة. ويقول بعض العلماء: هذا الرد كان قبل النهي عن الكلام؛ لأن الرد بالإشارة كالكلام، فكأنك تتكلم. والآخرون يقولون: إن الحركة باليد ليست كلاماً، والنهي عن الكلام في الصلاة المراد به كلام الناس في الصلاة. وقالوا: هذه الحركة كانت قبل الهجرة، وقبل أن يسافروا ويهاجروا إلى الحبشة، فقد جاءت الأخبار بأن بعض الصحابة رضوان الله تعالى عليهم كانوا في مكة يسلمون على المصلين ويردون ﵈، وهذا يدخل في عموم قول الراوي: (كان أحدنا يحدث صاحبه بحاجته وهو في الصلاة، حتى نزل قوله سبحانه: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام) . قالوا: قوله: نهينا عن الكلام، أي: بعد الهجرة في المدينة، وكان تكليم بعضهم لبعض في مكة قبل الهجرة إلى المدينة، فكانوا يسلمون على النبي ﷺ وهو في الصلاة، ويرد ﵈ بالقول؛ لأنهم لم ينهوا عن الكلام في الصلاة، فهاجر بعض الصحابة إلى الحبشة، فلما رجع أحدهم من الحبشة قبل الهجرة إلى المدينة دخل على النبي ﷺ وهو يصلي، فسلم عليه فلم يرد عليه، قال: فجمعت الماضي والحاضر -يعني: أخذت أفكر في تاريخي الإسلامي وفيما مضى وفي حاضري- فظن أن الرسول ﵊ لم يرد عليه سخطة عليه، وما علم أنهم قد نهوا عن الكلام، فاشتد الحال عليه، لأن الرسول ﷺ لم يرد عليه، ولما سلم النبي ﷺ وفرغ من الصلاة رد ﵇، وقال له: (إن في الصلاة لشغلاً) ، يعني: كنت مشغولاً بصلاتي عن أن أرد عليك السلام. فاستدلوا بحديث: (إن في الصلاة لشغلاً) ، بأن من سُلم عليه وهو في الفريضة لا يرد، وإذا أنهى صلاته رد السلام على من سلم عليه، أما في النافلة فيبسط اليد. وبعضهم يقول: إن النهي عن الكلام وقع في مكة أيضاً؛ لأنه في بعض روايات الرواية المتقدمة أن الرسول ﷺ لما رد السلام بعد الصلاة، قال له الصحابي: ماذا حدث يا رسول الله؟ قال: (إن الله يحدث من أمره ما شاء، وقد أحدث من أمره أنه نهانا عن الكلام في الصلاة) ، ومن هنا وقع الخلاف بين العلماء في مسألة من سلم عليه وهو يصلي، ففي هذا الحديث أنه كان يبسط كفه، وفي الحديث الآخر: (إن في الصلاة لشغلاً) ، ورد على المسلِّم بعد أن فرغ من صلاته، فجمعوا بين الحديثين وقالوا: حديث: (إن في الصلاة لشغلاً) يحمل على ما إذا كانت فريضة، فلا يرد ولا يبسط كفه، وإذا فرغ من صلاته رد السلام على من سلم عليه، وإذا كان في نافلة رد بالإشارة وبسط كفه لمن سلم عليه، والله تعالى أعلم.

стр. 469

حمل المصلي للصبي للحاجة قال رحمه الله تعالى: [وعن أبي قتادة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب، فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها. متفق عليه، ولـ مسلم: (وهو يؤم الناس في المسجد) ] . حديث أمامة بنت زينب -كما يقول ابن دقيق العيد - فيه إشكالات، وأمامة بنت زينب بنت رسول الله ﷺ ، فهو جدها، وأبوها أبو العاص بن الربيع زوج زينب، وهو ابن أخت خديجة زوج رسول الله ﷺ ، وخديجة هي التي خطبت زينب لابن أختها، فتزوج ابن خالته. وكان ﷺ يحب أمامة حباً جماً، حتى إنه أتى بقلادة فقال: (لأعطينها لأحب أهلي إلي) فقالوا: لمن يعطيها؟ فقال بعضهم: مَنْ غير الصديقة بنت الصديق؟ فإذا به ﷺ يدعو بـ أمامة فألبسها إياها. وفي هذا الحديث أنها تعلقت به ﷺ وهو يصلي، فمتى كان هذا، وفي أي صلاة؟ أكثر الروايات على أنها في صلاة الظهر أو العصر في المدينة، وبعض الناس يقول: كان هذا قبل الهجرة عند إباحة الكلام وإباحة الحركة. لكن واقع التاريخ يرده؛ فـ زينب رضي الله تعالى عنها أُسر زوجها أبو العاص يوم بدر، ولما جاء فكاك الأسارى، أرسلت زينب ﵂ بقلادة لها لتفدي زوجها، وتلك القلادة كانت لـ خديجة رضي الله تعالى عنها، وقد أهدتها إليها ليلة زواجها بابن أختها، فلما رأى رسول الله ﷺ تلك القلادة ذكرته بـ خديجة، وأخذته العاطفة، فقال لأصحابه: (إن رأيتم أن تردوا إليها قلادتها وأسيرها فعلتم) ، فقال: (إن رأيتم) ، ولم يلزم؛ لأن الأسارى حق للمقاتلين، وهو ﷺ لا يبطل حقاً لحق آخر، وقد روي أن العباس لما أخذ أسيراً يوم بدر قال الأنصار: ائذن لنا -يا رسول الله- أن نفكه بلا فداء. فقال: (لا؛ والله، ولا درهماً واحداً) ، وقد كان قادراً على أن يدفع الفداء. فرد المسلمون لـ زينب بنت رسول الله ﷺ قلادتها، وأطلقوا العاص بن الربيع، وقال له رسول الله ﷺ : (أرسل إليَّ ابنتي زينب) ، فقال: سأرسلها إليك، وأرسل ﷺ رجلين ينتظرانها في التنعيم، فجاءت إليهما، وردوها إلى المدينة، وكانت أمامة معها. فـ زينب ما جاءت بـ أمامة معها إلا بعد الهجرة. فهذا العمل كان بعد النهي عن الكلام، وبعد أن منعت الحركة في الصلاة، فكيف يحمل طفلة معه؟ وكيف تحرك هذه الحركات؟ ثم من ناحية أخرى تلك طفلة ليست بالغة، وليست في حد التمييز، فكيف حملها مع أنه لا يؤمن أن يحدث منها شيء ينزل على رسول الله وهو يصلي؟ فالإشكالات متعددة. فمن العلماء من يقول: إن هذا الأمر قد نسخ بالأمر بالسكوت والنهي عن الكلام. لكن قيل: كيف ينسخ قبل أن يقع؟ لأنه وقع في المدينة، وقيل: إن هذا من خصوصياته ﷺ ، فالله أعلمه أن أمامة لن تحدث شيئاً حتى تنتهي الصلاة، لكن قال قوم آخرون: الخصوصيات تحتاج إلى دليل. وأشكل على الشافعية وغيرهم الحركة إذا سجد، وإذا قام وهو حاملها، والحركات المتوالية تبطل الصلاة، فعندهم ثلاث حركات متواليات تبطل الصلاة، فأجاب بعضهم بأن أمامة كانت تتعلق هي برسول الله ﷺ ، بمعنى أنها جاءته وهو ساجد، فلما أراد القيام تعلقت به وهو لم يحملها، فلما أراد أن يسجد وضعها، فكانت منه حركة واحدة في كل ركعة. وأجيب عن ذلك بأنه جاء في رواية: (كنا ننتظر النبي ﷺ للصلاة، فخرج علينا حاملاً أمامة بنت زينب، فصف وصففنا وراءه وصلى بنا) ، فهي لم تتعلق به، بل هو الذي أتى يحملها معه من البيت، فهو الذي يضعها، وهو الذي يحملها. وقال بعض العلماء: هذه حالة لضرورة، إذ لم يجد من يكفيه مؤنة حفظها ورعايتها في البيت، وهو جدها وولي أمرها، فاضطر أن يحافظ عليها، فحملها معه وأتى بهذه الحركات، والضرورة مبيحة للمحظور. يقول ابن دقيق العيد ﵀: كل ذلك يمكن أن يرد، وليس لنا إلا التسليم لفعل رسول الله ﷺ . فلو كان واحد منا عنده طفلة فهل هي كـ أمامة بنت زينب؟ أي: هل له أن يعاملها معاملة رسول الله ﷺ لـ أمامة بنت زينب؟ وهل فعل ذلك رسول الله ﷺ بها أو بغيرها مرة أخرى؟ الجواب أنه حدث مع الحسن والحسين في البيت، فقد سجد ﷺ وجاء الحسن وامتطى ظهره، وانتظر ﷺ ساجداً حتى نزل، فقالوا: ما هذا يا رسول الله؟! قال: (إن ابني قد ارتحلني -يعني: اعتبرني راحلة له- فكرهت أن أعجله عن حاجته) ، لكن في الفريضة لم يأت هذا. وأما هل جاء عن أبي بكر، أو عمر، أو عثمان، أو علي، أو عن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ أنه فعل مثل ذلك فأنا لم أقف على شيء من هذا. فلم يبق عندنا إلا وجه واحد، وهو أنه من كان معه طفل، وكانت هناك حاجة ماسة لحمله، واقتضت الضرورة أن يحفظه، ولو تركه لذهب يميناً ويساراً، وربما خرج من باب المسجد إلى الشوارع وهي مليئة بالسيارات فحينئذ له أن يحمله في صلاته. وقد قال بعض العلماء: ورد النهي عن استصحاب الصغار إلى المساجد، فكيف جاء بـ أمامة بنفسه؟ قالوا: نعم، ينبغي أن تصان المساجد عن الصبيان والمجانين، فلا تأتي وتترك الصبي يلعب في المسجد. ولقد شاهدنا أطفالاً صغاراً لا يعرفون شيئاً، وأهلهم يأتون بهم ويتركونهم، فيجعلون المسجد ملعباً. فيمنع الأطفال من اللعب في المساجد، أما إذا جاء رجل ولزم طفله فلا مانع، لكن أن يأتي به ويتركه يعبث بالمصاحف، أو يلعب، أو يؤذي الآخرين، أو يصيح ويبكي، فهذا يمنع. وعلى هذا لو أن الإنسان كان في حالة اضطرار، وليس عنده في البيت أحد، وعنده ولد وليس عنده من يرعاه، فإن تركه وأغلق الباب خاف عليه أن يحدث شيئاً، فله أن يأخذه معه إلى المسجد. وإذا جاء إلى المسجد فهو أمام أحد أمرين، إما أن يقبضه بيده، وإما أن يتركه عرضة للخطر. فنقول له: عامله كمعاملة الرسول ﷺ لـ أمامة. بقيت مسألة الاحتراز من نجاسة الطفل، فبعضهم قال: إن من خصوصيته ﷺ أن الله أعلمه بأنها لن تحدث شيئاً، ولن تفسد صلاته. وبعضهم يقول: إن ثياب الأطفال محمولة على الطهارة ما لم تشاهد فيها النجاسة. وبعضهم قال: كان من عادة أهل المدينة أن ينظفوا الأطفال في أوقات معينة، فلعله حمل أمامة بعد تنظيفها، وقد ذكروا أشياء كلها للاحتراز من أن يوجد شيء يعارض الصلاة. والواجب على الأم وعلى الأب، وعلى كل من يصحب طفلاً معه إلى المسجد أن يحتاط مع هذا الطفل فيما لو أحدث شيئاً، حتى لا يلوث المسجد، فالطفل ليس بعاقل، وليس له تمييز، فقد يحدث منه ما يحدث، فينجس المسجد، أو ينجس ملابس الأم فيفسد عليها صلاتها، فإذا ألبسه الحافظة وأدله المسجد للضرورة فلا بأس. وقد عقدت لجان لمعالجة هذه القضية، حتى إنه في بعض الاجتماعات اقترح مدير الشرطة أن تجعل استراحات على أبواب المساجد، فكل أم تجيء بطفلها تضعه في الاستراحة، وبعد أن تنتهي من الصلاة تأخذ طفلها وتذهب. ولكن أي أم ستترك طفلها في الاستراحة؟ وأي أم ستضمن راحة ولدها فيها؟ ، فكان هذا حلاً غير عملي. ولكن الحل العملي هو ما جاء عن رسول الله ﷺ في قصة أمامة بنت زينب. وقد يقال: لماذا نسبها الراوي إلى أمها فقال: أمامة بنت زينب، ولماذا لم ينسبها إلى أبيها؟ والجواب: ذلك لبيان عاطفة رسول الله ﷺ بها، فـ أمامة هي بنت زينب بنت رسول الله فهو جدها، وهو مسئول عنها، أما لو قال: أمامة بنت أبي العاص فإنه سيقال: من هو أبو العاص؟ فيطول الشرح حتى نعلم أنها بنت زينب بنت رسول الله، فاختصاراً قال: بنت زينب. ومن النسبة إلى الأم ما تذكره كتب الأدب أن محمد بن الحنفية والحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما كانا أخوان لأب، فأبوهما علي، ومحمد أمه من بني حنيفة، والحسن أمه فاطمة بنت محمد ﷺ ، فذكروا أنهما خرجا إلى السوق، وكان بينهما ما قد يقع بين الإخوان في الأسواق، فرجعا متغاضبين، وذهب كل إلى بيته، فإذا بـ محمد رضي الله تعالى عنه يأخذ قصاصة من الورق ويكتب فيها: (من محمد بن الحنفية -ولم يقل: ابن علي - إلى الحسن بن فاطمة بنت رسول الله -وانظر إلى هذا! فقد أبرز نسب الحسن إلى رسول الله تكريماً للحسن، وليبني عليه ما يأتي بعده- قال: أما بعد: فقد علمت ما كان بيني وبينك، ولقد هممت أن آتيك إلى بيتك لأستسمحك وأسترضيك، ولكن كرهت أن يكون لي فضل السبق عليك وأنت ابن بنت رسول الله -يعني: أنا ابن الحنفية، أبي وأبوك واحد، لكن أمينا مختلفتان، فلا ينبغي أن يكون لي فضل عليك- قال: فإذا وصلك كتابي فخذ عليك ثيابك، وشد نعليك، وائتني في البيت؛ ليكون لك الفضل عليّ. فانظر كيف كانوا يؤثرون على أنفسهم حتى في مكارم الأخلاق! وهكذا أبرز نسبة الحسن إلى رس

стр. 470

الحركة والكلام لمصلحة الصلاة قال ﵀: [وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (اقتلوا الأسودين في الصلاة: الحية والعقرب) أخرجه الأربعة، وصححه ابن حبان] . جاء المؤلف رحمه الله تعالى بهذا الحديث لبيان شروط الصلاة، فمن شروط الصلاة ستر العورة واستقبال القبلة، وفي حديث أمامة حصلت حركات من حملها، ولكنها حركات لا تبطل الصلاة. وأما الكلام في الصلاة فخلاصة ما يقوله الفقهاء أنه ينقسم إلى قسمين: كلام لصحتها، وكلام لا علاقة له بصحتها، قالوا: إن الكلام لصحة الصلاة مع الإمام جائز في بعض الأحوال، كما جاء في سهوه ﷺ في حديث ذي اليدين عندما قال: (أصدق ذو اليدين؟) وقال هذا بعد أن سلم ﷺ من ركعتين، فسكت القوم مخافة أن يكون حدث في دين الله شيء، فتكلم ذو اليدين -وكان رجلاً في يديه طول- فقال: يا رسول الله! أقصرت الصلاة أم نسيت؟ -يعني: هل الصلاة قصرت من أربع إلى ركعتين أم أنت نسيت الركعتين الباقيتين؟ - فقال: (كل ذلك لم يكن، فقال: بعض ذلك قد كان!) . وهذه الجملة المناطقة الآن يبنون عليها قواعدهم، فقوله: (كل ذلك) يقولون فيه: هذه صورة كلية، وجاء النفي فيكون النفي للجميع، يعني: ما قَصرت ولا نسيت، ونقيضها -كما يقولون- الجزئية الموجبة، فقوله: (بعض ذلك قد كان) ، يعني: بعض ذلك حصل. فالتفت إلى الصحابة وقال: (أصدق ذو اليدين؟ قالوا: نعم) . فحصل كلام من ذي اليدين، وكلام من رسول الله ﷺ ، وكلام من المصلين، فتوجه ﷺ إلى القبلة، وأتى بالركعتين، ثم أتى بسجود السهو، وتمت الصلاة. قالوا: إذا كان في مثل هذه الصورة فلا يبطل الصلاة، والحركة إذا كانت لمصلحة الصلاة لا تبطلها، وجاء في الحديث: (أفضل خطوة يخطوها المسلم أن يخطو إلى الصف أمامه ليتمه) ، فإذا وجدت فرجة أمامك فاخط خطوة إلى الصف، وسد الفرجة التي فيه. وهنا قال: (اقتلوا الأسودين: الحية والعقرب) ، وقتل الحية والعقرب لابد له -قطعاً- من الحركات، ولو كانا مقيدين فستأخذ آلة تضربها بها، فأخذك الآلة وضربك إياها حركة، مع أنها إذا شعرت بك لن تستلم لك، بل ستهرب يميناً ويساراً، وتتبعها حتى تقتلها، وأنت في الصلاة، فترجع إلى موقعك. فهذه الحركات لمصلحة الصلاة؛ لأنك لا تستطيع أن تصلي والحية جوارك، فمن مصلحتك ومصلحة الصلاة أن تقتلها. وقالوا أيضاً: لو أن الإنسان في صلاة، ورأى الأسد مقبلاً عليه، فله أن يشرد، ولكن أين ذهب فالأسد سيسبقه، فقالوا: إذا وجد شجرة صعد عليها، وهو في كل ذلك لا يتكلم، ويكمل صلاته فوق الشجرة إيماءً. ولو كان عدوك جاءك وأنت تصلي وقد سل سيفه ليقتلك، فلك أن تسل سيفك وتسايفه وأنت تصلي، وهكذا لو كنت تصلي فجاء إنسان وخطف متاعك، فلا تستسلم وتقول: أنا أصلي فسأدعه يذهب لا، بل اتبعه واجر وراءه حيثما سار، وبعد أن تأخذ متاعك أكمل صلاتك في مكانك هناك، ولا حاجة أن ترجع إلى المكان الأول؛ لأنه يكون عملاً زائداً على مصلحة الصلاة. فهنا يأمرنا ﷺ أن نقتل الحية والعقرب في الصلاة، وقتل الحية والعقرب يستلزم الحركة، والله تعالى أعلم.

стр. 471

كتاب الصلاة - باب سترة المصلي من سنن الصلاة وآدابها اتخاذ السترة للمصلي إذا كان إماماً أو منفرداً، وهي من أسباب الخشوع في الصلاة، وبها يصون المصلي صلاته من أن تقطع بمرور أحد بين يديه، وفي السترة أحكام كثيرة في صفتها، ومقدار ما يكون بين المصلي وسترته، وحكم من مر بين يديه، وغير ذلك، وقد بين العلماء ﵏ ذلك، وشرحوا الأحاديث الواردة فيها، واختلفوا في بعض مسائلها.

стр. 472

شرح حديث: (لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه ... ) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: قال المصنف ﵀: [عن أبي جهيم بن الحارث ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه من الإثم لكان أن يقف أربعين خيراً له من أن يمر بين يديه) متفق عليه، واللفظ للبخاري، ووقع في البزار من وجه آخر: (أربعين خريفاً) ] . هذا باب: سترة المصلي، والسترة ما يستر الإنسان أو الشيء ويغيبه عن النظر، والاستتار هو: اتخاذ السترة بينه وبين من يريد أن يختفي عنه، وقد يكون هذا الساتر مستوراً من باب المعجزة كما في قوله سبحانه مخاطباً النبي ﷺ : ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء:٤٥] ، وفي كتاب: البلاغة الواضحة أن هذا مفعول بمعنى فاعل، أي: مستوراً بمعنى ساتر، وهذا خطأ، بل هو على الحقيقة؛ لأن من شأن الحجاب أن يستر، والمعجزة في أن هذا الحجاب الذي يحجب ما وراءه هو بنفسه مستور، فإن أم جميل زوجة أبي لهب لما نزلت السورة الكريمة: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١] ؛ جاءت وفي يدها فهر، وهي تولول غيظاً، وكان ﷺ جالساً بجوار أبي بكر رضي الله تعالى عنه، فقال: يا رسول الله! لقد جاءت فلانة وفي يدها فهر -يعني: حجر مستطيل- وإني أخشى عليك منها، قال: (لا عليك، سأقرأ قرآناً يحجبني الله عنها) ، فقرأ قرآناً فجاءت هذه المرأة ووقفت على أبي بكر وقالت: أين صاحبك؟! وهو جالس بجانبه، لكن حجبه الله بحجاب، وهذا الحجاب مستور عنها، ولو كان الحجاب بائناً لكشفت ما وراء الحجاب وتطلعت، لكنه مستور عنها، فهو ساتر مستور، وهو حجاب مستور على الحقيقة، وهو وجه الإعجاز، فقال: ما شأنك؟! قالت: لقد هجاني؛ لأنها اعتبرت سورة: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١] ، وقوله فيها: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد:٤] هجاء، أي: مذمة، فقال لها: أما إن صاحبي ليس بهجاء، فقالت: أنت مصدق، ومضت في سبيلها. قالوا: وكذلك ليلة الهجرة قرأ قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس:٩] فحجبه الله عن الفتية. وجاء في حديث عائشة ﵂ (أنها اتخذت سترة فيها تصاوير، فلما جاء النبي ﷺ ورأى التصاوير في تلك السترة لم يدخل بيتها، ورأت في وجهه الغضب، فأماطتها، وقطعتها ذيولاً للوسائد) . فأصل السترة في اللغة هو: ما يستر غيره، لكن السترة لا تغطي المصلي هنا، ولكن هي: ما يتخذه المصلي بين يديه في صلاته. وبعض العلماء يقول: معنى السترة في اللغة موجود في سترة المصلي؛ لأن الغرض من وضعها ستر النظر أثناء القيام عن التعدي إلى بعيد فينشغل المصلي، فشرعت السترة ليكون نظره وهو قائم عند سترته، وقالوا: إذا ركع كان نظره عند أطراف قدميه، وإذا سجد كان نظره إلى أرنبة أنفه، وإذا جلس في التشهد كان نظره ما بين سترته وركبتيه، ويقولون: حُدَّ النظر من أجل ألا يتطلع يميناً ويساراً؛ لأن هذا مخل بالخشوع والخضوع في الصلاة. وقد جاء أن الذي يتخذه المصلي أمامه بين يديه يحتجر به المكان الذي يصلي فيه، ويصبح من حقه هو، وسموا هذه العلامة أو هذا الحد الفاصل سترة؛ لأنها تمنع المار أن يقتحم على المصلي حماه، وهل العلة من اتخاذها هو منع التشويش على المصلي، أو هو فصله عن القبلة مؤقتاً، أو غير ذلك؟ الله تعالى أعلم. والمؤلف ﵀ أورد هذه الأحاديث في هذا الباب، ورتبها ترتيباً حسناً، وهذا يدل على فقه المؤلف ﵀، فبعد أن ذكر أحكامها، والأمر بها، والنهي عن المرور بين يدي المصلي، وما يقطع الصلاة، ذكر في الأخير حديث: (لا يقطع الصلاة شيء، وادرءوا ما استطعتم) ، فكأنه أورد تلك النصوص ليبين كراهية الصلاة بدون سترة، والمنع من المرور بين يدي المصلي، وبين أخيراً علاقة المرور بصحة الصلاة. والمتأمل في عموم النصوص الواردة في سترة المصلي يجدها تدور على: السترة، وعلى المار بين يدي المصلي، وعلى المصلي، فقوله ﵊: (إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فلا يترك أحداً يمر بين يديه) ، فهذا خطاب للمصلي، وقوله ﵊: (لو يعلم المار ... ) خطاب للمار، فجاءت النصوص تارة للمصلي، وتارة للمار، وجاءت أيضاً في صفة السترة، وفي مقدارها، فهي مثل مؤخرة الرحل، وبين الفقهاء ﵏ كم يكون بين المصلي وسترته، وإذا لم يجد مثل مؤخرة الرحل فماذا يفعل؟ قالوا: يخط خطاً، وكيف يكون الخط؟ هل يكون مستقيماً معترضاً، أو مستطيلاً إلى جهة القبلة، أو منثنياً كالمحراب؟ كل ذلك بينه الفقهاء ﵏ على خلاف عندهم في بعض المسائل مثل مشروعية الخط. هذه هي جوانب مبحث السترة للمصلي، ولم يقل أحد من العلماء باشتراط السترة لصحة الصلاة، قال ابن عبد البر: اتفقوا أنه ينبغي للمصلي أن يتخذ سترة، ولم يقل أحد ببطلان الصلاة بدون سترة إلا أقوالاً شاذة خارجة وبعيدة عن مذاهب الأئمة الأربعة، وعلماء الحديث قاطبة.

стр. 473

التشديد في المرور بين يدي المصلي مالك ﵀ عقد في الموطأ باباً بعنوان: التشديد في المرور بين يدي المصلي، فكان عنواناً مطابقاً للحديث فعلاً، ثم جاء بباب: الرخصة في المرور بين يدي المصلي؛ لأنه ما من عزيمة إلا ومعها رخصة غالباً لبعض الظروف، مثل أن يكون المصلي مفرطاً ويكون الإثم عليه، كأن يصلي في ممر المشاة، فيكون عرض نفسه للمرور بين يديه بدون سبب، فهو المتسبب، وقد يكون الإثم من جهة المار، وذلك إذا كانت له سعة للابتعاد عن يدي المصلي، فتعمد المرور فهو آثم، وعلى هذا فكل من المصلي والمار مخاطب ومحذر من أن يفرط في أمر السترة. والنصوص المذكورة في الباب تدور على: حكم اتخاذ السترة، وعلاقة ذلك بالمصلي، وعلاقة ذلك بالمار، ونوعية وكيفية السترة. نرجع إلى الحديث الأول: (لو يعلم المار) ، قوله: (لو يعلم) : كأنه لا يعلم قبل ذلك، فهو أمر غيب، والمراد: لو يعلم الإثم، وقوله: (بين يديه) : عبارة عن الاقتراب منه، فلو كنا في مكاننا هذا نصلي، وجاء إنسان عند الأروقة الموجودة بعيداً، وبيننا وبينه حوالى خمسين أو ستين متراً، ومر من هناك، فهل نقول: إنه مر بين أيدينا؟! العرف ينفي ذلك، لكن إذا كنت أصلي هنا، ومر إنسان بيني وبين القارئ فنقول: مر بين أيدينا، فنرجع إلى العرف لمعرفة حد بين يديه، وقال البعض: ثلاثة أذرع، وقيل: خمسة أذرع، وبعضهم قال: رمية الحجر، لكن رمية الحجر هذه بعيدة! والمار بين يدي المصلي لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون للمصلي سترة؛ فيتحقق مروره بين يديه إذا مر ما بين السترة والمصلي، أما إذا مر من وراء السترة فلم يمر بين يدي المصلي؛ لأن السترة حددت موقع المصلي وحمى مكانه، وحمى مكانه أصبح من اختصاصه إلى أن يفرغ من صلاته، وعند ذلك يرتفع الاختصاص إلى غيره. وقوله: (ماذا عليه) ، يقول بعض العلماء: أي: من الإثم، وابن حجر قال متعقباً صاحب عمدة الأحكام: لفظة: (من الإثم) لم تذكر في كل نسخ البخاري، فهي ليست فيه، ولكن لابد من تقدير الإثم، لكون الحديث زاجراً عن المرور. وقوله: (لكان -أي: الحال والشأن- أن يقف -أي: ولا يمشي تلك الخطوة- أربعين ... ) أربعين ماذا؟ يقولون: لم يأت تمييز العدد هنا في الصحيحين، وجاء في رواية أن الراوي قال: لا أدري أربعين يوماً، أو أربعين شهراً، أو أربعين خريفاً، والخريف هو أحد فصول السنة الأربعة، وهي: صيف وشتاء وخريف وربيع، قالوا: فالخريف كناية عن سنة كاملة، وهل يمكن أن يقف سنة فضلاً عن شهر أو يوم؟! مدة الصلاة لا تتجاوز سبع دقائق أو ست دقائق، وصلاة الجماعة من تكبير الإمام إلى أن ينتهي من الصلاة لا تزيد عن عشر دقائق. إذاً: هذا من باب -كما قال مالك -: التشديد والتغليظ في النهي، وكل إنسان حينما يقارن بين وقوفه أربعين يوماً -على أقل تقدير- وبين الإثم الذي يلحقه يستهين بأربعين يوماً حتى لا يلحقه إثم أكبر من ذلك، فما بالك إذا لم يستغرق الوقت أربعين دقيقة؟! فلأن يقف أحسن له بكثير، وهذا يهون عليه الوقوف حتى يفرغ المصلي من صلاته. وقوله: (لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه) ، وإذا كان لا يعلم هل يعذر بالجهل؟ قالوا: نعم، ولكن على المصلي أن يدفعه كدفع الصائل، يبدأ بالأسهل فالأسهل، قال البعض: حتى لو حرك عينه، ولو حرك رأسه، بأي شيء ينبهه، فإذا لم ينتبه مد يده، وإلى أي مدى؟ قالوا: مقدار ما تصل اليد، لا أن يكون بينه وبين المار متران، أو قدر مكان سجوده عدة مرات، فيخطو إليه ليرده!! فهذا ليس له حق فيه؛ لأنه لم يحتجر تلك المسافة، وإنما احتجر بالسترة لو كانت موجودة نحو ثلاثة أذرع فقط، ولذا قالوا: لو أن المار سبق وغلب وأدركه لا يحق له أن يرده مرة أخرى من حيث أتى؛ لأن هذا سيكون مروراً ثانياً، فإذا مر المرة الأولى ولم يدركه ولم يحجزه عن المرور؛ فيتركه يمضي ولا يرده. وجاء عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها: أن عمراً مر بين يدي رسول الله وهو يصلي فرده فرجع، فجاءت ابنتها زينب تمر بين يديه فمنعها فلم تمتنع، فمنعها فلم تمتنع، ثم غلبته وتعدته، فلما صلى قال: (هن الأغلب) ، ففرق بين الجارية وبين الغلام، فهو استحى ورجع، وهذه تعدته. وقد جاء في الحديث: (إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يمر بين يديه فليمنعه) ، وهذا يشمل الإنسان وغيره، فالمصلي يمنع حتى الحيوان من المرور بين يديه كما جاء عنه ﷺ (أنه كان يصلي فجاءت عنز -أو عناق- وأرادت أن تمر بين يديه، فأخذ يضايقها حتى ألصق منكبه بالجدار ومشت من ورائه، ولم تمر بين يديه) فكان لا يدع أحداً يمر بين يديه. وقوله في الحديث: (لو يعلم المار بين يدي المصلي) ، هل هذا لكل مصل مطلقاً أم من اتخذ سترة فقط؟ قالوا: هو للمصلي الذي اتخذ سترة، فلا يمر بين السترة وبين المصلي، أما مصل لم يتخذ سترة، فقد فرط في حق نفسه، والمار إذا كان يعلم النهي فتعمد المرور بين يديه في أقل من الثلاثة الأذرع؛ فكلاهما آثم، المصلي آثم لتقصيره في عدم اتخاذ السترة، والمار آثم لتعمده المرور بين يديه وعنده مندوحة أخرى، بخلاف ما إذا كانت ليست له مندوحة فيجوز له المرور. وقوله: (لكان أن يقف) أي: لكان الحال والشأن أنه لو وقف أربعين يوماً، أو شهراً، أو خريفاً -كما في بعض الروايات-؛ أهون له وأخف عليه من إثم مروره، فلو انتظر أربعين دقيقة لانتهت المسألة، وانتهى المصلي من صلاته، وخرج من تلك المسئولية. وهذا عام في كل مصل، وفي كل مكان، وفي كل زمان، لكنهم يقولون: يستثنى من ذلك المار بين يدي المصلي في المسجد الحرام، وبعضهم يقول: في مكة كلها، وبعضهم يقول: في حدود الحرم كله، ولكن النص قد جاء في المسجد الحرام فقط، فجاء أن النبي ﷺ صلى في المسجد الحرام، والناس يمرون بين يديه، ولم يمنع أحداً، وعلل الفقهاء ذلك بأن المساجد غير المسجد الحرام الصفوف فيها منتظمة معتدلة، فيمكن للإنسان أن يذهب من طرف بعيد عن تجاه المصلي ويمشي، لكن في المسجد الحرام الصف حلقة مستديرة، فإذا كان المصلي داخل الحلقة فمن أين يخرج؟ لن يخرج إلا إذا مر بين يدي بعض المصلين فلا يتأتى المنع، ويتعذر المنع، فأبيح وخفف في ذلك.

стр. 474

شرح حديث: (قدر السترة مثل مؤخرة الرحل) قال ﵀: [وعن عائشة قالت: (سئل النبي ﷺ في غزوة تبوك عن سترة المصلي، فقال: مثل مؤخرة الرحل) أخرجه مسلم] . هذا الحديث عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها (أن النبي ﷺ : سئل عن سترة المصلي) ، لم يبين في الرواية صيغة السؤال عن السترة، هل هو عن حكمها، أو بعدها، أو شرطها، أو شكلها؟ لم يبين في الرواية شيء من ذلك، ولكن الجواب يوحي بنوعية السؤال، فإنه سئل عن سترة المصلي، ولم يقل: تكون بعيدة أو قريبة، ولم يقل: هي واجبة أو مندوبة، ولكن قال: (مثل مؤخرة الرحل) ، والرحل له خشبتان: خشبة من الأمام، وخشبة من الخلف، وليست متينة كثيراً، وليست طويلة، يقول العلماء: مؤخرة الرحل قريبة من عظم الذراع، والذراع من المرفق إلى طرف الأنامل، وعظم الذراع من الكوع إلى المرفق، فالسترة تكون واضحة بارزة للمار مثل مؤخرة الرحل، فالسؤال كان عن حجمها، وقد كان من عادته ﷺ أن تحمل العنزة بين يديه، فكان إذا خرج إلى المصلى في العيد، أو كان في السفر وحضرت الصلاة؛ غرزت العنزة في الأرض، فيصلي إليها، والعنزة: نوع من العصي في طرفها قطعة من الحديد، ولذلك يمكن أن تخترق الأرض، فكانت تغرس في الأرض، وتكون قائمة بين يدي الرسول ﷺ . فأقل ما يكون في السترة مثل مؤخرة الرحل، فإن وجد مثل هذا القدر في المتن وفي الطول فهذا المطلوب، فإن لم يجد مثل ذلك فسيأتي بيان ما الذي ينوب عن مؤخرة الرحل. تنبيه: لا ينبغي للمصلي أن يصمد إلى السترة ويجعلها بين عينيه ويسجد إليها، ولكن يجعلها مائلة إلى أحد الجانبين يميناً أو يساراً، لحديث: (إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره فلا يعمد إليه عمداً، ولكن يجعله عن يساره أو عن يمينه) ، ولفظ الحديث قدم اليسار على اليمين، مع أن اليمين أفضل، وكان ومن حقه التقديم، ولكن السترة بالنسبة للمصلي كأنها إمام له، والواحد إذا صلى مع الإمام يكون موقفه عن يمينه، والإمام عن يساره، فيجعل السترة موقع الإمام. واعلم أن الإمام في الجماعة سترة للمأمومين وراءه. فينبغي للمصلي ألا يعمد إلى السترة فيكون في صورة من يسجد لغير الله، ومن هنا كره العلماء أن يتخذ المصلي سترة من إنسان جالس أو حيوان؛ لأنه إذا سجد والإنسان بين يديه فكأنه يسجد لمخلوق، وكذلك الحيوان، اللهم إلا إذا كان في السفر، فقد جاء عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه أنه كان ينيخ راحلته، ويصلي إليها، ويجعلها سترة له من الناس، والله تعالى أعلم. وهذا الحديث الذي فيه سؤال رسول الله ﷺ عن السترة كان في غزوة تبوك، وكانت سنة تسع، يعني في آخر الأمر، ولم يأت ما ينسخ ذلك، فمشروعية السترة باقية، وما سمعنا بحديث ينسخها.

стр. 475

شرح حديث: (ليستتر أحدكم في الصلاة ولو بسهم) قال ﵀: [وعن سبرة بن معبد الجهني قال: قال رسول الله ﷺ : (ليستتر أحدكم في الصلاة ولو بسهم) أخرجه الحاكم] . قوله: (ليستتر أحدكم في الصلاة) ليس معناه: أن يتخفى عن الأنظار؛ لأنه قال: ولو بسهم، والسهم لا يخفي الإنسان عن الأنظار، فالمعنى أن يتخذ سترة، (ولو بسهم) ، والسهم ليس كبيراً، وليس متيناً كمؤخرة الرحل، فالغرض من ذلك ما يشعر المار بحرمة المصلي ولو بسهم يغرسه أمامه، وكانت تغرس الحربة أو العنزة لرسول الله ﷺ ، والحربة والعنزة متقاربان، إلا أن الحربة هي أداة قتال وهي أَحَدّ، والعنزة أداة اتكاء يتوكأ عليها. وقوله: (ليستتر) من صيغ الأوامر، فإن الفعل المضارع مع لام الأمر صيغة من صيغ الأوامر، ومن هنا أخذ من أخذ أن السترة للمصلي واجبة، ويتعين على كل مصل أن يصلي إلى سترة، فإذا خالف هذا الأمر فكأنه خالف في الطهارة، أو خالف في ستر العورة، أو خالف في استقبال القبلة، ويحكم على صلاته بالبطلان، ولكن من فقه المؤلف ﵀ أن أعقب ذلك بحديث: (لا يقطع صلاة المرء شيء) ، وهذا يدل على أن السترة ليست بشرط.

стр. 476

شرح حديث: (يقطع صلاة الرجل المسلم ... ) قال ﵀: [وعن أبي ذر الغفاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (يقطع صلاة الرجل المسلم -إذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل- المرأة والحمار والكلب الأسود. الحديث، وفيه: الكلب الأسود شيطان) أخرجه مسلم] . قطع الصلاة بمعنى إبطالها؛ ولذا قال بعض العلماء: لا يقطع الصلاة إلا الحدث، فمن اعتبر السترة واجبة، قال: من لم يتخذ سترة ومر بين يديه أحد هذه الثلاث، بطلت صلاته، فإذا كان مرور هذه الثلاث بين يدي المصلي الذي لم يتخذ سترة تبطل صلاته، فهل مرور غيرها يقطع الصلاة؟ فلو مر رجل، أو ذئب، فهل تبطل الصلاة؟ التنصيص على هذه الثلاث يخصها، ويرفع الحكم عما عداها، وقد تكلموا على هذا الحديث، وأول من تكلم عليه أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها. فقالت: رحم الله فلاناً -تعني: الراوي- ما فتئ أن جعلنا مع الكلاب والحمير!! وذلك لأنه روى حديث: (يقطع صلاة المرء المسلم: المرأة والكلب والحمار) ، فقالت: ﵀! ما فتئ أن جعلنا مع الكلاب والحمير، لقد رأيتني أنام معترضة بين يدي رسول الله ﷺ وهو يصلي، وكان يطيل القراءة، فأمد قدمي -أي: بين يديه- فإذا أراد أن يسجد غمزني، فكففتهما ليسجد، قالوا: فهي امرأة بين يدي رسول الله ﷺ ، ولم تقطع صلاته ﷺ . أجاب الآخرون وقالوا: النص جاء في المرور وليس في النوم، فقال الأولون: أخبرونا ما علة تخصيص المرأة عن الرجل؟ قالوا: الفتنة، قالوا: وأي فتنة أشد: امرأة تمر في لحظة أم امرأة نائمة مستلقية أمامه؟ أيهما أدخل في باب الفتنة؟ النائمة، فقد تتقلب يميناً وشمالاً، قالوا: لا، هذه زوجة، قال الأولون: فالرجل يشغل بزوجته أكثر من الأجنبية، وهو قد يطمع في الأجنبية، لكن نظره وفكره دائماً متجه للزوجة، وقال بعضهم: هذه خصوصية لرسول الله ﷺ ، لكن قالوا: أين التخصيص؟ فخرجت المرأة بنفسها، وخرج معها سائر النساء. كذلك قطع الصلاة بالحمار، جاء عن ابن عباس ﵄ قال: (كنت على حمار أتان -الحمار اسم الجنس، والأتان هي أنثى الحمير- والرسول ﷺ يصلي بالناس بمنى الظهر أو العصر؛ فمررت بالأتان بين يدي بعض الصف، ثم نزلت فصففت معهم، وتركت الأتان ترعى، فلم ينكر علي أحد) ، وكان سن ابن عباس في ذلك الوقت ثلاث عشرة سنة؛ لأنه قال: وقد ناهزت الاحتلام، قالوا: وهذا السن سن إدراك وتمييز، ولو كان هناك إنكار لأنكر عليه؛ لأنه يدرك ذلك، فمروره بالحمار بين يدي بعض الصف ولم يقطع صلاتهم؛ دليل على أن الحمار لا يقطع الصلاة، لكن قالوا: إن مروره بين الصفوف ليس مروراً بين يدي المصلين بدون السترة؛ لأن المصلين سترتهم سترة الإمام، أو الإمام بنفسه سترة لهم، ومن هنا قال مالك ﵀: إذا احتاج الإنسان أن يمر بين يدي الصفوف في صلاة الجماعة فلا مانع، وأكره ذلك لغير حاجة. إذاً: من كان يريد أن يذهب لحاجته وقت صلاة الجماعة فيتجنب المرور بين الصفوف، وإذا لم يجد مكاناً إلا بين الصفوف فلا مانع؛ لأن كل من وراء الإمام سترته سترة الإمام أو الإمام بنفسه سترة لهم. الشاهد أن من العلماء من أجاب عن قطع الحمار للصلاة بحديث ابن عباس، وأجاب الآخرون عنهم بما ذكرنا. أما الكلب فلم يأت ما يعارضه كما جاء في المرأة وفي الحمار، فيبقى على الخبر، لكنه وصف بالأسود، وجاءت الروايات بأن الكلب الأسود شيطان، ومن العجيب أن بعضهم يفرق بين الكلب المأذون في اقتنائه وغير المأذون في اقتنائه! والصواب أن الكلب الأسود يقطع الصلاة، كما في النص، ولم يأت ما يخرجه مثل المرأة والحمار. فهذا ما يتعلق بإبطال الصلاة وقطعها بمرور هذه الثلاث، ولا ينبغي للمصلي أن يفرط في اتخاذ السترة، ولا ينبغي للمار أن يتعدى على حرمة المصلي. ثم قال المؤلف ﵀: [وله عن أبي هريرة نحوه دون الكلب، ولـ أبي داود والنسائي عن ابن عباس ﵄ نحوه دون آخره، وقيد المرأة بالحائض] . (قيد المرأة) أي: في حديث: (يقطع صلاة الرجل المسلم: المرأة والحمار والكلب) ، وهذه الزيادة قيدت المرأة بكونها حائضاً، ويقول الأصوليون: هذا وصف مناسب، فإذا اعتبرت الحيضة بالنسبة للمرأة كان اعتباراً مناسباً، ولكن سيأتي ما يهدم هذا كله.

стр. 477

شرح حديث: (إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس ... ) قال ﵀: [وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه، فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان) متفق عليه، وفي رواية (فإن معه القرين) ] . حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه موجه للمصلي. وفي هذا الحديث إشكالات، فلو اتخذ المصلي سترة، وأراد إنسان أن يمر بين يديه، فقال في الحديث: (فليدفعه) أي: فليمنعه، وبأي صفة؟ رأينا في هذا المسجد النبوي الشريف بعض الأشخاص يصلي وكأنه يحمل وعاء غيظ وحقد، فإذا مر إنسان بين يديه فإذا به بكل قواه يدفعه! وهذا خطأ، يقول العلماء: دفع المار كدفع الصائل من إنسان أو حيوان ضعيف يدفع بالأسهل، فإن لم يندفع اشتد دفعه، فمثلاً: طفل صغير قام وهجم عليك، فتستطيع أن تدفعه بيدك برفق، فإذا أخذت عصاً غليظة وضربته لأنه صائل عليك فأصيب فأنت ضامن، فيجب عليك أن تتدرج في الدفع، فتشير إليه أو تدفعه برفق، فإن امتنع من هذا الدفع أو الإشارة زدت، فإن امتنع بعد هذا فيجوز أن تصل إلى حد المقاتلة. وفي الحديث قال: (فليمنعه) ، وفي رواية: (فلا يتركه) ، وفي أخرى: (فلا يدعه) كما في الموطأ. وقوله: (فإن أبى) أي: أشرت إليه فلم يبال، مددت يدك فنفضها، مسكت بثوبه فنفض يدك، وأصبح معانداً، يقول النبي ﷺ : (فإن أبى فليقاتله) ، والمقاتلة قد تطلق على مجرد الخصومة، فلو رأيت اثنين يتنازعان كلاماً بينهما، تقول: هما يتقاتلان، وليس معنى (يقاتله) أن يحمل السلاح والترس والدرع ويقاتله من أجل المرور!! لا، بل (يقاتله) بمعنى: يدفعه بطريقة شديدة أكثر فأكثر؛ ولذا يقولون: لو اقتضى درأ المار إلى عمل كثير، كأن يمشي خطوات، ونحو ذلك مما يخرجه عن الصلاة، فإن هذا الفعل أشد خطراً من مجرد المرور، فقد يؤدي هذا إلى بطلان صلاته هو، وهناك من قال: يقاتله ولو أدى إلى موته!! فلو قاتله وقتله! فما الحكم؟ يقول الشافعي رحمه الله تعالى: عليه الدية في ماله، وبعض الشافعية يقولون: الدية على العاقلة؛ لأنه فعل فعلاً مأذوناً له فيه، والجمهور يقولون: لا يجوز أن يصل الحال إلى قتل المار، فإن أصيب بتلف فهناك من يقول: دمه هدر؛ لأن الرسول ﵊ قال: يقاتله، وهناك من يقول: ما أراد بالمقاتلة أن تقتله أو تصل به إلى حد الإتلاف، إنما أراد المنع بدليل ما سيأتي: (ادرءوا ما استطعتم) ، فإذا لم تستطع أن ترده تركته، وقد أديت ما عليك، وكان الإثم عليه هو. وقوله: (إنما هو شيطان) قالوا: مادة (شطن) بمعنى: بعد، أي: فهو بعد عن الاستجابة إليك، وبعد عن الاتباع للسنة، وبعد عن احترام المصلي في صلاته، فشيطنته عصيانه للأوامر، ورواية: (فإن معه القرين) تبين أنه ليس شيطاناً حقيقياً. يروى (أنه ﷺ رأى شاباً يتبع حمامة، فقال: شيطان يتبع شيطانة) ؛ لأن كلاً منهما متعص على الثاني، هي متعصية أن تقر له، وهو متعص عليها إلا أن يأخذها. إذاً: كلمة (شيطان) قد تطلق على الشيطان حقيقة، وقد تطلق على شيء آخر، ومن الإنس شياطين كما قال: ﴿شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام:١١٢] ، فقوله: (إنما هو شيطان) بيان أنه مخالف، وفعله في ظاهره فعل الشياطين، وقد يكون معه يؤزه ويدفعه ويغريه، والله تعالى أعلم.

стр. 478

شرح حديث: (إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئاً ... ) قال ﵀: [وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئاً، فإن لم يجد فلينصب عصاً، فإن لم يكن فليخط خطاً، ثم لا يضره من مر بين يديه) أخرجه أحمد وابن ماجة، وصححه ابن حبان، ولم يصب من زعم أنه مضطرب، بل هو حسن] . يبين هنا ﷺ أن على المصلي أن يتخذ شيئاً أمامه، فإن لم يجد شيئاً، لا عصاً ولا سهماً، فليخط خطاً، وأكثر الأئمة لم يقر الخط؛ لأنه لم يثبت عنده، ولم يصح الحديث فيه، لكن أحمد ﵀ صحح الحديث وقال: من لم يجد شيئاً يستره من الناس فإنه يخط خطاً أمامه. ثم اختلفوا في الخط هل يكون بالطول كالعصا التي يضعها بطولها أمامه أو يكون الخط معترضاً؟ أما العصا فتكون معترضة يميناً ويساراً؛ لأنه إذا جعلها بالطول ستأخذ حيزاً كبيراً تشغل الناس، وكذلك الخط، كما لو كانت عصاً يلقيها بين يديه، وقيل: يخطه من موضع سجوده إلى الأمام بطول ذراع، وقيل: يخطه مستديراً كهيئة المحراب. وقالوا: إذا كان في أرض رمل جمع شيئاً من التراب أمامه، أو جعل أي شيء يشعر المار، والنووي ﵀ في المجموع يقول: لو صلى على خمرة -وهي: السجادة المعروفة الآن- فإن نهايتها بمثابة السترة له؛ لأنها موضع صلاته وموضع سجوده، وما عداها مما وراءها ليس ملكاً له، وهو لم يقصد أن يحجر ما وراء مساحة السجادة، والسجادة من القدمين إلى السجود. هذا الحديث بيان لنوعية السترة، فهي إما عنزة، وإما مؤخرة الرحل، وإما سهم، وإما عصا، وإما أن يخط خطاً، وجاء عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه كان يستتر براحلته في السفر خاصة. وقوله: (ثم لا يضره من مر بين يديه) أي: إذا استتر بعنزة، أو بعصا، أو بمؤخرة الرحل، أو بالخط؛ فلا يضره من مر بعد السترة، ولا يتعرض له بالمنع.

стр. 479

شرح حديث: (لا يقطع الصلاة شيء) قال ﵀: [وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يقطع الصلاة شيء، وادرءوا ما استطعتم) أخرجه أبو داود، وفي سنده ضعف] . وإن كان الحديث ضعيفاً فعليه عمل الجميع، وهذا من حسن ترتيب المؤلف وتنسيقه، فإنه ساق لنا أحكام السترة، والتشديد في المرور، والتأكيد على اتخاذها، ثم بين أنه لا يقطع صلاة المرء شيء، لا امرأة ولا كلب ولا حمار ولا شيء، ولكن (وادرءوا ما استطعتم) ، فإذا كنت تصلي وأنت متخذ سترة، أو لم تتخذ سترة، أو اتخذت سترة وبعدت عنها -وهذه مخالفة منك أنت-؛ فأراد إنسان أن يمر في موضع لا يجوز له المرور فيه، فادفعه ما استطعت، فإذا غلبك ومر فلا عليك، فالإثم عليه هو، أما أنت فقد اتخذت السترة، ودرأت ما استطعت. والناس يختلفون في ذلك، يقول الزهري: لو مر بين يدي مسكين تساهلت وتركته، ولو مر بين يدي جبار متعنت لمنعته، أي: ينظر إلى حالة الناس، فالغافل يتساهل معه، أما المتعمد للعصيان فلا يتساهل معه، لكن لا تصل إلى حد القتال بحيث تخرج عن حدود الصلاة، وبالله تعالى التوفيق.

стр. 480

كتاب الصلاة - باب الحث على الخشوع في الصلاة [١] الخشوع لب الصلاة وروحها، فلا يعرف عظمة الصلاة من لم يذق الخشوع فيها، وعلى قدر الخشوع يكون الأجر، ولما كان الخشوع بهذه المنزلة فإن الشارع الحكيم قد أحاط الصلاة بسياج منيع من الأحكام التي غايتها وفائدتها الحفاظ على المصلي من كل ما يشغله عن الصلاة حتى لا يضيع عليه الخشوع.

стр. 481

ما ينافي الخشوع في الصلاة

стр. 482

الاختصار في الصلاة ومعناه بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فيقول المصنف ﵀: [وعن أبي هريرة ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يصلي الرجل مختصراً) متفق عليه، واللفظ لـ مسلم، ومعناه: أن يجعل يده على خاصرته. وفي البخاري عن عائشة: (أن ذلك فعل اليهود في صلاتهم) ] . بدأ المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب العظيم بهذا الحديث الذي نهى فيه النبي ﷺ الرجل -وكذلك المرأة- أن يصلي مختصراً، والمؤلف شرح كلمة (مختصراً) ، وهي مأخوذة من الخاصرة، والخاصرة فوق الحقو، وهو العظم، ويسمى بالحوض فوق ملتقى الفخذ بالظهر، فنهى ﷺ عن هذه الهيئة -كما سيأتي فيما بعد- (في الصلاة) ، وجاء التعليل بأن ذلك من فعل اليهود، فيقفون في صلاتهم مختصرين. وبعضهم يفسر الاختصار في الصلاة: بأنه الاختصار في القراءة، وهو أن يأخذ من بعض السور بعض الآيات مختصراً السورة. وبعضهم فسر الاختصار بأن يختصر الصلاة، فلا يعطيها حقها من القراءة والطمأنينة في الركوع والسجود، بل يقتصر على أقل ما يجزئ، وهو الطمأنينة فحسب في الركوع وفي السجود وغير ذلك، بخلاف من يطيل ركوعه ويطيل سجوده، كما كان يفعل ﷺ ، فقد أطال سجوده ﷺ في بعض الليالي حتى قالت عائشة: (خشيت أن يكون قد قبض) أي: مات. وجاء في الحديث الآخر: (يقرأ في الركعة الأولى البقرة وآل عمران والنساء، ثم يركع نحواً من ذلك، ثم يرفع نحواً من ذلك، ثم يسجد نحواً من ذلك، إلى آخر الصلاة) ، وهذا في النافلة؛ لأنه في الفريضة يؤم الناس، فيراعي الضعيف والمريض وذا الحاجة، فمن بعض معاني الاختصار اختصار الصلاة بعدم إيفائها حقوقها. ومن معاني الاختصار أن يقرأ بعض الآيات من بعض السور. وبالمناسبة فإنه قد ورد عن مالك ﵀ أنه قال: أحب إليّ أن يقرأ سورة كاملة -ولو من قصار المفصل- من أن يقرأ نظيرها عدة مرات من سورة طويلة. يعني أنه لو قرأ صفحة كاملة من سورة البقرة، أو آل عمران، أو يس، فخير من ذلك أن يقرأ سورة كاملة مثل: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١] ، أو ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ﴾ [الفيل:١] ، أو ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر:١] ، فإن هذا أحب عنده من أن يقرأ صفحة كاملة من سورة طويلة دون أن يكملها. والسبب في ذلك أن من تأمل أسلوب القرآن ومنهجه، وأدرك المعاني المرتبطة يجد كل سورة من قصار السور تنفرد بوحدة موضوعها، بخلاف السور الطوال، فإنها تتعدد فيها المواضيع، فإذا جئت إلى سورة (اقرأ) وجدت أنها تتحدث عن بداية الرسالة بالقراءة والتعليم، وإذا جئت إلى سورة (إنا أنزلناه) فإنها تتحدث عن القرآن، وعن نزوله، وإذا جئت إلى سورة (البينة) وجدت فيها إقامة الدليل والحجة على المشركين وأهل الكتاب، وإذا جئت إلى سورة: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) وجدت موضوعها يتحدث عن ذات الله ووحدانيته سبحانه، وكذلك (المعوذتان) تجد كل واحدة موضوعة للاستعاذة من أشياء مخصصة. أما البقرة وآل عمران وبقية السور الطوال فتجد فيها عدة قصص، وكل قصة مستقلة بذاتها، وتجد في سورة البقرة مواضيع عديدة، كأول خلق الكائنات، وتقسيم الناس إلى مؤمنين ومنافقين وكفار، ثم دعوة الناس إلى عبادة الله وحده بإقامة الأدلة بخلق السموات والأرض، ثم الكلام على بني إسرائيل، ثم آدم، ثم إبراهيم، إلى غير ذلك من أشياء عديدة، ومواضيع متعددة، فلربما أخذ الموضوع الواحد صفحة كاملة أو أكثر، وينبغي على كل قارئ -سواءٌ أكان وحده، أم إماماً في الصلاة- إذا قرأ من بعض السورة الطوال أن يأخذ موضعاً مكتملاً فيقرأه، ولا يبتر الموضوع ويركع، فإذا لم يمكن ذلك، أو كان يطول ذلك على المصلين فليقرأ من قصار السور. فمن معاني الاختصار: الاقتصار على بعض الآيات من بعض السور، وكذا الاختصار في الصلاة بإنقاص بعض واجباتها، والاختصار حساً، وهو وضع اليدين على الخاصرة، وماذا في وضع اليد في الخاصرة؟ قالوا: لأن ذلك من فعل اليهود في صلاتهم، ولا ينبغي أن نتشبه باليهود في عباداتنا. وهناك معنىً آخر، وهو أنك لو تأملت في نفسك إذا كنت في خلوة، أو في حالة ما، ووجدت نفسك مباشرة تضع يدك على خاصرتك، فإن ذلك -غالباً- لا يكون إلا في حالة الإعجاب، والنظر بتوسع فيما أعجبك، ففيها شيء من الفخر أو الاعتزاز أو التكبر، وهذا يتنافى مع الخشوع في الصلاة، والله تعالى أعلم.

стр. 483

الصلاة بحضرة الطعام وما في معنى ذلك قال المصنف ﵀: [وعن أنس ﵁: (أن رسول الله ﷺ قال: إذا قدم العشاء فابدأوا به قبل أن تصلوا المغرب) ، متفق عليه] . في الحديث الأول النهي عن الاختصار في الصلاة أثناء أدائها، والحديث الثاني موضوعه قبل الدخول في الصلاة، وفيهما المحافظة على الخشوع في الصلاة، ففي هذا الحديث أنه إذا قدم العشاء قبل المغرب فلنبدأ بالعشاء، مع أن المغرب وقته ضيق! وفي اللفظ الآخر: (إذا قدم العشاء والعشاء فابدأوا بالعشاء) ، فجيء بلفظ (العشاء) بدلاً من المغرب، ومهما تكن من تسمية فإنهم يقولون: إذا قدم الطعام تطلعت إليه النفس، فإذا تركه وانصرف إلى الصلاة كانت نفسه مع الطعام، وهذا يشوش عليه. وروي عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه كان يتناول طعامه، وكان بجانبه شواء تشم رائحته، فأراد المؤذن أن يقيم الصلاة، فقال: اصبر حتى ننال من هذا الشواء؛ فلا تتعلق به نفوسنا في الصلاة. وهنا بعض المباحث الفقهية، فمن ذلك أنه لو ضاق الوقت، وقدم الطعام فهل نقدم الطعام ولو خرج الوقت؟ هناك من يقول: نعم، كالظاهرية، وهناك من يقول: يجب تقديم حرمة الوقت. وهناك من يقول: هذا للصائم؛ لأنه طيلة نهاره صائم جائع ينتظر الطعام ويرقب المغرب، فإذا قدم طعامه فليتناول من طعامه قبل أن يصلي المغرب، وهذه كانت سنة النبي ﷺ وأصحابه، كانوا يتناولون الإفطار بعد الأذان وقبل الصلاة، فيتناولون تمرات مع شيء من الماء، كما يُفعل الآن في المسجد النبوي ولله الحمد؛ لأن الإنسان مع طول الوقت يتطلع وينتظر، فلابد أن يأكل ما يكسر هذا التطلع والانتظار، لاسيما بالمادة الحلوة، ولذا قالوا: من الحكمة أن يكون الإفطار على تمر ورطب؛ لأن الحلاوة تدفع شره الجوع عن المعدة، وتجعلها تكتفي بأقل مما لو لم يسبق إليها بالحلوى. فتقديم العشاء على المغرب كان رفعاً للتشويش، أما إذا كان شبعان وقُدِّم العشاء وأقيمت صلاة المغرب فيبقى في حقه أن يُقدم المغرب؛ لأفضلية أول الوقت؛ لأن العلة منسية؛ إذ إنه قد شبع من هذا الطعام، أو في غنى عنه. فالحكم مختص بالجائع الذي يتشوش خاطره بترك الطعام إذا قّدم الصلاة، والله تعالى أعلم. وليس الأمر قاصراً على المغرب وعلى العشاء، بل كل أوقات الصلوات في ذلك سواء، ويمكن أن يقال أيضاً: إن ذلك يكون كذلك في حالة ما إذا كان هناك أمر هام ينشغل به المصلي، كمن عنده موعد مع إنسان في مكالمة هاتفية مهمة، وأقيمت الصلاة، وبقي من الوقت دقائق على موعد المكالمة، أو على مجيء الرسول بهذا الأمر، وإذا دخل في الصلاة يخشى أن يرن الجرس، أو إن دخل في الصلاة، يخشى أن يأتي الرسول فلا يجده. فلو أخرت الصلاة إلى الفترة القريبة التي لا تفوّت عليك وقت الصلاة حتى تُصلي وأنت مطمئن الخاطر مستريح البال فإنه يمكن أن يقاس هذا على علة رفع التشويش الكائنة في غير الطعام، مع غير المغرب والعشاء.

стр. 484

مسح الحصى عن الوجه في الصلاة قال المصنف ﵀: [وعن أبي ذر ﵁ قال: (قال رسول الله ﷺ : إذا قام أحدكم في الصلاة فلا يمسح الحصى، فإن الرحمة تواجهه) ، رواه الخمسة بإسناد صحيح، وزاد أحمد: (واحدة أو دع) ] . هذا الحكم -أيضاً- يدور في فلك الخشوع أثناء الصلاة، فالرسول ﷺ يقول: (إذا قام أحدكم في الصلاة فلا يمسح الحصى؛ فإن الرحمة تواجهه) ، فما علاقة مسح الحصى بمواجهة الرحمة؟ قالوا: لأن الإنسان في صلاته مقبل على الله سبحانه بمناجاته، مستحضر عظمة الله، مستحضر من يخاطب، ومقابل ذلك أن يكون الرحمات تواجهه، فإذا ما أخذ يمسح الحصى فكأنه انصرف عن مصدر الرحمات فانقطعت عنه. ولكن قد تكون ضرورة، وبعضهم يقول: لا تمسح الحصى، واسجد على ما أمامك؛ لأن الحصى الذي يواجهك يحب أن تسجد عليه. ويقولون: إن الحصاة التي يخرجها الإنسان من المسجد تخاصمه يوم القيامة، فتقول: لمَ أخرجتني من محل العبادات إلى محل القاذورات؟ ومن هنا يقول بعض العلماء: لا يجوز رمي الجمار بجمار تلتقط من المسجد؛ لأن الحصى التي في المسجد تستقر وتطمئن وتصغي وتدرك العبادة التي تسمعها، فهي تستأنس بها. وجاء في هذا شاهد العيان الذي شهده آلاف الناس، في المسجد النبوي الشريف حينما كان ﷺ يخطب متكئاً على جدع نخلة، فصُنع المنبر، فأول ما تحول النبي ﷺ إلى المنبر حن الجذع لرسول الله ﷺ ؛ لأنه كان مستأنساً مستشعراً لعظمة رسول الله ﷺ وعظمة ما يُلقى من قوله، والله سبحانه قادر على أن يجعل في الجماد حساً، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤] ، فهو نوع من التسبيح لا تدركونه، بل هو فوق حواسكم وفلا تفقهونه، فيحن الجذع ويسمع حنينه كل من في المسجد كحنين العُشراء، والناقة العشراء يكون في حنينها نوع من اللطف أو العاطفة حتى نزل ﷺ عن المنبر وضم الجذع فسكن، ثم خيره فقال: (إن شئت أخذتك وغرستك فأورقت وأينعت وأثمرت -يعني: ترجع إلى شبابك- وإن شئت: صبرت، وكنت من غرس الجنة) ، فانظر إلى قدرة الله تعالى، حيث خاطب النبي ﷺ الجماد، لكن الله جعل هذا الجماد يدرك الخطاب والجواب، فقال (أكون من غرس الجنة) . فهذا الجدع تأثر بمدة قيام الرسول ﷺ متكئاً عليه سبع سنوات؛ لأن المنبر صنع في السنة الثامنة، فلما تحول عنه افتقده. لذا قالوا: من المعاني في النهي عن مسح الحصى أنها تحب أن تسجد عليها، وتشاركك في السجود، وكذلك ما جاء في النهي عن كفت الشعر، فقد جاء عن بعض السلف: إن الشعر يحب أن يسجد معك. أو قال: أطلقه ليسجد معك. أي: كما يسجد الوجه على الجبهة، فكذلك الشعر الذي في الرأس -في الجمة- يسجد مع صاحبه. ويهمنا هنا أنه ﷺ نهى المصلي أن يمسح الحصى، اللهم إلا إذا كان شيئاً لا يستطيع أن يمكن جبهته منه، فهناك نوع من الحصى المصنوع المكسر مثل أطراف المسامير والإبر، فيصعب السجود عليه، فإن استطاع أن يسويه بحيث يمكن أن يسجد عليه فذاك، وإلا أزاله، أما إذا كان رملاً، أو كانت صخرة، أو كان شيئاً أملساً يمكن أن يسجد عليه فلا حاجة لمسحه وإزالته، كما قال أبو الدرداء، أو أبو ذر: لأن أدع ذلك خير لي من الدنيا وما فيها. وإذا كان هذا في النهي عن مسح الحصى فكيف بالذي ينظر في الساعة، ويضبطها، ويفعل غير ذلك، مع أن الرسول ﷺ نهى أن يكفت الرجل ثوبه في الصلاة، فأين الخشوع عند هذا الصنف؟! وأين إدراك ما يُقرأ؟ فهذا حاله كما قال ﷺ : (لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه) ، ولن يتذوق إنسان طعم الصلاة وحلاوة المناجاة إلا إذا كان الخشوع متوافراً، وإلا كان كمريض يشرب الشهد فلا يشعر بطعمه، وبالله تعالى التوفيق.

стр. 485

الالتفات في الصلاة قال المصنف ﵀: [وعن عائشة ﵂ قالت: (سألت رسول الله ﷺ عن الالتفات في الصلاة فقال: هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد) . رواه البخاري، وللترمذي -وصححه-: (إياك والالتفات في الصلاة؛ فإنه هلكة، فإن كان لا بد ففي التطوع) ] . يسوق لنا المؤلف ﵀ في (باب الحث على الخشوع في الصلاة) ما يتعلق بالالتفات في الصلاة، فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: (أنها سألت رسول الله ﷺ عن الالتفات في الصلاة فقال: هو اختلاس يختلسه الشيطان) ، وجاء أيضاً عن أبي ذر أنه قال: (سألت رسول الله ﷺ عن كل شيء، وسألته عن الالتفات في الصلاة فقال: إنما هو هلكة، فإن كان ولا بد ففي النافلة) . فقول أم المؤمنين عائشة -زوج رسول الله ﷺ : (سألت رسول الله عن الالتفات في الصلاة ... ) فيه بيان أن الالتفات لا يكون إلا عن شغل يُشغله عن الصلاة، وهذا يتنافى مع الخشوع الذي عقد المؤلف الباب من أجله، وبيّن ﷺ أن هذا الالتفات إنما هو اختلاس، والاختلاس: هو أخذ المال خفية، كشخص يعمل في محل، وتحت يده صندوق المبيعات أو الأمانات، فيختلس -أي: يأخذ- من المال خفية دون أن يعلم به صاحب المال، ولكنه -كما يقال- أمر خفي في بدايته ظاهر في نهايته، بخلاف الاغتصاب، فالغصب ظاهر في أوله ظاهر في آخره؛ لأن الغاصب لا يبالي، فيأخذ جهاراً اقتداراً، أما المختلس فهو يخشى السلطة، ويخشى صاحب المال، فيأخذ المال خلسة. وهكذا الشيطان، يأتي للإنسان ويحمله على الالتفات بأي صورة، فيورد عليه صورة عدو، ويورد عليه صورة طلب حاجة، ويسمع أدنى صوت بجانبه، يميناً أو يساراً، ولخلو ذهنه أو فراغ قلبه عن الشغل بالصلاة يستهويه، أو يلتفت ليعرف مصدر هذا الصوت، أما إذا كان خاشعاً في صلاته مشتغلاً بما يتلفظ به، معظماً لمن يناجي، ولمن هو قائم بين يديه، فإنه لا يبالي بتلك الأصوات، أو بتلك الحركات، كما قال ﷺ : (إن في الصلاة لشغلاً) ، أي: عما سواها. ومن هنا كان الالتفات انشغالاً عن الصلاة، وكونه اختلاساً فالاختلاس ينقص المال، فإذا كان كل يوم يأخذ المؤتمن من المال درهماً فإنه بعد عدة أيام، وبعد عدة شهور، وبعد عدة سنوات، سيكون قد حصل في المال نقص كثير، وهكذا الصلاة التي يلتفت فيها الإنسان، فإنه قد أنقص منها بقدر التفاته، فتكون الصلاة قد نقصت، كما أن رأس المال عند المؤتمن عليه قد نقص، والمختلس قد يختلس شيئاً قليلاً، وقد يختلس شيئاً كثيراً، وكذلك الشيطان، فقد يختلس من الإنسان في صلاته بالتفاته شيئاً قليلاً، وقد يختلس شيئاً كثيراً، سواءٌ أكان في نوع الالتفات ومدى انحرافه، أم كان في كثرته ومداومته عليه، فكل ذلك نقص يقع على الصلاة. وكون الالتفات اختلاساً ناحية تربوية، وناحية معنوية فيما ينقص من الصلاة، لكن الفقهاء يبحثون عن صحة الصلاة وعدم صحتها، فيقولون: الالتفات إما أن يكون جزئياً، أو كلياً ومعنى (جزئياً) : أن يلتفت بعنقه قليلاً وصدرُهُ لا يزال إلى القبلة، ويسمى هذا الالتفات التفاتاً جزئياً، أما إذا التفت بكليته وصدره، فبعد أن كان إلى القبلة، ذهب إلى اليمين، وانحرف بصدره عن القبلة فهذا التفات كلي، فيقولون: إن الالتفات الكلي مبطل للصلاة؛ لأنه يُفقد الصلاة شرطاً من شروط صحتها في لحظة منها، وهو شرط استقبال القبلة، وهذا في الأمور العادية والاختيار، أما إذا كان في حال الضرورة، فالضرورات لها أحكامها، كمن كان في صلاة الخوف وهو يجري، أو كان يفر من عدو وهو في الصلاة، فهو سينحرف عن القبلة قطعاً، أو كان في حالة قتل العقرب أو الحية أثناء الصلاة، فهو سينحرف عن الصلاة انحرافاً كلياً قطعاً، لكن هذه حالات اضطرارية، والضرورات تبيح المحظورات، والبحث إنما هو في الأمور العادية الاختيارية. أما إذا صلى في جوف الكعبة فجعل الباب خلفه، وصلى إلى الجدار المقابل للباب، ثم إذا به ينحرف انحرافاً كلياً إلى اليمين ثم انحرف انحرافاً كلياً إلى اليمين -أي: إلى الجدار الثالث- فكل ذلك لا يبطل الصلاة من جهة الالتفات أو الانحراف؛ لأنه بانحرافه لم يخرج عن استقبال الكعبة، وهذا إذا كان يصلي داخل جوف الكعبة. أما ما عدا ذلك فنرجع إلى الحالة والصورة التي بسببها التفت التفاتاً كلياً لنعرف هل هي حالة مشروعة ومرخص له فيها؟ فإذا كانت كذلك فلا تبطل الصلاة، أما إذا كان عبثاً وغفلة وسهواً منه فإن كان التفاتاً كلياً بطلت صلاته، وإن كان التفاتاً جزئياً لم تبطل الصلاة. وأما كون الالتفات في الصلاة هلكة فلأن الاختلاس ينقص من أجر صلاته، والنقص من الأجر هلكة، فنقص مع نقص مع نقص سينتهي إلى نقص كثير يؤدي إلى الهلاك، أو أن الالتفات الجزئي قد يجعله يتعود ذلك، ثم يأتي منه التفات كلي دون أن يشعر، ويرجع ويستمر في صلاته وتكون صلاته باطلة، فتكون الهلكة. ويهمنا أن الالتفات في الصلاة ينافي الخشوع، ثم قال في هذا الحديث: (فإن كان ولا بد -أي: إن اضطر إلى الالتفات- ففي النافلة) . ومثال هذا ما جاء عنه ﷺ في غزوة حنين، إذ إنهم لما خرجوا -وقبل أن يصلوا إلى الموقعة- عرسوا في الليل، فقال ﷺ : (من يحرس لنا الوادي؟) ، أي: الذي فيه العدو، فقام رجل وقال: أنا يا رسول الله فقال: (خذ عليك سلاحك، وخذ جوادك) فذهب، ثم طلع الفجر والناس ينتظرون أن يرجع هذا الفارس بالخبر فما رجع، فطال عليهم، فكان ﷺ يصلي ويلتفت إلى جهة الوادي يتطلع إلى مجيء هذا الفارس، فقالوا: هذه نافلة كان يصليها ﷺ ، وكان يلتفت ويتطلع إلى الفارس إلى أن أذن الفجر، وصلى سنة الصبح وكان يلتفت، ثم فرغ وقال: (هل أحد منكم رأى فارسنا البارحة؟ قالوا: لا) ، فانتظروا قليلاً، ثم قاموا إلى الصلاة فجاء الفارس، فأخبره الخبر بأنهم جاءوا بإبلهم وغنمهم ونسائهم وأطفالهم، فقال (هل نزلت عن جوادك؟ قال: والله -يا رسول الله! - ما نزلت إلا لأتوضأ أو أصلي، قال: لا عليك أن تفعل فيما بعد) ، يعني: عملك هذه الليلة يكفيك، وليس معنى ذلك أنه يترك العمل بالتكاليف، فقد جاء نظير ذلك في حق عثمان رضي الله تعالى عنه حين جهز جيش العسرة، فقال له ﷺ : (ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم) ، يعني: هذا العمل يكفيك، فيكفيك من الأجر ما تقر به عينك في الجنة وليس معنى ذلك أنه إذا حصل على ما يكفيه يترك الواجبات فالمهم أنه إن كان ولا بد فيكون الالتفات في النافلة، ولهذا قالوا: يعتفر في أحكام النوافل ما لا يعتفر في أحكام الفرائض. فهذا ما يتعلق بالالتفات في الصلاة.

стр. 486

البصاق في الصلاة وحكمه

стр. 487

علة النهي عن البصق في الصلاة قال المصنف ﵀: [وعن أنس قال: (قال رسول الله ﷺ : إذا كان أحدكم في الصلاة فإنه يناجي ربه، فلا يبصقن بين يديه، ولا عن يمينيه، ولكن عن شماله تحت قدمه) ، متفق عليه. وفي رواية: (أو تحت قدمه) ] . في هذا الحديث النبوي الشريف -مع الحث على الخشوع في الصلاة- آداب أخوية واجتماعية، حيث قال رسول الله ﷺ : (إذا كان أحدكم في الصلاة) ، وانظر إلى قوله: (إذا كان أحدكم في الصلاة فإنه يناجي ربه، فلا يبصقن) ، فإنه كان يمكنه أن يقول: لا يبصقن أحدكم في الصلاة قبل وجهه؛ فإنه يناجي ربه. فقال: (إذا كان أحدكم في الصلاة) ليوقظ في الإنسان هذا المعنى العظيم، وهو حقيقة عمله. فهو في صلاته يناجي ربه، والمناجاة أخص من الحديث؛ لأنها بين الصديق والصديق، ولأنها مما يحرص المتناجون أو المتناجيان على الحفاظ عليه، كما بين سبحانه في فوارق الحديث بقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة:٧] . وكما في قصة أبناء يعقوب إذا قال تعالى عنهم: ﴿خَلَصُوا نَجِيّاً﴾ [يوسف:٨٠] ، أي: يناجي بعضهم بعضاً يدبرون أو يتآمرون كيف يفعلون إذ أخذ منهم أخوهم. فليست المناجاة أمراً علنياً ولذلك إذا كان المجتمعون ثلاثة فلا يتناج اثنان دون الآخر؛ لأن ذلك يحزنه، حيث يقول في نفسه: ماذا يقولون؟ وفي أي شيء يتناجون؟ وعن أي إنسان؟ فإذا كانوا أربعة فلا بأس أن يتناجى اثنان، والثالث والرابع يستمران في حديثهما. فالمصلي في تلك الحالة يناجي ربه؛ لأنه يخاطب ربه سبحانه بحديث النجوى، وليس بحديث الجهر والإعلان، وكلما كان الحديث ذا أهمية أخذ طريق النجوى، سواءٌ أكان بين الصديقين، أم بين الشريكين، أم بين المهتمين بأمر خطير يخفونه عن الناس، وإذا تفاهموا فيه تفاهموا بالنجوى، ولهذا قال الحسن أو ابن المبارك: إذا أردت أن تدخل على الله بغير استئذان، وتخاطبه بلا ترجمان، فأسبغ الوضوء، وأتِ المسجد واستقبل القبلة، وكبر للصلاة فإنك تخاطب المولى سبحانه بلا ترجمان بينك وبينه، وبأي لسان يفهم عنك. وكذلك كل إنسان عندما يدخل في صلاته يقول: (الله أكبر) ، ثم يأتي بسورة الفاتحة بما فيها من المعاني المعروفة للجميع، فهو يناجي ربه إلى أن يقول: (إياك) أي: دون سواك (نعبد) ، (وإياك) أي: دون سواك (نستعين) ، ثم يقول: (اهدنا) ، ففي هذه الحالة يجب أن يستشعر عظمة من يناجي، ويستشعر أنه يستقبل ربه، كما جاء في بعض الروايات: (فإن الله تجاه وجهه) ، وجاء أيضاً في بعض الروايات: (إن المصلي إذا أقبل على الله أقبل الله عليه) ، فإذا أعرض أعرض عنه، وهذا من آفات الالتفات كما يقولون، ومن الجفوة، فإذا كنت تكلم إنساناً، والتفت عنه، فإن هذا ليس من الأدب، فالالتفات مخلٌ بالأدب، ومتنافٍ مع الخشوع، وكذلك هنا، فإذا كان يناجي ربه ثم غلبه البصاق فلا يبصقن تجاه وجهه؛ لأن الله تجاه وجهك، فأنت تناجي ربك، وما دمت مقبلاً على الله، فالله مقبل عليك. وهذا من الآداب الرفيعة، وإن كنا لا ندرك ولا نحس، ولكن نؤمن، ونوقن بما أخبرنا به ﷺ فقال: (فلا يبصقن تجاه وجه، ولا عن يمينه) ، وجاء في بعض الروايات التعليل لهذا؛ بأن تجاه وجهه رب العالمين يناجيه، وعن يمينه ملك الحسنات، فلا يبصق عن اليمين فيؤذي الملك، ولا يبصق أمامه؛ لأنه إساءة أدب مع الله . وجاء عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه أنه قال: (ما بصقت تجاه القبلة منذ أسلمت) احتراماً للقبلة في غير الصلاة، وخشوعاً في الصلاة أثناء الصلاة. ثم بين ﷺ ما نفعل إذا عرض لنا البصاق ونحن في صلاة -فإن الالتفات منهي عنه، والبصق تجاه القبلة منهي عنه- فقال (ولكن عن يساره تحت قدمه) ، فإذا كان عن يساره وتحت قدمه فستكون التفاتة جزئية؛ لأن قدمه بجواره، وفيه تعظيم للقدم اليمنى، فيكون البصق تحت القدم اليسرى.

стр. 488

حكم البصق في المسجد عن اليسار تحت القدم وقد جاء في حديث آخر: (البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها) ، وهذا لا يتعارض مع البصق تحت قدمه اليسرى في المسجد؛ لأن البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها، فإذا بصق تحت قدمه اليسرى ودفنها فقد كفّر عن خطيئته وتجنب تجاه القبلة واليمين، ولكن هذا إذا كان المسجد تراباً ويمكنه أن يدفنها. وإذا أمكن أن يتجنب البصاق في المسجد -ولو تحت قدمه- كان أولى، ولا يقل: لا بأس فهي خطيئة مكفرة، فبما أنها خطيئة تحتاج إلى تكفير فالأولى تركها، فقد جاء في بعض الروايات: (أن الرسول ﷺ أخذ طرف ردائه بيديه، وبصق في طرف الثوب، ثم طبق الثوب وحكها) ، ليتشربها الثوب بدلاً من أن تكون في أرض المسجد. وفي بعض الروايات: (لا يبصق أحدكم في المسجد فيؤذي بها أخاه المسلم في بدنه أو ثوبه) ، حتى لو دفنها فقد يأتي إنسان يجلس يتحرك فوقها، فيمكن أن تصل إليه فتؤذيه في ثوبه، وإذا كان بالإمكان تلافي هذه الخطيئة، فلا داعي لإيقاعها أصلاً، حتى لا نذهب ونبحث عن كفارتها. وكل ذلك مراعاة لطبيعة المسجد في أول أمره، وقد مكث المسجد طويلاً وأرضه الحصباء، بل كانت طيناً، فقد جاء في حديث ليلة القدر: (رأيتني أسجد صبيحتها في ماء وطين) ، فأمطرت السماء وكان سقف المسجد من السعف والجريد، كما جاء عن بعض الصحابة قوله: (فوكف السقف إلى الأرض، ولقد رأيت الطين على أرنبة أنف رسول الله ﷺ . وبعد هذه الحادثة تعذرت الصلاة في الأرض التي فيها طين، فذهب كل رجل وجاء بالحصباء في طرف ردائه، وفرشها في محل صلاته وصلى عليها، وكثر هذا العمل، ففرش المسجد بالحصباء بأطراف أرديتهم، فنظر إليه ﷺ فقال: (نعم هذا) . ويمكن أن نقول: هذا عمل جماعي في مصلحة عامة، وفي مثل هذه الحالة ينبغي على المقيم من الرعية أن يساهم، ولا ينتظر من المسئولين أن يقوموا بكل شيء؛ إذ قد لا يستطيعون، أما إذا كانوا يستطيعون، وفي بيت المال ما يكفي لذلك، فعليهم أن يفعلوا، وهذه مهمتهم؛ لما لديهم من الإمكانيات في ذلك، أما في حالة عجزهم، أو إمكان إنجازه من قبل الرعية المقيمين، وتوفير ما في بيت المال لغيره فإن علينا أن نتعاون.

стр. 489

حكم البصاق في المساجد المفروشة وإذا كان الوضع كما هو الآن في عموم المساجد، حيث تكون أرض المسجد خرسانة، أو بلاطاً، أو رخاماً، أو فراشاً، فلا يتأتى للإنسان -إذا كان يصلي على رخام مثل الزجاج- أن يبصق عن يساره تحت قدمه، ولا يمكن أن يدفنها في الرخام وفي هذه الحالة يرجع إلى طرف ثيابه، فإن كانت ثيابه بيضاء ونظيفة فيتعين عليه أن يكون في جيبه منديل، وهذا مما تدعو إليه حياتنا العامة الآن. كما قال عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه: (يحدث للناس أحكام بقدر ما أحدثوا) وهو قالها فيما يتعلق بالجنايات، ونحن نقول الآن: يحدث للناس تغيير في الأحكام بسبب ما حصل من تغير الأحوال بمرور الزمن وأحوال الحياة. فهذا حديث صريح: (ولكن عن يساره تحت قدمه) ، فهل يمكن أن نطبق هذا الحديث كما يفعل بعض الإخوة الذين يتمسكون بتطبيق حرفية الأحاديث. الجواب: لا. ومن هنا ننتقل إلى ما كنا فيه من الصلاة في النعال، فإذا كان ﷺ نهى عن البصاق تجاه القبلة لعلة محددة، وعن يمينه لعلة معينة، وأباح عن اليسار، وأن يدفنها حتى لا يؤذي بها فإنه إذا كانت صلاته في النعلين -بما يعلق فيهما- ستؤذي غيره فحينئذٍ نقول: لا تصل في النعال. أما لو كانوا في سفر ونزلوا في الخلاء، والأرض ليست لينة أو ناعمة، وإذا خلع النعلين لا يستطيع أن يقف باطمئنان واستقرار، وكانت النعلان طاهرتين فإنه يصلي فيهما؛ لأنه مشروع، ولم يتعارض مع مصالح أخرى، فقوله: (عن يساره وتحت قدمه) كان يتناسب مع ذاك الوقت، أما الآن فقد حدث ما يتعارض مع ذلك. فلا نستطيع أن نطبق الحديث، ونحن لا نرد الحديث، ولكن نعجز عن تطبيقه؛ لأن تطبيقه في الرخام غير ممكن، وتطبيقه على مثل الفراش اليوم غير ممكن، فلا نتمسك بحرفية الحديث مستدلين بقوله: (عن يساره تحت قدمه) ، وهذا -كما أشرت- يربي الذوق، والذوق في الأخلاق إحساس وسمو، يتفاوت الناس فيه كما بين السماء والأرض. فانظر إلى معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه إذ يقول: منذ أسلمت ما بصقت تجاه القبلة قط، لا في صلاة ولا في غيرها. فما هو الذي منعه؟ إن معاذاً كان كأنه يستشعر عظمة الكعبة وحرمتها عند الله، ولو كانت بعيدة لكنه تجاهها، ونحن نجزم بأن البصاق في غير اتجاه القبلة أولى من البصاق في اتجاه القبلة، ونحس بمعنى لا نستطيع أن نعبر عنه. وكنا نرى بعض الأشخاص في المسجد النبوي في أوائل الثمانينات -ولم تكن الكهرباء قد عمت البيوت، وكان المسجد النبوي هو المقيل للناس، خاصة في رمضان- فيأتون المسجد النبوي من أجل التبريد؛ فقد كانت فيه مراوح، فربما تجد إنساناً ينام ماداً قدميه إلى القبلة، وبيننا وبين الكعبة أكثر من أربعمائة كيلو، فكنا نرى بعض الأشخاص إذا وجد إنساناً نائماً حول رجليه عن القبلة إلى الجهة الثانية، فالنائم يقوم ويقول: ما هذا؟! فيقال له: كيف تمد رجليك تجاه الكعبة! فيقول: الكعبة بعيدة، ولكن الشخص الذي أيقظه في عاطفته أن نوم هذا الشخص ماداً قدميه إلى الكعبة فيه إهانة للكعبة، مع أن النوم مع مد القدمين إلى الكعبة جائز، فالميت عند الاحتضار نوجهه، ونجعل قدميه إلى الكعبة ورأسه إلى الشمال، فالمصلي -في حياته- إذا مرض ولم يستطع أن يصلي قائماً ولا جالساً فليصلِّ نائماً مستلقياً على ظهره ماداً قدميه إلى القبلة؛ لأنه إذا أحس بالعافية وجلس فسيكون وجهه إلى القبلة، لكن لو كان العكس فجعلنا رأسه إلى القبلة، ونشط وتعافى وجلس فسيكون مستدبر القبلة، وهذا ينافي الصلاة. فأقول: هذه عاطفة عند الناس، والخطأ والصواب شيء آخر، ويكفينا في هذا نموذج من معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه حين قال: (ما بصقت تجاه القبلة منذ أسمت في صلاة ولا في غيرها) . فمن الذي نهاه عن هذا؟! وأين النص الذي منعه أن يبصق جهة القبلة؟ إنه إحساس عاطفي تقديراً للكعبة المشرفة.

стр. 490

كتاب الصلاة - باب الحث على الخشوع في الصلاة [٢] إن للصلاة مكانة عظيمة في دين الإسلام، ولذلك عظمها الشرع، وأحاطها بسور منيع من الأوامر والنواهي التي تحافظ عليها وتزيل كل ما يشوش على المسلم صلاته أثناء وقبل أدائها، ومن ذلك أنه ﷺ أمر عائشة بتمزيق القرام الذي كانت علقته في الجدار؛ لأنه شغل النبي ﷺ في صلاته، واستبدل بخميصته المهداة إليه غيرها؛ لأن فيها تصاوير شغلته عن الصلاة، وأيضاً نهى ﷺ المصلي أن يرفع بصره إلى السماء أثناء الصلاة؛ لأن ذلك ينافي الخشوع، والمسلم مطالب بالخشوع في صلاته.

стр. 491

أحكام متعلقة بالصلاة

стр. 492

احترام القبلة واليمين في الصلاة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى. أما بعد: فيقول المصنف ﵀: [وعنه -أي: أنس - قال: (كان قرام لـ عائشة سترت به جانب بيتها، فقال لها النبي ﷺ : أميطي عنا قرامك هذا؛ فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي) رواه البخاري] . تقدم ما يتعلق باحترام القبلة واليمين، وتقدم كيف يكون وضع النعلين، حيث نهى ﷺ المصلي إذا خلع نعليه أن يجعلهما قبالة وجهه، أو أن يجعلهما عن يمينه، وأما لماذا لا يجعلهما قبالة وجهه، ولا عن يمينه فقد قالوا: إذا جعلهما قبالة وجهه وسجد فكأنه ساجد للنعلين. مع أنهما ليستاً صنماً، ولا معبوداً من دون الله! ولكن الصورة والهيئة لابد أن يكون فيها ذوق وعاطفة وأدب مع الله . وأما النهي عن جعلهما عن يمينه فلقوله: (ولا عن يمينه فيؤذي بهما جاره) ؛ لأن موقفه في الصف من جهة اليمين بجوار من هو على يمينه، وإذا كان هو في الصف الثاني من جهة أخرى وجاء من جهة اليمين فيكون جاره في الصف عن يساره. فلا يجعلها عن يساره أيضاً؛ لاحتمال أن يأتي إنسان ويقف بجواره، فتكون عن يمينه فيؤذيه بها. قال ﷺ : (ولكن بين قدميه) ، فحينما يقف يجعلها بين قدميه، فلو سجد فبين قدميه، ولو جلس للتشهد فبين ساقيه، فلن يؤذي بها أحداً. فلا يجعلها تجاه وجه، ولا يجعلها عن يمينه، ولا يجعلها عن يساره إن توقع مجيء أحد يصلي بجواره، وكل ذلك لئلا يؤذي بها غيره. وكذلك البصاق، فلا يؤذ به غيره، ولا يجعله تجاه القبلة؛ فإن ذلك من الجفاء، بل جاء عنه ﷺ أنه عزل إمام قوم بسبب بصاقه إلى القبلة، فقد دخل مسجد قوم فرأى بصاقاً في جدار المسجد، فأخذ حجراً -وفي رواية: بيده- فحتها، وفي رواية: (أنه رأى الإمام يبصق تجاه وجهه، فلما أنهى الصلاة قال: لا يؤمنكم هذا بعد اليوم) ، فعزله عن الإمامة لأنه ما عنده أدب، وفعل ما لا يليق، فإحساسه ووجدانه بالأمور المعنوية مفقود، فنهى عن الصلاة وراءه وعزله لكونه بصق في الصلاة تجاه القبلة، ويكفي أنه ﷺ حتها بيده الشريفة. فقوله في الرواية الأخرى: (حتها بيده) قال بعض الشراح: أي: بدون حجر. والصواب أنه حتها بحجر في يده، وهي صورة واحدة على الروايتين، فتولى ﷺ حتها بيده وفيها الحجر، ولم يوكل ذلك لأحدٍ ممن معه، وكان يمكن أن يقول: يا فلان! حتها. ويكون هو الآمر بحتها، ولكن لعظمة أمرها وتولى هو ﷺ حتها بنفسه تأكيداً على ذلك.

стр. 493

إزالة كل ما يشغل عن الصلاة وأما حديث عائشة الذي بين أيدينا ففيه أنه ينبغي على المصلي أن يزيل أو يمنع ما يشغله في صلاته، سواءٌ أكان قبل الدخول فيها، أو بعد أن دخل فيها، فـ عائشة رضي الله تعالى عنها أنها سترت سهوة بيتها بقرام والقرام: نوع من القماش مثل الستارة فيه تصاوير، فلما صلى النبي ﷺ ، ووقع بصره على هذا القرام بعد الدخول في الصلاة نظر إلى تصاويره فشغلته، فلما انتهى ﷺ من صلاته قال: (أميطي عنا قرامك) ، وفي بعض الروايات: (أن عائشة رضي الله تعالى عنها أدركت عدم رضا رسول الله ﷺ بهذا القرام في مكانه، فأخذته) ، والرواية الأخرى تُصرَّح بأمره ﷺ : (أميطي عنا قرامك؛ فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي) ، ومن هنا قالوا: لا ينبغي أن يكون أمام المصلي ما يشغله إذا نظر فيه. وجاء مثل هذا في بعض الأحاديث الأخرى، كما في صحيح البخاري في أنبجانية أبي جهم، والأنبجانية مثل الجبة، أهداها أبو جهم إلى رسول الله ﷺ ، وأبو جهم هو الذي استشارت المرأة فيه رسول الله ﷺ فقال: (أما أبو جهم فضرابٌ للنساء) ، أو: (لا يضع عصاه عن عاتقه) ، فأهدى هذه الأنبجانية إلى رسول الله ﷺ ، وكلنا يعلم أنه صلوات الله وسلامه عليه يقبل الهدية، وهذه من العلامات التي حرص عليها سلمان الفارسي، ليعرف من خلالها رسول الله ﷺ ؛ لأنه قرأ في كتبهم: (لا يأكل الصدقة، ويقبل الهدية، وبين كتفيه خاتم النبوة) ، وقصته طويلة، فقد بُيع واشتُري، وخلّص نفسه، حتى وصل إلى المدينة في ملك رجل يهودي، وسمع بمجيء النبي ﷺ وخروج الأوس والخزرج لاستقباله، فقال: الآن أتأكد، فأخذ شيئاً من الرطب وقال: يا محمد! هذه صدقة مني عليك وعلى أصحابك، فأزاحها إلى إخوانه وقال: (كلوا أنتم، أما أنا فلا تحل لي الصدقة) ، فعقد سلمان بيده واحدة، وكان هذا في قباء، ولما وصل الرسول ﷺ إلى المدينة. جاء سلمان بطبق آخر وقال: يا رسول الله! هذا شيء من الرطب ادخرته أقدمه هدية لك. فأخذ وأكل، وأطعم أصحابه، فقال: هذه الثانية، فلما سمعه رسول الله ﷺ يقول: هذه الثانية، كشف عن كتفيه الشريفين وقال: (يا سلمان! انظر الثالثة) ، فاستدار سلمان ونظر فوجد خاتم النبوة فأهوى عليه وقبله. وبالمناسبة، فقد كان أحد اليهود يعرف حقيقة النبي ﷺ ووصفه، ولما جاء عرفه بكل الأوصاف، وقال: إلا واحدة ما استطعت أن أتحققها، فعرض عليه قرضاً -ديناً- فأخذه ﷺ إلى أجل، فجاء قبل حلول الأجل وقال: يا محمد! أعطني ديني. وكان النبي ﷺ معسراً، فقال: أما إنكم يا بني عبد مناف قوم مطل، وأخذ يجر رسول الله ﷺ بثيابه التي في عنقه ويردد كلامه، فسلَّ عمر السيف وقال: يا عدو الله! تخاطب رسول الله بهذه الصفة! فقال رسول الله ﷺ : (لا يا عمر! كنت أحوج إلى أن تأمرني بحسن الأداء، وتأمره بحسن الطلب؛ لأنه صاحب حق) ، فلما سمع ذلك أخذ الرجل عمر وقال: والله ما أردت إهانة محمد، ولكني عرفت صفاته كلها -التي عندنا- إلا هذه، وهي عفوه عمن أساء إليه، ولقد أسأت إليه فإذا به كما سمعت، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله. فـ أبو جهم أهدى إلى النبي ﷺ إنبجانية فلبسها، وقام يصلي فإذا فيها تصاوير، فلما أنهى صلاته خلعها وقال: (اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم، وائتوني بخميصة أبي جهم) ، فما معنى قوله: اذهبوا بخميصة أبي جهم هذه التي أهداها إليّ، وائتوني بخميصته التي يلبسها؟ ولماذا يستبدل؟ ولماذا لم يرد الهدية إذا لم تكن أعجبته؟! قالوا: لأن أبا جهم ما أهدى إلى رسول الله ﷺ إلا محبة له، فإذا رد هديته عليه، فكيف يكون الحال؟ وماذا سيقول أبو جهم؟! فلعله يقول: ردها لسخطة عليّ، أو لإساءة مني، أو لتقصير في حقه. فلكي يرفع عن أبي جهم تلك الظنون. قال: (ائتوني بخميصته) ، فيكون طلب الخميصة الخاصة بـ أبي جهم مقابل رد الخميصة التي أهداها إليه وردها عليه، أي: لئلا يقال: لم يقبل هديتك يا أبا جهم! . ولذلك يقول العلماء: لا ينبغي للإنسان أن ينصب أمام وجهه -وهو في الصلاة- ما يشغله، وكذلك لا يصلي على شيء فيه ما يشغله، وأكدوا على التصاوير، وعلى الصليب، وعلى الأشياء الأخرى اللافتة للنظر. وذكروا في ذلك أنه لو أن في البساط الذي تصلي عليه صورة أتصح الصلاة عليها أم لا؟ فذكر النووي ﵀ أنه تصح الصلاة عليها؛ لأن الصورة في البساط ممتهنة؛ لأنها توطأ بالقدمين، ولكن لا يتعمد وضع الجبهة في السجود على الصورة، وكذلك الصليب، فقد توجد الصلبان في بعض الصناعات، ولكن يصلى؛ لأن الصليب ممتهن، لكن لا يتعمد أن يجعل جبهته في السجود على صليب من الصلبان التي في الفراش. وأما موضوع الصور فإن عائشة رضي الله تعالى عنها لما جاء لعن المصورين، وكان القرام فيه صور قالت: (فأخذته فشققته فجعلته وسائد) أي: (مخدات) ، قالوا في ذلك: لأن القرام إذا كان طوله مترين أو ثلاثة ربما تكون فيه الصورة كاملة، فإذا ما قُطِّع تقطعت أشكال الصور، ولم يبق إلا أجزاء مختلفة، وتكون في الوسائد ممتهنة، بخلاف المعلقة؛ إذ إنها تكون للجمال، وتكون للزينة، وتكون للتكريم، وتكون لغير ذلك، فإذا ما قطعت تقطعت الصورة إلى أجزاء، وخرجت عن محظور قوله: (من صور صورة أمر يوم القيامة أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ) ، فإذا قطعت لم تُعد صورة، فقطعة فيها رأس، وقطعة فيها أرجل، وقطعة فيها صدر، فالرأس وحده لا ينفخ فيه روح، والأرجل وحدها لا ينفخ فيها الروح، والصدر وحده لا ينفخ فيه الروح، ومن هنا قال العلماء: جزء الصورة للحاجة لا بأس به. ونحن الآن وجدنا الاضطرار إلى جزء الصورة في البطاقة الشخصية حفاظاً على الأمن، والبطاقة الشخصية لها أصل في تاريخ الإسلام؛ لأننا وجدنا في غزوة الأحزاب أنه أرسل النبي ﷺ حذيفة فقال: اذهب فأتني بخبر القوم فذهب ودخل في القوم، فإذا بـ أبي سفيان ينادي في عسكره: ليعرف كلٌ منكم جليسه، أي: حتى لا يدخل فيكم من ليس منكم فيكتشف أسراركم يقول حذيفة: فبادرت من بجانبي وقلت: من أنت؟ قال: أنا فلان. وسكت ولم يسألني. فقوله: (فمن أنت) هو التعريف بالبطاقة الشخصية التي فيها اسمه، واسم أبويه، وميلاده، ومكان الميلاد، ورقمه الخاص الذي تحمله البطاقة، فـ (من أنت) تتضمن هذا كله. فأساس البحث في الصورة هل هو في ذات الجسم الذي له ظل، كالتماثيل المشخصة، أو ما كان بالريشة؟ ومن أراد التفصيل الوافي في هذه المسألة فليرجع إلى نيل الأوطار يجد ما يتعلق باللباس، والصور ونوعها، والتحريم والرخصة في ذلك، ويهمنا في بابنا هذا الحث على الخشوع في الصلاة، فلا ينبغي للإنسان أن يصلي في ثوب يكون فيه من الألوان أو الرسوم ما يشغل باله، ويلفت نظره عن خشوعه في الصلاة، والله تعالى أعلم.

стр. 494

النهي عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة قال المصنف ﵀: [وعن جابر بن سمرة ﵁ قال: (قال رسول الله ﷺ : لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة، أو لا ترجع إليهم) ، رواه مسلم] . يذكر المصنف رحمه الله تعالى في (باب الحث على الخشوع في الصلاة) هذا الحديث، وفيه النهي عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة. قوله (لينتهين أقوام) (ينتهين) ، أي: يمتنعن. (أقوام) : جمع قوم، وهو خاص بجماعة الرجال وضعاً، ويدخل فيه النسوة تبعاً، ويستشهدون لذلك بقول الشاعر: أقوم آل حصن أم نساء فجعل النساء قسيمات للقوم، وقوله: (لينتهين أقوم) يشمل الأفراد كذلك، فإذا كان النهي للجماعة فهو يشمل أفراد الجماعة واحداً واحداً، كما تقول: لينتهين بنو فلان عن أذية فلان فـ (بنو فلان) تشمل مجموعهم، وأفرادهم ضمناً. قوله: (لينتهين أقوام عن رفعهم أبصارهم إلى السماء) ، جاء هنا بلفظ: (في الصلاة) ، والحديث جاء تارة مطلقاً وفيه: (عن رفعهم أبصارهم إلى السماء) ، وجاء هنا مقيداً بكونه في الصلاة، وهذه الرواية: (في الصلاة) هي المناسبة لإيراد هذا الحديث في باب الحث على الخشوع في الصلاة. والنظر بالبصر إلى السماء يكون فيه -غالباً- الانصراف عن معنى الصلاة؛ لأنه لا يخرج عن أحد أمرين: فإما أن يكون عبثاً فهو عين المقصود في النهي عنه، وإما أن يكون للتأمل، كمن كان في الليل يتأمل زينة السماء بهذه الكواكب، ويفكر في قدرة الله وفي مصنوعاته، فهذا باب والصلاة باب آخر، فيكون قد خرج عن مناجاة ربه إلى موضوع آخر وهو العظة والاعتبار بقدرة ربه، وفرق بين المناجي -وهو مستحضر لمن يناجيه رغبةً ورهبة- وبين من يفكر في مصنوعات الله وفي قدرته . وقد قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٩١] ، فهذا ذكر مستقل، ثم قال في التفكر: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران:١٩١] ، فجعله قسيماً للذكر. فرفع البصر إلى السماء يتنافى مع الخشوع في الصلاة، ولو كان للتدبر في الآيات والقدرة الكائنة في هذا الخلق العظيم، وقالوا: من أدب الصلاة ألا يتعدى بصر المصلي سترته التي بين يديه؛ لأن ذلك أدعى لاجتماع حسه وحواسه لتتجاوب مع لسانه ومع قلبه فيما يتلو، وفيما يناجي به ربه . وفي رفع البصر إلى السماء جاء هذا الوعيد الشديد: (أو لا ترجع إليهم) ، يعني تخطف أبصارهم، وهذا وعيد شديد بعقوبة عظيمة على الإنسان، ومن هنا قال من قال: إن نظر المصلي إلى السماء في الصلاة يبطلها؛ لأنه عمل خارج عن موضعها، وجاء الوعيد الشديد في حقه. فلا يجوز لإنسان أن يفعل ذلك، وبعض العلماء حمل ذلك على العموم في الصلاة وفي غير الصلاة، وقالوا: فعله في الصلاة يتنافى مع الخشوع، وفي غير الصلاة، لا يفعله حياءً من الله، وكما أن المصلي لا يبصق أمامه حياء من الله وتعظيماً لوجه الله فلذلك هنا. ولكن قوله تعالى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران:١٩١] يدل على أن ذلك غير ممنوع؛ إذ لا يكون التفكر إلا بالرؤية التي يعملها الإنسان في ذهنه لنقل الصورة التي يراها بعينيه، والقرآن الكريم يسجل لنا قوله تعالى عن نبيه ﷺ : ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة:١٤٤] ، فكان ﷺ يتطلع وينتظر أن الله يوليه إلى استقباله الكعبة، ليستقل عن اليهود، كما قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنْ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمْ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة:١٤٢] ، وكانوا يقولون: عجباً له يعيب ديننا ويستقبل قبلتنا! فكان يتطلع ﷺ إلى الاستقلال الكلي. ولهذا جاءت النصوص في أن المسلم لا يحق له التشبه باليهود والنصارى في عباداتهم ومعاملاتهم، أي: الخاصة بهم، بخلاف التعامل المشترك كالبيع والشراء وتبادل المنافع، فهذا أمر تقتضيه الحياة، وليس من التشبه المحرم، ومما يدل على جواز التعامل مع اليهود والنصارى أنه ﷺ خرج من الدنيا ودرعه مرهونة عند يهودي، في آصع من طعام، فهل كان المهاجرون والأنصار عاجزين عن أن يقدموا لرسول الله آصعاً من طعام؟ لا والله، لقد حكّموه في أموالهم وفي أنفسهم، حتى في حقوقهم الأدبية، ولما جاء إلى قباء قال: (مالي لا أرى فلان بن فلان؟ قالوا: بينه وبين القوم ثأر لا يستطيع أن يأتي) ، وبعد فترة في منتصف الليل إذا به عند رسول الله ﷺ ، فقال: (يا أبا فلان! كيف جئت وبينك وبين القوم كذا وكذا؟ قال: يا رسول الله! ما كان لي أن أسمع بمجيئك وأقعد عنك، فقال لبني عوف: أجيروه) ، فإذا أجاروه أصبح آمناً يأتي في كل وقت، (قالوا: أجره أنت يا رسول الله!) ، فهذه حقوقهم الخاصة يحكمونه فيها، ويتنازلون عنها لرسول الله ﷺ ، فهل -يا ترى- كانوا عاجزين عن أن يقدموا آصعاً من طعامٍ لرسول الله ﷺ ، وبدون رهن؟ ولكن أعتقد -والله تعالى أعلم- أنه لما جاء النهي، وجاء التحذير من اليهود، وقال ﷺ : (لا يجتمع دينان في جزيرة العرب) فهم من ذلك المقاطعة الكلية، حتى في الأمور الدنيوية، فتأتي هذه الحادثة لتدل على أنه ﷺ كان يتعامل معهم في البيع والشراء، وهكذا الدنيا اليوم، فيها أسواق عالمية، أوروبية وأمريكية، وأسواق الشرق الأوسط، والشرق الأقصى، والشرق الأدنى، وأسواق عالمية تتبادل فيها السلع بين الدول، فهذه أمور تعامل أو معاملات لا غبار عليها، وتقتضيها الحياة، كما قيل: الناس للناس من بدو وحاضرة بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم فالتعاون من هذا القبيل لا شيء فيه. فالرسول ﷺ كان يقلب وجهه في السماء ابتغاء تحويله إلى قبلة مستقلة للمسلمين، وكان تحوله إلى الكعبة بعد قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٤٤] . فالنهي هنا في قوله ﷺ : (لينتهين أقوام) جاء مطلقاً بلا قيد، وجاء مقيداً بالصلاة، والقاعدة عند الأصوليين أنه إذا جاء حديث في قضية مطلقاً، وجاء حديث في عين القضية مقيداً حُمل المطلق على المقيد. كما يمثّل الأصوليون بالكفارة في القتل والكفارة في الظهار، فإن عتق الرقبة في الطهارة جاء غير مقيد بالإيمان، وجاء هناك مقيداً بالإيمان، فحُمل عتق الرقبة في جميع الكفارات على قيد الإيمان، ولا تجزئ رقبة في كفارة إلا بقيد الإيمان، وهنا كذلك، ففي هذا الحديث: (في الصلاة) ، فيحمل عموم النهي بغير القيد على ما جاء في هذا القيد، ومن رفع بصره إلى السماء في غير الصلاة لا يكون داخلاً في هذا النهي، والله تعالى أعلم.

стр. 495

كتاب الصلاة - باب الحث على الخشوع في الصلاة [٣] إن الإسلام دين الآداب والأخلاق، وهناك جملة من الآداب التي تتعلق بالمسلم أثناء أدائه للصلاة، وهذه الآداب إنما شرعت للمحافظة على الصلاة والخشوع فيها، ومن ذلك أن المسلم إذا أراد وبين يديه طعام فيشرع له في هذه الحالة أن يؤخر الصلاة إذا كان في الوقت متسع، فيبدأ بالطعام، ثم يؤدي الصلاة بعد ذلك باطمئنان وخشوع، غير منشغل بالطعام، وأيضاً إذا كان يدافع الأخبثان فيشرع له البدء بقضاء الحاجة، ويُلحق بالطعام وبالأخبثين كل ما من شأنه التشويش على المصلي مع إمكانية إزالته؛ لأنه لا يكتب للعبد من صلاته إلا ما عقل منها.
следующие страницы →