Полный текст (2 523 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
الاعتبارات الشرعية في اختيار الإمام للصلاة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فيقول المصنف ﵀: [وعن أبي مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالى، فإن كانوا في القراءة سواءً فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة، سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلماً -وفي رواية: سناً-، ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه) رواه مسلم] .
حديث أبي مسعود هذا فيه تفصيل ما أجمل في حديث عمرو.
فنا (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) ، وحديث عمرو: (أكثركم قرآناً) ، فالمراد الأكثر مع أجود وأحسن قراءة، فإن وجد كثير القرآن لا يعرب القراءة، وقليل القرآن يعرب فنقدم الذي يعرب ولو كان أقل حفظاً.
قال: (فإن كانوا في القراءة سواء) ، أي: كلاهما يعرف التجويد، ويحسن التطبيق، وليس المراد مجرد القراءة؛ لأن العبرة في التجويد التطبيق، فإنه أخذ عن النبي ﷺ تلقيناً وسماعاً، فإن كان في ذلك سواء فمن الذي يقدم؟ وقبل هذا قال: (يؤم القوم) ، ولم يقل: سيدهم، ولا أشرفهم، ولا أميرهم، ولا أفضلهم، إنما جاء إلى وصف في الإسلام، وهو الربط بالأصل الذي هو كتاب الله، وفي هذا توجيه الأمة بأكملها أن تتجه إلى إجادة قراءة القرآن؛ لأن هذه الصفة تؤهلهم إلى إمامة القوم، ونعلم من الناحية الأخرى أن في الخلافة الكبرى، أو في أمور الرئاسة والسياسة والإدارة يتولى خلافة الأمة وسياسة أمرها أفضلها، كما جاء في تولية أبي بكر الصلاة بالناس، وسيأتي التنبيه عليه.
فإن كانوا في القراءة سواءً، ونريد أن نقدم أحد الشخصين أو الأشخاص ننتقل إلى مرجح آخر وهو: (أعلمهم بالسنة) ، يعني: أفقههم بالسنة، ولماذا لم يقل: أفقههم بالكتاب، وقال: أقرؤهم لكتاب الله؟ (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) ، يقول العلماء: لأن فقه السنة أعم من فقه القرآن، فالسنة هي المبينة والمفصلة لجميع آيات الأحكام في كتاب الله، وما من آية في فريضة ولا في حد إلا والسنة تبين مجملها، أو تقيد مطلقها، أو تخصص عمومها، فكما قيل: الكتاب يحتاج إلى السنة أكثر مما تحتاج السنة إلى الكتاب، ومن هنا تجب العناية بفقه السنة.
وإذا جاء بعد (أقرؤهم) (أفقههم للسنة) فأقرؤهم تُحمل على معنى الفقه أم على تجويد القراءة؟ تحمل على تجويد القراءة؛ لأن الفقه جاء منصوصاً عليه في قوله: (أفقههم بالسنة) .
وهنا يأتي العلماء بقضية، ويقولون إن الأقرأ لابد أن يكون الأفقه، قالوا: لأننا وجدنا النبي ﷺ قدم أبا بكر للصلاة بالناس مع أنه قال: (أقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب) ، وقال: (خذوا القرآن من أربعة من عبد الله بن مسعود، وسالم، ومعاذ، وأبي بن كعب) ، فذكر أربعة أشخاص ليس فيهم أبو بكر وعمر، وقال: (أقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب) ، فكيف يقدم أبا بكر وقد شهد بأن أقرأهم أبي بن كعب؟ أجابوا عن ذلك بقولهم: إن تقديم الرسول ﷺ لـ أبي بكر لا لمجرد الصلاة، ولكنه إرهاص وتنبيه وإرشاد وتعليم للأمة بأن الذي سيخلفه في مقامه هو أبو بكر، بدلالة تقديمه له في الصلاة، وعند أبي بكر من القراءة والفقه ما يصلح الصلاة.
وإنما قدِّم الأفقه؛ لأن الإمام قد يطرأ عليه في صلاته ما يبطلها أو يخل بها، فلابد أن يكون فقيهاً عالماً، يتجنب ما يبطل الصلاة أو يخل بها.
ولكن أمور فهم الصلاة وإبطالها أمر ضروري، وقل من يجهل ذلك، فـ أبو بكر رضي الله تعالى عنه لديه من القراءة والفقه ما يقتضي ذلك وزيادة، ولذا كانوا يقولون: أبو بكر أفقه الناس، أو أفقه الأمة بعد رسول الله ﷺ ، وذلك في شهادة عمر وعثمان وغيرهما.
قال: (فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة) .
قال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد:١٠] ، فالذين سبقوا إلى الهجرة لهم خصوصية عمن لم يهاجر إلا بعد الفتح، ولا هجرة بعد الفتح، ثم يبحث العلماء، في أقدمهم هجرة هل خاص بالسلف الأول المهاجرين من مكة إلى المدينة، أم أن الهجرة لم تنقطع؟ قالوا: لو قدر في بلد من البلاد أنه تضايق المسلمون واضطروا إلى الهجرة إلى بلد إسلامي، فإن اعتبار التقدم في الهجرة هناك يعتبر هنا الآن.
وبعضهم قال: إن أبناء المهاجرين السابقين يعطون حقوق الآباء، فابن السابق هجرة مقدم على ابن المتأخر هجرة، وكل ذلك اعتبارات للترجيح.
فأحياناً كان يأتي النفر الواحد مهاجراً، وأحياناً يأتي الرجل ومعه الرجلان والثلاثة والعشرة والأربعون مهاجرين معه، فإن كان أحد سبق ولو بيوم فهو مقدم، وإن هاجروا في وقت واحد فلا ترجيح.
قال: (فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلماً) .
إن كانوا في الهجرة سواء فيقدم أقدمهم في الإسلام قبل أن يهاجروا؛ لأنهم -كما يقولون- كانوا يعدون المسلمين عداً، كما يقول بعضهم: (كنت سابع سبعة) ، فـ عمر (لم يتقدم عليه ثلاثون رجلاً) ، وحمزة كان قبله بثلاثة أيام.
وقد أحصى المؤرخون تاريخ السابقين الأولين في الإسلام، ومتى أسلموا، فمن أسلم قبل دخوله ﷺ دار الندوة، ومن أسلم بعد أن خرج منها كل هذه التواريخ مقيدة.
فإذا كانوا في الهجرة سواءً فالذي تقدم إسلامه هو الإمام، وكل ذلك مفاضلة فيما بينهم لمن يستحق الإمامة، وكل هذا مع اجتماع أقرئهم وأعلمهم وأسبقهم هجرة.
أي: إذا استووا في كل ما تقدم.
ثم (أكبرهم سناً) ؛ لأن الإمام كلما كان كبير السن كان موضع توقير عند الناس.
стр. 842
السلطان أحق بالإمامة في سلطانه
ننتقل إلى القسم الثاني من الحديث: (ولا يَؤُمَّنَ الرجلُ الرجلَ في سلطانه) .
فكما أنه لا يؤم القوم أجهلهم، ولا عديم المعرفة بالقراءة وفيهم من هو أولى منه، كذلك لا يؤم الرجل الرجل في سلطانه.
والسلطان كلمة عامة، وهي في كل شيءٍ بحسبه، فهناك السلطان الأعظم -كما يقولون-، وهو ولي أمر المسلمين، وحاكم الدولة، أو حاكم الأمة، وهناك أمير المقاطعة، وهو سلطانها.
وحاكم القرية هو سلطانها، فكل من كانت له ولاية على جماعة فهو سلطانها، قالوا: ويتبع ذلك إمام المسجد الراتب ورب البيت؛ لأنه سلطان البيت، كما في الحديث: (والرجل راع في أهل بيته) .
وهنا قوله: (لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه) فيه احترام السلطة، واحترام الحق المعنوي؛ لأن السلطنة أو السلطان أمر معنوي، فقد يختار ولي أمر المسلمين شخصاً اليوم، ثم يُتوفى ويأتي غيره، أو يعزله ويأتي بغيره، فهو أمر نسبي لشخص لأمر معنوي، فيُحترم هذ الحق؛ لأن من حقه في سلطانه أن يأمر وينهى، وأن يكون المقدم على غيره؛ لأن رعيته في سلطنته لا تتقدم عليه، ولا تفتئت عليه في أوامره، ولا في تعليماته، وكذلك إمامة الصلاة ولاية، فلا ينبغي أن يتقدم شخص أجنبي على شخص في سلطانه يؤمه، حتى إنهم قالوا: لو كان هذا السلطان المطلق على الأمة والدولة، أو السلطان المحدود السلطة في إقليم أو قرية، بالنسبة لمن معه أقلهم قراءة، فمادام يصحح الصلاة، ولا يلحن لحناً يخل بالمعنى، ولا يخطئ في أدائها، -أي: يحسن الصلاة- فيكون حينئذٍ مقدماً على من هو أفضل منه قراءة ونسباً وسبقاً للإسلام.
إلى آخره.
وغاية ما فيه أنها: صلاة الفاضل خلف المفضول، وصلاة الفاضل خلف المفضول صحيحة بإجماع المسلمين، فقد صلى النبي ﷺ خلف عبد الرحمن بن عوف، واختلف في أنه صلى خلف أبي بكر أو لم يصل خلفه، ويكفينا أنه صلى خلف ابن عوف.
فصلاة الفاضل خلف المفضول صحيحة، وهنا لو كان صاحب السلطان أقل رتبة في مراتب الإمامة، وخلفه أو معه من هو أعلى رتبة في مقام الإمامة فلا يحق له أن يتقدم على صاحب السلطان، ولكن إن أذن له السلطان فلا بأس، ويكون قد تنازل عن حقه في سلطانه، وسمح لغيره أن يتقدم بالإمامة.
فقوله: (لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه) كلمة (سلطان) هنا عامة، سواءٌ أكان السلطان العام كولي أمر المسلمين عموماً ملكاً أو رئيساً أو غير ذلك، أم كان في مقاطعة أو في إقليم أو في قرية أو هجرة أو نحو ذلك.
стр. 843
الإمام المولّى من قبل السلطان أحق بالإمامة من غيره
وقاسوا على هذا أيضاً إمامة المسجد إذا كان الإمام راتباً؛ لأن الإمام الراتب مولَّى من قبل السلطان، فهو أحق بالإمامة من غيره، حتى قالوا: إذا تأخر الإمام الراتب ينتظرونه ما لم تكن مضرة، فإن كان مكانه قريباً أرسلوا إليه، فإن اعتذر أو لم يوجد وخيف الضرر فعلى الحاضرين أن يقدموا ويختاروا لأنفسهم من يصلي بهم.
وقالوا: لو قدر أنه تأخر لعذر، وأرسلوا إليه فلم يجدوه، واختاروا وقدموا من يصلي بهم، فجاء أثناء الصلاة فمن حقه أن يتقدم للإمامة، وعلى الذي اختاروه للإمامة أن يرجع إلى الصف مؤتماً.
وماذا يفعلون فيما سُبِق به، كأن جاء بعد أن صلوا ركعتين؟ قالوا: يصلي بهم الركعتين الباقيتين، ثم يقوم لاتمام صلاته، والمأمومون يبقون جالسين، فإذا أتى بالركعتين اللتين فاتتاه وأتم لنفسه الصلاة -وهم قد تمت صلاتهم- سلّم وسلموا معه، وإن ترك الإمام الذي اختاروه يتم الصلاة وائتم به فلا مانع في ذلك.
فعدم إمامة الرجل الرجل في سلطانه أولاً وقبل كل شيء فيه احترام للسلطة واحترام للحقوق، وألا يفتئت أحد على أحد في مركز سلطته وسلطانه مهما كان مستواه، ومهما بلغ من أمره.
وكذلك لا يؤم الرجل الرجل في بيته؛ لأنه سلطان بيته إن كان له أن يصلي جماعة في البيت، فقد تكون هناك أعذار له، كأن يكون المسجد بعيداً، أو كان هناك مرضى، وخيف من التفرق، واحتاجوا إلى أن يصلوا في البيت فحينئذٍ الأحق بالإمامة صاحب البيت، ولو كان أيضاً أقل رتبة في الإمامة من بعض الحاضرين؛ لأن حقه مقدم، إلا إذا أذن وقدم فلاناً ليصلي، فقال له: الحق لك لأنك صاحب البيت، فيقول: قد أذنت لك فحينئذٍ يتقدم من هو أولى بمرتبة الإمامة فيصلي؛ لأن صاحب البيت تنازل عن حقه وأذن له، فالصلاة في محلها.
قال ﷺ : (ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه) .
نأتي إلى ناحية أخرى اجتماعية، وهي: احترام حرمة البيوت، فإذا دخلت بيتاً ورأيت مجلساً خاصاً متميزاً لصاحب البيت سواءٌ أكان كرسياً، أم كان فراشاً، أو دخلت مجلساً عاماً، وتعرف من واقع الحال أن هذا صدر المجلس وهو لصاحب البيت، فلا ينبغي لك أن تجلس في مجلس صاحب البيت إلا بإذنه؛ لأن هذا حقه، والجلوس مكانه افتئات عليه.
فقوله: (تكرمته) هي الموضع الذي يُكرم به صاحب البيت، وهو مكان مميز كما تقدم، فإذا عرفت أن هذا المكان متميز عن بقية المجلس، وعرفت أن هذا لصاحب البيت، سواءٌ أكان صاحب البيت من أرباب المنازل العليا والمراكز العليا، أم كان من عامة الناس فهذا حق له لا يحق لك أن تجلس عليه إلا بإذنه، وكذلك إذا دخل إنسان في غيبة الرجل، وكان من محارم أهله، فلا يحق للمرأة أن تجلس شخصاً ما على فراش رجل إلا بإذنه، فإن كان قد أذن لها فبها وإلا منعته.
وهذا من باب احترام فراش الرجل.
فقد جاء أبو سفيان رضي الله تعالى عنه قبل أن يسلم قبل فتح مكة وبعد صلح الحديبية، وقد نقضت قريش العهد، فجاءت خزاعة تستنصر رسول الله ﷺ على قريش التي نقضت العهد، فعلم أبو سفيان فسبق وجاء يطلب تمديد الهدنة وتوثيقها، فجاء إلى أبي بكر ليشفع له عند رسول الله ﷺ ، قال: والله ما أنا بالذي يشفع على رسول الله ﷺ ، وجاء إلى عمر، فقال عمر: أنا أشفع لكم! والله لو لم أجد إلا الذر أقاتلكم به لقاتلتكم.
وجاء إلى علي، قال: والله لا أستطيع أن أشفع على رسول الله ﷺ ، ثم جاء إلى فاطمة، قالت: أنا امرأة لا أجير على الرجال، قال: مري ابنيك هذين الحسن والحسين، قالت: إنهما غلامان لا يملكان أن يجيرا أحداً على رسول الله ﷺ ، فدخل على ابنته أم حبيبة وهي زوج رسول الله ﷺ ، ولما دخل عليها كان لرسول الله ﷺ فراش فطوته، ومنعته أن يجلس عليه، وهو فراش من ليف، قال: والله يا ابنتي لا أعلم، أطويتي هذا الفراش ظناً به عليَّ، أو ظناً بي عليه، يعني: إما لأنه لا يليق بي أنا، أو لأني لا أليق به، قالت: لا، إنه فراش رسول الله ﷺ وأنت رجل مشرك نجس، لا يحق لك أن تجلس على فراش رسول الله ﷺ ، قال: والله لقد أصابك يا ابنتي بعدي شرٌ، ما كنت هكذا، فهي كرمت فراش رسول الله ﷺ على أبيها؛ لأن أباها ما زال كافراً، فلا يليق أن تجلسه على فراش رسول الله ﷺ .
وبناءً على ذلك: فإذا كان للرجل فراش خاص، سواءً كان فراش نومه أو غيره، لا ينام أحد في مكانه حتى أولاده، ولا يليق للولد أن ينام في فراش أبيه، ولا يحق للأم أن تأذن للولد في ذلك.
وكذلك البنت لا تنام في فراش أمها، وهكذا لا ينبغي لإنسان دخل بيتاً أن يبيح لنفسه ما لصاحب البيت من مكانة مختصة به: فراش ينام عليه، أو محل يجلس فيه.
стр. 844
الأحق بالمكان في المسجد
وقد بحث العلماء مسألة قريبة من هذا، فمثلاً: المحلات العامة كالمساجد، إذا كان للإنسان مكاناً في المسجد، واعتاد الإتيان إليه، وهو ممن يحضر الصلوات الخمس، وتعود أن يأتي مبكراً، ويجلس في مكان معين، فلو أن إنساناً آخر سبق إليه، أيحق له أن يجلس فيه؟ وإذا جاء صاحب هذا المكان، أيحق له أن يقيمه منه ليجلس مكانه؟ بعض العلماء يقول: لا يقيمه؛ لأنه جاءت بعض الآثار في النهي عن أن يتوطن إنسان موقعاً في المسجد توطن البعير، لأن البعير إذا وطنته في مكان، لا يمكن أن يتحول عن ذاك المكان، يألف ذاك المكان، ولا يمكن أن يبرك إلا فيه، فنهى عن ذلك رسول الله ﷺ .
وبعض العلماء قال: ما دام هذا شخص متعود وله عادة في السبق ومحافظ على الجماعة، يجب أن نحترم محافظته ومبادرته، ونكرمه بترك المكان له.
وبعضهم قال بالتفصيل: فهذا الشخص الذي اعتاد مكاناً بعينه، وعرفه الناس به، ننظر أللناس مصلحة عنده، فيبقى في المكان الذي عرف به، حتى لو جاء صاحب حاجة، يريده فيما فيه المصلحة عرف مكانه، دون أن يبحث في المسجد عنه، أم أنه شخص عادي من عامة المسلمين؟! فإن كان شخصاً للناس عنده مصلحة، لم يفتي الناس، وعرف الناس مكانه، وإذا وقعت بإنسان نازلة فيعلم أن فلاناً في المسجد في المحل الفلاني، فيأتي السائل ويقال له: فلان -مثلاً- أمام باب الرحمة، أو فلان أمام كذا، فإن اشتهر بهذا المكان، وكان للناس عنده حاجة يقصدونه فيها فالأولى أن يترك له مكانه لخدمة الناس؛ لأن من يدخل ويأتي إلى مكانه سيجده هناك.
لكن لو أننا أخذنا مكانه عليه فتارة يجلس في اليمين، وتارة يجلس في اليسار، وتارة هنا، وتارة هناك، كان في ذلك تفويت المصلحة على الناس.
فإذا سبق إنسان وجاء ذلك الشخص الذي اعتاد هذا المكان فمن حقه أن يقيم من جلس فيه، وأن يجلس في مكانه، والله تعالى أعلم.
стр. 845
من لا تصح إمامته
стр. 846
الخنثى المشكل
قال المصنف ﵀: [ولـ ابن ماجة من حديث جابر ﵁: (ولا تَؤُمَّنَّ امرأةٌ رجلاً، ولا أعرابيٌ مهاجراً، ولا فاجرٌ مؤمناً) ، وإسناده واه] .
بعد أن بين المؤلف رحمه الله تعالى الممنوع من الإمامة في أمور مخصوصة، كالرجل في سلطانه، والرجل في بيته جاء بمن لا تصح إمامته بصفة عامة، لا بمن هو مخصوص بوصف معين، فقال: (ولا تؤمن امرأة رجلاً) ، وأي امرأة؟ لقد أطلقت، وأي الرجال؟ لقد أطلق، كأنه يقول: لا تصح إمامة المرأة للرجال، وقيد (رجلاً) يخرج النساء، فما قال: ولا تؤمن امرأة في الصلاة فإذا أمت المرأة امرأة، أو أمت المرأة صبياً فكل ذلك جائز.
والخنثى المشكل هو إنسان اجتمعت له آلتا الذكورة والأنوثة معاً، ولكن قد تكون فيه علامات الذكورة أوضح، بأن يبلغ بالاحتلام كما يبلغ الرجال، فتنبت له لحية، أو تكون فيه علامات الأنوثة أوضح، بأن يحيض كما تحيض المرأة، ولا يمني كما يمني الرجل، فإذا التبس وحصل هذا وهذا فبابه طويل ومشكل كما يقال.
فإذا وجد خنثى مشكل قالوا: إذا كان مشكلاً فلا تؤمنه المرأة مخافة أن يكون رجلاً.
فالمرأة تؤم النسوة، ونجد الشارح لهذا الكتاب يذكر عن الطبري وعن غيره أن المرأة لها أن تؤم الرجال في التراويح إذا لم يوجد قارئ إلا هي، وهذا مخالف لعمومات الشرع.
فهل ستقرأ سراً أم جهراً؟ فإن قرأت جهراً فمشكل، وإن قرأت سراً تركت السنة، فالأولى كما قال الآخرون: أخروهن حيث أخرهن الله.
وعلى هذا لا تؤم المرأة رجلاً، وإذا كان زوجها، وهي متعلمة وقارئة، وهو غير قارئ فإنها لا تؤمه؛ تؤمنه، فركوعها وسجودها في الصلاة أمامه ربما شغله وأفسد عليه صلاته.
المرأة لا تؤم الرجل، وما قيل من جواز ذلك فهو خارج عن نطاق مذاهب الأئمة الأربعة، ويكفينا ما عليه أئمة المذاهب ﵏.
стр. 847
إمامة الأعرابي بالمهاجر
قال: (ولا أعرابي مهاجراً) الأعرابي: واحد الأعراب، و (الأعراب) مرادف البادية والبوادي، والبدوي: هو من تبدى في الخلاء، والأعراب يقابلهم الحضر، فإذا كان شخص أعرابياً -أي: يعيش مع الأعراب في الخلاء بعيداً عن المدن- وحياته حياة الأعراب مع الإبل والغنم في المرعى، وعلى تلك الحياة المعروفة.
فإذا كان هناك حضري وأعرابي فهل يؤم الأعرابي الحضري؟ الحديث هنا -وإن كان سنده ضعيف جداً معناه العام يؤخذ منه أن الغالب على حالة الأعراب أنهم غير فقهاء في الدين، قال تعالى: ﴿الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة:٩٧] ، فالغالب على الأعراب عدم الفقه في الدين، وعدم معرفة أحكام الصلاة، والغالب على المدني الذي يعيش في المدن أن يفهم ويحفظ، وإن لم يفهم ويحفظ فسيرى وينظر ويأخذ من الناس.
فالحضري أسرع إلى فقه الإسلام، وأسرع إلى معرفة أحكام الصلاة من الأعرابي.
وهناك قصة تعطي صورة عن بعض الأعراب، وتحمل طلبة العلم ثقل مسئولية تعليم الناس، خاصة الأعراب والبوادي، وأعجب كل العجب -ولا ينتهي العجب- من أولئك الأشخاص الذين يتبعون بعض الجماعات، ويسافرون خارج بلادهم، ويسافرون مئات الأميال، ويقولون: ندعو الناس إلى الله وبجوارهم أهلهم وبنوا جلدتهم -وقد يكونون من أقرب الناس إليهم نسباً- في البادية يجهلون أحكام الصلاة.
فكيف نذهب إلى الأقطار النائية ونتغرب ونترك أبناءنا وأهلينا وأموالنا، ونذهب باسم الدعوة إلى الله، ونترك من خلفنا أناساً من بني جلدتنا يجهلون أحكام دينهم؟! وفي مرة كنا في الرياض في أحد النوادي، وكان هناك برنامج سؤال وجواب، وكان هناك تحفز لتعلم اللغة الإنجليزية في المعهد الديني، فقال صاحب البرنامج: إن هذا التعلم له مجال آخر، وإذا فرض في الدراسة في المعاهد الدينية سيقوم على حساب الدين؛ لأن اللغة الإنجليزية لا تكفيها حصة ولا حصتان ولا أربع في الأسبوع، فنحن ندرس اللغة العربية في أربع حصص في الأسبوع، -مع أننا ننطق بها- ولا نجيدها، فإذا ما أخذنا الإنجليزية بجانب الفقه والتوحيد والحديث والتفسير ستزاحمها في الوقت، وتزاحمها في المذاكرة، ويضعف الطالب في تحصيل العلوم الدينية، وليكن ذلك في العطلة، ويكون الطالب مخيراً، فقالوا: نريد أن نتعلم اللغة لندعو بها غير المسلمين.
وكان الشيخ محمد بن إبراهيم رحمة الله تعالى علينا وعليه حاضراً، فقدم توجيهات رحمة الله تعالى علينا وعليه.
ومن أحسن ما قدم تعليماً للأساتذة لا للطلاب أن قال: وقد ألقى شخص قصيدة يهجو فيها حالقي اللحى -ليس هذا بأسلوب حسن في الدعوة إلى الله، هذا تشهير وليس دعوة، إنما الدعوة تكون سراً، وتكون بالمعروف، لا جهراً، فكان عليه أن يأتي إلى الأشخاص المعنيين، وأن يخاطبهم فيما بينه وبينهم.
فتعلم الأساتذة كيف يدعون إلى الله غيرهم، ثم قال: سمعنا بأن بعض الطلاب يريدون أن يتعلموا الإنجليزية من أجل الدعوة إلى الله بهذه اللغة خارج البلاد، وهذا أمر عجيب، فهل اكتفينا بتعليم أنفسنا ومن ينطق بلغتنا؟ وقال: هذه البوادي، وهؤلاء الأعراب، وهذه الدويلات من حولنا هل عممنا الدعوة فيها وانتهينا من تعليم أهلها دين الإسلام والعقيدة والفقه، حتى ننتقل إلى من لم ينطق باللغة العربية لنعلمه؟! ونحن الآن نقول: إن من الأعراب من هو في حاجة إلى تعليم سورة الفاتحة، وقد حدث أن كنا في الأحساء، فدعانا إبراهيم المهنا -رحمة الله تعالى علينا وعليه- لشرب الشاي بعد العصر في بستانه، ثم صلينا المغرب في مسجده، وكان المسجد على الطريق، فصلى بنا مدرس التجويد وهو قارئ متقن، وانتهينا من الصلاة، والمستعجل صلى النافلة ومضى إلى محل الضيافة، ولفت نظري مجيء أربعة من البادية، يحمل كل واحد حاجته على كتفه، فجاءوا بسرعة وبحركة سريعة، فألقوا أمتعتهم في مؤخرة المسجد، وتقدم واحد منهم يصلي بهم، ففرحت لحرص هؤلاء الأعراب على أداء الصلاة جماعة في المسجد، فقد قدموا واحداً منهم يصلي بهم، وهذا شيء حسن، فجعلت أنظر، فقرأ الفاتحة وأخل فيها إخلالاً شديداً، وبعد الفاتحة قرأ بهذا اللفظ: (قل يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون، ولا أنتم عابدون ما أعبد، ولا أنا عابد ما عبدتم، ولا أنتم عابدون والله عابد، والله غفور رحيم) .
فهذا شيء يبكي، فأخذتني الحسرة في نفسي، وقلت: منذ كم يصلي هذا بهذه القراءة؟ وهذا إمامهم فكيف بغيره؟! فلما انتظرت فطن، وكان فطناً ذكياً جداً، ثم قام في الركعة الثانية، وقرأ الفاتحة و (قل هو الله أحد) ، أحسن من الأولى، فلما سلّم -وكان بيني وبينه حوالي عشرة أمتار- قال: أعلمني هل رأيت شيئاً مريباً؟ قلت له: إي والله لقد رأيت شيئاً مريباً.
قال: وما هو؟ قلت: اقرأ.
فجاء هو وأصحابه وجلسوا، فقلت: ماذا قرأت في الصلاة؟ قال: الحمد، قلت: اقرأها، فقرأها فعدلت له بعضاً منها.
قلت: والتي بعدها، قال: الكافرون.
قلت: اقرأها، فقرأها كما قرأها في الصلاة.
قلت: على رسلك هات يدك، وعقد بأصابعه فقرأ: لا أعبد ما تعبدون، ولا أنتم عابدون ما أعبد، ولا أنا عابد ما عبدتم، ثم قال: والله غفور.
قلت له: قف.
ليست هذه فيها، فهذه في سورة ثانية وليست في هذه، وهذه فيها: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:٦] ، قال: (والله غفور رحيم) أين؟ قلت له: في سورة أخرى.
قال: أعطنيها.
فقرأت عليه سورة الكافرون.
قال: أعدها فرددتها عليه مرة أخرى فقال: خذها.
فقرأها كما سمعها، قال: أعطنا سورة أخرى.
فقرأت عليه: (قل هو الله أحد) ، فقال: هي عندي قلت: اقرأها.
فقرأها، فقلت له: خذها، فأعدتها عليه، وأعادها هو مرة أخرى، قال: أعطني سورة أخرى ثم فأعطيته من قصار السور، فقال: أعدها.
فأعدتها عليه، فأخذها كما سمعها، فقلت: واحدة.
قال: لا يكفيني قلت: صدقت، إذا رجعت إلى بلدكم فابحث عن إمامكم أو قارئكم، واجعله يقرأ عليك وتسمع منه ويعلمك.
فإذا كان هذا يوجد في أطراف المدن فما بالك بمن لا يأتي المدن! وقد سمعنا في (جبل رضوة) ما هو أكثر من ذلك.
فالأعراب في حاجة إلى من يعلمهم الدين، فإذا كان في الناس شباب متحمس، وعنده استطاعة، ومستعد أن يذهب ليعلم ويدعو إلى الله فهذا أمر طيب، وليبدأ بأولئك الذين هم أولى بهذه الدعوة من غيرهم؛ لأن جارك أولى بك.
فقوله: (لا يؤمن أعرابي مهاجراً -أو حضرياً كما في بعض الروايات-) ؛ لأن الغالب على المهاجر -وقد هاجر إلى لله ورسوله- الفقه في دينه، وهكذا الحضري الغالب عليه أنه يفقه دينه أكثر من الأعرابي.
قال: (ولا فاجر مؤمناً) ، أي: يؤم فاجر مؤمناً وقابل الفاجر بالمؤمن، ولم يقابله بالمسلم؛ لأن الفاجر مسلم من عموم المسلمين استسلم لأمر الله، ولكنه التزم بالأعمال الظاهرة، وتكاليف الإسلام كلها أعمال ظاهرة، فالنطق بالشهادتين وإقامة الصلاة وإخراج الزكاة والصوم، ورحلة الحج، كل هذه أعمال ظاهرة يراها الناس، أما الإيمان فهو بين العبد وربه؛ لأنه اعتقاد في القلب.
فالحديث يقابل بين الفاجر والمؤمن، وبإجماع المسلمين أن الإيمان أعلى درجة من الإسلام، والمراتب ثلاث، كما في الحديث: (أخبرني عن الإسلام -أخبرني عن الإيمان- أخبرني عن الإحسان) ، فالإيمان درجة وسط بين الإسلام الذي هو أعمال ظاهرة، وبين الإحسان الذي هو إتقان العمل فيما بين العبد وربه في جميع حالاته، كما في الحديث: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء) .
стр. 848
الصلاة خلف السلطان الفاجر ومن نصبه إماماً وهو فاجر
إذا جئنا لمعنى (الفاجر) ، فنقول: سمي الصبح فجراً لأن ضوء النهار ينفجر من بين ظلمة الليل، وقال تعالى: ﴿وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر:١٢] ، فكذلك الفاجر، كأنه يخرج من خفي الأمر إلى ما لا يرضي الله ، وقالوا: هو المصر، أو الملازم، أو المجاهر بالكبائر والعصيان وعدم التوبة.
فإذا كان الشخص بهذه المثابة فهل نقدمه وافداً لنا بين يدي الله فإذا رده ردنا معه؟ فلا ينبغي لمثل هذا أن يؤم غيره من المؤمنين، ولو كان أقرأهم وأفقههم، فلا يؤمّن مؤمناً أي: سليماً من هذه الصفة، ولكن لو كان إماماً راتباً، أو كان سلطاناً والياً، وله حق السلطة، وله حق الإمامة وبالقوة، ماذا يفعل الناس؟ أيصلون خلفه سمعاً وطاعة، أم يتركون الصلاة خلفه ليقع العصيان وشق العصا؟ والجواب: يصلون خلفه، وقد جاء عنه ﷺ أنه قال: (يا أبا ذر! إنه سيكون عليكم أئمة يميتون الصلاة -وفي بعض الروايات: يؤخرون الصلاة- فإن أدركتموهم فصلوا الصلاة لوقتها، واجعلوا صلاتكم معهم نافلة) .
فإذا كان هناك سلطان جائر -عياذاً بالله- وألزم الناس بالصلاة خلفه، أو ألزم الناس بإمام، وإن امتنعوا عن الصلاة خلفه قد تقع فتن فإنه يصلي خلفه، وقد عاصرنا ذلك في بعض دول أفريقيا حينما امتنعت السلطة عن إقامة إمام فقيه عالم حر الكلمة والاتجاه، وجاءوا بشخص إمعة، كلما طلب منه شيء نسبي، وهذا أحب إليهم، وألزموا الناس بصلاة الجماعة والجمعة خلفه، وقد حوصر المسجد بالمصفحات والدبابات لإقامة الصلاة بالقوة، مع أنه لا يجوز أن تصل الأمور إلى هذا الحد.
وقد قال بعض العامة: نعطيهم صلاتهم، ونعطي ربنا صلاته في أول الوقت.
فإذا ابتلي الناس بمثل هذا ولا يمكن تغييره، وكان الخيار بين أحد أمرين: إما أن يصلى خلفه طاعة، وإما أن تقع الفتنة، وما أضر على المسلمين من الحروب الداخلية، والفتنة بين الراعي والرعية، أو بين بعض الطوائف، وهذا كله بعيد عن تعاليم الإسلام.
قالوا: قال ﷺ : (صلوا الصلاة لوقتها) ، لأنكم أمرتم بذلك، فإذا جاء إمامكم وصلى، وحضرتم فصلوا معه، وقد جاء في الأثر: (صلوا خلف كل بر وفاجر، وصلوا على كل بر وفاجر) ، فإذا مات فاجر أنقول هذا فاجر لا نصلي عليه ولا نجهزه؟ بل نجهزه ونصلي عليه؛ لأنه له حقاً علينا في ذلك، وكذلك إذا أمّ فيجوز أن نصلي وراءه.
ويقول بعض العلماء: لقد ثبت عن العديد من أصحاب رسول الله ﷺ صلاتهم خلف أمراء السوء أو أمراء الظلم، ولا حاجة لتسمية أحد في هذا المقام.
فلا يؤمَّنَّ فاجر مؤمناً، والنصوص العامة تؤيد هذا، ولكن بشرط ألا يكون إماماً راتباً ولاه ولي المسلمين، وألا يكون هو بنفسه الوالي والسلطان، لئلا تكون فتنة.
стр. 849
كتاب الصلاة - باب صلاة الجماعة والإمامة [٦]
إن إقامة الصفوف وتسويتها والتراص فيها من المظاهر التي حث الشارع عليها، وهي رمز لوحدة المسلمين في الأمر كله، ثم إن الصفوف الأولى لها فضل ومزيد شرف على التي تليها.
أما موضع المأموم من الإمام فإن كان واحداً فعلى يمينه؛ قيل: محاذياً له.
وقيل: متأخراً عنه قليلاً.
وأما إذا كانوا أكثر فإنهم يقفون خلف الإمام، وعليهم أن يتراصوا وأن يسدوا الفرج.
وإذا اختلفت أصناف المأمومين بأن كانوا رجالاً وأطفالاً ونساءً، فليصف الرجال، ثم الأطفال، ثم النساء من ورائهم.
стр. 850
تابع أحكام صلاة الجماعة
стр. 851
موقف المأموم من الإمام
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين.
أما بعد: فيقول المصنف ﵀: [وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (رصوا صفوفكم، وقاربوا بينها، وحاذوا بالأعناق) ، رواه أبو داود والنسائي، وصححه ابن حبان] .
انتهى المؤلف ﵀ من أحكام الإمام، ثم جاء بما يتعلق بالمأمومين، وبين موقفهم من الإمام، وأين يكون، سواء أكانوا أفراداً أم جماعات.
ويتفق العلماء على قضية، وهي أن المأموم إما أن يكون واحداً، وإما أن يكونا اثنين، وإما أن يكونوا ثلاثة فأكثر.
وهذا تقسيم عقلي، فإذا كان المأموم واحداً فلا يقال: (رصّوا) ، إلا أنه بالنسبة لإمامه كيف يكون موقفه من الإمام؟ فمن الجهة -والجهات أربع: يمين، ويسار، وأمام، وخلف- اتفقوا على أنه لا تصح صلاة المنفرد أمام الإمام، ولا جماعة أمام الإمام لغير عذر، وكذلك لا تصح صلاة المنفرد عن يسار الإمام، فإذا كان الأمر كذلك فالأمام واليسار لا تصح الصلاة فيه، وبقي الخلف واليمين.
قالوا: لا يصف الواحد خلف الإمام كما لو كان صفاً كاملاً، وإنما يقف عن يمين الإمام.
فالمنفرد موقفه عن يمين الإمام، وقد جاءت به السنة، كما في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه -وسيأتي- قال: (قام النبي ﷺ من الليل يصلي، فقمت فتوضأت وقمت عن يساره، فأخذ بأذني وفتلني من وراء ظهره، وأوقفني عن يمينه) ، فهذا موقف المأموم المنفرد.
وبقي التدقيق في موقفه عن اليمين، فقد يكون واقفاً عن اليمين لكن على بعد ذراع، أو يكون عن اليمين وهو متقدم شبراً، أو يكون عن اليمين وهو متأخر شبراً، فأين يكون تماماً؟ منهم من قال: يقف محاذياً له، كما لو كان اثنان في الصف، والآخرون قالوا: لا يستويان.
فينبغي على المنفرد أن يكون متأخراً عن الإمام بالحد الذي لو رآه الرائي لعرف المتقدم من المتأخر، أي: لو تأخر عنه قدر أصابع يد كان ذلك كافياً، ولا يكون محاذياً محاذاة كاملة كما لو كانوا جماعة في صف واحد، بل يكون متأخراً قليلاً.
فهذا موقف الواحد.
فإذا كانا اثنين فالجمهور على موقفهما خلف الإمام وراء ظهره، وهو أمامهما، ويروى عن ابن مسعود أو عن غيره أنهما إذا كانا اثنين فواحد يقف عن يمينه وواحد يقف عن يساره مع التأخر القليل، ولكن سيأتي حديث جابر وجبار حين كانا مع النبي ﷺ في غزوة، قال جابر: (فقام رسول الله ﷺ ليصلي) ، وجاء في الحديث: (ثم جئت حتى قمت عن يسار رسول الله ﷺ فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه، ثم جاء جبار بن صخر فتوضأ، ثم جاء فقام عن يسار رسول الله ﷺ ، فأخذ رسول الله ﷺ بيدنا جميعا فدفعنا حتى أقامنا خلفه) .
فهذان اثنان، وموقفهما خلف الإمام.
وعلى هذا فإذا كان المأمومون اثنين فأكثر فموقفهم عند الجمهور خلف الإمام.
стр. 852
التراص في الصف معناه وكيفيته
إذا كانوا جماعة في مسجد كبير وفي عدة صفوف، أو في صف واحد فعليهم أن يتراصوا كما جاء في هذا الحديث: (رصوا صفوفكم) ، والرص: هو الوقوف بالمساواة والمحاذاة.
فالرصّ بمعنى الجمع، تقول: رصه.
أي: شد عليه.
بمعنى: شد الحبل عليه شداً، فالتشديد في الحرف يدل على الشدة في المادة، مثل: عضّ، شدّ، مدّ، حدّ إلى آخره.
فقوله: (رصوا صفوفكم) يعني: لا تجعلوا بينها خللاً، ولتكن متراصة متلاصقة.
وأيضاً من معاني الرص: الاعتدال؛ لأنه لو وقف واحد متقدماً، وواحد متأخراً فلا رص، ولا يتأتى الرص إلا عند المساواة والاعتدال.
قال: (وقاربوا بينها) ، قوله: (بينها) هل المقصود به في الأفراد أو الصفوف؟ في الصفوف.
وتقدم في الحديث: (تقدموا فائتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم) ، وهنا قال: (وقاربوا بينها) ، وتقدم هناك حد التقارب بين الصفوف، وحده ما يقوله العلماء في حد السترة، فبعضهم يجعله ثلاثة أذرع من كعب القدم، وبعضهم يجعله ثلاثة أذرع من أطراف الأصابع، بحيث لا يتسع الفراغ لصف آخر بين الصفين، لا أن يكون بين الصف والصف ما يسع صفين وثلاثة.
ونجد الشارح هنا يتألم ويتوجع، فيقول: إن بعض المساجد تكون فيها الجماعة، فإذا أقيمت الصلاة فإنك تجدهم أوزاعاً في عدة صفوف، ولو اجتمعوا فلن يكملوا صفاً واحداً، وسيأتي التنبيه على هذا.
فقوله: (قاربوا بينها) أي: لا تجعلوا بينها تباعداً، وكما تقدم ألا تزيد المسافة بين الصف والصف، على ما يكون بين المصلي وسترته للصلاة.
قال: (وحاذوا بالأعناق) ، الأعناق: جمع عنق، وهو: الرقبة.
وتكون المحاذاة بالأعناق في الصف بأن لا يتقدم إنسان ماداً رقبته بالتقدم ولا يتأخر.
وكان السلف رضوان الله تعالى عليهم إذا قاموا في الصف حاذوا، يقول أنس: (كان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه بقدمه) ، فإذا كان الأمر كذلك فهذه حقيقة الرص والمحاذاة.
ونحب أن ننبه إلى فعل بعض المصلين، حينما يكون هناك انفراج في الصف، وهو يريد أن يحاذي ويقارب، فإذا به يفرج قدميه على شكل ثمانية، ويحاول أن يتكلف إلصاق قدمه بقدم من بجانبه، لكنه بهذا الفعل يكون قد أوجد فرجة في نفسه هو ما بين قدميه.
فحقيقة المحاذاة ليست بأطراف الأقدام، ولكن بالقدمين والركبتين والمنكبين، وقد جاء في بعض الآثار عن السلف أن أسرع ما كان يتآكل من فمصهم الكتف لكثرة احتكاك مناكبهم في الصلاة.
وهذه ناحية سيأتي التنبيه على خلافها أو ضدها، ولا يمكن أن تجد إنساناً يقف بجوارك ويلتصق بك وتلتصق به إلا إذا كان بينك وبينه ألفة، أما شخص تنفر منه، أو ينفر منك فقلّ أن يلتصق بك، بل ربما تباعد، وربما جاء بشخص ليقيمه بينك وبينه؛ لأن القلوب متنافرة، أما مع صفاء القلب، ومع طيب النفس وعدم وجود أي موانع أخرى ستجد الإنسان يستريح حينما يأتي إنسان يلصق نفسه به ليكمل الصف ويسد الفرج، وسيأتي التنبيه على مثالب عدم المساواة، وعدم الرص الذي نبه عليه ﷺ .
стр. 853
الأفضل في صفوف الرجال والنساء
قال المصنف ﵀: [وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها) رواه مسلم] .
لاحظ الترتيب البديع، فبعدما بين حكم الصف في المساواة والتراص انتقل إلى الصفوف وأحكامها، والمفاضلة بينها وبين بعضها، فذكر قوله ﷺ : (خير صفوف الرجال) ، أي حينما تكون صفوف الرجال متعددة.
فالحديث الأول إذا كان صفاً واحداً، وأيضاً في كل صف من الصفوف عليهم أن يتراصوا وأن يساووا الأعناق فيما بينهم.
والصفوف تكون قسمين: صفوف للرجال، وصفوف للنساء، فخير صفوف الرجال أوائلها، والأول يبدأ من أول المسجد من عند الإمام، فالأول هو الذي يلي الإمام، وشر صفوف الرجال أواخرها، والعكس مع النساء، ويلاحظ هنا أن لفظة (خير) هي أفعل تفضيل، ومعناها: اجتمع الخير في الجميع وزاد الأول بزيادة في الخيرية.
فكل الصفوف فيها خير.
فالخيرية ثابتة للجميع، ويأتي في مقابل هذا: (شر صفوف الرجال آخرها) فالأول أثبت الخير للجميع، وهنا أثبت الشر للجميع، ولا يمكن أن يثبت الخير والشر لشيء واحد في وقت واحد، فهذا يسمونه التناقض؛ لأن الخير نقيض الشر، فكيف تجمع وصفين متناقضين؟ قالوا: هذا من باب التفضيل، ومن باب الترغيب، وليس الشر هنا على حقيقته، والحكم حقيقته في الوصف الأول، لأن الصفوف كلها فيها خير، إلا أن الأول أفضل.
стр. 854
العلة في تفضيل الصفوف الأولى للرجال
لكن لو جئنا إلى الدرجات، وإلى المقابلة، وإلى الثواب فالمتأخر فاته شيءٌ كثير، ثم قالوا: ولماذا كان خير الصفوف أوائلها؟ قالوا: لأن الإمام أفضل من المأموم من حيث الجملة، وبما أن الإمام أفضل من المأموم.
فمن يلي الإمام أفضل ممن يلي المأموم؛ لأن الصف الأول يقتدي به الثاني، والثاني يقتدي به الثالث، ثم جاءت النصوص: (عن رسول الله ﷺ أنه كان يصلي على الصف الأول المقدم ثلاثاً، وعلى الثاني مرة) وأيضاً هناك تفضيل ميامن الصفوف، فهناك مفاضلة، وإن كانت صلاة واحدة.
والذين يصلون في الصف الأول يأتون في أول الوقت، فهم يصدق عليهم قول النبي ﷺ : (ورجل قلبه معلق بالمساجد) ، وكلما سبق إلى المسجد كلما كان أفضل.
لكن لا يتأخر ثم يأتي يتخطى الرقاب من أجل أن يصل إلى الصف الأول لينال الخيرية؛ لأنه بهذا إنما يريد أن يصل إلى الخيرية على أشلاء الفضائل بإهانته للمصلين الذين يتخطى رقابهم، ولما رأى النبي ﷺ الرجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة قال: (اجلس؛ فقد آذيت وآنيت) ، و (آنيت) من الأين، وهو الوقت، أي: جئت متأخراً فآذيت، فإذا أردت الصف الأول فاحضر مبكراً.
ولهذا كان الصف الأول خيراً من المتأخر، كما أن الأتبع للإمام من الصفين الصف الأول؛ لأنه يليه مباشرة، وإذا حدث للإمام حدث فالصف الأول أولى به.
فأهل الصف الأول يتابعون الإمام بالصوت وبالرؤية، وهم الذين ينقلون عن الإمام، أو يساعدون الإمام، وإذا حدث أي شيءٍ للإمام فهم أولى به، وسيأتي زيادة إيضاح ذلك عند قوله ﷺ : (ليليني منكم أولو الأحلام والنهى) .
أما النساء فعلى العكس من ذلك، قال: (خير صفوف النساء آخرها وشرها أولها) ، وهنا تعليل عملي، قالوا: لأن أول صفوف النساء يلي آخر صفوف الرجال، فتكون النسوة قريبات من الرجال، والمرأة كلما بعدت عن الرجال كان خيراً لها ولو كان في الصلاة، ولهذا كانت صلاتها في بيتها خيراً لها من صلاتها في المسجد.
стр. 855
موقف المأموم الواحد من الإمام
قال المصنف ﵀: [وعن ابن عباس ﵄ قال: (صليت مع رسول الله ﷺ ذات ليلة، فقمت عن يساره فأخذ رسول الله ﷺ برأسي من ورائي فجعلني عن يمينه) متفق عليه] .
حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هذا أورده المؤلف مختصراً، ولكن الحديث بتمامه فيه صورة تبين الفطرة والذكاء، أو حُسن النشأة، فحينما ينشأ الإنسان في بيت كهذا البيت فإنه يكون الناشئ فيه كما جاء في الحديث: (شاب نشأ في عبادة الله) ، والشاب الذي نشأ في عباد الله سيجد عبادة الله أول ما يكون في البيت، فيتلقى العبادة والأخلاق والتوجيه أولاً وقبل كل شيء في البيت.
فـ ابن عباس كان غلاماً صغيراً، وذهب إلى بيت خالته ميمونة، وبات عندها، ويقول في بعض الروايات: (فنمت في عرض الوسادة) ، وعرضها يمكن أن يبلغ شبراً أو أكثر أو أقل، ونحن نسميه رأس المخدة، فالرسول ﷺ وأم المؤمنين ميمونة توسدا طول الوسادة متجاورين، وابن عباس توسد رأس الوسادة أو عرض الوسادة.
ولا تقل لي كيف يبيت غلام عند زوج وزوجته؟! لأنها خالته، وأيضاً هو غلام، ومع رسول الله ﷺ وأم المؤمنين.
فلما كان ثلث الليل أو جزء من الليل قام ﷺ وذكر الله وسبح، ثم قام إلى بيت الخلاء، فلما دخل الخلاء قام ابن عباس وأخذ أداوة من ماء وملأها من القربة ووضعها عند بيت الخلاء، فلما خرج ﷺ وجد الأداوة مملوءة فقال: (من وضع هذا؟) قالت له ميمونة: وضع لك هذا عبد الله بن عباس، فقال: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) ، فلم يقل: اللهم كبره وأغنه وسوده، وزوجه.
لأن ابن عباس أبدى نوعاً من الفقه والاستنتاج، وهذه هي المواقف التي تدل على الذكاء والفطنة، لا تلك المسابقات التي تعجز، ولا تلك الأحداث التاريخية، ففي هذه الحالة غلام لم يبلغ وجد رسول الله ﷺ يدخل الخلاء، والذي دخل الخلاء إذا خرج يريد أن يتوضأ، فاستنتج الحاجة إلى الماء.
فالاجتهاد والاستنتاج يكون عقلياً ويكون دينياً، فهو استنتج بفكره، وأرشده الله ، وأنار بصيرته فجهز الماء حتى خرج رسول الله ﷺ ، فهذا نوع من الفقه، فكانت الدعوة مطابقة له، (فقهه في الدين) يعني زده فقهاً في الدين.
وفي هذا دلالة على أن أشرف العلوم الدينية هو الفقه في الدين.
فلو أن إنساناً حفظ مجموع السنة: صحيح البخاري، ومسلم، وسنن أبي داود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجة، والجامع الصغير والكبير، والموطأ، وغير ذلك، ولكن المسجلة دون أن يفقه شيئاً، وإنسان قرأ بلوغ المرام فقط، وفقه في دين الله، فأيهما أنفع للأمة؟ يذكرون عن بعض شيوخ الأزهر أنه جيء إليه برجل، وقيل له: هذا الرجل حفظ صحيح البخاري.
قال: وشروحه؟ قالوا: ليس بعد.
قال: زادت نسخة في المكتبة.
وقد روي علي قوله: نحن في حاجة إلى من يعرب القرآن أكثر ممن يقرأ بدون إعراب.
فالفقه في الدين هو الأساس، و (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) .
ولكن الفقه لم يأت من ضرع الناقة، ولا من ضرع الشاة، ولا هو صيد من البحر، ولا هو طير في الهواء، الفقه مجموعة علوم، ولا يمكن لإنسان أن يكون فقيهاً إلا إذا حصّل أدوات التحصيل التي بها يصير فقيها، من أحاديث الأحكام، وآيات الأحكام، وليس من الضروري أن يحفظ الأحاديث كلها أو القرآن كله، ولكن المهم أن يحفظ الآيات التي تعرضت للأحكام، فالقرآن منه ما يتناول القصص التي فيها العظة والعبرة، ومنه ما يتناول الأحكام، سواء في الدماء، أم في الفروج، أم في الأموال.
وبعد أن يحفظ الإنسان آيات الأحكام وأحاديث الأحكام عيه أن يكون بارعاً متضلعاً في اللغة العربية؛ لأنها هي لسان القرآن ولسان السنة، وكيف تفقه معاني كتاب إن لم تفقه لغته! ويذكرون عن الملك فيصل ﵀ أنه كان له صديق مستشرق، فكان يذكر له دائماً إعجاز القرآن وآياته وبلاغته فلما أكثر عليه رجع هذا المستشرق إلى القرآن، ثم بعد فترة لقيه فقال: ما وجدت كل الذي كنت تقوله لي في القرآن! قال له: كيف قرأته؟ قال: بالترجمة، قال: ما قرأته، فإذا أردت أن تدرك بلاغته، وتدرك حلاوة أسلوبه وعباراته فعليك أن تقرأه بلغته التي نزل بها.
فرجع الرجل وأمعن في دراسة العربية، ثم جاء وقال: يا فيصل! ما أعطيت القرآن حقه، هو فوق ما كنت تقول.
فمن أهم أدوات الفقيه تعلم العربية.
فمن أراد الفقه تعلم اللغة، ثم تعلم أصول الأحكام من أحاديث وآيات، ثم تعلم أصول الفقه؛ لأن أصول الفقه هي تلك القواعد التي عليها بني الفقه، وتؤخذ عن عالم سبق له أن أخذ عن غيره وهكذا.
ولعلنا أطلنا الكلام في هذه المسألة؛ لأنا نجد بعض الناس قد يستخف بدروس الفقه، أو لا يعنى بها، أو يقدم عليها الكثير من العلوم، وهذا خطأ.
وكنا نسمع من شيخنا الشيخ محمد بن تركي رحمة الله تعالى علينا وعليه حيث قرأنا عليه فقه الحنابلة، وقرأنا عليه صحيح البخاري يقول: قبل كل شيء تبدأ بالفقه، ثم تقرأ الحديث ليكون تطبيقاً لقواعد الفقه على الحديث، والفقه يفصل الحديث أكثر مما يكون.
ولهذا تجد في شروح الحديث قولهم: وهذه مسألة فرعية محلها كتب الفروع أي أن الفقهاء فصلوا في هذه المسألة أكثر مما يفصله أهل الحديث.
والشافعي في حديث: (يا أبا عمير! ما فعل النغير) قال: استنتجت من هذا الحديث أربعين مسألة.
ولا يوجد في شروح الحديث ما يعادل هذه الثروة الفقهية من مثل هذه الألفاظ القلائل.
فـ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أعطاه الله ملكة في الفقه، ودعا له رسول الله ﷺ بالزيادة فيها، فقال: (اللهم فقهه في الدين) ، وعرفنا أن أكبر منزلة وأعظم عطاء يناله المرء أن يفقه في دينه.
ولقد جئت إلى والدنا الشيخ الأمين في المسجد النبوي، وقلت له: يا شيخ! أراك منذ أن بدأت التدريس في المدينة وفي الرياض وفي الجامعة اقتصرت على فنين فقط، مع أني أعرف أن لديك من الفنون كذا وكذا وكذا، وأنت تقتصر على التفسير وأصول الفقه؟ قال: ما سبب هذا السؤال؟ قلت له: هناك سبب، وهو أني قرأت عن الإمام أبي حنيفة ﵀ أنه سُئل: أنت في زمن جمع الرواية والحديث، وفي زمن الخوض في مسائل الكلام والتوحيد، ولم نر لك مشاركة في جمع الحديث وروايته، ولا في جدل الكلام والمنطق، واقتصرت على الفقه! قال: نعم.
أما مسائل العقائد فليست للعامة كما هي للخاصة، ولن تسلم من إنسان يرميك فيها بالزندقة، فلذلك تركنا الخوض فيها، وأما رواية الحديث فلها نقاد للرجال، ولن تسلم من إنسان -عامداً أو مخطئاً- أن يرميك بعلة من العلل التي يسقط بها الحديث فتلصق بك طول العمر، والرواة مشتهرون، والحديث مروي ومجموع، ورجاله متوافرون، أما الفقه فنظرت فإذا الناس عامة إمامهم، وكبيرهم، وصغيرهم، ورجالهم، ونسائهم، وغنيهم، وفقيرهم يحتاجون إلى الفقه فاشتغلت به لخدمة الناس.
فقال الشيخ الأمين: كلامه صحيح.
أما أنا فنظرت فإذا في الحديث مجهود مزدوج، فتبحث عن الرجال وتوثق السند أولاً، ثم ترجع إلى المتن وتستنبط المعاني ثانياً، فهذا مجهود مزدوج.
وأما التوحيد فليس من العقل أن تثير القضايا العقائدية التي قد تورث شبهاً عند عامة الناس فتهلكهم، وإنما تأتي في المناسبات، أو في البحث العلمي للتحقيق، وأما علوم العربية فهي وسيلة وليست غاية.
وأما التفسير فإنه يأتي على الفقه في آيات الأحكام، ويأتي على العقيدة في آيات العقائد، ويأتي على المواعظ والزواجر في آيات قصص الأمم الماضية، وكل علم موجود الآن، مسطر عند العلماء فالتفسير يحتويه، وأما الفقه فإنك تجد -خاصة هنا- الفقه المقارن، فما تجد جماعة إلا وفيهم شافعي ومالكي وحنبلي وحنفي، وكل يريد مذهبه، وإذا أردت تحقيق مسألة فإنك تبذل جهداً رباعياً لكل مذهب جهد حتى تصل إلى نتيجة، فإن تركتها وجئت إليها بعد فترة احتجت إلى العودة إلى ذاك الاجتهاد مرة أخرى.
ولكن التفسير يجيء على جميع المعاني، وما من آية في كتاب الله إلا وعندي ما قيل فيها.
قلت: ما دمت بهذه المثابة، وعندك كل ما قيل في آيات كتاب الله من خلاف ونزاع ووفاق فهذا نعمة كبرى، وهذه ما تحتاج معها إلى غيرها.
ثم قلت: والأصول؟ قال: أما الأصول فلا غنى لطالب علم عنه؛ لأن العلماء يقولون: جهلة الأصول عوام العلماء.
ونحن إنما ننبه على هذا لزيادة التأكيد على دراسة الفقه، وأحب لكل طالب علم قبل أن يأخذ كتاباً في الحديث أن يأخذ كتاباً من أمهات الفقه أياً كان، كالمغني لـ ابن قدامة، والمجموع للنووي، والهداية للأحناف، أو غير ذلك، ويأخذ دقائق المسائل فيه ثم يأتي إلى كتب الحديث.
فالفقه مقدم، والحديث أدلته، فإذا جاء للخلاف أو للمقارنة فهذه مرحلة أخرى تزيد على مجرد الطلب، والله تعالى أعلم.
стр. 856
اختلاف أصناف المأمومين وموقفهم من الإمام
قال المصنف ﵀: [وعن أنس ﵁ قال: (صلى رسول الله ﷺ فقمت أنا ويتيم خلفه، وأم سليم خلفنا) متفق عليه، واللفظ للبخاري] .
حديث أنس رضي الله تعالى عنه هذا فيه قصة صغيرة، وهي أن أم سليم دعت النبي ﷺ أن يأتي إليها -ومنازل بني سليم عند مسجد القبلتين- فأتى إليها وصنعت له طعاماً، وبعد أن تناول الطعام طلبوا منه أن يصلي لهم في البيت ليتخذوه مصلى، فقام أنس إلى حصير قد اسود من طول ما لبس ونضحه بالماء، وفرشه لرسول الله ﷺ فقام يصلي، وصلى بصلاته أنس واليتيم وأم سليم فكيف كان اصطفافهم؟ يبين لنا المؤلف ﵀ إذا كان المأمومون رجالاً وصبياناً ونساءً كيف تكون الصفوف.
يقول أنس: (فقمت أنا ويتيم) ، واليتيم: هو من مات أبوه قبل البلوغ، ويقولون: اليتيم في بني الإنسان من فقد الأب، وفي الحيوان من فقد الأم، وفي الطيور من فقد الأبوين.
ويقال من جانب آخر: اليتيم من فقد من يرعاه ويكلؤه، والأب هو الذي يرعى الولد، والحيوان ترعاه أمه، فقد تكون في الإبل عشرات ومئات النياق، بينما لا يكون فيها غير فحل واحد، وإذا نتحت الناقة فهي التي ترضع، أما في الطير فالأبوان يتناوبان على العناية بالبيض حتى يخرج الفرخ، ثم يتناوبان على إطعامه.
فهنا يقول أنس: (قمت أنا ويتيم) ، ولا يتم بعد البلوغ، فهو دون البلوغ، وهنا يقال: هذا أنس رجل كبير، ومعه غلام دون البلوغ، أيتم الصف أم يعتبر في كون المأمومين غير واحد، ويكون موقفهم خلف الإمام، أو لا عبرة باليتيم، ويكون الرجل عن اليمين واليتيم بجانبه؟ وجدنا هذا عملياً، فأن الصغير إذا كان مميزاً يطمئن الكبير على بقاء هذا الصغير معه في الصف، بخلاف ما إذا كان عمره سنتين أو ثلاث، فبينما هو واقف يقف بجانب أبيه وإذا به فجأة يجري ويتركه، فهذا لا يعتد به.
فإذا كان مميزاً مدركاً، وسيقف ويتم الصلاة، فاعتد به، واعتبر الصف باثنين فأكثر، فيكون مكانهم خلف الإمام.
وموقف المرأة وراءهم، فالمرأة وراء الرجال.
لكن إذا قام زوجان يصليان فهل تقوم المرأة عن يمين زوجها أو تقف خلفه؟ والجواب: تقف خلفه، ولا تحاذيه في موقفها.
قال: (فقمت أنا واليتيم) ، وفي بعض النسخ: (فقمت واليتيم) ، والمشهور في اللغة (قمت أنا واليتيم) ؛ لأن العطف على الضمير المتصل يحتاج إلى الإتيان بضمير مؤكِّد، ويكون العطف على الضمير المنفصل المؤكِّد، فالمشهور لغة: (قمت أنا واليتيم) ، فضمير (أنا) راجع إلى التاء، وهي الفاعل في الفعل قمتُ، فـ (قمت) : فعل وفاعل، والفاعل تاء المتكلم.
فجاء هنا في بعض النسخ: (قمت واليتيم) ، والشارح ذكر أن هذا جائز، وهو لغة عند البصريين، فإذا وجدناها (قمت واليتيم) فهي صحيحة عربية، وإذا جاء (قمت أنا واليتيم) فهي صحيحة، وهي لغة الجمهور.
стр. 857
كتاب الصلاة - باب صلاة الجماعة والإمامة [٧]
إن للصلاة آداباً كثيرة، منها ما يتعلق بكيفيه أدائها، ومنها ما يتعلق بحال الذاهب لتأديتها وهيئته، وما يجب عليه أن يتصف به، ومن ذلك أن الواجب على الذاهب لتأدية الصلاة أن يتصف بالسكينة والوقار، حتى يدخل في الصلاة وهو مطمئن حاضر القلب يعي صلاته، فما أدركه من الصلاة فليصل، وما فاته فليتم، ولا يشرع له أن يركع دون الصف، فقد قال ﷺ لمن فعل ذلك: (زادك الله حرصاً ولا تعد) .
стр. 858
تابع أحكام صلاة الجماعة
стр. 859
حكم الركوع قبل الدخول في الصف
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى.
أما بعد: فيقول المصنف ﵀: [وعن أبي بكرة ﵁ أنه انتهى إلى النبي ﷺ وهو راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصف، فقال له النبي ﷺ : (زادك الله حرصاً ولا تعد) رواه البخاري، وزاد أبو ذر فيه: (فركع دون الصف، ثم مشى إلى الصف) ] .
أبو بكرة رضي الله تعالى عنه له قصة في تسميته بهذا الاسم، فلما حاصر النبي ﷺ ثقيفاً في الطائف وطال الحصار تدلى هذا الصحابي الجليل -واسمه نفيع بن الحارث- من على سور الطائف على بكَرة، وهي: ناقة الإبل، أو التي يُسحب عليها الحبل، فإما أنه كانت ناقة عند السور فتدلى ونزل على ظهرها ثم نزل إلى الأرض، وإما جاء ببكرة وأدخل الحبل في البكرة وتدلى حتى نزل.
فأياً كان سبب التسمية فيهمنا فيما فعل وموقف النبي ﷺ منه.
يقول أبو بكرة رضي الله تعالى عنه انتهيت إلى النبي ﷺ ، أو أتيت المسجد والنبي ﷺ راكعاً، فخشيت أن يرفع رأسه فتفوتني الركعة، فركعت قبل أن أصل إلى الصف، ثم دببت حتى دخلت فيه.
فصورة ما حدث أنه لما دخل المسجد ورأى النبي ﷺ راكعاً خاف أن يرفع النبي ﷺ رأسه من الركوع، وفتفوته الركعة، فركع ودب ماشياً حتى دخل في الصف.
فالذي فات أبا بكرة من الركعة تكبيرة الإحرام وقراءة الفاتحة.
أما تكبيرة الإحرام فعلى المسبوق في مثل صورة أبي بكرة أن يأتي بتكبيرة الإحرام قبل أن يهوي راكعاً، ويتعين عليه ذلك، وإذا كان قد ضاق الوقت عليه فهي تكفيه عن تكبيرة الانتقال من القيام إلى الركوع.
فحين يكون الإنسان قائماً ويريد أن يركع يكبر تكبيرة ثانية بعد تكبيرة الإحرام، فإذا جاء والوقت ضيق، وكبر تكبيرة الإحرام وركع فإن تكبيرة الإحرام تجزئه عن تكبيرة الانتقال، لكن إذا كبر ونوى بها تكبيرة الركوع لم تنعقد صلاته.
فعلى المسبوق في مثل ذلك أن يأتي بتكبيرة الإحرام وهو قائم وصدره إلى القبلة، أو -كما يقال- ووجهه إلى القبلة.
وبعد أن يأتي بالتكبيرة يكون قد أدرك تكبيرة الإحرام، ثم بعد تكبيرة الإحرام وقبل الركوع قراءة الفاتحة، وهذا ركع ولم يقرأ، فتدارك تكبيرة الإحرام قبل أن يدخل في الصلاة، وهذا فعله واجتهاده.
وبعدما سلم النبي ﷺ قال له: (زادك الله حرصاً ولا تعد) .
والنبي ﷺ أحس بالدبيب، فسأل: من الذي فعل ذلك؟ قال أبو بكرة: أنا يا رسول الله، فكان جواب النبي ﷺ عليه: (زادك الله حرصاً) ، فالحامل له على هذا الحرص على إدراك الركعة، فمن الممكن أن تكون ركعة ثانية أو ثالثة أو رابعة في الصلاة، لكنه حريص على أن يدرك هذه الركعة.
فأقره على حرصه، لكن سيأتي في المجيء إلى الصلاة قوله: (.
وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) .
стр. 860
خلاف العلماء في قوله: (ولا تعُد)
وقوله: (تَعُد) : نبهنا سابقاً أنها يمكن أن تكون (تَعُد) من العودة لمثل ذلك، ويمكن أن تكون (تُعِد) ، والفرق الفتحة والضمة، و (تُعِد) من الإعادة.
فيكون المعنى: زادك الله حرصاً ولا تُعِد الصلاة أوزادك الله حرصاً ولا تعد لمثل تلك الصورة.
ويمكن أن يكون المعنى: زادك الله حرصاً ولا تَعْدُ، من العَدْو والجري.
والكلمة في التصريح صالحة لهذا كله؛ لأن: (عاد، يعود) من العود، فهو أجوف معتل العين بالواو، (عَوَد) ، والمعتل الأجوف إذا دخل عليه الجازم سقطت عينه، كقال.
يقول.
لم تقل، وباع.
يبيع.
لم يبع، فسقطت العين، ولسكون الحرف الأخير، فتكون: (زادك الله حرصاً ولا تَعُد) .
(ولا تُعِد) من أعاد يعيد، فهو أيضاً أجوف معتل بالياء، فتسقط عين الكلمة بالجزم، ويكون صالحاً لمعنى الإعادة.
وأما (لا تَعْدُ) من (عَدَوَ) وحرف العلة هنا اللام؛ لأن فاء الكلمة هي العين، والدال هي عين الكلمة، والواو هي لام الكلمة، فهو معتل الآخر بالواو ناقص واوي كما يقولون، والقاعدة أن الناقص الواوي إذا دخل عليه جازم كانت علامة جزمه حذف حرف العلة، مثال ذلك: (لم يسع) ، (لم يدع) ، فتحذف (الألف) من (سعى) ، و (الواو) من (يدعو) .
وهنا كذلك: يعدو، فلام الكلمة حرف علة، والقاعدة النحوية أن الفعل المعتل الآخر يجزم وعلامة جزمه حرف العلة.
فالكلمة من حيث هي في رسمها تُرسم بالياء، أو بالتاء، فما الذي سقط منها، هو الواو أو الياء الذان هما عين الكلمة من العود والإعادة، أم أن الذي سقط هو الواو لام الكلمة؟ كل ذلك محتمل.
ونرجع إلى هذه الاحتمالات، فلو أخذناها على قوله ﷺ : (ولا تَعُد) أي: لمثل ذلك قالوا: نهاه أن يعود لمثل هذا الفعل، فوقف عند هذا النهي قوم، وقالوا: نهاه أن يعود لمثل ذلك؛ لأنه بنى على إدراك الركعة، وقد فاتته الفاتحة، وهذا باطل.
والآخرون قالوا: نهاه أن يعود لأن صورة الإنسان حين يدب وهو راكع تشبه صورة الحيوان وهو يمشي، وهذه صورة لا ينبغي للإنسان أن يفعلها.
وآخرون قالوا: (ولا تَعْدُ) أي: من العدو؛ لأن هذا يتنافى مع الخشوع في الصلاة.
والذين قالوا: (ولا تُعِد) معناه أن صلاتك اكتملت ولا تحتاج إلى إعادة قالوا للآخرين: إن كان قوله: (ولا تَعْدُ) (ولا تَعُدْ) كما قلتم لصورة مشي الحيوان أو لغيرها، فهل الصلاة صحيحة أم لا؟ إن قلتم: صحيحة فهذا الذي نريد، وإن قلتم: غير صحيحة.
فهل أعادها أبو بكرة؟ والجواب: لم يعدها، وبعض الاحتمالات (ولا تُعِد) أي: لا تعد الصلاة لأنها كاملة.
ومن هنا أخذوا أن المسبوق إذا جاء وأدرك الإمام راكعاً فقد أدرك الركعة، وسقطت عنه قراءة الفاتحة.
ففي المساجد يأتي الإنسان مسبوقاً ويريد أن يتقدم إلى الصفوف الأُول، فإذا ركع الإمام هل يركع ويدب إلى الصف، أم أنه يمشي إلى أن يصل إلى الصف ويقوم فيه؟ الأولى أن يمشي سوياً إلى أن يصل إلى الصف ويركع، لا أن يركع دون الصف ويكون في صف منقطع عن الصفوف، ولا أن يركض من أجل أن يلحق ويدرك الإمام قبل أن يرفع، إلا في حالة واحدة يمكن أن يسرع فيها، وهي إذا خاف أن يسلم الإمام وتفوته الجماعة كلها، ففي هذا العاطفة تتحرك قليلاً، والبعض يقول: ولو فاتت الجماعة؛ لأن له أجر الجماعة ولو وجد الناس قد صلوا، وفيه ورد حديث صحيح.
لكن إذا كان الأمر أوسع من ذلك فلا ينبغي الركض في المسجد، ولا الركوع قبل الصف وبينهما فرجة بعيدة، ولكن بقدر المستطاع يمشي سوياً إلى أن يأتي إلى الصف ويصلي.
стр. 861
حكم صلاة المنفرد خلف الصف وخلاف العلماء فيه
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعن وابصة بن معبد ﵁: (أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد الصلاة) رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه ابن حبان، وله عن طلق بن علي ﵁: (لا صلاة لمنفرد خلف الصف) ، وزاد الطبراني في حديث وابصة: (ألا دخلت معهم أو اجتررت رجلاً) ] .
هذا الحديث يعتبر في نظري من المشكلات، فيروي لنا وابصة بن معبد رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ رأى رجلاً يصلي خلف الصف فأمره أن يعيد الصلاة.
وفي بعض الروايات رآه يصلي فانتظره حتى فرغ من صلاته فقال: (استقبل صلاتك؛ فلا صلاة لمنفرد خلف الصف) .
فهذه نصوص صريحة أنه لا صلاة لإنسان ينفرد وحده خلف الصف، وتحت هذا تفريعات عديدة، فنأخذ أولاً الأصل في المسألة، ونأتيها من أعلى كما يقال.
يرى الإمام أحمد ﵀ أن الحديث على ظاهره، فمن صلى صلاة أوقع فيها ركعة كاملة خلف الصف فصلاته باطلة، ومعنى (ركعة كاملة) أنه لو جاء منفرداً وكبر والإمام يقرأ، وظل مع الإمام حتى سجد الإمام، وقام للركعة الثانية، يكون أكمل ركعة منفرداً، ثم جاء من يقف معه، فعند أحمد الركعة باطلة، أما إذا وقف منفرداً وقبل أن يركع الإمام جاء آخر وصف معه، فقد خرج عن كونه منفرداً.
وغير أحمد -رحم الله الجميع- يقول: إن النهي هنا إنما هو للكراهة، وتصح الصلاة منفرداً خلف الصف.
وكيف تفعلون في هذا النهي؟ قالوا: هذا للكراهة، والأولى أن يكون مع غيره، ثم جاؤوا بأمور عقلية واستنتاجية.
أما الأمور العقلية فـ النووي يقول في المجموع: إن صحة الصلاة ثابتة عقلاً، قال: إذا جاء اثنان وموقفهما خلف الإمام، فكبر أحدهما والآخر لا زال يعدل في موقفه، فقد سبق أحدهما الآخر في تكبيرة الإحرام، ففي تلك اللحظة عقد تكبيرة الإحرام -وهي جزء من الصلاة- منفرداً والذي معه لم يكبر بعد، فيعتبر منفرداً، ولا يقول أحد بأن صلاة أحدهما باطلة.
ويقولون أيضاً: قصة ابن عباس لما صلى عن يسار النبي ﷺ أداره من خلفه.
فعند مروره خلف النبي ﷺ كان وحده، في جزء من الصلاة، وما بطلت لكونه خلف الإمام وحده.
وهل هذا يرد على أحمد أم لا يرد عليه؟ الجواب: لا يرد عليه؛ لأن أحمد اشترط أن يقع الانفراد في ركعة كاملة، وهذه ليست بركعة.
وابن عباس لما أداره رسول الله ﷺ ، هل كان قبل الخطوة التي أداره عندها خلف الصف وحده؟ ولهذا أقول: إنه من الإشكالات، فالنص صريح، ولكن الأئمة الثلاثة يقولون: الصلاة صحيحة، ونحن نقول: النص صريح مع أحمد، والكثرة واضحة مع الجمهور.
ويأتي بعد ذلك علاج الموقف، فإذا جاء والصفوف مكتملة، وما عنده أحد يصلي معه، فإنه يأخذ من الصف رجلاً معه، ويترتب على هذا تكليف آخر.
فإذا جاء وحده والناس جلوس في التشهد فالحنابلة يقولون: لو جاء والناس في التشهد وليس من السهل أن يرجع إنسان وهو في جلسة التشهد فإنه يجلس في طرف الصف، أو في وسطه ملصقاً ركبتيه إلى ظهر الذي يليه.
стр. 862
المشروع في هيئة الإتيان إلى الصلاة
قال المؤلف ﵀: [وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا) متفق عليه واللفظ للبخاري] .
هذا الحديث يشتمل على مسألتين: المسألة الأولى: كيفية الإتيان إلى صلاة الجماعة، والمسألة الثانية: ماذا يفعل المسبوق فيما سُبِق به.
ويقولون: إن سبب هذا الحديث أن النبي ﷺ كان في الصلاة فسمع جلبة (حركة) ، فلما سلم سأل ما هذه الحركة؟ قالوا: تعجلنا للصلاة.
أي: استعجلنا لندرك الصلاة.
ولعله كان في الركوع ليدركوا الركعة، أو كان في التشهد ليدركوا الصلاة قبل أن يسلم.
فالمهم أنه حملهم على ذلك الحرص على إدراك الصلاة، بقصد الخير وفعل الخير، ولكن هذا اجتهاد منهم، فنبههم ﷺ قائلاً: (إذا سمعتم الإقامة) ، والتنصيص هنا على: (سمعتم الإقامة) ، وفي بعض الروايات: (ثوب للصلاة) ، أي: قال المقيم: حي على الصلاة حي على الفلاح.
قد قامت الصلاة، قال: (فامشوا إلى الصلاة) ، والمشي: هو الانتقال بحركة طبيعية، والسعي والإسراع أشد من ذلك، قال: (وعليكم السكينة) .
وفي حق الجمعة يقول تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩] ، فهل هي المقصودة بالمنهي عنه بقوله هنا: (لا تسعوا) ، (لا تسرعوا) ؟ قالوا: لا.
فقوله تعالى: (فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) بمعنى قولك: سعيت في قضاء حاجة فلان.
وسعيت في تحقيق الأمر الفلاني، يعني: أخذت بأسبابه.
(فَاسْعَوْا) يعني: فخذوا بالأسباب التي كلفتم بها للحضور إلى الجمعة، فإذا سمعتَ الأذان فقم واغتسل حالاً، والبس، وأت إلى المسجد، ولا تسرع.
وهنا يبين ﷺ بقوله: (فامشوا) ، يعني: لا تجروا، ولا تسرعوا.
فالسعي هناك هو الأخذ بالأسباب، وليس سرعة الخُطا.
قال: (وعليكم السكينة والوقار) ، انظر إلى هذا السمت في حركة من حركات الإنسان في أداء حق لله، فأنت آت إلى الصلاة، وهي صلة بينك وبين الله، وكيف تكون الصلة؟! وكيف تصل نفسك بالله؟ تصل نفسك بالله وأنت في أكمل حالة من خشوع وخضوع وتذلل بين يدي رب العالمين.
ومتى يتم لك ذلك؟ هل عندما تأتي إلى الصف وقد حفزك النفس فتلهث ولا تدري ما تقول، أو تأتي إلى الصف وأنت تعمل عملية حساب ربح وخسارة، وعمل ما كنت تعمل فيه؟ لا.
قوله: (فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة) قالوا: السكينة: المشي بهدوء في خطوات مرتبة، وقالوا: الوقار: هو مرادف للسكينة، وجاء تأكيداً لها، وعلماء اللغة المحققون يقولون: السكينة لها معنى والوقار له معنى مستقل، وكلاهما مطلوب في هذا الموضع.
أما السكينة فتتعلق بالحركة، فتمشي على مهل كأنك ساكن، وأما الوقار فأصله مادة (وَقَرَ) ، وهي: الثِّقَل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ [الأنعام:٢٥] فـ (وَقْر) يعني ثِقَل، والشخص المتأني الوقور يمشي كأنه الجمل الموقر، ليس من باب الكبر، ولا من باب العجز، ولكن من باب التواضع.
فهناك الحركة والتؤدة، وليست هناك الخفة والرعونة، وهناك الحالة والهيئة، وهي الوقار وحسن السمت، وقد جاء عند البخاري ﵀: (حسن السمت من الإيمان) ، ولذا قالوا: المؤمن في سمته، وفي مظهره، وفي لباسه، وفي مشيته، وفي حركاته ينبغي أن يكون على أحسن ما يكون.
ولذا كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول: (أحب لطالب العلم بياض الثياب ووقاره) .
стр. 863
الأمر بالسكينة والوقار فيه الحث على التبكير إلى الصلاة
فعلى هذا ينبغي أن يكون المجيء إلى الصلاة حينما تسمع المؤذن على المنارة يقول: حي على الصلاة حي على الفلاح.
أما إذا تأخرت إلى أن جاء الأذان الثاني وهو الإقامة وما بعدها فقد قصرت وتأخرت، وقد عاتب أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه عثمان رضي الله تعالى عنه لما جاء متأخراً.
وكذلك الرسول ﷺ قال للرجل الذي تخطى رقاب الناس: (اجلس؛ فقد آذيت وآنيت) ، و (آنيت) : تأخرت في المجيء بعد الأوان، و (آذيت) : تخطيت رقاب الناس، وحرمة الناس عظيمة، فكذلك هذا المسبوق هذا الذي تأخر يضطر إلى أن يدرك بعض ما فات بالجري.
ففي هذا الحديث أدب من آداب الإسلام، وهو حسن السمت والوقار للمسلم، ولذا جاء في بعض النصوص: (إياكم وهيشات الأسواق!) ، أي: المرج والحركة والذهاب والمجيء بدون نظام هذا في أسواق الدنيا، أما أسواق الآخرة -وهي المساجد- فيجب أن يكون فيها الهدوء والسكينة والطمأنينة.
وبعض العلماء يقول في قوله ﷺ : (وعليكم السكينة والوقار) : إن الذي يأتي إلى الصلاة من خروجه من بيته إلى أن يقف في الصف هو في صلاة.
قالوا: إذن ينبغي عليه مادام حكمه حكم الذي في الصلاة أن يتأدب بآداب المصلي، ومنها السكينة والوقار، وجاءت الأحاديث أيضاً وفيها أنه إذا تطهر في بيته وخرج إلى المسجد لا يرفع رجله اليمنى إلا بحسنة، ولا يضع رجله اليسرى إلا بتكفير خطيئة، إلى أن يأتي إلى الصلاة، ويكون قد حطت عنه ذنوبه، وتكون الصلاة له نافلة.
وجاءت النصوص أيضاً أن من فاته شيء من الصلاة فأتمها فله أجر الجماعة كاملاً، ومن جاء ووجد الناس قد صلوا وصلى وحده أو ومعه غيره فقد أدرك ثواب الجماعة بنية مجيئه وبقدر اجتهاده، ولكن لا يستوي مع من جاء قبل أن تقام الصلاة وقام مع الإمام من أولها.
فالحديث فيه من آداب الإسلام، ففيه حث المسلم على الوقار، وتعويده على حسن السمت في هيئته ومشيته، وفيه أيضاً الحث على المبادرة إلى الصلاة أو إلى المسجد قبل أن تقام الصلاة، وفيه أيضاً الحرص على إدراك الجماعة من أول وقتها، وفيه أيضاً أن حسن السمت يساعده على أداء الصلاة بحضور القلب واجتماع الحس والشعور، والتوجه إلى الله بكليته، ومن هنا أيضاً نأخذ الحكمة في أنه ﷺ يقول: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي فإنه من صلى علي؛ صلاة صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة؛ فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة) ، ومعلوم أنه إذا كانت درجة واحدة فلا تكون إلا لواحد، ولن تكون إلا لسيد الخلق وأحب الخلق إلى الله، وهو رسول الله محمد ﷺ .
فالمؤذن ينادي ويقول: (الله أكبر) بأعلى صوته ليصل الصوت إلى أكبر عدد من المسلمين، ونحن حين نسمع المؤذن نقول مثلما يقول، وذلك لنستشعر عظمة الله فتسيطر على قلوبنا وحواسنا، وفي هذا تهيئة عظيمة لأداء الصلاة على أتم وجه في جماعة، وبحضور قلب وسكون.
يقول الله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩] فالمؤذن ينادي البائع في سوقه، وينادي الصانع في مصنعه، وينادي النائم في بيته، وينادي الزارع في مزرعته، وكل يعمل في أمر دنياه، حتى يسمع داعي الله، فإذا ما سمع لأول وهلة (الله أكبر) أربع مرات فإن كان في مزرعة يرجو ثمارها فالله أكبر، وإن كان في مصنع يرجو إنتاجه وربحه فالله أكبر، وإن كان في بيع وشراء ويرجو ربح تجارته فالله أكبر، وإن كان نائماً مستغرقاً في نومه فالله أكبر.
وهكذا يستجمع كل حواسه وشعوره، ويكون مسيطراً عليه جلال (الله أكبر) .
فهل يتأخر هذا عن النداء؟ لا، وهل يأتي غافلاً؟ لا.
ثم يأتي قوله: (أشهد أن لا إله إلا الله) فيقول: وأنا أيضاً أشهد.
فما دمت تشهد فحي على الصلاة وهلم؛ لأن الصلاة لمن يشهد الشهادتين، ثم يقول: (حي على الفلاح) ، و (الله أكبر) في آخره تأكيد لما مضى، ثم (لا إله إلا الله) .
فإذا كان الحال كذلك، ونفضت يدك مما كنت فيه، وتوضأت وتوجهت إلى المسجد، فإذا أقيمت الصلاة فإذا بك غير الشخص الذي كان في محل عمله، وإذا بك في صف الصلاة لست ذاك الصانع الذي يعمل، ولا ذاك التاجر الذي يطفف الكيل أو الوزن، وقمت وتركت ونفضت يدك عن كل ما كنت فيه وقلت: الله أكبر.
ولذا يقول الغزالي في الإحياء: ورفع اليدين حذو المنكبين لينفض بظهر كفيه دنياه وراء ظهره، ويُقبِل بكليته إلى ربه.
فهذا الحديث يجرنا الكلام فيه إلى المبادرة، وإلى السكينة، وإلى الوقار، وإلى ما تفيضه الصلاة على المصلي.
ونقرأ في قصص بعض الأشخاص أنه إذا دخل في الصلاة لا يعي ما حوله، وأحد السلف كان في المسجد فسقط ركن المسجد ولم يشعر به، ولما سلَّم وفرغ وجد غبرة، فقال: ما هذه؟ قالوا: أما دريت؟ سقط ركن المسجد.
فأتوها وعليكم السكينة والوقار.
ومن المبادرة إلى الجماعة ما جاء في ترجمة سعيد بن المسيب أنه لم تفته تكبيرة الإحرام في المسجد النبوي أربعين عاماً.
وبعضهم يقول: ما صلى في غير الصف الأول أربعين عاماً.
وبعضهم يقول: ما أذن المؤذن إلا وهو في مكانه في المسجد عشرين عاماً.
ومن هنا تتفق كتب التاريخ على أنه في وقعة الحرة لما خلت المدينة، وتعطلت الصلاة في المسجد النبوي ثلاثة أيام للفتنة كان سعيد بن المسيب يأتي وحده إلى جوار الحجرة، ويسمع الأذان من داخل الحجرة في جميع وقته في الصلوات الخمس.
وأما كيف يسمع ومن يؤذن فهذا أمر غيبي، وهو معجزة لرسول الله ﷺ وكرامة لهذا التابعي الجليل.
والذي يهمنا المبادرة إلى المساجد، وجاء في الحديث: (سبعة يظلهم الله في ظله منهم: ورجل قلبه معلق بالمساجد) .
فعندما نشاهد حالة بعض الناس إذا كبر الإمام وركع، يركضون كأنهم في سباق، فلا حاجة إلى هذا كله، ففي الحديث: (ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) .
ولذا في بعض روايات أبي بكرة: (زادك الله حرصا ولا تَعُد) أي: لمثل هذه الصورة، أو (ولا تُعِد) صلاتك؛ لأنك قد أدركت الركعة وأدركت الصلاة.
فإذا سمعتم الإقامة فامشوا، أي لا تركضوا ولا تسرعوا ولا تسعوا، وامشوا إليها مشياً.
قال: (فما أدركتم فصلوا) ، (ما) هنا عامة، فالذي أدركتموه من الصلاة صلوه، فإذا أدركت الإمام راكعاً فاركع، وإن أدركته ساجداً فاسجد، وإن أدركته في التشهد فاجلس، وسيأتي التنصيص على هذه الحالة.
فهذا الجزء الأول وهو كيفية الإتيان إلى الصلاة، فينبغي أن يكون على حالة السكينة والوقار؛ لأن الإسراع قد يخل بالمروءة، فيخرج الإنسان عن سمته ووقاره، وأعتقد أن الناس طبقات، فهناك من يجري أو يقفز على عصا، ولا يعيبه أحد، وهناك من لو أسرع قليلاً لفت الأنظار إليه.
فالناس طبقات، وكل بحسبه عند الناس، ولكن عند الشرع الكل سواء، فينبغي للشاب أو الشخص العجل أن يتأدب بأدب الإسلام، ويحترم مجيئه إلى الصلاة، ولا يجعل حرصه يحمله على الإخلال بآداب الإسلام.
فإذا دخل من الباب وكبر الإمام راكعاً فلا يجري ولا يركض من أجل أن يدرك الركعة؛ لأنه يكون قد أخل بشيء من آداب الصلاة، وضيع أكثر مما كان يفوته ما لو مشى على سكينة ووقار.
стр. 864
القضاء والإتمام معناهما والفرق بينهما
قال: (وما فاتكم فأتموا) ، وجاءت رواية أخرى بلفظ: (فاقضوا) ، فبعض العلماء يقول: دلالة اللفظين لغة سواء، لأن القضاء قد يكون بمعنى التمام والإنهاء والفراغ، (فإذا قضيت الصلاة) معناه: تمت وانتهت.
يقول الشاعر: قضى كل ذي دين فوفى غريمه وقضاء الدين بمعنى: دفْعُهُ وأداؤه.
وقضى فلان ما عليه، أي: أداه ودفعه.
وقضى فلان بحقي بمعنى: حكم، فتأتي كلمة (قضى) وما تصرف منها لمعان عديدة، ومن معانيها الإتمام، فتقول: فلان قضى الأمر الذي كان قد بدأ به.
وبعض العلماء قال: هذا اصطلاح شرعي، ومعناه: أتموا ما بقي من نقص، واقضوا ما فات عليكم من قبل.
وجميع شراح الحديث يقولون: المشهور والأكثر عند الجمهور لفظ (فأتموا) ، وجاءت بعض الروايات عن أحمد والنسائي -وبعضهم يعزوها لـ مسلم - بلفظ: (فاقضوا) .
فاللفظان صحيحان، ولكن أحد اللفظين أشهر وأكثر من الآخر، والكثرة لها الترجيح، فإذا قلنا باللفظين، فمن أخذ برواية (أتموا) -وهي المشهورة عند الجمهور- له ترتيب في الماضي، ومن أخذ برواية (فاقضوا) له ترتيب آخر يخالف الأول، فما الفرق بين اللفظين؟ إذا جئنا إلى صلاة رباعية جهرية أو ثلاثية ولتكن المغرب، وجاء إنسان قد فاتته الركعة الأولى، وصلى مع الإمام ركعتين وبقي من الثلاث ركعة، فهل الركعة التي سيصليها بعد السلام -التي هي الثالثة- هي الأولى التي فاتته، أم هي الثالثة الباقية عليه آخر صلاته؟! هو صلى مع الإمام ركعتين، وبقي عليه ركعة واحدة، فهل الركعة الواحدة الباقية عليه هي التي فاتته ولم يدركها مع الإمام فيقضيها، أم هي الثالثة التي لم يصلها فيتمها؟ هذا هو التصوير العقلي للواقعة، وهو مطالب بركعة بلا شك، لكن بقي علينا أن نتصور الركعة التي سيقوم لأدائها بعد سلام الإمام، فهل هي الفائتة التي لم يدركها، وهي الأولى بالنسبة للإمام، أم هي الركعة الثالثة الباقية تتمة للثلاث؟ ولما كان الأمر محتملاً فمن أخذ برواية (فأتموا) فالركعة التي سيقوم لأدائها تكون هي الركعة الثالثة الباقية؛ لأنه صلى الركعة الأولى والثانية، وبقي عليه أن يكمل الثالثة، ويكون قد أتم الثالثة بالركعة التي أداها بعد سلام الإمام.
وإن قلنا: هي الماضية التي فاتته فيكون قد صلى ركعتين، وفاتته واحدة، فيقوم لأداء الأولى التي فاتته مع الإمام قضاءً.
وقد يقول قائل: في الحالتين تبقى واحدة وستكمل الثلاث.
قالوا: لا؛ لأن القضاء يختلف عن الأداء، فإذا قلنا يتم ستكون بالنسبة له الركعة الثالثة، والثالثة في المغرب سرية، فحين يقوم بعد الإمام ليأتي بالثالثة يأتي بالقراءة سراً؛ لأنه يتم الثالثة الباقية عليه.
وإذا رجعنا إلى رواية (فاقضوا) ، وسيكون قيامه لصلاة الركعة الأولى التي فاتته، والأولى جهرية فيجهر بالقراءة.
فهذا الذي يترتب على (أتموا) و (اقضوا) .
وإذا فعل الإنسان أحد الأمرين فهل صلاته صحيحة أم باطلة؟ إن أخذ بلفظ (أتموا) وأتى بها سرية فالحمد لله، وإن اعتبرها الماضية وأخذ بلفظ (واقضوا) ، وأتى بها جهرية فلا مانع والحمد لله.
فالصلاة صحيحة على كلتا الروايتين، وكل له مستند.
لكن أيهما أرجح؟ هل هي (أتموا) ؛ لأنها أرجح من جهة قوة الرواية ولأنها مشهورة؟ إذا أخذنا المسألة من جهة النظر فعلى رواية: (اقضوا) يكون قد أوقع تكبيرة الإحرام في الركعة الثانية؛ حيث أدرك مع الإمام الثانية والثالثة، وقد اعتبرنا ما أدرك مع الإمام ثانية وثالثة، وعليه أن يأتي بالأولى قضاءً، فيكون قد أوقع تكبيرة الإحرام في الثانية، ولكن لما كبر تكبيرة الإحرام، أول ما دخل مع الإمام -وتكبيرة الإحرام لا تكون إلا في الأولى- ظهر أن الركعة التي دخل بها مع الإمام هي الأولى في حقه، وإن كانت الثانية أو الثالثة في حق الإمام.
ولو أدرك الإمام في الركعة الأخيرة فسيتم ويقضي ركعتين، فعلى رواية (أتموا) يجهر في واحدة، ويسر في الأخيرة، وهكذا يكون التفريع على الفرق بين (أتموا) ، و (اقضوا) ، والله أعلم.
стр. 865
كتاب الصلاة - باب صلاة الجماعة والإمامة [٨]
إن لصلاة الجماعة فضائل كثيرة، وكلما زاد العدد في صلاة الجماعة زاد الفضل، وتنعقد الجماعة برجلين، أو برجل وامرأة، وإمامة المرأة للنساء جائزة بالاتفاق، وهناك صور أخرى تتعلق بإمامة المرأة أو بإمامة الرجل للنساء فقط، اختلف فيها العلماء.
وتجوز الصلاة وراء كل من قال: (لا إله إلا الله) ، كما تجوز الصلاة عليه، ما لم يأت بناقض ينقضها، مع أن الأولى أن يصلى وراء من توفرت فيه صفات الإمام المنصوص عليها شرعاً.
стр. 866
تابع أحكام صلاة الجماعة
стр. 867
زيادة الفضل في صلاة الجماعة بزيادة عدد المصلين وعلة ذلك
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
أما بعد: فيقول المصنف ﵀: [وعن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كان أكثر فهو أحب إلى الله رواه أبو داود والنسائي، وصححه ابن حبان] .
يأتي المؤلف ﵀ بهذا الحديث تحت عنوان صلاة الجماعة والإمامة.
ونفهم من هذا الحديث أنه كلما كانت الجماعة أكثر عدداً كانت أفضل أجراً، وهذا هو الموضوع الإجمالي للحديث.
أما الحديث من حيث هو فمسائله متعددة.
منها: مسألة انعقاد الجماعة بالرجلين، فهل تنعقد الجماعة بإمام ومأموم فقط؟ أم لا بد للجماعة من ثلاثة فأكثر؛ لأن أقل الجمع ثلاثة؟ فهذه أول مسألة في الحديث، والتحقيق فيها أنه تنعقد الجماعة بالاثنين.
وفي حال كون الثاني امرأة -رجل وامرأة- فهل تعتبر جماعة أم لا تعتبر؟ يقولون: تصح الجماعة ولو كان المأموم امرأة فقط رداً على من يقول: لا تصح جماعة، ولا تنعقد إذا كان المأموم امرأة فقط، أما إذا كن جمعاً من النسوة فكما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: (كنا نأخذ الغلمان من الكتاب يقومون بنا رمضان) .
وعمر رضي الله تعالى عنه نصّب إماماً خاصاً للنساء في تراويح رمضان، حتى يُسرعن ويعدن إلى بيوتهن، فكون الرجل يؤم جماعة من النسوة هذا ليس فيه خلاف.
وبعضهم يستدل لصحة انعقاد الجماعة برجل وامرأة فقط بالحديث: (من استيقظ من الليل وأيقظ امرأته فصليا ركعتين جميعاً كتباً من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات) فهنا: (فصليا جميعاً) إمام ومأموم، والإمام هو الزوج، والمأموم هو الزوجة، فتنعقد الجماعة باثنين ولو كان المأموم امرأة.
قوله: (صلاة الرجل مع الرجل أزكى) (أزكى) بمعنى أكثر وأفضل، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النجم:٣٢] أي فلا تمدحوها ولا تفضلوها.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى:١٤] أي: أكرم نفسه وتزود من الخير.
والزكاة: النمو والزيادة فهنا هما اثنان، وصليا جماعة.
فصحت الجماعة باثنين، وهذه من أوائل مسائل هذا الحديث.
وهنا صلاة الواحد مع الآخر أزكى من صلاته وحده، قال بعض العلماء: فيه دلالة بالإيماء والتنبيه على صحة صلاة المنفرد دون جماعة، وهذا الأمر قد تقدم الكلام فيه.
قوله: (وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل) ، صلاة الواحد مع الاثنين أزكى من صلاته مع واحد فقط؛ لأنهم سيصيرون ثلاثة إماماً واثنين مأمومين، وما زاد فهو أفضل.
فموضوع هذا الحديث أن الجماعة كلما كانت أكثر عدداً كانت أفضل، ولهذا ينبغي على الإنسان أن يحرص على أداء الجماعة في المساجد التي يكثر فيها العدد، قالوا إلا إذا كان هناك مسجد في الحي، ووجود هذا الشخص في هذا المسجد سيشجع أهل الحي على الصلاة، أو سينتفع منه المصلون في هذا المسجد الصغير بتعليم أو فتوى، أو محافظة على الصلاة، أو سيحضرون خوفاً منه أو متابعةً له، فتكون صلاته في المسجد الأقل عدداً لمصالح أخرى في حقه هو أولى.
أما إذا لم تكن هناك مصالح أو جوانب خارجة عن مجرد الجماعة فكلما كان العدد أكثر كان أفضل.
لأن كل مصلٍ إنما يدعو لنفسه وللمسلمين، وهو واحد من المسلمين، فتناله الدعوات من جميع المصلين، فيشارك في الفضيلة أكثر مما لو كان العدد أقل، والله أعلم.
стр. 868
إمامة المرأة صورها وخلاف العلماء في ذلك
قال رحمه الله تعالى: [وعن أم ورقة ﵂: (أن النبي ﷺ أمرها أن تؤم أهل دارها) رواه أبو داود، وصححه ابن خزيمة] قدم المؤلف ﵀ النهي عن إمامة الأعرابي للمهاجر، والفاسق، والمرأة للرجل.
ولما قدم ذلك وكان سنده واهياً، جاء هنا ليبين صحة إمامة المرأة لأهل دارها، فهذا تخصيص من ذاك العموم الذي تقدم.
وأم ورقة هذه امرأة أنصارية، وهي صحابية جليلة، وكانت تلقب بالشهيدة وهي على قيد الحياة، وذلك أن النبي ﷺ حينما عزم الخروج إلى بدر قالت: يا رسول الله! ائذن لي أن أصحبكم لعلي أداوي الجرحى وأسقي المرضى فقال لها ﷺ : (قري في بيتك؛ فإن الله يرزقك الشهادة) ، فلما قال لها ذلك لقبوها بالشهيدة، وكان ﷺ يأتي إليها ويزورها، وكانت قد جمعت القرآن، وما سمعت بامرأة في عهد النبي ﷺ جمعت القرآن غير هذه الصحابية الجليلة.
ولا أستبعد من مثل عائشة رضي الله تعالى عنها لشدة حفظها أن تكون جمعت القرآن أيضاً؛ لأنها ذكرت أنها تحفظ عشرات الآلاف من أبيات الشعر.
فهذه المرأة كانت بهذه الصفة، وكانت نهاية أمرها أن قتلها غلامها وجاريتها، فكتما نفسها بخميصة لها حتى ماتت وهربا، وكان اكتشاف ذلك أن عمر رضي الله تعالى عنه قال: (ما سمعت صوت خالتي أم ورقة الليلة) ، فقد كانت كل ليلة تقوم وتقرأ القرآن، وكان عمر يسمعها، فافتقد صوتها تلك الليلة، ومن الغد دخل بيتها فلم يجدها، فدخل غرفتها فوجدها مخنوقة بالخميصة ميتة، ولم يجد غلامها ولا جاريتها.
فقال عمر: (من رأى هذين أو علم بهما فليأتني بهما) ، فأُتي بهما فقتلهما وصلبهما.
وقضيتها -من حيث هي- حادثة تؤخذ منها أحكام عديدة قبل أن نأتي إلى موضوع إمامتها.
لقد كان لها تطلع إلى الشهادة، وقد جاء عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وغيرها أن النساء أرسلنها وافدة إلى الرسول ﷺ ، فقالت: يا رسول الله! إني وافدة النساء إليك، وجدنا الرجال غلبونا بالجهاد، أفنجاهد؟ فقال: (عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة) ، وفي الوقت نفسه صرح النبي ﷺ لبعض النسوة أن يشاركن في القتال، فأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها كانت تحمل الماء يوم أحد، وغيرها، وأم عطية سافرت وجاهدت، وكانت تضمد الجرحى، وتهيئ لهم الطعام.
فهذه المرأة الكريمة طلبت من رسول الله ﷺ أن يأذن لها، ولم يكن الرجال يستأذنون للخروج، بل إذا دعا رسول الله ﷺ للخروج إلى الجهاد هب الجميع، والمرأة ليست من أهل القتال، كما قيل: كتب القتل والقتال علينا وعلى الغانيات جر الذيول.
فالمرأة ليست من أهل القتال، فاستأذنت رسول الله ﷺ ليأذن لها لتخرج على غير العادة، فكفاها المؤنة، فقال: (قري في بيتك؛ فإن الله يرزقك الشهادة) فبهذا الوعد لقبت بالشهيدة وهي تمشي على وجه الأرض.
وإن هذه الإشارة -والله تعالى أعلم- لعلها التي جعلت أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه يقول: (اللهم ارزقنا شهادة في سبيلك في بلد رسولك) .
قالوا: يا عمر! أتريد القتال في المدينة؟ قال: فضل الله واسع.
فجاءته الشهادة في المدينة، وفي مسجد رسول الله ﷺ ، وفي المحراب.
أقول: لعل عمر لما سمع البشرى لهذه المرأة أن: امكثي في بيتك وستأتيك الشهادة -أي: في بيتك- فطِن عمر رضي الله تعالى عنه، وقال: هذا يمكن ونالها.
فـ أم ورقة دبرت غلاماً وجارية.
والتدبير باب من أبواب العتق، وهو تفعيل من الدبر، والدبر: ما كان خلف الشيء، فـ (عن دبر) أي: عن خلف وعن ظهر، وعن زمن بعده.
فإذا قال شخص: يا فلان! لك هذه الدار عن دبر مني.
يعني: إذا مت فالدار لك.
أو قال: يا أولادي! أوصيكم أن إذا مت فأسكِنوا هذه الدار فلاناً.
أو يقول لغلامه: أنت حر بعد موتي فهنا تعلق العتق بموت المالك.
أي: رب المال.
وهنا السؤال: إذا كان العبد ينتظر الحرية بموت سيده، فحينها يطلب سرعة موته، فإذا اعتدى عليه بالقتل ألغي التدبير، كما أن قاتل مورثه يحرم من الميراث.
والموقوف عليه، والموصى له إذا قتل الموقِف تسرعاً لانتقال الوقف إليه، أو تعجلاً لمجيء الوصية إليه مُنِع من استحقاق الوقف، ومُنِع من الوصية.
قالوا: معاملة له بنقيض قصده؛ فإنه تعجل لأجل الميراث فنحرمه منه؛ لكي يعلم كل حريص على الميراث أنه لن ينال الميراث إذا قتل مورثه، فيكف يده حتى لا يُحرم.
ونظير ذلك أيضاً لو أن امرأة أخفت عدتها، وادعت خروجها من العدة، وتواطأت مع رجل فتزوجته قبل أن تخرج من عدتها فسخ النكاح، ولا يتزوجان إلى الأبد، وهذا التحريم المؤبد؛ حتى لا تخفي امرأة أمر عدتها، فإذا علمت أنها لن تلتقي معه إلى الأبد حافظت على العدة، ومشت في طريق مستقيم.
فـ أم ورقة دبرت غلاماً لها وجارية، فقد قالت: أنتما حران بعد موتي.
فقاما عليها بالليل وخنقاها بخميصة حتى ماتت، وهربا.
وهنا ندخل في مبحث جنائي، فأمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه فطِن لافتقاد سماع قراءتها، وهكذا حق الجوار، أو أنه كان من عادته أن يعس المدينة، ونحن نعلم أمر عمر في خلافته، لقد كان يخرج ليلاً ويطوف في أزقة المدينة يتحسس أخبار الناس وحاجاتهم، ومن ذلك أنه سمع امرأة تقول لابنتها: قومي إلى الحليب فامزجيه بالماء.
فقالت: يا أماه! ألم تسمعي بمنادي عمر ينهى عن مزج الحليب بالماء؟! قالت: يا بنيتي! وأين عمر منك الآن؟ فقالت الفتاة: والله -يا أماه- لإن كان عمر غائباً فرب عمر حاضر.
وكان عمر عند الباب يسمع، ولم يقل لهما شيئاً، وقال لمن معه: اعرف لي هذا البيت.
فعرفه، ومن الغد ذهب وخطب تلك الفتاة.
ونظير هذا -والشيء بالشيء يذكر- أن عمر رضي الله تعالى عنه كان يطوف بالبيت، وكانت هناك امرأة عجوز مجذومة، أي: مريضة بمرض الجذام، وهذا المنظر قد يتأذى منه الناس أو من رائحته، فمر عمر بجانبها وهمس في أذنها وقال: يا أمة الله! لو عدت ومكثت في بيتك لكان خيراً لك.
فخرجت من توها، وما أكملت الشوط، ورجعت إلى بيتها، فلما توفي عمر رضي الله تعالى عنه أُتيت فقيل لها: اخرجي.
إن الذي نهاك قد مات.
قالت: ما كنت لأطيعه حياً وأعصيه ميتاً أي: له حق في السمع والطاعة، فهذا هو التلاحم، وهذه هي حقيقة الإيمان.
وقد جاء عن بعض السلف أنه قال لـ حذيفة رضي الله تعالى عنه: لقد حظيتم بصحبتكم لرسول الله ﷺ ، والله لو كنا حضرنا لما تركناه يمشي على الأرض، ولحملناه على أعناقنا.
قال: يابن أخي! لا تقل ذلك، والله لاتدري إن حضرت ماذا كنت تفعل؟! والله لقد جاءت علينا ليال يخاف الواحد منا أن يخرج يقضي حاجته.
وهذا في أمر الخندق وليلة الأحزاب والشدة التي لحقت المسلمين، ثم قال: قال آخر: والله وددت أني مت قبل رسول الله ﷺ ولم أشهد يوم موته.
فقال غيره: والله ما وددت ذلك، وتمنيت أن أعيش بعده لأطيعه بعد وفاته كما كنت أطيعه وهو حي.
فهذه النماذج تعطينا مدى ارتباط الأفراد بقادتهم في الإسلام، ومدى السمع والطاعة لله ولرسوله ﷺ ، ولا تجد على وجه الأرض ملكاً من الملوك، أو رئيساً من الرؤساء، أو قيصراً من القياصرة تبلغ طاعته عند قومه عشر معشار هذا الحد.
فـ عمر سمع المرأة، ومن الغد ذهب فخطبها لولده، وكانت جدة عمر بن عبد العزيز، والشيء من معدنه لا يُستنكر.
وفي ليالي عمر وهو يعس في شوارع المدينة سمع امرأة في جوف الليل تقول: ألا طال هذا الليل وازور جانبه وليس إلى جنبي خليل ألاعبه فوالله لولا الله تخشى عواقبه لحرك من هذا السرير جوانبه فتفكّر في حال امرأة في مغيب زوجها، فسأل عمر رضي الله تعالى عنه عنها، فقيل له: إنها امرأة فلان، وله في الغزاة ثمانية أشهر، فجاء عمر إلى ابنته حفصة وقال: أخبريني: كم تصبر المرأة عن زوجها؟ فاستحيت.
قال: والله -يابنيتي- لولا أني أريد أن أنظر في أمر المسلمين ما سألتك هذا السؤال.
قالت: تصبر شهراً وشهرين، وفي الثالث تتضجر، وفي الرابع يضيق ذرعها فأرسل لأمراء الأجناد: لا يغيبن زوج عن زوجه فوق أربعة أشهر.
فكان الواحد يذهب للثغر يرابط شهراً، وعليه مرابطة شهرين، فشهر في الذهاب وشهران في المرابطة، وشهر في العودة، ولا يغيب أكثر من ذلك.
فـ عمر رضي الله تعالى عنه افتقد صوت أم ورقة، فلما افتقد صوتها كان ذلك لافتاً للنظر.
يقولون عن الإمام أبي حنيفة ﵀: إنه كان له جار يهودي، وكان كل ليلة يؤذيه برفع صوته، فيمضي الإمام ولا يكلم جاره بشيء، وفي ذات يوم أصبح فلم يجد ما كان يعتاد أن يجده، وفي اليوم الثاني والثالث كذلك، فاستغرب وسأل عن جاره فقيل له: إنه مسجون.
فذهب إلى الوالي وطلب زيارته في سجنه فأذن له، ثم طلب من الوالي أن يطلقه له فأطلقه.
إمام جليل يأتي ليطلق إنساناً من سجنه، فجاء جاره وقال: أخبرني ما الذي أعلمك أني سجين؟ قال: الأمارة التي كنت تجعلها كل ليلة افتقدتها.
قال: وتسكت على ذلك، وتقابل إيذائي بأن تزورني في سجني، وأن تطلب إخراجي؟! قال: نعم.
هذا حق الجار في الإسلام.
قال: هذا دين يعامل أفراده بهذه المثابة.
أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله.
فـ عمر افتقد أم ورقة، ولم يسمع قراءتها، وليس عندها إلا غلام وجارية، فلما أصبح د
стр. 869
إمامة الأعمى في الصلاة
قال رحمه الله تعالى: [وعن أنس ﵁: (أن النبي ﷺ استخلف ابن أم مكتوم يؤم الناس وهو أعمى) رواه أحمد وأبو داود] .
قدم المؤلف ﵀ ذكر محظور الإمامة من ناقص نقصاً معنوياً كأعرابي يؤم مهاجراً، والفرق بين الأعرابي والمهاجر ليس نقصاً في الخلقة، ولكنه أمر معنوي اعتباري.
والأعرابي إذا جاء وهاجر وجلس مدة في المدن أصبح حضرياً، وزال عنه وصف الأعرابي، وكذلك الفاسق.
فهذه أوصاف اعتبارية، وليست أوصافاً خلقِية.
فلما كان الأمر كذلك جاء المؤلف ﵀ بعد هذا ببيان النقص الخلْقي في شخصية الإنسان، كأعرج، وأعور، وأعمى، فهل هذه النواقص الخلْقية تمنع من الإمامة أم لا؟ فذكر أكبر عاهة وهي العمى، وإذا جئنا إلى كتب القضاء فإن جمهور الفقهاء -ما عدا الحنابلة- يقولون: لا تصح ولاية القضاء للأعمى والحنابلة قالوا: العمى ليس نقصاً في العدالة، والمطلوب من القاضي أن يكون حاكماً بالعدل والجمهور قالوا: إن البصر والرؤية من وسائل معرفة المحق من المبطل، قال تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ [الفتح:٢٩] ، ومن الذي سيرى سيماهم؟ فاشتراط البصر يكون من كمال الوصف.
ولقد عرضت علي قضية، حيث جاء رجل أعجمي ووقف في الباب -وكان طويلاً- يصيح صياح المرأة الثكلى: مظلوم مظلوم وكان هذا في زمن الملك فيصل يغفر الله له.
فالكاتب الذي بجانبي قال: هذا مسكين فانظر كيف الظلم! فأردت أن أقول له: لا تفتح فمك، وتأمل مع هذا الصياح، والغرفة مليئة بالمراجعين والكتاب والقاضي، فإذا نظر الرجل كأنه سهم مصوب علي، فقابلته بسهم وسهم، وانتظرت.
فالجندي يريد أن يدخله، ولكن الرجل ممتنع، فقلت للجندي: أحضر العصا فسمع كلمة (عصا) فمشى ووقف أمامي، وأعاد الكرة، فقلت للجندي: اصفعه على وجهه إذا لم يجلس إن هذا قد يكون جنى، لكن للقاضي أن يتكلم بما لا يريد أن يفعل.
ثم إنه جلس، فقلنا له: اقرأ الدعوى، قال: لا أفهم قلت: أنت فهمت (أحضر العصا!) ، وفهمت (أعطه كفاً) فيجب أن تفهم الباقي.
فذاك الصياح وذاك التوجع لو كنت خلف حجاب لقلت عنه: هذا ملأ الدنيا دموعاً وبكاء إلا أنه ما قطرة دمع واحدة نزلت من عينيه.
فألزمته بالإجابة فأجاب.
والمهم أنه ثبتت عليه الدعوى، وجاء أخوه وخلّصه مما لزم عليه.
أقول: إن البصر للقاضي قد يعينه على حل القضايا، والعون من الله ، ولكن هذه وسائل، كما أن السمع من وسائل إيصال كلام الطرفين، ووسيلة لفهمه وعقله، كذلك البصر يساعد.
فهنا يذكر المؤلف أن النبي ﷺ استخلف رجلاً أعمى، وهو ابن أم مكتوم المعروف، وكان قد استخلفه للصلاة وإمارة المدينة، وتارة كان يستخلف أبا هريرة، فجاء المؤلف ﵀ في نهاية البحث وقال: إن كانت بعض الصفات الخلُقية تمنع من الإمامة فإن بعض الصفات الخلْقية لا تمنع منها، وعلى هذا تصح إمامة الأعمى.
ومن ينازع في إمامة الأعمى يقول: الأعمى لا يعرف القبلة أين هي، وإنما سيتوجه إلى القبلة تقليداً لغيره، ولكن المبصر يعرفها! فيقال له: بماذا يعرفها المبصر، هل سيرى الكعبة؟ أنه لن يراها، ولكن بالجهات، وسيرى المحراب، فكذلك الأعمى يمكن أن يتحسس المحراب.
ولهذا قال بعض الناس: المحاريب في المساجد بدعة؛ لأنها لم تكن زمن رسول الله ﷺ .
فقالوا: نعمت البدعة، بل هي سنة حسنة؛ لأنه لو جاء أعمى في الليل ودخل مسجد قوم يريد أن يصلي فكيف يعرف القبلة، فجدران المسجد في أربع جهات ولا فارق بينها، فإذا تحسس بيده وجد المحراب وعرف أين القبلة.
فإمامة الأعمى صحيحة مع الشروط الأخرى: صلاحه و (أقرؤهم لكتاب الله) و (أعلمهم بالسنة) .
قال: [ونحوه لـ ابن حبان عن عائشة رضي الله تعالى عنها.
стр. 870
من يصلى وراءه وعليه عند موته
قال رحمه الله تعالى: وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (صلوا على من قال لا إله إلا الله، وصلوا خلف من قال لا إله إلا الله) رواه الدارقطني بإسناد ضعيف] .
هذا الحديث سواءٌ روي بإسناد ضعيف أم بإسناد صحيح له تعلق بمباحث العقيدة.
فمن قال: لا إله إلا الله اعتُبر مسلماً، لحديث (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني نفسه وماله إلا بحقه، وحسابه على الله) .
وهنا يبحث الفقهاء ويقولون: إذا كان يقول: لا إله إلا الله، وأمره سر وخفي لا نعلم عنه شيئاً فهو من أهل لا إله إلا الله، ولكن إذا كان يقولها، ويظهر منه ما يناقض قوله فهل (لا إله إلا الله) باقية أو نقضها بفعله؟ قالوا: إذا كان من يقول: لا إله إلا الله مظهراً لبدعة مكفِّرة فقد نقض قوله بفعله، فلا نصلي وراءه، ولا نصلي عليه، أما إذا كان ممن يقولها ولكنه متلبس ببدعة ليست مكفِّرة، أو كان ممن يرتكب الكبائر -والكبائر ليست مكفرة- فماذا نفعل معه؟ قالوا: أما الصلاة عليه فهو حق علينا، إلا إذا قتل في حد من حدود الله، فإن الإمام الراتب لا يصلي عليه؛ لأن في ذلك إقراراً لما فعل، أو تكريماً له، ولكن أداءً للواجب يصلي عليه أهله، كما جاء عنه ﷺ : (صلوا على صاحبكم) .
أما الصلاة خلفه فقالوا: أهو إمام راتب من قبل ولي أمر المسلمين وترك الصلاة خلفه شق للعصا، أم أنه شخص متبرع قال أنا أصلي لكم؟ فإن كان ولي المسلمين هو الذي ولاه الإمامة، أو كان هو بنفسه أمير البلد أو حاكمها فيصلَّى خلفه، مادام يقول: لا إله إلا الله أما إذا كان متبرعاً من عامة الناس ويرجع الأمر في اختيار الإمام للمأمومين فرفضهم له واجب.
وعلى هذا إنما يكون الإمام من خيار الناس، ومن قال: (لا إله إلا الله) ولم يظهر ما يخرجه من الإسلام فحينئذٍ حق (لا إله إلا الله) علينا أن نصلي عليه، فهذا مجمل هذه القضية، والتوسع فيها يرجع إلى كتب العقائد، والله تعالى أعلم.
стр. 871
صلاة المسبوق ومتابعته للإمام
قال رحمه الله تعالى: [وعن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا أتى أحدكم الصلاة والإمام على حال فليصنع كما يصنع الإمام) رواه الترمذي بإسناد ضعيف] .
قوله: (إذا أتى أحدكم الصلاة والإمام على حال) يعني: على صفة من صفات الصلاة وأحوالها.
فإذا جاء الشخص والإمام يقرأ فعليه أن يكبر ويدخل مع الإمام ويقف في الصف، وإذا جاء والإمام راكع فعليه أن يكبر تكبيرة الإحرام ويركع مع الإمام، أو جاء والإمام ساجد فإنه يكبر تكبيرة الإحرام قائماً ويسجد مع الإمام، أو جاء والإمام جالس بين السجدتين فعليه أن يكبر تكبيرة الإحرام قائماً ويجلس، أو جاء والإمام يتشهد فكذلك، فعلى أي حال من أحوال الإمام في الصلاة يدخل معه فيها، لا أن يأتي فيجد الإمام ساجداً فيقف وينتظر حتى يقف الإمام فيكبر ويدخل معه، أو يجده جالساً للتشهد فما يدري أهو التشهد الأوسط أو الأخير فينتظر، فلا ينبغي هذا.
وتقدم لنا ما يتعلق بـ معاذ رضي الله تعالى عنه -فيما يرويه ابن كثير وغيره- أن الصلاة أحيلت ثلاث حالات، فقد كانوا إذا أرادوا الصلاة آذن بعضهم بعضاً، فقالوا: نتخذ أداة فاقترُح الناقوس، أو البوق، أو إشعال النار، فكره رسول الله ﷺ كل ذلك، فجاء عبد الله بن زيد وقص رؤياه في الأذان، فقال: (إن صاحبكم قد رأى رؤيا، فاخرج مع بلال إلى المسجد، فألقها عليه، وليناد بلال؛ فإنه أندى منك صوتاً) ، فصاروا يؤذنون ويجتمعون بالأذان.
فهذه حالة، والحالة الثانية أنهم كانوا يصلون إلى بيت المقدس فتحولوا إلى بيت الله الحرام (الكعبة) .
والحالة الثالثة أن المسبوق كان إذا جاء سأل من في طرف الصف كم صليتم؟ ليعرف كم فاته من الصلاة، فيكبر تكبيرة الإحرام، ويأتي بما فاته، ويدخل مع الإمام في الحالة التي هو عليها، فقال معاذ: والله لإن أتيت النبي ﷺ وأنا متأخر لأوافقنه على ما هو عليه فجاء مسبوقاً، فدخل مع النبي ﷺ في الحالة التي هو عليها، فلما سلم النبي ﷺ قام وأتى بما كان قد فاته، فقال ﷺ : (قد سن لكم معاذ فاقتدوا به) ، فكانت هذه الحالة الثالثة.
وهنا يأتي النص عن علي رضي الله تعالى عنه مرفوعاً إلى النبي ﷺ أن الإنسان إذا أتى إلى الجماعة فإنه يدخل مع الإمام على الحالة التي هو عليها، والجمهور على أنه يكبر تكبيرة الإحرام ويدخل بها في الصلاة ثم يتابع الإمام.
ثم يأتي بعد ذلك في بعض الروايات: (إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا ولا تعدوها شيئاً) .
وعن ابن عمر قال: (إذا أدركت الإمام راكعاً فركعت قبل أن يرفع فقد أدركت، وإن رفع قبل أن تركع فقد فاتتك) .
فمن جاء مسبوقاً فليدخل مع الإمام على الحالة التي هو عليها، فإن أدرك الإمام في الركوع واطمأن معه أقل ما يجزئ اعتد بهذه الركعة، ولا يكون قد فاته إلا قراءة الفاتحة، وإن وجد الإمام قد رفع من الركوع وهو في حالة الاعتدال بعد الركوع فليدخل معه في الرفع من الركوع، وفي السجدتين، والجلسة بينهما، ثم يقوم إلى الركعة التي بعدها، أو يسلم، ولا يعتد بهذه الركعة في صلاته، وعليه أن يأتي بالصلاة كاملة، والله أعلم.
стр. 872
كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر والمريض [١]
إن الدين يسر، ومن يسره تخفيف الصلاة على المسافر بالجمع والقصر، وهذه المسألة قد تكلم فيها العلماء ودققوا في فروعها، وناقشوا أدلتها مناقشة دقيقة.
стр. 873
حكم القصر في الصلاة
باسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
стр. 874
حديث: (أول ما فرضت الصلاة ركعتين ... )
فيقول المصنف ﵀: [عن عائشة ﵂ قالت: (أول ما فرضت الصلاة ركعتين، فأقرت صلاة السفر وأتمت صلاة الحضر) متفق عليه، وللبخاري: (ثم هاجر، ففرضت أربعاً، وأقرت صلاة السفر على الأول) ] .
هذا الحديث من أقوى أدلة من يقول: إن القصر في السفر واجب.
فقولها في الحديث: (ثم) للتأخير والتسويف.
إذاً: حينما نسافر نرجع إلى الأصل، والأصل ركعتين، وهذا قول قوي.
لكن الآخرون يجيبون عن ذلك: بأن الله يقول: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا﴾ [النساء:١٠١] ، فالقصر يكون من تمام الكمال.
إذاً: قول عائشة رضي الله تعالى عنها ليس فيه رفع إلى النبي ﷺ ، فهي لم تقل: قال النبي ﷺ كذا وكذا، بل قالت: (أول ما فرضت الصلاة) ، فقالوا: هذا قول واجتهاد منها رضي الله تعالى عنها، ولم تسند ذلك لرسول الله ﷺ ، ولم يأت عن غيرها من الصحابة، ولو كان الأمر كذلك لاستفاض ونُقل عن غيرها معها، فقالوا: هذا يجعل الأخذ به فيه ضعف.
فهنا: أول ما فرضت الصلاة ركعتين، ثم حصل تغيير فأتمت صلاة الحضر أربعاً، وبقيت صلاة السفر على ما هي عليه.
ورد القائلون بأن القصر رخصة وليس بواجب فقالوا: أخبرونا عن هذا المسافر الذي تفرضون عليه ركعتين فقط: إذا ائتم بمقيم فهل: يتم أربعاً تبعاً لإمامه، أو يقتصر على ركعتين؟ وإجماع الفقهاء على أن المسافر إذا ائتم بمقيم في الرباعية فعليه أن يتم، فلو أدرك مع الإمام المقيم الركعتين الأخيرتين فلا يحق له أن يسلم معه، بل يقوم ويأتي بالركعتين اللتين فاتتاه، فلو أن صلاة السفر تجب ركعتين لكان أحد أمرين: إما أن يمتنع المسافر من الائتمام بالمقيم حتى لا يلزم بالأربع، وإما أن يسلم من ركعتين التي هي فرضه، فلما لم نجد شيئاً من ذلك، ووجدنا أن المسافر يأتم بالمقيم فيتم، تبين لنا أن صلاة السفر يمكن إتمامها.
стр. 875
حديث: (ثم هاجر ففرضت أربعاً ... )
قال المصنف: [وللبخاري: (ثم هاجر ففرضت أربعاً، وأقرت صلاة السفر على الأول) ، وزاد أحمد: (إلا المغرب فإنها وتر النهار، وإلا الصبح؛ فإنها تُطَّول فيها القراءة) ] .
لما ذكرت رضي الله تعالى عنها أن صلاة السفر فرضت ركعتين، وقصرت الرباعية، جاء المؤلف ﵀ بخبر أحمد ليبين أن القصر لا يشمل الصبح فيصبح ركعة واحدة، ولا يشمل المغرب؛ لأنه ليس هناك صلاة ركعة ونصف، ولا أن يسقط النصف وتكون ركعتين، وبيّن العلة؛ لأن المغرب وتر النهار، فلما كانت صلاة النهار كلها شفع، الصبح اثنتين، الظهر والعصر أربعاً أربعاً، وكان المغرب ثلاثاً فكان وتراً لصلاة النهار، وأما الصبح فتطول فيه القراءة: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾ [الإسراء:٧٨] .
стр. 876
حديث: (كان يقصر في السفر ويتم)
قال المصنف: [وعن عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ كان يقصر في السفر ويتم، ويصوم ويفطر) رواه الدارقطني، ورواته ثقات إلا أنه معلول، والمحفوظ عن عائشة من فعلها] .
الذين يقولون بأن القصر رخصة يستدلون أيضاً بهذا الحديث الذي رواه الدارقطني ورواته ثقات، ويقولون: إنه جاء عنه ﷺ أنه: صام وأفطر في السفر، وأتم وقصر في السفر.
إذاً: الإتمام والقصر جائز جوازاً مستوي الطرفين، ولكن أجيب عن ذلك: بأنه لم يثبت أن النبي ﷺ قد أتم صلاة في السفر قط.
إذاً: هذا معارض بفعله ﷺ ، أما أنه كان يصوم ويفطر فهذا ثابت، فقد صام في فتح مكة حتى بلغ كراع الغميم ثم أفطر بعد ذلك وأفطر الناس معه.
[ورواته ثقات، إلا أنه معلول، والمحفوظ عن عائشة من فعلها] .
يقول المصنف: إن رواية الدارقطني رواتها ثقات ولكنها معلولة، وذكر العلة في الشرح بأن فيه رجلاً سماه وهو مجهول، أو أنه يروي عن غير الثقات، أو أنه غير ثقة، وإذا كان الحديث معلولاً ومخالفاً لما هو المشهور، فلا حاجة إلى الاحتجاج به، وزاد تأكيداً على رده أن هذا الذي يقولون فيه عن عائشة كان ﷺ يتم ويقصر، فهي التي قالت: شرعت صلاة السفر ركعتين، فكيف تقول لنا: إن أصل صلاة السفر ركعتين ثم تقول: إن الرسول ﷺ يتم، وهذا مغاير لروايتها الأخرى! فاجتمع فيه: أولاً: مغايرة عائشة ﵁ لروايتها الأخرى: (أقل ما فرضت الصلاة ركعتين) .
ثانياً: لم يثبت عنه ﷺ أنه أتم في سفر أبداً.
ثالثاً: أنه معلول.
إذاً: لا يتحج به.
ولكن المؤلف كما قدمنا إنما يورد النصوص التي يحتج بها من يحتج ويترك الترجيح والنظر للناظر فيها.
قال المصنف: [والمحفوظ عن عائشة من فعلها] .
يعني أن: عائشة كانت تتم وتقصر، وليس ذلك إسناداً إلى فعل النبي ﷺ ، وفعلها لا يستوي مع فعل النبي ﷺ ، وقد جاء أن ابن عمر لما سئل عن فعلها قال: (لقد تأولت كما تأول عثمان) ، وجاء عنها أيضاً: أنها كانت تصوم وتفطر في السفر وتقول: (لا يشق عليّ) ، وسيأتي لها رواية، ويناقش العلماء في ألفاظها وفي سندها.
فهنا: فعل عائشة رضي الله تعالى عنها من تمام القصر في السفر، والصوم والفطر في السفر اجتهاد منها، وكما قال ابن عمر: (تأولت كما تأول عثمان) فـ عثمان رضي الله تعالى عنه كان يقصر الصلاة في السفر ست سنوات من خلافته، وقال البعض: بل طيلة خلافته، ولم يتم إلا بمنى في أخريات خلافته، -أي: كان يقصر بمنى وفي غير منى- فقيل له في ذلك؟ فقال أحد جوابين: لقد تزوجت بمنى، وسمعت النبي ﷺ يقول: (إذا تزوج المسافر في بلد فليتم صلاته) .
وبعضهم يقول: قال: لقد وجدت الأعراب فأردت أن أعلمهم أن الصلاة رباعية، لأنهم إذا جاءوا إلى الحج ووجدوا الخليفة يصلي ركعتين ركعتين رجعوا إلى ديارهم وربما اعتقدوا أن الصلاة كلها ركعتين ركعتين، فقال: أتممت لأعلم.
هذا هو تأويله: إما أنه تأول إتمام الصلاة ليعلم الأعراب، أو أنه أخذ بالنص: (من سافر فنزل في بلدة فتزوج بها فليتم الصلاة) ، فجاءت عنه الروايتان.
وأم المؤمنين رضي الله تعالى عنها تأولت بأن الرخصة للمشقة، فقالت: (وأنا لا يشق عليّ) والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فتأولت أنه إذا انتفت المشقة انتفت الرخصة، ولا حاجة للأخذ بها.
стр. 877
حديث: (إن الله يحب أن تؤتى رخصه)
قال المصنف: [وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته) رواه أحمد وصححه ابن خزيمة وابن حبان، وفي رواية: (كما يحب أن تؤتى عزائمه) .
] جاء المؤلف ﵀ أولاً بما يشعر بالوجوب فذكر حديث عائشة (أول ما فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فأقرت صلاة السفر وأتمت صلاة الحضر) أي: بقيت صلاة السفر على الأصل، وهذا من أدلة الوجوب، وجاء بعد ذلك بهذا الحديث: (إن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه) وهذا الحديث قاعدة عامة.
ما هي الرخصة؟ يقولون في فقه اللغة: إذا نظرت إلى المادة (الراء، والخاء، والصاد) بمعنى الرُّخص والرَّخص، رخص الأسعار يدل على على الرخاء والهدوء، وشيء رخص أي: لين رطب، واستدلوا بقول الشاعر: (ومخضب رخص البنان كأنه) (رخص البنان) يعني: لين الأصابع، وهذا وصف الفتيات والنسوة، فالرخص هو اللين، وكذلك الرخصة؛ لأن ألفاظ الشارع تنقل ألفاظ اللغة إلى ما يناسبها من التشريع، كما نقلت كلمة الصلاة من الدعاء إلى الصلاة ذات الركوع والسجود، وكما نقل الصوم وهو الامتناع عن الكلام إلى الصيام في الإسلام، وهكذا الحج وهو القصد، والعمرة: الزيارة.
فقالوا: الرخصة: هي جلب الإرفاق أو دفع المشقة، أو إباحة ما جاءت الرخصة به مع بقاء الحكم الأصلي.
أو هو حكم لاحق فيه إرفاق بالمسلمين، أو بالمكلف مع بقاء الحكم الأصلي الذي جاءت به الرخصة.
مثال ذلك: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة:٣] ثم أباح الله ﵎ للإنسان في حالة المخمصة أن يتناول الميتة، فقال: ﴿فَمَنْ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾ [المائدة:٣] أي: عند الاضطرار يباح أكل الميتة.
هل حينما أبيحت الميتة للمضطر رفع عنها حكم التحريم السابق أم هو باق؟ بل هو باق؛ بدليل أنه حينما ترفع عنه المخمصة أو يجد غير الميتة لا يحل له أكلها.
إذاً: الحكم الأصلي باق، ولكن الرخصة جاءت مؤقتاً لإيقاف العمل بالنص في التحريم، والنص قائم والحكم موجود.
إذاً: إن قلنا بأن القصر رخصة يبقى الحكم الأساسي هو الإتمام؛ لأن القصر جاء تخفيفاً، مع بقاء حكم الأصل وهو الإتمام.
وكذا الفطر في رمضان، ينتهي صيام الواجب، فيقول: يا عبادي! يوم العيد أنتم في ضيافتي ومكرمتي، فمن صام يوم العيد كأنه معرض عن ضيافة الله، ولو أن شخصاً آخر دعاك إلى مكرمة وقلت: أنا في غنى عنها لا أريدها، لم يكن هذا من الأدب.
فهذا الحديث وإن كان يشعر بأن القصر رخصة لكن الله يحب أن يؤتى بها، ومن هنا قال مالك ﵀: القصر رخصة والأفضل العمل بها تمشياً مع هذا النص المحكم: (يحب أن تؤتى رخصة) (صدقة تصدق بها عليكم) ، إذا كنت تعرف إنساناً فقيراً، وجئت بصدقة مالك إليه، وقال: أنا لا أريدها، وأنت تعرف أنه محتاج ويقبل من غيرك، فإذا كان يقبل من غيرك صدقة ماله ويرفض أن يأخذ صدقتك فإنك تستغرب وتفتش عن السبب، فإذا كان الأمر من المولى سبحانه وتصدق علينا، ورخص لنا، فالواجب علينا أن نقبل صدقة الله ورخصته، وهذا أحسن ما قيل في ذلك، ولهذا تجدون الشارح الإمام الصنعاني يقول في العدة تعليقاً على العمدة لـ ابن دقيق العيد: وقد كتبت رسالة في ذلك، وحققت أن الصحيح والراجح في المسألة أنها رخصة، والأفضل الأخذ بها، وهذا أحسن ما يقال في هذا الباب، والله تعالى أعلم.
قال المصنف وفي رواية:: [ (كما يكره أن تؤتى معصيته) .
] معناه: أن الله يحب أن تؤتى الرخص بقدر ما يكره أن تؤتى المعصية، وإذا نظرنا إلى المقابلة: بقدر ما يكره المولى إتيان المعصية بقدر ما يؤخذ بالرخصة، وكأن الذي يرفض الأخذ بالرخصة يقدم على فعل المعصية، والعكس بالعكس، والقياس العكسي يؤدي إلى هذا.
إذاً: أحسن ما قيل في هذه المسألة هو ما ذهب إليه مالك ﵀، ونبه عليه الشارح الإمام الصنعاني هنا بأنه كتب رسالة في ذلك، وبين أن الراجح هو أنها رخصة، والأفضل الأخذ بها.
قال المصنف: [وفي رواية: (كما يحب أن تؤتى عزائمه) ] .
هذه الرواية مقابلة لتلك (كما يكره أن تؤتى معصيته) لأن كره المعصية يقابلها: حب العزيمة، فيحب الأخذ بالرخصة كما يحب الأخذ بالعزيمة، وكلاهما مطلوب.
стр. 878
متى يقصر المسافر
قال المصنف: [وعن أنس ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو فراسخ صلى ركعتين) .
رواه مسلم.
كان النبي ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ صلى ركعتين: هناك من أخذ هذا النص وجعل ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ هي مدة السفر التي تقصر فيه الصلاة، وهذا خطأ، والصحيح في ذلك يؤخذ من قوله: (إذا خرج) فلم يقل: إذا سافر، ولاحظوا الدقة في التعبير، وكأن السفر غير الخروج.
فيقول: إذا خرج في سفر طويل، وقطع من السفر الطويل ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ -شك من الرواي- صلى ركعتين، يعني أنه يشرع في قصر الصلاة في السفر الطويل بعد أن يقطع ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ -على الشك- ولا يشرع في قصر الصلاة من بيته؛ هذا حاصل هذا الحديث.
قال المصنف: [وعنه ﵁ قال: (خرجنا مع رسول لله ﷺ من المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين ركعتين، حتى رجعنا إلى المدينة) .
متفق عليه، واللفظ للبخاري.
] .
قبل الشروع في شرح الحديث أحب أن أنبه بأن أهم المراجع التي يمكن أن يرجع إليها طالب العلم في هذه المسألة: أضواء البيان لوالدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه، فقد ذكر كل ما تقدم من خلاف، وله رأي في الترجيح، وأنا لا أقول شيئاً في ذلك، ولكن أحب أن أقول أيضاً بأنه عرض إلى ما عرض إليه الفخر الرازي في التفسير في نوعية القصر، ما هو القصر هل القصر في الكيفية أم في الكمية؟ ومعنى القصر في الكيفية: هو إتيان الصلاة على ما هي عليه أربعاً، ولكن مع التخفيف في الأركان.
يعني: تقرأ الفاتحة فقط، وتسبح مرتين أو ثلاثاً فقط، وهناك من يقول بذلك، وقالوا: صلاة السفر تقصر ركعتين، وصلاة الخوف تكون ركعة واحدة، وبعضهم يقول: قصر الصلاة مع الخوف ركعة، ومع الأمن ركعتين، ولكن لم يأخذ بهذا التفصيل أحد من الأئمة الأربعة، فإذا مر عليها الطالب فلا يقف عندها طويلاً، اللهم إلا إذا كان استيعاباً للخلاف الموجود في المسألة، أما إذا أراد فقه المسألة وتحقيقها فليتجاوز هذه المرحلة في أول بحث الشيخ ﵀، ثم يأتي إلى الفروع التي أوردها في المسألة، وأقوال الأئمة ﵏ في تلك المسألة التي يتعلق بها الحكم.
والله تعالى أعلم.
стр. 879
المسافة التي يجوز فيها القصر
حديث أنس ﵁ يشير إلى مدة نهاية القصر، ومسافة القصر التي قدرت -وسيأتي التنصيص عليها بأربعة برد، والعبرة فيها بالمسافة البينية، أي: ما بين مسيره ومنتهاه، فإذا كانت الأربعة برد للذهاب والإياب بأن كان سفره مثلاً إلى بريدين وسيرجع بريدين، والمجموع أربعة برد فلا قصر؛ لأن العبرة فيما بين بلده وبين غايته من السفر، فإذا كانت المسافة بين بلده وبين الغاية من سفره أربعة برد قصر، وإذا كان الذهاب والإياب أربعة برد فلا قصر.
стр. 880
إذا أقام المسافر أربعة أيام أو أقل فله القصر
وهنا يقول أنس رضي الله تعالى عنه: (سافرنا مع النبي ﷺ إلى مكة، فلا زال ﷺ يقصر الصلاة أو يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة) .
إذاً: المسافر الذي استوفى شروط السفر يقصر، ومما يذكر في جواز القصر في السفر أن يكون السفر مباحاً أو سفر طاعة، وهناك من يقول: بل مطلق سفر ولو حتى في غير طاعة ولا مباح، وإن كان سفر معصية فمعصيته على نفسه، وله رخصة السفر في هذا، والجمهور يقولون: إن الله سبحانه يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ﴾ [المائدة:٢] فإذا كان سفره سفر معصية فلا يأخذ بالرخصة، ولا يفتي بذلك لأنه يساعده على معصيته.
إذا استوفى المسافر الشروط وكانت المسافة مكتملة، والسفر مباحاً فلا يزال يقصر حتى يرجع إلى بلده.
ولكن قد تطرأ في أثناء السفر إقامة، فما حكم تلك الإقامة التي تخللت سفره حتى يرجع؟ من هنا: جاء المؤلف ﵀ بعد هذا بحديث ابن عباس ﵁.
والسفر الذي ذكره أنس ﵁ إلى مكة مع إقامته ﷺ هناك فيه عدة أحكام في عدة مواقف، وكان سفره ﷺ إلى مكة عام الفتح وعام الحج، وكل منهما يختلف حاله؛ لأن عام الفتح له ظروف، وعام الحج له ظروف، وسنتناول حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بروايته، مع الإلمام الخفيف عن الفرق بين سفرة الحج وسفرة الفتح.
ففي سفرة الفتح خرج ﷺ في رمضان، وبدأ سفره صائماً حتى بلغ كُرَاعَ الغميم، وهناك أفطر وندب الناس إلى الفطر وموضوع الصوم لا يخصنا -وكان يقصر الصلاة من ذي الحليفة إلى أن رجع إلى المدينة، ولما وصل مكة وفتح الله له مكة انتظر هناك تسعة عشر، أو عشرين، أو ثمانية عشر يوماً -أكثر أو أقل- وهو يقصر الصلاة ويقول لأهل مكة: (أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر) .
فقوله: (مكث ثمانية عشر، تسعة عشر، عشرين -أكثر أو أقل- وهو يقصر، ما الذي أجلسه ﷺ تلك المدة وقد أنعم الله عليه بالفتح؟ نعلم جميعاً أن بعد الفتح كانت غزوة حنين، فلما بلغه ﷺ أن هوازن تجمع له، علم أن فتح مكة لم ينته، وبقي في مهمة الفتح أو الغزو تلك اللحظات، فخرج ﷺ من مكة إلى هوازن.
إذاً: كانت مدة إقامته ﷺ عام الفتح مدة جهاد، ولا نقول: إنه مقيم، ولا تمت له إقامة، ولا نوى إقامة واستيطاناً.
إذاً: ما دام الأمر كذلك فهو على سفر، وكان ﷺ يقصر الصلاة حتى رجع من هوازن ورجع إلى المدينة.
أما سفرة الحج فيتخللها إقامة محددة، كما جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: (قدموا صبح رابعة) أي: وصل النبي ﷺ صبيحة يوم الرابع من ذي الحجة، وإذا كان وصل يوم أربعة في ذي الحجة، فالوقوف بعرفة يكون يوم تسعة، فيضطر أن ينتظر في مكة إلى يوم عرفات خمسة أيام، وفي هذه المدة قطعاً أن النبي ﷺ ومن معه نووا الإقامة حتى يأتي يوم الثامن فيرحلون إلى منى ثم عرفات، فهذه المدة التي حصلت فيها الإقامة، كان ﷺ يقصر الصلاة فيها ولا يتمها؟ كم مكث النبي ﷺ في مكة قبل عرفة؟! الجواب: ارتحل ﷺ إلى منى ضحى، وصلى الظهر يوم الثامن في منى، ومكث إلى صلاة الصبح في منى، فلما أشرقت الشمس ذهب إلى عرفات، فكانت إقامته ﷺ خمسة أيام بحساب يوم الدخول ويوم الطلوع إلى منى، والإمام أحمد ﵀ قال: من أقام أثناء سفره لمدة عشرين صلاة، أي: عشرين فرضاً على اعتبار أن كل يوم فيه خمسة فروض؛ فإن حكم السفر يظل مصحوباً معه فيقصر، أما إذا نوى الإقامة أكثر من ذلك كأن ينوي الإقامة عشرة أيام محددة معلومة، أو ستة أيام محددة معلومة؛ فحينئذٍ يتم من أول يوم يصل، لماذا؟ قال الإمام أحمد: الأربعة الأيام قصيرة، وتعب السفر لازال موجوداً، وهو يتهيأ لسفر لاحق، ولا يزال مصطحباً حكم السفر معه في هذه المدة المحدودة.
وكذلك فإن أصل القصر رخصة، والرخصة لا اجتهاد فيها، إنما الرخص جميعها توقيفية، ولا تتعدى محلها، فقالوا: ما دمنا وجدنا النبي ﷺ في أثناء سفره أقام بنية معينة، فكذلك نحن إذا أقمنا أثناء السفر مدة معينة نظرنا: إن كانت المدة مثل المدة التي نزلها وأقامها ﷺ فنقصر كما قصر، وإن كانت أقل فمن باب أولى، أي: لو أردنا الإقامة يومين أو ثلاثة فإنا نقصر من باب أولى.
يقولون: السنة جاءت بأربعة، ولا نزيد على ذلك، ولهذا يتفقون بأن من نوى الإقامة أربعة أيام فإنه له أن يقصر، وهناك أقوال أخرى كما عند الأحناف أنها خمسة عشر يوماً، ويقولون: هذه مدة الطهر بين القرئين، وهذه المدة جاءت بها الأخبار والآثار، على ما سيأتي في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه.
إذاً: المسافر إذا نزل نزولاً مؤقتاً، سواء في نهاية غايته أو في أثناء طريقه، وكان نزوله وإقامته محددة بأربعة أيام فأقل فله أن يديم القصر حتى يرحل، وإن كانت إقامته محددة معلومة أكثر من أربعة أيام فعليه أن يتم أول ما يصل.
следующие страницы →