← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7714

شرح بلوغ المرام لعطية سالم

عطية سالم

Полный текст (2 523 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

كتاب الصلاة - باب صلاة الجماعة والإمامة [٢] إن دين الإسلام مبني على التيسير، لذلك جعل أعذاراً مبيحة لترك صلاة الجماعة، وهذا يعني أن العذر لا يكون مبيحاً لترك شيء إلا لكونه مؤكداً في حق المكلف، ولذلك اختلف العلماء في الجماعة هل هي شرط في صحة الصلاة، أم أنها واجبة، أم أنها سنة مؤكدة.

стр. 807

تابع أحكام صلاة الجماعة

стр. 808

استئذان الأعمى ودلالته الفقهية بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى. أما بعد: فيقول المصنف ﵀: [وعنه قال: (أتى النبي ﷺ رجل أعمى فقال: يا رسول الله! إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فرخّص له، فلما ولّى دعاه، فقال: هل تسمع النداء بالصلاة؟ قال: نعم. قال: فأجب) رواه مسلم] . هذا الحديث من أقوى أدلة من يقول: إن الجماعة إنها واجبة على الأعيان، ثم ننظر هل هي شرط صحة، أم هي واجب مستقل؟ قالوا: أتى النبي ﷺ رجل أعمى، وهذا الوصف قد اعتبره الله رافعاً للحرج، فقال الله: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ﴾ [النور:٦١] ، وإن كان أصله في الجهاده لكنه من موجبات رفع الحرج، فهذا الوصف الموجود في هذا الرجل من الأوصاف المعتبرة في رفع الحرج، فجاء الرجل بعذره معه قائلاً: ليس لي قائد، فائذن لي أن أصلي في بيتي، فرخَّص له. وما قال: فأَذِنَ وسمح، ولكن قال: (رخَّص) ، والرخصة تكون من واجب، والأعمى طلب الرخصة فرخَّص له، فلما رخّص له أخذ الرخصة وولى، فناداه النبي ﷺ وقال: (هل تسمع النداء بالصلاة؟ وفي رواية: أتسمع الإقامة؟ -وكلاهما نداء-؟ قال: نعم، قال: فأجب) . فالذين يقولون: هي واجبة على الأعيان قالوا: هذا أعمى رُخِّص له ثم سلبت الرخصة، وقال به: (أجب) . فقالوا: هو أعمى يشق عليه. فقيل لهم: هل هذا كان يصلي في بيته، أم أنه من سابق كان يأتي إلى الصلاة ويعود، لكنه اعتراه شيءٌ جديد، وطلب الرخصة للمستقبل، وفي ما مضى كان يأتي؟ فما دام أنه كان يأتي ويعود سابقاً فما الذي يمنعه الآن؟! وما الذي استجد في الأمر؟! فيجب أن يحافظ على ما كان عليه. وفي بعض الروايات أنه قال: (لا أجد لك رخصة) . فالذين قالوا: هي واجب وجوباً عينياً قالوا: هذا رجل أعمى رخَّص له، والرخصة إنما تكون من واجب، ثم دعاه فقال: (أجب) . فقالوا: يجيب النداء لأنه نداء مسجد رسول الله ﷺ ، وليصلي مع رسول الله ﷺ . وقالوا: لو قلنا بالوجوب، لتعين أن يكون الوجوب لخصوصية الصلاة مع رسول الله، وليس في الحديث أن يجيب كل دعاء، ولا كل نداء يسمعه. فهو احتمال يُسقط الاستدلال. إذاً ففي حديث الأعمى رخص له أولاً، ثم أمره أن يجيب ثانية، وهذا كأنه يعيد إلى القاعدة شيئاً من ثباتها، مع أنها لا زالت مزعزعة، ولكن هذا قد يساندها.

стр. 809

ما يسقط الجماعة قال المصنف ﵀: [وعن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: (من سمع النداء فلم يأتِ فلا صلاة له إلا من عذر) رواه ابن ماجة والدارقطني وابن حبان والحاكم، وإسناده على شرط مسلم، لكن رجح بعضهم وقفه] . هذا كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنه، وجميع علماء الحديث أو الفقهاء يبحثون في سنده، وقد جاء موقوفاً وجاء مرفوعاً، وإذا كنا بصدد الاستدلال لموضوع بمثل هذه الأهمية فلا ينبغي أن يكون لضعيف السند مدخل في ذلك. قال: (من سمع النداء فلم يأتِ فلا صلاة له إلا من عذر) ، فأي الأعذار أريد هنا؟ سيأتي تفسير الأعذار بخوف أو مرض، وهل الخوف والمرض يسقط الصلاة؟ فليست -إذاً- بفرض عين، ولو كانت فرض عين فليست بشرط في الصحة، والمريض لا تجب عليه صلاة الجمعة. إذاً فالمرض والخوف يسقط الجماعة، وتصح الصلاة معهما فرادى، فصحّت الصلاة بدون شرطها. والعذر لا يسقط الواجب العيني المشروط؛ لأن الخوف والمرض لم يسقط عين الصلاة، وها هي صلاة الخوف أمام العدو يصفهم ﷺ صفين: صف يحرس، وصف يصلي معه، فما أسقط الصلاة في حالة الخوف، لكنه أيضاً ما أسقط الجماعة فصلى بهم جماعة. وعند المسايفة ما سقطت الصلاة، وفي المرض إذا لم يستطع القيام فليصل وهو جالس على جنبه، فلا تسقط الصلاة للمرض، بل بقدر ما يستطيع. ولكن سقطت الجماعة للمرض. فاشتراط الجماعة لصحة الصلاة لا يؤخذ من هذا الحديث. ويكفي أنهم تكلموا في سنده، ولا يمكن أن ينهض ويقاوم ما تقدم.

стр. 810

إدراك الجماعة بعد الصلاة في الرحل ونحوه قال المصنف ﵀: [وعن يزيد بن الأسود (أنه صلى مع رسول الله ﷺ صلاة الصبح، فلما صلى رسول الله ﷺ إذا هو برجلين لم يصليا، فدعا بهما فجيء بهما ترعد فرائصهما، فقال لهما: ما منعكما أن تصليا معنا؟ قالا: قد صلينا في رحالنا. قال: فلا تفعلا إذا صليتما في رحالكما ثم أدركتما الإمام ولم يصل فصليا معه؛ فإنها لكما نافلة) رواه أحمد واللفظ له، والثلاثة، وصححه ابن حبان والترمذي] . هذه قضية جديدة تدور حول قاعدة الوجوب العيني. فالنبي ﷺ ما سألهما: صليتما جماعة أم فرادى؟ والمعهود في الصلاة في الرحال أن تكون فرادى، وسيأتي أن النبي ﷺ أمر المؤذن في الليلة المطيرة أن يقول: (ألا صلوا في رحالكم) ، فالمطر أسقط المجيء إلى المسجد، وصحّح الصلاة بدون جماعة، فلو كانت واجبة على الأعيان شرطاً في الصحة أيسقطها المطر؟ لا. وهل أوجب عليهم وقال: ألا إن الصلاة في الرحال وصلوا جماعة في بيوتكم؟ لا، فالذين قالوا بسنيتها يقولون: الرجلان قالا: (صلينا) ، ولم يذكرا جماعة، ولم يستفسر منهما ﷺ ، فالأسبق إلى الذهن أن الصلاة في الرحال فرادى. فإن قيل: فلماذا يصليان مع الإمام مرة أخرى؟ قالوا: إبعاداً لتهمة الانفراد والانعزال عن جماعة المسلمين، فإذا كان الإمام في الصلاة فادخل معه؛ لقوله: (ثم أدركتما الإمام ولم يصل فصليا معه، فإنها لكما نافلة) ، والضمير هنا هل يرجع إلى قوله: (صليا معه) أم لـ (صلينا في رحالنا) ؟ الضمير يرجع إلى أقرب مذكور، فتكون صلاتهم مع النبي ﷺ نافلة، والفريضة في رجالهما، وكانت فرادى. بهذا استدل الجمهور على أن الجماعة سنة، وليست واجبة وجوباً كفائياً ولا عينياً؛ لأن الرسول ﷺ أقر الرحلين على صلاتهما في الرحال بدون جماعة، وما قال لهم: اعتبرا الأولى نافلة وهذه فريضة؛ لأن ما سبق -على ما يقال- سد الفراغ. فهذا الحديث يسوقه المؤلف للدلالة على صحة صلاة المنفرد في رحله، ولو أنه أدرك جماعة وصلى معها فهي نافلة. ومن فاتته صلاة وأراد أن يقضي ما فاته فهل يتعين عليه أن يؤدي القضاء جماعة؟ باتفاق الجميع لا يشترط له جماعة، اللهم إلا إذا كان الحال كما نص عليه ابن قدامة في المغني والنووي: وأنه إن كانت الصلاة التي يراد قضاؤها قد فاتت الإمام والمأموم، وهم حضور فإنهم يصلونها جماعة؛ لأنهم موجودون. مستدلين بما وقع للنبي ﷺ حين ناموا عن الصبح، ولما طلعت الشمس وتحولوا عن الوادي أذن المؤذن، وصلوا السنة، ثم صلوا الصبح جماعة لأنهم مجتمعون، وفاتت الإمام والمأموم، فهم فيها سواء. لكن من نام في بيته أو نسي، أو شُغل بأي حالة من الحالات، أو كان تاركاً للصلاة -كما يقولون-، وأراد أن يقضي ما عليه فهل يتوقف قضاء الفوائت على الجماعة؟ باتفاق الجميع ليس واجباً عليه أن يوقع القضاء في جماعة. إذاً فقاعدة الوجوب هل هي باقية على ثبوتها أم اختلت؟ لقد اختلت.

стр. 811

أدلة واردة في عدم وجوب صلاة الجماعة وهناك نصوص يُفهم منها عدم وجوب الجماعة، منها: (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي -وفيه:- وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل فعنده مسجده وطهوره) ، فما اشترط الجماعة. فإذا إنسان مسافر في الصحراء وحده، وطلع عليه الفجر وحده، وستطلع الشمس قبل أن يصل إلى الناس، أيترك الصلاة حتى يجد جماعة، أم يصلي وحده؟ إن عليه أن يصلي وحده. وهناك بعض الروايات، كقوله ﷺ لأحد الصحابة: (إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك وباديتك فأذنت بالصلاة) . وجاءت بعض النصوص غاب عني صحتها منها، و: (أيما رجل في فلاة من الأرض، أذن وأقام وصلى، صف خلفه من الملائكة ما بين المشرق والمغرب) . فهذا فضل من الله عليه؛ لأنه ما وجد أحداً يصلي معه. لكن هل يمكن أن نستدل به على أن الجماعة شرط في صحة الصلاة؟ لا؛ لأن هذا محض تفضل من الله. فعندنا حديث: (فأيما رجل -ولم يقل: رجال ولا جماعة- أدركته الصلاة فليصل فعنده مسجده وطهوره) . والمسافر وحده الذي لم يجد جماعة لا تتوقف صحة صلاته حتى يجد من يصلي معه جماعة. فلعلنا بهذه الإعادة وبهذا الإيراد نكون قد استوعبنا الأقوال الموجودة فيما يتعلق بالجماعة والفرد، ثم نسبة هذه الأقوال لأصحابها، ثم وجهة نظر استدلالهم بهذه النصوص التي أوردها المؤلف، وبالله تعالى التوفيق.

стр. 812

الحرص على تحصيل الأجور العظيمة المترتبة على صلاة الجماعة أقول: مَن مِن المسلمين يرضى لنفسه أن يسمع المنادي يقول: (أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله حي على الصلاة حي على الفلاح) ولا يجيب بدون عذر؟ فهل تطمئن نفسه بأن يبقى خالداً إلى الأرض وهذا المنادي ينادي في السماء؟ أعتقد أن المسلم لا يرضى بهذا. ثم أي تجارة أربح فلو أن عندك ألف ريال تكسب منه عشرين ريالاً، فأنت رابح، فإذا كان الألف يكسبك ألفاً آخر -أي: الضعف- فأكبر تاجر لا يحصِّل هذا إلا في النادر، فإذا كان هذا الألف تكسب بعده خمسة وعشرين ألفاً فهذا لا يكون في أكبر تجارة في العالم. فالله يتفضل على عبده بأن يضاعف له الأجر خمسة وعشرين ضعفاً بخطوات إلى المسجد مع ما فيها من الفضل والخير والنفع العام والخاص، وربما تلقى إنساناً ما لقيته منذ سنة، وربما تسمع آية من كتاب الله. فأحياناً الإنسان يسمع من الإمام الآية الواحدة كأنه ما سمعها ولا علم بها قط. وأذكر أنه قبل خمس عشرة سنة كان هناك عامل في المسجد النبوي، فقرأ الإمام في صلاة المغرب سورة الضحى، فقال: يا شيخ! قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى:٩-١٠] خاص بالنبي ﷺ أم للناس كلهم؟ ولو أتينا نسأل نصف الناس عن ما قرأ الإمام في المغرب فربما لا يجيبون. وهذا أبو هريرة قد آذاه الناس بقولهم: أكثر أبو هريرة، فأراد أن يبين لهم أنه قد خص بالحفظ، وأنهم ليسوا مثله، فبعد صلاة الصبح وقف على الباب، وكلما مر رجل قال له: ماذا قرأ الإمام في الركعة الأولى؟ فيقول: لا أدري. فقال: تقولون أكثر أبو هريرة، وأنتم حدثاء عهد بقراءة جهرية على رءوس الأشهاد في صلاة الصبح، وأكثركم ما يدري ماذا قرأ! تعيبون علي أني حفظت عن رسول الله ﷺ ! فالإنسان قد يسمع آية من كتاب الله فيشرح الله صدره، فيتبين منها أمراً، ويسلم على أخيه المسلم، ويشترك في دعاء الإمام والمأمومين، ففيها خير كثير، ولا ينبغي لإنسان أن يعول على كل هذه التفصيلات ويقول: الجماعة سنة. وقد أخبرنا ابن مسعود أن النبي ﷺ سن سنن الهدى، وهن من سنن الهدى، فمن أجاب المؤذن أخذ بسنن الهدى، ومن لم يجبه ترك سنن الهدى، ومن ترك سنن الهدى فقد ضل. وأرجو الله أن يوفقنا وإياكم جميعاً لما يحبه ويرضاه.

стр. 813

كتاب الصلاة - باب صلاة الجماعة والإمامة [٣] الاقتداء بالإمام في الصلاة واجب، ويكون ذلك في الأفعال الظاهرة المنصوص عليها، وفي حالة عدم سماع الإمام وعدم رؤيته فإن السنة أن يقتدي كل صف بالذي قبله، وفي الأحوال التي يكثر فيها المصلون يجوز للإمام أن يتخذ مبلغاً، ويجب على المصلين أن يسووا صفوفهم، وأن تقترب الصفوف من الإمام ومن بعضها، ويجوز أداء النافلة في المسجد جماعة، مع أن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة.

стр. 814

تابع أحكام صلاة الجماعة

стр. 815

وجوب الاقتداء بالإمام في الصلاة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى. أما بعد: فيقول المصنف ﵀: [وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، ولا تكبروا حتى يكبر، وإذا ركع فاركعوا، ولا تركعوا حتى يركع، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، ولا تسجدوا حتى يسجد، وإذا صلى قائماً فصلوا قياماً، وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً أجمعين) رواه أبو داود وهذا لفظه، وأصله في الصحيحين] . وقد وجدنا من المؤلف في هذا الموضع المغايرة في أسلوبه، فساق حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه -وهو جزء من حديث طويل- أن النبي ﷺ قال: (إنما جعل الإمام ليؤتم به) ، وذكر التفصيل في حالات الائتمام، إلى أن جاء إلى اقتداء الصحيح قائماً بالمريض قاعداً فقال في حديثه: (وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً أجمعين) ] . ثم ذكر حديثين بعيدين عن هذا الموضوع، وجاء إلى حديث عائشة، وهو جزءٌ من تفصيل هذه المسألة التي هي من كبريات المسائل، ألا وهي اقتداء المأموم الصحيح القادر على القيام بالإمام المريض الذي يصلي قاعداً، وكان من الأنسب أن يضم حديث عائشة رضي الله تعالى عنها إلى حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. ولكن حيث رتب هذا الترتيب نمر على تلك الأحاديث على ما وضعها عليه، ونستعين الله تعالى في بيان ما هو الحق أو الراجح في هذه المسألة؛ لأنها أهم المسائل في هذين الحديثين. الحديث الأول يقول فيه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: إن النبي ﷺ قال: (إنما جعل الإمام ليؤتم به) ، وهذا الحديث جزءٌ من حديث طويل روته أيضاً عائشة وأنس وغيرهم، وهو: (أن رسول الله ﷺ سقط عن فرسه فجحشت ساقه أو كتفه -وفي بعض الروايات: فصلى خلفه قوم، وبعضها: في بيته فصلى جالساً، فصلوا بصلاته قياماً، فأشار إليهم أن اجلسوا، فجلسوا) . ثم بين هذه التفصيلات التكبير أولاً، تكبيرة الإحرام ثم الركوع فالرفع فالسجود فالرفع فالسلام إلى آخره. فبداية الحديث من حيث السبب: أنه ﷺ سقط عن فرس فجُحِش، ونحن نقول: خُدش، والجحش هو: إذا احتك جسم الإنسان في أي موضع منه مع الحركة بجسم صلب، فإن الجلدة تتقشر ويبدأ بزاز الدم، وهو لم يُجرح، ولكن كشطت الجلدة العليا ويكون الدم الخارج منها خفيفاً، فجحش فخذه؛ لأن الذي يسقط عن متحرك وسريع ينسحب معه، ولا ينزل إلى الأرض ثابتاً كالحجر. وهنا يتكلم ابن عبد البر ﵀ في التمهيد في الجزء السادس، وهو أحسن من تكلم على هذه الجزئية في هذا الحديث، يقول: في بداية هذا الحديث بيان جواز ركوب الخيل، ويقول رداً على كلام عمر ونهيه عن ركوب الخيل لأن فيها خيلاء، ولكن نقول مع ابن عبد البر: لا نزاع ولا خلاف بين نهي عمر، وبين ركوبه ﷺ ؛ لأن نهي عمر إنما يكون في حالات عادية كالنزهة، والتمشية، في المتعة، قد يكون ذلك إذا ركب الخيل وهي مطهمة أو غير ذلك. كما جاء في بعض الأحاديث: (الخيل ثلاثة هي لرجل وزر، وهي لرجل ستر، وهي لرجل أجر، فأما الذي هي له وزر: فرجل ربطها رياء، وفخراً، ونواءً على أهل الإسلام، فهي له وزر، وأما الذي هي له ستر: فرجل ربطها في سبيل الله، ثم لم ينس حق الله في ظهورها، ولا رقابها، فهي له ستر، وأما الذي هي له أجر: فرجل ربطها في سبيل الله لأهل الإسلام في مرج وروضة، فما أكلت من ذلك المرج أو الروضة من شيء إلا كتب له عدد ما أكلت حسنات وكتب له عدد أرواثها وأبوالها حسنات) . فيكون كلام عمر محمولاً على من يتبختر بالخيل، أو يتكبر بها، أو يتباهى، والرسول ﷺ لا أعرف أنه ركب خيلاً في سفر عادي، إنما ركبها في القتال والجهاد فقط، وأما الأسفار فعنده البغلة الشهباء، وعنده الناقة القصواء. وعمر بنفسه لما سافر في فتح بيت المقدس، وطلبوا منه أن يقدم عليهم رحل على بعير، ومعه رفيق في الطريق، كانا يتعاقبان البعير في الطريق إلى الشام، كل واحد منهما يركب مرحلة والثاني يقود البعير، فلما لقيه أمراء الأجناد قبل أن يصل إلى بيت المقدس قالوا: يا أمير المؤمنين إنك تقدم على أناس، وأنت على هذه الحالة قميص مرقع، وعلى بعير مرحل، هذا برذون تركبه، والبرذون ما بين الفرس والبغل، وله تبختر في المشي، وهذا قميص جديد تلبسه، فلما جيء بالقميص وكان من الكتان قال: ردوا علي قميصي واغسلوه فغسلوا القميص المرقع، وجيء به ولبسه، فلما قدموا إليه البرذون فإذا به يتبختر، فقال: ما كنت أظن أن أحداً يركب شيطاناً، ردوا إلي بعيري، وكان رحاله من الليف. فدخل إلى بيت المقدس والدور لصاحبه، فكان يقود البعير وصاحبه راكب، فلما قدم على دهاقنتهم، وقساوستهم وأهل دينهم الذين عرفوا نعته عندهم قالوا: هذا الوصف الذي نجده عندنا في كتبنا، وسلموا إليه مفاتيح بيت المقدس. وجاء عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه في سفره إلى الشام أيام الجاهلية قبل أن يسلم قال: فكنت أسير في السوق فإذا دهقان من دهاقينهم وجدني متخلفاً عن قومي، فأخذ بردائي ولببني في عنقي وأدخلني داره، وأتاني بمسحاة وقال: انقل هذا التراب إلى ذاك المكان. فنظرت إلى نفسي وقلت: ويلك يا عمر! أهكذا يتحكم فيك هذا الرومي؟ قال: فأخذت المسحاة وضربته على رأسه، فقتلته، ودفنته في ذاك التراب وهربت. قال: خرجت هارباً ولا أعرف الطريق؛ لأني تركت رفاقي قال: فمررت على دير فنزلت فيه وذلك في ظلام الليل، فلما أصبحت أطل عليَّ صاحب هذا الدير فقال: والله إنه هو إنه هو فما كنت أدري ماذا يقول؟ فنزل إليَّ وأخذ بيدي وأدخلني الدير، وأمنني وكساني وأطعمني، ثم قال: والله إنك هو قلت: من هو ويلك؟ قال: أنت الذي يملك هذا الدير، ويملك بيت المقدس. قلت: لقد جننت أين أنا من هذا؟ قال: لا عليك فاكتب لي كتاباً بتأمين ديري هذا إذا آل الأمر إليك يقول عمر: عجبت فقلت: وماذا عليَّ لو كتبت له فكتبت له، ثم قلت: أريد من يدلني على الطريق، فقال: هذه حمار تركبها وعليها زادك توصلك إلى مكان، فإذا وصلت هناك، فانزل عنها واثن رأسها ووجهها إليَّ، فإنها تعرف الطريق وتعود. يقول علماء التاريخ: لما آل الأمر إلى عمر جاءه ذاك الدهقان بكتابه، فقال: هذا كتاب بيني وبينك يا عمر قال: نعم، اليوم يوم وفاء، ولكن بشرط أن للمسلمين عليك إذا مروا بديرك أن تدلهم على الطريق، وأن تؤويهم للمبيت، وأن تزودهم بطعام يومهم وليلهم. قال: لك عليَّ ذلك. فعن هذا الحديث يقول ابن عبد البر: فيه جواز ركوب الخيل. ثم يقول: لقد كان النبي ﷺ من أفره الناس ركوباً للخيل، وأشدهم حركة عليها، وهذه هي الفروسية، لا أن يركب على الفرس ويمكن نفسه في الركاب، ويمد اللجام في يده، ويمرح به الفرس، لا، بل الفروسية أن يتحرك على الفرس بطناً وظهراً كما يشاء؛ لأن الفارس قد يتقي الطعنة بانحرافه إلى تحت بطن الفرس، وقد حدثنا من شاهد ذلك في الصحراء بأن الفارس يربط قدميه على ظهر الفرس ويتدلى تحت بطنها ويرمي الرصاص من بين فخذي الفرس. فيقول: ما سقط رسول الله ﷺ عن الفرس إلا لشدة حركته عليه لا لمجرد ركوبه، وكان أشجع الناس، وكان أقدرهم على الحركة على الخيل، وأكرم الناس، وذكر صفاته ﷺ . واستدل لذلك بما جاء عنه ﷺ في بعض الليالي أنه سُمعت صيحة، فاستعار ﷺ فرساً لـ طلحة عرياً -أي: لا سرج عليه- وانطلق وسبق الناس جميعاً فطرد المهاجمين، ورجع ولقي الناس مقدمين وهو راجع، فقال: (يا أيها الناس! لن تراعوا) ، فسئل عن الفرس فقال: (إنه لبحر) ، أي: لا نهاية لجريه فهو سريع الجري. وما كان يعرف البحر ولا النهر ولا الخليج في الخيل إلا أنه خيال متقن إذا ركب الفرس وأسرع به وتحرك عليه كحركة الفروسية، وإني استحيي أن أقول: إن ما يُعنى به الناس اليوم من سباق الخيل ليس على الغرض الذي أراده الإسلام؛ لأن سباق الخيل إنما هو سباق للفرسان وللفروسية، لا لأطفال يجرون عليها، ولا لخيول فارهة سريعة الجري، إن حقيقة الفروسية هي ما يأتي به الفارس من فروسية على ظهر جواده، وهذا أمر يعرفه الخيالة، وقد يفعل مثل ذلك على الإبل من يتعود ذلك. إذاً: فالغرض من ركوب الخيل وجريها إنما هو فروسية الفارس الذي يركبها، وليست جودة الجواد في سرعة جريه. فكان ﷺ من خيار الناس فيما يتعلق بأمور الدنيا، وهو سيد الرسل صلوات الله وسلامه عليه فيما يتعلق بأمر الآخرة وأمر الرسالة. قوله: (جُحِش) قال ابن عبد البر: فأصيبت قدمه ولم يستطع القيام عليها، فصلى قاعداً. يقول الإمام ابن تيمية ﵀، ويقول علماء الحديث: إن معرفة سبب الحديث يعين على فهمه، كمعرفة سبب النزول للآية. هكذا هنا. فحديث أبي هريرة في حادثة متقدمة، وفي بعض الروايات: (جاء أناس يعودونه) أي: في البيت، فأرادوا أن يصلوا، ولذا في بعض الروايات: (فصلى أقوام) وليس المعنى أنه صلى معه جميع الناس. ويهمنا في هذا الحديث أنه صلى قاعداً، فقاموا يصلون بصلاته قياماً، فأومأ إليهم: أن اجلسوا ولما سلموا قال: (كدتم أن تفعلوا فعل فارس والروم بعظمائهم) ، أي يقومون على رءوس ملوكهم إعظاماً وخضوعاً بين يدي ملوكهم، أو تكبيراً أو تكريماً لهم بهذه الحالة. فنهاهم عن ذلك. ثم قال: (إنما جعل الإمام ليؤتم به) ، و (إنما) أداة حصر تحصر ارتباط المأموم بال

стр. 816

الأفعال التي يجب على المأموم متابعة الإمام فيها الإمام والقائد كل منهم له حق المقدمة. فالإمام يصلي، وتبدأ صلاته بالنية، ثم تكبيرة الإحرام، ثم بعد ذلك الدعاء قبل القراءة، ثم بعد ذلك الفاتحة، فإن كانت جهرية جهر بها، ومع الفاتحة ما تيسر من كتاب الله يجهر به، ثم يركع ويسبح، ثم يرفع، وهناك أشياء منصوص عليها، وهناك أشياء لا نص عليها، فهل المأموم يأتم بالإمام في كل شيء، أو فيما هو ظاهر من الأعمال؟! هناك من أخذ الحديث على عمومه باعتبار (إنما) للحصر، فقالوا: من الصلاة النية، فيؤتم بالإمام في النية في الصلاة فلو كان الإمام مفترضاً والمأموم متنفلاً أو العكس، فهل يصح ذلك مع أنه لم يقتد به؟ وإذا كان الإمام في نية عصر والمأموم في نية ظهر فهل ائتم به في نية وهي من الصلاة؟ فمن قال الإمام يؤتم به في كل شيء وأدخل النية في ذلك لم يصحح صلاة مأموم بإمام تختلف النية بينهما، وهذا واقع، ولكن وجدنا أحاديث أخرى تسمح في مغايرة النية. أما الأحاديث التي فيها مغايرة النية فمنها ما سيأتي في حديث معاذ، حيث كان يصلي العشاء مع النبي ﷺ في مسجده، ثم يذهب إلى قباء فيصلي بهم العشاء نافلة له وفريضة لهم، فاختلفت النية ما بين فرض ونافلة. وكذلك ما جاء في حق الرجلين الذين رآهما ﷺ بعد صلاة الصبح جالسين لم يصليا معه، فقال: (ما منعكما أن تصليا معنا؟ قالا: قد صلينا في رحالنا فقال: لاتفعلوا إذا صلى أحدكم في رحله ثم أدرك الإمام ولم يصل فليصل معه فإنها له نافلة) . ومن هنا قالوا لو أن إنساناً نام عن الظهر وجاء والإمام في صلاة العصر فهنا يقع الخلاف. فمَن قال يؤتم به حتى في النية لا يُجوِّز لصاحب الظهر أن يأتم بصاحب العصر. والذين قالوا: النية خارجة عن ذلك، أو أخذوا بالنصوص الأخرى، قالوا: لا مانع، وهذا رأي الشافعية، حيث يقولون بصحة صلاة المأموم المقتدي بالإمام مع اختلاف النية.

стр. 817

متى يشرع المأموم في تكبيرة الإحرام ؟ وقد بدأ بيان الاقتداء بقوله: (إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر) ، فلم ينص على النية، فبعضهم قال: إنها خارجة عن محل الائتمام. وبعضهم قال: هي مبدأ الصلاة، على عموم: (يؤتم به) ، ولكن التفصيل النبوي أسقط الكلام في النية، فأخذوا دليلها من العموم. قوله: (فإذا كبر) هي عبارة عن جملة، أي: إذا قال: الله أكبر، كما يقال: هلل إذا قال: لا إله إلا الله، وحوقل إذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. وهذه التكبيرة من الألفاظ التي لا يجزئ افتتاح الصلاة بغيرها. وقوله: (فإذا كبر فكبروا، ولا تكبروا حتى يكبر) ، تأكيد بعد التأسيس، و (إذا) ظرف، والتكبير له بداية وله نهاية، وبدايته الهمزة، ونهايته الراء من (أكبر) ، فالمراد بقوله: (إذا كبر) إذا بدأ في التكبير فابدأ، أي: وتشاركونه في بعضها، فيبدأ قبلكم وتشاركون في بعضها، وينهي تكبيره قبل تكبيركم، أو إذا كبر وفرغ من التكبير كله تبدأون أنتم، فعندما يفرغ من الراء في (أكبر) تبدأون أنتم بالهمز، من (الله) . وأصل هذا مسألة (هل العبرة بأوائل الأسماء أو بأواخرها؟) وهذه مسألة تدخل في كثير من الأحكام، فلو جاء القاضي سندٌ بألف ريال، وفيه: يُدفع في رمضان. فهل المراد أول يوم يدخل من رمضان، أم بعد أن ينتهي رمضان، أو قبل انتهائه بيوم؟ إن قلنا: العبرة بأوائل الأسماء فلصاحب الحق أن يطالب أول ما ظهر هلال رمضان، وإن قلنا: العبرة بأواخر الأسماء فعليه أن ينتظر حتى ينقضي رمضان. وهنا (إذا كبر) يعني: إذا بدأ وشرع في التكبير، فهل نتبعه ونشرع معه، أم حتى ينتهي من التكبير؟ الجمهور على أنه إذا بدأ وشرع فلنا أن نبدأ معه، وإن كنا نصاحبه في بعضها، وهذه دون غيرها مما ذكر في أركان الصلاة، ولو تقدم المأموم إمامه وكبر قبل أن يكبر الإمام -سواءٌ أبدأ بعده وأسرع قبل أن يفرغ الإمام، أم بدأ بالتكبير قبل أن يبدأ الإمام فلا ارتباط للمأموم بالإمام؛ لأن تكبيرة الإحرام هي افتتاح الصلاة. فإذا تعجّل وكبّر قبله كأنه لم يرتبط بإمامه، وكذلك السلام.

стр. 818

متى يشرع المأموم في بقية أفعال الصلاة ؟ قوله: (فإذا كبر فكبروا، ولا تكبروا حتى يكبر، وإذا ركع فاركعوا ولا تركعوا حتى يركع) ، التفصيل في الركوع والرفع والسجود كالتفصيل في التكبير، فإذا كان قائماً، وأهوى إلى الركوع فهل نبدأ بالهوي ونشاركه، ويسبقنا وينتهي من ركوعه قبلنا، أم ننتنظر حتى يكمل ركوعه فنشرع نحن في الركوع؟ الكلام في هذا كالكلام في التكبير. قوله: (وإذا رفع فارفعوا) يقول العلماء: لوحصل التسابق فيما دون تكبيرة الإحرام، فركع قبل إمامه أو رفع قبله لاتبطل الصلاة، ولكنه مخالف، وهو متوعدٌ بوعيد شديد، وقوله قوله ﷺ : (أما يخاف الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول رأسه رأس حمار) ، ويعلق عليه العلماء مع هذا الوعيد بتغيير الوجه، فلم يقل ﷺ : وليعد الصلاة، ولم يقل ﷺ : بطلت صلاته. ولكن ذكر هذا الوعيد وسكت. ولكن تكبيرة الإحرام تختلف؛ فإن من سبق الإمام فيها لم يدخل معه في الصلاة، وكذلك السلام، فلو سبق الإمام في السلام كأنه تعجل عن الإمام وخرج عن إمامته.

стр. 819

حكم جمع الإمام والمأموم بين التسميع والتحميد قوله: (وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد) هذه المسألة تقدمت في صفة الصلاة، وهل الإمام والمأموم سواء فيجمعون بين التسميع والتحميد، أم أن الإمام يكتفي بقوله: (سمع الله لمن حمده) ، والمأموم يُكمل (ربنا لك الحمد) ؟ الأرجح في المسألة أن كلاً من الإمام والمأموم له أن يقول الذكرين معاً (سمع الله لمن حمده) ، (ربنا لك الحمد) . ويأتي الخلاف أو النقاش في اللفظ: (ربنا لك) ، و (اللهم ربنا) بزيادة (اللهم) ، والصنعاني يقول: الأفضل أن يأتي بقوله: (اللهم) ، وبالواو في: (اللهم ربنا ولك الحمد) ، قال لأن زيادة هذه الحروف فيها زيادة معنى. أما زيادة (اللهم) فهي عنده باتفاق، ومعناها: اللهم ربنا استجب لنا، ولك الحمد على إجابتك لنا. فزيادة المبنى تدل على زيادة المعنى. ومن العلماء من يرى أن يقتصر المأموم على التحميد نصاً، لهذا الحديث. وبعض المذاهب الأخرى تقول: المنفرد والإمام سواءٌ؛ لأن النبي ﷺ كان يقول الذكرين معاً التسميع والتحميد، وفي تعليمه أيضاً علم الشخص بأن يقول الذكرين معاً التسميع والتحميد. والأنسب في ذلك أن كلاً منهما جائز، فإن اقتصر الإمام على التسميع وكمل المأموم بالتحميد، أو جاء كل منهما بالذكرين معاً فلا بأس في ذلك. وإن جاء المأموم بلفظ (اللهم) ، وبالواو في (ولك الحمد) فلا مانع، وإن اقتصر على نص هذا الحديث فلا مانع. ثم قال ﷺ : (وإذا سجد فاسجدوا، ولا تسجدوا حتى يسجد) .

стр. 820

مسألة: إذا صلى الإمام قاعداً قوله: (وإذا صلى قائماً فصلوا قياماً، وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً أجمعين) . قال: في بداية الحديث: (إنما جُعل الإمام ليؤتم به) والائتمام شامل لأن تأتي بكل ما يأتي به الإمام، ولكن في التفصيل والبيان لم يذكر لنا ﷺ إلا الأعمال الظاهرة، كتكبيرة الإحرام (الله أكبر) ، والركوع، والرفعُ والتسميع، والسجود. ولم يذكر لنا الدعاء أو الذكر حال كونه راكعاً، ولم يذكر لنا التسبيح أو الذكر حال كونه ساجداً، ولم يذكر لنا الدعاء بين السجدتين، فالمأموم معفيٌّ عن اقتدائه وائتمامه بالإمام في مثل هذه الحالات؛ لأنها خفية، وتُرِك لكل واحد منهما أن يأتي بما تيسر له، وليس في هذا ائتمام، ولكن الائتمام يكون في الفعل الظاهر. ثم ختم هذا البيان في الائتمام: (فإذا صلى قائماً فصلوا قياماً) ، وهذا لا غبار عليه إلا من كان معذوراً، فمن كان له عذر لا يستطيع القيام فهو خارج عن هذا الأمر، فيُصلى الإمام قائماً، والمأمومون القادرون يصلون قياماً، والمأموم العاجز عن القيام يصلي جالساً. (وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً أجمعين) . من طبيعة الائتمام أن تصلي قاعداً إذا كان الإمام يصلي قاعداً؛ لأنك أُمرت أن تأتم به، بقوله: (وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً أجمعين) ، وقد روي: (أجمعين) ، و (أجمعون) ، وكلاهما من حيث الإعراب صحيح، فـ (أجمعين) على أنها حال، والحال منصوب، وهذا جمع مذكر سالم منصوب علامة نصبه الياء و (أجمعون) : على أنه توكيد لضمير تقديره: صلوا خلفه قعوداً، وهنا الضمير في محل رفع فاعل لـ (صلوا) ، وهنا تكون (أجمعون) : توكيداً مرفوعاً تبعاً للمؤكَّد. ويهمنا أمره ﷺ للمأمومين إذا أمهم إمامهم قاعداً من مرض فإنهم يصلون خلفه قعودً. لو أن الإمام كان عاجزاً عن قعوده، وصلى مضطجعاً -ومن حق الإنسان إذا لم يستطع أن يصلي قاعداً أن يصلى على جنبه- فهل يأتمون به ويصلون على جنوبهم؟ والجواب: لا. فإذا نزلت قدرة الإمام عن الصلاة قاعداً فلا ائتمام به.

стр. 821

الصفوف في صلاة الجماعة

стр. 822

الأمر بتسوية الصوف قال المصنف ﵀: [وعن أبي سعيد الخدري ﵁ (أن رسول الله ﷺ رأى في أصحابه تأخراً، فقال: تقدموا فائتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم) . رواه مسلم] . هذا الحديث يبين لنا تنظيم الصفوف، ويبين لنا فضائل أوائل الصفوف، فالنبي ﷺ رأى في أصحابه تأخراً فقال: (تقدموا فائتموا بي) -أي: الصف الأول- وليأتم بكم من بعدكم، أي من الصفوف الأخرى الثاني والثالث، وما بعدهما. فقوله: (رأى في أصحابه تأخراً) هل هو قبل أن يدخل في الصلاة، أم بعد أن دخل فيها نبههم؟ جاء أنه ﷺ قال: (أقيموا الصفوف فإني أراكم خلف ظهري) . فيمكن أن يكون رأى هذا التأخر بعد أن دخل في الصلاة، ثم نبه على ذلك، أو أنه رأى ذلك قبل أن يدخل في الصلاة وهو الأغلب؛ لأن على الإمام أن ينظر في صفوف المصلين قبل أن يدخل في الصلاة، وقد كان ﷺ ينظر في الصفوف ويسويها، وكما جاء في بعض الروايات: (كأنه يسوي القداح) أي: على صف معتدل. وإذا رأى من شخص بروزاً رده، وإذا رأى من شخص تأخراً حثه على التقدم، وهكذا.

стр. 823

حدُّ المسافة التي تكون بين الصفين ما حد التأخر وما حد التقدم؟ وما هي المساحة التي تكون بين الصف الأول والإمام، وبين الصف الأول والذي يليه؟ معلوم أن أقل ما يمكن هو ما يتسع لسجود المصلين في الصف من غير تضييق. ولذا قال العلماء فيما يتعلق بسترة المصلي: إن موقعها بينه وبين موقفه ثلاثة أذرع، أي: من قدمه إلى موضع سجوده؛ لأن هذه المسافة هي التي يتأتى للمصلي أن يتحرك فيها بيسر. وعليه قالوا: السنة فيما يكون بين الصفوف من الفراغ هو قدر ما تكون السترة من المنفرد، أي أن عليه أن يجعل بينه وبين الصف الذي أمامه قدر ما يجعل المنفرد بينه وبين سترته، أي: ثلاثة أذرع. ولو أن الصفوف قد ازدحمت فماذا يفعل؟ لقد بوّب الفقهاء باباً فيمن زُحِم يوم الجمعة، فـ عمر رضي الله تعالى عنه أمرهم أن يركعوا ويسجدوا على ظهور بعضهم، فيمكن أن يكون بين الصف والصف طول الفخذ فقط، وهو ذراع، ويسجد على ظهر الذي أمامه، وهكذا في شدة الزحام. ثم ذكر الفقهاء أيضاً أنه إذا لم يستطع أن يصل إلى الأرض ليسجد فإنه ينتظر حتى يقوم الصف الذي أمامه ويسجد، ثم ينهض فيدرك الإمام. فهذه مسائل في صلاة الأعذار، ولكن الذي يهمنا الآن في تنظيم الصفوف، فالواجب على المأمومين أن يتراصوا مع إمامهم، ولا تكون هناك الفجوات الطويلة بين الصف والإمام. وربما تجد في بعض المساجد من يصف دون الصف الذي أمامه بمسافات ومراحل تزيد على عشرة وعشرين وخمسين متراً، وهذا لا يجوز، لقوله ﷺ : (تقدموا فائتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم) ، أي: تقدموا فاقتدوا بي، وليقتدِ بكم من وراءكم. وتجد بعض الأحيان الإمام في المحراب والصفوف وراءه، ثم تجد صفاً بينه وبين الصف الذي يليه عشرات الأمتار، فلا يجوز ذلك ولا ينبغي، وليس من سنة الجماعة هذا العمل. فتسوية الصف أولاً، ومراعاة الإمام للمأمومين، وقد كان ﷺ يرسل بلالاً يمر بين الصفوف يعدلها، وكان بلال يقول: (لا تسبقني بآمين) ، حيث يكبر ﷺ ويقرأ، وبلال يتخلل الصفوف لينظر المتخلف أو المتقدم أو المتأخر ليعدله، فيقول للرسول ﷺ : (لا تسبقني بآمين) أي: إن فضل آمين فضل عظيم، ولا أريد أن أسبق به وأنا أؤدي المهمة.

стр. 824

ائتمام كل صف بالذي قبله واتخاذ المبلغين بقي هنا قوله: (فائتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم) . فقبل وجود هذه الأجهزة التي تقوم بنقل الصوت وإبلاغه كان صوت الإنسان محدوداً، فمن كان في الصفوف المتأخرة عن الإمام لا يرى الإمام ولا يسمع صوته، ولكنه يرى الصف الذي أمامه، وكذلك كل صف -وإن تأخر- يرى أمامه الصف الذي أمامه، فكل صف يقتدي بالصف الذي أمامه في الحركة، في الركوع والرفع، والسجود والجلوس. وفي كون المتأخرين يقتدون بالذين أمامهم يقول الشارح: لو أن متأخراً مسبوقاً جاء ووجد الصف الذي يليه راكعاً فأدرك الركوع معه فإنه يكون قد أدرك الركعة، ولو أن الإمام قد رفع رأسه؛ لأن حكمه أن يقتدي بالذي يليه، وهو لا يدري عن الإمام رفع أم لم يرفع. ويدل لهذا قصة أبي بكرة حينما جاء مسبوقاً، ووجد الرسول ﷺ راكعاً والناس ركوعاً، فكبر للصلاة قبل أن يصل إلى الصف ليدرك تكبيرة الإحرام، وركع حيثما كبر، ودب راكعاً حتى وقف في الصف، فقال له ﷺ : (زادك الله حرصاً ولا تعُد) وروي (تعِد) و (تعْدُ) ، وكل هذه الألفاظ جاءت وهي في الكتابة سواء. فـ (لا تعُدْ) من العود، والفعل الأجوف معتل العين إذا سكنت لامه سقطت عينه. و (لا تعِد) من أعاد يعيد. و (لا تعْدُ) ، واوي اللام من العَدْو، وواوي اللام أو معتل اللام إذا جُزم تكون علامة الجزم حذف حرف العلة، أو حذف لام فعله. ويهمنا في هذا اقتداء الصف المتأخر بالصف الذي أمامه. وهنا نرجع إلى موقف أبي بكر رضي الله تعالى عنه بجوار رسول الله ﷺ كما تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، حيث كان يُسمِع الناس تكبير رسول الله ﷺ ، فالرسول ﷺ مريض، ويكبر للركوع، ويسمِّع، ويحمَد في الرفع، ويكبر للسجود وغيره، والناس وراءه صفوف، لم يُسمعهم ولم يروه، فكان أبو بكر رضي الله تعالى عنه يُسمع من وراءه من المصلين التكبير في الانتقال، ومن هنا أخذوا أن للإمام إذا كان عاجزاً عن إبلاغ الناس بصوته أن يتخذ مبلِّغاً. ولذا قال مالك في الرواية الأخرى عنه فيما لو صلى الإمام الأعظم أو الراتب قاعداً، وصلى المأمومون خلفه قياماً، يقول: أحب إلي أن يقوم بجانبه واحد منهم يبلغهم تكبيراته، أي: يطبق الصورة التي جاءت في صلاة رسول الله ﷺ . واتخاذ المبلِّغ في الصلاة له أصل من السنة، ولا نقول: إنه بدعة. ولا نقول: إنه خلاف الواقع، فإذا دعت الحاجة إليه فلا مانع، أما أن يكون إمام يصلي ومعه عشرة مأمومين، أو خمسون، أو صف واحد، أو صفان فيتخذ مبلغاً يبلغهم صوته فلا حاجة لذلك، أما إذا كانو صفوفاً متعددة فهناك يحتاج الأمر إلى من يبلغ، ثم إن التبليغ ليس خاصاً بالصلاة، بل كان العلماء رحمهم الله تعالى في بادئ الأمر يتخذون مبلغين عنهم، يبلغون من في الحلقة ما يروون من الأحاديث. وقيل لـ مالك ﵀ لما اتسعت حلقة درسه في المسجد النبوي: اتخذ مبلغين يبلغون عنك. قال: لا، أخشى أن أكون ممن يرفع صوته فوق صوت رسول الله ﷺ ، ولم يتخذ مبلغين. فالتبليغ تدعو إليه الحاجة، وقد وجدنا نظير ذلك، ألا وهو تعداد الأذان في المسجد الواحد، فإذا كبرت القرية وكان المؤذن الواحد لا يُسمعها فيجوز أن يتعدد المؤذنون، فيقفون كلٌ يؤذن إلى جهة من الجهات، ويكون عددهم بقدر الحاجة اثنان أو ثلاثة أو أربعة، وهل يؤذنون متتالين واحداً بعد الآخر، أو مجتمعين في مكان واحد وفي وقت واحد؟ جاء عن أحمد وعن مالك جواز في اجتماعهم في وقت واحد ما لم يكن هناك تشويش. وقد يقول قائل: الآن أصبحت الأجهزة والمكبرات تبلغ أكثر من المبلغ، فما حاجتنا إلى مبلغين الآن؟ والجواب: يمكن أن يقال: هذا وجه له نظر، ولكن هناك أيضاً احتمال آخر، فالأصل المشروعية، سواءٌ أجاء هذا الجهاز يبلغ عن المبلِّغ، أم يبلغ عن الإمام؛ لأن هذا جهاز يعمل بطاقة وآلة فهو معرض للتوقف والتلف، وفي بعض الحالات تتعطل الكهرباء في الضوء وفي الصوت، وكم يحصل من اضطراب واختلال. فمادام أن الأصل المشروعية، وجاء هذا الجهاز لزيادة بيان وزيادة خير فلا مانع، ولا نجعل مثل ذلك موضع تشكيك، أو موضع تبديع للناس. وقوله: (تقدموا فائتموا بي) هذا خاص بالرجال، أما النسوة فلا تقدم لهن، وقد جاء ما يخصهن: (خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها) ، ولا يوجد شر في الصلاة، ولكن هذا شر نسبي، أي: بالنسبة لفضيلة الصف الأول، فإن الصف الأخير لم يحصل على فضيلة الصف الأول. قال: (وشر صفوف النساء أولها) ؛ لأنها تلي الرجال، والمرأة كلما بعدت عن الرجال كان أصون لها، وسيأتي التنبيه على صلاة المرأة في المسجد في الحديث الذي يأتي بعد ذلك إن شاء الله.

стр. 825

مسائل في النوافل

стр. 826

صلاة النافلة في المسجد والبيت قال المصنف ﵀: [وعن زيد بن ثابت ﵁ قال: (احتجر رسول الله ﷺ حجرة مخصفة فصلى فيها، فتتبع إليه رجال، وجاءوا يصلون بصلاته) الحديث، وفيه: (أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة) متفق عليه] . هذا الحديث له علاقة بأكثر من موضع، ساقه المؤلف ﵀ هنا لبيان اقتداء الناس بصلاة رسول الله ﷺ في النافلة جماعة. والحديث يتناول اتخاذ الحجرة، و (احتجر) من التحجير، والتحجير: المنع، ومنه حجر إسماعيل؛ لأنه منع الجزء الذي أخلي من البناء من البيت من أن ينساب في بقية المسجد، ومنه حِجر المرأة الذي يحفظ الطفل، ومنه الحجر على السفيه لحفظ ماله، وأصل المادة -كما يقول علماء فقه اللغة- من الحجر اليابس القوي، فهو يحجر ويمنع نفسه من غيره، ولا يستطيع إنسان أن يدقه برجله لأنه يؤذيه، فهو لحجريته مانع نفسه من أن يعتدي عليه غيره. والحُجرة تمنع أجزاء الغرفة من الخروج إلى جارها، وتمنع جارها من أن يدخل إليها، فهي تحجر الجزء المملوك. قال: (احتجر حجرة مخصفة) ، وجاء في بعض الروايات: (احتجز) من الاحتجاز، وهو أخذ جزءٍ من المسجد؛ والخصف هو شيء من الحصير من الخوص، وإلى الآن يسمى عند الناس بالخصفة، والخصف هو نسج الخوص، فقد تكون الخصفة للطعام، وقد تكون الخصفة للفراش والجلوس، وقد تكون هناك خصفة لتحجير الحجرة، إلى غير ذلك. وأصل هذا: أنه ﷺ في شهر رمضان صلى العشاء ودخل، ثم قال لـ عائشة رضي الله تعالى عنها: انصبي لنا حصيرك فنصبت حصيرها أمام باب الحجرة في المسجد، فخرج إلى هذه الحجرة أو هذا الحاجز وصلى فيه، فشعر أناس بصلاته، وكانوا موجودين فاقتدوا به وهو لا يدري بهم، وفي اليوم التالي سمع أشخاص بما حدث في الأمس فتجمعوا وصلوا بعدد أكثر من ذي قبل، وفي الليلة الثالثة صلى رسول الله ﷺ العشاء وصلى الناس معه، فدخل بيته، ثم نظر فإذا المسجد مليء بالناس، فقال: (يا عائشة! ما بال الناس؟! قالت: ينتظرون خروجك لتصلي، فيصلون بصلاتك كما صلى غيرهم بالأمس. فقال: ارفعي عنا حصيرك) ، فانتظروا وطال الانتظار ولم يخرج، فأخذوا الحصباء وحصبوا باب الحجرة، ولم يسمع لهم ولم يخرج إلى أن خرج يصلي صلاة الصبح وقال لهم: (أما بعد: فإنه لم يخف علي مكانكم، لكني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها) ، وهذا مصداق قوله سبحانه: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] . ثم قال في هذا الحديث: (أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة) ، أي: إذا أردتم الأجر والفضيلة فصلوا في بيوتكم، فخير صلاة المرء في بيته ما عدا الفريضة فهي في المسجد مع الجماعة. وهنا يأتي مبحث للعلماء فيما يتعلق بعموم: (خير صلاة المرء) ، فـ (صلاة) : نكرة، و (المرء) : مضاف إليه، والنكرة إذا أضيفت إلى معرفة تكون عامة، فصلاة المرء تشمل فريضته ونافلته، بدليل أن الرسول ﷺ استثنى منها الفريضة، فيتمحض الأمر على النافلة، فخير صلاة المرء النافلة في بيته، ويستثنى من ذلك عند العلماء السنن الرواتب، كسنة الصبح، وسنة الظهر بعدها وقبلها، والمغرب، فأكثر العلماء يرى أنها تصلى مع الفريضة في المسجد، ويكون الحديث في النوافل المطلقة كقيام الليل، والضحى، مع أن صلاة الضحى جاء فيها أنه حدث أن غزا قوم غزوة ورجعوا سريعاً وغنموا غنائم كثيرة، فقال الناس: ما أسرع ما غزت وأكثر ما غنمت! فقال ﷺ : (ألا أدلكم على أقرب منه مغزى، وأكثر غنيمة، وأوشك رجعة؟ مَنْ توضأ ثم غدا إلى المسجد لسبحة الضحى، فهو أقرب مغزى وأكثر غنيمة وأوشك رجعة) لكن يقولون: النوافل المطلقة كالضحى وقيام الليل هي في البيت أفضل.

стр. 827

خلاف العلماء في أفضلية صلاة النافلة بين المسجد النبوي والبيت وبعض العلماء يربط ويقارن بين قوله ﷺ : (خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة) ، وبين هذا الحديث: (صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام) . لأن (صلاة) نكرة تعم الفريضة والنافلة، فإذا صليت الفريضة فهي صلاة في مسجده، وإن صليت النافلة فهي صلاة في مسجده، فنجد الجمهور يعممون ذلك، ما عدا الإمام أبا حنيفة ﵀ فإنه يقول: قوله: (صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة) خاص بالفريضة؛ لأن النافلة لها مكان آخر وهو البيت لحديث: (خير صلاة المرء في بيته) قال: إذا صلاها في المسجد فهي بألف، وإذا صلاها في بيته فهي خير من هذه التي هي بألف، فما خالف الجمهور. والآخرون قالوا: كل صلاة فهي بألف صلاة. فاتفقوا على أن الصلاة مطلقاً في المسجد النبوي بألف صلاة، وعند الإمام أبي حنيفة ﵀ أنه مع ثبوت الألف للنافلة في المسجد النبوي فإيقاعها في البيت أفضل من ذات الألف.

стр. 828

أيهما أفضل صلاة المرأة في بيتها أم في المسجد النبوي ؟ وهنا قضية جانبية في قوله: (خير صلاة المرء في بيته) ومؤنث (المرء) امرأة، فهل صلاة المرأة أيضاً في بيتها خير، وهل صلاتها في المسجد النبوي أيضاً بألف صلاة؟ الجمهور يقولون: صلاة المرأة في المسجد النبوي بألف صلاة، فريضة كانت أو نافلة، ولكن صلاتها في بيتها خير من صلاتها في المسجد النبوي، كما قال أبو حنيفة ﵀ في النافلة، وذلك لأمر آخر، وهو أن امرأة من بني سليم أتت النبي ﷺ وقالت: يا رسول الله! إني أحب الصلاة معك، وانظر إلى التعبير، فلم تقل: أحب الصلاة في مسجدك. لكن: أحب الصلاة معك؛ لأنها إذا صلت مع رسول الله ﷺ سمعت القراءة من رسول الله ﷺ واشتركت في دعاء رسول الله ﷺ للمصلين معه، فمن هنا أحبت الصلاة مع رسول الله ﷺ ، وكل إنسان يحب ذلك، فقال ﷺ : (قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك وصلاتك في حجرتك خير -من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك) ، خير من صلاتك في مسجدي. فصلاتها في عقر دارها خير من صلاتها في المسجد النبوي بثلاثة أضعاف. وعلى هذا فخير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة، ويبين المؤلف ﵀ بهذا أن النوافل يجوز أن تصلى جماعة؛ لأن أناساً صلوا بصلاته ﷺ .

стр. 829

الاحتجار في المسجد وحكمه وهل يجوز لكل إنسان أن يحتجر في المسجد ويضيق على الناس؟ قالوا: لا، ما لم يكن في الأمر سعة. والآخرون قالوا: إنها كانت توضع في الليل عندما لم يكن هناك نداء لصلاة الفريضة، وترفع في النهار فلم تضيق. وجاء عنه ﷺ أنه كان في رمضان يوضع له سرير عند باب الحجرة، وإذا جئت إلى الروضة تجد بعض الأسطوانات مكتوباً عليها: أسطوانة السرير. كان إذا اعتكف ﷺ يوضع له سرير ينام عليه في حالة اعتكافه. وقد جاء عن عائشة أنها قالت: (كان النبي ﷺ إذا اعتكف يدني إلي رأسه فأرجله) . التحجير في المسجد إذا كان يضايق المصلين فحق المصلين مقدّم ولا يجوز ذلك، وإذا كان هناك سعة ولا تضييق على أحد فلا مانع في ذلك، وصلاة النافلة وهي قيام الليل تصلى جماعة، وعليه فالتراويح تصلى جماعة كما هو واقع الآن. قوله: (خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة) هذا منصب على النافلة المطلقة، والنوافل الرواتب تجوز صلاتها في المسجد، وتقدم لنا أنه كان يصلي سنة المغرب والعشاء ركعتين في بيته، ولم ينص على النوافل الأخرى في بيته، فبقية النوافل تكون في المسجد، وقلنا: إن الرسول ﷺ لم يكن بيته إلا المسجد؛ لأن بابه مُشرع على المسجد، والله تعالى أعلم. فلا ينبغي للإنسان أن يترك الصلاة في البيت، بل يجعل لبيته حظاً من صلاته لبركة الصلاة، ولطرد الشيطان، ولتعليم النسوة والأطفال، وقد جاء الحديث: (لا تجعلوا بيوتكم مقابر) ، وقال ﷺ : (صلوا في بيوتكم) ، وقد جاء عن عتبان بن مالك أنه كان رجلاً يؤم قومه في بني سلمة، وكان قد أنكر بصره نسأل النبي ﷺ أن يأتيه ليصلي له في بيته ليتخذ ذلك المكان مصلىً له، فأتاه النبي ﷺ وقال: (أين تريد أن أصلي؟) ، فأشار إلى مكان فصلى فيه رسول الله ﷺ ، فكان يصلي في ذلك المكان تبركاً بموضع صلاة رسول الله ﷺ .

стр. 830

تفاضل الصلاة في المسجد النبوي وبهذه المناسبة أيضاً أقول: المسجد النبوي من جميع أطراف وحدود جدرانه الصلاة فيه بألف، ولكن هل كل المسجد سواء؟ يتفق الجمهور على المفاضلة، ولا شك أن الصف الأول أولى من الصف الثاني ولوكان الكل في المقدمة. وهنا بحث مطول في أيهمما الأفضل، الصلاة في الروضة في صف رابع أو خامس، أو الصلاة في الصف الأول في المسجد. يقول النووي ﵀: إذا كانت الصلاة جماعة فالصف الأول أفضل؛ لفعله ﷺ ، ولفعل الخلفاء من بعده بعدما جاءت التوسعة التي خرجت عن الروضة. وعلى كلٍ فذاك مبحث مستقل، ويوجد هناك بعض الأشخاص الذين يتتبعون بعض المواطن في المسجد النبوي رجاء بركة صلاة رسول الله ﷺ فيها، فيقولون: لعلنا نصادف كذا. وهذه أمور عاطفية، فإن علم مكاناً فلا بأس بذلك، ما لم يحصل زحام، وما لم يعتقد عدم جواز الصلاة في غيره، والله ولي التوفيق.

стр. 831

كتاب الصلاة - باب صلاة الجماعة والإمامة [٤] من مسائل الصلاة المهمة التخفيف على المأمومين، ولذلك فإن الواجب على الإمام إذا صلى أن يراعي حالة المأمومين فلا يطيل الصلاة بما يشق عليهم. كما أن من مسائلها التي ينبغي علمها الصلاة وراء الإمام القاعد، فقد صلى رسول الله ﷺ بالناس في مرض موته جالساً والناس وراءه قياماً، وهذا دليل للجمهور على نسخ صلاة المأموم جالساً وراء الإمام الجالس. ومن مسائلها كذلك بيان الأحق بالإمامة، والراجح في ذلك أن الأحق بها أقرأ الناس ولو كان صغيراً في السن.

стр. 832

تابع أحكام صلاة الجماعة

стр. 833

أمر الإمام بتخفيف الصلاة وعلته قال المصنف ﵀: [وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: صلى معاذ بأصحابه العشاء فطوَّل عليهم، فقال النبي ﷺ : (أتريد أن تكون -يا معاذ- فتاناً؟ إذا أممت الناس فاقرأ بالشمس وضحاها، و (سبح اسم ربك الأعلى) ، و (اقرأ باسم ربك) ، و (الليل إذا يغشى)) ، متفق عليه، واللفظ لـ مسلم] . حديث معاذ هذا أصل في صلاة الجماعة، وفيما يجب على الإمام. ومعاذاً رضي الله تعالى عنه هو معاذ بن جبل الذي قال ﷺ في حقه: (أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ) ، ومناقب معاذ كثيرة جداً، حتى جاء في بعض الآثار: (آمن معاذ حتى خاتمه) ، ومعاذ له في الصلاة شئون عديدة، وله موقف في التشريع، فقد قال ابن كثير وغيره: أحيلت الصلاة ثلاث مرات. الأولى: قولهم: كنا إذا أردنا الصلاة آذن بعضنا بعضاً -أي: أعلم- فقلنا: نتخذ وسيلة، فاقترح قوم ناقوساً، وقوم بوقاً، وقال قوم: نجعل ناراً، فقال الرسول ﷺ : لا. فجاء عبد الله بن زيد ورأى أنه عُلِّم الأذان في المنام، فأُذِّن للصلاة، فهذا أول شيء. الثانية: كانوا يصلون إلى بيت المقدس، ثم تحولوا إلى الكعبة. الثالثة: كانوا يصلون جماعة، فإذا جاء مسبوق سأل المصلين حال صلاتهم: كم صليتم؟ فيشيرون إليه بمقدار ما صلوا ركعة أو أكثر، فيكبر ويصلي ما فاته بسرعة، ثم يصحب الإمام حتى يسلم معه، فقال معاذ: والله لن آتي الصلاة ورسول الله ﷺ على حالة إلا دخلت معه فيها فجاء مرة مسبوقاً، فكبر ولزم الإمام، فلما سلّم وعرف ما فاته قام يقضيه بعد السلام، فقال ﷺ : (قد سن لكم معاذ، فهكذا فاصنعوا) . فـ معاذ بسببه حصل تشريع في الصلاة، وهو صاحب رأي، وله أمور أخرى في اتباع الجماعة وسماع النداء، وأنا أسمي معاذاً بعثة تعليميةً متنقلةً؛ لأن الرسول ﷺ خلّفه في مكة بعد الفتح يعلمهم الإسلام، وعمر رضي الله تعالى عنه بعثه إلى الشام يعلم أهلها الإسلام، والرسول ﷺ بعثه إلى اليمن يعلم أهلها الإسلام. ففي هذه الحادثة صلى مع النبي ﷺ العشاء، وذهب إلى قومه في قباء ليصلي بهم، فكبَّر وقرأ الفاتحة، ثم استهل بسورة البقرة، ورآه رجل كان معه ناضحان فأرسلهما ودخل في الصلاة، وبعض الروايات فيها: (كنت أسقي ماءً، فجئت ودخلت في الصلاة، فلما بدأ بسورة البقرة علمت أنه لن يركع دون إنهائها، فتركته وأتممت صلاتي) ، وسواءٌ أكان انصرافه عن الإمام للماء، أم كان للناضحين، أم كان لتعبه طول النهار. فعلم أن معاذاً صلى مع رسول الله ﷺ وروحه مفعمة بمحبة رسول الله ﷺ ، ولا مانع أن يُصلي الليل كله لأن حياته كلها عبادة. فعرف الطريق واختصره من بدايته، وذلك بانصرافه عن الصلاة مع معاذ. فقيل لـ معاذ: إن فلاناً تركك وذهب! قال: إنه رجل منافق. فبلغت الكلمة هذا المسلم فعظمت عليه، فأتى إلى رسول الله ﷺ واشتكى معاذاً بعد أن رماه بالنفاق، وبين للنبي ﷺ ما حدث، فاستدعى رسول الله ﷺ معاذاً وقال: (يا معاذ! أتريد أن تكون فتاناً؟) ويا معاذ! ويا من يعرف الحلال والحرام! ويا من يعرف شئون الناس! أتريد أن تكون فتاناً؟! فنحن ما جئنا للفتنة، إنما جئنا لنطفئ الفتنة. وهل أمرهم بمعصية؟ لقد سماه فتاناً لكونه أطال الصلاة. وعثمان رضي الله تعالى عنه كان يقوم الليل بسورة الفاتحة، والرسول ﷺ كان يقرأ البقرة والنساء وآل عمران ثم يركع، فهل في هذا فتنة؟ لا. وإنما كان التطويل هنا فتنة لأن صلاة معاذ لها تعلق بالآخرين؛ إذ إنه كان الإمام، ولذا جاء عنه ﷺ أنه قال: (وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء) . قوله: (إذا أممت الناس) الخطاب خاص لـ معاذ، وهو عام في كل إمام؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فمن أم الناس فليخفف. وقد بين ﷺ علة ذلك بقوله: (فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة) ، وكصاحب الماء أو صاحب الناضحين، وقد يكون هناك إنسان له سياره محمّلة والناس ينتظرونه، أو لديه مريض ويريد أن يذهب به، أو يريد أن يرى حالته، أو أي حاجة من حاجات الناس، أو هناك إنسان يقوم في الصف ولا يستطيع أن يطيل القيام. إلخ. فعلى الإمام أن يراعي حالة الناس، وقد جاء ما هو أخص من ذلك، فقد قال ﷺ : (إني لأدخل الصلاة وأنا أريد أن أطيلها، فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي؛ مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه) . فالأم حين تسمع طفلها يبكي هل ستصلي أم تُسكت ولدها؟ إن قلبها يطير، ولهذا جاء عن أبي قتادة: (أن رسول الله ﷺ كان يصلي بالناس وهو حامل أمامة بنت زينب) ، وذلك حتى لا تبكي وتصيح وتشوش عليه، فحملها ووضعها أهون من أن يسمعها تبكي. قال: (إذا أممت الناس فاقرأ بالشمس وضحاها، وسبح اسم ربك الأعلى، واقرأ باسم ربك) ، وهنا (اقرأ) في آخرها سجدة، وهذا رد على من يقول من المالكية: لا يجوز للإمام أن يقرأ بسورة فيها سجدة. ولكن يقولون: إذا كانت القراءة سرية وسجد فإن من خلفه لا يعلمون سبب سجوده، أما إذا كانت في الجهرية وسجد فلا مانع؛ لأنهم يسجدون تبعاً له. فهذه السور على الأئمة أن يراعوها، أما إذا كان هناك جماعة متفقون على إطالة الصلاة، وكلهم يعرف ذلك فلا بأس، ويوجد هناك جماعات في بعض البلدان لهم مساجد خاصة، ويجتمعون فيها، ويطيلون الصلاة فيها، وسمعت من شخص جاء إلى المدينة وأنه رُشِّح أن يكون إماماً، فاشترط أن يسبح في الركوع ثلاث عشرة مرة، وفي السجود ثلاث عشرة مرة فرُفضت إمامته، وقالوا له: أنت لا تصلي لوحدك؛ فإن الناس وراءك ويسبحون ثلاث تسبيحات فقلت له: لماذا تشترط هذا؟ قال: أريد أن أهرب من الإمامة. والذي يهمنا في حديث معاذ رضي الله تعالى عنه أن الإنسان إذا كان يعمل عملاً متعلقاً بالآخرين فيجب عليه أن يراعي حالة الآخرين، سواءٌ أكان في صلاة، أم في غيرها. وقصة الرجل الذي انفرد وصلى وحده يمكن أن نضاف إلى أدلة من يقول: إن الجماعة ليست شرطاً في صحة الصلاة لأن هذا الذي دخل مع الإمام، ثم رأى الإمام طول فانفرد عنه هل استأنف الصلاة من جديد، أو بنى على ما كان؟ الذي عندنا أنه خفف صلاته وانفصل عن الإمام، وأكمل تبعاً لما تقدم من تكبيرة الإحرام ودخوله مع الإمام. فهل هذا يكون عذراً أو يكون نفاقاً؟ لقد رد النبي ﷺ على معاذ دعواه النفاق على هذا الرجل. الشيء الآخر أيضاً أنه لا ينبغي لمسلم أن يرمي مسلماً بلقب كهذا، وقد نهى ﷺ عن لعن المسلم، وعن نعته بالكفر، بل قال: (من قال هلك الناس فهو أهلكَهم) ، أو (فهو أهلكُهم) ، (فهو أهلكُهم) : أي أشدهم هلاكاً. و (فهو أهلَكهم) بالفتح: أي هو الذي أهلكهم، وهم ليسوا بهالكين.

стр. 834

الصلاة خلف الإمام القاعد قال المصنف ﵀: [وعن عائشة ﵂ -في قصة صلاة رسول الله ﷺ بالناس وهو مريض- قالت: (فجاء حتى جلس عن يسار أبي بكر فكان يصلي بالناس جالساً، وأبو بكر قائماً، يقتدي أبو بكر بصلاة النبي ﷺ ، ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر) متفق عليه] . حديث عائشة في قصة صلاة النبي ﷺ بالناس وهو مريض، وهناك فرق بين: (مريض) ، وبين: (اشتكى) ، ففرق بين إنسان مريض وآخر رجله مكسورة، وفرق بين مريض وآخر يده مكسورة، فهذا يشتكي يده أو رجله أو صداع رأسه، ولكن هذا مريض، فالجسم كله مريض، وهذا يشعر لأول وهلة أن الحالتين متغايرتان. قولها: (وهو مريض) المعروف أنه مرضه ﷺ الذي قبض فيه، وإذا كان الأمر كذلك فتكون رواية (جُحِش) متقدمة، ورواية (مرضه) متأخرة، لنكون على وعي من الأمر في الزمن والتاريخ للحالتين. قالت: (فجاء حتى جلس عن يسار أبي بكر) . قصة صلاته ﷺ في مرضه متعددة، بمعنى أنه ﷺ لما اشتكى، واشتد به الوجع، ولم يستطع الخروج للصلاة بالناس قال: (مروا أبا بكر فليصل بالناس) ، وهذه القضية استوعبت الشيء الكثير، ففي بداية الأمر لما سمعت عائشة رضي الله تعالى عنها ذلك قالت: (يا رسول الله! إن أبا بكر رجل أسيف، فإذا قام مقامك لا يملك نفسه من البكاء، مر عمر فليصل بالناس) . قال: (مروا أبا بكر فليصل بالناس) . فقالت عائشة لـ حفصة: (قولي لرسول الله. لأنه كلامها، فقالت حفصة: إن أبا بكر إذا قام لا يُسمع الناس من البكاء، مُر عمر. فقال: (إنكن صواحب يوسف، مروا أبا بكر) وهذه ناحية عجيبة، فلماذا عائشة تدفع حتى لا يصلي أبوها بالناس، وهذه أكبر منزلة؟ ونعلم جميعاً أنه لن يتقدم أحد على أبي بكر، وقد جرت عدة حوادث، منها أن النبي ﷺ خرج في خصومة فقال لـ بلال إذا تأخرت فأمر أبا بكر فليصل بالناس. فـ أبو بكر مقدم، ومرة أخرى تأخر أبو بكر في مرض موته. فقدموا عمر، فرفع النبي ﷺ الستار وقال: يأبى الله إلا أبا بكر. فقال بلال: ما وجدت منك خيراً! وهنا حفصة لما قال لها ﷺ : (إنكن لأنتن صواحب يوسف) ، قالت لـ عائشة: ما رأيت منك خيراً قط! وصواحب يوسف كن يخفين ما لا يبدين. وهنا يأتي دور المتأمل الذي ينظر إلى الحقائق وما وراء الأحداث، فـ عائشة لا ترفض أن يقوم أبوها مقام رسول الله ﷺ ، ولكن هل الأمر من السهولة إلى هذا الحد؟ إن أبا بكر بالنسبة لـ عائشة أبوها، فإذا بلَّغت عائشة الناس أن يصلي أبو بكر وكان فيهم ما فيهم فإن الشكوك والتهم تتوجه إلى عائشة من أجل أنه أبوها، فأرادت أن تبرئ نفسها وتبعد المسئولية عنها. وقد قال عمر في السقيفة: ارتضاك رسول الله ﷺ لأمر ديننا وآخرتنا، ألا نرتضيك لأمر دنيانا؟! فكان تقديمه للصلاة مقدمة وترشيحاً للخلافة بعده ﷺ . فأُمِر أبو بكر، وكان يصلي مدة مرضه ﷺ ، تقول عائشة: فبينما أبو بكر يصلي بالناس، إذ وجد ﷺ في نفسه خفة، وفي بعض الروايات تفصيل آخر: (أراد أن يخرج فأغمي عليه، قال: ضعوا لي ماء في المخضب) ، فاغتسل فأراد أن يخرج فعجز، وكل مرة يقول: (أصلى الناس؟! فيقولون: لا. وهم ينتظرونك) ، وأخيراً تأخر وأعاد الأمر لـ أبي بكر بالصلاة. قالت: فوجد في نفسه خفة، فخرج يتهادى بين رجلين -قال ابن عباس للراوي: هل أخبرتك من الرجلان؟ قال: لا. قال: هما علي والعباس - قالت: تخط قدماه، حتى أتى الصف، فشعر به الناس، فالتفت أبو بكر -وفي بعض الروايات: ولم يكن يلتفت- فإذا برسول الله ﷺ بجانبه وهذه رواية للبخاري وهي مجملة، وللبخاري رواية أخرى مفصلة: (فجلس عن يساره) . وهنا جلس عن يسار أبي بكر، وفي بعض الروايات أراد أبو بكر أن يتأخر فأومأ إليه أن: مكانك وهذا في صلاة أخرى، ولكن الأخيرة التي فيها حديث عائشة تبين أنه جلس عن يسار أبي بكر. ولماذا نحتاج إلى معرفة مجلسه ﷺ هل كان عن يمين أبي بكر أو يساره؟ لأن معرفة موقعه ﵊ من أبي بكر -أثناء الصلاة- بين لنا الإمام من المأموم، وعليه تنبني مسائل وخلاف بين العلماء، وبعض العلماء استدل بهذا الفعل منه ﷺ على جواز ائتمام القائم بالقاعد، وذلك لأن رسول الله ﷺ في آخر الأمر صلى قاعداً وكان إماماً؛ لجلوسه عن يسار أبي بكر، ولأن موقف المأموم من الإمام عن اليمين، وموقف الإمام من المأموم عن اليسار إذا كان واحداً، فـ أبو بكر بدأ بالصلاة إماماً وانتهى فيها مأموماً، ولهذا تحرى الفقهاء مجلس رسول الله ﷺ من أبي بكر أهو عن يمينه أو عن يساره. فهنا لما تبين أنه ﷺ جاء وجلس عن يسار أبي بكر، وفي حديث عائشة: (فأخذ أبو بكر رضي الله تعالى عنه يأتم بصلاة رسول الله ﷺ والناس يأتمون -أو يقتدون- بصلاة أبي بكر) . عرفنا أن رسول الله ﷺ هو الإمام، وأن أبا بكر كان مؤتماً برسول الله ﷺ ، والناس يقتدون بـ أبي بكر، وجميع المؤتمين يأتمون بإمام قاعد. ولهذا قالوا: لما كان في أول الأمر -لما جُحِش- أشار إليهم أن اجلسوا، وفي آخر الأمر لما قاموا خلفه وأبو بكر يقتدي به لم يأمرهم أن يجلسوا، ولم يأمرهم بالصلاة قعوداً خلفه وقد سئل أحمد -وهو ممن يبيح للمأموم أن يصلي قاعداً خلف الإمام القاعد- فقالوا له: لقد نسخ بأمر صلاته في آخر أمره! قال: لا؛ لأن فيه احتمالاً، وذلك أن أبا بكر بدأ الصلاة قائماً، فكان القيام ابتداءً، ومجيئه ﷺ للصلاة قاعداً حدث بعد أن انعقد حكم القيام للجميع، ولا ينتقض بعد ذلك. فـ أحمد يرى لمن صلى خلف إمام قاعد أن يقعد، والجمهور يرون عدم ذلك، ويقولون: إن الحالة الأخيرة ناسخة للحالة الأولى، والقيام مقتضى النص؛ لأن القيام واجب على كل مصل إلا لعذر، فإذا عذر الإمام بالقعود فما عذر المأمومين؟! والشارح وغيره يقولون: لقد أُمروا بذلك -أي: بمتابعة الإمام- والجمهور يقولون: قد جاء فعلٌ نَسَخَ هذا الأمر، أو أنه يكون للندب، أو للجواز، ولكن إذا جئنا إلى الأصل فكل من الإمام والمأموم مطالب بالقيام، لقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] ، فإذا طرأ عذر لواحد منهما لا ينجر على الثاني، وبالله تعالى التوفيق.

стр. 835

الفرق بين صلاة الإمام والمنفرد في التخفيف قال المصنف ﵀: [وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا أم أحدكم الناس فليخفف؛ فإن فيهم الصغير والكبير والضعيف وذا الحاجة، فإذا صلى وحده فليصل كيف شاء) متفق عليه] . قوله: (إذا أم أحدكم الناس فليخفف) التخفيف أمر نسبي بحسب ما يعلم الإمام من حالات المأمومين، وهذا من أقوى الأدلة لإثبات تعليل الأحكام؛ فإن هناك من يقول: لا تعليل للأحكام، وإن الله يشرع ما شاء، كما قال تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء:٢٣] ، فلا يقال: لماذا حرم هذا؟ ولماذا أباح هذا؟ فهو غني عن التعليل. والإجابة عن ذلك أن التعليل وحكمة التشريع ليست راجعة إلى الله، فإن الله هو الغني الحميد، ولكن راجعة إلى العباد، فالرسول ﷺ يقول: (إذا أم أحدكم الناس فليخفف) ، الفاء: (فاء السببية، أي: بسبب ما في الناس أو في المأمومين من ضعيف ومريض وذي حاجة وكلمة (ذا الحاجة) عامة، سواءٌ في شخصه أم في غيره. وقد تقدم لنا أنه ﷺ كان يخفف الصلاة من بكاء الأطفال شفقة على الأمهات، وهذا من الحاجة. أو نقول: هذا نص في بيان تعليل الأحكام؛ لأن علة الحكم إذا ثبتت، ثم بعد عهد التشريع وانقطاع الوحي وتمام تدوين السنة، ثم جاءت حادثة، أو جاءت صورة لم تكن منصوصاً عليها -فيما تقدم من النصوص من كتاب وسنة- بالعلة التي علل بها الحكم نستطيع أن نلحق المستجد بعد عصر التشريع بما سبق أن شُرِّع ونُصَّ على تعليله، كما جاء تعليل تحريم الخمر بالإسكار، وجاء تحليل الميتة مع ما فيها من مضرة للجسم للضرورة. إلخ. فمن هذا الحديث يستدل على تعليل الأحكام، واعتبار العلة في تأثيرها في الحكم. قوله: (فإذا صلى وحده) ، أي: منفرداً، (فليطول ما شاء) ، فتصح الصلاة منفرداً. وهذا أيضاً من أدلة صحة الصلاة منفرداً، فيطوِّل ما شاء لأنه أمير نفسه وأدرى بحاجته، وإن تعب خفف. وذكر الشارح هنا مبحثاً، وهو إذا كان يصلي المغرب أو يصلي الصبح وحده، وبدأ في الركعة الأولى بالبقرة كما فعل معاذ في صلاة العشاء، ثم بدأ في الثانية بآل عمران، فستطلع الشمس وهو لم ينته بعد، فهل (يطول ما شاء) على عمومه، أو قد قُيِّد هذا العموم بما لم يخرج وقت الصلاة؟ بعضهم يقول: حتى ولو خرج وقتها؛ لأن الرسول ﷺ قال: (فليطول ما شاء) . نقول: نعم ما شاء، لكن هذا له حد لا يتعداه. قالوا: جاء عن الصديق رضي الله تعالى عنه أنه صلى الصبح فأطال، فلما سلم قالوا: كادت الشمس أن تطلع علينا. قال: إن طلعت علينا لم تجدنا غافلين. ولكن هذا أثر موقوف على أبي بكر رضي الله تعالى عنه، والله أعلم بصحة هذا الأثر، وعلينا أن نتقيد بالوقت، لا أننا نطيل ما شئنا حتى يخرج الوقت.

стр. 836

الأحق بالإمامة وخلاف العلماء فيه قال المصنف ﵀: [وعن عمرو بن سلمة قال: قال أبي: جئتكم من عند النبي ﷺ حقاً، فقال: (إذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآناً، قال: فنظروا فلم يكن أحد أكثر مني قرآناً، فقدموني وأنا ابن ست أو سبع سنين) رواه البخاري وأبو داود والنسائي] . هذا الحديث بداية مبحث من أحق بالإمامة؟ اتفق العلماء على أن أحق الناس بالإمامة أتقاهم وأقرؤهم وأعلمهم، وكل من جمع تلك الصفات الخيرة. فإذا لم توجد كل هذه الصفات فمن أحق؟ نعلم أولاً أن هناك حديثاً -وإن كان سنده فيه شيء-، وهو مكتوب على محراب المسجد النبوي في القبلة (إن أئمتكم وافدوكم إلى الله، فانظروا من توفدون) ، فلو كان لنا حاجة عند ملك، وأردنا أن نرسل شخصاً أوشخصين فإنا نرسل الأشخاص الذين يحسنون مخاطبة الملوك. فإذا كنا -ولله المثل الأعلى- قدمنا الإمام ليدعو ونؤمن بعده فهو وافدنا إلى الله، فمن الذي نختاره وافداً لنا يفد على الله، ويسأل حاجتنا؟ إنه أفضلنا وخيرنا. والخيرية أنواع، وفي أبواب متعددة، فمنها الشجاعة، والكرم، والعلم، والمعرفة، وكل هذه من صفات الخير، ولكن هناك صفات ترجع لأمور الدنيا، وهناك صفات ترجع لأمور الدين، فنجد النبي ﷺ وضع المبدأ في هذا المقام (أقرؤكم) ، و (أقرأ) هنا أفعل تفضيل، فهل معنى القراءة من مادة (قرأ) بمعنى: تلا كتاب الله، أو (قرأ) بمعنى فقه؟ نجد بعض الناس يختلفون في ذلك، ولكن إذا كان الشخص قارئاً فقيهاً ورعاً زاهداً فهو أولى، ولا شك في ذلك، وإذا وجدت بعض الصفات، بأن كان عابداً زاهداً ورعاً لكنه عامي لا يحسن التلاوة، ووجد إنسان من عامة الناس مستور الحال، وهو أجود الحاضرين قراءة لكتاب الله، بمعنى: أجود الناس قراءة -كما جاء عن علي رضي الله تعالى عنه تفسيره: بأن يكون مجوِّداً معرِباً لكتاب الله- فنحن في حاجة إلى من يقرأ القرآن معرِباً، لا لمن حفظ حروفه، فمجرد حفظ الحروف مع عدم إقامة التلاوة لا يصلح في هذا المقام. فـ (أقرؤكم) أي: أجودكم قراءة وبعضهم يقول: (أقرؤكم) أكثركم قراءة. فيحتمل هذا المعنى، فمثلاً: يوجد عندنا شخص يحفظ جزءاً واحداً، لكنه يقرؤه قراءة مجودة، فيعطي كل حرف حقه، ويخرج الحروف من مخارجها، ويعرف كيفية النطق بالحروف في القراءة. وشخص آخر يحفظ نصف القرآن، لكنه لا يعرف قواعد القراءة، فحفظه مجرد سرد، ولا يعرف أماكن الوقف، أو لا يحسن النطق -كما يقولون- في المد والغنة والتنوين. إلخ. فأيهما يُقدم (أقرؤكم) بمعنى: أكثركم، ولو لم يعرب القرآن، أم (أقرؤكم) بمعنى: أجودكم قراءة؟ لاشك أن الأجود قراءة هو المقدم. وهنا مسألة: هل إعراب القرآن في القراءة بمعنى الفقه، أم أن الفقه قسم مستقل، والإعراب قسم ثان مرجِّح؟ سيأتي الحديث الآخر: (فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة) ، فأعلمهم بالسنة يتعلق بجانب الفقه. نبقى في حديث عمرو بن سلمة: أن أباه جاء وقال: (جئتكم من عند النبي حقاً) ، و (حقاً) تأكيد لمعنى النبوة؛ لأن المجيء أمر محسوس، فهو مشاهد حين ذهب وأتى، فهو يقول: من عند النبي نبوة حقيقية.

стр. 837

فضل الأذان والمراد بالأقرأ لكتاب الله قوله: (إذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم) ، وفي بعض الروايات: (أكرمكم) ؛ لأن الأذان دعاء، فالمؤذن يدعو الناس إلى الله، والمؤذنون هم أطول الناس أعناقاً، وعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول: (لولا الخلافة -أو لولا الإمامة؛ لأن الخليفة كان هو الإمام، والإمام هو الخليفة- لكنت مؤذناً) لما في الأذان من عظيم الأجر. ولا يسمع صوت المؤذن شجر ولا مدر ولا حجر ولا جن ولا إنس إلا شهد له والأذان أمر ليس بالهين، وفي الحديث: (ثلاثة يوم القيامة على كثبان من المسك) وذكر منهم: (ورجل أذن محتسباً) . فشأن المؤذن عظيم، والأذان هو شعار الإسلام، ولذلك قال: (فليؤذن لكم أكرمكم) ، فعلى سبيل المثال، لو كنا في مخيم وفيه الخدم والمشتركون، وفيه أمير للمخيم، فجاء واحد من الخدم ونادى: هلموا تعالوا. وجاء أمير القوم أو من دونه، أو مِن مساعديه ونادى: هلموا يا قوم. فالإجابة الأكثر تكون للشخص الذي هو أعلى درجة وله مكانة في المجتمع، فكذلك المؤذن. لكن الآن كثر الأذان والمؤذنون، ولا نستطيع أن نجمع أكرم الناس ليؤذنوا، وجاء في الآية: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] ، فإذا وجد إنسان مستقيم الحال على قدر من الصلاح، ومعروف بين الناس بالاستقامة فلا مانع أن يؤذن لنا. قال: (فليؤذن أحدكم -وفي رواية: أكرمكم- وليؤمكم أكثركم قرآناً) . هذا اللفظ يفسر لنا: (أقرؤكم لكتاب الله) بأن المراد من وعى قرآناً أكثر من غيره، ولكن على ما تقدم ليس مجرد حفظ حروف دون تجويدها وإعرابها. يقول بعض العلماء: إن حفظ القرآن في الصدر الأول يتضمن الفقه؛ لأن السلف كانوا كما قال ابن مسعود: (كنا إذا أخذ أحدنا عشر آيات لا يجاوزهن -وفي حديث ابن عمر: خمس آيات- حتى يحفظهن ويتعلمهن ويعمل بهن، فأخذنا كتاب الله حفظاً وعلماً وعملاً) ، فقالوا: من حفظ القرآن أو حفظ بعض السور معناه أنه حفظ حروفها، وفقه معانيها، وعمل بها، فالأكثر قرآناً أكثر فقهاً وعلماً وعملاً. ولكن نجد في حديث عمرو هذا أنه كان غلاماً عمره ست أو سبع سنوات، وفي بعض الروايات: (ثمان سنوات) ، قال: (فنظروا فلم يكن أحد في القوم أكثر قرآناً مني) ، وهو ابن ست أو سبع أو ثمان سنوات. ويذكرون في سبب ذلك أنه كان غلاماً فطناً ذكياً، وكان المسلمون الذين يفدون على رسول الله ﷺ يمرون بهم ذهاباً، ويمرون بهم عند عودتهم، وينزلون عندهم، فيسألهم: ماذا سمعتم من القرآن؟ فيسمع منهم ما سمعوا من رسول الله ﷺ فيحفظ عنهم، ولم يكن يفعل ذلك من قومه أحد، فكان لتلقيه المسلمين العائدين من عند رسول الله ﷺ وسؤالهم عما لديهم من القرآن يحفظ أكثر من الموجودين في بني سلمة. ولذلك قدموه ليصلي بهم وهو ابن ست أو سبع، وفي رواية: (ابن ثمان) ، وليكن ابن ثمان فسنه -قطعاً- دون البلوغ، وفي تتمة خبره أنه كان يصلي في بردة، وكانت قصيرة فإذا سجد تقلصت، وقال نسوة: استروا إمامكم أو غطوا عنا است صاحبكم. قال: (فاشتروا قماشاً، فخاطوا لي قميصاً، فما فرحت بشيء كفرحي بذلك) . إلخ.

стр. 838

حكم إمامة الصبي المميز مسألة: هل تصح إمامة الصبي أم لا؟ إن إمامة الصبي، وإمامة المرأة، وإمامة الفاسق، وإمامة الأعرابي للحضري كل هذه مباحث مفصلة في كتب الفقه، ومن أكثر من فصل في ذلك صاحب كتاب: (كشاف القناع) عند الحنابلة. فيرى بعض العلماء صحة صلاة البالغ الكبير في الفريضة خلف المميز الصغير، ونجد بعض العلماء يقول: لا تصح صلاة المفترض البالغ خلف الصبي فماذا عن هذا الحديث؟ قالوا إنه كان في النافلة، وابن عبد البر وغيره يقول: صرف هذا إلى النافلة بعيد؛ لأن الرسول ﷺ قال: (فليؤذن أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآناً) ، فيؤمهم في النافلة أم في الفريضة؟ ثم أيضاً في سياق كلام أبيه حين جاء وقال: أمرنا ﷺ أن نصلي صلاة كذا في وقت كذا، وصلاة كذا في وقت كذا يعني: علمهم أوقات الصلاة، وأمرهم أن يؤذن أحدهم، وأن يصلي بهم أكثرهم قرآناً، فهل السياق في النافلة أم في الفريضة؟ في الفريضة بلا شك. وقوم أخذوا بهذا الحديث، ولكن كره مالك إمامة الصبي، وكل من لم يصحح اختلاف النية في الصلاة قالوا: هل صلاة هذا الصبي التي يؤم فيها فريضة أم نافلة؟ هي في حقه هو نافلة؛ لأنه لم يجر عليه التكليف بعد. وليس عليه فريضة في الإسلام إلى الآن، فقالوا: كيف يؤم المتنفل المفترضين؟ وعدم البلوغ يدل على عدم التكليف! وآخرون قالوا: هذا نص رسول الله ﷺ ، فقيل: ليس هذا نصاً من رسول الله، فنص رسول الله ﷺ قاعدة عامة، والتطبيق جاء من قومه، فهل قال: يصلي لكم عمرو بن سلمة؟ وهل قال: يصلي لكم الصبي الحافظ؟ وهل قال: أكثركم قرآناً ولو كان مميزاً صغيراً؟ لكنهم لما سمعوا قاعدة التشريع: (أكثركم قرآناً) جاؤوا يبحثون عمن هو أقرؤهم قرآناً فما وجدوا إلا هذا الغلام فقدموه. فقاعدة التشريع العامة سليمة من رسول الله ﷺ ، وصالحة لكل زمان ومكان، ولكن التطبيق العملي يكون من الناس، فهل -يا ترى- لما قدموا هذا الغلام علم بذلك رسول الله ﷺ وأقرهم على ذلك، أم أن هذا اجتهاد منهم؟ هذا اجتهاد منهم في تطبيق القاعدة. وأجاب الآخرون فقالوا: إنه اجتهاد منهم في تطبيقها على أهم أعمال الإسلام وهي الصلاة، ثم لم يأت بأن الرسول ﷺ أرسل إليهم: إن إمامكم لا تصح إمامته. ولم يأت أن الرسول ﷺ أنكر عليهم فيما بعد. وقد كان ﷺ لا يُقَر على شيءٍ باطل، ولو كان لا يعلمه، فقد نبِّه على القذارة في نعليه، فكان يصلي وفي أثناء الصلاة أتاه جبريل وقال: اخلع نعليك؛ لأن فيهما أذى. فخلع نعليه وهو في الصلاة، وخلع الناس نعالهم، فلما سلم قال: (ما حملكم على إلقائكم نعالكم؟ قالوا: رأيناك خلعت فخلعنا. قال: أحسنتم) يعني: تأسياً بما رأوه من الفعل، وإن لم يعلموا السبب. ثم قال: (إن جبريل ﷺ أتاني فأخبرني أن فيهما قذراً) ، فبين لهم أنه خلعهما عن إخبار من جبريل، أي: لم يقره الله على ما هو عليه من صلاة بأذى في النعلين. فلا يُقرُّه على إمامة الغلام لقومه، وكل هذا -كما يقال- تعليل لما ذهب إليه كل فريق. فالخلاف في إمامة الصبي، ولكن إذا اجتمع قوم لا يوجد فيهم قارئ إلا غلام مثل هذا، كما لو قدر أن قوماً في البادية ليس عندهم قارئ، فإنه يصلي بهم.

стр. 839

كتاب الصلاة - باب صلاة الجماعة والإمامة [٥] إمامة المسلمين في الصلاة منزلة رفيعة وشرف عظيم، وقد جعل الشارع لذلك شروطاً وأوصافاً، فمن تحققت فيه فهو الأولى بالتقديم، فيقدم الأكثر قرآناً -أي: الأكثر حفظاً والأحسن تجويداً- ثم الأعلم بالسنة، ثم الأقدم هجرة، ثم الأقدم سلماً، ثم الأكبر سناً. ولا يجوز لرجل أن يؤم آخر في سلطانه إلا بإذنه، فإن حق ذي السلطان مقدم على الحقوق المتقدمة. ولا يجوز لامرأة أن تؤم الرجل، ولا لأعرابي أن يؤم المهاجر والحاضر، ولا يجوز أن يؤم فاجر مؤمناً.

стр. 840

تابع أحكام صلاة الجماعة

стр. 841

الاعتبارات الشرعية في اختيار الإمام للصلاة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فيقول المصنف ﵀: [وعن أبي مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالى، فإن كانوا في القراءة سواءً فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة، سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلماً -وفي رواية: سناً-، ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه) رواه مسلم] . حديث أبي مسعود هذا فيه تفصيل ما أجمل في حديث عمرو. فنا (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) ، وحديث عمرو: (أكثركم قرآناً) ، فالمراد الأكثر مع أجود وأحسن قراءة، فإن وجد كثير القرآن لا يعرب القراءة، وقليل القرآن يعرب فنقدم الذي يعرب ولو كان أقل حفظاً. قال: (فإن كانوا في القراءة سواء) ، أي: كلاهما يعرف التجويد، ويحسن التطبيق، وليس المراد مجرد القراءة؛ لأن العبرة في التجويد التطبيق، فإنه أخذ عن النبي ﷺ تلقيناً وسماعاً، فإن كان في ذلك سواء فمن الذي يقدم؟ وقبل هذا قال: (يؤم القوم) ، ولم يقل: سيدهم، ولا أشرفهم، ولا أميرهم، ولا أفضلهم، إنما جاء إلى وصف في الإسلام، وهو الربط بالأصل الذي هو كتاب الله، وفي هذا توجيه الأمة بأكملها أن تتجه إلى إجادة قراءة القرآن؛ لأن هذه الصفة تؤهلهم إلى إمامة القوم، ونعلم من الناحية الأخرى أن في الخلافة الكبرى، أو في أمور الرئاسة والسياسة والإدارة يتولى خلافة الأمة وسياسة أمرها أفضلها، كما جاء في تولية أبي بكر الصلاة بالناس، وسيأتي التنبيه عليه. فإن كانوا في القراءة سواءً، ونريد أن نقدم أحد الشخصين أو الأشخاص ننتقل إلى مرجح آخر وهو: (أعلمهم بالسنة) ، يعني: أفقههم بالسنة، ولماذا لم يقل: أفقههم بالكتاب، وقال: أقرؤهم لكتاب الله؟ (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) ، يقول العلماء: لأن فقه السنة أعم من فقه القرآن، فالسنة هي المبينة والمفصلة لجميع آيات الأحكام في كتاب الله، وما من آية في فريضة ولا في حد إلا والسنة تبين مجملها، أو تقيد مطلقها، أو تخصص عمومها، فكما قيل: الكتاب يحتاج إلى السنة أكثر مما تحتاج السنة إلى الكتاب، ومن هنا تجب العناية بفقه السنة. وإذا جاء بعد (أقرؤهم) (أفقههم للسنة) فأقرؤهم تُحمل على معنى الفقه أم على تجويد القراءة؟ تحمل على تجويد القراءة؛ لأن الفقه جاء منصوصاً عليه في قوله: (أفقههم بالسنة) . وهنا يأتي العلماء بقضية، ويقولون إن الأقرأ لابد أن يكون الأفقه، قالوا: لأننا وجدنا النبي ﷺ قدم أبا بكر للصلاة بالناس مع أنه قال: (أقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب) ، وقال: (خذوا القرآن من أربعة من عبد الله بن مسعود، وسالم، ومعاذ، وأبي بن كعب) ، فذكر أربعة أشخاص ليس فيهم أبو بكر وعمر، وقال: (أقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب) ، فكيف يقدم أبا بكر وقد شهد بأن أقرأهم أبي بن كعب؟ أجابوا عن ذلك بقولهم: إن تقديم الرسول ﷺ لـ أبي بكر لا لمجرد الصلاة، ولكنه إرهاص وتنبيه وإرشاد وتعليم للأمة بأن الذي سيخلفه في مقامه هو أبو بكر، بدلالة تقديمه له في الصلاة، وعند أبي بكر من القراءة والفقه ما يصلح الصلاة. وإنما قدِّم الأفقه؛ لأن الإمام قد يطرأ عليه في صلاته ما يبطلها أو يخل بها، فلابد أن يكون فقيهاً عالماً، يتجنب ما يبطل الصلاة أو يخل بها. ولكن أمور فهم الصلاة وإبطالها أمر ضروري، وقل من يجهل ذلك، فـ أبو بكر رضي الله تعالى عنه لديه من القراءة والفقه ما يقتضي ذلك وزيادة، ولذا كانوا يقولون: أبو بكر أفقه الناس، أو أفقه الأمة بعد رسول الله ﷺ ، وذلك في شهادة عمر وعثمان وغيرهما. قال: (فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة) . قال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد:١٠] ، فالذين سبقوا إلى الهجرة لهم خصوصية عمن لم يهاجر إلا بعد الفتح، ولا هجرة بعد الفتح، ثم يبحث العلماء، في أقدمهم هجرة هل خاص بالسلف الأول المهاجرين من مكة إلى المدينة، أم أن الهجرة لم تنقطع؟ قالوا: لو قدر في بلد من البلاد أنه تضايق المسلمون واضطروا إلى الهجرة إلى بلد إسلامي، فإن اعتبار التقدم في الهجرة هناك يعتبر هنا الآن. وبعضهم قال: إن أبناء المهاجرين السابقين يعطون حقوق الآباء، فابن السابق هجرة مقدم على ابن المتأخر هجرة، وكل ذلك اعتبارات للترجيح. فأحياناً كان يأتي النفر الواحد مهاجراً، وأحياناً يأتي الرجل ومعه الرجلان والثلاثة والعشرة والأربعون مهاجرين معه، فإن كان أحد سبق ولو بيوم فهو مقدم، وإن هاجروا في وقت واحد فلا ترجيح. قال: (فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلماً) . إن كانوا في الهجرة سواء فيقدم أقدمهم في الإسلام قبل أن يهاجروا؛ لأنهم -كما يقولون- كانوا يعدون المسلمين عداً، كما يقول بعضهم: (كنت سابع سبعة) ، فـ عمر (لم يتقدم عليه ثلاثون رجلاً) ، وحمزة كان قبله بثلاثة أيام. وقد أحصى المؤرخون تاريخ السابقين الأولين في الإسلام، ومتى أسلموا، فمن أسلم قبل دخوله ﷺ دار الندوة، ومن أسلم بعد أن خرج منها كل هذه التواريخ مقيدة. فإذا كانوا في الهجرة سواءً فالذي تقدم إسلامه هو الإمام، وكل ذلك مفاضلة فيما بينهم لمن يستحق الإمامة، وكل هذا مع اجتماع أقرئهم وأعلمهم وأسبقهم هجرة. أي: إذا استووا في كل ما تقدم. ثم (أكبرهم سناً) ؛ لأن الإمام كلما كان كبير السن كان موضع توقير عند الناس.

стр. 842

السلطان أحق بالإمامة في سلطانه ننتقل إلى القسم الثاني من الحديث: (ولا يَؤُمَّنَ الرجلُ الرجلَ في سلطانه) . فكما أنه لا يؤم القوم أجهلهم، ولا عديم المعرفة بالقراءة وفيهم من هو أولى منه، كذلك لا يؤم الرجل الرجل في سلطانه. والسلطان كلمة عامة، وهي في كل شيءٍ بحسبه، فهناك السلطان الأعظم -كما يقولون-، وهو ولي أمر المسلمين، وحاكم الدولة، أو حاكم الأمة، وهناك أمير المقاطعة، وهو سلطانها. وحاكم القرية هو سلطانها، فكل من كانت له ولاية على جماعة فهو سلطانها، قالوا: ويتبع ذلك إمام المسجد الراتب ورب البيت؛ لأنه سلطان البيت، كما في الحديث: (والرجل راع في أهل بيته) . وهنا قوله: (لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه) فيه احترام السلطة، واحترام الحق المعنوي؛ لأن السلطنة أو السلطان أمر معنوي، فقد يختار ولي أمر المسلمين شخصاً اليوم، ثم يُتوفى ويأتي غيره، أو يعزله ويأتي بغيره، فهو أمر نسبي لشخص لأمر معنوي، فيُحترم هذ الحق؛ لأن من حقه في سلطانه أن يأمر وينهى، وأن يكون المقدم على غيره؛ لأن رعيته في سلطنته لا تتقدم عليه، ولا تفتئت عليه في أوامره، ولا في تعليماته، وكذلك إمامة الصلاة ولاية، فلا ينبغي أن يتقدم شخص أجنبي على شخص في سلطانه يؤمه، حتى إنهم قالوا: لو كان هذا السلطان المطلق على الأمة والدولة، أو السلطان المحدود السلطة في إقليم أو قرية، بالنسبة لمن معه أقلهم قراءة، فمادام يصحح الصلاة، ولا يلحن لحناً يخل بالمعنى، ولا يخطئ في أدائها، -أي: يحسن الصلاة- فيكون حينئذٍ مقدماً على من هو أفضل منه قراءة ونسباً وسبقاً للإسلام. إلى آخره. وغاية ما فيه أنها: صلاة الفاضل خلف المفضول، وصلاة الفاضل خلف المفضول صحيحة بإجماع المسلمين، فقد صلى النبي ﷺ خلف عبد الرحمن بن عوف، واختلف في أنه صلى خلف أبي بكر أو لم يصل خلفه، ويكفينا أنه صلى خلف ابن عوف. فصلاة الفاضل خلف المفضول صحيحة، وهنا لو كان صاحب السلطان أقل رتبة في مراتب الإمامة، وخلفه أو معه من هو أعلى رتبة في مقام الإمامة فلا يحق له أن يتقدم على صاحب السلطان، ولكن إن أذن له السلطان فلا بأس، ويكون قد تنازل عن حقه في سلطانه، وسمح لغيره أن يتقدم بالإمامة. فقوله: (لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه) كلمة (سلطان) هنا عامة، سواءٌ أكان السلطان العام كولي أمر المسلمين عموماً ملكاً أو رئيساً أو غير ذلك، أم كان في مقاطعة أو في إقليم أو في قرية أو هجرة أو نحو ذلك.

стр. 843

الإمام المولّى من قبل السلطان أحق بالإمامة من غيره وقاسوا على هذا أيضاً إمامة المسجد إذا كان الإمام راتباً؛ لأن الإمام الراتب مولَّى من قبل السلطان، فهو أحق بالإمامة من غيره، حتى قالوا: إذا تأخر الإمام الراتب ينتظرونه ما لم تكن مضرة، فإن كان مكانه قريباً أرسلوا إليه، فإن اعتذر أو لم يوجد وخيف الضرر فعلى الحاضرين أن يقدموا ويختاروا لأنفسهم من يصلي بهم. وقالوا: لو قدر أنه تأخر لعذر، وأرسلوا إليه فلم يجدوه، واختاروا وقدموا من يصلي بهم، فجاء أثناء الصلاة فمن حقه أن يتقدم للإمامة، وعلى الذي اختاروه للإمامة أن يرجع إلى الصف مؤتماً. وماذا يفعلون فيما سُبِق به، كأن جاء بعد أن صلوا ركعتين؟ قالوا: يصلي بهم الركعتين الباقيتين، ثم يقوم لاتمام صلاته، والمأمومون يبقون جالسين، فإذا أتى بالركعتين اللتين فاتتاه وأتم لنفسه الصلاة -وهم قد تمت صلاتهم- سلّم وسلموا معه، وإن ترك الإمام الذي اختاروه يتم الصلاة وائتم به فلا مانع في ذلك. فعدم إمامة الرجل الرجل في سلطانه أولاً وقبل كل شيء فيه احترام للسلطة واحترام للحقوق، وألا يفتئت أحد على أحد في مركز سلطته وسلطانه مهما كان مستواه، ومهما بلغ من أمره. وكذلك لا يؤم الرجل الرجل في بيته؛ لأنه سلطان بيته إن كان له أن يصلي جماعة في البيت، فقد تكون هناك أعذار له، كأن يكون المسجد بعيداً، أو كان هناك مرضى، وخيف من التفرق، واحتاجوا إلى أن يصلوا في البيت فحينئذٍ الأحق بالإمامة صاحب البيت، ولو كان أيضاً أقل رتبة في الإمامة من بعض الحاضرين؛ لأن حقه مقدم، إلا إذا أذن وقدم فلاناً ليصلي، فقال له: الحق لك لأنك صاحب البيت، فيقول: قد أذنت لك فحينئذٍ يتقدم من هو أولى بمرتبة الإمامة فيصلي؛ لأن صاحب البيت تنازل عن حقه وأذن له، فالصلاة في محلها. قال ﷺ : (ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه) . نأتي إلى ناحية أخرى اجتماعية، وهي: احترام حرمة البيوت، فإذا دخلت بيتاً ورأيت مجلساً خاصاً متميزاً لصاحب البيت سواءٌ أكان كرسياً، أم كان فراشاً، أو دخلت مجلساً عاماً، وتعرف من واقع الحال أن هذا صدر المجلس وهو لصاحب البيت، فلا ينبغي لك أن تجلس في مجلس صاحب البيت إلا بإذنه؛ لأن هذا حقه، والجلوس مكانه افتئات عليه. فقوله: (تكرمته) هي الموضع الذي يُكرم به صاحب البيت، وهو مكان مميز كما تقدم، فإذا عرفت أن هذا المكان متميز عن بقية المجلس، وعرفت أن هذا لصاحب البيت، سواءٌ أكان صاحب البيت من أرباب المنازل العليا والمراكز العليا، أم كان من عامة الناس فهذا حق له لا يحق لك أن تجلس عليه إلا بإذنه، وكذلك إذا دخل إنسان في غيبة الرجل، وكان من محارم أهله، فلا يحق للمرأة أن تجلس شخصاً ما على فراش رجل إلا بإذنه، فإن كان قد أذن لها فبها وإلا منعته. وهذا من باب احترام فراش الرجل. فقد جاء أبو سفيان رضي الله تعالى عنه قبل أن يسلم قبل فتح مكة وبعد صلح الحديبية، وقد نقضت قريش العهد، فجاءت خزاعة تستنصر رسول الله ﷺ على قريش التي نقضت العهد، فعلم أبو سفيان فسبق وجاء يطلب تمديد الهدنة وتوثيقها، فجاء إلى أبي بكر ليشفع له عند رسول الله ﷺ ، قال: والله ما أنا بالذي يشفع على رسول الله ﷺ ، وجاء إلى عمر، فقال عمر: أنا أشفع لكم! والله لو لم أجد إلا الذر أقاتلكم به لقاتلتكم. وجاء إلى علي، قال: والله لا أستطيع أن أشفع على رسول الله ﷺ ، ثم جاء إلى فاطمة، قالت: أنا امرأة لا أجير على الرجال، قال: مري ابنيك هذين الحسن والحسين، قالت: إنهما غلامان لا يملكان أن يجيرا أحداً على رسول الله ﷺ ، فدخل على ابنته أم حبيبة وهي زوج رسول الله ﷺ ، ولما دخل عليها كان لرسول الله ﷺ فراش فطوته، ومنعته أن يجلس عليه، وهو فراش من ليف، قال: والله يا ابنتي لا أعلم، أطويتي هذا الفراش ظناً به عليَّ، أو ظناً بي عليه، يعني: إما لأنه لا يليق بي أنا، أو لأني لا أليق به، قالت: لا، إنه فراش رسول الله ﷺ وأنت رجل مشرك نجس، لا يحق لك أن تجلس على فراش رسول الله ﷺ ، قال: والله لقد أصابك يا ابنتي بعدي شرٌ، ما كنت هكذا، فهي كرمت فراش رسول الله ﷺ على أبيها؛ لأن أباها ما زال كافراً، فلا يليق أن تجلسه على فراش رسول الله ﷺ . وبناءً على ذلك: فإذا كان للرجل فراش خاص، سواءً كان فراش نومه أو غيره، لا ينام أحد في مكانه حتى أولاده، ولا يليق للولد أن ينام في فراش أبيه، ولا يحق للأم أن تأذن للولد في ذلك. وكذلك البنت لا تنام في فراش أمها، وهكذا لا ينبغي لإنسان دخل بيتاً أن يبيح لنفسه ما لصاحب البيت من مكانة مختصة به: فراش ينام عليه، أو محل يجلس فيه.

стр. 844

الأحق بالمكان في المسجد وقد بحث العلماء مسألة قريبة من هذا، فمثلاً: المحلات العامة كالمساجد، إذا كان للإنسان مكاناً في المسجد، واعتاد الإتيان إليه، وهو ممن يحضر الصلوات الخمس، وتعود أن يأتي مبكراً، ويجلس في مكان معين، فلو أن إنساناً آخر سبق إليه، أيحق له أن يجلس فيه؟ وإذا جاء صاحب هذا المكان، أيحق له أن يقيمه منه ليجلس مكانه؟ بعض العلماء يقول: لا يقيمه؛ لأنه جاءت بعض الآثار في النهي عن أن يتوطن إنسان موقعاً في المسجد توطن البعير، لأن البعير إذا وطنته في مكان، لا يمكن أن يتحول عن ذاك المكان، يألف ذاك المكان، ولا يمكن أن يبرك إلا فيه، فنهى عن ذلك رسول الله ﷺ . وبعض العلماء قال: ما دام هذا شخص متعود وله عادة في السبق ومحافظ على الجماعة، يجب أن نحترم محافظته ومبادرته، ونكرمه بترك المكان له. وبعضهم قال بالتفصيل: فهذا الشخص الذي اعتاد مكاناً بعينه، وعرفه الناس به، ننظر أللناس مصلحة عنده، فيبقى في المكان الذي عرف به، حتى لو جاء صاحب حاجة، يريده فيما فيه المصلحة عرف مكانه، دون أن يبحث في المسجد عنه، أم أنه شخص عادي من عامة المسلمين؟! فإن كان شخصاً للناس عنده مصلحة، لم يفتي الناس، وعرف الناس مكانه، وإذا وقعت بإنسان نازلة فيعلم أن فلاناً في المسجد في المحل الفلاني، فيأتي السائل ويقال له: فلان -مثلاً- أمام باب الرحمة، أو فلان أمام كذا، فإن اشتهر بهذا المكان، وكان للناس عنده حاجة يقصدونه فيها فالأولى أن يترك له مكانه لخدمة الناس؛ لأن من يدخل ويأتي إلى مكانه سيجده هناك. لكن لو أننا أخذنا مكانه عليه فتارة يجلس في اليمين، وتارة يجلس في اليسار، وتارة هنا، وتارة هناك، كان في ذلك تفويت المصلحة على الناس. فإذا سبق إنسان وجاء ذلك الشخص الذي اعتاد هذا المكان فمن حقه أن يقيم من جلس فيه، وأن يجلس في مكانه، والله تعالى أعلم.

стр. 845

من لا تصح إمامته
следующие страницы →