Полный текст (2 523 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
ما يجب على المستمعين حال الخطبة
[وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفاراً، والذي يقول له أنصت ليست له جمعة) رواه أحمد بإسناد لا بأس به، وهو يفسر حديث أبي هريرة في الصحيحين مرفوعاً] .
بعدما فرغ المؤلف ﵀ مما يتعلق بالإمام والخطيب فيما يتعلق بموضوع الخطبة والمقارنة بينها وبين الصلاة، وما يتخيره الخطيب من المواضيع من كتاب الله أو من سنة رسول الله ﷺ جاء بما يتعلق بالمستمعين، ويذكر لنا ابن عباس ﵄ ما جاء عنه ﷺ في حق من يتكلم والإمام يخطب يوم الجمعة، والتقييد بيوم الجمعة ربما يخرج غير الخطبة في يوم الجمعة كالاستسقاء وكالعيدين، وكالخطب العادية التي هي لأمور اجتماعية.
وبعض العلماء يرى أن كلمة (يوم الجمعة) جاءت لقضية عينٍ، وليس لها مفهوم.
وقوله ﷺ : (والإمام يخطب) ، معناه: أن الكلام قبل بدء الإمام بالخطبة ليس ممنوعاً؛ لأن بعض الناس يقول: إذا صعد الإمام المنبر امتنع الكلام، ومعلوم أنه حينما يصعد لا يبدأ بالخطبة، وإنما يسلم على الحاضرين، ثم يقوم المؤذن فيؤذن بين يدي الخطيب، ثم يشرع الخطيب بعد ذلك في خطبته، فبعض الناس كان يقول: يمنع الكلام حينما يصعد الإمام المنبر، كما قالوا: إن مجيء الإمام يمنع الصلاة، وصعوده المنبر يمنع الكلام، والمعنى: أن مجيئه يمنع الصلاة، كما في الحديث: (إذا أتى يوم الجمعة فليصل ما تيسر له، فإذا صعد الإمام المنبر فلينصت) ، فبعضهم يقول: مجيء الإمام يمنع الصلاة، وكان الإمام في المسجد النبوي يخرج من باب ما بينه وبين المنبر إلا خطوات، فمعناه أنه لم يعد هناك وقت لمن يريد أن ينشئ صلاةً من جديد؛ لأنه سيتعارض في صلاته مع بدء الإمام في الخطبة، فإذا كان الأمر كذلك فنعم، فمجيء الإمام يمنع الصلاة أي النافلة.
ومن هنا قال العلماء: على إمام الجمعة وخطيبها إن كان بيته ملاصقاً للمسجد -كما يوجد في بعض المساجد- أن لا يخرج إلى المسجد ولا إلى المصلين إلا بعد أن يؤذن على السطح أو على المنارة الأذان الأول، فيخرج لوقته من أجل أن يصعد إلى المنبر، وإذا كان بعيداً وأراد أن يبادر فإنه يجلس في مكان قريبٍ من المنبر، حتى إذا قام من مكانه عرف المؤذن مكانه وجاء إلى المنبر.
وهنا نص الحديث: (والإمام يخطب) ، فقبل الخطبة لا مانع، ويقول ﷺ هنا في الحديث: (من تكلم والإمام يخطب) ، وهذا عام، ويستثنى من ذلك من تكلم مع الخطيب، فإذا تكلم المتكلم مع الخطيب فليس داخلاً في هذا؛ لأن النبي ﷺ كان يخطب ويقوم الرجل ويسأل ويجيبه ﷺ وهو يخطب، قالوا: لأن الحث على الإصغاء من أجل أن لا يفوت المتكلم شيء من الخطبة، وهذا إنصات إجباري، وإلا فتلغى جمعته؛ لأنه لو تكلم كل إنسان بكلمة لحصل اللغط، ولما سمعوا الخطبة، ولما كان للخطبة كبير فائدة، فألزم الجميع بالإصغاء، وكلٌ يسكت نفسه، حتى إنك لا تقول لصاحبك: أنصت، فما يجوز لك هذا، فأنصت أنت عن قولك لصحابك أنصت، فلو أن إنساناً قال للثاني: أنصت أنصت.
لقال غيره: أنصت، ويلزم من هذا التسلسل إلى النهاية، فكلٌ شخص عليه أن يسكت نفسه، فإذا ما أنصت الجميع أمكن للخطيب أن يوصل صوته إلى أكثر عدد، وأمكن للجميع أن يستفيدوا من صوته.
أما إذا كان المتحدث مع الإمام فالإمام سيوقف الخطبة، ويتكلم مع من كلمه، فلا يفوته ولا غيره شيء من كلام الخطيب؛ لأنه سيوقف الخطبة حتى يجيبه على سؤاله أو كلامه، ثم يستأنف خطبته.
ونعلم جميعاً قصة الأعرابي الذي جاء ودخل المسجد والنبي ﷺ يخطب، فقال: يا رسول الله ادع الله لنا أن يسقينا، وشكا له تقطع السبل وجفاف الأراضي ونحو ذلك، فرفع ﷺ يديه وهو في الخطبة واستسقى وسقوا، ثم جاء بعد ذلك وقال: ادع الله أن يرفعها عنا.
فدعا الله وسأله، وقد كانوا لم يروا الشمس أسبوعاً، فانقشع السحاب وخرجوا يمشون في الشمس.
وهكذا يأتي الرجل والرسول يخطب فيقول: يا محمد! علمني الإسلام، فيترك الخطبة، وينزل إلى الرجل ويعلمه، ثم يصعد المنبر ويكمل خطبته.
فالكلام مع الخطيب ليس فيه شيء، وكذلك كلام الخطيب مع الحاضرين، فحينما دخل رجل وجعل يتخطى الرقاب، ترك ﷺ الخطبة وقال: (اجلس فقد آنيت وآذيت) .
وآخر جاء وجلس، فترك الخطبة وسأله: (أصليت ركعتين -أي: التحية-؟ قال: لا.
قال: قم فاركعهما وتجوز فيهما) .
إذاً: فكلام الإمام مع المصلي أو أحد المصلين مع الإمام خارجٌ عن هذا النهي؛ لأنه لا يفوت مصلحة، بل يأتي بمصلحة جديدة.
وتشبيه النبي ﷺ من تكلم والإمام يخطب يوم الجمعة بما شبه به القرآن الكريم علماء بني إسرائيل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها، فحملوها بالقوة، ولكن لم يحملوها بالفعل، كمثل الحمار يحمل أسفاراً، والأسفار: جمع سفر، وهي الكتب، كما أن الحمار يثقل ظهره ثقل الكتب، ولم يستفد منها بشيء، وكما قيل: كالعيس في البيداء يقتلها الظما والماء فوق ظهورها محمول فالإبل تحمل الماء فوق ظهرها وهي في الصحراء، وتموت من العطش لأن صاحبها ما أعطاها الماء، فالماء على ظهرها ما نفعها، فكذلك علماء بني إسرائيل لما حملوا التوراة ولم يعملوا بها كانت عليهم كمثل الأسفار على ظهر الحمار، وهو أشبه ما يكون من ضرب المثل بالبلادة، فيثقل ظهره بحمله، ولا يستفيد منه شيئاً.
فكذلك الإنسان حمل أمانة المجيء إلى الجمعة وفضلها كما في الحديث: (الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما) ، ومع أنه يحمل هذا العبء وهذه الأمانة ولم ينتفع بها؛ لأنه يتكلم مع صاحبه والإمام يخطب، فبين يديه علم وهو إنما جاء لخيرٍ، فلم يستفد منه، وهذا التشبيه -كما قال أحمد - مثل السوء.
فقد وقع الخلاف في الرجل يهب الهبة ثم يعود فيها، فتناظر أحمد مع الشافعي، فـ الشافعي قال: ليس في ذلك شيء، وأما قول الرسول ﷺ : (العائد في هبته كالكلب يقيئ ثم يعود في قيئه) ، فإن الكلب لا تكليف عليه، فلا حرمة في ذلك.
فقال أحمد: ولكن ليس لنا مثل السوء، فالرسول ضرب مثلاً بالكلب؟ لأنه مثل سوء وتشبيه سيئ، فهل ترضى لنفسك أن تكون كالكلب؟ فاحتج أحمد على الشافعي بهذا.
وكذلك هذا المثال فيه بيان لتقبيح الفعل ونهي عنه.
ثم جاء في تتمة هذا الحديث قوله ﷺ : (إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت) .
فالذي يتكلم كالحمار يحمل أسفاراً، والذي يقول له: اسكت، مرتكب لمنكر، فقوله: اسكت نهي عن منكر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في القمة من العبادات؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أوجب الواجبات، ولكن في هذا الوقت صار إنكاره منكراً؛ لأنه تلغى في حقه الجمعة، ويكلف بإعادة صلاة الظهر، فتلغى الجمعة وينوب عنها الظهر، أو تلغى كونها جمعة بما فيها من أجر كما في الحديث: (والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما) ، ويبقى إجزاء الفرض وهو حكم الظهر، فيكون كأنه صلى الظهر في يوم السبت أو الخميس، أما فضيلة الجمعة فلا يحصل عليها.
وبعضهم يقول: لا جمعة له ولا صلاة له، وعليه أن يأتي ببديل عنها وهو صلاة الظهر.
والموضع موضع خلاف طويل، ولكن يهمنا مجمل هذا الموضوع.
ثم للعلماء مبحث آخر، وهو إذا كان الإنسان في مؤخرة المسجد فلا يسمع الخطيب ولا يدري ماذا يقول، وكذلك إذا وجد المكبر وتعطل الجهاز فلم يسمع المصلي من الخطيب، أيجوز له أن يتكلم؟ بعضهم يقول: له ذلك إذا كان بتلاوة القرآن، وإذا كان بالتسبيح، وإذا كان بالاستغفار، لأنه ذكر، وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩] .
والآخرون يقولون: ليس له ذلك؛ لأن البعيدين إذا اشتغلوا بالتلاوة أو بالذكر ربما ارتفعت أصواتهم فيحصل اللغط على الذي يسمعون.
والصحيح أنه لا يجوز أن يقرأ أو يذكر الله، وأن عليه أن ينصت، وله أجر المستمع في الخطبة إن شاء الله، وبالله تعالى التوفيق.
стр. 947
كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة [٥]
أمر النبي ﷺ بصلاة ركعتين تحية المسجد، وإن كان الإمام يخطب، فإنه لا تعارض بين الأمر بالإنصات وبين هذه الصلاة؛ فهي من ذوات السبب التي حث عليها الشارع.
وقد كان ﷺ يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقون؛ وذلك لمناسبتهما في الأمر بتعظيم هذه الصلاة، وترك التشبه بالمنافقين في التباطؤ عن الصلاة وعدم التبكير لها، وترك التشبه باليهود الذين لم يلتزموا بالتوراة ولم يعملوا بما فيها.
стр. 948
شرح حديث جابر في أمر النبي ﷺ الداخل وقت الخطبة بالصلاة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فيقول المصنف ﵀: [وعن جابر ﵁ قال: (دخل رجل يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب فقال: صليت؟ قال: لا.
قال: قم فصل ركعتين) متفق عليه] .
تقدم النهي عن الكلام وقت الخطبة، وأن من قال للمتكلم: أنصت فقد لغى، ومن لغى فلا جمعة له.
ويأتينا هنا عن جابر ﵁ أن رجلاً دخل والنبي ﷺ يخطب يوم الجمعة، ولم يسم الرجل، وعدم تسمية هذا الرجل لا يضر في الحديث؛ لأنه صحابي، والصحابة جميعاً لا يبحث عن عدالتهم، وأياً كان فهو رجلٌ من أصحاب رسول الله ﷺ ، والعبرة بـ جابر، وهو معروف، وهو الذي يروي القصة.
فدخل هذا الرجل -وقد سمي، وهو سليك الغطفاني ﵁ والنبي ﷺ يخطب يوم الجمعة، والغالب أن تكون الخطبة للصلاة، وليست لأمر آخر، وليست قبل الظهر أو بعد العصر أو غير ذلك، فقال له النبي ﷺ : (صليت؟) بحذف همزة الاستفهام، وفي بعض الروايات: (أصليت؟) أي: أصليت ركعتين تحية المسجد؛ فقال الرجل: لم أصلهما، فقال ﷺ : (قم فصل ركعتي) ن، وفي بعض الروايات: (وتجاوز فيهما) يعني: خفف القراءة وخفف الصلاة حتى لا تستغرق وقتاً طويلاً.
وهذا الحديث على وجازة لفظه، يتكلم عليه ابن حجر ﵀ في فتح الباري بما يقرب من أربع صفحات، ويبحثه من عدة جوانب.
стр. 949
حكم صلاة تحية المسجد لمن دخل والإمام يخطب
وأهم ما يقال في هذا أن الرجل الذي دخل والنبي ﷺ يخطب جلس فسأله، ثم أمره، فيأتي الكلام في هذا الحديث من جهة تحية المسجد، والصلاة وقت النهي عن النوافل، والاشتغال عن الخطبة، وقد جاء به المؤلف بعد الأمر بالإنصات والنهي عن تنصيته، فما حكم هذا الحديث مع ما تقدم؟ إن أكثر العلماء جعلوا بين الحديث الذي معنا والذي قبله تعارضاً؛ لأن الأول فيه: (والذي يقول أنصت ليست له جمعة) ، وهذا سيشتغل بصلاة ركعتين والإمام يخطب، فهل أنصت؟ قالوا: اشتغل عن الإنصات والإصغاء للخطيب بالصلاة فحصل تعارض، ومن هنا وقع الخلاف بين الأئمة ﵏.
وابن حجر يقول: الشافعي ﵀ ومن وافقه يقولون: يصلي لهذا النص، ويجيبون عن حديث الإنصات بأجوبة أوصلها ابن حجر إلى تسعة أجوبة، والآخرون وهم مالك ومن وافقه يقولون: لا يصلي.
فـ الشافعي عمل بهذا النص في هذا الموطن، ومالك وأهل المدينة جميعاً ما عدا ابن المسيب عملوا بالأحاديث الأخرى، وقالوا: لو أن كل داخل سيكلمه الخطيب بأن يقوم لاشتغل الخطيب بتنبيه الناس عن الخطبة، ولحصل تقطيع الخطبة وعدم المتابعة، فقالوا: لا يصلي.
ثم بنوا الكلام على كون الإصغاء فرضاً أو ليس بفرض؟ ثم هل تحية المسجد واجبة أو سنة؟ ثم على وقت النهي، ونحن نعلم أن أوقات النهي سبعة، منها حين الخطبة.
ولكن الذين يقولون بحديث سليك قالوا: النهي عن الصلاة وقت الخطبة للحاضر الجالس الموجود قبل أن يأتي الإمام، فلا يحق له بعد مجيء الإمام وصعوده المنبر وشروعه في الخطبة أن ينشئ صلاة النافلة؛ لأنه مطالب بأن يصغي إلى الإمام وأن ينصت، أما القادم من الخارج فهو خارج عن هذا النهي.
والآخرون أيضاً كـ الشافعي قالوا: إذا صح أن يصلي القادم وقت الخطبة وهي وقت نهي فإن النهي لا يتناول عموم ذوات الأسباب، وجعلوه من أدلتهم؛ لأنه أجاز له النبي ﷺ ، بل أمره أن يصلي وقت النهي وهو وقت الخطبة، والجمهور قالوا: إن هذه قضية عين في هذا الشخص ولعل لها أسباباً.
وقالوا: من أسبابها أن سليكاً دخل بثياب رثة، والرسول ﷺ أراد له أن يقوم فيصلي فيراه الناس لعلهم يتصدقون عليه، وأجيب عن ذلك بأن ذلك تكرر منه ثلاث مرات، وفي أول مرة تصدق عليه بثوبين، ففي المرة الثانية جاء وعليه ثوبٌ منهما وقد تصدق بالثوب الثاني، فقيل له: لا تفعل.
أي: لا تتصدق وأنت محتاج، فحمل بعضهم قول (لا تفعل) على أن المراد: لا تجلس حتى تصلي ركعتين وإذا جئنا إلى مجمل القول في تحية المسجد فإننا نعلم جميعاً بأنها من السنن وليست من الواجبات.
وقد استدل ابن حزم وغيره بحديث الرجل الذي جاء من نجد وسأله: (ماذا فرض الله عليَّ من الصلوات؟ قال: خمس صلوات في اليوم والليلة) ، قالوا: لو أننا جعلنا تحية المسجد واجبة كالظهر والعصر لكان المكتوب ستاً لا خمساً، بل قد تكون عشراً، فكلما دخل وجب عليه أن يصلي، ولكن جنسها يكون سادساً مع الخمس.
فهي سنة وليست بواجبة.
стр. 950
حكم الإنصات للخطبة والترجيح بينه وبين تحية المسجد للداخل
وأما الخلاف في الإصغاء أهو واجب أو ليس بواجب فالجمهور على وجوبه، بدليلٍ أن الكلام يلغي فضل الجمعة، وأما هل تجزئه عن الظهر أو لا فهذا خلاف آخر.
فالإصغاء إلى الخطبة أهم من تحية المسجد، ولو كان الأمر كذلك لكان تقديم الإصغاء على تحية المسجد مقدماً، ولكن -كما يقول العلماء- لا نقيس وعندنا نص، فهذا رجلٌ دخل فسأله النبي ﷺ ، ثم أمره أن يقوم فيصلي، وبذلك استدل أيضاً بعض العلماء على أن تحية المسجد لا تسقط بالجلوس؛ لأنه بعدما جلس قال ل: (هقم فصل ركعتين) ، وبعضهم يقول: إلا يوم الجمعة.
فالخلاف في ذلك طويل، ومالك ﵀ وأهل المدينة يعتبرون اتفاق أهل المدينة على عدم الصلاة وقت الخطبة للقادم وللجالس على عموم النهي، ولكن جاء أن أحد فقهاء المدينة السبعة سعيد بن المسيب ﵀ ورضي الله عنه دخل ومروان بن الحكم -وهو أمير المدينة- يخطب، فقام ليصلي ركعتين، فجاء حرس مروان الأمير ليمنعوه، فلم يمتنع حتى صلى الركعتين، ثم قال: ما كنت لأدعهما وقد سمعت أن النبي ﷺ يأمر بهما.
ثم الذين يقولون بهما قالوا: ورد الأمر بالإصغاء والإنصات هو حتى لا تشغل غيرك، ولا تشوش على الآخرين، وهذا المصلي لم يتكلم مع غيره، ولم يشوش على غيره، وصلاته لا تمنعه أن يسمع خطبة الإمام؛ لأنه يصلي صلاة سرية، والخطبة تأتي إلى مسامعه، فقد يسمع ذلك ولا يفوته منها شيء.
ثم مراعاة للواقع جاء في الحديث: (وتجوز) ، ومعنى ذلك أن النبي ﷺ قد لحظ ما يجب على المصلي من الإصغاء، ولحظ ما ينبغي للقادم من الصلاة، فجمع بين الأمرين: الإصغاء مع الصلاة، فالإصغاء في كونه يتجوز، أي: يخفف ويقصر الزمن، فلا يفوته الكثير من الخطبة، ويأتي بتحية المسجد فلا يضيعها، ويكون قد جمع بين الأمرين.
والجمهور على أنه يترك ولا يصلي، والشافعي ﵀ على أنه يصلي ويتجوز فيهما، وعلماء الحديث قاطبة على تقديم هذا الحديث على العمومات الأخرى، قالوا: عمومات النهي يخصصها القادم يوم الجمعة وقت الخطبة، وأحاديث النهي عن الصلاة في الأوقات السبعة على ما هي عليه، وهذه خصت كما خصت الصلاة بعد العصر بقضاء الفائتة، وكما خصت غيرها بصلاة الكسوف أو غيرها في أوقات النهي، فهذا الحديث يخصص عمومات النهي عن الصلاة في تلك الأوقات.
ومن أجوبتهم أيضاً: أن الحديث قد روي عن أبي هريرة ﵁ بأنه دخل رجل والنبي يخطب، وليس فيه ذكر يوم الجمعة، قالوا: فلعل ذلك يكون في غير يوم الجمعة فيكون بعيداً من الوقت المنهي عنه.
ولكن أجيب عن ذلك بأنه صرح في الحديث أنه كان يخطب يوم الجمعة، ومعلوم عندنا أن الجنس يقدم فيه أعلاه، فالخطبة أعلاها في الإسلام هي خطبة الصلاة ليوم الجمعة، ولا يكون يوم الجمعة خطبة في العادة إلا للصلاة، وقد تكون خطبة بعد العصر أو في الضحى لأمر آخر، لكن إذا أطلقت انصرف المعنى إلى خطبة الصلاة وخطبة الجمعة بذاتها، وعلى هذا فالأنسب للقادم إلى المسجد والإمام يخطب أن يصلي الركعتين متجوزاً فيهما.
стр. 951
وقوف المتأخر إلى نهاية الخطبة الأولى ثم يصلي تحية المسجد
وقد نشاهد بعض الناس يظل واقفاً إلى أن ينتهي الإمام من الخطبة الأولى، ثم ينشئ الصلاة، أو يجلس حتى إذا بدأ الإمام في الخطبة الثانية قام وصلى، والخطبة الثانية والخطبة الأولى سواء، وما دام أنه قد أذن لنا النبي ﷺ بالصلاة حينما يدخل الإنسان وقبل أن يجلس، فليصلها ولا يظل واقفاً، حتى إن بعضهم قال: لا يدخل المسجد حتى لا يتعارض وجوب الإصغاء مع الأمر بالصلاة، وهذا شيء عجيب، فهو يفوت على نفسه سماع الخطبة ويخالف بذلك الحديث.
وعلى من أتى الجمعة أن يحاول أن يبكر قبل أن يجيء الإمام؛ لأن هذا سنة، وقد قيل: أول سنة تركت هي التبكير يوم الجمعة.
وعمر ﵁ يعاتب عثمان ﵁ حينما دخل المسجد وعمر يخطب، فقال: أي ساعة هذه؟ قال: والله يا أمير المؤمنين! ما لبثت أن سمعت النداء فتوضأت فأتيت.
قال: والوضوء أيضاً؟ يعني: وأيضاً ما اغتسلت! فهنا عمر ﵁ ما قبل من عثمان أن يتأخر حتى يأتي وقت الخطبة، وهل عمر عاتب كل إنسان؟ وهل جاءنا أن عمر عاتب كل من تأخر؟ والجواب: لا، فالناس لهم أعذارهم، ولكن عثمان من أئمة الصحابة ومن قادتهم، وصدور الشيء من قادة الناس بخلافه من عامتهم، كما قال عمر لـ طلحة وقد رآه لابساً ثوباً مصبوغاً: ما هذا يا طلحة؟ وقد علمت أن النبي ﷺ قد نهى عن الصبغ بالورس والزعفران! -والورس والزعفران يعطيان لوناً أحمر- قال: يا أمير المؤمنين! ما هو بورس ولا زعفران، وإنما هي المغرة.
قال: يا طلحة! إنك من أصحاب رسول الله -أي: من طليعتهم ومن أكابر أصحاب رسول الله- فلعل رجلاً يراك بهذا فيظن أنك صبغت بورس وزعفران، وأنتم أئمة يقتدى بكم.
فلما كان طلحة من الذين يقتدى بهم كان عليه أن يتباعد عما فيه الشبهة؛ لئلا يظن جاهل أنه ارتكب ما نهي عنه، فيقتدي به، وكذلك عثمان إمام يقتدى به، فإذا كان عثمان يتأخر فمن سيتقدم؟ ولكن كما يقولون: الناس لها أعذارها.
ولذلك لما آلت الخلافة إلى عثمان ﵁ أنشأ أذاناً قبل الوقت على الزوراء، والزوراء كانت عند باب الشام الذي فيه الآثار القديمة، ويبعد عن المسجد النبوي حوالي أربعمائة متر، وكان في سوق كما يقال، أو عند مخازن الزيت أو أحجار الزيت، وكان في وسط سوق المدينة، فكان المؤذن بأمر عثمان يؤذن قبل الوقت لينقلب أهل السوق إلى بيوتهم ليتهيئوا للجمعة، وليحضروا إلى المسجد قبل أن يدخل وقت الأذان الذي به تكون الصلاة، وذلك لأنه لما وقع فيما وقع فيه قال: ما لبثت أن سمعت الأذان فتوضأت وجئت.
يعني: لو كان هناك تنبيه قبل هذا كنت جئت، فهو أحدث التنبيه السابق ليتهيأ الناس قبل الوقت، وليأتوا متهيئين؛ لئلا يفوتهم أول خطبة الإمام يوم الجمعة.
فالواجب على الإنسان التبكير، ويذكر بعض العلماء أن أهل المدينة كانوا ربما قدموا إلى الجمعة ومعهم المصابيح تضيء لهم الطريق، أي: كانوا يجيئون فيصلون الصبح ثم يقعدون، كما يحصل في صلاة العيد، حيث يبكر الناس لأجل الأماكن، وقد جاء في الحديث: (من راح في الساعة الأولى فكأنما قدم بدنة ... ) إلخ، فالواجب أن يبادر الإنسان إلى الجمعة، فإذا ما تأخر لعذر وجاء والإمام يخطب فليصل ركعتين كما في هذا الحديث.
وبعضهم يجيب عن هذا الحديث بكونها قضية عين، ومعنى أنها قضية عين عند الفقهاء أنها خاصة بشخص معين، وأنه حديث غير عام، فلم يقل: من أتى والإمام يخطب فليركع ركعتين ويخفف فيهما، فلو جاء مثل هذا النص لكان تشريعاً عاماً، فقالوا: هي قضية عين؛ إذ أراد الرسول ﷺ أن يلفت الأنظار إلى سليك ليتصدق الناس عليه.
فقالوا: لا يصلح هذا أن يكون دليلاً لجميع الناس، ولكن يجيب بعض العلماء على أن قضية العين أعقبها تشريع عام، حيث قال: (قم فصل ركعتين وتجوز فيهما) ، ثم قال: (من أتى والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما) ، فانتهت قضية العين وأعقبها تشريع عام لكل من أتى، وبعضهم يقول: هذا الحديث ضعيف لا يقاوم الأحاديث الأخرى.
والأرجح في ذلك العمل بهذا الحديث، فعلى الداخل أن يصلي ركعتين خيفيفتين، والله تعالى أعلم.
стр. 952
قراءة النبي ﷺ في صلاة الجمعة بسورتي الجمعة والمنافقين
قال المصنف ﵀: [وعن ابن عباس ﵄: (أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الجمعة سورة الجمعة والمنافقين) ، رواه مسلم] .
تقدم عن أم هشام قولها: (ما أخذت سورة (ق) إلا عن لسان رسول الله ﷺ حين كان يخطب بها الناس على أعواد منبره يوم الجمعة) قالوا: إن (كان) تدل على الدوام والاستمرار، فقال بعض العلماء: كان يقرأ دائماً، وأشرنا إلى أن هذا ليس بلازم، فحيناً يقرأ بها وحيناً يقرأ بغيرها، فمن شاء قرأها ومن شاء قرأ بعضها، ومن شاء قرأ غيرها من السور.
وهنا يأتينا المؤلف ﵀ بحديث ابن عباس ﵄؛ أن النبي ﷺ كان يقرأ في الجمعة بسورة الجمعة وسورة المنافقون، وسيأتينا حديث آخر فيه أنه كان يقرأ (سبح اسم ربك الأعلى) و (هل أتاك) ، فليس هناك ملازمة ولا مداومة ولا تعيين لسورة بعينها، ويكون ذلك من باب الأكثرية، فأكثر ما كان يقرأ ﷺ في صلاة الجمعة بهذه السور، ولهذا أخذت عن لسانه على المنبر، وحفظ عند الصحابة ﵃.
وقد أشرنا أن سورة (ق) اشتملت من أدلة البعث على ثلاثة من أربعة، وهنا أيضاً يتكلم العلماء عن مناسبة سورة الجمعة -وهي باسم اليوم- وعن مناسبة سورة المنافقون، فيقولون: قراءة سورة الجمعة تعزيز وتدعيم وتهييج وتقوية وإثارة للمؤمنين بما فيها من توجيهات، وحث على الجمعة والمحافظة عليها، وتعريض باليهود، وسورة المنافقون خاصة بهم، ففيها تحذير وكشف عن حقائقهم، وكشف مواقفهم، ولهذا نحب أن نلم بالسورتين إلماماً سريعاً كما ألممنا بمقدمة سورة (ق) .
стр. 953
قوله تعالى: (يسبح لله ما في السموات وما في الأرض ... )
ففي مقدمة سورة الجمعة يقول تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الجمعة:١] ، وسورة الجمعة قبلها سورة الصف، وافتتحت سورة الصف بـ (سبح) ، وهو فعلٌ ماض، وفي أول الجمعة (يسبح) ، وهو فعل مضارع، وهذا الفعل -كما أشرنا إلى ذلك في تتمة أضواء البيان- جاء في القرآن الكريم بكل تصاريفه، فجاء بالماضي وبالمضارع وبالأمر كقوله تعالى: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ﴾ [الأعلى:١] ، وبالمصدر، كقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى﴾ [الإسراء:١] ، فكل تصاريف هذه المادة جاءت في القرآن الكريم تنزيهاً لله .
وقد جاء في هاتين السورتين -أي الجمعة والصف- ما يدل على عموم وشمول هذه المادة لجميع الكائنات، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤] ، وجاء التفصيل كقوله تعالى: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ [الرعد:١٣] ، وقوله تعالى: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:١٩] ، فجاء في حق الإنسان والملائكة والرعد والجماد وغير ذلك، وهذا لعظيم شأنه سبحانه.
والتسبيح هو التنزيه، وقد أشرنا إلى ذلك في مدلول قول: (سبحان الله والحمد لله) ، وقد جاء عنه ﷺ فيهما، قوله: (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده) ؛ لأنهما تجمعان طرفي التنزيه وكمال التوحيد، فـ (سبحان) تنزيه لله عن كل نقص، وعن كل ما لا يليق بجلاله؛ لأن مادة (س ب ح) إنما وضعت للسباحة في الماء، والسابح في الماء يبذل جهده لينجو من الغرق، فكذلك الذي يسبح ربه، فهو يسبح في ملكوت الله، وفي علم الله، وفي مقدوره واعتقاده لينجو من هلكة الشرك بأن ينسب إلى الله ما لا يليق به.
والحمد -كما قالوا-: هو الثناء على المحمود لكمال ذاته، وليس لما يصدر عنه من نعم وغير ذلك، فجمع قوله: (سبحان الله وبحمده) طرفي التوحيد والكمال لله تعالى.
وهنا يقول تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ﴾ [الجمعة:١] ، و (ما) -كما يقال - تكون لغير العاقل، وتكون للجماد، ولا تستعمل للعاقل إلا بالتنزيل، وهنا إثبات تسبيح عالم السماء وعالم الأرض لله الملك القدوس.
стр. 954
قوله تعالى: (هو الذي بعث في الأميين رسولاً ... )
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً﴾ [الجمعة:٢] ، فبعد تسبيح الله جاء تكريم رسول الله ﷺ ؛ لأنه لا يقدر على ذلك إلا الله تعالى؛ لأنه جعل من الأمي رسولاً إلى الأميين، وهم العرب؛ ولكن ما بعث في الأميين للأميين، وإنما بعث في الأميين للعالمين.
فبعث فيهم من جنسهم، ولكن للناس كافة، فقال تعالى: ﴿رَسُولاً مِنْهُمْ﴾ [الجمعة:٢] ، فهو أمّي ورسول، ومهمته هي كما قال تعالى: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة:٢] ، فهذا أمّي في أمة أمية يصبح معلماً للكتاب، ويزكي الأمة، ويعلمهم الكتاب والحكمة، ويخرجهم من الضلال إلى الهداية، أليست هذه معجزة؟ بلى إنها معجزة.
فلو جيء بفيلسوف عبقري إلى جماعة يعلمهم ويرشدهم، لقيل: هذه فلسفة، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسم لم يقرأ ولم يكتب، لكن كل علوم الدنيا أنزلت عليه في الكتاب الذي ما فرط الله فيه من شيء ليعلمهم الكتاب، ويعلمهم الحكمة، ويزكيهم مما كانوا عليه ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة:٢] .
стр. 955
قوله تعالى: (وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ... )
ولم يقتصر تعليمه على من عاصرهم، بل قال تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة:٣] أي: لما يأتوا بعده ولما سئل ﷺ :: (من هم هؤلاء الآخرون يا رسول الله؟ وكان سلمان الفارسي جالساً فوضع بيده على ظهره وقال: لو أن الإيمان في الثريّا لبلغه رجالٌ من قوم هذا) يعني: هم فارس والروم، وفي ذلك الوقت ما دخل في الإسلام منهم أحد سوى سلمان ﵁.
ومن العجيب أنه في صدر الإسلام يسوق الله من جميع الأمم والأجناس أصنافاً تشترك في الإسلام، وتستظل بدوحة الإيمان، كـ سلمان الفارسي، وصهيب الرومي، وبلال الحبشي، وكما يقال: الواحد بالجنس، فإذا أسلم واحد من الفرس أمكن إسلام الجميع؛ لأنه واحد منهم، وإذا أسلم واحد من الروم أمكن إسلام الجميع، وإذا أسلم واحد من الحبشة أمكن إسلام الجميع؛ لأن الذي يجري على واحد من جنس يجري على جميع أفراد الجنس، فالإنسان -كما يقال- حيوان ناطق، فما يجري على فرد من أفراد الحيوانات يجري على جميع أفرادها، فالحيوان يجوع ويعطش ويشبع ويروى ويمرض ويموت، وكذلك جميع أفراد الحيوانات، فكذلك هذه الأجناس البشرية جاءت منها نماذج واستظلت بدوحة الإيمان في الجزيرة العربية.
فمن كمال الرسالة ومن تمام النعمة أن الدعوة الإسلامية لم تقتصر على من نشأت فيهم وبين أيديهم، ولكنها ستمتد وتأتي إلى آخرين لما يلحقوا ولم يأتوا بعد، وقد جاء في الأثر -كما يذكر ابن كثير -: (إن في أصلاب رجال ونساء من أمتي قوم سيدخلون في الإسلام) ، وفي الحديث أنه قال لأصحابه ﷺ : (أنتم أصحابي وسيأتي بعدكم إخوانٌ لنا.
قالوا: ألسنا بإخوانك؟ قال: أنتم أصحابي، ولكن إخواننا قومٌ لم يأتوا بعد، آمنوا بي ولم يروني، يود أحدهم لو رآني بملء الأرض ذهباً) .
وهذا في سورة الحشر في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر:١٠] ، وقد جاء رجل إلى الحسن ﵁، وتكلم عنده على ما حصل من علي ومعاوية ﵄، فقال: يا هذا أأنت من الفقراء المهاجرين؟ قال: لا.
قال: أأنت من الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم؟ قال: لا.
قال: ما أظنك أيضاً من الفرقة الثالثة: (الَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ) ، بل جئت تطعن فيهم، وجئت تتكلم عليهم فاخرج عنا.
ولذا جاء عن مالك ﵀ أنه قال: من كره أصحاب رسول الله فليس له حظٌ في الفيء.
ويهمنا هذا التقسيم الثلاثي الذي أشار إليه الحسن ﵁، فالمسلمون إما مهاجرون، وإما أنصار تبوءوا الدار والإيمان من قبل مجيء المهاجرين، وإما آتون من بعدهم يقولون: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر:١٠] .
ومن هنا يعلم أن كل من كان في قلبه شائبة غل لأحد من أصحاب رسول الله، أو من أتباعهم فليحذر، وليخش على نفسه، فإنه في موضع خطرٍ عظيم عليه.
وهنا يقول تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة:٣] ، و (لما) تأتي في اللغة للنفي مع ترجي الحصول، بخلاف (لم) فقولنا: (لما يأت زيد) ، معناه: لم يحضر وسيحضر، كما في قوله سبحانه في حق الأعراب: ﴿قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤] ، أي: لكن يطمع في دخوله.
ولذا تقول: أثمرت الشجرة ولما تونع الثمرة، أي: هي في طريقها إلى الإيناع.
стр. 956
قوله تعالى: (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ... )
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الجمعة:٤] .
(ذلك) اسم إشارة يرجع إلى ما قبله، فيشمل بعثة النبي الأمي من الأميين، ويشمل شمول بعثته لتعليم الأميين الكتاب والحكمة وتزكيتهم مع الذين يأتون من بعدهم.
فهو فضل نعمة النبوة على الأمة التي أنعم عليها بهذا النبي الأمي الكريم، ونعمة امتداد الدعوة وشمولها لمن لم يشهد نزول الآية الكريمة، (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ) ، ولهذا كان الإنعام على العبد بالإيمان محض نعمة من الله، حتى قال العلماء: ثلاث نعم لا كسب للعبد فيها: إيجاده من العدم، ونعمة الإسلام، ودخول الجنة.
وبيان ذلك أن الإنسان قبل أن يوجد في هذه الدنيا ويبصر بعينيه كان في العدم، ولم يكن منه فعل يوجب خروجه إلى الدنيا؛ لأنه معدوم، والعدم لا يكون منه وجود، وغاية ما يكون أن أبويه تزوجا واجتمعا، وليس كل اجتماع زوجين يتأتى منه الولد، بل هي هبة من الله، كما قال تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى:٤٩-٥٠] .
فإيجاده نعمة من الله، وإلا فلو كان الأبوان عقيمين فمن أين سيأتي؟ فهي نعمة من الله لم يكن للإنسان فيها كسب.
والنعمة الثانية: نعمة الإيمان؛ لقوله ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) ، هذا الشخص الذي ولد من أبوين مسلمين، لو قدر له أن يولد من أبوين نصرانيين أو يهوديين فينصرانه أو يهودانه، مع أن أول مجيئه إلى الدنيا كان على الفطرة، فكون الإنسان يولد من أبوين مسلمين لا كسب له ولا عمل له في ذلك.
وكذلك دخول الجنة، فقد جاء عنه ﷺ قوله: (لن يدخل أحدكم الجنة بعمله.
قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته) ، فقوله تعالى: (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ) هي بعثة النبي ﷺ كانت فضلاً على الأمة التي بعث فيها، وعلى الذين يأتون بعد ذلك، فتعمهم وتشملهم الدعوة.
وها نحن والحمد لله في القرن الخامس عشر بعد بعثة سيد الخلق ﷺ نقرأ القرآن الذي أنزل على رسول الله، والكتاب الذي علمه أصحابه، ولكأنه نزل الآن، وكلما قرأناه فكأننا نقرأ شيئاً جديداً، وكلما نسمعه كأننا نسمع شيئاً جديداً، فلا يخلق على طول الزمن، ولا يبلى على كثرة التكرار، يصلي الإمام العشاء فيقرأ الفاتحة في الركعتين الأوليين، ويصلي التراويح عشرين ركعة، ويصلي الوتر ثلاث ركعات، ويقرأ الفاتحة في كل ذلك، وكما نسمعها في أول الصلاة في العشاء في الركعة الأولى نسمعها جديدة في آخر ركعة في الوتر، لا تمجها الأسماع، ولا تستثقلها القلوب، بل يستأنس لها الإنسان كلما سمعها، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة:٤] .
стр. 957
قوله تعالى: (مثل الذين حملوا التوراة ... )
قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة:٥] .
في هذا تعريض باليهود وهم موجودون ويسمعون، وكل التوراة أنزلت على موسى وأتباعه من اليهود، وقد علموا أن هذا النبي الأمي للناس جميعاً، كما قال تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦] ومع ذلك يعرضون، فكأن خطبة الجمعة وصلاتها مقارع على رءوسهم، فهذه النعمة التي فاتتهم، وهذا الفضل من الله الذي حرموه؛ مثلهم فيه كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٥] .
ففيها تأييد للمؤمنين، وفيها تقريع لليهود، وتأتي بعدها سورة المنافقون فتشمل القسم الثالث.
قال تعالى: ﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٥] أي: وهم يعلمون صدقها، ويعلمون صدق النبي ﷺ ، وكانوا يستفتحون على الأوس والخزرج قبل البعثة بأنه سيبعث نبي آخر الزمن ونتبعه ونقتلكم معه شر قتلة، ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٨٩] .
стр. 958
قوله تعالى: (قل يا أيها الذين هادوا ... )
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ.
﴾ [الجمعة:٦] أي: أنتم تقولون: نحن أولياء الله، وتقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه، فإن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس -أي: من دون المسلمين- فتمنوا الموت لأجل أن تذهبوا إلى من أنتم أولياؤه في زعمكم، فتجدون الكرامة، وتجدون الحنان، وتجدون الرضا، وتجدون النعيم، فأنتم أولى به من غيركم؛ وهذا قول بعض العلماء.
وبعضهم يقول: تمنوا الموت للظالم الضال، على حد قوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ:٢٤] ، فواحد من الفريقين هو الضال.
إذاً تمنوا الموت للفريق الضال ليصفو المكان وتبقى الولاية لكم: ﴿إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجمعة:٦] أي: في زعمكم، والواقع هو قوله تعالى: ﴿وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا﴾ [الجمعة:٧] ، فلا يمكن أن يتمنوه؛ لأنهم يعلمون ماذا يكون مصيرهم إذا ماتوا.
وبعضهم يقول: هذه مباهلة مع اليهود، كما وقعت مع نصارى نجران حين قال تعالى لنبيه ﷺ : ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران:٦١] ، فقال بعض السادات منهم: تعلمون -والله- أنه ما بوهل نبي إلا أهلك من باهلوه، والله لو باهلتم رسول الله لرجعتم بغير مال ولا أهل.
فاعتذروا وقالوا: يا محمد! نعطيك ما تطلب وتتركنا على ما نحن عليه، ففرض عليهم الجزية، ورجعوا على دينهم.
فمعنى (تمنوا الموت) اجتمعوا واطلبوا الموت لأضل الفرقتين.
وهناك من يقول: تمنوه لأنفسكم لتلحقوا بمن تزعمون، ولكن لعلمهم بحقيقة الأمر فإنهم لا يتمنونه أبداً بما قدمت أيديهم من التكذيب والتضليل وإضلال الناس وكتمان الشهادة.
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة:٧] فهم ظالمون، والظلم: وضع الشيء في غير موضعه.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ [الجمعة:٨] ، فإذا كنتم خائفين من الموت فالموت لا بد منه، ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجمعة:٨] .
стр. 959
قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ... )
وبعد هذا التقريع الكامل لليهود وتحديهم رجع إلى تذكير المؤمنين فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ.
﴾ [الجمعة:٩] أي: فيا أيها المؤمنون! اعلموا أن اليهود حرموا من ذلك، وفاتهم هذا الفضل من الله، أما أنتم فحافظوا عليه، فإذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله.
ويرى بعض العلماء أن السعي سرعة المشي، والسعي: هو الأخذ بالأسباب، فالسعي هنا هو الأخذ بالأسباب للذهاب إلى الجمعة، وليس الجري؛ للنهي عن ذلك في قوله ﷺ : (إذا أتيتم الصلاة فأتوها وعليكم السكينة والوقار) .
قال تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩] أي: اتركوا البيع واذهبوا إلى ذكر الله، وقدمنا مراراً التنبيه على أن هذا الموطن من هذه السورة الكريمة يبين أن الإسلام يجمع بين منهجي الروح والمادة إشباعاً لحقيقة الإنسان لتكوينه من روح وجسد، والجسد يحتاج إلى ما يقيم حياته وهو الأكل والشرب، والروح تتطلب ما يقيم وجودها وهو ذكر الله.
فجمع بين الأمرين، خلافاً لليهود حيث غلبوا جانب المادة واحتالوا على ما حرم الله في استباحة الصيد وجمع الشحوم وأكلها، وشغلوا عن غذاء الروح، فكانوا على جانب واحد، والنصارى بالعكس، كما قال تعالى عنهم: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد:٢٧] ، فاليهود أخفقوا لترجيح جانب المادة، والنصارى أخفقوا لترجيح جانب الروح، والإسلام جاء وسطاً وجمع بين الأمرين، فكان الدين الوسط، وكان الجامع لما يقيم أمر الإنسان، فاستقام الإنسان على هذا الدين، وكان أتباع الدين خير أمة أخرجت للناس.
قال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [الجمعة:٩] أي: هذا للتشريع، فاتركوا البيع واذهبوا إلى ذكر الله فهو خير لكم من بقائكم في البيع والشراء ﴿إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة:٩] .
стр. 960
قوله تعالى: (فإذا قضيت الصلاة ... )
قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:١٠] فإذا أتيتم بالواجب عليكم من طاعة الله، وأتيتم حظكم من الموعظة والتذكير وذكر الله، فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله.
والانتشار: الاتجاه في جميع أرجاء الأرض، ولهذا قال الله : ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك:١٥] ، فذللها لهم.
فقوله تعالى: (فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) معناه أنه ليس الكسب بجهدك وقدرتك، بل هو فضل من الله عليك، ومع ابتغائك من فضل الله بفعل أسباب الرزق لا تنشغل عن ذكر الله، سواءٌ أكنت في مصنعك، أم في مزرعتك، أم في بيعك وشرائك، ففي مزرعتك تبذر الحبة وتدفنها في التراب وتسقيها الماء وتقول: يا رب: أنبتها واحفظها.
وتقول في متجرك: يا رب! ارزقني وبارك لي.
وتقول في مصنعك: يا رب أشهر صناعتي، ووفقني للابتعاد عن الغش، فمراقبتك لله في وزنك وفي كيلك وفي زرعك وفي صناعتك كل ذلك ذكر لله فضلاً عن ذكر اللسان.
وفي أوائل الستينات كانت توجد هذه الصورة في المدينة المنورة، فتمر بالسوق سواءٌ سوق العياشة أم سوق الحبابة أم سوق التمارة أم سوق البزازين أم سوق الصاغة، إذ لكل طائفة سوق في مكانه معروف، فتأتي بعد العصر وكل في محله الميزان أمامه والمصحف بين يديه يقرأ القرآن، فإذا جاء مشتر وضع علامة على موضع القراءة ثم أغلق المصحف ليبيع للمشتري، ثم إذا فرغ رجع إلى مصحفه، وهكذا كان القرآن بين أيدي الباعة خاصة في رمضان، وكنت تمر في أزقة المدينة في الليل فتسمع القراءة كدوي النحل، ولم يكن ذلك قاصراً على الرجال، بل كان النسوة والأطفال كذلك في بيوتهم.
فالبائع في دكانه يبتغي من فضل الله، ولم يغفل عن ذكر الله، حيث أمامه المصحف والكتاب والميزان معاً، فالميزان لعمله، والكتاب لقراءته، فكان تطبيقاً لقوله سبحانه: ﴿فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة:١٠] .
стр. 961
قوله تعالى: (وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها ... )
ثم جاءت قضية عتاب الذين انفضوا عن رسول الله، قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة:١١] ، وهذا حين كانت الخطبة بعد الصلاة، وكانوا يظنون أن الخطبة نافلة فإذا تمت الصلاة فمن شاء جلس أو استمع ومن شاء انصرف، ثم بعد ذلك انتقلت الخطبة قبل الصلاة لئلا يذهب أحد.
ويبحث بعض العلماء في الضمير في هذه الآية، حيث يقول تعالى: (انفضوا إليها) و (إليها) ضمير مؤنث، واللهو مذكر والتجارة مؤنثة، والضمير راجع إلى التجارة، يقول بعض علماء اللغة: العود على أحد المذكورين يشمل الثاني، ولكن لماذا رجع على المؤنث دون المذكر؟ والجواب: رجع على التجارة لأنها الأصل وهي السبب؛ لأنه كان من عادتهم إذا قدمت تجارة أن يدقوا لها الطبول، وهذا هو اللهو؛ ليعلم بقدومها التجار، فيجتمعون ويتساومون ويبيعون ويشترون، فلما كانت التجارة هي الأصل رجع الضمير عليها.
قال تعالى: ﴿انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة:١١] يقول ﷺ : (لو خرجوا جميعاً لسال بهم الوادي ناراً) ، فرحمهم الله بهذا العدد الباقي.
﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الجمعة:١١] أي: مما دعاكم إليه ﴿خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الجمعة:١١] ، فأنتم خرجتم للتجارة تطلبون الرزق في البيع والشراء، وما عند الله بالسمع والطاعة والبقاء مع رسول الله ﷺ خير لكم مما انصرفتم إليه، والله خير الرازقين، فالرزق عند الله ليس من عند هذه التجارة.
وحاصل الكلام أن هذه السورة الكريمة بينت حق الله على الكائنات، وأنه يسبح له كل ما في السموات وما في الأرض.
ثم بين فضل النبي ﷺ ونعمته عليه وعلى الأمة، وعلى من يأتي بعد الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ثم قرعت اليهود في كونهم يكتمون الشهادة، وفي كونهم لم يؤمنوا أو لم يستفيدوا مما آمنوا به، وضرب لهم هذا المثل السيئ، ثم ذكر المؤمنين وحثهم على الحفاظ على الجمعة وما فيها من فضل لهم.
والسورة الثانية تعقبها مباشرةً في رسم المصحف، وهو سورة المنافقون، فبعد أن بين حقيقة اليهود جاء إلى حقيقة المنافقين، وهي الطائفة الثالثة في ذلك الوقت، فقد كان في المدينة مسلمون ويهود ومنافقون، فتكلم عن المنافقين وكشف عن أحوالهم، ولهذا كان ﷺ أحياناً يقرأ في الركعة الأولى سورة الجمعة، وفي الركعة الثانية سورة المنافقون؛ لاقترانهما وترتيبهما في المصحف، وسيأتي أنه ﷺ ربما كان يقرأ في الجمعة (سبح اسم ربك الأعلى) والغاشية.
فلهذه المناسبات، ولمضمون هاتين السورتين الكريمتين كان يقرأ بهما في صلاة الجمعة، حيث يجتمع الجميع والكل يسمع في ذلك، وبالله تعالى التوفيق.
стр. 962
كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة [٦]
من أحكام وسنن يوم الجمعة الترخيص لمن صلى العيد يوم الجمعة مع الإمام في أن يتخلف عن صلاة الجمعة؛ لوقوع المقصود من صلاة ركعتي العيد والاستماع إلى الخطبة، وأن يقرأ الإمام بسورتي الأعلى والغاشية كما فعل ﷺ .
стр. 963
قراءة النبي ﷺ لسورتي الأعلى والغاشية في صلاة الجمعة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: قال المصنف ﵀: [وله عن النعمان بن بشير ﵁ قال: (كان يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ (سبح اسم ربك الأعلى) و (هل أتاك حديث الغاشية) ] .
يقول المصنف ﵀: وله، أي: لـ مسلم الذي روى ما تقدم من أنه ﷺ : (كان يقرأ في الجمعة بسورتي الجمعة والمنافقون) .
أنه كان يقرأ في الجمعة وفي العيدين (سبح اسم ربك الأعلى) ، و (هل أتاك حديث الغاشية) .
ولا حاجة إلى تتبع السورتين في بيان المناسبة، فقد ذكرنا فيما يتعلق بسورة الجمعة والمنافقون ما يكفي من بيان مناسبة اختيار هاتين السورتين في يوم الجمعة، وكذلك هاتان السورتان، أي: الأعلى والغاشية.
والجمعة والمنافقون متتاليتان في المصحف، وكذلك سبح والغاشية متتاليتان في المصحف، وكل من الثانية تكمل موضوع الأولى.
ويهمنا هنا زيادة [في الجمعة والعيدين] ، وربط الجمعة بالعيدين هو لأن يوم الجمعة عيد من أعياد المسلمين، والعيدان هما عيد الفطر وعيد الأضحى، وسمي العيد عيداً لعوده، أي: لمجيئه وعودته في كل سنة.
وهنا لفتة بسيطة فيما يتعلق بالعيد في الإسلام.
فقد قدم النبي ﷺ وللناس أعياد كثيرة، فقال ﷺ : (إن الله أبدلكم بأعياد الجاهلية عيدين: عيد الفطر وعيد الأضحى) ، وبالتأمل في هذين العيدين نجدهما يتميزان، أو أن العيد في الإسلام يتميز عن العيد في غير الإسلام بأمر عملي؛ لأن الأعياد في غير الإسلام إنما هي ذكريات لا حقائق، بمعنى أن أعياد غير المسلمين لأحداث قد وقعت ثم انتهت، فإذا جاء موعدها من السنة الثانية عيدوا ذكرى لما تقدم، فمثلاً صوم يوم عاشورا لما سأل النبي ﷺ عن صومه قالوا: هو يوم نجى الله فيه موسى من فرعون، فصامه موسى شكراً لله، وصامه اليهود، ويعيدون صومه كيوم عيدٍ عندهم، وذكر الله عن بني إسرائيل مع نبي الله عيسى قولهم: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً﴾ [المائدة:١١٢] قال: اتقوا الله إن كنتم مؤمنين.
قالوا: ﴿نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ [المائدة:١١٣] ، فالمسألة مسألة أكل وشرب، فقال عيسى فيما حكى الله تعالى عنه: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ [المائدة:١١٤] .
فكانوا يجعلون يوم نزول المائدة عيداً، والمائدة نزلت مرة واحدة، وكانوا يعيدون في يومها من كل سنة، فالأعياد التي جاءت بعد يوم نزول المائدة ليس فيها مائدة، ولكن ذكرى المائدة، وكذلك الأعياد والطقوس والعادات عند الناس.
أما أعياد الإسلام فهي حقيقة، وليست ذكريات؛ لأن كل سنة يأتي فيها العيد بموجبه ومسبباته، فعيد الفطر سببه أنه لما أكرم الله المسلمين بأداء واجب صوم هذا الشهر المبارك، جعل لهم ختام صيامهم عيدا، فعيد الفطر في كل سنة ذكرى لحدث حاضر يتجدد في كل سنة بذاته، فكل عيد فطرٍ في الإسلام مستقل، وليس لذكرى ماضية، وكذلك عيد الأضحى، فلما منّ الله على المسلمين بالحج وجاءوا من كل فج عميق، وأمّن لهم السبيل، وأمّن لهم الطعام، وأدوا مناسكهم قال: هلم إلى المائدة.
ومائدة الإكرام ثلاثة أيام، فالموائد يطعمون منها ويأكلون ويطمعون القانع والمعتر أيام منى.
ومن هنا كان الصائم يوم العيد معرضاً عن ضيافة الله.
فالعيد في الإسلام حقيقة، والأعياد في غير الإسلام من باب الذكرى.
ومن هنا شرفت الأعياد في الإسلام بشرف أسبابها ومسبباتها، وسن النبي ﷺ في صلاة العيدين أن يخرج جميع الناس حتى النساء والحيض وربات الخدور، فاللواتي لا يخرجن من بيوتهن يخرجن، والحيض يحضرن ويعتزلن المصلى، ويشهدن بركة ذلك الجمع بالدعاء بالخير تكثيراً للمسلمين.
ومن هنا كان التدرج في اجتماع المسلمين، فيجتمع أهل الحي في خمس صلوات خمس مرات للجماعة، ويجتمع أهل القرية كل أسبوع مرة للجمعة، ويجتمع أهل المصر والقطر وضواحي القرية والمدينة في عيدٍ في صعيد واحد في الخلاء، ويجتمع العالم الإسلامي ممثلاً في أفراده الذين يأتون رجالاً وعلى كل ضامر من كل فج عميق، في الحج الأكبر أو في يوم عرفة.
فدين الإسلام دين اجتماعي، ودين جمع الأمة وتوحيدها، فكان ﷺ بمناسبة هذا الجمع في الجمعة يقرأ هاتين السورتين (سبح والغاشية) .
стр. 964
الرخصة لمن صلى العيد يوم الجمعة ألا يحضر الجمعة
قال المصنف ﵀: [وعن زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه قال: (صلى النبي ﷺ العيد، ثم رخص في الجمعة، ثم قال: من شاء أن يصلي فليصل) رواه الخمسة إلا الترمذي، وصححه ابن خزيمة] .
يأتي المصنف رحمه الله تعالى بعد بيان أنه ﷺ كان يقرأ في الخطبة سورة (ق) ويقرأ في الصلاة تلك السور الأربع، ببيان ما إذا اجتمع عيد الأضحى أو الفطر ويوم الجمعة، فالجمعة عيد مستقل، والأضحى والفطر عيد مستقل، وصلاة الجمعة مرتبطة باليوم لا تنفك عنه، فلا تصلى الجمعة في السبت أو في الخميس، فهي مرتبطة بيومها، ولكن عيد الفطر وعيد الأضحى إنما يدوران في الزمن مع القمر، فالأيام تدور دورة شمسية، والأشهر تدور دورة قمرية، فدورة الشمس في أربع وعشرين ساعة، فتأتي بالأيام وبالصلوات الخمس، ودورة القمر في فلكه تأتي بالأشهر، ولذلك قال ﷺ : (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) ، وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩] .
فهي أشهر قمرية وأيام شمسية، لا تتغير الأيام منذ خلقها الله، فالعيدان مرتبطان بالقمر، فيأتي عيد الفطر في صيف أو في شتاء أو في خريف في أي يوم من الأيام حسب الشهور، وكذلك عيد الأضحى.
وما دام العيدان متنقلين فيمكن أن يوافقا يوم الجمعة، فيجتمع عيدان: عيد الجمعة ليومها، وعيد الفطر أو عيد الأضحى لمناسبته، وكل منهما يحتاج إلى اجتماع وإلى خطبتين، وإلى صلاة ركعتين، فهل نصلي العيدين معاً الجمعة والعيد الذي حضر، أو نكتفي بواحد منهما؟ فجاء المصنف بهذا الحديث ليبين ماذا يكون على الناس إذا اجتمعت الجمعة مع أحد العيدين، فقال: (صلى النبي ﷺ العيد ثم رخص في الجمعة) .
و (ثم) للترتيب والتراخي، فصلى العيد في يوم العيد ورخص في الجمعة بعد ذلك.
قوله: (ثم رخص) الرخصة عند الأصوليين مأخوذة من المعنى اللغوي، أي: الشيء اللين، كما قال الشاعر: ومخضب رخص البنان.
ومنه الثمن الرخيص؛ لأن العيشة فيه تكون لينة، بخلاف الثمن الغالي حيث تكون شديدة، فرخص البنان: لينه، ورخص السعر لين العيش، فرخص معناه: ليّن وخفف في الحكم، ولذا تكون الرخصة مع الشدة، والشدة تقتضي الترخيص، ولذا حينما تقع مجاعة أو يكون الإنسان في خلاء، ويشتد عليه الجوع، ولم يجد إلا الميتة -والميتة محرمة- رُخص له أن يأكل الميتة تخفيفاً عليه من حكم المنع الذي يؤدي إلى وفاته.
فالرخصة: رفع حكم بحكم آخر مع بقاء الحكم الأصلي، أو: إباحة ممنوع بنص متجدد بعد المنع مع بقاء حكم المنع، كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة:٣] مع قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:١٧٣] ، فلما أباح الله ورخص للمضطر أكل الميتة أبقى الحكم على التحريم، وأعطى المضطر رخصة الأكل منها حتى يجد كفاف العناء، فهي في الحال محرمة، ولكن أبيح له، ولذا قالوا: الحدث يمنع الصلاة، وقد لا يجد الإنسان ماء أو قد يجده ويعجز عن استعماله، فجاء التيمم بديلاً عن الوضوء، فهل التيمم يرفع الحدث الذي كان يتطلب الماء، أو أنه أباح له الصلاة مع وجود الحدث؟ فالجمهور على أنه أباح له الصلاة والدخول فيها رخصةً، لكن المنع الأساسي موجود، والحدث باق، ومنهم من يقول: التيمم يرفع الحدث.
والصحيح أنه مبيح له مع بقاء الحدث، والدليل على ذلك أن رجلاً كان في غزوة مع النبي ﷺ فلم يصل الصبح، فمضى إليه رسول الله، فقال له: ألست مسلماً؟! قال: بلى يا رسول الله، ولكن أصابتني جنابة ولا ماء، ثم جاءت قضية التيمم فتيمم وصلى، فلما جيء بالمرأة ومعها المزادتان قال: أين صاحب الجنابة؟ قال: أنا.
قال: خذ فأفرغه على جسمك.
أي: من حدث سابق، فهو تيمم رخصة للصلاة، ولكن تيممه الذي صلى فيه لم يرفع عنه الحدث، بدليل: (خذ فأفرغه على جسمك) .
فالرخصة: إباحة الممنوع مع بقاء حكم المنع.
فحكم الجمعة باق، ولذا من أتى الجمعة مع صلاة العيد أجزأته.
وفي بعض الروايات: (وإنَّا لمجمِّعون) .
وعند مالك في الموطأ أن عثمان رضي الله تعالى عنه: اجتمع في عهده العيد ويوم الجمعة، فصلى العيد، ثم رخص لأهل العالية، وأهل العوالي كانوا يأتون يصلون الجمعة في المسجد النبوي في المدينة، فلما اجتمع العيد ويوم الجمعة في عهد عثمان ﵁ صلى العيد بمن حضر، ثم رخص لأهل العوالي إذا رجعوا ألا يرجعوا مرةً أخرى؛ لأن فيه مشقة في الذهاب والمجيء مرتين للعيد وللجمعة، وهنا رخص ﷺ في الجمعة.
وجاء في بعض السنن أن في خلافة ابن الزبير -وكان في مكة- اجتمع العيد والجمعة فصلى العيد بالناس، ثم جاء الناس للجمعة فلم ينزل إليهم، وطلبوه للجمعة فلم يأت، وكان ابن عباس بالطائف، فلما جاء أخبروه بما فعل ابن الزبير، فقال: أصاب السنة.
стр. 965
خلاف العلماء في سقوط الجمعة يوم العيد
ويبحث العلماء في قوله: (رخص في الجمعة) ، فإذا جاء وقت الجمعة ولا جمعة فهل يصلون ظهراً أو أن الجمعة هي فرض اليوم وقد رخص رسول الله ﷺ فيها؟ فمنهم من يقول: لما رخص في الجمة سقطت وسقط فرض الظهر في ذلك اليوم؛ لأن الجمعة هي فرض يوم الجمعة، ويكون الظهر لمن لم يدرك الجمعة، أو كان من أهل الأعذار كالمريض والنساء والعبيد والصبيان والمسافر، فإذا سقطت الجمعة عن أهل الأعذار لأعذارهم صلوا ظهراً، وهولاء رخص لهم في تركها.
فمن نظر إلى أصل الرخصة قال: رخص لهم وبقي الأصل، فيصلون الظهر، واستدلوا بما فعل أصحاب ابن الزبير، فإنهم صلوا وحداناً، وقالوا: كيف يترك -وهو إمام وصاحب بيعة- المجيئ إليهم؟ فقالوا: لعله صلى الظهر في بيته.
ولما لم يخرج إليهم وصلى الظهر جماعة يكون قد سن ظهراً يوم الجمعة، وهذا ممنوع.
وهل الرخصة في ترك الجمعة يوم العيد لمن كان من الضواحي كأهل العالية كما فعل عثمان، أو أنه على عمومه ويترك الجميع حتى الإمام كما فعل ابن الزبير؟ فهناك من يقول: يرخص لعامة الناس، ما عدا من يحضر مع الإمام لإقامة شعار الجمعة، وهناك من يقول: إنما يكون الترخيص لمن كان بمثابة أهل العالية، وهناك من يقول: رخص ولكن نصوص الجمعة الواجبة والتحذير منها تعارض هذا الترخيص، فعلى الناس أن يصلوا عيداً وجمعة، كما قال الشافعي ﵀.
والراجع أن الترخيص في ترك الجمعة لمن كان يتكلف المجيئ إلى الجمعة كتكلفه المجيئ إلى العيد، أما من لم يتكلف ذلك، فالله تعالى أعلم.
فالتعارض قائم، والأحوط المجيء، ولكن الذي عليه الجمهور أن على الإمام أن يصلي الجمعة حضر معه من حضر، ومن لم يأتِ الجمعة وقد حضر العيد فلا يعنف، ولا يقال له: لم تركت؟ فله من أمر رسول الله ﷺ مخرج، والله تعالى أعلم.
[ثم قال: (من شاء أن يصلي فليصل) ] .
قوله: (من شاء) ، أي: من شاء أن يصلي الجمعة، فالتخيير قائم مع وجود الرخصة، فمن شاء استعمل الرخصة، ومن شاء تركها ورجع إلى الأصل، وهذا هو أرجح الأقوال.
стр. 966
السنن الواردة بعد صلاة الجمعة
قال المصنف ﵀: [وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعاً) رواه مسلم] .
هذا شروع في بيان السنة يوم الجمعة، والسنة يوم الجمعة نجد فيها خلافاً، فهناك من يقول: ليست هناك سنة راتبة.
وفرق بين السنة الراتبة والسنة المطلقة، وقد جاء في السنن الرواتب حديث ابن عمر أنه حفظ عن رسول الله عشر ركعات، وجاء حديث آخر فيه: اثنتا عشرة ركعة، قبل الصبح ركعتان، وقبل الظهر أربع وبعده ركعتان أو أربع، وأربع قبل العصر، وبعد المغرب ركعتان وركعتان بعد العشاء، فهذه سنن راتبة مترتبة مع الفريضة، لكن سنة الضحى ليست مرتبة مع غيرها، ولكن قائمة بذاتها، وكذلك صلاة الليل نافلة مطلقة.
أما الجمعة فبعض العلماء -كالأحناف- يقولون: راتبة الجمعة كراتبة الظهر، أقلها ركعتان قبلها، وركعتان بعدها، ولكن الحديث فيه: (من بكر وابتكر، وغسل واغتسل، وصلى ما تيسر له ... ) ، فقال: (ما تيسر) ، وليس فيه عدد معين.
ولذا قال الآخرون: لا راتبة للجمعة.
قالوا: إذا جاء مبكراً فله أن يصلي ما تيسر له، سواءٌ أصلى ركعتين أم صلى أربعاً، أم صلى ستاً، أم صلى أكثر من ذلك، فليس هناك شيء محدود قبلها.
ولكن جاء في الحديث هنا أنه يصلي بعدها أربعاً، وجاء التفصيل بين أن يصلي في المسجد وأن يصلي في بيته، فإذا صلى نافلة بعد الجمعة في المسجد فليصل أربعاً لهذا الحديث، وإن لم يصل في المسجد وصلى في بيته صلى ركعتين.
فالحديث عامٌ، ولكن يحمل على ما جاء في الحديث الآخر، فمن تنفل للجمعة بعدها في المسجد صلى أربعاً، ومن أخر تنفل الجمعة إلى البيت اجتزأ بركعتين، كما جاء عن أم المؤمنين عائشة ﵂ وغيرها، وبهذا تكون الراتبة أو النافلة بعد الجمعة بحسب ما سيصيلها فيه، فإن كان في المسجد فأربعاً، وإن كان في البيت فركعتين، والله تعالى أعلم.
فإن قيل: كيف تجزئ ركعتان في البيت عن أربع في المسجد؟ ولماذا لا تكون أربعاً في المسجد أو في البيت، أو ركعتين في البيت أو في المسجد؟ والجواب: أنه قد جاء عنه ﷺ في غير هذا الموضع من باب الإيماء والتنبيه قوله: (خير صلاة المرء في بيته، إلا المكتوبة) ، فالتي في البيت معها الأفضلية، وما دام أن معها الأفضلية فإن ركعتين تساويان الأربع.
وقالوا أيضاً: صلاة المرء في بيته فيها فوائد جانبية: أولاً: التماس البركة بذكر الله والصلاة في المكان؛ لأن البيت الذي لا صلاة فيه ولا تلاوة فيه كالقبر المهجور.
ثانياً: أن في البيت أطفالاً ونسوة يعلمهم الصلاة، وفيه كذلك حث الأهل الموجودين الذين لم يصلوا على الصلاة، وحث للنسوة اللواتي ما عليهن جمعة أن يصلين الظهر، وذلك حينما يأتي ويصلي النافلة.
فما دامت الصلاة في البيت لها عدة فوائد عامة وخاصة فتكون لها الأولوية، ويجزئ فيها الركعتان بدلاً عن الأربع في المسجد.
وقوله ﷺ : [ (إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعاً) ] هل معناه: فليصل بعدها فوراً، أم أن قوله: (بعدها) يصدق على التسويف.
والواقع أننا نجد أحاديث وآثاراً في أن الإنسان لا يصل النافلة بالفريضة، وجاء عن بعض السلف: أن لا يتنفل حتى يتكلم، ويرى بعض العلماء أنه يندب له أن يتحول من مكانه، أي أنه يُوجِد فاصلاً حسياً بين الفريضة والنافلة، حتى لا يظن ظان أن هذه النافلة متممة لتلك الفريضة.
فقوله ﷺ : (إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعاً) ليس معناه بعدها على الفورية والمتابعة حتى تكون كجزء منها، بل يفصل بين النافلة والفريضة بفاصل محسوس، إما بكلام، وإما بانتقال إلى مكان آخر.
стр. 967
كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة [٧]
جمع حديث أبي هريرة ﵁ في صلاة الجمعة جملة من الآداب المطلوبة يوم الجمعة، وبين أن الذي يمتثلها ينال الأجر والثواب والمغفرة من الله ، ومن هذه الآداب: فمنها الاغتسال للصلاة، والتبكير إلى المسجد، ثم الانشغال بالصلاة حتى يخرج الخطيب، فإذا خرج أنصت واستمع للخطبة، مع الحرص على اغتنام الساعة التي يستجاب فيه الدعاء يوم الجمعة.
стр. 968
تابع أحكام صلاة الجمعة
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
стр. 969
الغسل يوم الجمعة ووقته عند العلماء
فيقول المصنف ﵀: [وعن السائب بن يزيد ﵁ أن معاوية ﵁ قال له: (إذا صليت الجمعة فلا تصلها بالصلاة حتى تتكلم أو تخرج؛ فإن رسول الله ﷺ أمرنا بذلك ألا نصل صلاةً بصلاةٍ حتى نتكلم أو نخرج) رواه مسلم] .
المؤلف لما جاء بحديث: (إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعاً) أراد أن يبين لنا البعدية هذه بما جاء عن معاوية ﵁ في قوله لمحدثه: لا تصل نافلة بالفريضة، وبيّن له أن النبي ﷺ نهى أن تصل نافلة بفريضة حتى تتكلم بكلامٍ خارج عن الصلاة يعلن انتهاءها، أو تخرج من المسجد فتصلي في بيتك، وهذا هو الذي أشرنا إليه سابقاً.
[وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من اغتسل ثم أتى الجمعة فصلى ما قدر له، ثم أنصت حتى يفرغ الإمام من خطبته ثم يصلي معه غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام) رواه مسلم] .
هذا المبحث أطال فيه العلماء الكلام، ونصيحتي للإخوة طلبة العلم أن يرجعوا في هذا المبحث إلى فتح الباري.
وسنأخذ الحديث كلمة كلمة، وتحت كل كلمة مبحث كامل.
قوله ﷺ : (من اغتسل) : الغسل معروف بصورته وهيئته، وفي بعض الروايات: (كغسل الجنابة) ، حتى يرفع احتمال الوضوء؛ لأن الغسل والوضوء كلاهما يدخل في عموم النظافة، فقوله: (من اغتسل) يراد به الغسل الكامل الشبيه بغسل الجنابة.
قوله: (اغتسل ثم أتى) ، ثم للعطف والترتيب والتراخي، فيبحث العلماء في وقت الغسل يوم الجمعة.
وقد جاء في صحيح البخاري ما يشعر بأن الغسل يوماً في الأسبوع حق على كل مسلم، ويأتي الحديث: (غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم) ، وعقد العلماء البحث في: هل الغسل لليوم أو للجمعة؟ فقال داود الظاهري وابن حزم: الغسل لليوم، فمن اغتسل بعد الفجر أو قبل غروب الشمس أجزأه.
وجاء في صحيح البخاري: (حق لله على كل مسلم أن يغتسل لكل أسبوع مرة) ، فالإسلام دين النظافة، وهذا الحديث يجعل هذه الطهارة طهارة واجبة ولو لم تكن جنابة.
وفي رواية لـ مالك: (ثم راح) بدل: (أتى) فالغسل قبل الرواح، فلو اغتسل بعد الفجر ثم -بعد التراخي- نودي للصلاة فذهب فإنه يصدق عليه أنه اغتسل ثم راح.
وقد وقع الخلاف في تعيين الوقت الذي يغتسل فيه؛ لقوله: (اغتسل ثم أتى الجمعة) ، والإتيان يصدق على أي جزء من النهار قبل الجمعة، ومالك ﵀ قال في قوله: (ثم راح) ، إن الرواح والغدو اسمان للسعي قبل الزوال وبعده، فيقال للزمن قبل الزوال: الغدو، ويقال لما بعد العصر العشي، ويقال لما بعد الظهر: الرواح، وبعضهم يقول: العشي يدخل من بعد الزوال، فرواية مالك: (ثم راح) تدل على أن الغسل يكون قبل أول النداء، وأن يذهب بهذا الغسل إلى الصلاة، أي أنه إن اغتسل في أول اليوم ثم انتقض وضوؤه سن له أن يجدد الغسل ويصلي الجمعة بطهارة الغسل؛ لأن الرواح يكون بعد الزوال، فيغتسل ويذهب، وسيأتي عند مالك أن الساعة الأولى والساعة الثانية ساعات لغوية، أي: لحظات متقاربة تبدأ من بعد الزوال.
والجمهور على أنها ساعات توقيتية، والنهار اثنتا عشرة ساعة، والساعة الأولى من النهار والثانية منه مقدرة على الساعة الزمنية التوقيتية.
فقوله: (ثم أتى) يصدق على الإتيان للجمعة في أي وقت قبل النداء، ولذا قال الجمهور: من اغتسل بعد الفجر من يوم الجمعة أجزأه، ويقول مالك: لا يكون الغسل إلا عند الرواح للصلاة، فيصلي به الجمعة، وسيأتي زيادة إيضاح لهذه المسألة.
وفي قوله: (ثم أتى الجمعة) يقال: هل الإتيان للجمعة أم لمكان الجمعة؟ فهما متلازمان، فالجمعة لا بد لها من مكان، والمكان لأجل الجمعة، فيقال: أتى إلى المسجد في صلاة الجمعة.
стр. 970
ما يفعله من دخل المسجد يوم الجمعة قبل دخول الإمام
قوله:: [ (فصلى ما قدر له) ] .
يفهم منه أن إتيانه إلى الجمعة بعد أن يغتسل يكون قبل وجوب الصلاة والأذان لها، لا بعد وجوب الصلاة، والدليل قوله: (فصلى ما قدر له) ، فلو أنه أتى إلى الجمعة بعد النداء، فليس بعد النداء صلاة نافلة، وإنما الواجب الإصغاء بعد النداء لخطبة الإمام، ويستثنى الداخل بعد ذلك، فيركع ركعتين ويتجوز فيهما.
فإتيانه في هذا الحديث إتيان قبل الزوال، وقبل الأذان الذي للوقت.
وقوله: (فصلى ما قدر له) .
أي: كل واحد بحسب ما يتيسر له.
وقوله: (ثم أنصت) ، أي: إلى الإمام حينما يصعد المنبر حينما ينادى للجمعة عند دخول الوقت، أي عند الزوال.
قوله: (ثم أنصت حتى يفرغ الإمام من خطبته) ، أي: أنصت وقت الخطبة، وقبل الخطبة لا مانع أن يتكلم، ولا مانع أن يصلي بعد الخطبة، وبعض الناس يتحرج من الكلام بعد فراغ الإمام من الخطبة حتى يدخل في الصلاة، وهذا ليس بصواب، فالمنهي عنه يكون من شروع الخطيب في الخطبة إلى أن ينتهي، وقبل ذلك وبعده لا حرج فيه.
قوله: (ثم يصلي معه) أي: لا يسمع الخطبة وينصرف قبل أن يصلي معه.
قوله: (غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام) ، هذا الحديث صالح لبيان فضيلة الغسل يوم الجمعة، وفضيلة الجمعة في ذاتها، فمن اغتسل يوم الجمعة، ثم أتى الجمعة، ثم أنصت للإمام، ثم صلى مع الإمام، غفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة وزيادة ثلاثة أيام، والأسبوع سبعة أيام، والحسنة بعشر أمثالها، وزيادة ثلاثة أيام على الأسبوع يصير بها اليوم عن عشرة أيام، والحسنة بعشر أمثالها.
ونقف هنا وقفة بسيطة، فبعض المسلمين -هداهم الله- قد يتساهلون في حضور الجمعة، ويجعلون يوم الجمعة للتنزه، وكأن يوم الجمعة ليس له أثر، وكل ما عندهم من أعمال في الأسبوع يؤخرونها إلى يوم الجمعة، ويشتغلون يوم الجمعة، ويضيعون الجمعة، فلا يبكرون، ولا يصلون ما تيسر لهم، فأي فضيلة بعد ذلك؟ والذي ينبغي هو أن يتنظف الإنسان، ثم يأتي المسجد فيصلي ما تيسر له، فهو يستريح من عناء العمل الذي كان فيه، فالموظف مع مراجعيه، والصانع مع عماله، والزارع في مزرعته، وكل إنسان طيلة الأسبوع في جهد بدني وفكري، فشرع الله له يوم الجمعة ليستريح ويتنظف ويسترجع قواه، فتجدد العافية، ويتغذى لروحه، ويحصل على مغفرة عشرة أيام، فأكبر تاجر في البلد يوم الجمعة لا يحصل من تجارته مثل ما يحصل يوم الجمعة، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الجمعة:١١] .
فالعاقل لا ينبغي له أن يتهاون بأمر الجمعة ما دامت فيها هذه الفضيلة، وكذلك الغسل، وسيأتي في الحديث عند البخاري: (ومس من طيب أهله) .
وقد جاء في حديث آخر: (غسَّل واغتسل) يقول بعض العلماء: غسل ثوبه واغتسل في بدنه.
وبعضهم يقول: (غسَّل واغتسل) لفظ يفيد اشتراك طرفين.
فيستحب يوم الجمعة أن تغتسل، وأن تتطيب وتلبس أحسن ما عندك من الثياب، وتأتي لتقابل إخوانك.
فكيف تشتغل عنها وتتركها؟ نسأل الله السلامة والعافية.
ومن المباحث الغسل يوم الجمعة والمقارنة بينه وبين الوضوء، لحديث: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل) وقد أطلق الاغتسال في قوله ﷺ : (من اغتسل يوم الجمعة) وبعض العلماء يقول: لو أن شخصاً أجنب فأوقع غسل الجنابة بعد طلوع الفجر، ونوى بهذا الغسل رفع الجنابة وسنة اغتسال الجمعة، فإنه يجزئه عند من يقول الغسل سنة، ومن يقول الغسل واجب يقول لا يجزئ واجب عن واجب، فيغتسل للجنابة ثم يغتسل إذا راح إلى الجمعة، ويكون غسل الجمعة مستقلاً.
ولكن الجمهور على أن المراد اغتسال يوم الجمعة بسبب أو بغير سبب، ونظروا كما يقول الشافعي وغيره إلى علة الغسل يوم الجمعة -وهو سنة- فهو معلل بالحث على النظافة في هذا الاجتماع، كما قال ابن عباس: كان الناس يعملون لأنفسهم، ويلبسون الصوف والخشن من الثياب، فيأتون من أعمالهم والمسجد ضيق والجو حار، فيعرقون فيؤذي بعضهم بعضاً.
وفي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: كان الناس عمال أنفسهم، وكانوا يأتون من عملهم في الغبار ويعرقون، فدخل أحدهم على رسول الله وهو عندي، فقال: (غسل يوم الجمعة واجب) ، فأمر بالغسل، فقالوا: إن الأمر بالاغتسال يوم الجمعة من أجل النظافة.
والجمهور قالوا: إن كانت العلة النظافة فقد صار مشروعاً لذاته، فلو أن إنساناً في الظل، وعلى فراش النعيم، وفي بعد عن الغبار، وأراد أن يأتي الجمعة، فإن عليه أن يغتسل للجمعة، كما أنه لو كان قبل الجنابة في الحر الشديد ودخل الحمام واغتسل للتبريد ثم جاءت الجنابة بعد الغسل بدقائق فلا يكفيه الاغتسال الذي قبل الجنابة، فالجنابة جاءت بوجوب الغسل، فكذلك الجمعة جاءت بسنة الغسل، وكثير من الأشياء تشرع لأسباب فتزول أسبابها وتبقى المشروعية.
فالهرولة في الطواف كان سببها لما دلس إبليس على المشركين ووسوس لهم وقال: لو ملتم عليهم ميلة رجل، فقد أنهكتهم حمى يثرب والسفر فلما هرول الصحابة وأظهروا القوة قالوا: والله إنهم لكالجن، ثم جاءت السنة الثامنة وفتحت مكة، وأمن المسلمون، وجاء المصطفى ﷺ في السنة العاشرة حاجاً فهرول، وقد سأل رجل عمر رضي الله تعالى عنه: كنا نهرول عند الخوف وقد أمنا فعلام نهرول؟ قال: يا ابن أخي! سألتني فيما سألت فيه رسول الله ﷺ .
أو قال: هرول رسول الله ﷺ فهرولنا، ثم حج فهرول ونحن في أمن فهرولنا.
فالعلة وجدت ثم زالت وبقيت المشروعية.
وكذلك رمي الجمار، فإبراهيم ﵇ حصب الشيطان لما جاءه ووسوس له: كيف تذبح ابنك؟ فقال: اخسأ يا لعين! ورماه بالحصيات، والآن ما عندنا شيطان يوسوس، ولا أحد يذبح ولده، ولو كان ولده أتقى خلق الله فلن يطيع الله في ذبح الولد حتى لو قال له: اقطع يده فلن يقطعها إلا أن يشاء الله.
وبعض الصحابة قيل له: أكنتم تطيعون رسول الله في كل شيء؟ قال: نعم.
والله لو أمرنا بقتل أنفسنا لقتلنا أنفسنا.
وهذا ليس من الطاعة العمياء بل هي الطاعة المبصرة؛ لأنه يعلم أنه يطيع الله، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤] .
ومما شرع لعلة ثم بقي مع زوالها القصر لقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء:١٠١] .
فإذا كنا آمنين مطمئنين حال سفرنا من مكة إلى المدينة فلنا أن نقصر الصلاة، فزال السبب وبقيت المشروعية.
فكان السبب في اغتسالهم يوم الجمعة كونهم يعرقون وتخرج منهم روائح العمل والغبار.
ولذا جاء في الحديث: (فلما كفوا المئونة) ، أي: لما جاءت الفتوحات، وجاءتهم العلوج -أي: العبيد- وكفتهم المئونة رخص لهم في ترك الغسل.
ونقول: الترخيص بنص؛ لأنه جاء في الحديث: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل) ، فالأمران مشتركان في الأفضلية، وعثمان ﵁ لما دخل ﵁ وعمر يخطب فقال: أي ساعةٍ هذه؟ قال: ما إن سمعت الأذان أو النداء حتى توضأت وأتيت.
فقال عمر: والوضوء أيضاً؟ وأقره على الوضوء جميع الصحابة الحاضرين الذين يسمعون عمر، فالجمعة تصح بالوضوء، ولكن الغسل من أجلها أفضل.
стр. 971
ساعة الإجابة وخلاف العلماء في تعيين وقتها
[وعنه ﵁ أن رسول الله ﷺ ذكر يوم الجمعة فقال: (فيه ساعة لا يوافقها عبدٌ مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه وأشار بيده يقللها) متفق عليه.
وفي رواية لمسلم (وهي ساعة خفيفة) ] هذا الحديث من خصائص يوم الجمعة وفضائله، وهو ما جاء عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ ذكر الجمعة فذكر فيها ساعة لا يصادفها عبدٌ مسلم قائم يصلي يدعو الله أو يسأل الله إلا أعطاه إياه.
ثم جاء المؤلف رحمه الله تعالى بعد ذلك بتوقيت هذه الساعة، وأنها بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس، أو من حين يصعد الإمام المنبر إلى أن تتم الصلاة، ويذكر غيره أن الأقوال فيها متعددة، وقد ذكر المؤلف نفسه في فتح الباري ثلاثة وأربعين قولاً في تعيين هذه الساعة.
ويقول ابن عبد البر: أجمع حديث وأصحه فيما يتعلق بهذه المسألة ما جاء في رواية مالك رحمه الله تعالى، وتعرف هذه الساعة عند الفقهاء بساعة الإجابة.
ورواية مالك التي قال عنها ابن عبد البر: إنها أشمل وأجمع، هي رواية أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: خرجت إلى الطور - يعني: يصلي فيه - فلقيت كعب الأحبار، فجلسنا فحدثني عن الكتاب - يعني: عن التوراة - وحدثته عن سنة رسول الله ﷺ ، ومما ذكرت له: أن النبي ﷺ ذكر في الجمعة ساعة ثم بين تلك الساعة وقللها، فقال: كعب الأحبار: إنها في السنة مرة.
قال: فلقيت عبد الله بن سلام وكعب الأحبار من أحبار اليهود أسلم وحسن إسلامه في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه، أما عبد الله بن سلام فهو صحابي أسلم في زمن النبي ﷺ .
قال: فلقيت عبد الله بن سلام فذكرت له ما كان بيني وبين كعب الأحبار فقال: كذب -أي: في قوله: إنها في جمعة واحدة في السنة- إنها في كل جمعة، ثم قال عبد الله بن سلام: وإني لأعلم أين تلك الساعة، قال: أبو هريرة فقلت له: أخبرني بها ولا تضن عليّ قال: إنها ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، قال أبو هريرة: فقلت لـ عبد الله بن سلام إنها ساعة لا يصلى فيها! أي: لنهي النبي ﷺ في قوله: (لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس) ، وهذا استدلال صحيح، فقال عبد الله: صدقت! أو لم يقل رسول الله ﷺ : (من صلى صلاة وبقي في مجلسه فهو في صلاة) قلت: بلى.
قال: هو ذاك.
يقول ابن عبد البر في الجزء الثالث والعشرين من التمهيد: إن هذه المناظرة بين أبي هريرة وعبد الله بن سلام وما ذكر له تعطينا أصل المذاكرة بين العلماء والمفاهمة، والأخذ عن أهل التوراة إذا علم صدقهم وأمن الكذب فيهم.
ثم يقول عبد الله بن سلام: (لقد ذكرت للنبي ﷺ أنا نجد في الكتاب -يعني: في التوراة- أن في الجمعة ساعة لا يصادفها عبدٌ يصلي يدعو الله إلا أعطاه سؤله، فقال ﷺ : أو بعض ساعة؟) قال عبد الله: نعم والله يا رسول الله أو بعض ساعة.
ثم قال: أخبرني أي ساعة هي يا رسول الله؟ قال: (ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس) ، وهكذا يسوق مالك هذا الحديث.
ومما ساقه أيضاً أن أبا هريرة في عودته من الطور لقي غلام أبي بصير الغفاري فقال: من أين أقبلت؟ قال: من الطور، قال: لو أني أدركتك قبل أن تخرج ما خرجت.
قال: ولماذا؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ ﷺ يقول: (لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد، النبي ﷺ ، والمسجد الأقصى) .
ومما ساقه مالك أيضاً في هذا السياق أنه قال: قال ﷺ : (أفضل يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة) ، أو: (إن يوم الجمعة خير يوم طلعت عليه الشمس، فيه خلق آدم، وفيه أسجد إليه، وفيه أسكن الجنة، وفيه أهبط من الجنة إلى الأرض، وفيه تيب عليه، وفيه تقوم الساعة، وما من دابة في الأرض إلا وتصيخ بسمعها يوم الجمعة بعد صلاة الصبح إلى شروق الشمس شفقاً من قيام الساعة) .
وذكر صاحب منتقى الأخبار -الذي شرحه الشوكاني في نيل الأوطار- رواية فيها: (إن السماء والأرض والملائكة والرياح لتشفق في ذلك اليوم من يوم الجمعة) ، ويقول صاحب القبس: إن الله يخلق في البهائم فزعاً يوم الجمعة.
والذي يهمنا في هذه الساعة ما أشار إليه ابن حجر من اختلاف الناس في تعيين أوقاتها، وإذا كان اليوم اثنتي عشرة ساعة، فهي ساعة من هذا اليوم.
واختلفت الأقوال ابتداءً من أذان الفجر إلى طلوع الشمس، ومن طلوع الشمس إلى الضحى، ومن نهاية الساعة الثالثة من يوم الجمعة إلى زوال الشمس، ثم إلى أذان الجمعة، ثم إلى جلوس الإمام على المنبر حتى يفرغ من الخطبة، وحتى تنتهي الصلاة إلى ما بعد صلاة العصر، ثم إلى أن يكون ظل الشيء مثليه، ثم إلى أن تصفر الشمس، ثم إلى أن تضيف الشمس للمغيب.
وكل هذه الأوقات جاءت فيها الأخبار بأنها موضع تلك الساعة، حتى قال ابن حجر وابن عبد البر: اختلف الناس فيها هل هي باقية أم نسخت؟ ويردون قول من يقول: إنها رفعت وانتهت.
ثم يقولون: أهي جمعة في السنة، أم في كل جمعة؟ ويرجحون بأنها في كل يوم جمعة، ثم هل هي ثابتة في يوم الجمعة أو تتنقل فأحياناً قبل الصلاة وأحياناً بعدها، وأصح ما في ذلك حديث أبي موسى الأشعري -كما قال الشوكاني ﵀ وهو أنها بعد العصر.
وابن عبد البر ساق في التمهيد ما يزيد على ستة أصول أو سبعة في أنها بعد العصر، ثم قال: إن المذاكرة بين أبي هريرة ﵁ وبين عبد الله بن سلام في كلمة (قائم يصلي) لم يثبتها بعض العلماء، وأن اللفظ: (لا يوافقها عبد يسأل الله حاجة إلا أعطاه الله إياها) ، ولم يذكر قيد (قائم يصلي) بل قال: إن بعض الشيوخ كان يأمر طلابه أن يحذف لفظ (قائم يصلي) من الحديث، ثم ساق النصوص التي تثبتها، وقال: إن الصحيح أنها ثابتة، وأن الرسول ﷺ قالها، فيصلي ويسأل الله حاجته.
ثم رجح ابن عبد البر أن معنى (قائم) أن عنايته واجتهاده من أجلها، كما تقول: قام فلان بالأمر حتى أتمه، وكما تقول: قمت بعمل واجتهدت فيه.
أو: قمت بتأليف هذه الرسالة، أو: قمت بكتابة هذه المقالة، وليس الأمر بالقياس حتى يكون المراد الانتصاب الذي هو ضد الجلوس.
يقول ابن عبد البر: لولا سلامة التأويل الذي أورده عبد الله بن سلام على أبي هريرة ما سلم به أبو هريرة؛ لأن أبا هريرة لم يجادله في ذلك، بل قبله وقنع به.
وعلى هذا فبعض العلماء يذهب إلى الترجيح، وبعضهم ويذهب إلى النسخ، والصحيح الترجيح.
وبعضهم يقول: الأنسب أن يكون الدعاء وقت الخطبة إلى أن تتم الصلاة، قالوا: وكيف يدعو في ذلك الوقت وهو يصغي إلى الإمام؟ فقالوا: إنها ساعة خفيفة، كما قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: (وأشار بيده ﷺ يقللها) ، فبعض الناس قالوا: لفظة (وأشار بيده يقللها) من الراوي، وبعضهم قال: إنها من رسول الله ﷺ .
ولما قال له عبد الله بن سلام: إنها ساعة في الكتاب قال ﷺ : (أو بعض ساعة) قال بلى يا رسول الله: أو بعض ساعة! فقال بعض العلماء: وضع ﷺ الأنملة على الوسطى أو الخنصر، يعني: كأنها قليلة، وبعضهم قال: قبض يديه وقلب هكذا، وهكذا أي: معنى التقليل، أي: ليست ساعة زمنية محددة بستين دقيقة كما هو المتعارف عليه.
قال بعض العلماء: لقد رأيت شاباً يعتكف في بيت المقدس يوم الجمعة من بعد صلاة الفجر إلى الضحى، والجمعة الثانية من الضحى إلى زوال الشمس إلى صلاة الجمعة، وفي الجمعة الثالثة من بعد الجمعة إلى العصر، وفي الجمعة الرابعة من بعد العصر إلى غروب الشمس، يتحرى تلك الساعة على اختلاف تلك الأقوال.
فقال له قائل: وما يدريك لعله يصادفها إذا كانت تتنقل؟! فقد تكون في اليوم الذي اعتكف فيه من الصبح إلى طلوع الشمس بعد العصر.
ويهمنا في هذا ما قاله ابن عبد البر ﵀: إن هذه الساعة لا شك في فضلها، فينبغي للإنسان إن يجتهد طيلة يوم الجمعة، وأن يبذل جهده ما استطاع، وخاصةً في الأوقات التي هي مظنة لها، وأكثر الأحاديث أو أصحها أنها فيما بين صعود الإمام أو جلوس الخطيب على المنبر إلى أن تنتهي الصلاة، وأحاديث ما بعد العصر.
وأما كيف يجمع بين قوله: (خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة) ، وما جاء أن خير يوم هو يوم عرفة؛ فقد قالوا: إن الساعة التي في يوم الجمعة، وليلة القدر التي في شهر رمضان، ويوم الجمعة، ويوم عرفة، ويوم الحج الأكبر كل هذا لا معارضة ولا منافاة فيها.
فقالوا: إن يوم الجمعة هو أفضل الأيام بالنسبة لأيام الأسبوع، فهو أفضل من السبت والأحد والأربعاء والخميس، والساعة التي في يوم الجمعة أبهمت ليجتهد الناس، كما أن ليلة القدر أبهمت أولاً في كامل رمضان، ثم أبهمت في العشر الأواخر ليجتهد الناس، وقوله ﷺ : (خير يومٍ طلعت عليه الشمس يوم عرفة) أي: بالنسبة لأيام السنة كاملة.
وعلى هذا فلا منافاة، فيوم الجمعة أفضل بالنسبة لأيام الأسبوع، ويوم عرفة بالنسبة لأيام العام كله، وكذلك العيد لفضيلته.
فتلك الأقوال بكاملها
стр. 972
شرف يوم الجمعة
وقالوا: إنه ﷺ ذكر خلق آدم يوم الجمعة، وكانت خلقة الأنبياء في أيام متعددة، فخلق آدم ما فضيلته؟ قالوا: لأنه بخلق آدم وجد الإنسان، وبوجود الإنسان كان التكليف، وبوجود التكليف كان التوحيد، فعبد الله، وأرسلت الرسل، وجيء بالكتب، وكل ذلك نتيجةً لخلق آدم ابتداءً، فخلق آدم كان أساساً لوجود الخلائق، وسبباً لوجود التكليف وإرسال الرسل وإنزال الكتب.
وقالوا: إن كان آدم سبباً في هذا الخير فإن من أبناء آدم من جاءوا بالمعاصي ملء البحر والأرض، فقالوا: ساعة من ساعات من توحيد رب العالمين خير من ملء الأرض كلها من المعاصي.
ولذا جاءت الآية بأن الله سبحانه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، وجاء: (يا ابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً، لأتيتك بقرابها مغفرة) .
فمهما كان عند العبد من عصيان، أو ما يقع في الأرض من عصيان، فإن ما يوجد في الأرض من طاعة وعبادة وتوحيد خير من الدنيا وما فيها.
فوجود آدم في هذا اليوم سبب في هذا الخير الكثير، وبه عرف الله ، كما جاء في الحديث القدسي: (خلقت خلقاً وبه عرفوني) ، ويقولون: إن ثلاثة أشياء خلقها الله بيده، وبقية الكائنات قال لها: (كوني) فكانت، فقال للسماوات والأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا: أتينا طائعين, وقال للجبال: (كوني) فكانت، ولكن خلق آدم بيده، كما قال تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] ، وأيضاً غرس جنة عدن بيده، وكتب الألواح لموسى بيده، فقالوا: هذه ثلاثة أشياء أوجدها بيده، فشرفت لذلك.
ولا يقال: كيف خلق آدم بيده؟ وكيف غرس الجنة بيده؟ وكيف كتب الألواح لموسى بيده؟ فالكيف لا يرد على الله سبحانه أبداً في أي شيء كان، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] .
ثم بعد ذلك شرف آدم بأن أسجد الله الملائكة له، وهل سجدوا له ابتداءً أو سجدوا له بعد أن أظهر الله شرفه؟ بعد أن أظهر الله شرفه بتعليمه، كما قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة:٣١-٣٢] ، فلما أنبأهم كانت النتيجة أن أسجد الله الملائكة له تكريماً، وليست عبادة كما يظن الجهلة، بل تكريماً له على العلم.
وقد وجدنا في نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية أن العلم يكرم أهله، وبالتأمل نجد أن العلم يكرم المتعلم، ولو كان حيواناً ولو كان طائراً، فالهدهد لما غاب عن نبي الله سليمان، وتفقد الطير فقال -كما حكى الله تعالى عنه-: ﴿مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ [النمل:٢٠] قال الهدهد: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ [النمل:٢٢] فكأنه ألغى العلم بالوحي، وكل ما يأتيه، والجن يعملون بين يديه، وقال: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل:٢٢] ، وذكر له أمر بلقيس وشأنها بعد ما قال نبي الله: ﴿لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل:٢١] .
فلما جاء بهذا السلطان، وتوسم فيه نبي الله الصدق قال: (سننظر) فتراجع عن تنفيذ الحكم، أو أوقف التنفيذ، وهذه الحكمة والسنة تجب على العالم الإسلامي، خاصة طالب العلم، فإذا جاءه أمر مستغرب لم يقف على حقيقته لم يبادر في الإنكار، ولا يسارع بالقبول، بل يقول كما قال نبي الله سليمان، مع أن لديه وسائل الاكتشاف والاطلاع، فالريح غدوها شهر ورواحها شهر، ومع ذلك قال: (سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين) ، وقدم الصدق لأنه وجد مخايل الصدق في تأكيد الهدهد على خبره، فقال: ﴿اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا﴾ [النمل:٢٨] .
فهذا طائر لم يتعلم، ولم يدرس أصول الفقه ليستنتج، وهو في طيرانه اكتشف ما كانت تعبده بلقيس، فرجع يخبر عنها، فما أعمل المقاييس ولا أعمل الأجهزة، ولا استنتج النتائج، فجاء ونجا من الذبح ومن القتل، وبعد أن كان في تلك الحالة أصبح كبيراً مفوضاً من نبي الله سليمان إلى الملكة، وجاء بها مسلمة.
وما أكل السبع فهو ميتة إلا ما أدركته وذكيته، بينما الكلب يمسك عليك، وتأكل مما أمسك إذا أطلقته وسميت اسم الله عليه، كما إذا رميت بالسهم وسميت اسم الله عليه، ولو أن الكلب كان غير معلم فهو سبع، لكن إذا أصبح معلماً فإذا أرسلته انطلق وإذا دعوته أجابك، ولا يأكل لنفسه، حلَّ صيده وما يمسكه عليك فهو لك حلال تأكله، وما أصابه الأسد -وهو سيد الوحوش كما يقولون- فإنه ميتة، إلا أن تذكيه أنت فيحل بتذكيتك إياه.
وهكذا العلماء، فهم كما قال ﷺ ورثة الأنبياء.
فلما علم الله آدم الأسماء، وعرضهم على الملائكة فلم يعلموها اعتذروا إلى الله -ولهم الحق- فقالوا: ﴿لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة:٣٢] ، وهذا منهج لطالب العلم، فإذا سئل عما لا يعلم قال: لا علم لي، وقد أحسن من انتهى إلى ما قد سمع، ولا يقتحم أبواب النار، وقد قيل: اشد الناس اقتحاماً للنار أجرؤهم على الفتوى؛ لأنه قد ينطق بغير علم، ولا ينبغي للإنسان أن يفرح بسؤال يرد عليه ويفرح بالإجابة، إلا إذا كان موقناً كإيقانه بوجود الشمس.
وكانت الفتوى تأتي إلى علماء المدينة السبعة ويتدافعونها كلٌ يحيل على الآخر حتى ترجع إلى الأول، كل ذلك فراراً وخشية من الإفتاء بغير علم.
فشرف يوم الجمعة بخلق آدم، وتشرف آدم بالعلم، ثم أسكنه الله الجنة، قال تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة:٣٥] ، والجنة كانت كلها مباحة له غير هذه الشجرة، وتلك حكمة الله، وكما يقول بعض المحققين: الله خلق آدم ليعمر الأرض، كما هو الواقع، فإذا قال له: ادخل الجنة فإنه سيأتي وقت يدعى فيه للنزول إلى الأرض وهذا لا يكون من طبع الكرماء، فلو كان عندك ضيف وأنت كريم، ومكث عندك فإنك تستحيي أن تخرجه دون أن يخرج، لكن جعل الله تلك الشجرة حتى يشعر آدم بذنبه، فإذا قيل له: اهبط إلى الأرض عرف لماذا أهبط، فلا يكون بخلاً من المولى عليه، ولا يكون تقتيراً عليه، ولا يكون إخراجاً بغير سبب، على أن هذه أمور لا ينبغي الخوض فيها.
فنزل إلى الأرض يوم الجمعة، واستغفر ربه، وسأل الله التوبة والمغفرة وأناب، فاجتباه ربه فهداه، كما قال تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:٣٧] ، فتيب عليه يوم الجمعة، ونحن أيضاً في حاجة إلى عرض التوبة وإلى تكرارها، وقد ندب ﷺ إلى كثرة الصلاة والتسليم عليه صلوات الله وسلامه عليه، وإلى الاستغفار وكثرة العبادة، حتى قيل: إن الصدقة تضاعف في يوم الجمعة.
وفي الحديث الذي في الموطأ: (وما من دابة على وجه الأرض.
إلخ) .
عموم الدواب، فما من دابة إلا وتدخل في هذا العموم أياً كانت، حتى الطير الذي يطير بجناحيه ويدب على وجه الأرض.
ومعنى: [تصيخ] بالخاء أي: تصغي سمعها يوم الجمعة.
والإنسان والجان لا يصيخون، فالحيوانات تدرك يوم الجمعة وتميزه عن الخميس والسبت وتصيخ بسمعها، قال ابن عبد البر: إن الله يخلق لها ما يروعها أو يفزعها.
وهذا شي لا ندخل فيه، فالله أعلم بأي كيفية تصيخ؛ لأن لله تعالى سره في خلقه، فجميع الكائنات تعرف ربها، وجميع الكائنات تسبح لله، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤] ، فهذا الحال فوق طاقتكم، وفوق عقولكم، ومرجعه إلى الله .
ومن هنا ينبغي على العاقل أن يجعل له من يوم الجمعة -كما يقال- نصيباً يجتهد فيه، فعنده ستة أيام يعمل فيها لدنياه، وعنده يوم الجمعة الوحيد، وقد يعمل فيه إلى أن ينادى للصلاة، فليكن سعيه يوم الجمعة باستغراق وتفرغ، ويبكر قبل ذلك ما شاء الله له، كما في الحديث الآخر: (من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة) إلخ، ويجعل يوم الجمعة للأمور الآتية: أولاً: يستريح فيه من عمل الدنيا.
ثانياً: يروح على نفسه من هذا العناء.
ثالثاً: يتذوق فيه العبادة والذكر والدعاء، وقد حث ﷺ على كثرة السلام عليه.
كما يجعله لقراءة القرآن والتسبيح والاستغفار، وكل ذلك مما يتهيأ به الإنسان ويتزود.
والله أسأل أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه وبالله التوفيق.
стр. 973
كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة [٨]
مما يتعلق بصلاة الجمعة اختلاف العلماء في عدد من تنعقد بهم الجمعة، وفي المعذورين ممن لم يحضرها، وهل تنعقد بهم إذا حضروها، وكذلك آداب المستمعين في الجلوس وقت الخطبة، ومشروعية اتخاذ الخطيب عصا أو قوساً يتكئ عليه حال الخطبة.
стр. 974
وقت الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة
قال المصنف ﵀: [وعنه ﵁: أن رسول الله ﷺ ذكر يوم الجمعة فقال: (فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئاً إلا أعطاه أياه، وأشار بيده يقللها) متفق عليه، وفي رواية لـ مسلم: (وهي ساعة خفيفة) ] .
قوله: (خفيفة) كأنها تفسير (يقللها) ، وذكروا أنه ﷺ وضع طرف الإبهام على الوسطى أو الخنصر، أي: أنه شيء قليل جداً، فليست ساعة من الساعات الزمنية المعروفة التي ينقسم النهار إلى اثنتي عشرة ساعة منها.
[وعن أبي بردة عن أبيه ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة) رواه مسلم، ورجح الدارقطني أنه من قول أبي بردة.
وفي حديث عبد الله بن سلام ﵁ عند ابن ماجة وعن جابر ﵁ عند أبي داود والنسائي: (أنها ما بين صلاة العصر وغروب الشمس) وقد اختلف فيها على أكثر من أربعين قولاً أمليتها في شرح البخاري.
] .
هذان الحديثان يعتبران أصح الأقوال التي قيلت من ثلاثة وأربعين وقتاً، وابن عبد البر ﵀ أورد تلك الأقوال بأسانيدها، ومن يقول بها، وهذا شيء لا نستطيع أن نحفظه ولا نستطيع أن نورده بكامله، ولكن نرشد طالب العلم إلى محله وهو في الجزء الثالث والعشرين من التمهيد، لمن أراد أن يرجع إليه.
ويهمنا باتفاق العلماء بأن كل الأقوال التي جاءت بتحديد وقت قبل جلوس الإمام أو قبل الأذان للجمعة كلها مردودة أو ضعيفة، ولكن الأحاديث الصحيحة التي يعوّل على أسانيدها هو هذا الذي جاء ما بين أن يجلس الإمام على المنبر إلى أن تتم الصلاة، وهناك من يقول: إلى أن تتم الخطبة، ولكن نقول: إن التمديد إلى الصلاة أشمل؛ لأنها تجمع الخطبة معها.
والقول الثاني: حديث عبد الله بن سلام ﵁: أن وقتها ما بعد صلاة العصر، ثم ما بعد صلاة العصر فيه عدة أقوال، حتى قيل: حينما يشرع القرص في الغروب، وقالوا: إن فاطمة ﵂ كانت تأخذ بهذا القول، وتوصي غلاماً لها ينظر لها قرص الشمس إذا أخذ في الغروب أخبرها فقامت تدعو.
وقالوا: كان أحد السلف إذا صلى العصر جلس ولم يكلم أحداً إلى أن تغرب الشمس، يدعو الله انتهازاً أو تحرياً لتلك الساعة إلى غروب الشمس.
ثم إن بعضهم يقول: حتى يكون الظل كذا حتى تصفر الشمس حتى يغرب القرص، فكان ما بعد صلاة العصر يجلس في مكانه إلى أن تغرب الشمس، والله تعالى أعلم.
стр. 975
العدد المعتبر الذين تنعقد بهم الجمعة
[وعن جابر ﵁ قال: (مضت السنة أن في كل أربعين فصاعداً جمعة) رواه الدارقطني بإسناد ضعيف] .
هذا الحديث موضوعه في عدد الذين تنعقد بهم الجمعة.
وأعتقد أنه تقدم الكلام في مثل هذا، ومن رجع إلى تتمة أضواء البيان عند الكلام على سورة الجمعة يجد الأقوال هناك متفاوتة، ولم يصح نص عن رسول الله ﷺ في عدد الجمعة.
والمتأمل يجد أن هناك من يقول: ثلاثة أشخاص مع الإمام، أو شخصان مع الإمام، وهناك الإمام والمؤذن أخذاً من قوله سبحانه: ﴿إِذَا نُودِيَ﴾ [الجمعة:٩] فهناك منادِ ﴿مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا﴾ [الجمعة:٩] وهناك من يسعى، ﴿إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩] وهناك من يذكر الله، فقالوا: إذاً هناك المنادي وهو المؤذن، وهناك من يذكر الله وهو الإمام، وهناك من كلف بالسعي، وأقل الجمع ثلاثة.
فقوله: (فاسعوا) يصدق على الواحد والثلاثة، فإذا كانوا ثلاثة يسعون وواحد يؤذن وواحد يذكر الله، فهؤلاء خمسة، فإذا وجد خمسة أشخاص وجبت عليهم الجمعة.
وهناك من قال: أقل عدد يكون اثني عشر أخذاً من قصة التجارة، لما كان ﷺ يصلي الجمعة وكانت الخطبة بعد الصلاة، ثم قام يخطب فجاءت التجارة، ودقت لها الطبول، فخرج الناس إليها ولم يبق ممن كان عند النبي ﷺ إلا اثنا عشر رجلاً.
وقال ﷺ : (لو خرجوا جميعاً لسال الوادي عليهم ناراً) ، فقالوا: هذا العدد حفظ الله به الصحابة من أن يهلكوا، وسماع الخطبة جزء من الجمعة حتى أنهم قالوا: هي بدل الركعتين الأخريين، ويأتي الخلاف في سماع الخطبة هل هو واجب أو سنة، وهل تصح الصلاة بدونه أو لا تصح؟! وأجيب عن هذا وذاك: أن أول جمعة أقيمت في المدينة المنورة كانوا نحواً من أربعين رجلاً، فقالوا: كون الذين بقوا عند مجيء رسول الله وقت الخطبة عند مجيء العير للتجارة اثني عشر، هذه خطيئة وقعت فجأة ويمكن كان أن يبقى عشرون، ويمكن أن يبقى عشرة أو خمسة، فهذا ليس منضبطاً بعدد، إنما صادف أن الذين بقوا اثنا عشر رجلاً، كذلك صادف الذين صلوا الجمعة أول ما كانوا أبعين رجلاً، ثم جاء خبر جابر، ولكن نبه المؤلف ﵀ على ضعف هذا الحديث.
فالذي قال ثلاثة أبو حنيفة ﵀، والذي قال اثنا عشر رجلاً أحمد ومن وافقه، والذي قال أربعون الشافعي ﵀، والذي قاله مالك هو ما يمكن أن يكون كقاعدة عامة ليست مرتبطة بعدد هندسي ولا حسابي، فقال: كل جماعة أقامت في قرية واستقرت، وفيها أميرها وسوقها وجبت عليهم الجمعة سواء كانوا كثيراً أو قليلاً؛ لأنها وحدة سكنية قائمة بذاتها.
وأشرنا سابقاً -أيها الإخوة- بأن هذا القول هو الذي يفيده السياق في آخر السورة الكريمة؛ لأن الله سبحانه يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩] ، أي: اتركوا البيع، فلو كانوا اثنين أو ثلاثة لم يكن هناك بيع كثير حتى يحتاج أن نقول: اتركوه؛ لأنها صفة حصلت وأنت ماش ما تستغرق شيئاً، لكن تدل على وجود سوق وأن البيع قائم، والناس يتبايعون ويُشغلون عن الجمعة: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩] .
﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا﴾ [الجمعة:١٠] هل يقال لاثنين وثلاثة: انتشروا؟! الانتشار يكون للعدد الكثير.
إذاً: هل وجدتم سوقاً قائماً في الخلاء أو في الفلاة دون وجود قرية لها رئاسة؟! لابد من وجود خادم ووجود ولي أمر وحاكم ليفض النزاعات التي تقع في الغالب بين المتبايعين في الأسواق وإلا حلت الفوضى.
إذاً: هذه وحدة قروية كما يقال مستكملة وقائمة بذاتها، فهذه المجموعة عليها أن تصلي الجمعة سواء كانت عشرين أو مائتين أو أكثر أو أقل، وعلى هذا يضيف المالكية: ويمكن لهذه الجماعة أن تدافع عن نفسها، بمعنى: لو داهمها حيوان أو وحش أو قطاع طرق لكانوا بمجموعهم يستطيعون أن يدافعوا عن أنفسهم، ولذا قال: تجب الجمعة على قرية يستقرون فيها احتياطاً من بيوت الشعر، وهم الذين يتبعون القطر والغيث والمرعى فلن يستقروا في مكان، فهؤلاء ليست عليهم جمعة كما يقول مالك ﵀.
إذاً: قضية العدد ليس فيها نص، وإنما كلها اجتهاديات، وأولى الأقوال في ذلك ما جاء عن مالك ﵀؛ لأنه كلام من واقع الحياة ومن وجود القرى والمستوطنين فيها، والله تعالى أعلم.
стр. 976
من آداب الخطبة استغفار الخطيب للمؤمنين والمؤمنات
[وعن سمرة بن جندب ﵁: (أن النبي ﷺ كان يستغفر للمؤمنين والمؤمنات في كل جمعة) رواه البزار بإسناد لين.
] الغرض هنا الدعاء في الخطبة (للمؤمنين المؤمنات) أي: على العموم، وقد كان ﷺ يستغفر لآحاد الناس، وهذه سنة للخطيب أن يستغفر في خطبته للمؤمنين والمؤمنات، ونتناول موضوع دعاء الخطيب لولي أمر المسلمين.
فبعضهم يقول: لا مجال له، لأن هذه عبادة لله، ولا ينبغي تعظيم غير الله.
وقال الآخرون: إن الدعاء لإمام المسلمين بالصلاح والإصلاح والبطانة الصالحة، هو خير للمسلمين جميعاً، كما قال أحمد ﵀: لو كانت لي دعوة مستجابة لجعلتها إلى ولي أمر المسلمين؛ لأن في إصلاحه صلاح المسلمين.
إذاً: لا مانع أن يدعو الخطيب لما يصلح الإمام في الدين والدنيا لا في مصالحه الخاصة والشخصية، ولكن لمصلحة عموم المسلمين، فعندما يقول: اللهم وفقه لما فيه الخير، اللهم سدد خطاه، اللهم انصر به الإسلام والمسلمين، اللهم اجعله عوناً على طاعتك، وأيد له بطانة تدله على الخير وتعينه عليه، فهذه كلها دعوات ليست راجعة لنفس ولي الأمر في ذاته، بل راجعة لعامة المسلمين.
إذاً: لا مانع في ذلك وهذا الحديث أصل في هذا وبالله التوفيق.
стр. 977
قراءة النبي ﷺ الآيات في خطبة الجمعة
[عن جابر بن سمرة ﵁: (أن النبي ﷺ كان في الخطبة يقرأ آيات من القرآن؛ يذكر الناس) رواه أبو داود وأصله في مسلم.
] تقدم معنا أن النبي ﷺ كان يقرأ سورة (ق) على المنبر، وهنا أتى بهذا الحديث ليبين أن من شروط الخطبة: أن يأتي بآيات من كتاب الله فيها موعظة وتوجيه وآداب، فسورة (ق) طويلة وكلها مواعظ، وفيها إثبات البعث وفيها خلق الإنسان وغير ذلك.
ولا يستطيع كل إنسان في كل جمعة أن يقرأها، فربما يطول الأمر على الناس، لكن لابد للخطيب أن يأتي بآية من كتاب الله في الخطبة، وجعلوها ركناً من أركان الخطبة التي هي: حمد الله، والشهادتان، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وآية من كتاب الله، ثم يأتي بالموضوع الذي يريده.
стр. 978
الأشخاص الذين لا تجب عليهم صلاة الجمعة
[وعن طارق بن شهاب ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: (الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: مملوك، وامرأة، وصبي، ومريض) رواه أبو داود وقال: لم يسمع طارق من النبي ﷺ ، وأخرجه الحاكم من رواية طارق المذكور عن أبي موسى] .
هذا الحديث يبين حكم الإتيان إلى الجمعة وأهل الأعذار الذين تسقط عنهم؛ لأن هذين الأمرين متلازمين وهنا: (الجمعة حق على كل مسلم) ، ثم جاء الاستثناء لأربعة، وجيء بخامس وهو المسافر، وكل هذه الأصناف لها بحثها إن شاء الله، لكن يهمنا قوله: (حق على كل مسلم) ؛ لأن الموجود في أذهان كثير من الناس: أن إتيان الجمعة مندوب أو سنة مؤكدة، ولكن ليعلم الإخوان بالتتبع، ومن أراد فليرجع إلى تتمة أضواء البيان عند هذا المبحث، فسيجد نقول المذاهب الأربعة على أن الجمعة فرض عين على كل مكلف ممن لم يستثن ولم تسقط عنه الجمعة من الأصناف الأربعة أو الخمسة.
ويكفي وعيداً في عدم المجيء إليها قوله ﷺ : (من ترك الجمعة ثلاث مرات بغير عذر طبع الله على قلبه) ، وهذا ما جاء إلا في المنافقين والعياذ بالله، وكما قالوا ﵏ في الاتفاق: هي فرض يومها، أما الذين سقطت عنهم أو لم يدركوها سواء كان بعذرٍ قام بهم كالمملوك والمرأة والصغير والمريض والمسافر، أو لشيء نقص عليه وهو مستكمل الشروط، كأن غلب عليه نوم أو شغل أو بعد عليه السبب أو المسافة، فحينئذٍ يصلي الظهر، إذاً: القادر المستطيع الذي يدخل تحت تكليف يوم الجمعة واجب عليه أن يأتيها.
وقد كانوا في زمن النبي ﷺ يأتون إليها من العالية ومن قباء، وكان يأمرهم ﷺ أن ينزلوا لصلاة الجمعة بالمسجد النبوي الشريف، ثم بعد ذلك أذن لهم لما كثر الناس وشق عليهم النزول، وصار الأمر على خلاف ما كان سابقاً، وتقام كل جمعة في نفس القرية لا في قرية أخرى وهذا سيأتي عليه بحث آخر إنشاء الله.
إذاً: الجمعة حق على كل مسلم وفرض عين كالعصر والمغرب والعشاء والظهر في غير يومها.
أما من تسقط عنهم الجمعة فمنه ما هو موضع اتفاق ومنه ما هو موضع خلاف.
[وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (ليس على مسافر جمعة) رواه الطبراني بإسناد ضعيف.
] تقدم الكلام على مقدمة هذا الحديث من حديث طارق أن النبي ﷺ قال: (الجمعة حق واجب على كل مسلم) ، واستثنى الأربعة من عموم المسلمين: المملوك والمرأة والصبي والمريض، وسمعنا المؤلف ﵀ يقول: إن الحديث ضعيف، وقالوا: إن طارقاً لم يسمع من النبي ﷺ ، فيكون الحديث مرسلاً؛ لأن طارقاً تابعي، وبعضهم يقول: رأى النبي ﷺ ولكن لم يسمع منه فيكون حديثه مرسلاً، ولكن قالوا: جاء الحديث برواية طارق عن أبيه عن النبي ﷺ .
والحديث تلقى بالقبول وعليه العمل، ولكن الخلاف في بعض تلك الأصناف وفيها تفصيل، أما قوله ﷺ : (الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة) ، فهذا تقدم الكلام عليه من أن الجمعة في يومها فرض عين، وهي فريضة اليوم وقوله: (في جماعة) شرط في الجمعة، أي: لا تصح فرادى، ومن فاتته لعذر أو غير ذلك فلا يصلي جمعة وإنما يصلي ظهراً، والأصناف التي استثنيت هي كما يلي:
стр. 979
أولاً: المملوك
والمملوك يصدق على الذكر والأنثى الأمة والعبد، وهو المعبر عنه بملك اليمين، وهذا أمر مفروغ منه، وفيه خلاف بين الجمهور والظاهرية؛ لأن داود بن علي ﵀ يقول: إنه عليه الجمعة مستدلاً بعموم قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩] ، وقال: إنه من عموم الذين آمنوا، وأخذ بذلك ابن حزم ﵀، يقول ابن قدامة في المغني: هي رواية عن أحمد.
ولكن الجمهور والرواية الأخرى عن أحمد أن المملوك في حكم مالكه ومنفعته لسيده فلا تجب عليه؛ لأنه مطالب بحق آخر، وإذا أذن له سيده فعليه أن يحضر، وإذا حضر أجزأت عنه وأغنت عن الفريضة يومها.
إذاً: الجمهور على أن المملوك لا جمعة عليه أساساً، وإذا إذن له سيده بحضور الجمعة أجزأته، ولكن يرى الجمهور أن حضوره لا يمكن أن يعتبر في تمام العدد عند من يشترط عدداً معيناً، فمن يشترط اثني عشر رجلاً قال: لا يكون فيهم مملوك، ومن اشترط الأربعين قال: لا يكون فيهم مملوك، بل يكون المملوك زائداً عن عدد الأربعين، وزائداً عن عدد الاثني عشر أي: يجب أن يوجد ممن تجب عليهم الجمعة ابتداءً العدد المطلوب.
стр. 980
ثانياً: المرأة
النوع الثاني: المرأة، وهذا بالإجماع، ولكن بعض العلماء يقول: المرأة إذا أرادت أن تحضر الجمعة لسماع الموعظة أو لتتثقف في دينها، فإنه ينظر: إن كانت امرأة كبيرة في السن فلا مانع، وإن كانت شابة يخشى فتنتها فلا تحضر.
والآخرون يقولون: مطلق امرأة إذا أذن لها زوجها أو وليها، بالشروط المعتبرة في خروج المرأة كالتستر الكامل الذي تصح به صلاة المرأة وهو أن تكون لابسة درعاً وخماراً سابغاً، أي: أن الدرع يغطي ظهور القدمين، وكذلك عدم التعرض للطيب، ولا لمواطن الزحام، فإذا أمنت من هذه الجوانب وحضرت الجمعة فإنها تجزئها ولا تطالب بظهر.
стр. 981
ثالثاً: الصغير
والثالث: الصغير: وهذا بإجماع العلماء؛ لأن الصغير دون سن التكليف ليس بواجب عليه أن يحضر الجمعة، وإذا حضرت المرأة أو حضر الصغير أيضاً فلا يحسب في العدد الذي تصح به الجمعة.
ويكون حضور المرأة أو الصغير أو المملوك زائداً عن العدد الذي يشترطه من يشترط عدداً معيناً.
стр. 982
رابعاً: المريض
الرابع: المريض: قالوا: والمريض على قسمين: - مريض يمكن أن يتحمل ويأتي الجمعة، فإذا حضرها أجزأته، وعد من العدد المطلوب؛ لأن سقوطها عنه ليس أصالة كالصبي أو كالمرأة، ولكن سقوطها عنه لمرضه تخفيفاً عليه، فإذا تحمل وحضر يكون قد تحمل في سبيل حضورها وهو أصلاً من أهلها، فحينئذٍ تصح منه وتنعقد به.
- أما إذا كان المرض ثقيلاً يشق عليه الحضور سقطت عنه الجمعة.
стр. 983
خامساً: المسافر
ثم يأتي بالرواية الأخرى ويضيف إلى ذلك خامساً وهو: المسافر.
والمسافر في الجملة حصل الاتفاق على أنه لا جمعة عليه، وذلك أن النبي ﷺ سافر في غزوات عدة ولم ينقل عنه أنه ﷺ في أي غزوة ولا في أي سفرة صلى جمعة، بل بالإجماع كان السفر للحج والوقوف بعرفة في حجة الوداع يوم الجمعة، ولم يثبت أنه صلى الجمعة، بل صلى الظهر ركعتين قصراً والعصر ركعتين وجمع بينهما.
ولما جاء أبو يوسف ولقي مالكاً رحم الله الجميع وتذاكرا هل صلى النبي ﷺ بعرفات جمعة أم صلى ظهراً؟ فقال مالك: صلى ظهراً.
فقال أبو يوسف: ألم يصل ركعتين ويخطب بالناس؟ قال مالك: بلى.
قال: هذه هي الجمعة ركعتان مع الخطبة.
قال: أرأيت جهر بالقراءة أم أسر بها؟ قال: أسر بها.
قال: هذا الظهر، والجمعة يجهر فيها بالقرآن، وهكذا أيها الإخوة أسلوب العلماء في المذاكرة دون مناكرة أو شقاق أو غضب أو شيء من ذلك، فرجع كل إلى الأصل واقتنع أبو يوسف ﵀ أن صلاة النبي ﷺ يوم عرفة كانت ظهراً، وبهذا اتفقوا في الجملة على أن المسافر لا جمعة عليه.
ولماذا لا جمعة عليه؟ قالوا: لأن المسافر تلحقه مشقة، ومن عناء السفر قصرت عليه الصلوات الرباعية فهو في حاجة ومشقة، فتكليفه بحضور الجمعة بما لها من شروط قد يلحق به مشقة زائدة.
ولهذه النظرة نجد بعض الفقهاء يفصل قالوا: المسافر على حالتين: - مسافر عابر سبيل، نزل بقرية في يوم الجمعة وهو على نية الرحيل في يومها، أي: أنه على ظهر طريق، فهذا يتفقون على أنه لا جمعة عليه.
- مسافر نزل في قرية قبل الجمعة بيوم أو يومين وسيستمر بعد الجمعة بيوم أو يومين فقالوا: هذا مسافر، ولكن نزل واستقر، فانتفت عنه مظنة التعب والمشقة، فهذا عليه أن يأتي، والجمهور قالوا: مادام أن له حكم المسافر وله يقصر الصلاة على ما تقدم في مدة المقيم إقامة مؤقتة، فحينئذٍ حكم السفر مازال معه واليوم كاليومين إلى الأربعة الأيام سواء.
إذاً: المسافر والذي نزل نزولاً مؤقتاً في طريقه فإنه لا جمعة عليه، وإذا حضر، قالوا: إذا حضر تحتسب له وتجزئه عن يومها، ولكن لا يكون في عدد الجمعة لماذا؟ لأن الأصل سقوطها عنه.
إذاً: هؤلاء الخمسة الأشخاص لا جمعة عليهم.
نجد أن هناك قولاً منفرداً، وهو يأتي عن أبي يوسف ﵀ صاحب أبي حنيفة ﵀؛ يقول: يلحق بهؤلاء الخمسة الأعمى؛ لأنه تلحقه المشقة في حضور الجمعة، ولكن كما قال ابن قدامة في المغني: هذا قول شاذ؛ لأن الأعمى جاء إلى النبي ﷺ يعتذر عن حضور الجماعة وقال: بيني وبين هذا المسجد هذا الوادي وليس لي قائد، وفي الطريق كذا وكذا واسترخص بأن يصلي في بيته فأذن له، وبعد أن أدبر دعاه فقال: أتسمع النداء؟ قال: بلى قال: أجب، فيقول الجمهور: إذا كان النبي ﷺ لم يرخص له في ترك الجماعة في الصلوات الخمس، والجمعة آكد، فلأن لا يرخص له في الجمعة من باب أولى.
إذاً: الذي عليه الجمهور هو أن الجمعة تسقط عن خمسة أصناف: المملوك والمرأة والصبي والمريض والمسافر على ما تقدم، وبالله تعالى التوفيق.
стр. 984
من آداب المستمعين مع الخطيب استقباله بوجوههم
[وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (كان النبي ﷺ إذا استوى على المنبر استقبلناه بوجوهنا) رواه الترمذي بإسناد ضعيف، وله شاهد من حديث البراء عند ابن خزيمة.
وعن الحكم بن حزن ﵁ قال: (شهدنا الجمعة مع النبي ﷺ فقام متوكئاً على عصاً أو قوسٍ) رواه أبو داود] .
بعد أن بين وجوب الجمعة على الأعيان وأنها فرض عين، ومن استثنى من ذلك من تلك الأصناف الخمسة ذكر آداب المصلين مع الخطيب فقال: إذا جلس ﷺ على المنبر -أي: للخطبة- استقبلناه بوجوهنا.
العادة الطبيعية أن المصلين مستقبلون القبلة، والمنبر في قبلية المسجد، فإذا صعد الإمام اتجه إلى الشمال والمصلون متجهون إلى القبلة، فهم مستقبلون بوجوههم، ولكن هذا يصدق لمن هو باتجاه المنبر سواء، أما ميمنة الصف وميسرة الصف فليسوا مستقبلين، إذاً: على من يكون في الميمنة أو في الميسرة أن يستدير ويستقبل الخطيب بوجهه، وليس بلازم أن يستدير بجسمه كاملاً بأن يكون واجهته إلى المنبر.
ولو كان جالساً وأدار وجهه إلى الخطيب مستقبلاً القبلة بصدره، ومديراً وجهه إلى الإمام على المنبر مستقبلاً إياه بوجهه، فهذا من علامات الأدب والإصغاء، والنظر إلى الخطيب وهو يخطب ومتابعته في هذه الحالة توكيد للسماع وتقوية للمعنى؛ لأن حواسه كلها مع الخطيب يسمع بأذنه ويرى بعينه.
وعلى هذا تكون السنة ونحن بالمسجد النبوي فيها مشكلة؛ لأنه دون بقية المساجد، فالمنبر يوجد في حد المسجد النبوي الأول في عهده ﷺ ، ثم جاءت الزيادة التي في القبلة على سمت باب السلام إلى الحجرة، وكانت تسمى الطُرقة (طُرقة باب السلام) طرقة المُسلّمين على رسول الله ﷺ .
والآن مكان المنبر لا يمكن أن يغير؛ لأنه موضوع على ما وضعه رسول الله ﷺ ، وخلف المنبر إلى القبلة عدة صفوف أربعة خمسة ستة على حسب الزحام، ماذا يفعل أولئك الذين في جلوسهم مستدبرين المنبر؟ السنة أن يواجهوا الخطيب بوجوههم ولا يعطونه ظهورهم؛ لأن هذا من علامات الإعراض، وبعضهم يقول: كيف نستدبر القبلة ونستقبل المنبر، ولكن لم أجد من استثنى ذلك المكان، فاستقبال الخطيب بالوجه في عامة المساجد هي السنة، ولا يوجد تساؤل إلا في هذا المسجد النبوي وبالنسبة لطرقه فقط.
كذلك الخطيب في مكة المصلون مستقبلون المنبر طبيعياً؛ لأنهم يستقبلون الكعبة بشكل دائمٍ، والمنبر لاصق بالكعبة، فغاية ما هناك أن الذين تقع الكعبة بينهم وبين المنبر لا يستطيعون أن يتطاولوا عليها ولا أن يزيلوها، لكنهم استقبلوا الخطيب بوجوههم، فسواء حصل حاجز أو لم يحصل فذلك ليس بأيديهم.
إذاً: السنة في المستمع أن يستقبل الخطيب بوجهه.
ولذا اتفق الجميع -ما عدا رواية عن أبي حنيفة ﵀ ولكن الصحيح عنه كقول الجمهور- أن السنة في السلام على النبي ﷺ أن تستقبله بوجهك وتستدبر القبلة؛ لأن أدب الخطاب أن تواجه من تخاطب، وجاء عنه ﷺ : (ما من أحد يسلم عليّ إلا رد الله عليّ روحي فأرد ﵇ ، فهل تريد أن يرد عليك السلام وأنت مدبر عنه؟ وعند الإمام أبي حنيفة كما ينقلون عنه: إن الأدب أن يقف بجانب الحجرة فيجعلها عن يساره أو عن يمينه، ويستقبل القبلة عند السلام؛ لأن السلام قربة وعبادة، وقبلة القربة والعبادة الكعبة، فيستقبل الكعبة بوجهه ويسلم على النبي من جانبه كما يحدث شخص إنساناً آخر عن جانبه، ولكن الذي رأيناه في مسند أبي حنيفة ﵀ -وهو مطبوع مع مسند الشافعي رحمهما الله- رواية أبي حنيفة أن السنة والأدب أن تستقبل النبي ﷺ أي: الحجرة الشريفة عند السلام عليه.
فيكون قد وافق الجمهور في أن الأدب عند السلام على النبي ﷺ أن يستقبل الحجرة الشريفة فيستقبل وجه النبي ﷺ .
стр. 985
اتكاء النبي ﷺ على العصا والقوس وقت الخطبة
[وعن الحكم بن حزن ﵁ قال: (شهدنا الجمعة مع النبي ﷺ فقام متوكئاً على عصاً أو قوسٍ) رواه أبو داود] .
توكؤ الخطيب على شيء في يده مظهر من مظاهر الخطابة عند العرب قبل وبعد الإسلام، فكانوا إذا كان الخطيب في قوم لابد أن يكون على نشز مرتفع أو على ظهر ناقته أو جواده؛ لأنه بارتفاعه يشرف على أكثر عدد ممكن، وبارتفاعه يبلغ صوته أكثر مما لو كان منخفضاً.
ومن هنا كانت الخطبة على المنبر، وإن كان أصل المنبر في المسجد النبوي الشريف شفقة بطول قيام رسول الله، كان ﷺ يقوم على قدميه في الروضة فيخطب متكئاً على جذع، فكان يتكئ عليه ويخطب، فرأت امرأة من الأنصار أن النبي ﷺ يقف ويطيل القيام، ويبادل بين قدميه لطول الوقوف، فقالت: يا رسول الله! إن لي غلاماً نجاراً فهل تأذن له أن يصنع لك منبراً تجلس عليه حين تقوم، فأذن له، فذهب الغلام وجاء بأعواد من الطرفة من الغابة عند ملتقى الأسيال وراء بئر رومة وصنع المنبر من ثلاث درجات، درجة أولى، والدرجة الثانية عليها القدمان، والدرجة الثالثة يجلس عليها، فانتقل ﷺ من موقفه واقفاً إلى موقع المنبر للجلوس عليه.
وكان من شأن الجذع أن حن لرسول الله ﷺ ، وسمع المصلون حنين الجذع لرسول الله ونزل إليه فالتزمه كما يهدئ الأب ولده أو الأم طفلها وقال: (إن شئت أخذتك فغرزتك فأورقت وأثمرت وأينعت، وإن شئت كنت من غرس الجنة؟ قال: أريد أن أكون من غرس الجنة، فدفنه ﷺ في الروضة في أصل المنبر) .
إذاً: صنع المنبر ابتداءً لراحة رسول الله ﷺ ، وكان من ثلاث درجات كما هو معلوم، فجاء الناس وصنعوا المنبر واعتبروه من جهة راحةً للخطيب ومن جهة للإشراف عليهم ليكون أدعى لانتشار الصوت وبعده.
ولهذا كانت السنة أن الخطيب يكون على مكان مرتفع فإلم يكن فعلى ظهر بعيره، وإلا فعلى ظهر فرسه، فجاء الإسلام وجعل المنبر للخطيب، وكان الخطيب يعتمد على قوسٍ أو عصا، فالقوس من أدوات القتال والعصا من أدوات التوكؤ فيقول الأدباء: إذا كان موضوع الخطبة يتعلق بالقتال والجهاد من هذه الناحية كان الاتكاء على قوس إشعاراً بجدية الموضوع، وإن كانت الخطبة مثلاً في أمور سلمية اتكأ على عصا؛ لأن العصا تشعر بعدم الحرب، والقوس يشعر بالشدة والقتال.
فهنا كلمة (أو) تكون مشعرة بالشك، أو أنه أحياناً يتكئ على قوس وأحياناً على عصا، فأحياناً ﷺ يخطب الناس ويهيئ الجيوش فيندبهم إلى القتال، والذي يناسب في هذه الحالة أن يكون متكئاً على قوس.
وأحياناً يخطبهم ويبين لهم بعض ما يرد عليه أو بعض ما يعرض لهم من إشكالات وأحياناً يقول: أيها الناس! احضروا المنبر، ويكون لأمر دنيوي أو تشريعي فيكون الاعتماد على عصاً، ولو كان على المنبر، والاتكاء -أيها الإخوة- أثناء الخطابة يساعد الخطيب على استرساله في موضوعه.
ومن العجيب أنهم كانوا في أثناء القتال في التاريخ الأول يأتي الخطيب وبيده السيف، فيصعد المنبر وهو مستل سيفه يتكئ عليه، فيخطب وهو متكئ على السيف بدلاً عن القوس وإذا جئت إلى بعض مساجد الأرياف خارج المملكة تجد السيف مصنوعاً من خشب على المنبر يحاكي ما كان سابقاً فيأتي الخطيب ويصعد المنبر وبيده سيف من خشب، لا حول ولا قوة إلا بالله! تقليد! والسيف الخشب سيشعر بقتال.
إذاً: انتقلت تلك العادة حتى أدت إلى هذا التقليد بهذه الحالة، ولكن لابد إما أن يكون عصاً فعلاً وإما أن يكون قوساً، فإذا لم تدع الحاجة لذلك ولا يوجد، ولا تعود الناس على ذلك صعد وأمسك بيده جانب المنبر، وبعضهم يقول: يضع اليمنى على اليسرى، وبعضهم يقول: اليدين على جانبي المنبر إلى آخره.
ويذكر بعض الأدباء في عادة الخطباء أنه لابد أن تكون يده في شيء محسوس.
وبعض النكت عن بعض الأدباء يقولون: مفتاح عقل الخطيب في شيء يتعوده، وذكروا عن خطيب غير عربي كان بليغاً جداً، ولاحظ شخص أنه عند الحديث يمسك زرار السترة، ويعبث به طيلة ما يتكلم، فجاء إنسان وعند بدئه للصعود للخطبة قطع هذا الزرار، فوقف ليخطب فأخذ يحسس ويطلب الزرار فلم يجده فضاع عليه المفتاح، فلعله من باب شيء في يده محسوس على حسب ما تعود يساعده حتى يسترسل في موضوعه إلى غير ذلك، لكن الأصل كما يقول الأدباء: أن يعتمد الخطيب على شيء إما عصا أو قوس وذلك بحسب مناسبة الخطبة، وكما يقال: لكل مقال مقال.
وهنا يا إخوان ينبه العلماء: أنه إن اعتمد على عصا أو قوس إنما يكون لمجرد الاعتماد، لا أن يرفعها للتهديد أو يدق المنبر بها، إنما تكون في يده يعتمد عليها، إذاً: عمل للعصا ولا للقوس، وإنما هي اتباع لسنة النبي ﷺ دون أن يدق بها درج المنبر أو يشهرها على الناس أو يهدد بها.
следующие страницы →