Полный текст (2 523 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
ثالثاً: الصغير
والثالث: الصغير: وهذا بإجماع العلماء؛ لأن الصغير دون سن التكليف ليس بواجب عليه أن يحضر الجمعة، وإذا حضرت المرأة أو حضر الصغير أيضاً فلا يحسب في العدد الذي تصح به الجمعة.
ويكون حضور المرأة أو الصغير أو المملوك زائداً عن العدد الذي يشترطه من يشترط عدداً معيناً.
стр. 982
رابعاً: المريض
الرابع: المريض: قالوا: والمريض على قسمين: - مريض يمكن أن يتحمل ويأتي الجمعة، فإذا حضرها أجزأته، وعد من العدد المطلوب؛ لأن سقوطها عنه ليس أصالة كالصبي أو كالمرأة، ولكن سقوطها عنه لمرضه تخفيفاً عليه، فإذا تحمل وحضر يكون قد تحمل في سبيل حضورها وهو أصلاً من أهلها، فحينئذٍ تصح منه وتنعقد به.
- أما إذا كان المرض ثقيلاً يشق عليه الحضور سقطت عنه الجمعة.
стр. 983
خامساً: المسافر
ثم يأتي بالرواية الأخرى ويضيف إلى ذلك خامساً وهو: المسافر.
والمسافر في الجملة حصل الاتفاق على أنه لا جمعة عليه، وذلك أن النبي ﷺ سافر في غزوات عدة ولم ينقل عنه أنه ﷺ في أي غزوة ولا في أي سفرة صلى جمعة، بل بالإجماع كان السفر للحج والوقوف بعرفة في حجة الوداع يوم الجمعة، ولم يثبت أنه صلى الجمعة، بل صلى الظهر ركعتين قصراً والعصر ركعتين وجمع بينهما.
ولما جاء أبو يوسف ولقي مالكاً رحم الله الجميع وتذاكرا هل صلى النبي ﷺ بعرفات جمعة أم صلى ظهراً؟ فقال مالك: صلى ظهراً.
فقال أبو يوسف: ألم يصل ركعتين ويخطب بالناس؟ قال مالك: بلى.
قال: هذه هي الجمعة ركعتان مع الخطبة.
قال: أرأيت جهر بالقراءة أم أسر بها؟ قال: أسر بها.
قال: هذا الظهر، والجمعة يجهر فيها بالقرآن، وهكذا أيها الإخوة أسلوب العلماء في المذاكرة دون مناكرة أو شقاق أو غضب أو شيء من ذلك، فرجع كل إلى الأصل واقتنع أبو يوسف ﵀ أن صلاة النبي ﷺ يوم عرفة كانت ظهراً، وبهذا اتفقوا في الجملة على أن المسافر لا جمعة عليه.
ولماذا لا جمعة عليه؟ قالوا: لأن المسافر تلحقه مشقة، ومن عناء السفر قصرت عليه الصلوات الرباعية فهو في حاجة ومشقة، فتكليفه بحضور الجمعة بما لها من شروط قد يلحق به مشقة زائدة.
ولهذه النظرة نجد بعض الفقهاء يفصل قالوا: المسافر على حالتين: - مسافر عابر سبيل، نزل بقرية في يوم الجمعة وهو على نية الرحيل في يومها، أي: أنه على ظهر طريق، فهذا يتفقون على أنه لا جمعة عليه.
- مسافر نزل في قرية قبل الجمعة بيوم أو يومين وسيستمر بعد الجمعة بيوم أو يومين فقالوا: هذا مسافر، ولكن نزل واستقر، فانتفت عنه مظنة التعب والمشقة، فهذا عليه أن يأتي، والجمهور قالوا: مادام أن له حكم المسافر وله يقصر الصلاة على ما تقدم في مدة المقيم إقامة مؤقتة، فحينئذٍ حكم السفر مازال معه واليوم كاليومين إلى الأربعة الأيام سواء.
إذاً: المسافر والذي نزل نزولاً مؤقتاً في طريقه فإنه لا جمعة عليه، وإذا حضر، قالوا: إذا حضر تحتسب له وتجزئه عن يومها، ولكن لا يكون في عدد الجمعة لماذا؟ لأن الأصل سقوطها عنه.
إذاً: هؤلاء الخمسة الأشخاص لا جمعة عليهم.
نجد أن هناك قولاً منفرداً، وهو يأتي عن أبي يوسف ﵀ صاحب أبي حنيفة ﵀؛ يقول: يلحق بهؤلاء الخمسة الأعمى؛ لأنه تلحقه المشقة في حضور الجمعة، ولكن كما قال ابن قدامة في المغني: هذا قول شاذ؛ لأن الأعمى جاء إلى النبي ﷺ يعتذر عن حضور الجماعة وقال: بيني وبين هذا المسجد هذا الوادي وليس لي قائد، وفي الطريق كذا وكذا واسترخص بأن يصلي في بيته فأذن له، وبعد أن أدبر دعاه فقال: أتسمع النداء؟ قال: بلى قال: أجب، فيقول الجمهور: إذا كان النبي ﷺ لم يرخص له في ترك الجماعة في الصلوات الخمس، والجمعة آكد، فلأن لا يرخص له في الجمعة من باب أولى.
إذاً: الذي عليه الجمهور هو أن الجمعة تسقط عن خمسة أصناف: المملوك والمرأة والصبي والمريض والمسافر على ما تقدم، وبالله تعالى التوفيق.
стр. 984
من آداب المستمعين مع الخطيب استقباله بوجوههم
[وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (كان النبي ﷺ إذا استوى على المنبر استقبلناه بوجوهنا) رواه الترمذي بإسناد ضعيف، وله شاهد من حديث البراء عند ابن خزيمة.
وعن الحكم بن حزن ﵁ قال: (شهدنا الجمعة مع النبي ﷺ فقام متوكئاً على عصاً أو قوسٍ) رواه أبو داود] .
بعد أن بين وجوب الجمعة على الأعيان وأنها فرض عين، ومن استثنى من ذلك من تلك الأصناف الخمسة ذكر آداب المصلين مع الخطيب فقال: إذا جلس ﷺ على المنبر -أي: للخطبة- استقبلناه بوجوهنا.
العادة الطبيعية أن المصلين مستقبلون القبلة، والمنبر في قبلية المسجد، فإذا صعد الإمام اتجه إلى الشمال والمصلون متجهون إلى القبلة، فهم مستقبلون بوجوههم، ولكن هذا يصدق لمن هو باتجاه المنبر سواء، أما ميمنة الصف وميسرة الصف فليسوا مستقبلين، إذاً: على من يكون في الميمنة أو في الميسرة أن يستدير ويستقبل الخطيب بوجهه، وليس بلازم أن يستدير بجسمه كاملاً بأن يكون واجهته إلى المنبر.
ولو كان جالساً وأدار وجهه إلى الخطيب مستقبلاً القبلة بصدره، ومديراً وجهه إلى الإمام على المنبر مستقبلاً إياه بوجهه، فهذا من علامات الأدب والإصغاء، والنظر إلى الخطيب وهو يخطب ومتابعته في هذه الحالة توكيد للسماع وتقوية للمعنى؛ لأن حواسه كلها مع الخطيب يسمع بأذنه ويرى بعينه.
وعلى هذا تكون السنة ونحن بالمسجد النبوي فيها مشكلة؛ لأنه دون بقية المساجد، فالمنبر يوجد في حد المسجد النبوي الأول في عهده ﷺ ، ثم جاءت الزيادة التي في القبلة على سمت باب السلام إلى الحجرة، وكانت تسمى الطُرقة (طُرقة باب السلام) طرقة المُسلّمين على رسول الله ﷺ .
والآن مكان المنبر لا يمكن أن يغير؛ لأنه موضوع على ما وضعه رسول الله ﷺ ، وخلف المنبر إلى القبلة عدة صفوف أربعة خمسة ستة على حسب الزحام، ماذا يفعل أولئك الذين في جلوسهم مستدبرين المنبر؟ السنة أن يواجهوا الخطيب بوجوههم ولا يعطونه ظهورهم؛ لأن هذا من علامات الإعراض، وبعضهم يقول: كيف نستدبر القبلة ونستقبل المنبر، ولكن لم أجد من استثنى ذلك المكان، فاستقبال الخطيب بالوجه في عامة المساجد هي السنة، ولا يوجد تساؤل إلا في هذا المسجد النبوي وبالنسبة لطرقه فقط.
كذلك الخطيب في مكة المصلون مستقبلون المنبر طبيعياً؛ لأنهم يستقبلون الكعبة بشكل دائمٍ، والمنبر لاصق بالكعبة، فغاية ما هناك أن الذين تقع الكعبة بينهم وبين المنبر لا يستطيعون أن يتطاولوا عليها ولا أن يزيلوها، لكنهم استقبلوا الخطيب بوجوههم، فسواء حصل حاجز أو لم يحصل فذلك ليس بأيديهم.
إذاً: السنة في المستمع أن يستقبل الخطيب بوجهه.
ولذا اتفق الجميع -ما عدا رواية عن أبي حنيفة ﵀ ولكن الصحيح عنه كقول الجمهور- أن السنة في السلام على النبي ﷺ أن تستقبله بوجهك وتستدبر القبلة؛ لأن أدب الخطاب أن تواجه من تخاطب، وجاء عنه ﷺ : (ما من أحد يسلم عليّ إلا رد الله عليّ روحي فأرد ﵇ ، فهل تريد أن يرد عليك السلام وأنت مدبر عنه؟ وعند الإمام أبي حنيفة كما ينقلون عنه: إن الأدب أن يقف بجانب الحجرة فيجعلها عن يساره أو عن يمينه، ويستقبل القبلة عند السلام؛ لأن السلام قربة وعبادة، وقبلة القربة والعبادة الكعبة، فيستقبل الكعبة بوجهه ويسلم على النبي من جانبه كما يحدث شخص إنساناً آخر عن جانبه، ولكن الذي رأيناه في مسند أبي حنيفة ﵀ -وهو مطبوع مع مسند الشافعي رحمهما الله- رواية أبي حنيفة أن السنة والأدب أن تستقبل النبي ﷺ أي: الحجرة الشريفة عند السلام عليه.
فيكون قد وافق الجمهور في أن الأدب عند السلام على النبي ﷺ أن يستقبل الحجرة الشريفة فيستقبل وجه النبي ﷺ .
стр. 985
اتكاء النبي ﷺ على العصا والقوس وقت الخطبة
[وعن الحكم بن حزن ﵁ قال: (شهدنا الجمعة مع النبي ﷺ فقام متوكئاً على عصاً أو قوسٍ) رواه أبو داود] .
توكؤ الخطيب على شيء في يده مظهر من مظاهر الخطابة عند العرب قبل وبعد الإسلام، فكانوا إذا كان الخطيب في قوم لابد أن يكون على نشز مرتفع أو على ظهر ناقته أو جواده؛ لأنه بارتفاعه يشرف على أكثر عدد ممكن، وبارتفاعه يبلغ صوته أكثر مما لو كان منخفضاً.
ومن هنا كانت الخطبة على المنبر، وإن كان أصل المنبر في المسجد النبوي الشريف شفقة بطول قيام رسول الله، كان ﷺ يقوم على قدميه في الروضة فيخطب متكئاً على جذع، فكان يتكئ عليه ويخطب، فرأت امرأة من الأنصار أن النبي ﷺ يقف ويطيل القيام، ويبادل بين قدميه لطول الوقوف، فقالت: يا رسول الله! إن لي غلاماً نجاراً فهل تأذن له أن يصنع لك منبراً تجلس عليه حين تقوم، فأذن له، فذهب الغلام وجاء بأعواد من الطرفة من الغابة عند ملتقى الأسيال وراء بئر رومة وصنع المنبر من ثلاث درجات، درجة أولى، والدرجة الثانية عليها القدمان، والدرجة الثالثة يجلس عليها، فانتقل ﷺ من موقفه واقفاً إلى موقع المنبر للجلوس عليه.
وكان من شأن الجذع أن حن لرسول الله ﷺ ، وسمع المصلون حنين الجذع لرسول الله ونزل إليه فالتزمه كما يهدئ الأب ولده أو الأم طفلها وقال: (إن شئت أخذتك فغرزتك فأورقت وأثمرت وأينعت، وإن شئت كنت من غرس الجنة؟ قال: أريد أن أكون من غرس الجنة، فدفنه ﷺ في الروضة في أصل المنبر) .
إذاً: صنع المنبر ابتداءً لراحة رسول الله ﷺ ، وكان من ثلاث درجات كما هو معلوم، فجاء الناس وصنعوا المنبر واعتبروه من جهة راحةً للخطيب ومن جهة للإشراف عليهم ليكون أدعى لانتشار الصوت وبعده.
ولهذا كانت السنة أن الخطيب يكون على مكان مرتفع فإلم يكن فعلى ظهر بعيره، وإلا فعلى ظهر فرسه، فجاء الإسلام وجعل المنبر للخطيب، وكان الخطيب يعتمد على قوسٍ أو عصا، فالقوس من أدوات القتال والعصا من أدوات التوكؤ فيقول الأدباء: إذا كان موضوع الخطبة يتعلق بالقتال والجهاد من هذه الناحية كان الاتكاء على قوس إشعاراً بجدية الموضوع، وإن كانت الخطبة مثلاً في أمور سلمية اتكأ على عصا؛ لأن العصا تشعر بعدم الحرب، والقوس يشعر بالشدة والقتال.
فهنا كلمة (أو) تكون مشعرة بالشك، أو أنه أحياناً يتكئ على قوس وأحياناً على عصا، فأحياناً ﷺ يخطب الناس ويهيئ الجيوش فيندبهم إلى القتال، والذي يناسب في هذه الحالة أن يكون متكئاً على قوس.
وأحياناً يخطبهم ويبين لهم بعض ما يرد عليه أو بعض ما يعرض لهم من إشكالات وأحياناً يقول: أيها الناس! احضروا المنبر، ويكون لأمر دنيوي أو تشريعي فيكون الاعتماد على عصاً، ولو كان على المنبر، والاتكاء -أيها الإخوة- أثناء الخطابة يساعد الخطيب على استرساله في موضوعه.
ومن العجيب أنهم كانوا في أثناء القتال في التاريخ الأول يأتي الخطيب وبيده السيف، فيصعد المنبر وهو مستل سيفه يتكئ عليه، فيخطب وهو متكئ على السيف بدلاً عن القوس وإذا جئت إلى بعض مساجد الأرياف خارج المملكة تجد السيف مصنوعاً من خشب على المنبر يحاكي ما كان سابقاً فيأتي الخطيب ويصعد المنبر وبيده سيف من خشب، لا حول ولا قوة إلا بالله! تقليد! والسيف الخشب سيشعر بقتال.
إذاً: انتقلت تلك العادة حتى أدت إلى هذا التقليد بهذه الحالة، ولكن لابد إما أن يكون عصاً فعلاً وإما أن يكون قوساً، فإذا لم تدع الحاجة لذلك ولا يوجد، ولا تعود الناس على ذلك صعد وأمسك بيده جانب المنبر، وبعضهم يقول: يضع اليمنى على اليسرى، وبعضهم يقول: اليدين على جانبي المنبر إلى آخره.
ويذكر بعض الأدباء في عادة الخطباء أنه لابد أن تكون يده في شيء محسوس.
وبعض النكت عن بعض الأدباء يقولون: مفتاح عقل الخطيب في شيء يتعوده، وذكروا عن خطيب غير عربي كان بليغاً جداً، ولاحظ شخص أنه عند الحديث يمسك زرار السترة، ويعبث به طيلة ما يتكلم، فجاء إنسان وعند بدئه للصعود للخطبة قطع هذا الزرار، فوقف ليخطب فأخذ يحسس ويطلب الزرار فلم يجده فضاع عليه المفتاح، فلعله من باب شيء في يده محسوس على حسب ما تعود يساعده حتى يسترسل في موضوعه إلى غير ذلك، لكن الأصل كما يقول الأدباء: أن يعتمد الخطيب على شيء إما عصا أو قوس وذلك بحسب مناسبة الخطبة، وكما يقال: لكل مقال مقال.
وهنا يا إخوان ينبه العلماء: أنه إن اعتمد على عصا أو قوس إنما يكون لمجرد الاعتماد، لا أن يرفعها للتهديد أو يدق المنبر بها، إنما تكون في يده يعتمد عليها، إذاً: عمل للعصا ولا للقوس، وإنما هي اتباع لسنة النبي ﷺ دون أن يدق بها درج المنبر أو يشهرها على الناس أو يهدد بها.
стр. 986
كتاب الصلاة - باب صلاة الخوف
صلاة الخوف من الصلوات التي فرضت علينا، وهي صلاة من اسمها تبين أنها لا تؤدى إلا في حالة وجود سببها، وهو الخوف، ولها صفات عديدة، وقد أداها النبي ﵊ عدة مرات بصفات عدة.
стр. 987
أحكام صلاة الخوف
стр. 988
مشروعية صلاة الخوف
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فيقول المؤلف رحمه الله تعالى: [عن صالح بن خوات ﵁، عمن صلى مع رسول الله ﷺ يوم ذات الرقاع صلاة الخوف: أن طائفة صلت معه، وطائفة وجاه العدو، فصلى بالذين معه ركعة ثم ثبت قائماً وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا فصلوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت، ثم ثبت جالساً وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم.
متفق عليه، وهذا لفظ مسلم، ووقع في المعرفة لـ ابن مندة عن صالح بن خوات عن أبيه] .
تقدم الكلام على مشروعية صلاة الخوف، وعلى أهميتها، وعظيم دلالتها على وجوب الجماعة؛ لأنها إذا كان يحافظ عليها عند مصافة العدو فلأن يحافظ عليها في السلم والأمن من باب أولى.
ولنقف على هذا الترتيب النبوي الكريم لهذا العمل الذي يعتبر من الدقة بمكان، وكونها قد لا يعمل بها الآن لا يستدعي تركها؛ لأنها من الفقه، ومن يدري ماذا يئول الأمر إليه، فإن كثيراً من العلماء الاجتماعيين أو السياسيين أو الدينيين يقولون: سيرجع الناس في قتالهم إلى السيف والوتر والقوس؛ أي: حينما يتغير الوقت، ولسنا بصدد ذلك، ولكن يهمنا -كما أسلفنا- الوقوف على كيفية وصفة هذه الصلاة، كما جاء في الأثر: تعلم مسألة فقه خير من عبادة ستين سنة، عمل بها أو لم يعمل.
والكيفيات -كما أشرنا- متعددة، ولكن الصور التي تعتبر أساساً قرابة ست صور.
وبدأ المؤلف بصورة منها، وهي التي تتفق مع سياق القرآن الكريم، ونحاول إن شاء الله بيان ذلك بالإشارة، أو بالعبارة، أو بما ييسره الله ، والآن نمضي مع هذا النص خطوة خطوة.
قال المؤلف ﵀: [عمن صلى مع النبي ﷺ في ذات الرقاع] .
ذات الرقاع هي اسم غزوة، قال ابن حجر في فتح الباري في كتاب المغازي: واختلف العلماء في سبب التسمية كما اختلفوا في تاريخها، أما سبب التسمية فقد جاء عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه أنه قال: (غزونا مع النبي ﷺ ، وكان الستة النفر يعتقبون على البعير -أي: يركب كل واحد منهم مسافة ثم ينزل- قال: فحفيت أقدامنا، وتناثرت أظفارنا، فكنا نأخذ الرقاع ونلفها على أقدامنا) .
وقال آخرون: سميت بذلك لأن الأرض كانت متلونة.
وقول ثالث: لأنهم رقعوا راياتهم وألويتهم.
وقال بعضهم: نسبة لجبل هناك فيه ألوان متعددة كالرقع في الثوب.
وسبب التسمية لا يعنينا.
بقي الخلاف في تاريخها، فبعض العلماء يرى أنها قبل الخندق، وبعضهم يقول: إنها بعد خيبر.
وبينهما فرق بعيد، ويحقق البخاري ﵀ أنها بعد خيبر، وهي قطعاً بعد الخندق؛ لمجيء أبي موسى رضي الله تعالى عنه بعد ذلك، ويهمنا في التاريخ: قضية غزوة الخندق؛ لأنهم ما صلوا العصر حتى غربت الشمس، وجاء عمر رضي الله تعالى عنه إلى النبي ﷺ وقال -يدعو على المشركين-: (شغلونا عن الصلاة ملأ الله عليهم قبورهم وبطونهم ناراً) .
ولم يصلوا صلاة الخوف، وفي بعض الروايات الأخرى: أن النبي ﷺ سأل: (أصليتم العصر؟ قالوا: لا) .
وقال بعضهم: لم تكن صلاة الخوف شرعت.
وقال بعضهم: كانت مشروعة في ذات الرقاع، على أن ذات الرقاع قبل الخندق.
والآخرون يقولون: كانت مشروعة لكن الناس شغلوا عنها، كما قال عمر: (شغلونا) .
أو نسيها رسول الله ﷺ ، كما سأل: (أصليتم العصر؟) ، والتحقيق كما ساقه البخاري، وبيّنه والدنا الشيخ الأمين في أضواء البيان في الجزء الأول في كلامه عن الآية الكريمة: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلاةَ.
﴾ [النساء:١٠٢] أن ذات الرقاع بعد الخندق.
وصلى النبي ﷺ صلاة الخوف قيل: أربع مرات، وقيل: ست مرات، وابن العربي في القبس يقول: أربع عشر مرة، ولكن لم يبينها.
ويهمنا أن النبي ﷺ صلى صلاة الخوف عدة مرات، وجاءت صفتها في عدة صور، فبعضهم يقول: في كل مرة كانت الصلاة على كيفية، وبعضهم يقول: الصلاة تغيرت صفاتها وتعددت كيفياتها بحسب حالة الميدان.
стр. 989
الصفة الأولى لصلاة الخوف
المؤلف ﵀ بدأنا بهذه الصورة، وهي مروية عمن صلى مع النبي ﷺ صلاة الخوف في ذات الرقاع.
ففي تلك الصلاة في ذات الرقاع أن طائفة صفت معه ﷺ ، وطائفة صفت تجاه العدو.
وصلاة الخوف تدور بين أمرين: استقبال القبلة، والحذر من العدو.
وفي هذه الصورة العدو ليس في جهة القبلة، فصفت طائفة خلف النبي ﷺ ، وصفت الطائفة الأخرى تجاه العدو، فهذا هو التقسيم الأول، فطائفة خلف الرسول إلى القبلة، وطائفة وجاه العدو.
قال: [فصلى بالذين معه ركعة] كبر النبي ﷺ ، وكبر الجميع، الذين خلفه والذين تجاه العدو، فأصبحت الطائفتان في صلاة، مع اختلاف الموقف، فهذه خلف الإمام مستقبلة القبلة، وهذه تجاه العدو، والكل كبر للصلاة.
ثم قرأ، وركع فركعت الطائفة التي خلفه معه، ورفع فرفعوا، ثم سجد فسجدوا، والطائفة الأخرى قائمة تجاه العدو.
قال: (ثم ثبت قائماً) .
أي: ثم قام وثبت قائماً.
فالذين صفوا خلفه صلوا معه ركعة كاملة، فقام للركعة الثانية، واستوت الطائفتان قائمتين، هذه صلت ركعة، وتلك لم تصل شئياً.
قال: (وأتموا لأنفسهم) .
أي: هذه الطائفة التي خلف الإمام لما قام الإمام للثانية صلوا لأنفسهم، فركعوا ورفعوا وسجدوا سجدتين، فالطائفة التي صفت خلف الإمام صلت ركعتين، ولكن ركعة اقتدت فيها بالنبي ﷺ ، وركعة صلتها لنفسها.
قال: (ثم انصرفوا فصفوا وجاه العدو) .
أي: هؤلاء ذهبوا إلى العدو، وهؤلاء رجعوا خلف النبي ﷺ .
فالطائفة التي كانت خلف النبي ﷺ وصلت ركعتين ركعة مقتدية فيها وركعة لنفسها ذهبت تجاه العدو.
قال: (وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت) .
أي: الطائفة الأخرى التي كانت تجاه العدو، جاءت وصفت خلف النبي ﵊.
قال: فصلى بهم الركعة التي بقيت.
أي: فصلى بهم الركعة الثانية، ركع فركعوا، ورفع فرفعوا، وسجد فسجدوا.
فصلى النبي ﵊ ركعتين، وصلت الطائفة الأولى ركعتين، وصلت الطائفة الثانية ركعة واحدة، فالطائفة الأولى حينما صلت مع النبي ﷺ صلت ركعة واحدة مقتدية، وأتمت لنفسها، وهذه الطائفة التي جاءت صلت أيضاً ركعة واحدة اقتداء بالنبي ﵊، فلما انتهى من السجدتين جلس للتشهد، فقامت هذه الطائفة التي كانت وجاه العدو وصلت خلفه ركعة، ثم قامت وأتمت لنفسها، كما فعلت الطائفة الأولى، فاقتدت به ركعة، وأتمت لنفسها ركعة.
وحينما أتمت الطائفة الثانية لنفسها الركعة الثانية يكون الجميع قد صلوا ركعتين، فهذا يعني أن الجميع أكمل صلاته، ثم سلم النبي ﷺ ، وكل سلم في مكانه، وما طائفة فازت على طائفة بشيء، فكل طائفة من الطائفتين اقتدت برسول الله ﷺ في ركعة، وأتمت لنفسها الركعة الثانية، ولما سلم كان الجميع قد أتم صلاته، فسلموا جميعاً معه.
الصورة الثانية: إذا كان العدو تجاه القبلة، فيكبر الجميع، ثم يركع ويركع الجميع، ثم يسجد ويسجد الصف الأول فقط، ويبقى الصف الثاني في الحراسة، وعندما يقوم الصف الأول يسجد الصف الثاني السجدتين، والصف الأول يحرسه ويتقدم الصف الثاني المتأخر، ويتأخر الصف الأول المتقدم، ثم يقومون إلى الركعة الثانية فيركع الإمام ويركع الجميع، ويسجد الإمام فيسجد الصف المتقدم، ويجلس الإمام والصف المتقدم للتشهد ويطيل فيه، ويتم الصف المتأخر ما عليه -السجدتين- ويلحقون الإمام والصف الأول في التشهد، ثم يتشهدون معهم، ويسلم الإمام ويسلمون جميعاً، وهذه الصورة ستأتي في حديث جابر الآتي.
ونستطيع أن نقول: إن هاتين الصورتين هما الأساس، وقد وضحتا ولله الحمد.
وهناك صور أخرى سيمر عليها المؤلف، لكن -كما يقال- قد تتداخل مع هاتين الصورتين، وقد تنفرد.
لذلك نمشي مع المؤلف خطوة خطوة، وحديثاً حديثاً؛ لأن هناك صوراً متقاربة جداً، فما بين أن يتموا لأنفسهم في مكانهم خلف الإمام، وبين أن يذهبوا ويتموا لأنفسهم في أماكنهم.
стр. 990
الصفة الثانية لصلاة الخوف
قال رحمه الله تعالى: [وعن ابن عمر ﵄ قال: غزوت مع رسول الله ﷺ قبل نجد، فوازينا العدو فصاففناهم، فقام رسول الله ﷺ فصلى بنا، فقامت طائفة معه، وأقبلت طائفة على العدو، وركع بمن معه وسجد سجدتين، ثم انصرفوا مكان الطائفة التي لم تصل فجاؤوا فركع بهم ركعة، وسجد سجدتين، ثم سلم، فقام كل واحد فيهم فركع لنفسه ركعة، وسجد سجدتين] .
قوله: (وازينا العدو فصاففناهم) ، يعني: ليس هناك اشتباك، بل كلٌ منهما مواجه للآخر، وحينئذ حانت الصلاة؛ فكانت صلاة الخوف.
قال: (فقامت طائفة معه وأقبلت طائفة على العدو، وركع بمن معه وسجد سجدتين، ثم انصرفوا مكان الطائفة التي لم تصل ... ) .
قوله: (ثم انصرفوا) .
أي: صلوا ركعة واحدة ولم يتموا لأنفسهم، وذهبوا هناك، فذهبوا بركعة واحدة، ثم جاء أولئك وصفوا خلف النبي ﷺ .
قال: [ثم انصرفوا مكان الطائفة التي لم تصل، فجاؤوا فركع بهم ركعة، وسجد سجدتين ثم سلم.
] .
في هذه الصورة الثانية التي ساقها المؤلف كل طائفة صلت مع النبي ركعة واحدة، والأولى بعد الركعة الأولى ذهبت للحراسة، وطائفة الحراسة جاءت وصلت الركعة الثانية للنبي ﷺ والأولى لها، فأصبحت كل طائفة صلت ركعة واحدة، والإمام صلى ركعتين، فيكون الإمام قد أتم صلاته والطائفتان بقيت على كل واحدة منهما ركعة، فالإمام هنا سلم؛ لأنه أتم صلاته.
قال: [فقام كل واحد منهم فركع لنفسه ركعة] .
بعدما صلت كل طائفة مع النبي ﷺ ركعة واحدة، الأولى صلت مع النبي الركعة الأولى وانصرفت، والطائفة الثانية جاءت وصلت مع الرسول ﵊ ركعته الثانية وهي الأولى في حقها، فالإمام أتم صلاته ركعتين، وكلتا الطائفتين كل منهما صلى واحدة، فبعد أن سلم الإمام كل طائفة تصلي لنفسها ركعتها الباقية.
لكن هل بعدما سلم الإمام تقوم كل طائفة تصلي لنفسها، وتصبح الطائفتان في وقت واحد في صلاة، أم أن واحدة تكمل لنفسها والأخرى تبقى في الحراسة؟ الصحيح أن تبقى واحدة في الحراسة وتتم الأخرى؛ لأنه لو كل طائفة بادرت بإتمام ما عليها لضيعت الحراسة، كما يقول ابن حجر: هل هو في وقت واحد أو على التعاقب؟ والصحيح أنه على التعاقب؛ لأنهما لو قامتا لإتمام ما فاتهما، أو إتمام ما بقي عليهما ضيعت الحراسة، والغرض من هذا كله الحفاظ على الحراسة.
ففي هذه الصورة كل طائفة صلت ركعة واحدة وذهبت، ولم تتم لنفسها، والطائفة الثانية أيضاً جاءت وصلت ركعة واحدة، وسلم الإمام، وبقي على كل طائفة ركعة، فعلى كل طائفة أن تأتي بالركعة التي بقيت عليها، ولكن ليس في وقت واحد، بل على التعاقب، والأولى أن الطائفة التي وراء النبي ﷺ تتم لنفسها أولاً، ثم تتم الأخرى لنفسها في مكانها، والله تعالى أعلم.
قال: [فقام كل واحد منهم فركع لنفسه ركعة وسجد سجدتين] .
يعني: أتم الركعة الثانية.
стр. 991
الصفة الثالثة لصلاة الخوف
قال ﵀: [وعن جابر ﵁ قال: (شهدت مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف والعدو بيننا وبين القبلة، فكبر النبي ﷺ وكبرنا جميعاً، ثم ركع وركعنا جميعاً، ثم رفع من الركوع ورفعنا جميعاً، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه، وأقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضى السجود قام الصف الذي يليه فذكر الحديث) وفي رواية: (ثم سجد وسجد الصف الثاني) ] .
الصورة التي أشرنا إليها قبل الصفة الثانية جاءت الآن في حديث جابر.
قوله: (والعدو بيننا وبين القبلة) ، يعني: صاففناه وواجهناه واستقبلنا القبلة.
قوله: (فكبر النبي ﷺ وكبرنا جميعاً) أي: الصفان كبرا جميعاً.
قال: (ثم ركع وركعنا جميعاً) أي: ركع فركع الجميع، فالصفان ركعا معه؛ لأن العدو أمامهم.
قال: (ثم رفع من الركوع ورفعنا جميعاً) قال: (ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه) أي: لما سجد سجد صف واحد، ففي القراءة والركوع والرفع من الركوع الصفان متساويان؛ لأنهم في ركوعهم وفي رفعهم في حراسة، لكن لما جاء وقت السجود سجد والصف الذي يليه، والصف الثاني بقي قائماً للحراسة.
قال: (وأقام الصف المؤخر في نحر العدو) أي: الصف المتأخر قام حارساً.
قال: (فلما قضى السجود قام الصف الذي يليه فذكر الحديث) أي: فلما سجد السجدتين وقام للثانية.
وقوله: (وذكر الحديث) يعني: أن الصف الذي سجد مع النبي ﷺ تأخر مكان الصف الذي كان في الحراسة، والصف المتأخر الذي كان في الحراسة تقدم وراء النبي ﷺ ، فقرأ وركع فركعوا جميعاً، ورفع فرفعوا جميعاً، وعندما سجد ﵊ سجد الصف الذي يليه الذي كان في الحراسة في الركعة الأولى.
(وفي رواية: ثم سجد وسجد الصف الأول) هذا صحيح.
[فلما قاموا سجد الصف الثاني وذكر مثله، وفي أواخره: ثم سلم النبي ﷺ وسلمنا جميعاً.
رواه مسلم] .
لأن كلاً قد أتم ركعتين خلف النبي ﷺ ، فقط التفاوت في حالة السجود.
قال ﵀: [ولـ أبي داود عن أبي عياش الزرقي، وزاد: إنها كانت بعسفان] .
هذا ليبين تاريخ مشروعية صلاة الخوف، وصلاة الخوف اختلف في تاريخها، فجاء أولاً أنها في ذات الرقاع، وجاء أنها في عسفان، وعسفان في عمرة الحديبية، ويذكرون خبراً بأن خالد بن الوليد يقول: صاففناهم- أي: المسلمين-، ثم صلوا صلاة الظهر، فقلنا: لو غافلناهم -يعني: في صلاة الظهر-، فقيل: إنها ستأتيهم صلاة أخرى هي أحب إليهم من أموالهم وأولادهم، فنغدر بهم فيها، فجاء جبريل ﵇ وأخبر النبي ﷺ بما فكر فيه المشركون، فأقام صلاة الخوف، وأوجد الحراسة في الصلاة.
فصلوا الظهر بدون صلاة الخوف، والعدو انتبه، فلما انتبه العدو وانتظر أن تحين الفرصة في الصلاة التي تليها جاء جبريل وأخبر النبي ﷺ ، فصلى العصر على حالة صلاة الخوف التي فيها الحراسة.
قال: [وللنسائي -من وجه آخر- عن جابر ﵁: أن النبي ﷺ صلى بطائفة من أصحابه ركعتين ثم سلم، ثم صلى بآخرين ركعتين ثم سلم] .
هذه الصورة من صور صلاة الخوف، وهي أيسر ما تكون، فقد قسمهم طائفتين طائفة تجاه العدو وطائفة معه، فصلى بالطائفة التي معه ركعتين، وسلم وسلموا، ثم لما سلموا ذهبوا تجاه العدو، وجاءت الطائفة التي كانت في الحراسة وصلى بهم مرة أخرى ركعتين، فصلى مرتين مرة بالطائفة الأولى، ومرة بالطائفة الثانية، وكل طائفة صلت مرة واحدة، ولكن النبي ﷺ صلى مرتين، والفريضة لا تكرر، فتكون الأولى فريضة والثانية نافلة.
ومن هنا قال الشافعي: يصح اقتداء المفترض بالمتنفل.
مع أن قضية المفترض والمتنفل جاءت أيضاً في قصة عثمان في صلاته في أهل قباء، لكن هنا كانت وراء رسول الله ﷺ .
قال: [ومثله لـ أبي داود عن أبي بكرة] .
стр. 992
الصفة الرابعة لصلاة الخوف
قال ﵀: [وعن حذيفة ﵁: أن النبي ﷺ صلى صلاة الخوف بهولاء ركعة، وبهولاء ركعة، ولم يقضوا.
رواه أحمد وأبو داود والنسائي، وصححه ابن حبان] .
هذه صورة جديدة أيضاً، حيث قسمهم صفين، فصلى بالذين خلفه ركعة واحدة، وذهبوا تجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى وصفت خلفه، وصلى بها ركعة واحدة، وسلم وسلموا.
يقول: [ولم يقضوا] .
ففي الصورة الأولى قضوا الركعة الباقية كل في مكانه، وهذه الرواية ليس فيها قضاء، حيث اكتفى كل بركعة، فهذه صورة جديدة.
وبعضهم يقول: كيف تجزئ ركعة؟ فنقول لهم: لأن الصلاة في السفر تقصر إلى ركعتين، وصلاة السفر تقصر في الخوف إلى نصفها، فتبقى ركعة واحدة، وهذا ما رجحه والدنا الشيخ الأمين في أضواء البيان، والله تعالى أعلم.
ويهمنا إدراك الصور التي ساقها المؤلف ﵀.
قال: [ومثله عند ابن خزيمة عن ابن عباس ﵄] .
стр. 993
الصفة الخامسة لصلاة الخوف
قال رحمه الله تعالى: [وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (صلاة الخوف ركعة على أي وجه كان) رواه البزار بإسناد ضعيف] .
المؤلف عندما ساق الكيفية السابقة وفيها غرابة، حيث تكتفي كل طائفة بركعة واحدة جاء يؤيد هذه الكيفية بهذه الرواية.
فقوله ﷺ : (صلاة الخوف ركعة على أي وجه كان) هذه صفة جديدة، حيث يصليها كل واحد منفرداً على أي وجهان، فلا قبلة، ولا ركوع ولا سجود إلخ، وكيف تؤدى هذه الكيفية؟ يقول ابن حجر وغيره: إنما هو الذكر والإيماء.
فهذا الخبر جاء به المؤلف عقب ذكره اكتفاء الطائفتين بركعة واحدة ليؤكد ويستدل على هذه الصفة، وفيه زيادة: (على أي وجه كان) ، وليس في هذه الصورة وجود طمأنينة ولا ركوع ولا سجود، بل يشعر أنه في حالة الحركة الدائبة والكر والفر في الميدان، فتكون هذه الرواية مؤيدة للصورة الأولى نوعاً ما.
والذي أخذ بهذه الصورة استدل بهذه الرواية، فقال: تصلى ركعة واحدة.
والله تعالى أعلم.
قال: [وعنه مرفوعاً: (ليس في صلاة الخوف سهو) أخرجه الدارقطني بإسناد ضعيف] .
السهو مرفوع في صلاة الخوف حال القتال لأن المقاتل يذهب ويأتي، ويَضرب ويُضرب، وقاتل ومقتول، فما فيها سهو؛ لأنه قد ترك الركن والواجب أصلاً.
стр. 994
كتاب الصلاة - باب صلاة العيدين [١]
جعل الله يوم العيد يوم فرحة للمسلمين، وشرع لهم فيه الخروج إلى الصلاة رجالاً ونساء، وشرع ليوم العيد آداباً وسنناً، وجعل للمسلم الحق في التوسعة على أهله وعياله مع مراعاة حقوق إخوانه وجيرانه.
стр. 995
ذكر بعض المظاهر والآداب في يوم العيد
стр. 996
سنة خروج عموم نساء المسلمين إلى المصلى
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فيقول المؤلف: [وعن أم عطية ﵂ قالت: (أمرنا أن نخرج العواتق والحيض في العيدين يشهدن الخير ودعوة المسلمين، ويعتزل الحيض المصلى) متفق عليه] .
حديث أم عطية هذا له عدة جوانب في باب التشريع للصلاة، وفي النواحي الاجتماعية في الإسلام وفي المدينة آنذاك.
وهذا الحديث فيه قولها: (أمرنا) ، والآمر هنا معروف؛ لأن الذي يملك سلطة الأمر في ذلك الوقت هو النبي ﷺ ، وتذكر بعض المراجع أن الرسول ﷺ جمع النسوة في بيت، ثم بعث إليهن عمر رضي الله تعالى عنه، فوقف في الباب، فسلم ثم قال: أنا رسول رسول الله ﷺ إليكن أن تخرجن إلى المصلى.
فالرسول ﷺ أمر النسوة أن يخرجن يوم العيد إلى المصلى كما يخرج الرجال، وأم عطية رضي الله تعالى عنها تبين لنا مدى عمق وشمول هذا الأمر لجميع النساء حتى العواتق.
والعواتق من النسوة: اللاتي لا يخرجن، فهن قاصرات في بيوتهن مخدومات مكفيات مئونة الخروج؛ لأن النسوة على أقسام حسب مراتب الحياء، فهناك امرأة تخرج وتلقى الرجال، وربما باعت واشترت في الأسواق، ومن النسوة من تخرج من بيتها لقضاء حاجتها فقط وترجع، ومن النسوة من لا تخرج حتى من بيتها.
وقد قال بعض الشعراء يبين حالة امرأة تزور جارتها: كأن مشيتها من بيت جارتها مور السحاب بلا ريث ولا عجل فعابت عليه امرأة فقالت: جعلتها خراجة ولاجة، هلا قلت كما قال الآخر: تعتل عن جاراتها فيزرنها أي: تعتل وتعتذر من أن تزور الجيران، وجيرانها يأتين لزيارتها، وهي معتكفة في بيتها، فهذا الصنف من النساء خروجه قليل وثقيل عليه، فالمرأة التي لم تعهد الخروج يكون الخروج ثقيلاً عليها، كما أن المرأة المعتادة الخروج يكون جلوسها في البيت ثقيلاً عليها.
فتبين لنا أم عطية بأن الأمر شمل الحيّض، والنسوة غير الحيّض يمكن أن يصلين، وأما خروج الحيض، فقد قالوا -كما في هذا الحديث-: ليشهدن بركة ذلك اليوم، ويشهدن الدعوات بالخير.
وناحية أخرى عند العلماء: وهي أن الغرض من إخراج النسوة مع الرجال في ذلك اليوم إظهار كثرة عدد المسلمين أمام العدو، فكأنه استعراض للعدد الموجود عند المسلمين، وآنذاك كانت في المدينة اليهود بقبائلها المتعددة إلى أن انتهى أمرهم في آخر الأمر مع غزوة الأحزاب في السنة الرابعة من الهجرة.
стр. 997
التعاون الاجتماعي يوم العيد
هناك مسائل في هذه الحديث، منها ما ذكره البخاري ﵀ حيث أورد أن الحيض يعتزلن المصلى؛ فهذا جانب فقهي؛ لأنهن لا يصلين، فإذا كانت صلاة العيد في المسجد هل يدخلن المسجد، أم يكن خارج المسجد؟ ومن ذلك أن المرأة إذا أرادت أن تخرج امتثالاً لأمر رسول الله ﷺ ، قد لا يكون عندها ما تلبسه لتخرج به أمام الناس، ولهذا بعض العلماء يقول: إذا أردتم أن يجلسن في البيوت فلا تلبسوهن ثياباً فاخرة؛ لأن المرأة إذا وجدت ثياباً فاخرة دعاها ذلك للخروج لتفاخر بلباسها، فإذا لم تجد شيئاً فترت نفسها وقعدت.
وقد جاء في الأثر أن امرأة أتت النبي ﷺ وقالت: يا رسول الله: أمرت النساء يخرجن، وإحدانا لا يكون لها جلباب تخرج به! والجلباب: هو الشيء الذي فوق الثوب العالي، مثل العباءة ونحوها.
فلم يعذرها ﷺ بذلك وقال: (لتلبسها أختها من جلبابها) فأتانا بتعاون اجتماعي، فمن لم يكن عندها ما تخرج به وأختها عندها زائد من اللباس فعليها أن تعطيها؛ لتشاركها فرحة ذلك اليوم.
فمن الناحية الاجتماعية نقول: إن على كل إنسان أن يتفقد جيرانه في العيد، فكما تذهب بصرتك وتأتي بثياب جديدة لأبنائك، وهم سيلبسونها خارج البيت، فانظر إلى أبناء الجيران هل عندهم من ذلك شيء، أم أنهم أيتام ليس هناك من يأتيهم بشيء فتنكسر قلوبهم.
إن ألزم ما يكون على الإنسان من باب البر والطاعة، ومن باب المراعاة مراعاة حال هؤلاء في ذلك اليوم، وقد جاء ما هو أبعد من هذا، وهو أن المرأة إذا طبخت وخرجت ريح قدرها فلتغرف لجيرانها، وإذا اشتريت الفاكهة لأبنائك فمرهم أن يدخلوا بها داخل البيت، فإذا خرجوا بها في الشارع فأطعم منها أولاد جيرانك؛ لأنهم رأوها، فإن تأخذها إلى بيتك وتطعم أولادك ولا أحد ينظر فلا مانع، لكن أن يخرجوا بها في الشارع، وينظر إليها أولاد الجيران، وليس عندهم منها شيء، ولا استطاعة لهم على شرائها، فإنك تكون قد كسرت قلوبهم.
ففي هذا الحديث من التوجيه الاجتماعي الشيء العظيم، فالمرأة أشد ما تكون بخلاً حين تملك الحلي وأدوات الزينة، وهنا يأمرها ﷺ أن تعطي أختها، وليست أختها بنت أمها وأبيها، لكن أختها في الإسلام، كجارتها ونحوها.
стр. 998
حكم الضرب بالدف يوم العيد
جاء في شأن هذا اليوم ما ذكره البخاري ﵀ عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: (دخل علي النبي ﷺ يوم عيد وعندي جاريتان للأنصار يغنين بغناء يوم بعاث، ويضربن على الكربال) والكِربال بالكاف المكسورة، وبعض الناس يحرفها فيقول: (الغُربال) ، والكربال: هو الدف الذي لا شناشين فيه، فإذا وضعت فيه شناشين سمي المزهر.
قالت: (فدخل أبو بكر علي، فأخذ يلهزني ويعاتبني: أمزامير من مزامير الشيطان في بيت رسول الله؟) .
والجواري هنا إما بمعنى مملوكات، أو بمعنى: بنات صغار، فإذا بلغت الجارية تسعاً فهي امرأة، وتطلق الجارية على الفتاة الصغيرة دون البلوغ.
وقالت: (فدخل رسول الله فتمدد على فراشه، وغطى وجهه، واستدار عنا) ، وهنا يقال: أسمع ذلك من الجاريتين أم لا؟ أسمع الكربال يضرب عليه أم لا؟ ولكنه سكت ﷺ ، فدخل أبو بكر فعاتب عائشة، فكشف وجهه وقال: (دعهما يا أبا بكر، إن هذا عيدنا) تقول رضي الله تعالى عنها: فلما غفل غمزت إليهما أن انصرفا.
فهاتان جاريتان تدخلان على عائشة تغنيان عندها، وفي بعض الروايات: (وليستا بمغنيتين) أي: تحكيان الغناء، وليستا محترفتين للغناء؛ وهذا مثلما يقع في البيوت، فالذي عنده بنات أو حفيدات يوم العيد أو في مناسبة أخرى إذا لم يكن عندهم هذا الكربال يأتون بغيره يدقون عليه ويغنون، وليس هذا من باب احتراف الغناء، ولكن محاكاةً وفرحة وبهجة.
فالجاريتان أتتا إلى بيت رسول الله فاستقبلتهما عائشة، وفسحت لهما، فيدخل رسول الله ويشاهد هذا الحدث، وليس هو بالراغب في سماعه، وليس بالممانع من وقوعه، فنام وغطى وجهه، فتغطيته لوجهه دليل على أنه مترفع عن مثل هذا، وكونه على فراشه يسمع دليل على إقراره، أي: أقر ما يكره مما لا يتناسب مع مقام النبوة، ولكنه بحاجة إلى هؤلاء الناس، فأباحه لهذا ولم ينكر عليهم.
فأنت -أيها الداعي- كن حكيماً فراعِ شعور الناس، وراع المناسبات، وإذا كان هناك ما تكرهه وأنت مترفع عنه في درجة عالية، فانظر إلى الآخرين، وليكن ذلك بحكمة، فـ أبو بكر رضي الله تعالى عنه لم يراع ما راعاه رسول الله، فأنكر المنكر في بيت رسول الله، ولكن رسول الله ﷺ بيَّن له العلة: (إنه يوم عيدنا ... ) وفي رواية ساقها ابن حجر في فتح الباري أنه قال: (يا أبا بكر! دعهما؛ لتعلم يهود أن ديننا دين السماحة) ، فليس هناك تشدد وغلو إلى أقصى حد، وكذلك ليس هناك انسياب وضياع، فهي مراعاة ليوم واحد في السنة، وليس هناك منكر، وليستا مغنيتين محترفتي الغناء، وإنما هو لعب أطفال في بيت من البيوت، وهذا أمر يغتفر ويسامح فيه.
وزد على هذا ما ذكره البخاري ﵀ عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: دخل الأحباش المسجد يلعبون بحرابهم.
والأحباش: جمع حبشي، من أهل الحبشة، وأهل الحبشة يحبون الطرب، وكل الأفارقة يحبون الطرب، فأخذوا يلعبون في المسجد بحرابهم.
تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: إما سألني وإما طلبته، وجاء في بعض الروايات قال: (أتحبين أن تري يا عائشة، فقامت وقام معها رسول الله، تقول: وقف خدي على خده يسترني، وأنا أنظر، ثم يقول: دونكم يا بني أرفدة، دونكم يا بني أرفدة) وهذا لقبهم، ومعنى (دونكم) انتظروا واصبروا.
فإذاً: سمح لهم رسول الله، ثم سمح لزوجه أن تنظر إليهم، وقد دعا هذا إلى استغراب شراح الحديث، إذ كيف تنظر إلى الأجانب، وكيف يرضى لها بذلك ﷺ ، والجواب: أن عائشة في ذلك الوقت لم تبلغ خمس عشرة سنة؛ لأنها عقد عليها ﷺ وعمرها سبع سنوات، ودخل عليها وعمرها تسع سنوات، في أول سنة أو ثاني سنة من الهجرة، وهذا اللعب كان سنة خمس، فلم تكن قد بلغت.
وهذا كله لا يلزم ما دام أن الرسول معها وهو يسترها، وسمح لها أن تنظر، فلا حاجة إلى ذلك، فما المانع -لو وجد مثل هذا- أن يسمح الرجال للنساء ما دام هناك ستر وليس هناك اختلاط، فهي في بيتها وفي حجرتها، وهم في المسجد.
стр. 999
حال المسلم مع أهله وإخوانه من المسلمين يوم العيد
وقد تكلم العلماء -وخاصة الشافعية- على أن يوم العيد ينبغي أيضاً أن تظهر فيه البهجة للصغار، وأباح بعضهم أن يلبس الصغار من الثياب المصبغة بالألوان -أعني الأولاد الذكور- ولو حلُّوا بالذهب، ولو ألبسوا الحرير؛ لأنهم ليس عليهم تكليف.
والآخرون يقولون: التكيف على وليهم، فكيف يلبسهم الحرير، والحرير ممنوع على الرجال؟ ولكن ينبغي أن نعلم أن تحلية الأولاد بالذهب خطأ، ولا ينبغي لنا، سواء أكان بنتاً أم ولداً إلا إذا كانوا داخل البيت لا يخرجون إلى الشارع؛ لأن في تحلية الصبية بالذهب خطر على حياتهم، كما حصل في قضية الجارية مع اليهودي كما سيأتي في الحديث، فقد وجدها في أطراف المدينة في خربة، وعليها أوضاح من ذهب، فرضخ رأسها بين حجرين وأخذ الذهب منها، فأُتيت وهي في الرمق الأخير، وأخذوا يقولون: من فعل بك هذا؟ لكن لم تستطع أن تتكلم، ثم أخذوا يعرضون عليها الأسماء: فلان.
فلان.
فلان، حتى ذكر اسم يهودي فأومأت برأسها أن نعم، فجيء به فاعترف، فرض رأسه بين حجرين.
فسبب قتلها هو الذهب، فبريق الذهب سلب بصره وبصيرته، فقتلها من أجل هذه الأوضاح، ولو كثرت معنا الأموال فعلينا أن نصونها، وإذا جعلنا للطفلة حلياً فليس هناك مانع، وبعض الآباء عندهم عقل، فكل هدية تأتي للطفلة من الذهب يخزنونها إلى وقت زواجها، لكن أن تلبس الذهب وتخرج تنظر يميناً ويساراً هذا خطر عليها، فالعلماء -خاصة الشافعية كما ذكره النووي في المجموع- يقولون: لا بأس أن يجمل الصبيان بالحرير، وبالثياب المصبغة الملونة.
ونحن نرى الطفل عمره ثمان سنوات أو سبع ونصف وعليه حلة ضابط برتبة مقدم، وهو لا يستطيع أن يضبط نفسه، لكن من باب الزينة ومن باب التجميل وتفريح الأولاد؛ لأن يوم العيد يجب أن تكون فيه سعة، ويجب أن يكون فيه إدخال السرور على الجميع، ويجب أن يكون فيه توسعة على العيال.
وكما قلنا: مع مراعاة حقوق الجوار، فلا توسع على نفسك وأولادك وفي بيتك، وبجوارك أيتام جياع لا يجدون كسرة، ووالله لو لم يأت دين ولم تأت سنة في ذلك، لكانت المروءة والإنسانية توجبها.
وقد روي أن عروة بن الزبير كان كريماً جداً، وكان في سفر ومعه غلام، فانقطعا في ليلة وضلا عن الطريق، فرأيا ناراً فقصداها، فإذا بعجوز وشيخ كبير وبيت من الشعر، فحياهما، ثم دخل الشيخ على العجوز وقال لها: ما عندك لضيفنا؟ قالت: والله ليس عندي إلا تلك الشاة التي تسقي حليبها ابنتك، ولا تأكل شيئاً إلا حليبها.
فقال: اذبحيها للضيف، قالت: أتقتل ابنتك؟ قال: لابد من ذبحها، فذبحها وأطعم الضيوف! وفي الصباح قال عروة لغلامه: هل بقي معك شيء؟ قال: نعم، معي ألف دينار، قال: ادفع خمسمائة للرجل، قال: خمسمائة وشاته تساوي نصف دينار! قال: ويحك، إنه أكرم منا، قال: كيف؟ قال: لقد أكرمنا بما فيه حياة ابنته، أما أنت فتكرمه بنصف ما معك، فهو والله مع ذلك أكرم منا.
وهذا يؤيد ويوضح لنا ما كنا نستكثره في حديث رسول الله ﷺ حينما قال: (سبق درهم مائة ألف درهم قالوا: وكيف هذا يا رسول الله؟ قال: رجل عنده درهمان فتصدق بأحدهما، ورجل عنده مال كثير فأخذ من عرض ماله مائة ألف وتصدق بها) ، فصاحب الدرهمين أكرم؛ لأن صاحب الدرهين تصدق بـ (٥٠%) من رأس ماله، وصاحب المال الكثير تصدق بأقل من ذلك من رأس ماله، وبقى له شيء كثير جداً، فدرهم أكرم وأجود وأعظم صدقة من مائة ألف درهم.
فمن التوسيع في يوم العيد أن تُلبس المسلمة أختها جلبابها إذا كانت لا تملك ولا مانع، وقد ذكر لي أنه في زمان كان الرجل يستر قريبته بكيس السكر أو الأرز من الفقر، وكان رجل عنده ثوب، فكل امرأة لها حاجة تأتي وتستعير ثوبه، حتى أصبح مشهوراً، فتذهب به إلى حاجتها وترجع، وهذا من التعاون، فيجب على الموسر أن يفيض على المعسر، والواجد يجب أن يفيض على من لم يجد، ولا ينبغي أن ينسى الإنسان إخوانه، وقد قالوا: وما يدري الفقير متى غناه وما يدري الغني متى يعيل فالغني لا يدري متى يعيل ويفتقر، والفقير لا يدري متى يغنيه الله وقيل: وما تدري وإن زمرت ثقباً يكون لك أو لغيرك الفصيل فإذا أنتجت الناقة عندك، ونظفت ولد نتاجها عند ولادته واعتنيت به، فإنك لا تدري أيكون لك، أم تتركه ويكون لغيرك.
فعلينا أن نتفقد أحوالنا في أيام العيد، وليس في العيد فقط، فالعيد نموذج ومظهر عام، فعلينا التفقد في جميع أحوالنا وفي جميع أوقاتنا، والتوفيق من الله.
стр. 1000
مكان صلاة العيد والأفضل فيه
وحديث أم عطية الذي بيْن أيدينا فيه أن الخروج كان إلى المصلى، وقد جاء في فتح الباري عن زيد بن ثابت أنه سئل -وكذلك رواية ابن عباس -: أتعرف العلم الذي كان في المصلى؟ قال: نعم، عند دار فلان بن الصرد، والآن مسجد الغمامة يقال له -أيضاً-: مسجد المصلى، فمصلى العيد كان هناك.
فكان ﷺ يخرج بالناس إلى ذلك المكان لسعته، ويصلي العيد هناك، ووردت كلمة العَلَم لكون أمية بن الصلت كان قد وضع منبراً، أو وضع علماً هناك؛ لأن بيته كان قريباً منه.
فوضع العلم لمكان مصلى رسول الله فيه حفظاً للأثر، قالوا: لم يكن هناك منبر؛ لأن المنبر ما بني أو صنع لرسول الله ﷺ ، ولا وضع في المسجد النبوي منبر إلا في السنة الثامنة من الهجرة، وقبل ذلك كان يخطب متكئاً على الجذع.
قال بعضهم: ما بين باب المسجد إلى موضع منبر رسول الله من مصلى العيد ألف ذراع.
وبعد ذلك جاءت خلافة أبي بكر رضي الله تعالى عنه، فما جعل منبره لصلاة العيد موضع منبر رسول الله تأدباً مع رسول الله، فأخذ ميمنة، فمسجد أبي بكر على ميمنة مسجد الغمامة، ثم جاء عمر رضي الله تعالى عنه، فما جعل منبره موضع منبر رسول الله، ولا موضع منبر أبي بكر، ولابد له أن يتحول، فإن ذهب وراء أبي بكر بعد كثيراً عن مصلى رسول الله، فجاء إلى اليسار مقابل أبي بكر.
ولذا يجد من ورد هذا المكان أن هناك هذه المساجد، مسجد المصلى، ومسجد أبي بكر، ومسجد عمر، ولم يكن لـ أبي بكر ولا لـ عمر رضي الله تعالى عنهما أن يتخذا لأنفسهما مسجداً ويتركا مسجد رسول الله، ولكن بعد مائة سنة جاء عمر بن عبد العزيز وكان أميراً على المدينة لبني أمية، فوضع مكان ذلك المعلم، ومواقع مصلى أبي بكر وعمر ما يشبه المسجد حفاظاً على المكان، ثم تطور بعد ذلك، فما يسمى الآن بمسجد أبي بكر ومسجد عمر لا يصح أن يظن أحد أن أبا بكر وعمر يتخذان مصلى ومسجداً ويتركان مسجد رسول الله.
وبناءً على هذا فالأصل خروج الناس إلى الخلاء لصلاة العيد؛ لأن الخلاء فيه سعة، فيسع الرجال والنساء والصبيان، والمبحث في هذا سيأتي لمناسبة في نهاية الباب حيث كانوا في حالة مطر فصلى بهم رسول الله في المسجد النبوي.
ومن هنا يقول العلماء: إذا كان المسجد يسع الرجال والنساء والصبيان، فالأفضل أن تكون الصلاة في المسجد؛ لأن بقعة المسجد خير من بقعة المصلى، ولهذا قالوا: أهل مكة وأهل المدينة يصلون في مسجديهم ولا يخرجون منهما.
وأما بقية المدن وبقية القرى فيكون لها مصلى يسع الرجال والنساء حينما يخرج الجميع لصلاة العيد، فـ أم عطية رضي الله تعالى عنها تبين لنا بأن ذلك بأمر من رسول الله ﷺ ، وما وراء ذلك من الحكمة ما جاء النص عليه: (يشهدن بركة ذلك اليوم) فهؤلاء العواتق يخرجن، يوماً في السنة، وكذلك الحيض يشاركن في دعوة الخير، ويحصلن دعوة الخير ويرجعن إلى بيوتهن، والله أعلم.
стр. 1001
أحكام تختص بها الحائض
وأما اعتزال الحيض فلأنهن لا يصلين، وكأن أم عطية تقول: الحائض لا تدخل المسجد، وهذا واحد من عشرة أو اثني عشر حكماً تتعلق بالحيض، فالحيض يمنع المرأة من عدة أشياء، فبعضهم ذكر أنها عشرة، وبعضهم ذكر أنها اثنا عشر، وبعضهم ذكر أنها خمسة عشر.
أما المكث في المسجد فممنوع؛ إذ قد أجمعوا على منع الحائض من المكث في المسجد.
وأما مرورها إن كانت لها حاجة، فقد استدلوا له بحديث عائشة ﵂ -وغيرها من أمهات المؤمنين- أن النبي ﷺ وهو في المسجد قال لها: (ناوليني الخمرة) وهو في المسجد -والخمرة: شيء يشبه السجادة من خوص النخل- فقالت: إني حائض، قال: (حيضتك ليست بيدك) وهذا بخلاف الأحناف القائلين: الحيضة حلت في اليد فلا تمس المصحف.
والذي يهمنا أنها جاءت بالخمرة ودخلت وناولت رسول الله ﷺ ، ولذا قالوا: مجرد العبور جائز إن وجدت حاجة، فلو أن الحائض تمشي في الطريق ولحقها ما يؤذيها، ولم تجد فراراً إلا إلى المسجد فدخلت المسجد، وخرجت من الباب الثاني فلا مانع.
وأما حديث: (إني لا أحل المسجد لحائض ولا لجنب) فقد اتفق العلماء على أن الشخص إذا أجنب وكان الماء في المسجد كما هي حالة الناس سابقاً، فله أن يدخل ليأخذ ماءً من بئر المسجد ليغتسل، إذا لم يجد غيره.
فمما يمنع منه الحيض ما سبق.
وكذلك يمنع الوطء؛ لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢] ، وكذلك يمنع الصلاة، وبعضهم يناقش هنا فيقول: هل يمنع الحيض فعل الصلاة، أو يرفع وجوب الصلاة؟ وهذه ناحية أصولية ليس لنا شغل بها، وأحسن من ناقشها الباجي لمن يريد أن يرجع إليه، فيمنع فعل الصلاة ولا تصح منها، وهي آثمة إن تعمدت فعلها، وكذلك صحة الصوم، والمباشرة فيما دون الفرج على خلاف، وحمل المصحف ومسه، وقراءة القرآن -وهذه عند المالكية فيها نقاش- والطلاق، والاعتكاف، فكل ذلك تمنع منه الحائض بسبب الحيضة، وأم عطية رضي الله تعالى عنها هنا إنما نصت على اعتزال المصلى.
فهذا الحديث فيه جوانب عديدة، ولعل ما أوردناه فيه الكفاية، وبالله تعالى التوفيق.
وكون الرسول ﷺ يأمر بإخراج النسوة ومعهن الحيض، يشعر بمغايرة معاملة الحائض في الإسلام عما كانت عليه من قبل، إذ الرسول ﷺ قدم المدينة، فوجد اليهود إذا حاضت فيهم المرأة لم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يعاشروها، ويخرجونها من محلها إلى محل تنزوي فيه، حتى الإناء الذي تأكل فيه ما كانوا يأكلون فيه، والقدح الذي تشرب منه لا يشربون منه، فأخبروا رسول الله ﷺ بذلك فقال: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) ، حتى قال اليهود: هذا الرجل ما ترك شيئاً إلا ويريد أن يخالفنا فيه.
فهنا تخرج مع الجميع، ولا تنعزل في بيتها، ولا تنعزل عن أهل بيتها ومخالطتهم، بل تخرج مع عموم نسوة المسلمين إلى المصلى، وتشهد بركة ذلك اليوم، وتشارك في الدعاء؛ لأن الحائض وإن منعت من قراءة القرآن لكنها لا تمنع من الذكر والتحميد والتسبيح، والصلاة على الرسول ﷺ ، والدعاء والاستغفار، فهي تشارك في هذا كله، كما قال لـ عائشة: (اصنعي ما يصنع الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري) ، والحاج يلبي ويذكر ربه.
стр. 1002
كتاب الصلاة - باب صلاة العيدين [٢]
من الأحكام المتعلقة بصلاة العيدين تقديم الصلاة فيها على الخطبة، والتكبيرات في الصلاة وعددهن، والسور التي تسن القراءة بها في الصلاة، والخطبة وما تشمل عليه، إلى غير ذلك مما شرحه الشيخ في هذه المادة.
стр. 1003
صفة صلاة العيدين
стр. 1004
تقديم الصلاة على الخطبة يوم العيد
باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: [وعن ابن عمر ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر يصلون العيدين قبل الخطبة) متفق عليه] .
قبل الكلام على الحديث ينبغي أن يعلم أن الاغتسال للعيد سنة، فيغتسل الإنسان للعيد كما يغتسل للجمعة، قالوا: إن الأحاديث في غسل الجمعة أشد تأكيداً منها في العيد، ولكن السبب مشترك، وهو اجتماع الناس في يوم عيد والجمعة، فألحقت الجمعة بالعيدين وسميت عيداً.
وأما متى يغتسل؟ فقالوا: من الفجر إلى صلاة العيد.
وبعض المالكية قالوا: لو اغتسل قبل الفجر فلا مانع من ذلك.
والشافعية قالوا: ولو بعد منتصف الليل؛ لأنه يحتاج إلى إخراج الزكاة والذهاب إلى المصلى، فلو أخر الاغتسال إلى ما بعد صلاة الصبح فقد ينشغل ويتأخر عن الحضور إلى المصلى.
وأما الحديث هنا ففيه أنه كان ﷺ وأبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه من بعده، وعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه من بعد أبي بكر -أي: الشيخان- يصلون العيد قبل الخطبة، فالخطبة بعد الصلاة.
والمؤلف يأتي بهذا ليبين الواقع، وليرد على ما أحدثه بعض الأمويين في المدينة، حيث كان عاملاً لـ معاوية فخطب قبل الصلاة، فقام أبو سعيد الخدري وقال: والله لقد غيّرت.
كان رسول الله وأبو بكر وعمر يصليان قبل الخطبة! قال: يا أبا سعيد: الأمر لا كما تعلم.
قال: والله ما أعلمه خير مما تعلمه.
فقال: يا أبا سعيد! إن الناس كانوا ينتظرون الخطبة بعد الصلاة زمن رسول الله، وأبي بكر وعمر، فأصبحوا بعدهم لا ينتظرون، فإذا قضوا الصلاة نفروا وذهبوا.
وقيل: إن أول من غيّر وقدم الخطبة معاوية، وكان هؤلاء عماله في الحجاز -أي: في المدينة ومكة- فتبعوا معاوية وقدموا الخطبة؛ لأن الناس ملزمون بالبقاء للصلاة، على مذهب من يرى أن صلاة العيد فرض عين، وهناك من يرى أنها فرض كفاية، وقيل: هي سنة.
فالمؤلف ﵀ ذكر لنا هذا الأثر ليبين لنا السنة النبوية في أن الصلاة أولاً، كما سيأتي أنه ﷺ خرج وقال: (أول عمل لنا هذا اليوم الصلاة) أي أن الخطبة بعدها، ويذكر ابن حجر أيضاً وغيره أنه ﷺ بعدما صلى استقبل الناس، وقال: سنخطب، فمن أراد أن يجلس فليجلس، ومن أراد أن يذهب فليذهب.
إذاً: فالأصل في الخطبة والصلاة في العيد أن تكون الصلاة أولاً، ثم بعد ذلك الخطبة، والخطبة تكون للمواعظ والإرشاد والتوجيه، فبعض الناس يجلس يستمع إليها، وبعض الناس يذهب عنها.
стр. 1005
حكم صلاة العيد وعدد ركعاتها
[وعن ابن عباس ﵄: (أن النبي ﷺ صلى يوم العيد ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما) أخرجه السبعة] .
ذكر المؤلف رحمه الله تعالى هنا بيان عدد ركعات العيدين، وسيأتي بعد ذلك بكيفية صلاتهما من حيث التكبيرات والقراءة، فـ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يروي لنا أن النبي ﷺ كان يصلي العيدين ركعتين، وهذا مجمع عليه لا خلاف فيه.
فالنبي ﷺ صلى العيد ركعتين، وجاء عن عمر رضي الله تعالى عنه في أثر يرويه أو يسوقه العلماء: (صلاة السفر ركعتين، وصلاة الجمعة ركعتين، وصلاة العيد ركعتين، تمام بلا نقصان) .
فالأصل الثابت في صلاة العيدين أنهما ركعتان.
ولكن المستدرك هنا في حق من فاته العيد، فهل يصلي عيداً؟ وكم يصلي؟ فقد روي عن علي رضي الله تعالى عنه أنه لما خرج لصلاة العيد في المصلى، قيل له: إن هناك أناساً عجزة -أي: يشق عليهم الخروج مع الناس إلى المصلى- فاستخلف من يصلي لهم، قال: (لو استخلفت لأمرت أن يصلي أربع ركعات) .
وقبل الشروع في الغرض ينبغي أن يعلم أن من فاتته صلاة العيد إن شاء صلى وإن شاء ترك، فهو إن شاء صلى هناك، وإن شاء رجع إلى المسجد، وإن شاء ترك الصلاة بالكلية؛ لأن صلاة العيدين ليست فرض عين، خلافاً لمن يقول بذلك، وأشد من يتشدد في ذلك الأحناف، فيرون أنها واجبة، والواجب عندهم غير الفرض، فالفرض ما ثبت بدليل قطعي، والواجب ما ثبت بدليل آحادي، وبقية العلماء يقولون: هي فرض كفائي، ولو تركها أهل قرية لقاتلهم الإمام عليها.
ومنهم من قال: هي سنة مؤكدة، كما يقول الشافعية.
стр. 1006
ما يفعله من فاتته صلاة العيد
ويبحثون فيمن فاتته لعذر أو لغير عذر إذا أراد أن يتدارك ذلك.
فمنهم من يقول: يصلي.
والآخرون يقولون: إن شاء ترك ولا شيء عليه؛ لأن الواجب قد أدي بغيره.
والقائلون: إنه يصلي يختلفون، فمنهم من يقول: يصلي ركعتين، ومنهم من يقول: يصلي أربعاً، ويستدلون بحديث علي المذكور، وهو موقوف عليه، وقياساً -وإن كان القياس فيه نقاش- على الجمعة، فإن فاتته الجمعة يصلي أربعاً، ولكن هل الأربع هذه بدل الجمعة، أم الأربع هي الظهر؟ والجواب: الأربع هي الظهر، فلا علاقة لها بالجمعة.
وجاء في الحديث: (من أدرك من الجمعة ركعة فليضف إليها أخرى) ؛ لأنه أدركها مستكملة شروط الجمعة في مسجد، ومع الإمام في جماعة، وفي وقتها، (ومن لم يدرك ركعة فليصل أربعاً) ، فمن لم يدرك ركعة كاملة، بأن يدرك الإمام بعد الاعتدال من الركعة الثانية بعد أن يرفع ظهره، فعليه أن يصلي أربعاً، وإن كان عند الأحناف أن من أدرك أي جزء من الركعة الثانية فإنه يصلي ركعتين، فإذا أدرك الإمام وهو في التشهد، وكبر تكبيرة الإحرام قبل أن يسلم الإمام فإنه بعد سلام الإمام يأتي بركعتين فقط، والأئمة الثلاثة يقولون: إذا لم يدرك ركعة كاملة، بأن يدرك ركوعها فإنه يأتي بأربع، فلو جاء والإمام قد رفع رأسه وقال: (سمع الله لمن حمده) ، فوقف في الصف وكبر فعليه أن يأتي بأربع؛ لأنه لم يدرك ركعة كاملة.
فقال البعض: من فاتته صلاة العيد يصلي أربعاً، قياساً على من فاتته الجمعة.
ولكن يجاب عن هذا بأن القياس كائن مع الفارق؛ لأن من فاتته الجمعة انتقل إلى فرض آخر وهو الظهر، والظهر أربع، والأربع التي يصليها ليست عوضاً عن الجمعة، إنما هي فرض مستقل بذاته، وهنا يأتي المؤلف ليبين أن النبي ﷺ كان يصلي العيدين ركعتين، ولذا فالجمهور على أن من فاتته صلاة العيد وأراد أن يصلي فإنه يجزئه أيضاً ركعتان، سواءٌ أصلاها في المصلى أم ذهب إلى المسجد، أم صلاها في بيته، فكل ذلك يجزئه، والأمر فيه سعة.
والله تعالى أعلم.
ومما يتعلق بمن فاتته صلاة العيد أنه إذا كان معه آخرون هل يصلون جماعة أم فرادى؟ وهل يأتون بالخطبة كما جاء بها الإمام في صلاة العيد في المصلى أم لا؟ والجواب عند العلماء أنهم إن كانوا قليلين لا تقوم بهم الجمعة، أو كانوا متخلفين أشتاتاً، وأرادوا أن يصلوا صلاة العيد، أو يقضوا صلاة العيد فلا يعيدون الخطبة، ولو أن الإمام خرج إلى المصلى وهناك من ضعفة الناس من استخلف لهم ليصلي بهم فإن المستخلف لا يعيد الخطبة، فيصلي بلا خطبة؛ لأن الخطبة أساساً مع الإمام، وهؤلاء ليس لهم عيد مستقل، إنما هم أهل أعذار يصلون عوضاً عما فاتهم مع الإمام؛ لأنهم لو تركوا الصلاة بالكلية فليسوا آثمين؛ لأن صلاة العيد ليست فرضاً عينياً كالظهر والعصر، وغاية ما تكون أنها فرض كفائي، والفرض الكفائي قد أدي بمن خرج مع الإمام، وعلى هذا فمن فاتته صلاة العيد، وأراد أن يصلي فليست عليه خطبة، سواءٌ أكان وحده أم كان معه جماعة.
стр. 1007
لا أذان ولا إقامة في صلاة العيد
[وعنه ﵁ (أن النبي ﷺ صلى العيد بلا أذان ولا إقامة) .
أخرجه أبو داود، وأصله في البخاري.
] .
هذا الحديث يتعلق بهيئة وكيفية وآداب صلاة العيدين، فيذكر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ صلى العيد -والعيد هنا اسم جنس يراد به العيدين، أي: عيد الفطر أو الأضحى- بلا أذان ولا إقامة.
وبالتأمل نجد أن كل صلاة لم يشرع لها أذان إلا الصلوات الخمس، فصلاة الاستسقاء ليس فيها أذان، وصلاة الكسوف ليس فيها أذان، والتراويح والجنازة والصلوات العامة التي تؤدى فرادى وجماعة لم يشرع لها أذان.
стр. 1008
قصة مشروعية الأذان في الإسلام
الأذان من خصائص الصلوات الخمس، وكانوا في بادئ الأمر يعلم بعضهم بعضاً حينما يأتي وقت الصلاة، ويخرج المبكر ويمر على بيوت الآخرين في الطريق يقول: جاء وقت الصلاة، والثاني من جهة، والثالث من جهة، ثم كثر الناس وثقل هذا الأمر، فاجتمعوا ليختاروا وسيلة إعلام بدخول الوقت، فقوم اقترحوا الناقوس، فقال ﷺ : هذا للنصارى، وقوم اقترحوا البوق، فقال: هذا لليهود، وقوم اقترحوا أن يشعلوا ناراً، فقال: هذا للمجوس.
ثم افترقوا ولم يتفقوا على شيء، وإذا بـ عبد الله بن زيد يرى في منامه أنه رأى رجلاً يلبس بردين أخضرين يحمل ناقوساً على كتفه -وفي بعض الروايات: عوداً على ظهره- قال: أتبيع هذا الناقوس؟ قال: ماذا تفعلون به؟ قال: نؤذن به للصلاة قال: ألا أدلك على خير من ذلك؟ قال: وما هو؟ قال: تقولون: (الله أكبر) أربع مرات، ثم ذكر ألفاظ الأذان كاملة، ثم تنحى عنه، ثم قال: ثم تقولون: (الله أكبر الله أكبر) وذكر الإقامة كاملة، فاستيقظ وجاء فرحاً إلى رسول الله ﷺ ، فقص عليه ما رأى، فقال: إنها رؤيا صدق، قم فألقه على بلال؛ فإنه أندى منك صوتاً، فقام بلال يؤذن وقت الصلاة، فإذا بـ عمر يأتي يجر رداءه مسرعاً فقال: يا رسول الله! والله لقد رأيت مثلما سمعت، رأيت في النوم مثل هذا الذي سمعته من بلال! قال: قد رأى عبد الله مثل ذلك.
وقد يقال: إن الأذان إعلام بدخول وقت الصلاة وهي فريضة وركن الإسلام الأكبر، والرسول ﷺ يأتيه الوحي ليلاً ونهاراً، فكيف لا ينزل عليه الوحي ويترك ليراه صحابي في النوم! مع أن الوحي قد جاءه ﷺ وهو في الصلاة وفي نعليه أذى ليقول له جبريل: اخلع نعليك يا محمد؛ فإن فيهما أذى، فكيف لا يأتيه بالأذان؟ والذي يبدو لي أن هذا هو عين الحكمة؛ لأن الأذان فيه أعظم منقبة لرسول الله ﷺ ، وأعظم شرف ومكانة، وذلك حين يقرن اسمه ﷺ بـ (لا إله إلا الله) ، فيقول المؤذن بأعلى صوت: (أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله) فلما كان فيه تكريم لرسول الله إلى هذا الحد ترك المجيء به عن طريق الوحي إلى أن يراه شخص من الناس، فيقول: رأيت فيما يرى النائم.
ويذكر الأذان.
فحينما يُعلم بهذا على المنائر لا يمكن لمنافق رغم أنفه أن يأتي ويقول: إن محمداً ﷺ يمدح نفسه على المنائر فيقرن نفسه مع (لا إله الله) ، فالوحي تخلى عن ذلك وتركه حتى يأتي لفظ الأذان مشروعاً على لسان رجل من عامة الناس.
وليس التشريع لرجل من عامة الناس! ولكن لما سمع ذلك رسول الله ﷺ قال: (إنها لرؤيا حق) فأقرها، وحينما قال: (رؤيا حق) دخلت بذلك في التشريع، فنقول: شرعها رسول الله.
أي: صادق عليها.
فكان الأذان أساساً لإعلام الناس وهم متفرقون في بيوتهم للصلاة، ولكن يوم العيد ليس الناس فيه بحاجة إلى من يناديهم، فكلهم مجتمعون منذ الصباح، فقد مضت أيام وهم ينتظرون مجيء العيد، فهم متواعدون على الاجتماع قبل أن يأتي وقته، فلا حاجة إلى هذا النداء، وهذا أمر.
والأمر الثاني وهو أدق -أن المؤذن ينادي ويقول: (حي على الصلاة) ، ومعنى ذلك: أقبلوا يا سامعين، فيتعين على كل من سمع أن يقبل، وصلاة العيد لا تتعين على كل من يسمع.
إذاً: فلما لم تكن صلاة العيد متعينة لم يكن النداء عاماً يشمل الجميع، وعلى هذا كانت صلاة العيدين في واقع أمرها في غنى عن أن يشرع لها أذان أو إقامة.
стр. 1009
هل ينادى لصلاة العيد بغير الأذان ؟
وأما المناداة بما فيه تنبيه للناس فبعضهم يقول: لا مانع أن نقول: الصلاة الصلاة، ولكن لا حاجة لذلك؛ لأن في العيدين إشعاراً أكبر، وهو سنة التكبير، فالتكبير للعيدين من شعائر الإسلام، ويكبر لصلاة عيد الفطر من غروب شمس آخر يوم من رمضان، فالليلة التي هي ختام أيام رمضان محسوبة من شوال، فيبدأ التكبير من غروب شمسها، فالنداء من قبل من الليل، فيكبر الناس في الطرقات، وفي المسجد، وفي البيوت، وفي كل مكان، فلا حاجة أيضاً إلى النداء إليها، ويستمر التكبير حتى يخرج الإمام ليعلو المنبر ويخطب.
وفي عيد الأضحى يبدأ التكبير من عشية يوم عرفة، ولكن يستمر إلى نهاية أيام التشريق الثلاثة؛ لأنها أيام عيد أيضاً، أو تبع للعيد، فيستمر التكبير فيها، وبعضهم يقول: يترك التكبير، أو تترك التلبية عند رمي جمرة العقبة، ثم هو بالخيار، فيسبح، أو يحمد، أو يكبر، أو يهلل.
فالعيدان في غنىً عن الأذان، وفي غنىً عن أي إشعار آخر؛ لأن الأذان للإعلام؛ ولإخبار الناس المتفرقين، وهم عالمون ومجتمعون، فلا حاجة إلى الأذان.
стр. 1010
كيفية التكبير في العيدين
والتكبير يكون فرادى ويكون جماعة، ومعنى (جماعة) أن يكون الجميع في وقت واحد يقولون: (الله أكبر الله أكبر) ، ويكون بالدور، فقوم يكبرون والآخرون يرددون تكبير هؤلاء القوم، وربما سمعنا، أو نشرت الصحف قول بعض من يعترض ويمتنع، بل هناك من تقدم إلى المحراب، وأخذ وآلة تكبير الصوت من يد الذي يكبر وقال: هذه بدعة.
وهذه والله جرأة، ولا ينبغي هذا أبداً؛ فالتكبير بالتدوير موجود في الزمن السابق، ويذكر العلماء عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أنه كان يكبر منذ أن يخرج من بيته إلى المصلى والناس يكبرون بتكبيره، وعمر كان يكبر في منى وهو في مكانه، ويسمع الناس تكبيره فيكبرون بتكبيره حتى ترتج منى بالتكبير.
فالتكبير بالدور لا مانع منه، والتكبير بالصيغ المعروفة التي ألفها الناس وورد النص بها، وترديدهم هذا التكبير في أنفسهم، أو بصوت يسمعه الآخرون، لا مانع منه.
стр. 1011
حكم التنفل قبل صلاة العيد وبعدها في المصلى أو في المسجد
[وعن أبي سعيد ﵁ قال: (كان النبي ﷺ لا يصلي قبل العيد شيئاً، فإذا رجع إلى منزله صلى ركعتين) .
رواه ابن ماجة بإسناد حسن] .
الصلوات الخمس كل صلاة منها لها نافلة قبلها أو بعدها، أو قبلها وبعدها، وهذه تسمى الرواتب، أو النافلة الراتبة، فللصبح ركعتان قبلها، وللظهر قبلها وبعدها ركعتان وركعتان، أو أربع وأربع، وللعصر قبلها أربعٌ، وللمغرب بعدها ركعتان، ويستحب أيضاً ركعتان قبل المغرب، لحديث: (صلوا قبل المغرب ... ) والعشاء لها ركعتان بعدها.
فهذه نوافل راتبة مع الصلوات الخمس، واختلف في الجمعة: هل لها نافلة راتبة قبلها أم لا؟ فبعضهم يقول: راتبتها قبلها هي راتبة بديلة عن التي قبل الظهر، ولكن جاء الحديث: (من غسل واغتسل، وبكر وابتكر ثم صلى ما كتب له ... ) الحديث، فليس هناك عدد معين قبل الجمعة، أما بعدها فهناك حديث: (إن شاء صلى بالمسجد أربعاً، أو صلى بالبيت اثنتين) ، فبعضهم يقول: هذه راتبة الجمعة، والتحقيق أنها ليست راتبة كراتبة الصلوات الخمس؛ لأن الحديث قبلها: (وصلى ما تيسر له) أي: ركعتين، أو أربعاً، أو ستاً، أو أكثر من ذلك.
وعدد رواتب الصلوات الخمس جاء فيها حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنه، أنه قال: (حفظت عن رسول الله اثنتي عشرة ركعة في اليوم والليلة) ، وجاء عنه ﷺ : (من حافظ على اثنتي عشرة ركعة ضمنت له الجنة) .
وأما العيدان فيقول العلماء: إن كان سيصلي الإمام بالناس في المصلى فلا صلاة، فيأتي ويجلس، وليس للإمام أن يأتي قبل وقت الصلاة، وإنما يأتي من مكانه، ويخرج على الناس حينما يحين وقت الصلاة، ويبدأ بالصلاة حالاً.
وإذا كان مكانه بعيداً ويريد أن يأتي مبكراً فلا يأتي إلى مكانه الذي سيصلي فيه، بل يجلس جانباً وحينما يحين وقت الصلاة يأتي إلى مصلاه، فليس هناك سنة قبل الصلاة في المصلى.
وأما إن كانت صلاة العيد في المسجد فبعضهم يقول: لا صلاة؛ لأن الرسول كان يصلي العيد مباشرة، ولا يصلي قبلها.
فقالوا: عند المجيء إلى العيد ليس هناك صلاة.
وبعضهم يقول: ما دام العيد في المسجد فمن جاء إلى المسجد فعليه تحية المسجد، فإن كانت صلاة العيد في المصلى فباتفاق أنه لا صلاة قبلها ولا بعدها، وإن كانت صلاة العيد في المسجد فهناك الخلاف، فمن يقول: الحكم مطرد يقول: ليس لها صلاة قبلها ولا بعدها، وهناك من يقول: هذا حق في جانب وهذا حق في جانب آخر، فلو جئت بعد صلاة الصبح قبل طلوع الشمس فليس هناك صلاة تحية ولا غيرها، وإن جئت بعد بزوغ الشمس، والإمام تأخر فلم يأت بعد، فإنك تؤدي تحية المسجد.
والحديث هنا أنه كان ﷺ إذا جاء لصلاة العيد لا يصلي قبلها ولا بعدها، ولكن إذا رجع إلى بيته صلى ركعتين، فإن شئت فعلت كذلك، اقتداء بسنة المصطفى ﷺ فصليت ركعتين، والمهم عندنا في هذا الباب فقهه، وهو أنه ليس هناك نافلة راتبة للعيد قبله ولا بعده.
стр. 1012
ما يفعله الإمام بعد الصلاة وهيئة المستمع للخطبة
[وعنه قال: (كان النبي ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، وأول شيء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس والناس على صفوفهم، فيعظهم ويأمرهم) متفق عليه.
] .
في هذا الحديث أنه كان ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، وأول شيء يبدأ به الصلاة، والخطبة بعد الصلاة، وفيه أنه كان ينصرف من مكانه الذي كان يصلي فيه، فكان يصلي مستقبل القبلة، ثم ينصرف عن القبلة إلى المصلين والناس على صفوفهم جالسين فيعظهم ويأمرهم وينهاهم بالإرشاد والتوجيه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما يراه مناسباً، والموعظة من أساس الخطبة، سواءٌ كانت هذه الموعظة وهذا الأمر هو الخطبة أم غير ذلك، فإن الوعظ وقع بعد الصلاة.
وهذا حديث طويل اختصره البخاري، وتتمته أنه ﷺ بعدما صلى خطب الناس بما فيه الموعظة، وبما فيه الأمر، وبما فيه النهي، والناس على صفوفهم وهو مستقبل الناس، فسنة الخطبة أن الإمام يستقبل الناس، لا أن يستقبل القبلة وظهره إلى الناس، وكذلك المصلون يستقبلون الإمام بوجوههم.
وقد يكون هذا الأمر عادياً في غير المسجد النبوي، ولكن في المسجد النبوي في الطرفة من باب السلام إلى الحجرة الشريفة يكون الناس أمام المنبر، والإمام يخطب، وجلستهم العادية أنهم يكونون مستدبرين الإمام مستقبلين القبلة، فإذا بدأ الإمام بالخطبة ينبغي أن يستقبلوه بوجوههم، وكذلك من كان في أقصى الصف، الآن المسجد يمتد إلى ألف تقريباً من الشرق إلى الغرب، ومن كان في وسط الصف محاذياً للمنبر لا يعادل مكان من كان في طرف الصف شرقاً أو غرباً، فيلتفت بوجهه إلى الإمام ليسمع الخطبة.
فهؤلاء الذين هم أمام المنبر عليهم أن يستقبلوا الإمام عند الخطبة.
وأما إذا لم نسمع الإمام بذاته، ولم نره بأعيننا، وكان هناك آلات تكبير الصوت في جدار المسجد القبلي وأتانا صوت الخطيب من أمامنا، فهل نعتبر أنفسنا مستقبلين للخطيب، أم نستدبر هذا الصوت ونستقبل المنبر؟ والجواب أن هذه مسألة جديدة تحتاج إلى فتوى.
وعندي أنه إذا كنت في الصف الأخير والمنبر بعيداً فسماعي من الإمام مباشرة أحسن مما أسمع من السماعة، وإن كنت عند الجدار في آخر الصف، والصوت فوق رأسي، وإذا التفت لا أرى الإمام ولا أسمعه مباشرة، وسيأتيني الصوت عن طريق السماعة فالسماعة هذه أولى.
والمهم عندنا أنه ﷺ بعد أن أدى الصلاة قال: (صلينا، وسنخطب، فمن شاء جلس، ومن شاء انصرف) وسماع الخطبة يوم العيد ليس كسماعها يوم الجمعة، والذين قدموها رأوا أن الناس ما كانوا يجلسون إلا وهم يستمعون، والرسول أباح لمن يريد أن ينصرف أو يجلس، ولكن الأولى والأفضل أن يجلس؛ لأنه لن يعدم الوصية بالخير والنصيحة والتوجيه، ومع جماعة المسلمين تشمله كلمة (آمين) في الدعاء.
стр. 1013
موعظته ﷺ للنساء
ومن تتمات هذا الحديث أنه ﷺ بعد أن وعظ الرجال انصرف إلى النساء، فالنساء لم يختلطن بالرجال، فالرجال في جهة والنسوة في جهة متميزة عن الرجال، فأتى إليهن في مكانهن، ومعه بلال يتوكأ عليه، وأخذ يعظهن ويخوفهن ويأمرهن بالصدقة، فأخذن يلقين من أقراطهن ومن فواتخ أيديهن -الخواتم- في حجر بلال.
وقد جاء في هذه الخطبة للنساء أنه ﷺ قال: (تصدقن؛ فإني رأيتكن أكثر أهل النار) فقامت امرأة منهم تستفسر عن ذلك، فقال لها رسول الله ﷺ : (تكثرن اللعن وتكفرن العشير) .
وكون المرأة تتصرف في مالها في غيبة زوجها فالجمهور على جوازه ما دامت تملكه لنفسها، أما لو كان ملكاً للزوج وهو عندها أمانة تتزين به فلا يحق لها ذلك، والمالكية يقولون: لا يحق للمرأة المتزوجة أن تتصرف في مالها الخاص إلا بإذن زوجها؛ إذ قد يكون مالها من دواعي رغبته فيها، فإذا عريت عن المال، وعريت عن الحلي أصبحت هناك مشكلة.
والذي يهمنا في ذلك أن النسوة بين يدي رسول الله ﷺ أخذن يلقين في حجر بلال من حليهن.
стр. 1014
عدد التكبيرات في صلاة العيد، والسنة فيما يقرأ
[وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵃ قال: قال نبي الله ﷺ : (التكبير في الفطر سبع في الأولى وخمس في الأخرى، والقراءة بعدهما كلتيهما) أخرجه أبو داود، ونقل الترمذي عن البخاري تصحيحه.
] بدأ المؤلف ﵀ في تفصيل كيفية صلاة العيدين، فذكر هنا حديث: التكبير في الفطر سبعاً في الأولى.
والتكبير في العيدين من شعار العيدين، ومن خصائص الإسلام، والتكبير -كما يقولون- تكبير عام وتكبير خاص، فالتكبير العام: ما يكون من الليل، وفي البيوت، وفي الطرقات ونحو ذلك، والتكبير الخاص: ما يكون في الصلاة وما يكون في الخطبة، وما يكون عقب الصلوات، فهنا يبين لنا المؤلف ﵀ أن النبي ﷺ قال: (التكبير في الفطر) .
وكلمة في (الفطر) ، بعضهم يقول: لا مفهوم لها، فالتكبير في الأضحى كالتكبير في الفطر، وبعضهم يقول: التكبير في الفطر مخصوص، والأضحى أقل من ذلك أو أكثر، فبدل السبع تسع أو خمس.
وهنا ينص على أن الرسول ﷺ ذكر التكبير المختص بالصلاة التي هي صلاة العيدين؛ لأن هناك تكبيرات في الصلوات الخمس، كتكبيرة الإحرام، وتكبيرات الانتقال عند الركوع، وعند الرفع من السجود، وعند القيام للركعة الثانية التي تليها، فهذه تكبيرات تسمى تكبيرات الانتقال.
فالتكبيرات التي هي من صلاة العيدين في الأولى سبع، وهناك من يقول: إنها سبع من غير تكبيرة الإحرام، وهناك من يقول: هي سبع مع تكبيرة الإحرام، فيكبر تكبيرة الإحرام لتنعقد بها الصلاة، ثم يأتي بعدها بست تكبيرات، وبعضهم يقولون: التكبيرة الأولى للدخول في الصلاة، ولا تعتبر من تكبيرات الصلاة، وتكبيرات الصلاة في الركعة الأولى سبع.
وأما هل يأتي بها سرداً: الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أو يفصل بينهن بالأذكار نحو: (الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً) ، فالجواب أن من شاء جاء بها سرداً، ومن شاء جاء ببعض الأذكار بين كل تكبيرة وأخرى، فإذا أنهى التكبيرات قرأ.
وسيأتي الحديث بعد هذا يبين كثرة ما كان ﷺ يقرأ به في العيدين، وهذا على سبيل البيان، وليس إلزاماً، ويتعين ولا يحاد عنه، ففي الركعة الأولى يكبر سبعاً بعد تكبيرة الإحرام، وبعد ما ينتهي من التكبيرات يقرأ الفاتحة وبعدها سورة (ق) أو غيرها، أو على ما سيأتي النص عليه في الحديث الذي بعده، ثم يركع ويرفع ويقوم للركعة الثانية، وعند قيامه للركعة الثانية يكبر، فتلك تكبيرة الانتقال لا يحسبها، ويبدأ فيكبر خمساً.
ففي الأولى يكبر سبعاً لا يحسب معهن تكبيرة الإحرام، وفي الثانية خمساً لا يحسب معهن تكبيرة الانتقال التي هي معهودة في الصلوات الخمس، ثم يقرأ في تلك الركعتين بعد التكبيرات السبع أو الخمس.
стр. 1015
القراءة بـ (ق، واقتربت) في صلاة العيد
قال المؤلف: [وعن أبي واقد الليثي ﵁ قال: (كان النبي ﷺ يقرأ في الفطر والأضحى بـ (ق) واقتربت) أخرجه مسلم.
] .
لما ذكر في الحديث الأول أنه يكبر ثم يقرأ في كلتا الركعتين بعد التكبير، جاء هذا الحديث ليبين ماذا كان يقرأ ﷺ ، وهم يتفقون على أنه لا تعيين ولا تحجير، فما رآه الإمام ليقرأ به قرأ، ولكن روي أنه كان ﷺ يقرأ بسورة (ق) وبسورة ﴿اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١] ، وكلتا السورتين فيها المواعظ وفيها التذكير، وفيها الحث على فعل الخير.
فهنا يبين لنا المؤلف ﵀ ماذا كان يقرأ، ويهمنا هنا أن مقدار سورة (ق) ليس مثل مقدار سورة الضحى، ولا (ألم نشرح) فالإمام يقرأ بما يراه مناسباً للحاضرين، فإن شاء طول بـ (ق) وأمثالها، وإن شاء اختصر بالضحى و (ألم نشرح) ، إلى غير ذلك من قصار السور.
стр. 1016
كتاب الصلاة - باب صلاة العيدين [٣]
في العيد يظهر فضل الله تعالى على عباده المؤمنين بما شرع لهم من أسباب الترويح عن النفس والأهل، كما أن من فضله عليهم تلك الآداب الواردة في كيفية الذهاب إلى المصلى والرجوع منه، حيث يشرع للمسلم الذهاب من طريق والرجوع من آخر ليلقى أكثر إخوانه ويسلم عليهم ويدعو لهم، وكذلك الخروج إلى المصلى، إذ فيه إظهار فضل الله على عباده المؤمنين بإعزاز دينه وأهله، وإغاظة اليهود والنصارى وسائر الكافرين.
стр. 1017
من آداب العيدين
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
стр. 1018
حكمة المخالفة في الطريق يوم العيد
فيقول المصنف: [وعن جابر ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا كان يوم العيد خالف الطريق) أخرجه البخاري، ولـ أبي داود عن ابن عمر نحوه] .
هذا من آداب يوم العيد، فقد كان ﷺ إذا خرج إلى المصلى وصلى العيد خالف بين الطريق، وهذا عندما يكون للمصلى طرق متعددة بالنسبة للإمام وكذلك المصلي، وقد اختلفوا في هذه المغايرة هل هي خاصة بالنبي ﷺ ؛ لأن الذين في الطرقات أو في البيوت ينتظرون مرور رسول الله ﷺ ليدعو لهم ويسلم عليهم وتنالهم بركات سلامه عليهم ودعواته، أم أن ذلك عام لكل مصل؟ فبعضهم يقول: هذه خاصة برسول الله ﷺ ؛ لأن الناس ينتظرون عودته ورواحه، وهنا يذكر ما يفعله بعض الناس من التهنئة بيوم العيد، وربما نسمع بعض الناس يقول: هذه بدعة! وهي سنة عن رسول الله، والسلف رضي الله تعالى عنهم ينقل العلماء عنهم أنه كان بعضهم يقول لبعض: تقبل الله منا ومنك، وهذه هي التهنئة بيوم العيد.
فالذهاب من طريق والعودة من طريق قيل: إنها ليرى الإنسان من لم يره من قبل، وقيل: هذا من جانب المقيمين، ليكون لهم حظ من سلام الإمام ودعوته لهم في ذلك اليوم بالخير.
فمغايرة الطريق قيل: هي خاصة برسول الله ﷺ ، وقيل هي عامة لكل مصلٍ، والله تعالى أعلم.
стр. 1019
العيد يوم راحة المسلم وسعادته مع إخوانه المسلمين
[وعن أنس ﵁ قال: (قدم رسول الله ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: قد أبدلكم الله خيراً منهما يوم الأضحى ويوم الفطر) أخرجه أبو داود والنسائي بإسناد جيد] .
في هذا الحديث أن النبي ﷺ لما قدم المدينة مهاجراً صلوات الله وسلامه عليه، وجد لأهل المدينة يومين يلعبون فيهما، وهذه من عادات الشعوب، فلها -حسب العادات والوقائع- أيام يفرح فيها الناس ويلعبون فيها، كما هي العادة المشهورة عند كثير من الأمم، وسبب هذين اليومين لم أقف عليه حتى الآن.
وهنا لم يسأل النبي ﷺ عن أسباب اللعب في هذين اليومين، ولكنه لما كان من عمل الجاهلية وقبل الإسلام، ولم يتضح لهما سبب شرعي لم ينههم عن ذلك، وهذه مسألة ينبغي التنبيه عليها؛ لأنها قاعدة إسلامية إصلاحية عظيمة جداً، فإذا رأيت إنساناً يرتكب أمراً مخالفاً فقبل أن تنهاه عنه انظر إلى البديل الذي يصلح لتقدمه إليه ليتخلى عن غير الصالح، إنسان كفيف له عصا يتوكأ عليها، لكن تلك العصا متنجسة، أو فيها شوك، أو أنها على وشك الانكسار، أي أنها غير صالحة لمهمتها في نظرك وأشفقت عليه، فلا تقل له: ارم العصا من يدك، بل قبل ذلك، وقبل أن تقول له إن العصا غير صالحة ائت بعصا صالحة، وقل له: خذ هذه فهي خير مما في يدك، وألق التي في يدك.
فستجد أنه عندما يحصل على شيء خير من الذي بيده سيلقي ما بيده قبل أن تقول له: ألق ما في يدك؛ وهكذا لو وجدت شخصاً في طريقة مبتدعة وطريقة منكرة لم تجد لها أصلاً في الدين.
فلا تأت إلى إنسان لتنزع ما بيده استنكاراً قبل أن تهيأ له البديل عن ذلك المنكر.
стр. 1020
حكمة النبي ﷺ في معالجة الأمور
وهنا النبي ﷺ وجد القوم يلعبون على حال من الترفيه البريء، فما استنكر لعبهم، ولكن استنكر توقيت اللعب باليومين، فقال: (قد أبدلكم الله خيراً من هذين اليومين يوم الفطر والأضحى) .
ولو جئت من باب الترفيه، ومن باب التسلية، ومن باب إظهار السرور لا تجد يومين في حياة الأمة كيومي العيد، بخلاف الأفراد؛ لأنه قد يكون للفرد في حياته يوم خير من العيد، كما وقع لـ كعب بن مالك حين كان مع الذين تخلفوا عن رسول الله ﷺ في تبوك، فعندما تخلفوا عن تبوك وجاءوا يعتذرون قبل عذرهم إلا ثلاثة، ومنهم كعب بن مالك، حتى جاءت توبتهم من عند الله، وليس المخلفون الذين تخلفوا عن الغزوة، فالذي تخلف عن الغزوة عدد كثير، لكن كلهم جاءوا فاعتذروا فعذرهم رسول الله ﷺ في ظاهر الأمر، وترك حقيقتهم إلى الله إلا هؤلاء الثلاثة الذين صدقوا وقالوا: والله ما كان عندنا عذر فخلفوا عن قبول توبتهم وعذرهم، فيوم أن نزلت توبتهم وذهب إلى كعب رجل ونادى وقال: أبشر يا كعب، وركض إليه رجل بالفرس فكان صوت المنادي أسرع من ركض الخيل، فلما جاء الذي صرخ له أعطاه ثوبه الذي عليه وقال: والله ما عندي غيره، ثم استعار ثوباً من جماعته وذهب إلى رسول الله ﷺ ، فاستقبله رسول الله بالبشر وقال له: (أبشر -يا كعب - بخير يوم طلعت عليك فيه الشمس من حين ولدتك أمك) ، فأسعد يوم مر عليك هذا اليوم، رغم أنه قد مرت عليه أعياد، وشارك في الجهاد، لكن هذا اليوم الذي تاب الله عليه فيه كان أسعد يوم مر عليه.
فالأيام السعيدة ذات الذكرى الجميلة قد تكون للفرد، وكلنا له يوم أو أيام حسب ظروفه ومشاغله، لكن لا يوجد للأمة يومان أفضل من يومي العيدين، وتقدم لنا أن الأعياد عند الأمم لمناسبات سببها حدث في يوم واحد تبقى ذكراه مع التكرار، لكن في الإسلام في كل سنة عيد حقيقي؛ لأن عيد الفطر عيد بصيام رمضان، وهذه نعمة كبرى؛ لأن الله وفق الناس وأعانهم على أنفسهم وعلى الشيطان والهوى، وحجزوا النفس عن الأكل والشرب والشهوات حتى أكملوا الشهر، كذلك الحج جاءوا من كل فج عميق، واجتمعوا في واد غير ذي زرع، وأدوا المناسك بحمد الله، فكان عيد الأضحى.
فهما يومان عظيمان مرتبطان بيومين متكررين وعبادتين متكررتين في كل سنة، والرسول ﷺ انتقد اليومين ولم ينتقد اللعب، وأشعرهم أن الله قد أبدلهما خيراً منهما.
следующие страницы →