Полный текст (127 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
تفسير سورة الحجرات [١ - أ]
стр. 2
ترابط سور القرآن ببعضها
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات:١-٥] .
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فقد تقدم أيها الإخوة الكرام الكلام على هذه السورة الكريمة في مدة زيارة الزائرين في موسم الحج، ولم نكمل الحديث عنها، وفي بداية هذه السورة الكريمة وفي استئناف الحديث عنها نجمل ما تقدم ليرتبط الماضي بالحاضر: تقدم في أول الحديث عنها تنبيه على مدى ربط سور القرآن بعضها ببعض، وهذا جانب عظيم في التفسير الكريم؛ إذ نلحظ جميعاً بيسر وسهولة ربط ما بين سورة الفاتحة وسورة البقرة، وكذلك قصار السور، يظهر ذلك الربط لقصر السور ولوحدة الموضوع فيها.
فتجد في سورة الفاتحة بعد المقدمة بحمد الله وتنزيهه وتمجيده وتكريمه، والاعتراف له بالربوبية وإفراده بالعبودية والاستعانة يأتي قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] ، وهذا أعظم طلب يطلبه العبد لأنه يتعلق بأعظم مطلوب؛ لما فيه من سعادة الدنيا والآخرة، وتأتي سورة البقرة بعدها بعد مقدمة قصيرة (بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ) ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١-٢] .
فكأنه الجواب على
السؤال
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ، فيقول تعالى: هذا الكتاب هو الهدى الذي تسألونه فالزموه.
وكذلك نجد الربط بين سورة الحجرات وما قبلها وهي سورة الفتح؛ حيث تتحدث أواخر سورة الفتح على ما وقع في صلح الحديبية، فلما أنهى رسول الله ﷺ ما بينه وبين المشركين في المفاوضة على الرجوع والتحلل في مكانهم ثم العودة بعمرة أخرى من عام قابل، وعظم ذلك وشق على أصحابه أنهم لم يدخلوا مكة، ولكن المصطفى ﷺ قد أعطى وعداً حتى قال: (والذي نفسي بيده لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها) .
وكان المولى أراد بهذا الصلح الفتح المبين، وذلك لما سأل عمر رضي الله تعالى عنه أبا بكر عما جاء في الاتفاقية مما ظاهره الحيف والهضم للحق، وإملاء القوي على الضعيف، حيث جاء في الصحيفة: إذا أتانا منكم أحد مرتد عن دينه فلا نرده عليكم، وإذا أتاكم أحد مسلم بدون إذن أهله رددتموه علينا.
فقال عمر لـ أبي بكر رضي الله تعالى عنهما: يا أبا بكر ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ قال: بلى، قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى، قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: يا عمر! إلزم غرزه إنه رسول الله.
والكل يعلم أنه رسول الله، ولكن المراد بذلك لازم الخبر، فقد عمر يعلم أنه رسول الله، وقد آمن به رسولاً من عند الله، ولكن يريد أبو بكر مقتضى ذلك: وهو أنه يتبع الله فيما يوحي به إليه فالزمه.
فذهب عمر إلى رسول الله، وعرض عليه ما عرض على أبي بكر، وسمع من رسول الله مثل الذي سمع من أبي بكر: (يا ابن الخطاب إني رسول الله، ولن يضيعني الله أبداً) ، يقول عمر: فوالله ما زلت أصوم وأتصدق وأعتق أكفر عن تلك الكلمة؛ لأنني تقدمت بين يدي الله ورسوله باقتراح ما كان لي أن أتقدم به.
ولما أمرهم بالتحلل وحلق الشعر ونحر الهدي، توانوا وكأنهم يتطلعون إلى حل آخر، ودخل ﷺ على زوجه أم سلمة مغضباً، قالت: من أغضبك أغضبه الله؟ قال: (وما لي لا أغضب وأنا آمر أمراً فلا أُتبع، قالت: يا رسول الله! قد دخلهم ما قد رأيت، فلا تكلمن منهم إنساناً، واعمد إلى هديك حيث كان فانحره، واحلق، فلو قد فعلت ذلك فعل الناس) .
فما إن كان من رسول الله ﷺ ذلك إلا وتسابق القوم بالنحر والحلق، وأيقنوا أنه ليس هناك حل آخر، لأن الرسول ﷺ فعل ذلك أمامهم.
فتأتي آخر السورة: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ [الفتح:٢٧] ، لأنهم قالوا: ألم يعدنا رسول الله أنا نأتي البيت؟ فقال لهم أبو بكر: نعم، ونحن آتوه، وهل قال لكم: هذه السنة؟ قالوا: لا، قال: فإنكم ستأتونه.
﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح:٢٧] ، أي: لا مطرودين عنه كهذه السنة ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾ [الفتح:٢٧] ، أي: من دون ذلك الدخول الآمن ﴿فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:٢٧] ، ألا وهو صلح الحديبية.
ونزلت السورة الكريمة على رسول الله ﷺ في عودته من الحديبية ليلاً، وكان عمر يمشي في آخر القوم مخافة أن ينزل فيه قرآناً مما جادل فيه رسول الله، فلم يلبث أن سمع صارخاً: يا ابن الخطاب! أجب رسول الله! ففزع لذلك وظن أنه قد نزل فيه ما يخشى، فلما أتى قال له النبي ﷺ : (لقد أنزلت علي الليلة سورة لهي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس.
ثم قرأ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح:١] ، وقرأ عليه سورة الفتح، فقال عمر: يا رسول الله! أوفتح هو؟ قال: نعم) .
وفي عُرف العالم اليوم: أنه إذا كان هناك نزاع بين دولتين ثم توصلتا إلى المفاهمة، أو الجلوس على مائدة المفاوضات؛ كان ذلك شبه اعتراف من كل منهما بالجانب الآخر، وهنا كان صلح الحديبية بعد ست سنوات فقط من خروج النبي ﷺ مهاجراً مختفياً في الغار يسري ليلاً ويختفي نهاراً، فيرجع اليوم يريد مكة فيصل إلى حدودها، وتجلس معه صناديد قريش يفاوضونه على العودة على أن يخلوا له مكة في العام القادم، فيأتي ويعتمر آمناً ويرجع مطمئناً.
إنه فتح عظيم، ويقدر علماء التاريخ قيمة هذا الفتح: بأن النبي ﷺ كان معه من المسلمين في صلح الحديبية نحو الألف، فلما وقعت الهدنة، ووقع هذا الصلح والاتفاق، ساح المسلمون والمشركون في الجزيرة، فما لقي مسلم مشركاً عاقلاً يحدثه عن الإسلام إلا دخل فيه، فانتقل وانتشر المشركون في ديار المسلمين، وانتقل وانتشر المسلمون في ديار المشركين، ثم وقع بعد ذلك بسنتين فقط فتح مكة، وخرج ﷺ من المدينة بعشرة آلاف مقاتل.
مرت تسع عشرة سنة من الوحي، وثلاث عشرة سنة منها في مكة، وست سنوات في المدينة؛ كانت حصيلتها ألف مقاتل، وبعد هذا الصلح تكون الحصيلة عشرة آلاف مقاتل.
وفعلاً كان فتحاً مبيناً، فنزلت خاتمة سورة الفتح تبين للمسلمين حقيقة الموقف، ولماذا كف الله أيديهم عنهم: ﴿وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح:٢٥] ، أي: أن الله كف أيدي المسلمين عن دخول مكة مقاتلين ولو دخلوا لنصرهم الله، إلا أن في مكة من هو مسلم يخفي إسلامه، فلو دخلوا لقتلوا المسلم مع المشرك وهم لا يعلمون، فرجع المسلمون ونزلت السورة وفيها: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:٢٧] .
وهنا تأتي افتتاحية سورة الحجرات، وكأنها تتمة أو تعليق أو تنبيه أو تصحيح لما كان من أصحاب رسول الله في تلك الوقعة -أي: في صلح الحديبية- فيبين المولى تعالى ما ينبغي من الأدب مع رسول الله ﷺ إرشاداً لهم ولذلك ناداهم بوصف الإيمان فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحجرات:١] ، إلزاماً لهم بمقتضى ما آمنوا به وهو أن يقبلوا كل ما جاء به وأن يكونوا تبعاً لله ولرسوله بمقتضى إيمانهم.
стр. 3
التشريع حق لله ورسوله
﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات:١] .
قوله: (تُقَدِّمُوا) ، هل هي (تتقدّموا) أو (تقدِّموا) ؟ فعلى أنها (تتقدموا) أي: تكونوا أمام رسول الله في الرأي، أو (تُقدِّموا) على أن تقترحوا عليه ﷺ ، وكلا الأمرين ممنوع.
стр. 4
لا يجوز تقديم الآراء على شرع الله ورسوله
لا يحق للمسلمين جميعاً ولو اجتمعوا أن يتقدموا على رسول الله بآرائهم ويتركوا رأي رسول الله، ولا يجوز لهم أن يقدموا بين يديه الاقتراحات لأنها مهما كانت فهي نتائج وحصائد عقولهم، أما هو ﷺ فإنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.
﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات:١] ، أي: كما قدم عمر، وكذلك الصحابة الذين تأخروا يريدون حلولاً أخرى، وقد أبرم ﷺ الصلح الذي هو فتح مبين.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحجرات:١] ، هذه الآية الكريمة تأديب للأمة كلها في شخصيات أصحاب رسول الله فيما يتعلق بحق التشريع، فإنه لله ولرسوله، فالمعنى: لا تتقدموا بشيء على ما جاء من عند الله في كتاب الله، ولا على ما جاء في سنة رسول الله ﷺ .
ولو أن العالم الإسلامي وقف عند هذه الآية وحقق مدلولها لكفاه ذلك، لأنه لا يحق للمسلمين ولو اجتمعوا أن يشرعوا شيئاً من عقولهم ما دام كتاب الله ورسول الله ﷺ بين أظهرهم.
ولا يحق لأحد أن يتقدم بعمل يرجو ثوابه، ولا بعمل يخشى في تركه عقابه، إلا إذا كان لله ولرسوله، ومن هنا نبه ﷺ على ذلك بقوله: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) ، بمعنى أنه مردود عليه، فمهما كان العبد، ومهما كان المسلم، ومهما كان المسلمون جميعاً في عقولهم وذكائهم وفطنتهم، ونظرهم في المصالح، وادعائهم أي دعوى كانت؛ فليس لهم حق أن يرتقوا إلى منصب التشريع، ولا أن يتقدموا بأمر من الأمور إلا إذا كان عليه أمر الله وأمر رسوله ﷺ .
وقوله: (ليس عليه أمرنا) ، لأن أمره من أمر الله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠] ، و ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١] .
إذاً: هذه الآية الكريمة في مستهل هذه السورة الكريمة فيها تأديب للأمة، وتعريف لهم بالحق الواجب عليهم، من حيث الاتباع وحق التشريع، ولا يحق للعالم بأسره أن يشرع ما لم يأت به الله ولا رسوله، ويكفي ذلك تنبيهاً على كل تشريع من شرق أو غرب، من حضارة أو مدنية أو غيرها، فكل ذلك إن لم يكن تابعاً وموافقاً لكتاب وسنة رسوله ﷺ فهو مردود.
стр. 5
اجتهادات العلماء راجعة إلى كتاب الله
الفرعيات والاجتهاديات إذا حدثت وتجددت؛ فإن العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، والذين أعطاهم الله البصيرة في دينهم وأنار قلوبهم بالتقوى التي أورِثوها، وبالزهد والورع، وبمخافة الله، وبنور الله في قلوبهم، فإنهم يجتهدون فيما استجد ويردونه إلى الأصول من كتاب الله وسنة رسوله، فهو أيضاً عمل بما جاء عن الله وعن رسول الله ﷺ .
وقد جاء عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: (لعن الله الواشمات، والمستوشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله) .
فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب، فجاءت فقالت: إنه بلغني أنك لعنت كيت وكيت، فهل وجدت ذلك في كتاب الله، قال: أتقرأين كتاب الله؟ فقالت: لقد قرأت ما بين اللوحين -تعني: القرآن- فما وجدت فيه ما تقول.
قال: لئن كنت قرأته أما قرأت: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧] ؟ قالت: بلى.
قال: فإنه قد نهى عنه.
قالت: فإني أرى أهلك يفعلونه، قال: فاذهبي فانظري.
فذهبت فنظرت فلم تر من حاجتها شيئاً، فقال: لو كانت كذلك ما جامعتها.
والشاهد من هذا أن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه جعل سنة رسول الله من كتاب الله، ويقول والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه في أضواء البيان: السنة بأجمعها قطرة من بحر كتاب الله.
أي في قوله سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧] .
ووقع للشافعي ﵀ أنه وقف في المسجد الحرام، وقال: يا أهل مكة! سلوني عما شئتم أخبركم عنه من كتاب الله.
وهذه دعوى عريضة لا يقوى عليها إلا مثله، فقام شخص وقال: أخبرنا عن المُحرِم يقتل الزنبور ماذا عليه؟ الزنبور حشرة أكبر من النحلة ولسعته شديدة، ويقولون: إن سبعة منه كعقرب، وكما قيل: دويبة حمراء في بردة حبِرة.
فقال: يقول الله ﵎: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧] ، ويقول ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي) ، وحدثني فلان عن فلان -وذكر السند إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه-: أنه سُئل عن المحرم يقتل الزنبور ماذا عليه؟ فقال: لا شيء عليه، فلا شيء على المحرم يقتل الزنبور في كتاب الله.
فانظروا أيها الإخوة! إلى هذه الدرجات وتلك المراتب في الاستدلال والربط والتأكد! فكأن الشافعي ﵀ يقول: أنا من الراسخين في العلم؛ سلوني عما شئتم أخبركم عنه من كتاب الله، ولكن كلنا يعلم أن الزنبور ليس في كتاب الله، وكنت حاولت إحصاء ما ذكر من تلك الحشرات والحيوانات والطيور؛ فإذا بها تزيد عن الثلاثين صنفاً ليس منها الزنبور، فمنها العنكبوت والبعوض والذباب والنحل، ولكن كلمة زنبور ليست موجودة في كتاب الله، والشافعي يرد هذه الجزئية التي جاء السؤال فيها على سبيل التعنت إلى كتاب الله؛ لأن السائل رأى دعوى الشافعي في ذلك، فقام وأتاه بما لا يمكن أن يخطر على البال، وكما قيل: لا يفل الحديد إلا الحديد.
فكان موقف الشافعي ﵀ أن يتدرج في مراتب الاستدلال، فيبدأ بكتاب الله، فيجد كتاب الله يحيل على سنة رسول الله، وسنة رسول الله تحيل على الخلفاء الراشدين، ويُروى عن أحد الخلفاء الراشدين الحكم في هذه المسألة، فيعزوه الشافعي إلى كتاب الله.
стр. 6
شروط الإفتاء الذي ينسب إلى الكتاب والسنة
أيها الإخوة! في هذه الآونة قد نسمع ونرى الكثير مما لا ينتهي منه العجب؛ من أن بعض الأشخاص يكون قد بدأ في طلب العلم ولم يبلغ به شأواً، فإذا به ينصب نفسه للفتوى فيما علِم أو لم يعلم، وما عَلِمَه فلا ندري أيكون علمه فيه صحيحاً أو غير صحيح! ويا ليتهم يقفون عند ذلك في حق أنفسهم، بل يتعدى ذلك إلى الآخرين، فيفتون الآخرين بما يعلمون أو لا يعلمون، ثم يتعدى ذلك إلى أن يعيبوا من يخالف ما هم عليه وإن كانوا هم محدودي العلم والتحصيل وغيرهم أوسع علماً وأكثر تقوى لله وأكثر تحصيلاً، وأدعى أن يتبع من غيره، وهم أيضاً لا يتورعون أن يبدِّعوا من خالفهم، أو أن يبدعوا من قال بغير قولهم.
وإنا والله لنحزن لذلك، ونسأل الله تعالى لنا ولهم الرجوع إلى كتاب الله، وإلى سنة رسول الله ﷺ .
ينقل ابن عبد البر في كتاب جامع بيان العلم وفضله عن الشافعي ﵀: لا يحق للقاضي أو المفتي أن يقضي أو يفتي إلا إذا عرف حكم الله في كتاب الله وأقوال أهل التأويل في تأويله، وعلم سنة رسول الله وأقوال العلماء فيها، والإجماع والقياس، والخلاف إن وجد وما اختلفوا فيه.
فيا أيها الإخوة! تلك الشروط وهذه المعايير التي ذكرتها عن الشافعي يجب أن تتوفر فيمن نصب نفسه للإفتاء لأنه ليس بالأمر الهين، وإن من عوفي ولم يكلف ذلك من ولي الأمر، ينبغي أن يحمد الله إذ لم يلزم بالإفتاء، وعليه ألا يحمل نفسه ما لا طاقة له به.
стр. 7
تورع العلماء في الفتوى
وكان والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه يأتيه المستفتي في هذا المسجد فيقول: سل المفتي الرسمي، فإن هناك مفتياً نصبه ولي الأمر وهو مسئول عن ذلك، أو يقول: سل غيري، فأقول له: إذا لم تفتِه أنت فمن الذي يفتيه؟ إنك تقصد للفتوى في مسجد رسول الله.
فيقول: إذا كنت في عافية من ذلك فما الذي يلزمني؟ وهل أضمن أن أصيب ولا أخطئ؟! وهل أعلم أن سؤاله له دليل من كتاب الله أو من سنة رسول الله فأجيبه، وكيف أجتهد؟ وهل أضمن في اجتهادي الصواب؟ وجاءه إنسان وألح عليه، وقال: يا شيخ! جئتك أمس فرددتني وطوّفت المسجد فلم أجد من يفتيني، فماذا أصنع؟ قال: سل هذا.
وأشار إلي، وقال: هذا قاض في المحكمة، فسله يفتيك، فقلت: يا شيخ إذا امتنعت أنت عن الفتوى كيف أفتيه أنا؟ قال: لا علي، فقلت: اجلس، أنا سأفتيك والشيخ يسمع، فإن كان صواباً أقره، وإن كان خطأً فلا يحق له السكوت عليه، ثم أفتيته، فقال الرجل: ماذا تقول يا شيخ في ذلك؟ قال: قد أفتاك القاضي.
قال: أريدك أنت.
قال: خيراً والحمد لله.
ويذكر العلماء أن الرجل كان في عهد التابعين يسأل فيُحال من عالم إلى عالم -وحسبك بعلماء التابعين- حتى تنتهي به الإحالة إلى الأول، وكلهم كان يفر من الفتوى، ويقولون: أجرأ الناس على الفتوى أجرؤهم على النار.
فنحن نُحذِّر إخواننا وأبناءنا من أن يتسرعوا إلى منصب الفتوى قبل أن يستحقوا ذلك حقاً، وكان مالك ﵀ يقول: ما جلست للفتوى والدرس إلا بعد أن شهد لي سبعون عالماً في مسجد رسول الله.
стр. 8
أهمية التلقي عن الشيوخ واجتناب الشذوذ
وجاء عن أبي حنيفة ﵀: أنه جاءه رجل وقال: يا أبا حنيفة! في المسجد حلق فتيان يتناظرون في الفقه، قال: ألهم رأس؟ قال: لا، قال: لن يتفقهوا أبداً.
ويعني بـ (رأس) أي: شيخ أو أستاذ يرجعون إليه فيما يختلفون فيه.
فإنه قد يجتمع جماعة لهم حماس وحسن نية -على ما نحملهم عليه بحسن الظن- وهم راغبون في الخير، ولكن ليس كل راغب في الخير يصيب طريقه، فيجلسون يتذاكرون، ويتحادثون، ويتناقشون، ولكن ليس لهم رأس يرجعون إليه، وليس بين أيديهم كتاب يقرءونه، ويأخذون عن مؤلفه وما يعزوه إلى سلف الأمة.
فما يقع منهم إنما هي حواصل مناظرات أو مدارسات أحصوها، ثم يناقش بعضهم بعضاً، وهذه ليست طريقة علم، ولا سيما إذا ابتلي البعض بتتبع شواذ المسائل.
يقول عمر رضي الله تعالى عنه وهو على المنبر: أحرِّج على كل مسلم -أي: أجعله في حرج وضيق، وأضيق عليه- أن يحدث حديثاً ليس العمل عليه.
لأن في تتبع الشواذ إثارة للفتن، وكما قال ابن عبد البر: ما تتبع إنسان شواذ المسائل إلا وحرم العلم؛ لأنه يقضي حياته في تتبع تلك الشواذ! وللأسف كل الأسف أننا نجد الآن رسائل كتبت في الحج أو في غيره، وفيها أحاديث ينص عليها من رواها بأنه لم يعمل بها أحد -وهذا موجود بأيدي الناس- يفعل ذلك من تتبع الشواذ وعُرِف بذلك.
أيها الإخوة الكرام! لو أن المسلمين التزموا تعاليم هذه الآية فقط لسلموا وبقوا على الصراط المستقيم بعيدين عن الشواذ، بعيدين عن الابتداع.
стр. 9
آداب الأمة مع رسول الله ﷺ
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات:١] ، أي: لما تقولون ولما تتقدمون به، عليم بما تفعلون وعليم بما تقدمتم به، والله تعالى أعلم.
تأتي الآية الكريمة بعدها بأدب آخر في حق النبي ﷺ ، وقد نبهنا سابقاً على أن السورة في مجملها سورة الآداب آداب مع الله آداب مع رسول الله آداب مع نبي الله آداب في حضرته آداب في غيبته آداب معه كربِّ أسرة في حجراته ثم بعد ذلك آداب مع الجماعة الإسلامية، وطوائف المسلمين، ثم آداب الأفراد في حد ذاتهم على ما سيأتي بيانه إن شاء الله؛ فالآية الأولى في بيان الآداب مع الله ورسوله من حيث التشريع والاتباع.
النداء الثاني في الآية الثانية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:٢] .
في الآية الأولى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات:١] ، فوصفه ﷺ بالرسالة، وفي الآية الثانية وصفه بالنبوة: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات:٢] .
والحكمة أنه في الموقف الأول عُطِف الرسول على الله في مجال التشريع وهو منهل واحد، لأنه لا ينطق عن الهوى وإنما يأخذ عن الله، وهذا بجانب الرسالة؛ لأنه يأتي برسالة للأمة، أما الموقف الثاني فهو النبوة، وهو تكريم لشخصه ﷺ بصفته نبياً بأدبين كريمين: الأول: النهي عن رفع الصوت فوق صوت النبي حتى ولو كان بقراءة القرآن في مجلسه، أو بندائه ودعائه، بل يغض الصوت فلا يرفع صوته على صوت النبي، فلو كان يتحدث بينهم لا يكون صوت أحدهم أرفع من صوت رسول الله، وهذا غاية في الأدب؛ لأن من يرفع صوته عند غيره لا يكون مؤدياً كل واجبات الأدب بل يكون مخلاً بالأدب والاحترام، ونحن نعلم أو نرى المجالس ذات المستويات العالية فلا نجد إنساناً مهما كانت مكانته يرفع صوته على كبير المجلس، وهكذا يأمر الله الأمة أن تتأدب مع رسول الله في نوعية المحادثة وكيفيتها.
стр. 10
نوع الحديث الذي يطرق مع الرسول ﷺ
ثم يأتي الأدب الثاني: ﴿وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات:٢] ، يظن بعض الناس أنهما شيءٌ واحد، ولكن الحقيقة أنهما أمران مختلفان، فالأول: في رفع الصوت من حيث هو، ولو كان بتلاوة القرآن، والثاني: نوعية الحديث ما هي؟ حديث أدبي، ديني، اقتصادي، عائلي، ما هو الموضوع؟ ﴿وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ ، أي: لا تجعلوا أحاديثكم مع رسول الله في الأمور التي تجعلونها بين أنفسكم في خلواتكم؛ لأن الإنسان مع صديقه وزميله قد يتحدث في أمور يستحي أن يجهر بها ويعلنها عند من هم أكبر منه سناً، أو منزلة.
فمثلاً: الأولاد فيما بينهم يتحدثون في أمور بيتهم أو شخصياتهم، فإذا دخل أبوهم غيروا مجرى الحديث، لأنهم لا يريدون أن يسمع الأب ذلك الحديث.
لو كان إنسان في دور الخطوبة والزواج، وجلس مع زملائه الذين سبقوه بالزواج يتحدثون عن آداب الزواج وكيفية المعاشرة وشيء من ذلك، فإذا دخل عليهم رجل كبير ولو لم يكن أب واحد منهم غيروا مجرى الحديث؛ لأن هذا الحديث ينبغي أن يكون سراً وليس جهراً.
إذاً فالمعنى: اجعلوا حديثكم مع رسول الله على مستوى عال من مكارم أخلاق، والتعلم في الدين، والاسترشاد في أمور الدنيا، وليس مما تنزلون بمستواه إلى ما لا تحبون أن يسمعه من هو أعلى منكم سناً أو مرتبة.
ويذكر علماء التفسير أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه كان قادماً إلى بيت رسول الله، فسمع وهو على الباب قبل أن يستأذن امرأة تشتكي من زوجها فيما يكون من شأن الفراش بين الزوجين، فنادى خالد بن سعيد أبا بكر من عند الباب: يا أبا بكر! ألا تنهى هذه عما تجهر به عند رسول الله ﷺ .
لأن الجهر بمثل ذلك لا يليق بالمستوى، مع أنه ﷺ هو المشرع وهو المرجع في كل صغيرة وكبيرة، ولكن لكل مقام مقال.
أيضاً: المرأة التي سألت رسول الله: يا رسول الله! هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ فغطت أم سلمة وجهها وقالت: فضحت النساء عند رسول الله؛ سلي بعض زوجاته تسأل لك رسول الله، أي: كيف تجاهرين بهذا مباشرة مع رسول الله؛ لأن الحديث سيأتي بصورة ذهنية عما ذكرته المرأة، فيتصور الإنسان بمخيلته امرأة في فراشها ترى ما يرى الرجل، وهذه الصورة يتأبّى عنها كل أديب وكل ذي خلق كريم، لكنها أدخلتها على ذهنه إجباراً عليه، ومن هنا قالت أم سلمة: فضحت النساء.
هل نهرها ﷺ ؟ لا، لأن عليه البيان، فقال: (نعم، إن هي رأت الماء) .
هذا أمر تشريعي، أم سلمة استحت منه، ولكن لضرورة التشريع لابد منه، لكن إذا لم يكن الأمر مما يستدعي ذلك، وأرادوا الحديث فلا ينبغي هذا.
ومما جاء أيضاً: أن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان ﷺ في حجرتي، وكان مضطجعاً وفخذه باد، فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على حالته، ثم استأذن عمر فأذن له وهو على حالته، ثم استأذن عثمان فاعتدل وغطى فخذه وأذن له.
تقول عائشة رضي الله تعالى عنه: فلما خرجوا قلت: يا رسول الله استأذن عليك أبي فأذنت له وأنت على حالك، واستأذنك عمر فأذنت له وأنت على حالك، واستأذنك عثمان فنهضت وسترت فخذك، فلماذا؟ فقال: (ألا أستحي ممن تستحي منه الملائكة) ، هذه ناحية، الجواب الثاني وهو عملي، قال: (إن عثمان رجل حيي وإني خشيت أن أذنت له على تلك الحال أن لا يبلغ إلي في حاجته) .
انظروا إلى هذا الحال.
الرسول مع أبي بكر وعمر لكن لما علم من عثمان شدة حيائه خشي أن يرى عثمان ذلك فلا يطلب ولا يسأل حاجته، وربما ينصرف، فقابله بما يمكن أن يكون وسيلة أو طريقة لما يصل بها عثمان إلى حاجته.
إذاً: الأقوال أو المجالس أو الأحاديث تتفاوت، ولكل مقام مقال.
стр. 11
لا يجوز التقدم على سنة رسول الله ﷺ
فالآية الثانية أدب الأمة مع رسول الله كنبي صلوات الله وسلامه عليه في شخصيته وذاته بعدم رفع الصوت، وبعدم الجهر له بالقول، وإذا كان الأمر كذلك في حياته صلوات الله وسلامه عليه؛ فإننا نأتي إلى التطبيق العملي، من إجماع المسلمين من أن الآيتين يجب تطبيقهما بعد مماته كما طبقتا في حياته ﷺ .
فالآية الأولى: ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ﴾ [الحجرات:١] ، فلا يجوز التقدم عليه بشيء، والرسول ﷺ قد قال: (تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما) ، كذلك لا ينبغي لأحد أن يتقدم على سنة رسول الله التي هي مسطَّرة بأيدي العلماء، وموجودة في سجل السنة المشهورة عند الجميع، فلكأنه ﷺ حيٌ بين أظهرنا بوجود الكتاب والسنة.
وهنا أيضاً: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ [الحجرات:٢] ، نهى عمر رضي الله تعالى عنه عن رفع الصوت في مسجد رسول الله حتى لا يقع من يرفع صوته في نطاق الآية الكريمة، وسَمِع رجلين يتحدثان في المسجد النبوي بصوت مرتفع، فقال: عليّ بهذين، فأُتي بهما ترعد فرائصهما، فنظر إليهما فقال: أغريبان أنتما، قالا: بلى، من أهل الطائف.
قال: لو كنتما من أهل هذه البلدة لأوجعتكما ضرباً، أترفعان أصواتكما عند رسول الله؟ وهذا بعد موته ﷺ .
وكان التحديث سابقاً إذا كثر الطلاب وكان الصوت محدوداً أن يُوقف رجال على منتهى الصوت فيسمعون من المحدث ما يقول ويجهرون به ويسمعون من خلفهم، وهكذا ويتم نقل الحديث عن طريق المبلغين كما كان الحال في المبلِّغة المؤذن يرفع صوته بتكبيرات الإمام لكي يُسمع من في مؤخرة المسجد، فقيل لـ مالك: اتخذ مبلغين فإن الحلقة قد زادت، ومن في آخر الحلقة لا يسمع منك؟ فقال: أخشى أن أدخل في قوله سبحانه: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات:٢] ، مع أن ابن عبد البر بوب في كتابه جامع بيان العلم وفضله: جواز رفع الصوت بالعلم، وذكر قضية إسباغ الوضوء، ونداؤه ﷺ بأعلى صوته، وبعض الأدلة الأخرى.
الذي يهمنا أن هاتين الآيتين محكمتين إلى اليوم، ويجب تطبيقهما عملياً، سواء من جانب الرسالة أو من جانب النبوة.
ولهذا اتفق العلماء على أن من أراد أن يسلم على رسول الله ﷺ أن يأتي إلى الحجرة الشريفة ويستقبل الوجه الكريم، وأن يسلم بصوت ليس فيه ارتفاع وليس همساً بحيث يسمع نفسه، أو يسمع من بجواره، ولا يرفع صوته على صوت رسول الله، ويقول مالك ﵀: من ظن أن وفاة رسول الله تنقص منه قدر شعرة فقد كفر بما أنزل على محمد لأن الله سبحانه يخبر عن الشهداء بأنهم أحياء عند ربهم يرزقون، وما الشهداء جميعاً في مشارق الأرض ومغاربها إلا حسنة من حسنات رسول الله ﷺ .
وأخبر ﷺ أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء، وأن الأنبياء أحياء في قبورهم، ولكنهم في حياة برزخية لا يرتقي العقل إلى كيفيتها، ولا إلى إدراك كنهها، كما قال تعالى: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران:١٦٩] ، والذي عند ربنا ليس عندنا، ولا نستطيع أن نتصور أي شيء من ذلك.
وعليه فالآيتان محكمتان مطبقتان، ويجب الالتزام بهما إلى اليوم وإلى ما شاء الله، وبالله تعالى التوفيق.
стр. 12
حبوط الأعمال برفع الصوت عند النبي ﷺ
قال الله تعالى: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:٢] ، العمل لا يحبطه إلا الردة عياذاً بالله، فمن ارتد عن الإسلام حبط عمله، كما قال الله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥] ، وحاشاه أن يشرك، ولكن هذا خطاب للأمة في شخصيته.
فيقول العلماء: مجرد رفع الصوت عند رسول الله لا يحبط العمل، وقد كان ثابت بن قيس وهو خطيب رسول الله ثقيل السمع فكان يرفع صوته عند رسول الله، وله قصة وذلك أنه لما نزلت الآية دخل بيته وقال لزوجته: سمري علي الباب لقد كنت أرفع صوتي عند رسول الله، فقد حبط عملي وأنا من أهل النار، فافتقده رسول الله ﷺ بعد يومين، فسأل عنه، فقال جار له: أنا آتيك بخبره، فدخل عليه: يا ثابت أين أنت؟ قد افتقدك رسول الله، لماذا غبت عنه؟ قال: ألم تعلم ما أنزل الله في رفع الصوت عند رسول الله، وأنا رجل جهوري الصوت قد حبط عملي وأنا من أهل النار.
فعاد الرجل إلى النبي ﷺ وأخبره بالجواب، فقال رسول الله ﷺ : (بل هو من أهل الجنة) .
فلما أخبره قال: اكسر الباب، وخرج وأتى إلى النبي ﷺ واستشهد وكان من أهل الجنة.
فيقول العلماء: إحباط العمل بأن يرفع صوته وهو يرى أن لنفسه حقاً، أو يرى لنفسه ما يستوجب ذلك، ولربما خطر بباله شيءٌ في شخصية رسول الله بأن يرفع صوته عنده بلا مبالاة، فيكون عندها إحباط العمل.
(وأنتم لا تشعرون) : بذلك لأنه أمرٌ خفي ودقيق جداً، ولهذا يقول سبحانه: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾ [الحجرات:٢] ، بما عساه أن يخطر ببال الواحد منكم في حق رسول الله.
وقد سأل رجلٌ مالكاً ﵀ وقال: أريد أن أحرم من هذا المسجد -والرسول ﷺ أحرم من ذي الحليفة- فقال له مالك: لا تفعل.
قال: لماذا؟ قال: أخشى عليك الفتنة.
قال: وأي فتنة، إنما هي خطوات أزيدها على ميقات رسول الله.
قال: أخشى أن يخطر في بالك أنك زدت خطوات لم يخطها رسول الله في إحرامه، فتظن أن إحرامك خير من إحرام رسول الله فتفتن في دينك.
وهكذا دقة الملاحظة أيها الإخوة، وبالله تعالى التوفيق.
стр. 13
الأسئلة
стр. 14
الفرق بين الرسالة والنبوة
السؤال
ما الفرق بين الرسالة والنبوة في شخص النبي ﷺ ؟
الجواب
هذه قضية طويلة يبحثها علماء المصطلح، فكثير من العلماء يقول: إن النبوة والرسالة سواء، ولكن من حيث الاشتقاق اللغوي: النبوة أو النبوأة بالهمز، فالنبوة من النبْوة، والمكان النابي هو المرتفع، والنبوأت من النبأ، والنبأ: الخبر المهم، ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ:١-٢] ، وكلا المعنيين يصدق على النبي المرسل، والنبيء: الذي يأتي بالنبأ عن غيره إلى غيره، وهو عين الرسول.
فبعض العلماء قالوا: النبي والرسول سواء.
ولكن جرى على ألسنة العلماء أنه ﷺ نُبِّئ باقرأ، وأُرسل بالمدثر، ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق:١] ، و ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر:١] ، فقالوا في الاصطلاح: النبي من قام بدعوة من كان قبله يطبقها.
أي: أنه لم يوح إليه بشيء مستقل، كحواريي عيسى مثلاً، أو عيسى بما جاء في التوراة عن موسى ﵇، والرسول من جاء برسالة مستقلة.
وعلى كل فالمسألة اصطلاحية والخلاف موجود، ولكن التحقيق: أن هناك فرقاً، وفي تتمة أضواء البيان عند سورة (اقرأ) بدا لي -والله تعالى أعلم وأبرأ إلى الله- بأنه أرسل باقرأ، لأنه يقرأ لمن، وعلى من؟ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ * كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى﴾ [العلق:١-٦] .
وهذه لا تختص به ﷺ ، إنما أقرئها ليقرأها على غيره، ولو كانت خاصة به في شخصه لما كانت في كتاب الله، ولا أدرجت في المصحف مع القرآن الكريم، ففي نظري والله تعالى أعلم أنه أرسل من أول يوم بدأه الوحي بسورة اقرأ.
ولكن لا نستطيع أن نقول ذلك؛ لأن العلماء الأجلاء الذين سبقونا ولهم الفضل في ذلك، وأعلم بهذا، إنما فرقوا بين النبوة والرسالة وجعلوا النبوة باقرأ والرسالة بالمدثر، والله تعالى أعلم.
ويقولون في الاصطلاح: كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولاً.
стр. 15
سبب نزول قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم ... )
السؤال
ما الراجح في سبب نزول هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ [الحجرات:٢] الآية؟
الجواب
التطلع إلى سبب النزول كما يقول الإمام ابن تيمية ﵀ في رسالة أصول التفسير: يعين على فهم الآية؛ لأن سبب النزول عند الأصوليين قطعي الدخول.
قالوا: جاء وفد وفيهم الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر: (يا رسول الله! أمر فلاناً علينا، فقال عمر: لا يا رسول الله! أمر فلاناً) فتلاحى الشيخان ورفعا صوتيهما بين يدي رسول الله، حتى قال القائلون: كاد أن يهلك الشيخان.
وإذا كان سبب النزول في أبي بكر وعمر فهي عامة في جميع المسلمين، والله تعالى أعلم.
стр. 16
تفسير سورة الحجرات [١ - ب]
стр. 17
جزاء امتثال الأمر بغض الصوت
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد: فقد تقدم الكلام على الآيتين الكريمتين في أول السورة الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات:١] ، والتي تليها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات:٢] ، إلى آخر الآية.
وهنا يأتي قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الحجرات:٣] .
في الآية التي قبلها (لا تَرْفَعُوا) ، وهذه الآية بيان لمفهوم المخالفة؛ لأن من لم يرفع صوته يغضه، وهذا في النسق القرآني الكريم يدل على الترابط بين الآي والآي.
ويقول علماء الأصول: إن النهي عن الشيء أمر بضده، والأمر بالشيء نهي عن ضده، ويمثلون: إذا قلت لإنسان: اسكن، فقد أمرته بالسكون ويتضمن النهي عن الحركة، وإذا قلت له: صم، فإنك أمرته بالصوم ونهيته عن الأكل والشرب ومبطلات الصوم.
ففي الآية الأولى (لا تَرْفَعُوا) ، وعكس رفع الصوت غضه.
فالآية الكريمة الثالثة جاءت بنص مفهوم الآية التي قبلها، وبيّن سبحانه مكانة من تأدب بأدب القرآن ونتيجة هذا الامتثال، إذا قيل لهم: (لا ترفعوا أصواتكم) ؛ فحالاً يمتثلون ويغضون الأصوات، وبيّن نتيجة هذا الامتثال السريع فقال: (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ) .
ومجيء (إن) هنا راجعة لتبعيض الصوت، أو راجعة لتبعيض الغض منه، فقد يضطر الإنسان في حالة شديدة ويرفع صوته ليبلغ مسامع رسول الله ﷺ ، وفي هذه الحالة لا يعاب عليه؛ لأنه لا يمكن أن يصل إلى ما يريد إلا بهذا النوع من رفع الصوت، فلا يكون في ذلك ارتكاب للمنهي عنه، أما في الأمور العادية فلا يرفع صوته بل يغض منه.
والغض من الشيء: التنقيص منه، كما في غض البصر، فهو كف البصر عن النظر إلى منتهاه، وإنما يغض بصره ويكفه عما لا يحل له.
стр. 18
حالات جواز رفع الصوت عند رسول الله ﷺ
وفي هذه الآية يبيِّن جزاء الذين امتثلوا بالأمر السابق (لا تَرْفَعُوا) ، أو بالنهي المتقدم وغضوا أصواتهم (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ) .
إذاً: الظرف هنا معين، بغير ما لو لم يكن عندهم رسول الله، وقد يضطره الرسول بنفسه، وقد يضطره غيره بحضرته ﷺ لمصلحة عامة، كما جاء في غزوة حنين لما فوجئ المسلمون بنبل الأعداء فانصرفوا وولوا الأدبار فوقف ﷺ في أرض المعركة وأعلن ونادى: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب) .
وهذا في عرف العسكريين في غير شخصية رسول الله مخاطرة، ولكن هذا من الأدلة على ما كان ﷺ يتمتع به من الشجاعة والقوة، وكان الصحابة رضوان الله عليهم يقولون: نُرَى أنه أعطي قوة أربعين رجلاً منا.
والعادة العسكرية أنه حينما ينكشف الجند في المعركة فالقائد يخفي نفسه؛ لأنه المسئول عن سير المعركة، فإذا قُتل القائد ذهبت قوة الجيش واضطربت أموره، فالقائد يكون دائماً في مؤخرة الجيش أو في مكان آمن، ويخفي نفسه، وقد قيل: إن هتلر كان يدير المعارك في منطقة في الجو.
الذي يهمنا في هذه الحالة: أنه ﷺ بعد قرار أصحابه وانكشافهم عنه، وقف وأعلن عن نفسه: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب) ، ثم قال للعباس: (نادي أصحاب السمرة) .
والسمرة: الشجرة التي كانت تحتها بيعة الرضوان، أي: الذين بايعوا رسول الله على الموت في سبيل الله، وقيل: على أن لا يفروا، وقد ﵃، ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:١٨] ، فنادى العباس بأعلى صوته، فنادى وجهر بالصوت بين يدي رسول الله ﷺ للمصلحة.
ويقولون: إن العباس رضي الله تعالى عنه كان إذا صاح في البرية ربما فزعت الوحوش من صوته، وإذا وقف في المدينة كانت له أرض بالغابة، وإذا أراد من عماله شيئاً جاء إلى سلع ونادى إلى عماله فبلغ صوته عماله في الغابة.
إذاً: قد يتطلب رفع الصوت في حضرة رسول الله ﷺ للمصلحة.
стр. 19
امتحان الله للمؤمنين بأوامره لهم
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ [الحجرات:٣] .
الامتحان في اللغة: التخليص، ومنه: عرض الذهب على النار؛ لأن الذهب من حيث هو: ذهب معدن نفيس لا تحرقه النار، ولا تنقص من معدنه شيئاً، وإذا ما وضع على النار وأذيب ليست له فقاقيع كالزيت أو كالرصاص أو غيره، إنما يتموج متماسكاً كالزئبق.
والذهب من حيث هو: معدن نفيس لا يصلح للصياغة خالصاً، ولابد أن يضاف إليه معدن فيه صلابة، وهو النحاس، فيضاف مثلاً إلى الثمن ثلاثة قراريط من الأربعة والعشرين؛ حتى يمكن أن يصاغ فيصير صلباً صالحاً للاستعمال.
ونحن نسمع: عيار (٢١) ، وعيار (١٨) ، وعيار (٢٠) ، فكيف يتوصلون لذلك؟ في دُور الدمغ أو الضرب والصك يأخذون من السبيكة التي وزنها -مثلاً- كيلو جرام، عشرة جرامات أو جرامين فيعرضونها لنار مرتفعة إلى درجة مائتين فهر نهايت، فتذيب الذهب وتحرق ما معه من معدن آخر ويتبخر ويتلاشى، ويبقى المعدن الصافي من الذهب، فيعيدون وزن الباقي، ويقارنون بينه وبين وزنه قبل الاحتراق -كم نقص وتبخر؟ - فيعرفون الجزء المضاف إلى الذهب، ويعرفون كم عيار هذا الموجود، فيكتبون عيار كذا، بنسبة ما فيه من معدن أجنبي عنه، ويقولون لك: عيار كذا، أو كذا.
بقدر ما فيه من ذهب خالص.
﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ﴾ بمعنى خلّص، كما أن امتحان الذهب بالنار يخلصه من شوائب أي معدن آخر.
إذاً: قلوبهم أصبحت أوعية للتقوى، وليس في قلوبهم شيءٌ آخر قط غيرها، فطهرت ونقت، وتعطرت واستقبلت التقوى في تربة خصبة خالصة لا تشوبها شوائب أخرى.
بمثل هذا تكون التقوى في قلوبهم ذات فعالية قوية، بخلاف ما إذا كانوا خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، فهذا أمر متموج، وبخلاف ما إذا كان خالصاً صافياً إلى آخر أمره، فهؤلاء بمقتضى صفاء قلوبهم، وما خلصت فيه من التقوى، يكون العكس في ذلك هو غض الصوت عند رسول الله؛ لأن رفع الصوت عند إنسان ليس دلالة على احترامه وتوقيره، وغض الصوت عند إنسان دلالة على توقيره واحترامه، ولو لم يكن له سلطان عليه، ولكن إكراماً وإجلالاً له، كما قيل: أهابكِ إجلالاً وما بك قدرة علي ولكن ملء عين حبيبها فيهاب ويوقر لا لمخافة ولا لذلة، ولكن توقيراً ومحبة لمن يهابه ويوقره بغض الصوت عنده، وهذا هو غاية إكرامهم وتأدبهم ومحبتهم لرسول الله ﷺ .
стр. 20
مغفرة الله لذنوب المؤمنين
قال الله: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ، إذا كان عظيم يستعظم شيئاً: أيكون هذا الشيء بنفسه عظيماً أم حقيراً؟ العظيم لا يستعظم الحقير.
لو أن الحقير استعظم شيئاً نقول: صحيح؛ لأنه أعظم منه؛ لأنه حقير، لكن عظيم يستعظم شيئاً معناه: أن ذلك الشيء هو في ذاته عظيم، فإذا كان المولى يقول: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ، لا يقدر قدر هذا الأجر الذي استعظمه الله إلا الله، ويكفي في وصف الجنة قول النبي ﷺ : (فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) .
والمغفرة: الستر، ومنه المِغفر الذي يغطي به الفارس رأسه عند القتال، فالمغفرة وغفران الذنوب هو تغطيتها وسترها، والعفو إزالتها ومحوها نهائياً.
فهؤلاء الصنف من الناس الذين تأدبوا بأدب القرآن، وأصبحوا يغضون أصواتهم عند رسول الله لهم هذا الأجر العظيم.
وتعقيباً على ما تقدم عند السلام على رسول الله ﷺ يجب على الإنسان أن يغض من صوته ولا يرفعه، وسيأتي بيان خلاف ذلك، وماذا قال الله تعالى فيمن يفعل ذلك.
стр. 21
أدب نداء رسول الله ﷺ
قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات:٤] .
стр. 22
ترابط الآيات للدلالة على الآداب
لاحظوا هذا النسق القرآني الكريم: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ ، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ﴾ ، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ ، هل الذي ينادي إنساناً من وراء بيته: أغض من صوته أم جهر بالقول؟ بل جهر بالقول.
وارتكب عدة أخطاء أدبية.
وهذه الآية الكريمة اشتملت على أنواع من الآداتب التي ينبغي أن نتأدب بها في حق النبي ﷺ .
إذاً: الآية الأولى: أدب للأمة في حق الرسالة، أن يتبعوا ولا يبتدعوا.
والآية الثانية: توقير للرسول ﷺ في شخصيته بالنبوة.
والآية الثالثة: بيان لمفهوم المخالفة للأمر الذي تقدمها.
وتأتي هذه الآية وتبين من لم يغض من صوته بعدما نهي عنه ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ ويلزم غض الصوت، وتأتي الآية الرابعة لبيان ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ ، الحجرات: جمع حجرة، والحجرة: السكن.
إذاً: أدب الأمة في حق النبي ﷺ وهو في بيته كرب أسرة، وبيان أن للبيوت حرماتها، وخاصة حجرات رسول الله ﷺ ، إذ ليس من مكارم الأخلاق ومحاسن العادات والآداب أن يأتي الإنسان من تحت النافذة ويقول: يا فلان، ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة:١٨٩] ، وتستأذن بلطف، وتتجافى عن الباب، ولا تأت مقابل الباب فتفاجئ من يأتيك، بل تستأذن وبلطف.
﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [النور:٢٨] ، قد يكون صاحب البيت معذوراً، قد يكون في حالة لا يريد أن تراه عليها، وقد يكون مشغولاً بما هو أهم.
إذاً: صاحب البيت أدرى بحالته، إن أذن لك دخلت، وإن لم يأذن لك انصرفت ولا تغضب، فهو أزكى لك وأطهر وأنقى.
стр. 23
معذرة الإخوان لبعضهم فيما بينهم
جاء العباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه إلى النبي ﷺ في يوم ومعه عبد الله بن عباس وما زال فوجد الباب مفتوحاً، فاستأذن العباس على رسول الله ثلاث مرات فلم يأذن له، -ويقولون كان في بني هاشم حدة- فعاد مغضباً، فأدرك الغلام أن أباه غضب؛ لأن الرسول ﷺ لم يأذن له بالدخول، فقال: يا أبت! لا تغضب لعله مشغول مع الرجل الذي هو جالس عنده، قال: أوعنده رجل؟ قال: بلى.
قال: ما رأيته، قال: بلى رأيت رجلاً عنده يحادثه، فجاء راجعاً، ولما جاء راجعاً استأذن فأذن له، فقال العباس: يا ابن أخي جئت فاستأذنت عليك ثلاث مرات فلم تأذن لي، وقال لي الغلام: لعلك مشغول بالرجل الذي كان عندك، وأنا لم أر أحداً، وجئتك الآن فأذنت لي لأول مرة، فالتفت النبي ﷺ إلى الغلام وقال: (رأيته؟ قال: نعم.
قال: ذاك جبريل) فهو لم ينتبه له حتى يأذن له أو لا.
وأيضاً: قد يمر الإنسان على أخيه وهو مشغول البال أو تأتي مناسبة فيناديه أو يكلمه فلا ينتبه له، ففي هذه الحالة عليه أن لا يأخذ في خاطره ومما يروى في ذلك أن عمر رضي الله تعالى عنه خرج يوماً فمر على عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنهم أجمعين، فوجده جالساً في طريقه وهو ذاهب إلى بيت أبي بكر فسلّم عليه فلم يرد ﵇، فلما دخل على أبي بكر قال: أشكو إليك أخاك عثمان، مررت عليه جالساً في مكان كذا، وسلمت عليه فلم يرد علي سلام.
وهذا من حق الأخوة أن لا يبقيها في صدره حتى تسوء الصلة بين الإخوان، بل حالاً استفسر عنها، ولا تتركها، ليكون القلب على أساسه ﴿امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ [الحجرات:٣] ، فما انتهى عمر من كلامه إلا وعثمان يستأذن على أبي بكر ﵃.
فقال له أبو بكر: ما لك يا أخي عثمان على أخيك عمر يسلم عليك فلم ترد ﵇؟ قال: ومتى هذا؟ وأين؟ فقال عمر: وأنت جالس في مكان كذا.
قال: والله ما سمعتك ولا شعرت بك.
وهنا انتبه عمر ﵁ وظهرت حقيقة الأخوة، فقال: فيما كنت مشغولاً إذاً؟ وهذا يهم عمر، لأن أخاه مشغول البال، فلعله يساعده فيما شغل به، ويخفف عنه، فقال: فيم كنت مشغولاً إذاً؟ قال: جلست أتفكر ثم عرض لي ميراث الجد والإخوة، فكنت أفكر وأقول: يا ليتنا كنا سألنا رسول الله ﷺ في حكمه فقال: والله ما أخرجني من بيتي إلا هذا.
إذاً: الإنسان قد يأذن لمن يستأذن عليه، وقد لا يأذن له أو لا يسمعه، والإنسان قد يحدث أخاه أو يسلم عليه وهو لم يشعر به سواء لثقل في السمع، أو لقلة في الصوت، أو لانشغال البال، فإذا حدث ذلك فلا ينبغي أن يحمل على أخيه.
وبهذه المناسبة أيضاً: جاء عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: (إذا بلغتك مقالة عن صديق لك أو أخ لك مسلم، وفيها خمسون احتمالاً على معنى سيء واحتمال واحد لمعنى حسن فاحملها على المعنى الواحد الحسن ولا تظن بأخيك شراً) .
وكنت أسمع والدنا الشيخ الأمين رحمة الله علينا وعليه يقول: (الشائع عندنا في بلادنا من باع أخاه بخمسين زلة باعه بيعة وكس) ، يعني: بيعة رخيصة.
إذاً: يجب على الإنسان أن يغتفر لأخيه إساءته، وأن يصرف ما وصله من أخيه على أحسن احتمال.
стр. 24
ثبوت إمكانية رؤية البشر للملائكة
لما استأذن العباس ﵁ ولم يأذن له رسول الله ﷺ أخذ في نفسه فأخبره الغلام بأنه شاهد عنده رجلاً وهذا من الشواهد على أن الملائكة عالم موجود، وإن كانوا عالماً نورانياً خفياً عن أبصارنا فإن رؤية واحد من البشر لواحد من الملائكة، ممكنة، كما يقال: الواحد بالجنس كالواحد بالكل، فإذا وُجِد واحد من الملائكة رآه واحد من البشر، فيمكن لجميع البشر أن يروا جميع الملائكة؛ لأن ما جاز على الفرد جاز على المجموع.
وهذا من الشواهد، وكذلك ما جاء في حديث عمر: (بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر لا يُرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد) وهذا يبين دقة عمر في الاستدراك.
إذا كان بهذه النظافة والأناقة، ولم يكن مسافراً ولم نعرفه، فليس من أهل المدينة فنعرفه، وليس قادماً من سفر فيكون أشعث أغبر.
إذاً: من أين أتى؟ هل طلع من تحت الأرض أو نزل من السماء؟! يقول عمر فجلس إلى النبي ﷺ .
كما في حديث جبريل الطويل، فلما ولى قال: (إنه جبريل) .
إذاً: رآه كل من كان في المسجد، ثم قال: (أتاكم يعلمكم دينكم) .
стр. 25
سبب نزول قوله تعالى: (إن الذين ينادونك من وراء الحجرات)
يقول الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ [الحجرات:٤] نداء الإنسان في بيته من وراء الحجرات يتنافى مع الآداب العامة.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [الحجرات:٥] ، ومع ذلك مادام أكثرهم لا يعقلون ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات:٥] .
ويذكرون في سبب نزول هذه الآية الكريمة: أنه وفد من تميم -وكان المسلمون قد أخذوا لهم أسارى- جاءوا يفادونهم، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا﴾ ، بأن الرسول ﷺ فادى البعض وأطلق البعض عفواً، لو صبروا لكان قد أطلق الجميع.
وقد كان مجيئهم في وقت القيلولة، ووقت القيلولة حق لكل إنسان أن يستريح ويقيل فيه، وكان الواجب أن ينتظروا حتى يخرج لصلاة العصر ويكلمونه، لكنهم ما صبروا، فنادوه في وقت الراحة يريدونه أن يخرج إليهم في وقت قيلولته.
فأزعجوه وأقلقوه وواجهوه بكلمات ما كان يريدها، ولما نادوه ما أجابهم أولاً، فقالوا: يا محمد! اخرج إلينا، جئنا نفاخرك، والمفاخرة والمنافرة معروفة عند العرب: المفاخرة: أن يأتي وفد إلى وفد ويذكر كل وفد مفاخر قومه فينا فلان الكريم فينا فلان الشجاع فعلنا من المكرمات كذا وكذا، ويكون هناك حكم من أهل العقل والروية يعرف طباع العرب فيحكم لمن يكون الفخار في هذه المفاخرة.
وكذلك المنافرة: تكون فيما بينهم من عداء وانتصارات ووقائع، فكانت هذه طريقة عند العرب وهي طريقة جاهلية وقد يتفاخرون بأمور جاهلية لا أصل لها.
فقال ﷺ : (ما بالفخار بعثت) أي: أنتم جئتم لشيء أنا ليس لي به شأن، أنا لم أبعث بالفخار، إنما بعثت بالإسلام والإيمان والتواضع.
إلى آخره.
فقال أحدهم: (اخرج إلينا فإن مدحي زين وذمي شين) ، يعني: إن جئتنا مدحناك، وإن لم تخرج هجوناك أو ذممناك.
(وذمنا شين) : أي: يطير عند العرب ويلصق بك (ومدحنا زين) : يطير عند العرب ويكون فخراً لك.
هذا على مقاييس الجاهلية، فهم ما ارتفعوا إلى مستوى النبوة، ولا إلى ما هو عليه ﷺ ، ونسوا أنفسهم أنهم بشر كغيرهم، فأجابه ﷺ بقوله: (ذاك الله .
أي: أن الله إذا مدح إنساناً فذاك المدح هو الزين، وأن الله إذا ذم إنساناً فذاك الذم هو الشين، لا ينقطع عنه.
فمثلاً: مدح الله أهل بيعة الشجرة فقال: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨] امتدح الله أولئك فكان هذا المدح شرفاً لهم إلى يوم القيامة، وذم أبا لهب وزوجه فقال: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١] من يستطيع أن يمحو هذا أو يرفعه عنهما؟ لصقت فيه وفي زوجه إلى يوم القيامة.
إذاً: فالرسول ﷺ لما قال له مناديهم أو أميرهم: (إن مدحي زين وذمي شين) ، قال له: (ذاك الله ، لأن من مدح الله كان ممدوحاً وثبت له المدح إلى يوم القيامة، ومن ذمه الله لصق به هذا الذم إلى يوم القيامة، وهذا تصحيح للمفاهيم.
وأخيراً: خرج إليهم ﷺ ، فقال الأقرع بن حابس أو أميرهم: أتأذن لشاعرنا أن يتكلم -وكل كتب التفسير تذكرها خاصة أبو حيان وابن كثير - فقام شاعرهم وفاخر بقومه في الحروب والغنائم فدعا رسول الله حسان وقال: (يا حسان أجبه) ، فقام وأجابه على نفس الروي، وافتخر بوجود رسول الله وباتباعه وبنزول القرآن عليهم وبهدايتهم إلى الإسلام، ثم قال: ائذن لخطيبنا، فقام خطيبهم وخطب، وطلب من ثابت بن قيس الذي جاء ذكره سابقاً وهو ثقيل السمع، وكان خطيب رسول الله، فقام فخطب، ثم قال أمير الوفد: والله إن هذا الرجل لمؤتى -يعني: رسول الله ﷺ شاعره إن من شاعرنا، وإن خطيبه لأفصح من خطيبنا وأسلموا، ثم فادوا نصف القوم، وأطلق ﷺ لهم النصف الآخر.
стр. 26
دفاع الله عن رسوله ﷺ
قال الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ [الحجرات:٤] ، لما كانوا ليسوا كلهم سواء بل (أَكْثَرُهُمْ) .
إذاً: البعض منهم عنده عقل ﴿أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ ، فمن لم يعقل فهو في حكم الجاهل، ولما كانوا على حكم الجهالة كان الحكم في الأخير ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ، لجهالتهم.
هذه الآية تعتبر دفاعاً عن رسول الله ﷺ في من جاءوا وانتهكوا حرمة بيته وهو موجود فيه كرب أسرة.
وكما تقدم أنه قد يكون للشخص الواحد عدة جوانب، وكل جانب له لوازمه، فتأتي مثلاً إلى أمير دائرة، وهو رئيس الدائرة في دائرته له الرئاسة والأمر والنهي، إذا خرج إلى السوق ليتقضى بعض الشيء فهل أوامره التي يصدرها في الدائرة يملك أن يصدرها في السوق؟ لا.
فهو في السوق مثله مثل غيره.
إذا عاد إلى البيت، فهل منزلة الرئاسة وسلطانها تُفرض على البيت؟ الطفل الصغير يرد عليه ويعصي أوامره.
إذاً: جانب هذا الإنسان في رئاسته له حدود، وله صفات، وجانبه في السوق له مواصفات وحالات، وجانبه في البيت له صفات وحدود، فكذلك الرسول ﷺ .
في جانب الرسالة له حقوق الرسالة والاتباع، وفي جانب شخصه وتكريمه ونبوته له التوقير والتعظيم، وفي جانب كونه رب أسرة وفي بيته له جانب احترام حرمة بيته، وهكذا له عدة جوانب، وسيأتي الجانب الأخير بعد هذه الآية الكريمة.
من هنا أيضاً أيها الإخوة نرجع ونقول: كما أن الآيتين المتقدمتين معمول بهما إلى اليوم وإلى قيام الساعة في أنه لا يحق للمسلمين أن يتقدموا بين يدي الله ورسوله، ولا بين يدي سنة رسوله الموجودة الآن عوضاً عنه، وكذلك لا ينبغي لهم أن يرفعوا أصواتهم عنده حين السلام عليه، فكذلك هنا لا ينبغي لهم أن يأتوا من البعد وينادوا من وراء الحجرات للسلام على رسول الله ﷺ .
(وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا) عن هذا النداء (لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ) في احترامهم لرسول الله، وفي توقيرهم لحرمة بيت رسول الله، وفي الأمر الذي جاءوا من أجله وهو مفاداة الأسارى.
стр. 27
عتاب الله لداود ﵇ لتركه حوائج الناس
دائماً نقارن بين هذا الموقف: دفاع المولى عن رسوله ﷺ فيمن أخطأ عليه، وبين قضية نبي الله داود، حينما كان يعتكف في محرابه وجاء إليه الخصمان وتسورا عليه، بأنه كان الفرق في ذلك في توجيه الله لنبي الله داود في موقفه في محرابه، وثمة فرق بعيد بين أن يدافع الله عن رسوله ممن جهل حرمة بيته، ومن يرسل إليه الملائكة يتسورون عليه المحراب، وذلك كما في سورة ص: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:١٧] ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص:٢٢] إلى آخر الأبيات.
فنبي الله داود قد آتاه الله الحكمة وفصل الخطاب، وجعله خليفة في الأرض ليحكم بين الناس، فهذه مهمته وهذا منصبه وهذه مؤهلاته، لكنه قسم زمنه إلى أثلاث: يوم لأهل بيته وشأنه الخاص، ويوم يجلس فيه للحكم بين الناس، ويوم يخلو ويعتكف لله في محرابه، ولكن هل الرسل بعثوا ليعتكفوا في المحاريب؟ وهل القضاة يتركون القضاء بين الناس ويعتكفون؟ لا.
فأداء الواجب مقدم على ذلك، فلما حصل من داود ﵇ ما حصل وكان الخلطاء في حالة لا ترضى، بعث الله له ملكين تسورا عليه المحراب ففزع منهم، قالوا: نحن خصمان بغى بعضنا على بعض، وذكرا له القضية، وهي قضية محلولة لا تحتاج إلى قضاء، رجل عنده تسعة وتسعين نعجة والثاني عنده واحدة، فقال صاحب: التسعة والتسعين: أعطنيها أكمل المائة، وهذا ظلم لو عرضته على طفل صغير لقال: لا.
هذا ظالم، ولا حاجة إلى قاضٍ صاحب اجتهاد قد أوتي الحكمة.
هل سمعتم بأن اثنين بغى بعضهما على بعض، وقالوا: يا أيها القاضي احكم بيننا، حتى في أيامنا المدعى عليه ظالم ويعرف ذلك ولكنه يحتاج إلى مراسلة عشرين مرة، ويحتاج إلى إرسال الجنود حتى يأتوا به، متغيب ويعرف نفسه أنه ظالم، ونحن كلنا متفقون على هذا.
إذاً القضية منتهية.
لكن ليرشد نبي الله داود بأن مهمته ليست الاعتكاف ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [ص:٢٤] ، سبحان الله، ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ [ص:٢٤] ، أي: بترك الخلطاء يبغي بعضهم على بعض وهو معتكف في محرابه، وما دمت تعترف بأن الخلطاء يبغي بعضهم على بعض فلماذا تتركهم ومهمتك الأساسية الخلافة في الأرض، وقد آتيناك الحكمة وفصل الخطاب؟ لماذا تعطل هذا وتأتي إلى محرابك تعتكف؟ هذه هي حقيقة الفتنة المذكورة في سورة ص، ولن يكون للمرأة دخل في هذه القضية البتة؛ لأن الله قدم لهذه القصة، فقال: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا) وإضافته بصفة العبودية أعظم في التكريم ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ﴾ [ص:١٧] ، صاحب القوة المعنوية، والقوة المادية، ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:١٧] ، شديد الأوب والرجوع إلى الله.
﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:١٨-١٩] سبحان الله! إنسان أعطي القوة، ويسخر الله الجبال معه بالتسبيح، ويجمع الله الطير عليه حينما يسبح فتسبح معه، وهو شديد الأوب إلى الله ويفتن بامرأة؟! والله ولا حتى المجنون يصدق هذا.
إذاً سياق القصة يدل على نزاهة نبي الله داود، وأن حقيقة الفتنة هو ما ذكر، ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص:٢٤] .
إذاً: ما دام تعلم ذلك، وهذه هي الفتنة، وهل تكون الفتنة في العبادة؟ نعم.
معاذ رضي الله تعالى عنه كان يسهر مع النبي ﷺ ، وكان يصلي وراءه العشاء في المسجد النبوي، وبعد أن يصلي مع رسول الله يذهب إلى أهل قباء فيصلي بهم العشاء، وفي ليلة من الليالي بدأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة:٢] ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] ، ﴿الم﴾ [البقرة:١] ، إلى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا﴾ [البقرة:٢٨٥] ، جاء رجل من مزرعته متعب في عمل نهاره ودخل معه في صلاة العشاء، لما وجده بدأ بسورة البقرة واسترسل فيها، قال: والله لن يرده شيء حتى يختمها، وانفصل عنه وأتم صلاته وذهب إلى بيته، فلما أصبح أُخبر معاذ بذلك، قال: إنه رجل منافق، وكلمة منافق ليست هينة على المسلمين وخاصة في الصدر الأول، فذهب الرجل إلى النبي ﷺ واشتكاه، وقص له القصة، فدعاه رسول الله: (ما هذا يا معاذ؟ أتريد أن تكون فتاناً) ، فسمى رسول الله الإطالة في القراءة والقيام على الناس الضعفاء فتنة، ثم قال (من أم بالناس فليخفف، فإن فيهم الضعيف وذو الحاجة، أين أنت من سبح اسم ربك الأعلى، والضحى، والليل إذا يغشى) .
أين أنت من قصار السور ولا تشق على الناس في طول القيام فتفتنهم.
إذاً: قد تكون الفتنة في العبادات، وهذا نبي الله داود ﵇ في محرابه لما ترك المهمة التي من أجلها استخلف، ومن أجلها أوتي مقوماتها، وهي الحكمة وفصل الخطاب، وترك الخلطاء -وهم الرعاة- يبغي بعضهم على بعض، عندها ترك مهمته الأساسية؛ فكان الفساد يعم خارج المحراب وهو ساكت عنه وهذا لا ينبغي، ولهذا كنا دائماً ننبه فيما يتعلق بآيات الصيام، عند قوله: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧] : إن كل من تتصل به مصلحة الجماهير لا يحق له أن يعتكف ويعطل مصالح المسلمين إلا إذا كان هناك من ينوب عنه، حتى قلنا: يدخل فيهم السقايين والفرانيين وعمال النظافة؛ لتعلق مصالح المسلمين بهم.
стр. 28
مكوث النبي ﷺ لحاجة الناس
عاتب الله الذين نادوا رسول الله ﷺ من وراء الحجرات، وهناك عاتب الله داود ﵇ الذي كان معتكفاً وراء الأسوار، وفرق بين هذا وبين ذاك؛ لأن النبي ﷺ مكوثه بين الناس واعتكافه في المسجد وأبوابه مفتحة، وما امتنع في لحظة من الحظات عن الناس بخلاف صلاة الليل أو موضع النوم فهذا أمر يشترك فيه الجميع، وإلا فقد كان من صلاة الفجر إلى صلاة العشاء وهو في مصالح الناس، كما جاء عن جميلة بنت فلان أنه ﷺ خرج لصلاة الفجر فإذا سواد عند البيت، فقال: (من هذه؟ قالت: جميلة بنت فلان، قال: ما شأنكِ؟ قالت: زوجي فلان لا أنا ولا هو، فاستمهلها حتى صلى واستدعى زوجها وقال: أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم أردها وزيادة، قال: أما الزيادة فلا، فقال له: اقبل الحديقة وطلقها تطليقة) .
فهذا رسول الله في مصالح المسلمين من طلوع الفجر.
وأبعد من هذا: رجل جاء إلى النبي ﷺ وهو مع أصحابه وقال: (يا رسول الله! لي بعير قد ندّ عليَّ، عنده جمل هاج عليه، فما دخل الرسول في هذا؟ ولكن ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] فقال: قوموا بنا إلى بعيره، فلما أقبلوا على البستان والبعير، قال أبو بكر: على رسلك يا رسول الله الجمل هايج، قال له: (بل على رسلك أنت يا أبا بكر) ، وتقدم ودخل البستان على الجمل الهايج، فلما رأى الجمل أن رسول الله قد دخل البستان أقبل عليه ووضع عنقه على كتفه، وصبر وأصغى إليه رسول الله.
سليمان يقول: ﴿عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ﴾ [النمل:١٦] ، وهذا يستمع لمن؟ للجمل، ولذا يقول السيوطي ﵀: ما أوتي نبي معجزة إلا وأوتي نبينا نظيرها.
ثم رفع البعير رأسه والتفت النبي ﷺ إلى صاحبه وقال: (يا صاحب البعير! بعيرك يشتكي -يعني: حصلت بينكما خصومة- قلة العلف وكثرة الكُلف) ، هذه العبارة كما يقولون: تعطي قانون توازن الحياة بكاملها عند الإنسان والحيوان وكل الكائنات.
قانون المبادلة بين البعير وصاحبه؛ يعطيه العلف فيعطيه العمل، فإذا قلل في العلف قلت قوة البعير بقدر ما أعطاه، وإذا زاد في العلف زادت قوة البعير، وزاد في عمله الذي يعطيه، فبقدر البدل يكون المبدل، وأنت تذهب للسوق وتدفع وتأخذ، تدفع عشرة ريال تأخذ كذا، تدفع ألف ريال تأخذ أكثر، تدفع مليون ريال تأخذ عمارة، وقانون المبادلة هو الذي يسير العالم بين الإنسان والإنسان في المعاوضات، وبين الإنسان والحيوان في التكليف، حتى قالوا: هناك قانون للمعاوضة والمبادلة قائم بين الحيوانات نفسها.
وذكروا أن التمساح حينما يأكل فريسته في الماء؛ فإنه لا يستطيع أن ينظف أسنانه كما تفعل الهرة وبقية الحيوانات، فالهرة إذا أكلت بلسانها نظفت نفسها كأحسن ما يستاك المسلم، لكن التمساح لا يستطيع؛ لأن طواحينه فيها شوك في الأركان الأربعة مثل الإبر، فلا يستطيع أن يمرر لسانه عليها وينظفها، فيخرج إلى البر ثم يأتي طائر خاص من أنواع الطيور ويقع في وسط فم التمساح، ويأخذ يلتقط تلك الفضلات الموجودة على طواحينه، فمن جهة يشبع الطائر، ومن جهة يتنظف فم التمساح.
وقد سألت طبيباً بيطرياً عن السبب في أن هذا الطائر بالذات هو من يفعل هذه المهمة؟ فوصفه لي بأن حجمه بقدر الحمامة الصغيرة.
قال: هذه قدرة الله، وهذا ما اختص الله به هذا الطائر؛ لأن الله جعل لهذا الطائر شوكة فوق رأسه، فلا يستطيع التمساح أن يطبق فمه عليه، فهو يخاف من تلك الشوكة.
سبحان الله العظيم! إذاً: قانون المعاوضة هو الذي يحكم تصرفات العالم من إنسان وحيوان وحيوان.
حتى الأرض والتربة؛ إذا أعطيت التربة سماداً وماءً وخدمة أعطتك إنتاجاً أحسن، وإذا أهملتها ما أعطتك أي شيء، وهكذا.
وعوداً على ذي بدئ فإن النبي ﷺ ما كان يحتجب عن الأمة، وما كان يمنع أحداً من الوصول إليه، وكما قالت المرأة التي مر عليها في المقبرة ووجدها تبكي عند قبر لها فقال: (يا أمة الله اتقي الله واصبري، فلم ترفع رأسها، وقالت: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي فأتاها إنسان، وقال: أتدرين من كان يكلمك؟ قالت: لا، قال لها: هذا رسول الله) ، فأسفت المرأة على هذه المواجهة وتبعته، فكان قد وصل البيت فأتته وقالت: والله ما وجدت على بابه حارساً ولا باباً مقفلاً.
يعني: ما كان عنده حراس يمنعون الناس من الدخول عليه حتى بالليل، وكان ﷺ يتخذ حراساً، ولكن لما نزلت المعوذتان قال: (انصرفوا عني، لا حاجة لي بكم) ، فهنا ما كان يمتنع عن أحد، فما كان هناك موجب ولا داعي لأن يأتي إنسان أو وفد وقت القيلولة أو الراحة وينادي: يا محمد اخرج إلينا، فهذا منافٍ للآداب، ومنافٍ للحقوق النبوية، والرسول ﷺ ما تأخر عنهم.
والذي يهمنا مما سبق: هو المقارنة بين دفاع الله عن رسول الله فيمن ناداه من وراء الحجرات، وبين عتاب الله لنبي الله داود في اعتكافه وراء المحراب من أجل مصالح الناس، والله تعالى أعلم.
стр. 29
مكانة الحجرات في تبليغ الشرع
هنا لفتة قد يتساءل عنها كل عاقل، وهي: ما مكانة تلك الحجرات النبوية؟ كل إنسان يعتقد بأن الله قد شرفها بما وجه إليها زوجات رسول الله، فقال: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤] ، ويتفق المسلمون على أن الحكمة المذكورة مع آيات الكتاب هي السنة، وكن زوجات رسول الله ﷺ أكثر من ينشر السنة للمسلمين، وكل ما اختلفوا فيه من بعد وفاته ﵊ أو أشكل عليهم ولم يجدوا له حلاً ولا جواباً يرجعون فيه إلى زوجات رسول الله ﷺ ، فيجدون الجواب والحل العملي عن رسول الله ﷺ ؛ ولهذا وجدت قضايا عديدة ذكرها مالك ﵀ في الموطأ، منها: من أصبح جنباً في رمضان؛ هل له صوم أم لا؟ ومنها: قضية عمر فيمن جامع أهله ولم ينزل هل عليه غسل أم لا؟ ولم يجدوا عند أحد نصاً في ذلك، فأرسلوا إلى زوجات رسول الله فأجابوا بفعل رسول الله ﷺ في صحة الصوم ووجوب الغسل، وغيرها إذاً: فالحجرات كان لها شأن كبير في إبلاغ السنة وبيان الأحكام، ويوم أن هدمت وأدخلت في المسجد في إمارة عمر بن عبد العزيز على المدينة لبني أمية، قال بعض السلف: ليتها بقيت ليرى الناس ما كان عليه رسول الله ﷺ ، ويأتي القادمون من الآفاق فيرون كيف كانت حياة رسول الله ﷺ من التواضع والرضا بما قسم الله له: ولو أفردت الحجرات برسائل جامعية لكانت حرية بذلك، والله تعالى أعلم.
وبالمناسبة كانت الحجرات مطيفةً بالمسجد من الجنوب من ناحية القبلة، وتبدأ بحجرة حفصة، وهناك الطاقة المواجهة تجدون جدار القبلة كله مصمت ما عدا طاقة مقابل الحجرة النبوية، كانت هناك حجرة حفصة، وكان هناك دار آل الخطاب، وكان بين حفصة وعائشة كوة يتبادلن الحديث منها، ثم تأتي الحجرات من جهة الشرق بعضها إثر بعض حتى تصل إلى جهة الشمال، فكانت الحجرات بالمسجد من ثلاث جهات، الجنوبية من حفصة، والشمالية لزوجات رسول الله، والشرقية لبعضهن أيضاً، والله تعالى أعلم.
стр. 30
الأسئلة
стр. 31
حكم كشف الرجل عن فخذه
السؤال
ذكرتم أن الرسول ﷺ كان جالساً وفخذه ظاهرة، فدخل أبو بكر ثم عمر.
الحديث، كيف نوفق بين هذا الحديث وحديث النبي ﷺ الذي قال فيه للأعرابي: (غطي فخذك فإن الفخذ من العورة) ، أو كما قال ﷺ ؟
الجواب
هم يذكرون هذا ويقارنون بينه وبين كيف يكون ذلك، فيقولون: إنما هو بين إخوانه أبو بكر وعمر وفي بيته، ولعله لم يكن مكشوفاً كشفاً كاملاً، ويجبون عن ذلك بأجوبة، ولكن نقول: هذا صح عن رسول الله وهذا صح عن رسول الله، والله تعالى أعلم.
стр. 32
حكم السلام على النبي ﷺ لمن زار مسجده
السؤال
هل يجوز التوجه إلى القبر للسلام على النبي ﷺ ولو من مؤخرة المسجد؟
الجواب
هذه المسألة يختلف فيها أهل المدنية من زمن الإمام مالك، وإذا كان الإنسان من أهل المدينة وليس عنده وقت فهل كلما دخل إلى المسجد ويسلم وعندما يمر بباب المسجد ينحرف ويقول: السلام عليك يا رسول الله في نفسه، يقولون: كان مالك لا يرى في ذلك بأساً، ولكن ليس من باب: ﴿يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ [الحجرات:٤] ؛ لأنه في نفسه ولم يناد، ويشهد لذلك قوله ﷺ : (إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغونني عن أمتي السلام) ، فكل إنسان بعد عن القبر الشريف وسلم على رسول الله؛ فإن أولئك الملائكة الكرام يحملون هذا السلام ويبلغونه رسول الله ﷺ ، سواء كان في المشرق أو في المغرب، فهذا الذي عند باب المسجد حينما يسلم في نفسه فهو داخل في هذا المعنى، والمعنى المنهي عنه أن يرفع صوته من عند الباب وينادي ويصيح: السلام عليك يا رسول الله.
هذا هو المنهي عنه وهذا المتنافي مع الأدب معه.
ونجد بعض الناس يتوجه هنا مثلاً أو في ذاك الركن أو إلى تلك الحجرة ويقبض يديه ويسلم على الرسول ﷺ ، نقول: هذا تقصير منه في حق رسول الله؛ لأنه في المسجد، والذي في المسجد عنده وقت، وكان عليه أن يذهب إلى الحجرة الشريفة وأن ويسلم عن قرب، وسلامه هنا إما استعجالاً وإما كسلاً.
فهذا لا ينبغي، بخلاف الشخص الذي هو مار في الطريق قد لا يكون متوضئاً، وحينما مر على باب المسجد نادته عاطفته أو من ناحية روحية أو وجدانية فسلم على رسول الله بمعنى الوجدان والشوق ولم يناد، ولم يرفع صوته، ولم يجهر، إنما هو أمر في نفسه استدعته إليه عاطفته ومحبته لرسول الله، فيكون داخلاً في من تبلغ الملائكة سلامه إلى رسول الله، والله تعالى أعلم.
стр. 33
تفسير سورة الحجرات [٢ - أ]
стр. 34
تفسير قوله تعالى: (إن جاءكم فاسق بنبأ)
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فيقول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ * وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحجرات:٦-٨] .
بعد ما تقدم بيان حق النبي ﷺ على الأمة من جانب الرسالة، ومن جانبه شخصياً، ومن جانب حرمة بيته، جاء هنا بيان أدب رابع، وهو: التأدب مع رسول الله ﷺ في غيبتهم عنه، فيقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحجرات:٦] ، وهذا النداء المتكرر لينبه بلوازم الإيمان من السمع والطاعة.
(إِنْ جَاءَكُمْ) ، يقول علماء اللغة: (إن) و (إذا) من أدوات الشرط، ولكن (إن) للأمر النادر، و (إذا) للأمر بكثير الوقوع.
والفاسق: هو الخارج عن الطاعة، وأصل الفسق في اللغة: الخروج عن الطريق المعتاد، فتقول العرب: فسقت النواة عن الرطبة: إذا خرجت من موضعها الذي كان ينبغي أن تبقى فيه، وفسقت الحبة عن الطاحون.
أي: ندت عن موضع طحنها، والفاسق هو الذي خرج عن الصراط السوي، وشرعاً: الذي خرج عن الصراط المستقيم؛ بارتكاب بعض المخالفات.
ويقول العلماء في: (إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ) قدم الفعل، ولم يقل: (إن فاسق جاءكم) ؛ لأن الغرض هنا المحافظة على المجيء إليهم وليس لغرض الفاسق في ذاته.
النبأ والخبر يشتركان في الإخبار عن أمر غائب، وأصل الخبر مأخوذ من الأرض الخبار، وهي الأرض الخصبة إذا وطئت ثار لها غبار، فالغبار هذا يسمى خبار؛ لأنه يخبر وينبئ عن وطءٍ جرى فيها.
فكذلك الخبر إنما هو إتيان بعلم للمخبر بما لم يكن يعلمه، ولكن فرقوا بين الخبر والنبأ، فالخبر أعم؛ فكل أمر لم تكن تعلمه وأعلمت به فهو خبر، ولكن النبأ لا يطلق إلا على ما له شأن هام، كما بين سبحانه في أمر الساعة: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ:١-٢] .
(إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) ، وهناك قراءة: (فتثبتوا) وهيكل الكلمة واحد، ولكن الاختلاف في النقط، وقرئت بهذا وقرئت بذاك.
وتبينوا: من التبيان وهو التثبت أيضاً.
ثم بين نتيجة وموجب هذا التثبت وهو: ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات:٦] ، أي: لئن تصيبوا قوماً بجهالة بناءً على نبأ الفاسق المغاير للواقع؛ لأن الغريب هنا مجيء الفاسق بالنبأ ووصفه بالفسق يشعر بأن نبأه الذي جاء به كذب، فربما ينبني على هذا النبأ الكاذب تصرف يقع بسببه أثر على من أخبر عنهم، كالنميمة بين القوم وغيرهم.
(فَتُصْبِحُوا) : بعد أن يتبين لكم حقيقة الأمر بكذب الفاسق.
(نَادِمِينَ) : هنا يرى بعض علماء الحديث: أن مبدأ علم مصطلح الحديث من هذه الآية، وقالوا: إن العدل المعروف بالعدالة لا يحتاج أن يتثبت عن خبره؛ لأنه معروف بالعدالة عندهم، وكذلك قالوا في جواز قبول خبر الواحد: إن لم يكن فاسقاً، ومفهوم المخالفة: إن كان الآتي بالنبأ ليس فاسقاً فلا حاجة إلى التبين ولا إلى التثبت، وهنا أيضاً يقول بعض العلماء: الأصل في المسلم العدالة ما لم يظهر جرح أو فسق، والآخرون يعكسون، وهذه الآية تدل على الأول، ومن كان مجهول الحال فيبحث عن حاله.
стр. 35
سبب نزول قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ)
قال الله: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ ، وقد جاء عنه ﷺ في سبب نزولها أنه قال: (التثبت من الرحمان، والعجلة من الشيطان) وهذا التبين احترازاً لكم من أن تصيبوا قوماً بمقتضى النبأ الكاذب، ويذكرون في سبب النزول قصة أو حادثة يتفق عليها كثير من المفسرين ويردها البعض كـ الفخر الرازي وهي: أن الحارث بن أبي ضرار سيد بني المصطلق قدم على النبي ﷺ فأسلم، وأرسله النبي ﷺ ، أو هو طلب من النبي أن يرجع إلى قومه فيعرض عليهم الإسلام فمن أجابه أخذ منه زكاة المال، وأخذ موعداً من رسول الله أن يرسل إليه رسولاً يقبض ما يجمعه من الزكاة، فأرسل إليه الرسول، فلما خرج، قيل: إنهم استبطئوا موعد رسول الله، فقال الحارث لقومه: ما من رسول الله خلف وقد عدني وما أرى رسول رسول الله تأخر إلا عن وشاية علينا، قوموا لنذهب بصدقاتنا إلى رسول الله، فلما تأخر رسول رسول الله لأخذ الزكاة جمع وجهاء القوم وأخذ الزكاة وجاء في طريقه إلى المدينة ليقدمها إلى رسول الله حسب الوعد، يقولون: لما ذهب ذاك المرسول إذا به رأى تجمع القوم قادمين، وكان بينه وبينهم في الجاهلية حرب، فخاف على نفسه فرجع، فلما رجع أخبر النبي ﷺ بخبر غير الواقع، وقال: إنهم ارتدوا، ومنعوا الزكاة، وكادوا يقتلونني.
وفي رواية: أن الرسول ﷺ حينما بلغه ذلك جهز خالد بن الوليد ليذهب إليهم، فلما خرج خالد من المدينة لقيه الحارث بوجهاء قومه، فقالوا له: لمن بعثت يا خالد؟ قال: لكم، قالوا: ولماذا؟ قال: لأنكم فعلتم كذا وكذا وكذا، فأقسموا بالله أو بالذي بعث محمداً نبيناً ما جاءنا أحد ولا وجدنا أحداً ولا لقينا أحداً، وإنما جئنا حينما جاء الموعد ولم يأت مبعوث رسول الله ليأخذ الصدقة.
وفي بعض الروايات أن خالداً وصل إلى ديارهم وأرسل عيوناً بين يديه، لينظروا: هل ارتد القوم فعلاً أم أنهم على إسلامهم، فذهبت العيون وجاءوا وقالوا: يا خالد جئناهم على المغرب فإذا بهم يؤذنون ويصلون، انتظرنا إلى العشاء فإذا بهم يؤذنون ويصلون، انتظرنا إلى الفجر فإذا بهم يؤذنون ويصلون، فدخل إليهم خالد وقال لهم الخبر.
وعلى كل: فالبعض يجعل هذه الآية نزلت في هذا الصحابي، وبعض العلماء يقول: إن أصحاب رسول الله ﷺ كلهم عدول وليس فيهم من يوصف بهذا الوصف، ولكن من حيث الترتيب الزمني في نزول هذه الآية فقد صادفت قصة الوليد بن أبي معيط، وصادف نزول الآية وقوع هذا الخبر، وليست هي نازلة في شأنه، ولكن تزامنت معها، وبهذا يبرأ جانب الصحابي الجليل من أن يوصف بالفسق، وسداً على طوائف يطعنون في أصحاب رسول الله جملة وتفصيلاً من القمة إلى النهاية، وإذا سدّ هذا الباب كان أسلم وأولى، وأصحاب رسول الله ﷺ حقيقون بأن تدفع عنهم هذه التهم، وكما قيل: قوم اصطفاهم الله لصحبة رسوله؛ لابد أن يكونوا على أعلى المستوى.
стр. 36
أثر الآية في الواقع العلمي
هذا النظم الذي بين أيدينا، والخطاب الذي توجه للأمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ، في كل حين وعصر وزمان ومكان، ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ﴾ ، فاسق معروف بالفسق، أو فاسق بهذا النبأ الواحد الذي جاء به، إذا ظننتم فيه خلف الوعد أو عدم الصدق تبينوا وتثبتوا، أما إذا كان معلوماً لديكم من قبل بالعدالة وصدق الحديث فلا حاجة إلى هذا التثبت، وتقبلون روايته خبره، وهذا التحفظ والاحتياط إنما هو إبقاءً على وحدة الأمة، وإخوة الإيمان التي نادهاهم الله بها من أول السورة إلى هذا المكان، ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ ، ولو أن خالداً ذهب ووصل إلى القوم ولم يتثبت من إسلامهم وبيتهم ليلاً، ثم تبين بعد ذلك أنهم مسلمون فكما بين : ﴿فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ ؛ لأنكم لم تتثبتوا.
وإلى هنا يتفق العلماء أو القضاة على أن سبب تحمل المسئولية أو سبب إثبات الجناية إنما هو يدور على أمرين فقط: التفريط والتعدي؛ فكل حادثة جنائية لا يدان فيها إنسان إلا بأحد هذين الأمرين: التفريط، أو التعدي.
فالتفريط مثاله: يقود سيارة وما فيها مكابح فهذا تفريط منه؛ لأنه يقودها وهو لا يستطيع أن يتحكم فيها، فكذلك إذا رمى هدفاً وأصاب إنساناً، فقد فرط بأنه لم يتبين ما وراء هذا الهدف، فيقولون: أسباب المسئولية الجنائية أحد أمرين: التفريط، والتعدي، فإذا أخذ إنسان خبر فاسق وبناء عليه كان مفرطاً في أنه لم يتبين من صدق خبره، ﴿فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ .
وهنا يقول العلماء في مباحث القضاء: خطاب الوضع وخطاب التكليف؛ خطاب التكليف مثل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة:١٨٣] ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة:٤٣] ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران:٩٧] ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ﴾ [الحجرات:٦] ليس فيه كلفة عمل.
وخطاب الوضع: ما هو شرط وبيان لخطاب التكليف فيما كلفوا به، مثل: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء:٧٨] ، هذا أمر بقيام الصلاة لأوقات معينة مرتبطة بالشمس، وهذا خطاب وضع، فيقولون: خطاب الوضع ما كان شرطاً أو سبباً أو مانعاً يستوي فيه العامد والجاهل.
فإذا أصابوا قوماً بجهالة فقد يعذرون من جانب الإثم ولكن لا يعذرون من جانب حقوق البشر، فلو أصابوا لزمتهم ديات من أصابوهم؛ ولأن خطاب الوضع كما يقال: يستوي فيه العالم والجاهل، حتى الدواب، فلو أن إنساناً أتلف مالاً لغيره نسياناً أو بجهالة أو خطأ فإنه ملزم بضمان ما أتلفه، ولو أن طفلاً صغيراً أتلف شيئاً لغيره فوليه ملزماً بما أتلف الصبي، ولا يقال: هذا غير مكلف وليس مسئولاً، فحقوق الآدميين يستوي فيها العالم والجاهل، لو بهيمة لإنسان انطلقت ورعت زرع آخرين، فصاحبها مكلف وملزم بضمان ما أتلفت، ونعلم قضية ناقة البراء بن عازب، وقضية داود وسليمان إذ يحكمان في الحرث.
إذاً: في هذه الحالة تصبحوا على ما فعلتم نادمين؛ لأنكم ستتحملون نتيجة تفريطكم في التثبت من خبر الفاسق، وترتكبون بناءً عليه ما يضر بالآخرين؛ فتندمون على ما أوقعتم بغيركم وما لزمكم من ضمان فيما وقع عليهم.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 37
تفسير سورة الحجرات [٢ - ب]
стр. 38
تفسير قوله تعالى: (واعلموا أن فيكم رسول الله)
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
أما بعد: فيقول الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّه﴾ [الحجرات:٧] .
أيها المؤمنون المخاطبون في أول الآية اعلموا أن فيكم رسول الله، فكأنه سبحانه يقول: يا من يأتي بخبر غيب لم يحضره رسول الله ولم يعلم أحد من الخلق صدقه من كذبه، ويأتيكم معشر المسلمين به فتأخذون بقوله، هذا خطأ منكم وتفريط، واعلموا أيها الآتون بخبر أو بنبأ فاسق كذب أنكم تكذبون على الله وعلى رسوله وعلى المؤمنين، واحذروا واعلموا أن فيكم رسولاً، وقد تقدم لنا ذكره ﷺ بالرسالة، ومعنى لا تقدموا بين يدي الرسول ﷺ ، ووصفه بالنبوة، ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات:٢] ، وهنا جاء بوصف الرسالة: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الحجرات:٧] ، معنى هذا: لو كذبتم عليه في غيبته وجئتم بأخبار كاذبة مغايرة للواقع والرسول موجود فيكم، هل يقره من أرسله سبحانه على تصديقكم أو على الأخذ بكذبكم؟ لا.
بل سيكشف الله له بالرسالة كذب ما جئتم به.
وقلنا: إن السنة المطهرة بعده ﷺ كقيامه في الأمة، ولو أن إنساناً جاء بنبأ يخبر فيه أن النبي ﷺ قال كذا، أو أن السنة كذا، أو أن السلف كانوا يقولون أو يعملون كذا، لقلنا له: اعلم أن عندنا سنة رسول الله مدونة؛ وسنرجع إليها ونعرف زيف خبرك من صدقه.
ويتضح هذا الأمر أكثر بقوله: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات:٢] ، فلو أن إنساناً أو جماعة يقرءون حديث رسول الله ﷺ ، وجاء إنسان ورفع صوته على أصواتهم نقول: كأنه رفع صوته على صوت رسول الله ﷺ .
стр. 39
تفسير قوله تعالى: (لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ... )
يقول: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ﴾ [الحجرات:٧] مما جئتم به، وهذا أعم من نبأ الفاسق، قد يكون لهم رغبة، لكن: لا تقدموا، لا تقترحوا، لا تطلبوا، إذ إنه لو يطيعكم في كثير من رغباتكم ولو كانت صحيحة بدون كذب، ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ﴾ ، ولو كان بعضه كذباً، لو يطيعكم لمجرد الطاعة لرغباتكم، (لَعَنِتُّمْ) ، والعنت: شدة الألم.
يقولون: العنت هو كسر العظم مرة ثانية بعد أن جُبر في كسر سابق؛ لأن الألم يكون أشد من الكسر الأول، فلو أن النبي ﷺ يطيع الأمة في كل ما يريدون ويصبح تابعاً لهم، إذاً: ما الميزة بينه وبين غيره، ولكنه رسول الله لا يتبع إلا الوحي؛ فأنتم بين أمرين: تريدونه تابعاً لكم، أو هو تابع لله بما يوحي إليه وأنتم تبع له، هذه معادلة، ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ﴾ [الحجرات:٧] ، وأصبح متبعاً لكم محققاً لرغباتكم؛ لأدى الأمر إلى العنت الذي يلحقكم بسبب طاعته إياكم.
إذاً: ما الواجب؟ هو رسول الله، ويطيع ما جاءه من عند الله الذي أرسله، وأنتم تبع له فتسلمون، ولكن هنا: (لَوْ يُطِيعُكُمْ) أفي جميع الأمر؟ لا.
بل (فِي كَثِيرٍ) ، مفهوم الكثير أنه يمكن أن يطيعهم في القليل، وقد يكون في هذا القليل مصلحة لهم، وإذا أطاعهم في القليل قد يكون فيه تحقيق لرغباتهم من غير إقرار لهم على باطلهم؛ لأن الله لا يقره على باطل، (فلو يطيعكم) ووافقه الوحي وأقره الله على تلك الطاعة كانت مصلحة، لكن لو أراد أن يطيعكم في أمر والله لا يريد ذلك فإنه يبينه له ويمنعه منه، وقد تبين في بعض الوقائع أنه ﷺ أطاعهم في بعض الأمور وكانت مصلحة للمسلمين، وكان فيها تأييد من الله.
стр. 40
بعض مواقف النبي ﷺ في مشاورته لأصحابه وأخذه برأيهم
من هذه المواقف: غزوة بدر: لما خرجوا ووصلوا إلى بدر كان منزل رسول الله ﷺ كما جاء القرآن: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا﴾ [الأنفال:٤٢] ، ووادي بدر ممتد من الشمال إلى الجنوب، ﴿وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ﴾ [الأنفال:٤٢] ، سبحان الله العظيم! فنزل النبي ﷺ بحافة الوادي الدنيا من جهة المدينة، وكان منزل المشركين بالعدوة القصوى التي من جهة مكة، فنزلوا على أول بئر وصلوا إليه، وجاء النبي ونزل عند أول بئر، وفي هذه الحالة جاء الحباب بن المنذر، وقال: (يا رسول الله! أمنزل أنزلكه الله فلا قول لأحد، أم هي الحرب والمكيدة؟ قال: لا.
بل هي الحرب والمكيدة) ، لأن قضية بدر من حيث هي كانت كما نقول: بقيادة السماء، وقد بين الله ذلك فقال: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ [الأنفال:٥] ، فهو خرج باختيار الله والعير التي كان يخرج إليها كل سنة كانت تروح وتغدوا، وخرج إليها حمزة قبل ذلك، وخرج إليها الرسول إلى العشيرة وما أصابها، ولكن في هذه المرة: (إن هذه عير لقريش لعلكم تخرجون، لعل الله ينقلنيها) ، إذاً: كانت العير طعم فقط ليخرجوا: ﴿أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا﴾ [الأنفال:٥] ، لما جاءوا في الطريق كانت العير التي خرجوا إليها ذهبت، والنفير الذي لم يحسبوا له حساباً جاء.
إذاً: نزولهم في هذا المكان ونزول أولئك كان بأمر من الله، ﴿وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾ [الأنفال:٤٢] ، وكذلك: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٧] وكما قال في مجلس المشاورة: (أشيروا عليَّ أيها الناس؛ العير قد نجت والنفير أقبلت) ، فمن قائل يقول: كذا وكذا، حتى قالوا: يا رسول الله! لعلك خرجت لأمر وأراد الله أمراً آخر فامض إلى ما أراده الله.
يعني: كانت الإرادة لله وليست لهم، ومن هنا التزم الحباب في سؤاله: أهذا المنزل بوحي من الله فنسكت ولا نجتهد، فقال: لا.
هي الحرب والمكيدة، فقال: الرأي عندي -وكلمة عندي تحرز فقد يكون عند غيره مخالفاً لهذا- أن نذهب ونتقدم إلى آخر بئر فننزل عليها، ونبني لنا حوضاً نملأه ماءً فنكون على ماء ولا ماء للعدو، يريد أن يحاربوهم بالعطش أيضاً، وكان جبريل ﵇ مع النبي ﷺ أول ما نزل، فإذا ملك ينزل من السماء ويقول: (يا محمد! إن الله يقرؤك السلام، ويقول لك: الرأي ما قال الحباب، فنظر ﷺ إلى جبريل وقال: أتعرف هذا يا جبريل؟ فقال جبريل: ما كل ملائكة السماء يعرفها جبريل) والظاهر أنه ملك وليس شيطاناً، ويهمنا هنا: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ﴾ [الحجرات:٧] ، مفهوم ذلك: طاعتهم في القليل وكان فيها خير.
كذلك عند غزوة الأحزاب، علم ﷺ بتجمع المشركين ومن تحزب معهم، وجاءه الخبر بأسرع ما يكون فشاور أصحابه، فلما تشاورا قام سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه فقال: يا رسول الله! كنا إذا حوربنا خندقنا.
أي: عملنا خندقاً حول المدينة فيكون هذا حصناً طبيعياً أو مانعاً أو حاجزاً من العدو أن يصل إلينا، فأخذ برأيه ﷺ ، وحفر الخندق ما بين طرفي المدينة ويكون محيطاً بها إحاطة الحذوة كما يقول بعض الكتاب، مستطيلة ليست لها إلا فتحة واحدة، وهي في الوادي حينما ينزل النازل على بئر عثمان وينزل إلى باب الشام، فهذا مدخل المدينة فقط، وما عداها حرار وبساتين لا يمكن للجيوش أن تخترقها، فحفر ﷺ الخندق ما بين الطرفين ليكون متمماً للحصن الطبيعي حول المدينة.
إذاً: أطاعهم في بعض الأمر، وكانت تلك الطاعة إنما هي لمصلحتهم جميعاً، ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ﴾ [الحجرات:٧] ، منعكم من أن تتقدموا بالكثير، وأن تقترحوا عليه الكثير، وأن تقبلوا منه ما جاءكم به ولو على غير رغباتكم ولو على غير ما تريدونه أن يأتي معكم فيه.
следующие страницы →