← Тафсир

Тафсир · id 7715

تفسير سورة الحجرات

عطية سالم

Полный текст (127 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أثر الآية في الواقع العلمي هذا النظم الذي بين أيدينا، والخطاب الذي توجه للأمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ، في كل حين وعصر وزمان ومكان، ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ﴾ ، فاسق معروف بالفسق، أو فاسق بهذا النبأ الواحد الذي جاء به، إذا ظننتم فيه خلف الوعد أو عدم الصدق تبينوا وتثبتوا، أما إذا كان معلوماً لديكم من قبل بالعدالة وصدق الحديث فلا حاجة إلى هذا التثبت، وتقبلون روايته خبره، وهذا التحفظ والاحتياط إنما هو إبقاءً على وحدة الأمة، وإخوة الإيمان التي نادهاهم الله بها من أول السورة إلى هذا المكان، ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ ، ولو أن خالداً ذهب ووصل إلى القوم ولم يتثبت من إسلامهم وبيتهم ليلاً، ثم تبين بعد ذلك أنهم مسلمون فكما بين : ﴿فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ ؛ لأنكم لم تتثبتوا. وإلى هنا يتفق العلماء أو القضاة على أن سبب تحمل المسئولية أو سبب إثبات الجناية إنما هو يدور على أمرين فقط: التفريط والتعدي؛ فكل حادثة جنائية لا يدان فيها إنسان إلا بأحد هذين الأمرين: التفريط، أو التعدي. فالتفريط مثاله: يقود سيارة وما فيها مكابح فهذا تفريط منه؛ لأنه يقودها وهو لا يستطيع أن يتحكم فيها، فكذلك إذا رمى هدفاً وأصاب إنساناً، فقد فرط بأنه لم يتبين ما وراء هذا الهدف، فيقولون: أسباب المسئولية الجنائية أحد أمرين: التفريط، والتعدي، فإذا أخذ إنسان خبر فاسق وبناء عليه كان مفرطاً في أنه لم يتبين من صدق خبره، ﴿فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ . وهنا يقول العلماء في مباحث القضاء: خطاب الوضع وخطاب التكليف؛ خطاب التكليف مثل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة:١٨٣] ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة:٤٣] ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران:٩٧] ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ﴾ [الحجرات:٦] ليس فيه كلفة عمل. وخطاب الوضع: ما هو شرط وبيان لخطاب التكليف فيما كلفوا به، مثل: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء:٧٨] ، هذا أمر بقيام الصلاة لأوقات معينة مرتبطة بالشمس، وهذا خطاب وضع، فيقولون: خطاب الوضع ما كان شرطاً أو سبباً أو مانعاً يستوي فيه العامد والجاهل. فإذا أصابوا قوماً بجهالة فقد يعذرون من جانب الإثم ولكن لا يعذرون من جانب حقوق البشر، فلو أصابوا لزمتهم ديات من أصابوهم؛ ولأن خطاب الوضع كما يقال: يستوي فيه العالم والجاهل، حتى الدواب، فلو أن إنساناً أتلف مالاً لغيره نسياناً أو بجهالة أو خطأ فإنه ملزم بضمان ما أتلفه، ولو أن طفلاً صغيراً أتلف شيئاً لغيره فوليه ملزماً بما أتلف الصبي، ولا يقال: هذا غير مكلف وليس مسئولاً، فحقوق الآدميين يستوي فيها العالم والجاهل، لو بهيمة لإنسان انطلقت ورعت زرع آخرين، فصاحبها مكلف وملزم بضمان ما أتلفت، ونعلم قضية ناقة البراء بن عازب، وقضية داود وسليمان إذ يحكمان في الحرث. إذاً: في هذه الحالة تصبحوا على ما فعلتم نادمين؛ لأنكم ستتحملون نتيجة تفريطكم في التثبت من خبر الفاسق، وترتكبون بناءً عليه ما يضر بالآخرين؛ فتندمون على ما أوقعتم بغيركم وما لزمكم من ضمان فيما وقع عليهم. والحمد لله رب العالمين.

стр. 37

تفسير سورة الحجرات [٢ - ب]

стр. 38

تفسير قوله تعالى: (واعلموا أن فيكم رسول الله) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد: فيقول الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّه﴾ [الحجرات:٧] . أيها المؤمنون المخاطبون في أول الآية اعلموا أن فيكم رسول الله، فكأنه سبحانه يقول: يا من يأتي بخبر غيب لم يحضره رسول الله ولم يعلم أحد من الخلق صدقه من كذبه، ويأتيكم معشر المسلمين به فتأخذون بقوله، هذا خطأ منكم وتفريط، واعلموا أيها الآتون بخبر أو بنبأ فاسق كذب أنكم تكذبون على الله وعلى رسوله وعلى المؤمنين، واحذروا واعلموا أن فيكم رسولاً، وقد تقدم لنا ذكره ﷺ بالرسالة، ومعنى لا تقدموا بين يدي الرسول ﷺ ، ووصفه بالنبوة، ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات:٢] ، وهنا جاء بوصف الرسالة: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الحجرات:٧] ، معنى هذا: لو كذبتم عليه في غيبته وجئتم بأخبار كاذبة مغايرة للواقع والرسول موجود فيكم، هل يقره من أرسله سبحانه على تصديقكم أو على الأخذ بكذبكم؟ لا. بل سيكشف الله له بالرسالة كذب ما جئتم به. وقلنا: إن السنة المطهرة بعده ﷺ كقيامه في الأمة، ولو أن إنساناً جاء بنبأ يخبر فيه أن النبي ﷺ قال كذا، أو أن السنة كذا، أو أن السلف كانوا يقولون أو يعملون كذا، لقلنا له: اعلم أن عندنا سنة رسول الله مدونة؛ وسنرجع إليها ونعرف زيف خبرك من صدقه. ويتضح هذا الأمر أكثر بقوله: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات:٢] ، فلو أن إنساناً أو جماعة يقرءون حديث رسول الله ﷺ ، وجاء إنسان ورفع صوته على أصواتهم نقول: كأنه رفع صوته على صوت رسول الله ﷺ .

стр. 39

تفسير قوله تعالى: (لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ... ) يقول: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ﴾ [الحجرات:٧] مما جئتم به، وهذا أعم من نبأ الفاسق، قد يكون لهم رغبة، لكن: لا تقدموا، لا تقترحوا، لا تطلبوا، إذ إنه لو يطيعكم في كثير من رغباتكم ولو كانت صحيحة بدون كذب، ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ﴾ ، ولو كان بعضه كذباً، لو يطيعكم لمجرد الطاعة لرغباتكم، (لَعَنِتُّمْ) ، والعنت: شدة الألم. يقولون: العنت هو كسر العظم مرة ثانية بعد أن جُبر في كسر سابق؛ لأن الألم يكون أشد من الكسر الأول، فلو أن النبي ﷺ يطيع الأمة في كل ما يريدون ويصبح تابعاً لهم، إذاً: ما الميزة بينه وبين غيره، ولكنه رسول الله لا يتبع إلا الوحي؛ فأنتم بين أمرين: تريدونه تابعاً لكم، أو هو تابع لله بما يوحي إليه وأنتم تبع له، هذه معادلة، ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ﴾ [الحجرات:٧] ، وأصبح متبعاً لكم محققاً لرغباتكم؛ لأدى الأمر إلى العنت الذي يلحقكم بسبب طاعته إياكم. إذاً: ما الواجب؟ هو رسول الله، ويطيع ما جاءه من عند الله الذي أرسله، وأنتم تبع له فتسلمون، ولكن هنا: (لَوْ يُطِيعُكُمْ) أفي جميع الأمر؟ لا. بل (فِي كَثِيرٍ) ، مفهوم الكثير أنه يمكن أن يطيعهم في القليل، وقد يكون في هذا القليل مصلحة لهم، وإذا أطاعهم في القليل قد يكون فيه تحقيق لرغباتهم من غير إقرار لهم على باطلهم؛ لأن الله لا يقره على باطل، (فلو يطيعكم) ووافقه الوحي وأقره الله على تلك الطاعة كانت مصلحة، لكن لو أراد أن يطيعكم في أمر والله لا يريد ذلك فإنه يبينه له ويمنعه منه، وقد تبين في بعض الوقائع أنه ﷺ أطاعهم في بعض الأمور وكانت مصلحة للمسلمين، وكان فيها تأييد من الله.

стр. 40

بعض مواقف النبي ﷺ في مشاورته لأصحابه وأخذه برأيهم من هذه المواقف: غزوة بدر: لما خرجوا ووصلوا إلى بدر كان منزل رسول الله ﷺ كما جاء القرآن: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا﴾ [الأنفال:٤٢] ، ووادي بدر ممتد من الشمال إلى الجنوب، ﴿وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ﴾ [الأنفال:٤٢] ، سبحان الله العظيم! فنزل النبي ﷺ بحافة الوادي الدنيا من جهة المدينة، وكان منزل المشركين بالعدوة القصوى التي من جهة مكة، فنزلوا على أول بئر وصلوا إليه، وجاء النبي ونزل عند أول بئر، وفي هذه الحالة جاء الحباب بن المنذر، وقال: (يا رسول الله! أمنزل أنزلكه الله فلا قول لأحد، أم هي الحرب والمكيدة؟ قال: لا. بل هي الحرب والمكيدة) ، لأن قضية بدر من حيث هي كانت كما نقول: بقيادة السماء، وقد بين الله ذلك فقال: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ [الأنفال:٥] ، فهو خرج باختيار الله والعير التي كان يخرج إليها كل سنة كانت تروح وتغدوا، وخرج إليها حمزة قبل ذلك، وخرج إليها الرسول إلى العشيرة وما أصابها، ولكن في هذه المرة: (إن هذه عير لقريش لعلكم تخرجون، لعل الله ينقلنيها) ، إذاً: كانت العير طعم فقط ليخرجوا: ﴿أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا﴾ [الأنفال:٥] ، لما جاءوا في الطريق كانت العير التي خرجوا إليها ذهبت، والنفير الذي لم يحسبوا له حساباً جاء. إذاً: نزولهم في هذا المكان ونزول أولئك كان بأمر من الله، ﴿وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾ [الأنفال:٤٢] ، وكذلك: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٧] وكما قال في مجلس المشاورة: (أشيروا عليَّ أيها الناس؛ العير قد نجت والنفير أقبلت) ، فمن قائل يقول: كذا وكذا، حتى قالوا: يا رسول الله! لعلك خرجت لأمر وأراد الله أمراً آخر فامض إلى ما أراده الله. يعني: كانت الإرادة لله وليست لهم، ومن هنا التزم الحباب في سؤاله: أهذا المنزل بوحي من الله فنسكت ولا نجتهد، فقال: لا. هي الحرب والمكيدة، فقال: الرأي عندي -وكلمة عندي تحرز فقد يكون عند غيره مخالفاً لهذا- أن نذهب ونتقدم إلى آخر بئر فننزل عليها، ونبني لنا حوضاً نملأه ماءً فنكون على ماء ولا ماء للعدو، يريد أن يحاربوهم بالعطش أيضاً، وكان جبريل ﵇ مع النبي ﷺ أول ما نزل، فإذا ملك ينزل من السماء ويقول: (يا محمد! إن الله يقرؤك السلام، ويقول لك: الرأي ما قال الحباب، فنظر ﷺ إلى جبريل وقال: أتعرف هذا يا جبريل؟ فقال جبريل: ما كل ملائكة السماء يعرفها جبريل) والظاهر أنه ملك وليس شيطاناً، ويهمنا هنا: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ﴾ [الحجرات:٧] ، مفهوم ذلك: طاعتهم في القليل وكان فيها خير. كذلك عند غزوة الأحزاب، علم ﷺ بتجمع المشركين ومن تحزب معهم، وجاءه الخبر بأسرع ما يكون فشاور أصحابه، فلما تشاورا قام سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه فقال: يا رسول الله! كنا إذا حوربنا خندقنا. أي: عملنا خندقاً حول المدينة فيكون هذا حصناً طبيعياً أو مانعاً أو حاجزاً من العدو أن يصل إلينا، فأخذ برأيه ﷺ ، وحفر الخندق ما بين طرفي المدينة ويكون محيطاً بها إحاطة الحذوة كما يقول بعض الكتاب، مستطيلة ليست لها إلا فتحة واحدة، وهي في الوادي حينما ينزل النازل على بئر عثمان وينزل إلى باب الشام، فهذا مدخل المدينة فقط، وما عداها حرار وبساتين لا يمكن للجيوش أن تخترقها، فحفر ﷺ الخندق ما بين الطرفين ليكون متمماً للحصن الطبيعي حول المدينة. إذاً: أطاعهم في بعض الأمر، وكانت تلك الطاعة إنما هي لمصلحتهم جميعاً، ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ﴾ [الحجرات:٧] ، منعكم من أن تتقدموا بالكثير، وأن تقترحوا عليه الكثير، وأن تقبلوا منه ما جاءكم به ولو على غير رغباتكم ولو على غير ما تريدونه أن يأتي معكم فيه.

стр. 41

تفسير قوله تعالى: (ولكن الله حبب إليكم الإيمان ... ) قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات:٧] ، أي: الذين جمعوا بين هذين الوصفين المتقابلين. وهنا يأتي: (حَبَّبَ) ، والإنسان قد يحب الشيء ولكنه مكروه لديه، من حيث تحقيق المصلحة يحبه، ولكن من حيث عين الموضوع هو يكرهه. المريض مثلاً: يوجد الدواء مر حامض فهو يحبه؛ لأن وراءه الشفاء بإذن الله، ووقت أخذ الدواء يبكي، فهو قد يحب هذا الشيء ولكنه يكره ذاته، ولكن هنا جمع الله بين حبب وزين، فهو محبب لنتائجه الحسنة، ومزين عند الإنسان يأخذه برغبة وطواعية ومحبة، وفرق بعيد بين الأمرين، ولهذا كان (زينه) تتمة (لحببه) ليكون الأخذ بهذا المحبب برغبة واختيار لا عن إكراه كالمريض يتعاطى الدواء. (وَكَرَّهَ) ، حبب يقابلها كره، والمكروه الشيء الذي لا يرغب فيه الإنسان، ﴿إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ﴾ [الحجرات:٧] ، الكفر مقابل الإيمان ولوازم الإيمان؛ لأن الإيمان: تصديق بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالجوارح والأركان، فالكفر أول ما ينصب على جحود القلب وهو العقيدة. ﴿وَالْفُسُوقَ﴾ [الحجرات:٧] ، يقولون: إن الفسوق يكون بالقول ويكون بالفعل، ولكنه بالقول أكثر؛ لأن مجيئه بالنبأ جعله فاسقاً. ﴿وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات:٧] ، يكون بالأمرين لكنه في الفعل أكثر، وبعضهم يقول: الكفر معروف أنه قمة الإشراك، والفسوق يشمل الكبائر، والعصيان يكون للصغائر، ولكن التحقيق: أن العصيان يشمل الكبيرة والصغيرة. ويهمنا هنا: أنه لا يتم تحقيق الإيمان وحبه في القلب حتى يخلو القلب من شوائب الكفر؛ لأن الكفر والإيمان لا يجتمعان أبداً، ولذا قال ﷺ في آخر أمره: (لا يجتمع دينان في جزيرة العرب) ؛ لأن وجود دينين معاً في بلد واحد يقتضي وجود احتكاك بينهما، وأهل هذا الدين يخالطون أهل هذا الدين، وأهل ذاك الدين يخالطون أهل هذا الدين، وتكون بالمخالطة نقل بعض العادات أو نقل بعض الاعتقادات فيكون هناك شيء من التلاقح بين الأفكار والمشاركة بين الأعمال، فيكون في هذا مضرة على دين الإسلام، لذا قال: (لا يجتمع دينان في جزيرة العرب) ، وهكذا لا يجتمع دينان في قلب المسلم. ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:٧] . يقول الله: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات:٧] وكره إليكم الكفر حتى لا يوجد الضد مع الضد. هؤلاء الذين اجتمع لهم محبة الإيمان وأخذه بطيب ورضا وقناعة ومحبة كرهوا الكفر والفسوق والعصيان وهذا من كمال الإيمان في قلوبهم، ولا ننس أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى، ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات:٧] ، والرشد هو الصلاح: أي: هم الذين أخذوا بطريق الرشد، وهو الصلاح في الدين والدنيا، وبعض العلماء كـ الشافعي يقول: الرشد هو الصلاح في الدين، ويذكر ذلك في كتب الفقه عند بلوغ اليتيم، ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء:٦] أي: صلاحاً في دينهم، ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:٦] . ومالك ﵀ يقول: الرشد في الدنيا بخصوص المال لليتيم، فإذا كان يحسن تصريف ماله وحفظه دفعناه إليه وجانب الدين هذا بينه وبين الله. والشافعي يقول: لابد من رشد الدين مع رشد الدنيا؛ لأنه إذا كان يحسن التصرف في المال لكنه يصرفه فيما لا فائدة فيه أو فيما هو محرم؛ فيكون سفيهاً ولو كان يتقن ويحسن التصرف في المال.

стр. 42

تفسير قوله تعالى: (فضلاً من الله ونعمة والله عليم حكيم) يقول الله: ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ [الحجرات:٨] . ما الفرق بين الفضل والنعمة؟ الفضل هو: التفضل بما عندك على الغير، والله متفضل على عباده بكل النعم ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣] ، وبعض العلماء يتساءل: ما الفرق بين الفضل والنعم؟ فقالوا: أصل الفضل مأخوذ من الشيء الفاضل عند الإنسان وهو مستغنٍ عنه. تقول: أعطني من فضلك. أي: مما فضل عندك، وتقول: هذه فضلة طعام، هذا فضل ثياب. أي: الشيء الزائد عندك وأنت مستغنٍ عنه. فالفضل من جانب المولى سبحانه؛ لأن كل خزائنه بما فيها من الخير فضل زائد وهو في غنى عنه، فهو يعطي عباده مما هو فاضل عنده، والنعمة بالنسبة من جهة العبد؛ لأن النعمة ما ينعم به الله لبعض خلقه لسد حاجته، فالعطاء واحد وهو من جانب الله فضل؛ لأنه موجود بكثرة ومستغنٍ عنه، ومن جانب العبد نعمة؛ لأنه به يسد حاجته ويستغني بما تفضل الله به عليه، وبهذا ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ﴾ [الحجرات:٨] . أي: زيادة فيما أعطاه وزيادة في خزائنه مما هو مستغنٍ عنه، ﴿وَنِعْمَةً﴾ [الحجرات:٨] ؛ لأنه به ينعم عليكم وتكون حياتكم ناعمة وليست بخشنة. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحجرات:٨] ، قالوا: (عليم حكيم) راجعة إلى كل ما تقدم في كل تصرفاته، وقالوا: لهذا الأخير (الفضل والنعمة) فهو عليم بما في خزائنه من واسع فضله، فيتفضل بما شاء. (حكيم) لما يختار من عباده من يعطيه نعمه، فيعطي كل إنسان من نعمه سبحانه ما يلائم حاله، فهو يعطي كل إنسان بحكمة فيما تكون فيه مصلحته، ولذا قال: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى:٢٧] . فكذلك هنا (عليم) بما فيه خزائنه من واسع فضله، وحكيم فيما يعطي من هذا الفضل من النعم لعباده بقدر ما يصلحهم، ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦-٧] ، وفي الحديث أيضاً: (إن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لفسد حاله، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لفسد حاله) . إذاً: عليم: بما في خزائنه من واسع فضله وخيراته، حكيم: حيث يعطي من هذا الفضل للعباد بقدر ما يصلحهم.

стр. 43

تفسير قوله تعالى: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ... ) أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات:٩-١٠] . لاحظوا هذا الترتيب والنسق في آيات السورة الكريمة، وهكذا في جميع السور، لكنه قد يظهر قريباً لبعض الناس، وقد يخفى ولا يظهر إلا للخواص، لما نبه على وجوب التبين والتحفظ من نبأ الفاسق، وحذر أن تصيبوا قوماً بجهالة، فمعنى ذلك: قد يأتي الفاسق بنبأ ونسمعه، ولو لم يكن في حق رسول الله أو في حياة رسول الله، وليس عندنا من يبين لنا حقيقة كذبه، لكن في الوقت الحاضر الآن لو جاءنا فاسق بنبأ ولم نتبين ما الذي سيترتب على مجيء الفاسق بالنبأ، ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا﴾ [الحجرات:٦] . إذاً: من المتوقع ومن الترتيب الطبيعي أن الفاسق إذا جاء إلى قوم بنبأ كذب على قوم آخرين، وجاء بنميمة وجاء بأخبار كاذبة وقال: إنهم يقولون فيكم كذا، إنهم يعدون إليكم كذا، إنهم سيوقعون بكم كذا وكذا، ما الذي سيفعله من جاءهم هذا النبأ؟ سيتهيئون إليهم وربما بادروهم بسوء. إذاً: لما حذر المولى سبحانه من قبول خبر الفاسق الواجب أن نتحرز ونتبين إذا قصرنا، فإذا سارع قوم بأخذ نبأ الفاسق ما الذي سيكون؟ سيقع القتال والفتنة، ولذا جاء بهذه الآية الكريمة كأنها بيان لما عساه أن يقع بالمخالفة وعدم التبين والمسارعة بأخذ خبر الفاسق، فيقع مضرة على هؤلاء الناس، ويقع القتال بين فريقين: فريق نقل عنه نبأ فاسد وفريق ألقي إليه نبأ فاسق، فكان سبباً في قتال الفريقين. فيكون هذا العلاج: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات:٩] ، فكأنه يقول: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا بسبب نبأ فاسق جاءهم يكون الحكم: تداركوا الأمر، وأصلحوا بينهم، ولا تتركوهم على ما هم عليه، وإن كانوا فرطوا في عدم التثبت لا تفرطوا أنتم في عدم الإصلاح، وهذا ترتيب في غاية الإعجاز والقوة.

стр. 44

سبب وصف الطائفتين بالإيمان بقي هنا نقاش عند العلماء في سبب نزولها أو عدم نزولها، فهم يقولون: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجرات:٩] ، يقول بعض العلماء: لماذا لم يقل: وإن طائفتان منكم، وقد قال في أولها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحجرات:٦] ؟ وهم فعلاً منهم؛ لأنه من المؤمنين، لكن قال: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٢٣] ، كأنه يثير معنى الإيمان في هؤلاء وهؤلاء من المخاطبين، كأنه يقول: ما كان ينبغي للمؤمنين أن يقتتلوا، وما كان ينبغي أن يقع ذلك؛ فإن وقع فهو نادر وعلى خلاف الأولى. ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ﴾ [الحجرات:٩] ، قال: وإن طائفتان بدل فرقتان أو جماعتان أو شخصان، قالوا: الطائفة أقل من الفرقة، بدليل قوله: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة:١٢٢] . ﴿اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات:٩] ، لم يقل: يقتتلوا؛ لأن يقتتلوا للحاضر، وقد تكون واقعة عين وينتهي الحكم، واقتتلوا. أي: وقع القتال بين طائفتين في أي زمان ومكان، فعليكم أن تقوموا بالإصلاح.

стр. 45

نوع الصلح بين الطائفتين المتقاتلتين قال الله: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩] . ما نوعية الصلح بين الطائفتين، وما أسباب القتال، وما نوع الصلح الذي يقوم به المسلمون؟ نجد أن الصلح هنا جاء مرتين: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ [الحجرات:٩] هناك في الأول: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ﴾ [الحجرات:٩] ، ما جاء وصف العدل في الأول، وهنا: ﴿فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ [الحجرات:٩] ، لماذا جيء بالعدل في الإصلاح الثاني ولم يأت به في الإصلاح الأول؟ قالوا: لأن الغرض بالإصلاح الأول هو كف الطائفتين بعضهما عن بعض بالقتال، بينهما هدنة، أن يكف كل منهما عن الآخر ليمكن التفاهم بين الفريقين ومعرفة أسباب القتال، وتصفية ما بينهما فيما وقع من خسائر أو من دماء أو غير ذلك، فهناك يأتي العدل. إذاً: هنا: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ﴾ [الحجرات:٩] ، أي: كفوا أيديهم عن القتال، وهذا إصلاح أولي، ثم بقي معنا الطائفتين. يقول بعض العلماء: قد يكون القتال بين الطائفتين وهما من الأمة؛ قبيلتان أو أسرتان، وربما قطران، لكن كما يقولون: سبب النزول: أن ابن أُبي لما مر عليه ﷺ راكباً حمار وذاهباً إلى سعد بن عبادة في منطقتهم، فوقف على ابن أُبي يدعوه إلى الإسلام، فقال: إليك عني، اذهب فقد آذاني نتن ريح حمارك، فقام عبد الله بن رواحة وقال: والله لنتن حماره أطيب ريحاً منك، فقام لـ ابن أُبي رئيس المنافقين من انتصر له وانتصر لـ ابن رواحة المسلمون وكان بينهما مناوشات، فنزلت الآية. وبعضهم يقول: لا. بل كان الأمر بين الأوس والخزرج. وقيل: كانت هناك امرأة عند رجل اسمها أم زيد، وكان بينه وبين زوجه ما يكون بين الأزواج، ومنعها أن تذهب إلى أهلها، فجاء أهلها في غيبته ليأخذونها وينزلونها من عليتها، فقام أهل الرجل في الحي ومنعوهم ووقع بينهما ما وقع فنزلت الآية. وأياً كان سبب النزول فإنه انتهى وبقي صريح النقل، وكما قيل: (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب) ، فيقولون: إن كانت الطائفة الباغية من الأمة كان على ولي أمر المسلمين أن يكف الباغية؛ لأن له سلطان عليها، وإن كان البغي من جانب الأمير فعلى المسلمين نصحه بقدر الإمكان والتدرج بشرط أن لا يتوقع مفسدة أكثر مما يكون بين الطائفتين. إذاً: نوع الإصلاح يتوقف على نوعية الخلاف وعلى نوعية الطائفتين، حتى لو كانا شخصان متنازعان فوجب على الأمة الإصلاح بينهما، وكما قيل: طبيعة الإصلاح من سيماء الإسلام، والله أوجب الصلح بين المتنازعين، وأوجب الصلح أيضاً حتى بين الزوجين، ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء:٣٥] ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء:١٢٨] .

стр. 46

صفات أهل الصلح بين الطائفتين الصلح من سمات الإسلام، وهو مبني على التسامح والتنازل عن بعض الحقوق كما يقول الله: ﴿وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء:١٢٨] ، فلابد للمتصالحين أن يتنازل كل منهما من جانبه ويتغلب على شح نفسه لكن من الذي سيتدخل ويصلح بين الطائفتين؟ نحتاج إلى من يكون عالماً خبيراً بأسباب الخلاف والنزاع، وأسباب الخلاف إذا كانت طائفتان كبيرتان أو قبيلتان أو حتى قطران، إما أن يكون أمراً اقتصادياً أو جنائياً أو أدبياً أو سياسياً. أو إلى آخره؛ فنحتاج إلى تكوين لجنة عدل من كل تلك الفرق لتصل إلى حقيقة الخلاف وتفصل فيه، وتقول للباغية: أنتِ باغية قفي عند حدكِ، فإن وقفت والتزمت فبها ونعمت، وإن لم تقبل وبغت على أختها كان واجب المسلمين أن يردوها عن بغيها، كما في الحديث: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، قالوا: مظلوماً ننصره، وظالماً كيف ننصره؟ قال: ردك إياه عن ظلمه فهو نصرة له) . وهكذا نحتاج كما قيل: إلى هيئة تكون خبيرة بأسباب النزاع تبحث مع وقف القتال؛ لأن البحث في أسباب النزاع والعمل على إيجاد صلح مع وجود القتال لا يتم أبداً، ونحن نشاهد الآن في كثير من الحركات بين الدول أو بين قطر داخلياً أو خارجياً يجلسون للمفاوضات وإطلاق النار ما زال مستمراً، فلا نلبث أن يعقد اتفاق وقف إطلاق النار، وربما لا يلبث ساعتين أو عشر ساعات أو يوم وليلة أو عدة أيام حتى ينقض، لماذا؟ لأنهم لم يتوصلوا إلى نتيجة معرفة سبب الخلاف وإلى الواجب الذي يجب على كل طائفة أن تكون عليه، فيكونوا أصلحوا بينهما مبدئياً أن يكفوا عن القتال فيما بينهم. وهذا إصلاح. ثم بعد البحث وإعلان النتيجة؛ فإن التزمت الطائفتان بذلك فالحمد لله، وإن لم يلتزما أو كان الالتزام من جانب واحد كانت الأمة ملزمة أن تقاتل الباغية التي بغت على أختها، ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات:٩] ، أي: ترجع، ليس إلى هيئة الأمم ولا مجلس الأمن، ولكن ترجع إلى حكم الله؛ لأن رجوع الظالم مهما كان ظلمه وشخصه وطغيانه إذا عرف أنه راجع إلى الله وقف عند حده؛ ولأن الرجوع إلى الله هو عين العدل والإنصاف والحكمة، ولذا جاء هناك حينما تكون المفاهمة بعد كف القتال، ﴿فَإِنْ فَاءَتْ﴾ [الحجرات:٩] ، وامتثلت ورجعت وانتهى القتال هناك يكون الحكم بالعدل، وليس هناك كما يقال: حق الفيتو بأن ينقض القرار إذا كان لصالح دولة كبرى ولا أن يكون لمصلحة دولة صغرى، ومتى ينقض حق؟ إذا كان العدو بيده السلاح، وهذا كما أشرنا سابقاً: أخذ نظام هيئة محكمة عدل إسلامية دولية يمكن أن تفض جميع المنازعات بين الأمم المسلمة على هذا القانون على مقتضى هذا التشريع: أن تقوم بالعدل والقسط. أن تكف بينهما أولاً، ثم تشرع في بحث الخلاف، ثم تصدر قرارها فيما يلزم، فإن التزموا بذلك فالحمد لله، وإلا فالأمة كلها مسئولة عن ردعها. بقي من من الأمة يتدخل في شئون الآخرين؟ يجب أن تجرد قوة باسم الأمة الإسلامية قوة ردع لمن بغى، ولو وجد هذا النظام باسم الإسلام لما احتاج المسلمون أن يذهبوا إلى خارج بلادهم أو أن يتحاكموا إلى غيرهم، والمجال في هذا واسع طويل، والله أسأل أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه. وهناك عودة إلى موجب هذه المسئولية وتحملها بسبب إخوة الإيمان، ﴿الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠] ، يعني: ضريبة هذا الإصلاح، وتحمل هذه النفقات، أو ربما يكون هناك قتلى بسبب الإصلاح وردع الباغية، كل ذلك في سبيل الأخوة في الله، وسيأتي لها زيادة بيان إن شاء الله، وبالله تعالى التوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد ﷺ .

стр. 47

الأسئلة

стр. 48

رد شبهة: منع الصلاة في المسجد النبوي لوجود القبر السؤال كيف نرد على من يقول: إن الصلاة في المسجد النبوي الشريف لا تجوز؛ لأن فيه قبر؟ الجواب نقول هذا نصف مجنون أو ثلاثة أرباع مجنون، وأعمى لا يبصر، مطموس البصيرة إن رضي وإن غضب. متى أُدخل القبر في المسجد؟ على رأس المائة من الهجرة. إذاً: (١٤٠٠) سنة والمسلمون يصلون في المسجد النبوي، ويأتي هذا الآن يوسوس، ولكن كيف نرد عليه؟ وهل القبر أدخل أم الحجرة؟ تقول: عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد الخامس هو الذي أدخل الحجرات في المسجد، وأشرنا سابقاً بأن الجدار الذي يلي المصلين وهو الشمالي على شكل مثلث لا يمكن أن يستقبله المصلي، وبين القبر الشريف وبين أول مصلي خلف الشبك الحديد عشرات الأمتار. أما هذا الكلام فإنما يراد به أن يثير فتنة ويشكك الناس، فأقول: إنه أعمى قلب والبصيرة، وسبق أن أثيرت هذه الفتنة في عام (٨٥هـ) في منى من بعض الأشخاص الذين يبثون السموم في رءوس هؤلاء، العوام، قال: يطوفون حولها، قلنا: ممنوع الطواف، وموجود من عهد العثمانيين فليذهب إلى السور وسوف يجد ما بين الفتحة الأولى وما بين المحراب النبوي مصلى رسول الله والحجرة حلقات صغيرة وكان يوضع باب هناك لمنع الطواف، قال: نكتب لوحة ونضعها على الحجرة، لكن من يقرأ في زحمة الموسم، والآن موجود حاجز هناك في آخر الطرق التي في شرقي الحجرة عند الدخول من باب البقيع، هناك الحاجز لا أحد يقدر يطوف مرة كاملة، فلماذا نحن نفتش على هذه المسائل إثارة الفتن، ولا أريد أن أكرر ما قلت.

стр. 49

معنى قوله تعالى: (وأحضرت الأنفس الشح) السؤال نرجو من فضيلتكم شرح معنى قوله تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء:١٢٨] ، إلى آخر السياق الكريم، وجزاكم الله خيراً؟ الجواب الشح من طبيعة الإنسان، ويقولون في علم النفس أو علم الاجتماع: إن غريزة حب التملك تجعل الإنسان يندفع إلى أن يتملك كل شيء لو استطاع، وما يمنعه عن تملك أملاك الآخرين إلا الردع بالعقاب قانوناً أو شرعاً، فحينما يمتلك الإنسان الشيء بغريزة حب التملك يحرص عليه، ولا يتركه من يده، وجاء عنه ﷺ : (لا يتصدق المتصدق بدرهم حتى يفك عنه سبعين لحي جمل) ، حريص عليه، ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا * وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر:١٩-٢٠] ، (لو أن لابن آدم وادياً من ذهب لتمنى الثاني) فهذا شح النفس حينما يطلب منه البذل إلا من رحم ربي، يكون السخاء سجية وعادة فيه إلى غير ذلك، ﴿وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء:١٢٨] ، يعني: كل نفس جبلت على الشح فيما لو طلب منها أن تبذل، ومن هنا جاءت مع الصلح؛ لأن الصلح لابد فيه من التنازل.

стр. 50

حكم استعمال الباروكة السؤال ما الحكم في المرأة التي تستعمل الباروكة على شعرها وهل هذا من الوصل؟ الجواب الباروكة لا بارك الله فيها، هي باروكة من البروك لا من البركة، وأنا أستعجب بالشخص الذي يرضى لزوجه ويعلم أن شعرها على غير هذا، ويشتري لها ما تدلس عليه به؛ لأن الشعر لا يكشف إلا عند الزوج، والنسوة فيما بينهم مثل بعضهم، لكن هي تدلس على زوجها، مثل المكياج، يعرف خلقتها ووجهها وسيماها وطبيعتها في حالتها الطبيعية، فلما تأخذ المكياج تصبح عروسة، لكن عروسة مزيفة، فلم يخدع نفسه بهذا، ولكن الشيطان حريص. وأعتقد أنه كثر الكلام في هذا، وكان الشيخ علي الطنطاوي، والشيخ ابن باز وغيرهم: (إن كان لنفسها وعند أهلها فلا بأس، أما عند الناس فلا يجوز ذلك) .

стр. 51

تفسير سورة الحجرات [٣ - أ]

стр. 52

تابع تفسير قوله تعالى: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله؛ صلى الله عليه وآله وصحبه ومن والاه. وبعد: فيقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى﴾ [الحجرات:٩] أي: بعد إيقاف القتال بينهما، وبعد أن أخذتم في البحث عن أسبابه، ولكن إحدى الطائفتين لم تلتزم ولم تكف عن القتال واستمرت في غيها وبغيها؛ فحينئذٍ يكون الدفع بالقوة وبحسب الإمكان، وكما نسمع الآن في كثير من القضايا العالمية، يبدءون أولاً بالحصار الاقتصادي، ثم بقطع المساعدات، فإن جاءت بهم فبها، وإلا سيرت إليهم القوات تردعهم بالقوة، وهكذا.

стр. 53

قتال الفئة الباغية وسببه قال الله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ [الحجرات:٩] ، والقتال يكون بالتدريج، ويُبدأ بالأخف فالأخف، ثم بعد ذلك إن فاءوا بالأمور الاقتصادية والمالية فبها، وإلا فتعين قتالهم بالسلاح، وقد أشرنا بأن القتال بين طائفتين أن ذلك ليس من حق الأفراد؛ لأن إنساناً أو جماعة لا تملك أن تقاتل جماعة أخرى، وكذلك الدول لا يحق لدولة أن تذهب بقواتها خارج حدودها لتقاتل دولة باغية على دولة أخرى، وكما يقولون في العرف العسكري: هذا تدخل في شئون الآخرين غير مسموح به. إذاً: قال الفخر الرازي ﵀: إن كانت الطائفة الباغية من مجموع المجتمع؛ فعلى ولي الأمر أن يجرد قوة يردعها عن أختها، وإن كان فيما بينهم وليس هناك ولي أمر يردعهم، فحينئذٍ يتعين على مجموع المسلمين أن يجردوا من قواتهم قوة تكون مهمتها -كما يقال- ردع الباغي. ليست للاستيلاء على أراضي الآخرين، ولا للاستعمار ولا للتعدي ولا إلى شيء من ذلك كله، إنما هي قوة ردع. ولعلنا نتذكر ما كان بين لبنان وسوريا، فقد كانت هناك قوات ردع عربية دخلت إلى هناك وحجزت بين الفريقين، ولم تكن ترجع قيادتها إلى دولة حتى يمكن أن تسخرها لمصالحها، إنما هي راجعة إلى مجموعة الأمة الإسلامية. ﴿فَإِنْ فَاءَتْ﴾ [الحجرات:٩] ، أي: بعد الردع وبعد قتالها ورجعت عن بغيها، والفيئة الرجوع، أُخذت من الفيء وهو الظل في آخر النهار؛ لأن الظل في أول النهار يكون إلى جهة الغرب لمجيء الشمس من الشرق، فإذا جاءت إلى كبد السماء وتحولت إلى المغرب تحول الظل إلى الشرق. وهذا هو الفيء. فكذلك من كان على طريق فرجع عنه إلى عكسه فقد فاء، فإن فاءت عن الغي وفاءت عن الاعتداء حينئذٍ: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ [الحجرات:٩] ، وهذا الصلح الأخير فيه التصفية بين الطرفين، وفيه الإنهاء بالبحث عن أسباب النزاع والقتال، والبحث عما ترتب ونتج عن هذا القتال من قتلى، وديات، وإتلاف للأموال والعتاد كل ذلك يقع نتيجة القتال بين الطائفتين، ولا يتم الصلح إلا إذا سويت جميع الخلافات من جميع الجوانب.

стр. 54

العدل وأثره في حياة الأمم والملوك ﴿فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا﴾ [الحجرات:٩] ، مجيء القسط بعد العدل ماذا يفيد؟ قالوا: هما من المترادفات، وبعضهم يقول: العدل في الفعل والقسط في القول. أي: حتى تكون المحاكمة والإصلاح بين الطائفتين المتقاتلتين في مساواة الكلمة والكلمة الطيبة، ونعلم بأن الصلح بين المتخاصمين أباح النبي ﷺ فيه الكذب للمصلحة، فلو أنك عرفت اثنين متخاصمين، أو أنهما كانا صديقين أو متجاورين وعلمت القطيعة بينهما وخشيت تفاقم الأمر، وأردت إصلاح الواقع، فجئت لأحد المتخاصمين وقلت له من عندك أنت: يا فلان لقد طالت الخصومة بينك وبين صديقك وهو متألم لذلك، ويأسف لهذا، ويتمنى إزالة ما بينكما، ومستعد أن يقدم ما تريد. مع أنه ما قال لك أي شيء، ولكن أنت من نفسك تريد أن توطِّن بين الطرفين للصلح، فهو حين يسمع ذلك لا شك أنه سيلين سيقول: أهو يقول ذلك؟ إذا كان هو مستعد فأنا مستعد، وتذهب إلى صاحبه وتقول له مثلما قلت للأول، فحينئذ تهيأ الجو وتهيأت النفوس، وتوجهوا إلى إيقاع الصلح، فتجمع بينهما على خير، وتسعى بينهما، وقد سمح لك الإسلام أن تبدأ بحديث لم يقله أحدهما، ولكنك تريد الإصلاح، فلا مانع في ذلك. ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩] ، العادلين الذين يعدلون بين الناس، وقد جاء في حق النجاشي ﵀ ورضي عنه لما اشتد الأمر على المسلمين في مكة، ورأى رسول الله ﷺ ما عليه أصحابه من الشدة والضغط من المشركين قال: (إن بالحبشة ملك عادل لا يضام أحد في جواره، أرى أن تذهبوا إليه إلى أن يجعل الله لكم مخرجاً) ، فهذا كان على نصرانيته، وقد وصفه رسول الله ﷺ أنه عادل، وقد تبين فعلاً عدله هناك، وجاءت موقعة بدر وقتل فيها سادة قريش وصناديدها، وأرادت قريش أن تنتقم من المشركين، ماذا فعلوا؟ كان عمرو بن العاص من أصدقاء النجاشي، وكان كل سنة يذهب إليه بهدايا الحجاز، فأرسلوه ومعه شخص آخر، وقالوا: خذ الهدايا واذهب إليه وكلمه في من عنده من المسلمين فيأتيك بهم فنقتلهم؛ فيكون ذلك عوضاً لهم عمن قتلوا عن الذي حدث في بدر، فلما ذهب ووصل إلى النجاشي أخبره: أن قوماً من أهله أو قال: فئة من قومنا دخلوا إلى بلادك، خرجوا عن دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، وأرسلني أهلهم لنردهم إليهم. فما بادر الملك وقال: مرحباً بصديقي، ومرحباً بالهدايا، بل قال: قوم اختاروني على غيري وأتوا إلي، ولن أسلمهم حتى آتي بهم وأسألهم وأنظر ماذا عندهم، ثم بعد ذلك يكون التصرف. فدعاهم وعندها اشتد الأمر على المسلمين حين جاءهم الأمر من الملك بالحضور، وكانوا علموا من قبل بمجيء عمرو داهية العرب، فقالوا: من الذي يكلّم الملك؟ فقال جعفر الطيار ﵁: أنا خطيبكم اليوم، فلما قدموا عليه همس عمرو في أذن الملك وهو جالس بجواره على سريره، وقال: إنهم لن يسجدوا لك كما تسجد لك العرب، فلما دخلوا لم يسجدوا له، فقال: أرأيت، لم يسجدوا لك ولم يكرموك كما نكرمك، ولم يدخلوا في دينك، فهم خرجوا على غيرهم، وهم خارجون عليك -يعني: لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء- فسكت الملك، فلما جاء جعفر ووقف بين يديه، قال له: لم تسجد لي كما يسجد الناس؟ قال: أيها الملك أعزك الله! ما كنا لنسجد لغير الله، لقد كنا نعبد الأحجار والأشجار والأصنام وكنا في جاهلية جهلاء، يأكل القوي فينا الضعيف، ونقطع الأرحام، ونقطع الطريق -وذكر له كل أخطاء الجاهلية- فأكرمنا الله برجل منا نعرف نسبه ومولده ونشأته؛ أتانا بالوحي من عند الله، فأمرنا بأداء الأمانة، والوفاء بالعهد، وصدق الحديث، وحسن الجوار، وصلة الرحم، وأن نعبد الله وحده، فقال: هل معك مما جاء به من شيء؟ قال: بلى، وقرأ عليه أوائل سورة طه، فما كان من الملك إلا أن هوى إلى الأرض، وأخذ قشة بين أنامله، وقال: والله ما زاد صاحبكم على ما جاء به عيسى بن مريم ولا مثل هذه القشة، حينئذٍ نخر من كان عنده من الرهبان والقسس، وأسقط في يد عمرو، ثم قال: ردوا الهدايا على من جاء بها، والله لا أرد هؤلاء، واذهبوا وأنتم السيوح. أي: اذهبوا فأنتم مضمونون مكرمون، من اعتدى عليكم فكأنما اعتدى عليّ، ثم بعد ذلك أعلن إسلامه وإيمانه بالنبي ﷺ ، فتحقق قول رسول الله ﷺ أنه ملك عادل.

стр. 55

دوام الملك بالعدل والإحسان قال الإمام ابن تيمية ﵀ في رسالة صغيرة اسمها: رسالة المظالم: (الملك يدوم مع العدل ولو لكافر، ولا يدوم مع الظلم ولو لمسلم) ؛ لأن الظلم كما نعلم يولد حقداً في المجتمعات والأفراد إذا كانوا يتظالمون في حقوقهم وأعراضهم؛ فكل ينصب للثاني العداء، أما إذا كانت الأمانة والعدالة، وكان الناس آمنون على الدين والنفس والعقل والنسب والعرض والمال، حينها الأمة تكون في خير وعلى خير، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ أي: العادلين في قضيتهم سواء كانت جزئية أو كبيرة ولو بين أولاده، وإخوانه الأستاذ في فصله مع طلابه يجب أن يكون عادلاً في توزيع الأسئلة، وتوزيع العناية بالجميع إذا جاء يصحح، فيكون عادلاً في الحكم على الطالب من حيث إجاباته، فالعدل في كل شيء في الحياة، ينبغي على المسلمين أن يحافظوا عليه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠] ؛ لأن العدل متلازم مع الإحسان دائماً، ولا يكون مع العدل إساءة قط. وعلى هذا تكون هذه الآية الكريمة إنما هي مبدأ وقاعدة لتشريع قرآني كريم للإصلاح بين الجماعات، سواء كبرت تلك الجماعات أو صغرت، وسواء كانا قطرين أو قبيلتين، أو كانتا أسرتين أو كانا أخوين أو جارين مهما وقع النزاع يجب أن يكون هناك صلح.

стр. 56

عامل الأخوة الإيمانية في المجتمع وأهميته بين الله السبب بما كلف به الأمة فقال: (فَقَاتِلُوا) والقتال يحتاج إلى سلاح وقتال، فالطائفة الباغية ستقاتلهم، وسيكون هناك ضحايا وقتلى، ومسئولية هؤلاء القتلى من يتحملها؟ فيأتي بيان القرآن الكريم: حملتم تلك الأمانة وتلك المسئولية وفاء بحق الأخوة فيما بينكم ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠] ، يقولون: إخوة وإخوان، والأخوة تكون من إخوة النسب، والإخوان يكونون بإخوة المبادئ، فجاء هنا بإخوة الإسلام وهي أخوة مبادئ، لأننا وجدنا أن أخوة الإسلام بين المسلمين في علاقتها وروابطها أشد وأقوى من الأخوة النسبية.

стр. 57

عظم رابطة الإيمان بين أهلها فهنا يبين الله عظم هذا الربط بأن عليكم أن تقوموا بقتال الفئة الباغية ولو تكلفتم في ذلك ما تكلفتم، وفاء بحق الأخوة الإسلامية في حق الناس وأنتم معهم. إذاً: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات:١٠] هاتان الطائفتان المتقاتلتان داخلتان في ضمن أخوة المؤمنين وأنتم منهم، وعليه فمجموعة المؤمنين مكلفة بإصلاح شأن بعضها البعض، فبرابطة الأخوة الإيمانية كلف الله المؤمنين فيها كمجموعة بأن تصلح بين أفرادها وجزئياتها، وطوائفها وجماعاتها، لا على مبدأ الوطنية أو الجنسية أو القبلية أو أي مبدأ كان في هذا المجتمع، ولكن على المبدأ الأساسي ألا وهو الأخوة الدينية. ومن هنا يقول العلماء: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات:١٠] ، المخاطبون بعيدون عن الفتن، وهنا أصلحوا بين أخويكم. أي: الطائفتان، والتثنية هنا مراعى فيها الفريقان طائفة وطائفة تساوي طائفتين. يقول علماء التفسير: ما عليه سلف الأمة: أن أي كبيرة لا تخرج صاحبها من الملة ولا يخرج بها عن عداد المؤمنين ما دام يعلم بأنها كبيرة بخلاف من استحل ما حرم الله، فهذه ليست كبيرة، هذا شرك بالله، فمن استحل ما حرم الله فقد كفر ويستتاب وإلا ضربت عنقه، أما إذا فعل المنهي عنه وهو يعلم بنهيه ويقر به لكن لغرض ما أو لضعف ما وقع فيما هو منهي عنه، فهذه كبيرة لا تخرجه عن عداد المؤمنين، فهاتان الطائفتان مع اقتتالهما وبغي إحداهما على الأخرى ما أخرج واحدة منهما عن مجموع المؤمنين، وكما هناك في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] ، فهنا قالوا: هذا القتال بين الطائفتين لم يخرجهما عن الإيمان. هناك: (بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا) ، وهنا: (واتقوا الله) أي: في حق الطائفتن المتقاتلتين، ولا تتركوهما حتى يقضي بعضهما على بعض، ويزداد الشر ويستطير فيشمل غيرهم، وتكون الحالقة. إذاً: (وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) بهذا العمل، والقيام بالإصلاح وردع الباغية عن أختها؛ لأن هذا رحمة بكم أنفسكم؛ لأنكم إذا تركتموهم ربما انعكفوا عليكم، وربما كل طائفة استدعت ما يليها حتى عمت الفتنة في الأمة كلها، وحينئذ ليست هناك رحمة، فلعلكم ترحمون بقيامكم بالإصلاح، والقضاء على الفتنة، ولا شك أن في هذا رحمة للأمة.

стр. 58

منهج الإسلام في ترسيخ الأخوة الإيمانية هنا سؤال أيها الإخوة: لِمَ عظم الله منزلة الأخوة الإيمانية، وجعلها رابطة بين المؤمنين جميعاً، وألزمهم بمقتضاها إصلاح المجتمع بأنفسهم وتحملهم المسئولية عامة؟ وكيف سلك الإسلام المنهج الذي آخى بين جميع المسلمين بتلك الأخوة وهذه الرابطة التي من نتائجها هذا الإصلاح، وتحمل المسئولية الكبرى؟ نعلم جميعاً بأن الإسلام دين عالمي لا دين جنس ولا وطن ولا قطر: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] ، فهو نذير وبشير لكل الأمم، حتى الجن مع الإنس وإذا نظرنا إلى مبدأ الإسلام نجد نماذج دخلت في الإسلام جمعت عناصر البشر في أجناسهم وطوائفهم، فنجد في مكة صهيب الرومي، بلال الحبشي، سلمان الفارسي. سبحان الله! فارس والروم والحبشة، وعلماء البشر والأجناس يحصرونهم في ذلك الفرس والروم والأحباش والعرب، أو أبناء سام وأبناء حام، فيلتقي الجميع في هذه الأجناس الأربعة، وكل هذه الأجناس اجتمعت تحت راية لا إله إلا الله مع اختلاف العادات والمناهج والطباع والغرائز، كان الفرس والروم لا يرون العرب شيئاً، ولهم في ذلك مواقف، وكان العرب عندهم كالخدم، لكن لما جاء الإسلام طوع هؤلاء الأفراد من أجناسهم ونزلوا عن تلك الغطرسة وأصبحوا مع العرب سواء، وكذلك العرب كانوا أشد أنفة ويأنفون من أي جنسية أخرى، ورغم أن لهم السيادة على البشر إلا تلك الفوارق ماعت وأصبحوا جميعاً إخوة بالدين.

стр. 59

مبادئ الأخوة الإيمانية إن المتتبع الموضوع الأخوة يجد أنها قامت على مبدئين: مبدأ تكوين هذا الإنسان من عنصري: المادة والروح، فالمادة هي هذا الهيكل العظمي، والهيكل العظمي كسي لحماً، فأصبح عظاماً ولحماً ودماً، والعنصر الثاني: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر:٢٩] ، فالعنصر الثاني هو: الروح، فنجد في التشريع الإسلامي في هذا الموضوع أن الإسلام راعى الجانبين؛ فمن جانب المادة والهيكل الإنساني منشؤه من التراب، قال الله: (إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ﴾ [ص:٧١] ، والطين معناه ماء وتراب معجون. هذا الهيكل المادي -كما يقولون: وكل عنصر يميل إلى جنسه- يميل إلى ما وجد منه ويتلذذ أو يحيا ويعتز بأصله الذي يرجع إليه، ولذا فإن هذا الجنس راجع إلى الأرض، فملذات المطعم، والمشرب، والجنس كلها راجعة إلى هذا العنصر الذي منه هذا الهيكل. والروح من أمر ربي، عالم علوي تستمتع بالأمور الروحانية بالذكر بالتلاوة بالصلاة بأنواع القرب إلى الله، وهكذا وجدنا في الإسلام مراعاة الجانبين، أما جانب المادة فسيأتي نصه في السورة الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات:١٣] ، ثم جاء العنصر الثاني: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] ، ثم جاء الإسلام فأزال الفوارق العنصرية والعرقية من عجم وفرس وروم، وجعل الجميع يرجع إلى مبدأ أساسي وهما الشيخ الكبير آدم والأم الكبيرة وحواء، فردهم إلى الأصل الذي هو المادي، فحرم الكبر والاستهزاء والسخرية، وردهم إلى الأصل الذي هو لاثنين فلا فخر لأحدهما على الآخر، فإذا كان كل منهما من ذكر وأنثى، فما هو الفضل لك حتى تفخر علي؟ وما النقص عندي حتى تستهزئ بي، فالأصل الذي جئت منه أنا معك فيه سواء؟ ولذا يذكر المفسرون قول علي رضي الله تعالى عنه عند هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى﴾ [الحجرات:١٣] ، يقول: الناس من جهة التمثيل أكفاء أبوهم آدم والأم حواء فإن يكن لهم من أصلهم نسب يفاخرون به فالطين والماء

стр. 60

روافد الأخوة الإيمانية لقد حرم الله سخرية الإنسان من الإنسان، وحرم اعتداء الإنسان على الإنسان، وحرم أخذ مال إنسان بغير حق، فحفظ كل جوانب المادة للمجتمع؛ فإذا حفظت الحقوق كانت الأخوة. أما الجانب الروحي فقد حفظ أيضاً، وكما أن هذا العنصر إلهي ومن جانب المولى سبحانه، كما قال: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:٨٥] ، فكذلك كانت أخوتهم من جانب الله: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾ [آل عمران:١٠٣] ، (فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ) أي: بتأليفه لقلوبكم. إذاً: تلك الأخوة بين جميع المؤمنين فيها عنصر إلهي نعمة من الله، فأصبحتم بنعمته إخواناً، ﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٣] ؛ لأن المحبة والأخوة لا يستطيع أحد أن يشتريها؛ لأنها أمور روحانية عاطفية قلبية، (القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمان يقلبها كيف يشاء) فنجد تعاليم الإسلام للمؤاخاة بين المسلمين من جانب العنصر المادي بمنع كل أسباب النزاع وغرس أسباب المحبة: (لن تدخلوا الجنة حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم) ، وإفشاء السلام من دواعي المحبة: (تهادوا تحابوا) ، إذا قدمت لأخيك هدية وجد في نفسه ميلاً إليك، أو كما قيل: الهدايا تسل الضغينة من القلوب، وأمر بأداء الحقوق: (حق المسلم على المسلم ست: إذا لقيته فسلم عليه -يفتح لك قلبه- وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه) ؛ فهذه الحقوق التي أوجبها النبي ﷺ لكل أخ على أخيه بمثابة وتواجد دوحة الإخاء، وهذه روافد تصب في جذورها، ففعل الخير وكف الشر يحفظ الأخوة من آفاتها وتبقى سليمة، وفعل روافد تغذيها لتنمو فتؤتي أكلها في كل حين، والجانب الروحي جاء من الله فضلاً ونعمة، ولهذا: (الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف) ، ولهذا شواهد عديدة، فترى الإنسان ولو لم تكن قد رأيته قط فكأنه معك من سنوات، تستريح لرؤيته، وتميل لحديثه؛ لأن الأرواح قد تعارفت وتآلفت. إذا كان الأمر كذلك، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات:١٠] . نجد نتيجة هذا التآخي الموآثرة بين المسلمين، فالواحد منهم يؤثر غيره على نفسه، وقد جاءت النصوص وبينت ذلك في حق الأنصار رضوان الله عليهم، قال : ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩] ؛ فمن شروط الصلح: التجرد من شح النفس.

стр. 61

مواقف من تفوق الأخوة الإيمانية على أخوة النسب لقد فاقت الأخوة الإيمانية في مواقف عديدة على الأخوة النسبية؛ ففي وقعة بني المصطلق لما تخاصم غلام للمهاجرين لـ عمر وغلام للأنصار، فقال أحد الغلامين: يا للمهاجرين، وقال الآخر: يا للأنصار، فلما قالوا ذلك قال ابن أُبي: أو قد قالوها؟! ما نحن وهم إلا كمثل القائل: سمن كلبك يأكلك، لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فجاء الغلام فذكر ذلك للنبي ﷺ ؛ فشغل النبي ﷺ الناس بالمسير وقت القيلولة، حتى يشتغلوا بأنفسهم عن المهاترات أو النزاع، وخشية وقوع فتنة بينهم، فعلم ابن أُبي أن كلمته وصلت إلى رسول الله ﷺ ، فجاء يعتذر، ويقول: يا رسول الله! ما بلغك عني ليس بصحيح، فإذا بالوحي ينزل: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ [المنافقون:٨] ، ثم بين سبحانه وحكم على ابن أُبي بما قاله: ليخرجن الأعز منها الأذل، هذه قضية عامة: من بقي بعد ذلك؟ من هو الأعز الذي سيخرج؟ فحكم الله فقال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٨] . إذاً: الأعز هنا: الله ورسوله والمؤمنون، فيكون الأذل ابن أُبي وجماعته، وهذا ما يسميه علماء الأصول بموجب القول، بموجب ما حكم ابن أُبي حكم الله عليه، لكن بين أنه هو الأذل وهو الذي يستحق الإخراج. فلما وصل المسلمون إلى المدينة، ودخل رسول الله ﷺ جاء عبد الله بن عبد الله بن أُبي واستل سيفه وأمسك بزمام ناقة أبيه, وأقسم ألا يدخل المدينة حتى يأذن رسول الله له بالدخول، ويعلم أنه هو الأذل، وأن العزة لله ولرسوله. فأي رابطة أقوى؛ رابطة الإيمان أم رابطة النسب؟ لا شك أنها رابطة الإيمان. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: (مروه فليأذن له) فأذن له فدخل. وبمثل هذه الأحداث تشيع شائعات، فأشيع في المدينة أن رسول الله سيقتل ابن أُبي بسبب مقالته تلك، فسمع بذلك ولده فأتى رسول الله ﷺ ، وقال: بلغني أنك قاتل ابن أُبي، فما قال: أبي. حتى لا يقال جاء يستعطف أو يتشفع وإنما تبرأ منه، ثم قال: إن كنت فاعلاً ذلك لا محالة، مرني آتيك برأسه فإني أخاف أن تأمر غيري يقتله، فلا أقوى أن أرى قاتل أبي يمشي على الأرض فأقتله فأهلك -فأكون قتلت مسلماً بكافر- فما كان من رسول الله ﷺ إلا أن طمأنه أنه لن يفعل ما أشيع، بل أبعد من ذلك، وانظروا إلى سماحة الإسلام والتمسوها، فإنه لا ينبغي أن نتشدد في الصغائر والتوافه ونترك عظام الأمور، هذا الذي أشيع وكان يستحق القتل في آخر أمره لما توفي جاء ولده بعاطفة البنوة، وكان من أبرِّ الناس بأبيه، وقال: يا رسول الله! إن أبي مات، فأعطني قميصك أكفنه فيه لعل الله ينفعه به. رأس المنافقين يطلب ابنه من رسول الله ﷺ أن يعطيه قميصه ليكفنه فيه، لعل الله ينفعه ببركة رسول الله فأعطاه، ولم يقل له: إن أباك له سوابق رجع بثلث الجيش في غزوة أحد، وترك المسلمين هناك، وله مواقف مؤلمة أقل واحدة منها كان يستحق عليها القتل، ولكن يقولون: بأن النبي ﷺ تعاطف مع عبد الله الولد إكراماً له، ولقوة إيمانه وصدقه مع المسلمين على أبيه، فكان ذلك معاوضة له، ثم طلب منه أن يصلي عليه فتقدم، وعمر يجره من ورائه، ثم جاءت الآية: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة:٨٤] ، فرابطته مع المسلمين أقوى من رابطته مع أبيه. نأتي في غزوة أحد ونجد عبد الله بن أبي بكر، وقد أتى مع المشركين ويقول: هل من مبارز؟ فيكون أول من يقوم إليه أبوه أبو بكر، حتى يمسكه رسول الله ﷺ ويقول: (أبق لنا نفسك يا أبا بكر) ، فإذا قلنا: ذاك شاب مع أبيه، فذاك شيخ القوم. وهذا أبو بكر لو وزن إيمانه بإيمان الأمة لرجح إيمان أبي بكر، ومع ذلك يقوم لملاقاة ولده والمبارزة، وكلتا الحالتين مصيبة؛ إن قتل قتل بيد ولده، أو هو قتل ولده، ولكن أخوة الإيمان ورابطته كانت أقوى من رابطة الأبوة والبنوة. نأتي إلى معركة القادسية: يخرج رجل بعد المعركة ويطلب ابن عم له في الجرحى ومعه قدح من الماء، لعله يجده محتاجاً إلى الماء فيسقيه، فوجده يئن، قال: ألك حاجة في الماء؟ قال: بلى، فقدم إليه القدح، فلما أدناه إلى فيه سمع أنيناً بجواره، فقال له: اذهب إلى هذا فلعله أحوج إليه مني، فذهب به إلى الثاني فقال: ألك حاجة في الماء؟ قال: بلى، فلما أهوى بالقدح إلى فيه سمع أنيناً من رجل ثالث، فقال له: اذهب إلى هذا لعله أحوج إليه مني، فذهب به إلى الثالث، فما وصل حتى فاضت روحه فرجع إلى الثاني، فوجده قد فاضت روحه، ثم رجع إلى ابن عمه فوجده قد مات، تفيض أرواح الشهداء الثلاثة وكل منهم يؤثر أخاه على نفسه في تلك اللحظات الحرجة، ويبقى الماء في القدح مع صاحبه.

стр. 62

من مشاهد الأخوة في الإسلام تعجز الإنسانية كلها أن تقوم هذه المشاهد، وأن تبين عظمة الأخوة في الإسلام، وإيثار الغير على النفس ولو كان في أمس الحاجة والاضطرار، وليس أشد من ماء في تلك اللحظات، مع ذلك كل يشفق على صاحبه ويقدمه على نفسه، وقد بين النبي ﷺ هذا المبدأ العظيم بقوله: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد) ، وقال الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف:٤] ، فهكذا أخوة الإسلام جعلت المجتمع الإسلامي حصناً مشيداً، وبنياناً مرصوصاً ليس فيه تخلخل ولا مدخل لعدو، وجعلت أبناء العالم الإسلامي بالتواد والتراحم والتعاطف كالجسد الواحد، فالأمة الإسلامية جسد واحد وهو جسد الإسلام؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له باقي الجسد بالسهر والحمى؛ لأنه جسم واحد يرتبط بعصب واحد وإحساس واحد. لقد كان ذلك في بادئ الأمر، وكأن المال في يد أحدهم كأنه مال أخيه، كما جاء عن عبد الله بن عمر يقول: (كنا في زمن لا يرى أحدنا في ماله فضل على أخيه، واليوم الدرهم أحب إلى أحدنا من أخيه) ، وإذا كان هذا القول صادر من ابن عمر وهو صحابي وفي ذاك الوقت، فماذا نقول نحن اليوم؟ إن أحوج ما تكون الأمة إليه اليوم هو العودة إلى التآخي والتراحم والتواصل فيما بينها. وليس إيثار الغير على النفس من خصائص الأنصار فقط، بل كذلك من خواص المهاجرين، فقد جاء عن أم المؤمنين عائشة ﵂ أنها كانت ذات يوم صائمة، فجاء مسكين بعد العصر، فقال: مسكين يا آل بيت رسول الله، فنادت عائشة بريرة، فقالت: أعطي المسكين يا بريرة، فقالت: ليس عندي ما أعطيه، قالت: أعطي المسكين يا بريرة، قالت: ليس عندي ما أعطيه إلا قرص من خبز شعير تفطرين عليه إذا جاء المغرب، فقالت أم المؤمنين ﵂: أعطي المسكين، وإذا جاء المغرب يرزق الله فأعطته بريرة قرص الشعير وهي تتلكأ وتتغنى بقول عائشة: أعطي المسكين وإذا جاء المغرب يرزق الله، حتى وصلت إلى المسكين لم تسمُ بريرة إلى ما سمت إليه أم المؤمنين من قوة الإيمان واليقين بالله، والناس يتفاوتون في ذلك كتفاوت ما بين السماء والأرض، فجاء المغرب وقامت أم المؤمنين تصلي، وبريرة تعيد الكلمات، كأنها تعتب على أم المؤمنين فيما قالت وتصرفت، وما قضت أم المؤمنين صلاتها، إلا ورجل يطرق الباب، فذهبت إليه بريرة وأم المؤمنين تصلي، فرأت بجوارها شاة بقرونها، فقالت: يا بريرة! ما هذا؟ قالت: أهداها إلينا رجل والله ما قد رأيت مثلما أهدى إلينا قط مثل اليوم، قالت: كلي يا بريرة هذا خير من قرصك. وهكذا الإيمان واليقين يصنع في قلوب أصحابه، ثم أعطتنا منهجا منهجاً وقاعدة، وقالت: (والله لا يكمل إيمان العبد ولا يقينه حتى يكون يقينه فيما عند الله أقوى من يقينه فيما هو في قبضة يده) وحقاً فإن ما كان عند الله لا يضيع، وما كان في قبضة اليد فليس بمضمون، قد يغصب منه، قد يمرض دونه، قد لا يملك منه شيئاً، وهكذا كان لعامل الأخوة قوة في الإيمان والشفقة على المسكين والضعيف. وإذا جئنا إلى المجتمع المدني في ذلك الوقت، نرى أن أول مقدم النبي ﷺ إلى المدينة وجد فيه مجتمعاً خليطاً فالمؤمنون مهاجرون ومواطنون، واليهود حاقدون، والمشركون الوثنيون ما أسلموا بعد، وفيه من يخفي كفره ويظهر إيمانه، فما كان لرسول الله ﷺ أن يضع قيادته لهذا المجتمع بأسره إلا بالأخوة في الإسلام؛ فقد آخى بين المسلمين، وأذهب الفوارق العرقية والجنسية والطبقية بينهم، وأصبح الكل إخوانا إخواناً في الإسلام، وضرب المثل الأعلى للأمة حينما جاءت الأحزاب في غزوة الخندق، وعقد ﷺ لوائين؛ لواء للمهاجرين ولواءً للأنصار، وجعل على كل عشرة عريفاً، وعلى كل عشرة عرفاء رقيباً -تقسيم عسكري نظامي- فاختلف المهاجرون والأنصار في سلمان الفارسي؛ لأن سلمان جاء من بلده يباع ويشرى حتى انتهى أمره إلى يهودي في المدينة، وكان يعمل في بستان صاحبه، حتى قدم النبي ﷺ وقدم إلى المدينة بما رأى في كتب الأقدمين عندهم: أن آخر نبي يهاجر إلى بلدة صفتها كذا وكذا، فانطبقت الأوصاف على المدينة، فجاء ينتظر فيها النبي المنتظر، فقال الأنصار: سلمان منا،؛ لأنه كان ينتظر رسول الله كما كنا ننتظره، وقال المهاجرون: سلمان منا؛ لأنه قدم من خارج المدينة، فلما تشاحوا فيه حسم النبي ﷺ الأمر قائلا: (سلمان منا آل البيت) كل يقول هو منا والرسول يرفع من شأنه، ويرفع من نسبه وحسبه ويلحقه بآل البيت وهو إنسان فارسي وليس فيه عرق عربي، ولكن تلك أمور مادية لم يلتفت إليها، بل نظر إلى إسلامه وإيمانه وما كان عليه رضوان الله تعالى على الصحابة أجمعين. وصلى وسلم وبارك على محمد وعلى آله.

стр. 63

تفسير سورة الحجرات [٣ - ب]

стр. 64

أثر الأخوة الإسلامية في تلاحم وترابط المجتمع المسلم بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد: فلن تكون للأمة الإسلامية أصالة ومناعة وترابط وتراحم وتلاحم إلا إذا انضووا تحت الأخوة الإسلامية. واستقوا من رحيقها، وعملوا بمضمونها، كما كان ﷺ مع أصحابه، وكان والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه يقول: إن تلك الرابطة الإيمانية التي ألغت روابط النسب والجنس والعرق والوطن قد ربطت بين مؤمني هذه الأمة وبين حملة العرش من ملائكة الرحمن، كما قال الله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر:٧] ؛ فهذه رابطة الإيمان بين الملائكة ومؤمني هذه الأمة، ثم عطفت قلوب الملائكة على المؤمنين في هذه الدعوات المخلصة: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [غافر:٧-٨] مجال واسع الآباء والذريات والأزواج، ما كان بين الملائكة ومؤمني البشر عنصر يجمعهم؛ فالبشر من مادة الماء والطين، والملائكة عالم نوراني، وكل له خصائصه، ولكن الرابطة العامة قد ربطت بينهما، ويبدو لي أن تلك الرابطة أوسع مدى، فقد ربطت بين المؤمن والحيوان، والمؤمن والجماد، فهذا سفينة صاحب رسول الله ﷺ عائد من بعض الغزوات، وإذا بالأسد على الطريق يمنع الناس من المرور، فشق الطريق إليه وتقدم عنده، وقال: (أيها الأسد! إني سفينة صاحب رسول الله ﷺ عزمت عليك لتفسحن الطريق للناس يمرون، فإذا بالأسد يتنحى عن الطريق ويمضي قليلا ويقف، فيقول لهم: اجتازوا فقد ابتعد عنكم) من الذي أفهم الأسد نداء سفينة؟ إنه الله! وهذا العلاء بن الحضرمي ذهب لغزو البحرين فإذا بالقوم قد علموا به، فانحازوا بسفنهم إلى داخل الجزيرة، فماذا يفعل القائد المسلم وقد قطع المسافة من المدينة إلى هناك قرابة شهرين؟ ما انتظر ولا رجع، ولكن بإيمانه ويقينه بالعهد الذي بينه وبين الله والمهمة التي توجه إليها؛ توجه إلى المولى سبحانه؛ لأنه بيده ملكوت كل شيء، وهو الذي خلق كل شيء وأعطاه خصائصه، وهو قادر أن ينزعها عنه، فقال: أيها البحر! إنك تجري بأمر الله، ونحن جند في سبيل الله -الرابطة واحدة مجراك بأمر الله ومجيئنا أيضا بأمر الله- جئنا لنغزوا عدو الله؛ عزمت عليك لتجمدن لنعبر إليهم، ثم أمر الجيش بالمضي، فاقتحموا البحر وجمد لهم الماء. يقول ابن كثير في هذا الخبر: ما ترجل الفارس، ولا احتفى المتنعل؛ فالذي ركب على فرسه ركب على فرسه، والذي كان لابساً لنعاله بقت نعاله في قدميه، وعبروا البحر يمشون على وجه الماء، حتى وصلوا إلى العدو وقاتلوا وفتح الله عليهم. هذه أيها الإخوة نماذج وأحداث لولا أنها ثبتت عن سلف الأمة وعلمائها لكان العقل يتوقف ويتساءل: كيف يكون ذلك؟ ولكن لا، فالكيف لا يتوجه إلى قدرة القادر سبحانه؛ لأنه مكيف الأشياء.

стр. 65

بين معجزات الرسول وغيره من الرسل وهذه نار إبراهيم المحرقة، ما طار طائر من فوقها إلا وهوى من حرارتها، مكثوا مدداً طويلة يجمعون لها الحطب، فلما أجمعوا أمرهم لم يستطيعوا أن يدنوا منها، فنصبوا المنجنيق؛ ليلقوا بإبراهيم من بعد، وحينما ألقي في النار تقول السير: أتاه جبريل ﵇ حينما ضجت ملائكة السماء شفقة على إبراهيم، فقال الله لهم: إن طلبكم شيئاً فأعطوه، وإن استعاذكم فأعيذوه، وإن استعان بكم فأعينوه، ولكنه لما نزل إليه جبريل وقال: يا إبراهيم! ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا، وأما إلى الله فبلى، سله هو أعلم بحالي من مقالك. هناك من يشكك في هذه الرواية، ويقول: إن ذلك يمنع الدعاء عند الشدة، وهذا غير صحيح؛ لأن هذا القائل لو علم الموقف علماً يقينياً لوجد في هذه الألفاظ الصواب كل الصواب، والبلاغة كل البلاغة، ونحن نعرف (إذا) الفجائية، والموقف الآن هو نار مشتعلة، ومنجنيق منصب، ولم يبق إلا شد الحبل وإرخاؤه، فهل هناك مجال لقول: يا رب ارحمني يا رب ارحمني يا رب احفظني؟ لا مجال، فعلمه سبحانه بحاله يغني عن سؤاله؛ لأنه مهما سأل ومهما تكلم فلن يزيد عن تصوير حالته فيما يرى الله ويسمع. إذاً: لا مجال للكلام، وأنت الآن تطبق ذلك: إذا رأيت إنساناً يعبر الشارع، ورأيت سيارة قادمة مسرعة، فهل تقف وتقول: يا رب! احفظه وسلمه من السيارة وجنبه الآفات -في هذا الوقت تكون السيارة قد أخذت عشرات الأشخاص- أم حالاً تقول: السيارة السيارة، يعني: احذر السيارة. لما ألقي إبراهيم ﵇ في النار، كان أمر الله للنار؟ (قُلْنَا) والنون للعظمة والقدرة والجلال، وكلمة: (قُلْنَا) لا يملكها إلا هو سبحانه، (يَا نَارُ) :الياء: أداة نداء، والنار منادى، ليس لها آذان وليس لها قلب يعي ولكن خالقها قادر على إسماعها وإفهامها، ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩] ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] . وهذا موسى ﵇ ومعه بنو إسرائيل أمره الله أن يخرجوا مصبحين إلى أين يا رب؟ قال: حيث ترى السحابة فسر في ظلها، فإذا بالسحابة تقوده إلى ساحل البحر، فوقفوا والتفتوا فإذا فرعون وقومه وراءهم، فقال الذين معه: (إِنَّا لَمُدْرَكُونَ) البحر من أمامنا، والعدو من ورائنا. أين المفر؟ إن أمامنا بحر لجاج، وإن تأخرنا أدركنا العدو، فقال موسى ﵇: (كَلاَّ) ، وكلا هي بذاتها تجلجل، فكيف بمعناها ودلالته؟ ﴿قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢] . دائماً ننبه على اختلاف المقامات والمراتب، هذا الموقف الحرج قال فيه موسى لقومه: (كَلاَّ إِنَّ مَعِي) معي أنا، والأمة هذه كلها وكأن العبرة لموسى وهارون ﵈، وبينما رسول الله ﷺ حينما كان في الغار ومعه الصديق وجاء الطلب ووقفوا على فم الغار بسيوفهم، ماذا قال أبو بكر: (والله لو نظر أحدهم إلى أسفل نعليه لأبصرنا لرآنا، فقال رسول الله ﷺ : يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما) ؛ ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] هل قال: معي وكفى؟ لا. بل قال: (إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) جمع أبا بكر معه؛ لأن أبا بكر شارك في الهجرة من بيته إلى الغار، وفادى رسول الله ﷺ بنفسه عدة مرات، تارة من أمامه، وتارة من ورائه وعن يمينه، وعن شماله، كل ذلك مخافة على رسول الله ﷺ ، ولما وصلوا الغار ليلاً والغار مظنة الآفات والهوام، قال: على رسلك يا رسول الله حتى أستبرئ لك الغار) . وأنت يا أبا بكر من يستبرئه لك؟! ولهذا لما سأله رسول الله ﷺ : (ما بالي أراك تارة أمامي وتارة خلفي. ؟ قال: أتذكر الطلب فأكون خلفك. قال: يا أبا بكر! لو كان هناك شيء أتود أن يكون فيك دوني؟ قال: نعم، بأبي أنت وأمي يا رسول الله، إن أهلك أهلك وحدي، أما أنت فمعك الرسالة) لست شخصاً وحدك، بل معك رسالة السماء إلى الأمة، ومن هنا كان يستحق أن تفدى بالدنيا بكاملها، ولذا كان التكريم، ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ وقال له: (إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) وهناك موسى قال: (مَعِي) ؛ لأنه الوحيد في هذه الأمة، والموقف هناك أبو بكر له فيه مساهمة. ماذا كان الحل لإنجاء موسى؟ نجد البحر أمواجاً متلاطمة، فيوحي الله لموسى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء:٦٣] ، كالجبل الكبير جداً، ثم يصير جماداً متماسكاً، وانفلق إلى اثني عشر طريقاً في البحر، ويمشي بنو إسرائيل في كل طريق، وطريق الماء الفاصل بينهما فيه فتحات حتى يطمئن بعضهم على بعض. إذاً: الله هو القدير، خالق الموجودات ومسبب الأسباب، يمكن أن يسلب السبب من المسبب، أو يسلب الخاصية من العين.

стр. 66

الفرق بين الأخوة الإيمانية والمصالح الشخصية لقد ربطت الأخوة الإيمانية بين بني البشر على اختلاف أجناسهم ودمائهم وبلادهم وعاداتهم. ؛ بل امتدت إلى السماء وما تحت عرش الرحمن فربطت بين حملة العرش ومؤمني هذه الأمة، بل اتسعت وربطت بين المؤمنين وبين الحيوانات والجماد، فكيف نذهب ونطلب روابط أخرى شركية أو وطنية، حينما ارتفعت النداءات بالعنصرية، وأول من فعل ذلك اليهود، نادوا بالقوميات، وقوضوا الخلافة العثمانية، بالدعوة إلى الجنسية التركية العثمانية، وهكذا وفي كل زمن نسمع دعوات وأمم تنحاز عن الأخرى وتتقطع أوصال الجسم الإسلامي عضواً فعضواً حتى أصبحت أعضاء متناثرة، وفي كل قطر داع لما هو فيه، كما قيل: ألقاب ملكة في غير موضعها كالقط يحكي انتفاخاً صولة الأسد ولم يرجعوا إلى المبدأ الواحد بل للأسف أيضاً أبعد من هذا نجد البلد الواحد يوجد فيه رسمياً الأحزاب المتعددة؛ ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون:٥٣] كل حزب يدعي أنه يخدم الأمة، وأنه يعمل لمصلحتها، فإذا انحلت الحكومة وجاءت الانتخاب قام كل حزب يقاتل الآخر، وتسفك الدماء ليصل الحزب الأكثر أو الأقوى إلى سدة الحكم ثم يتحكم في الآخرين، هل هذه وحدة؟ ليست والله وحدة؛ لأنها قائمة على أغراض شخصية وذاتية، أما الأخوة الإسلامية فإنها تلغي كل الروابط وكل العناصر إلا أخوة الإسلام. فهل علمنا حقيقة الأخوة كيف تكون؟ هل رأينا آثارها في المجتمع الإسلامي كيف كان؟ نسأل الله أن يرد المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها إلى دينهم، وأن يعودوا إلى هذا الإخاء في ذات الله.

стр. 67

آداب المسلم في التعامل مع أخيه قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات:١١] . تأملوا معي هذا النسق الكريم، وتحققوا وأيقنوا مما أسلفناه بأن هذه السورة الكريمة سورة الآداب أو سورة الحقوق، أو سورة الأخلاق على حسب ما تسمونها. لما بين حق الله ثم حقوق النبي الكريم في حضوره وفي غيبته في بيته كرب أسرة، جاء إلى حق الجماعة فيما بينهم بالصلح بين الطائفتين المقتتلتين، وأداء الواجب وتحمل المسئولية من أجل أخوة الإيمان، فكأنه في ذلك يقول: قد تم بناء الأمة على الإخاء، والتزمت الأمة عدم التقدم بين يدي الله ورسوله، وتبادلت الاحترام لرسول الله ﷺ ، ثم هي قامت بإصلاح ذات البين، واستقر الأمر وأصبحت خير أمة أخرجت للناس. كيف نحافظ على ذلك كله؟ فإذا بالآية الكريمة بعد ذلك: ﴿لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ فلكأن السخرية سبب في كل المفاسد على وجه الأرض، ولكأن السخرية هي الباعث على ما وراءها من كبار المخاطر والأخطار التي تقع في المجتمع، والسخرية كما يقولون: هو أن تتنقص من تسخر منه. ولماذا تسخر منه؟ لا يسخر إنسان من إنسان إلا إذا رأى لنفسه الفضل له على غيره، فيسخر منه. يقول العلماء: إن أول معصية وقعت هي الحسد، فجرت إلى الكبر، فكانت النتيجة الطرد من رحمة الله، وذلك في قضية إبليس؛ حسد آدم على نعمة الله عليه بأن خلقه بيديه، ونفخ فيه من روحه، وأسجد الملائكة له، وأسكنه الجنة، فلما أمر بالسجود له تكبر عليه. أقول: إن قبل الحسد السخرية؛ لأن الذي يسخر من إنسان يتنقصه فيستكثر نعمة الله عليه، ولذا جاءت الآية هنا، وأعتبرها بمثابة الوقاية للأمة بعد اكتمالها على أكمل ما يكون، وقاية من أسباب الفرقة والقتال والضياع، فبدأت أول ما يكون: (لا يَسْخَرْ) وكان ابن مسعود يقول: (والله إني أخاف إن خشيت من كلب أو خنزير أن يحولني الله كلباً أو خنزيراً) . وإذا نظرنا إلى قضية الحسد بين إبليس وآدم نقول: إن السخرية سبقت الحسد؛ لأن إبليس سخر من آدم أولاً، وكما في الأخبار: لما كان آدم من صلصال أجوف كان إذا ضربت عليه يصدر منه صوت كالطبل، فكان إبليس يدخل من طرفه ويخرج من طرفه الآخر ويقول للملائكة: سأوريكم شأن هذا، فكان يسخر منه، فلما جاءت نعم الله عليه ونفخ فيه من روحه، وصار إنساناً مكتملاً، توعد بين يدي الله أنه لا يسجد ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص:٨٢-٨٣] قال: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء:٦٢] . قال: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً﴾ [الإسراء:٦١] ، وقال: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص:٧٦] . لما رأى آدم حسده على تلك النعم؛ لأنه في حسبانه لا يستحقها، فجر ذلك إلى الكبر، ولهذا أيها الأخوة: أول المعاصي في الأرض وأول الشحناء على وجه الأرض كانت بسبب السخرية، وقد وجدنا هذا المبدأ ضمن مبادئ أساسية للمعاصي، فنجد في القوم الذين سألوا نبيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً﴾ [البقرة:٢٤٦-٢٤٧] . ماذا قالوا؟ ﴿قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنْ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:٢٤٧] ، هذا اصطفاء من الله، اصطفاه وذكر مقومات الملك والقيادة ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٤٧] ، العلم للتخطيط والإرشاد، ولمصالح العالم، وقوة الجسم للتنفيذ، فهو لم يؤت سعة من المال، لأن المال لا يؤدي إلى الملك، وقد يكون الرجل لديه الخزائن، وقد تكون المرأة لديها الكنوز، ولكن لا تصلح لملك ولا لقيادة. إذاً: المال من حيث هو ليس وسيلة للملك ولا وسيلة للقيادة. ونجد أيضا في بعثة النبي ﷺ تقول قريش: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف:٣١-٣٢] . قرص العيش نحن الذين قسمناه، أفتريدون أنتم التحكم برحمة الله. وهكذا المشركون عندما جاءوا إلى النبي ﷺ وقالوا: أبعد عنا هؤلاء المساكين. لماذا؟ سخرية من هؤلاء المساكين، والله قد عاتب رسوله في شأن ابن أم مكتوم في ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ [عبس:١] . إذاً: تبدأ الآية الكريمة بالنهي عن أخطر عناصر الأخلاق، وهو: سخرية إنسان من إنسان آخر. فهذا لا ينبغي أبداً. (لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ) أي: لا يتنقص، ولا يستهزئ، وهنا المقارنة أو المقابلة بين قوم ونساء، وهنا ينبه علماء التفسير الذين يتتبعون النكت في التفسير قالوا: قال هنا: (قَومٌ مِنْ قَوْمٍ) ثم عطف (نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ) ، ألسن النساء يدخلن في معنى القوم. قالوا: لغة لا. فكلمة (قَوْمٍ) تختص بالرجال وهو من القوامة والقيام بشئون الأعمال، والنساء لا يقمن بشيء. وما أدري إخا لك تدري أقوم آل حصن أم نساء ففصل بين القوم وهم الرجال وبين النساء، وهنا القسمة رباعية: قوم من قوم، نساء من نساء، جنس من جنس، لم يأت قوم من نساء، ولا نساء من قوم، قوم من قوم هذا جنس، نساء من نساء هذا جنس ثان، قوم من نساء لم يأت، نساء من رجال لم يأت. يقول علماء التفسير: لأن طبيعة الإنسان من حيث هو أن تكون السخرية بين الرجال والرجال؛ لأن الرجل هو الذي يتعاظم على الرجل فيسخر منه، وكذلك المرأة مع المرأة -أي: الجنس مع جنسه- أما رجل يسخر من امرأة فهذا لا يتأتى؛ لأن الرجل لا يضع نفسه في مقابل المرأة حتى يسخر أو لا يسخر، فهو جاعلها في حسبان بعيد عنه، وكذلك المرأة بقوامها وبكيانها وبتكوينها لا تعطيها طبيعة خلقتها أن تسخر من رجل، لأنها تعلم بأن الرجولة كمال لا يمكن لها هي أن تسخر منه، ولو كان أقل الرجال منزلة فهو في حسبان الأمة أعلى منزلة من أعلى امرأة من حيث الرجولة والأنوثة، وإن كان بعض النسوة يفقن بعض الرجال في العقل، ولكن المعادلة: لا يسخر قوم من قوم ولا نساء من نساء. ثم يبين: (عَسَى) وعسى من الله حقيقة (أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ) ، ويبين الرسول ﷺ للأمة ذلك. يقول ابن مسعود: (جلس النبي ﷺ مجلساً فمر رجل ليس ذا هيئة، فقال: ما تقولون في هذا؟ قالوا: إن استأذن لا يؤذن له، وإن تحدث لا يصغى إليه، وإن خطب لا يزوج، فسكت عنهم، ثم جاء شخص آخر ذو هيئة ومنصب فقال: ما تقولون في هذا؟ قالوا: إن استأذن أذن له، وإن تحدث أصغي إليه، وإن خطب زوج، فقال رسول الله ﷺ : لذاك خير من ملء الأرض من مثل هذا) . ذاك استخفوا بهيئته وأنه ضعيف ولكنه عند الله يعادل ملء الأرض من غيره. إذاً: لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكون المسخور منه خير منهم عند الله وكذلك النساء: ﴿وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ﴾ . ثم أتى بعد ذلك بتوابع الأخلاق الذميمة التي يترتب عليه أيضاً فساد المجتمع؛ فقال: ﴿وَلا تَلْمِزُوا﴾ بعضهم يقول: الغمز بالعين، واللمز الإشارة باليد، وهو نوع من أنواع السخرية، يعرض به بدل أن يتكلم صراحة، أو يعتقد في قلبه شيئاً ثم يبرز ذلك بعينه أو بلمزه أو غير ذلك، وكل ذلك تعبير في فلك السخرية. ﴿بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ﴾ (بِئْسَ) : ضد نعم، أو كما يقولون: من أخوات نعم، لكن على العكس، بئس فعل ذم، ونعم فعل مدح. (بِئْسَ الاِسْمُ) ، والاسم من الوسم وهو العلم على الشخص، كل إنسان له اسم يميزه، وسمي الاسم اسماً؛ لأنه كالوسم والعلامة التي عليه تميزه عن الآخرين، وهذا من خصائص الإنسان، وقد يسمي بعض الناس الحيوانات بأسماء تخصها، ﴿بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ﴾ أن تتسموا بالفسوق بعد أن كنتم مؤمنين. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠] ؛ كنتم إخوة وتمت الأخوة بينكم، فإذا ما وقعت السخرية ووقع الغمز واللمز كان هناك اسم آخر بسبب ذلك هو الفسوق؛ لأن من سخر بأخيه وغمزه ولمزه وعامله بهذا الانتقاص كان ذلك فسوقاً؛ لأنه خروج عن الجادة، وإخراج الشخص عن مكانته. ث

стр. 68

الأسئلة

стр. 69

حكم تلقيب الناس بما اشتهروا به السؤال ذهب بعض الناس مضرباً للجبن والبخل، فهل يعد ذلك من السخرية؟ الجواب الأخ هذا يقول والعهدة عليه: ذهب بعض الأقوام إلى أنهم اشتهروا بالبخل والشح، فإذا قلنا: الجماعة الفلانية بخلاء، هل هذا داخل في السخرية؟ سيأتي ذلك عند قوله: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات:١٢] وأن الرسول ﷺ سئل: (أرأيت يا رسول الله إن كان فيه ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته) . وسيأتي موضوع يجب التنبيه عليه وهو: إذا كان إنسان له لقب ولم يعرف إلا به، فاللقب على قسمين: لقب مدح ولقب ذم، فمن ألقاب المدح: الصديق رضي الله تعالى عنه، الفاروق، ذو النورين، ذو السبطين، هذه ألقاب للخلفاء الراشدين جميعاً، وهي ألقاب مدح وثناء، فإذا ما ذكر بها صاحبها كان ذلك مدحاً له. لكن هناك ألقاب أخرى ولكن لا أحفظ منها شيئاً، وهي ما يستحي منها صاحبها ويكره أن يذكر بها، فلا ينبغي أن تناديه باللقب الذي يكرهه. والألقاب قد تلتصق بالناس دون إرادة، ربما بسبب حادث من الأحداث تلصق به صفة من الصفات، مثل: صاحب أنف الناقة. على كل يقول علماء الحديث في المصطلح: إذا كنت في سبيل الجرح التعديل، ويوجد إنسان من الرواة اشتهر بلقبه ولو كان يكرهه فلا بأس، مثل: فلان الأعرج، الأعمى، الخرقي، الزيات، وهذه كلها مهن وصفات. فليس ذكره بهذا اللقب الذي يعرفه الرواة من باب السخرية، ولكن من باب التعريف بما هو به مشهور، وليس ذلك من التنابز بالألقاب، وسيأتي زيادة في هذا عند الكلام عن الغيبة إن شاء الله، والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد. والحمد لله رب العالمين.

стр. 70

تفسير سورة الحجرات [٤ - أ]

стр. 71

نهي الإسلام عن السخرية بين المجتمعات بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيد الأولين والآخرين، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات:١١] . أيها الإخوة! في هذه الآية الكريمة نداء للمؤمنين بأحب الأشياء إليهم، قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونََ﴾ [الحجرات:١١] . في هذه المقدمة من هذه الآية الكريمة ينادي المولى سبحانه عباده المؤمنين الذين التزموا بلوازم الإيمان، وهو: التصديق والعمل بكل ما جاء عن الله ورسول الله ﷺ ، ومن ذلك: هذا التعليم القرآني الكريم.

стр. 72

الإعجاز القرآني في قوله تعالى: (لا يسخر قوم من قوم) نلحظ في هذه الآية الإعجاز القرآني اللفظي والتنبيهات اللطيفة في قوله: (لا يَسْخَرْ قَومٌ) ، المفروض أن الذي سيسخر هو فرد واحد، ولكن الله سبحانه أسند السخرية المنهي عنها بقوم، والقوم هم الجماعة، و (قوم) لفظ خاص بجماعة الرجال، وقالوا: إن مادة قوم والقيام والقوامة ممثلة في الرجال؛ لأنهم هم الذين يقومون بالواجبات، كما قال الله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣٤] ؛ فوصف الرجال بالقوامة؛ ولذا كان لفظ القوم خاصاً بالرجال فقط، ولذا عطف عليه القسيم الثاني وهم النساء، فقال: (وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ) فكون الإسناد هنا لجماعة أو لقوم وهم عدد، مع أن العادة جارية بأن السخرية لا تنشأ ولا توجد إلا من فرد واحد؛ فلماذا جاء اللفظ بالقوم -وهم الجماعة- نيابة على الواحد؟ أشرنا سابقاً بأن آيات القرآن يرتبط بعضها ببعض، ولذا لو رجعنا قليلاً لوجدنا قوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩] ، فهنا طائفة متقاتلة مع طائفة أخرى، والطائفة هي الجماعة، والجماعة هي القوم، ولما انتهى القتال وجاء الإصلاح وتدخل المؤمنون قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ َ﴾ [الحجرات:١٠] ، ثم جاء تصفية ما عساه أن يكون من بقايا القتال بين الطائفتين، فقد تكون طائفة أقوى من الأخرى فتفخر عليها وتسخر من الطرف الثاني، فجاء التعبير بالقوم بناء على أنه تقدم عندنا طائفتان.

стр. 73

اشتراك الراضي عن الفعل في الأثم لو أن شخصاً من إحدى الطائفتين سخر بالطائفة الثانية؛ فإن إسناد السخرية يكون للطائفة التي منها الشخص الذي سخر، ويكون الإسناد للمجموع لا للفرد فقط؛ لأن الواحد يتكلم باسم جماعته، ومن هنا لو أن البعض لم يسخر ولم يرض لكنه مشارك بالسكوت كما قيل: وسامع الذم شريك لقائله ومطعم المأكول شريك الآكل الذي سمع ما ذم إنساناً لكنه سمع ورضي وتلذذ بذلك، كما قيل: لم آمر بها ولم تسؤني؛ فهو مشارك للذي سب، أو ذم غيره، وعليه فهو مشترك في الإثم، وهكذا هنا الجماعة الواحدة؛ فالذي يتكلم منهم ويسخر من الطائفة الثانية كأنه تكلم باسم الجميع، والجميع يتحمل الإثم؛ لأنه سكت ورضي. وهكذا أي إنسان ذكر إنساناً بسوء وعنده من إخوانه من لم يرد عليه ولم يمنعه؛ فمن رضي بذلك فهو مشترك في الإثم معه بسكوته عنه وعدم نهيه عن فعله، ولذا جاء في بني إسرائيل: ﴿كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٩] ، ويقول علماء الأصول: الترك فعل في صحيح المذهب، فإذا رأى إنسان منكراً وهو يستطيع أن ينكره وترك النهي فهو كالذي فعله، ولو أن إنساناً وجد آخر يسبح في الماء وأوشك على الغرق، ويستطيع أن ينقذه دون مضرة عليه؛ فتركه حتى غرق فهو مشارك في مسئولية غرقه، ويقولون أيضاً: لو أن إنساناً في فلاة ووجد ظمآناً يكاد أن يهلك من العطش، وعنده فضل ماء يزيد على حاجته وتركه ولم يسقه فمات فهو مسئول عنه. وأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول: (لو أن إنساناً مات جوعاً في حي من الأحياء لألزمتهم ديته لأنهم تركوا إطعامه) ، هم لم يقتلوه ولكنهم أمسكوا فضل طعامهم ومائهم؛ فبإمساكهم ما به حياة إنسان يكونوا قد فعلوا ما يوجب الموت بالفعل، وهنا إشارة لطيفة في التعبير بلفظ بدل من لفظ، كان ممكن أن يقول: لا يسخر إنسان من إنسان، مسلم من مسلم، مؤمن من مؤمن، وهي تؤدي المعنى، ولكن يأتي بلفظ: (قوم) ، والحاصل: أن السخرية لا تنشأ إلا من شخص واحد، إذا الواحد الذي أنشأ السخرية يمثل القوم، والقوم موافقون وراضون وساكتون، أما من ينكر ذلك فقد خرج منهم.

стр. 74

جهات الخيرية الموجودة في المسخور منه (لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا) أي: المسخور منه خير من هؤلاء الذين سخروا، (عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ) . وكما يقولون: السخرية لا تكون إلا في جمع من الناس؛ لأنه لا يسخر من إنسان بينه وبين نفسه، وقد يكون هذا يتنقصه في نفسه ولكن العادة أنه لا يسخر من إنسان إلا بحضور آخرين، ويسخر منه ويتنقص في أمر يسخر منه، قد يسخر قوي من ضعيف غني من فقير سليم من مريض، كل هذه الأنواع المتغايرة المتفاضل فيها قد يسخر من الناقص منها. ولكن يقول سبحانه: (عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ) ، الخيرية هذه لها جهتان: خيرية في الدنيا، وخيرية في الآخرة. عسى أن يكونوا خيراً منهم عند الله، أنت تسخر منه وهو خير منك عند الله، يبقى فالسخرية حينها ترجع عليك أنت، كما جاء عنه ﷺ أنه مر عليهم -وهو في أصحابه- رجل قوي جلد ذو هيئة فقال: (ما تقولون في هذا؟ قالوا: نعم الرجل، إن استأذن أذن له، وإن تحدث أصغي إليه وإن خطب زوج. فسكت عنهم حتى مر إنسان مسكين نحيف الجسم ضعيف الحال، فقال: ما تقولون في هذا؟ قالوا: إن تحدث لا يصغى إليه، وإن استأذن لا يؤذن له، وإن خطب لا يزوج. قال: لهذا خير من ملء الأرض من ذاك عند الله) ، فهذا الذي تنظرون إليه على أنه ضعيف أو تزدريه أعينكم خير من ملء الأرض من ذاك الذي ملأ أعينكم وأخذ إعجابكم. هذه الخيرية عند الله. لكن وإن قال جميع المفسرين هذا ولكن نقول: هذا في الدنيا؛ أنت غني تسخر من فقير، وما يدريك أن هذا الفقير على مكارم الأخلاق، وأحسن العادات صدوق في الحديث، وفيّ في العهود، محافظ على أوامر الله، يقيم الصلاة، يصوم رمضان، بينما أنت مفرط في بعض ذلك. قد تسخر منه لصحتك وهو مريض، وما يدريك لعله في مرضه يقوم الليل ويناجي ربه، وأنت غارق في النوم. إذاً: قد تكون الخيرية في الدنيا بجوانب أخرى، أنت استنقصته بفقره والله عوضه من ذلك، ولهذا جاء عن الإمام علي رضي الله تعالى عنه أنه قال: (إن الله تعالى قسم العطاء على الخلق، ولو نظرت في أحوال الناس لوجدتهم من حيث العطاء سواء) قد تقول: كيف هؤلاء متساوون: هذا فقير وهذا غني، وهذا صحيح وهذا مريض، قال: (إن أعطى هذا مالاً ومنعه من هذا، فقد يعطي هذا راحة بال وطمأنينة نفس خير من مال هذا) ، قد يكون المال مشغلاً لصاحبه، مقلقاً له، مؤرقاً إياه، ولكن هذا راض بما قسم الله له، والرضا عطاء من عند الله، فيبيت مطمئناً راضياً قانعاً، فيكون أسعد حالاً، وقد يعطي الله هذا مالاً ويمرض هذا ويعطيه من الحكمة والعلم ما يساوي مئات المرات مما أعطى هذا من صحة ومال. وكما جاء عن عروة بن الزبير: أنه سافر إلى العراق إلى معاوية وحصل له في الطريق ما حصل، وهناك أصيبت ساقه، فجاء الطبيب فقال: لابد من بترها حتى لا يتفشى المرض في باقي الجسم فتقضي على حياتك، أخيراً: قطعت الرجل، فلما جاء إلى المدينة غطاها، وكان الناس يأتون يسلمون عليه ويعزونه في رجله، فدخل عليه أناس من أصحابه الأخصين، فقال لابنه: (اكشف عن رجلي ليراها فلان، فنظر إليه فضحك، قال: ما يضحكك على هذه المصيبة؟ قال: نحن ما أعددناك للسباق والصراع، ولكن أعددناك للعلم والفقه -وكان عروة أحد الفقهاء السبعة- قال: والله ما عزاني أحد فيها كما عزيتني أنت) ؛ فلئن ذهب جزء من الساق أو الساق بكاملها فقد أعطاه الله من العلم والحكمة ما يفوق على الدنيا وما فيها. إذاً: عسى أن يكونوا في الدنيا بجوانب أخرى خيراً منكم؛ فلا يسخر قوم من قوم. إذا رأى الإنسان من نفسه تطلعاً أو تطاولاً وجاء الشيطان وأغراه فليقمع الشيطان عنه، وليعلم بأن هناك صفات أخرى إما معنوية أو حسية هي خير مما يسخر به هذا الإنسان. إذاً: فالأحمق وغير العاقل هو الذي يسخر من أخيه الإنسان، ألفقره وغناك تسخر منه؟ فالغنى ليس بمحض جهدك بل الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، لينظر هل يشكر أم يكفر، يصبر أم يضجر؟ فهو عطاء من عند الله، والصحة كذلك ليست من جهدك ولا من عطائك، وهكذا لا ينبغي لعاقل قط أن يسخر من إنسان آخر رآه في حسبانه هو أنه منقصة في هذا الشخص الآخر، لا وكلا، ولذا جاء عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: (والله إني لأخشى لو أنني سخرت من كلب أن يمسخني الله كلباً) .

стр. 75

الخيرية الموجبة لعدم السخرية بين النساء ثم قال الله: (وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ) ، امرأة هي جميلة في نظرها تنظر إلى أخرى وترى أنها ذميمة، هي رابعة الطول وهي قصيرة، ذات حسب ونسب، وتلك خادمة مسكينة، وكذلك كل ما يقال ويوجد في الرجال للرجال يقال ويوجد في النساء للنساء، قد تسخر منها لجمالها وتكون إما عند الله هي خير منها، وإما أن تكون في الدنيا أيضاً. أنس ﵁ لما تزوج ودخل على زوجه -ما كان رآها قبل ذلك- فلما نظر إليها كأنه كان يتوقع أحسن من هذا، فعرفت ذلك في وجهه، فقالت: يا أنس! إن الله تعالى يقول: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١٦] . وهو رجل فقيه لما سمع كلام الله وفي وقت حرج مثل هذا قال: قبلنا، فرزقه الله منها بـ مالك فعوضه الله بأعلى من المستوى الذي كان يريد، ومالك جاء بجارية ورزق منها بهذا الولد الذي أصبح إمام دار الهجرة، والله لو كان سيزنها بالذهب فإنه لا يعادلها، لو أن امرأة أخرى في جمالها وحسبها رأت تلك المرأة التي تزوجها أنس لازدرتها، ولو كانت تعرف بأنها سوف تنجب مالك بن أنس، في تلك الساعة ازدرت نفسها عند تلك المرأة. يقول بعض العلماء: إن القسمة هنا ثنائية رجال من رجال. هذا قسم، نساء من نساء. هذا قسم آخر، ولم يأت ذكر رجال يسخرون من نساء، ولا قسم نساء يسخرن من رجال؛ لأن بين الرجل والمرأة بون شاسع، وكمال الرجل لا يجعله يضع نفسه في مقارنة مع امرأة؛ لأنه ينظر نقائصها فلا يسخر منها، وكذلك المرأة مع الرجل؛ لأنها ترى أن الرجل أعلى منزلة منها، فلا تضع نفسها في رفعة حتى أنها تسخر من الرجل، فرجولته تغطي كل شيء، ولذا جاء بالفريقين فقط: قوم من قوم، ونساء من نساء.
следующие страницы →