← Тафсир

Тафсир · id 7715

تفسير سورة الحجرات

عطية سالم

Полный текст (127 стр.). Показаны 106–127 · переход к 111.

стр. 106

تفسير سورة الحجرات [٥ - ب]

стр. 107

تفسير قوله تعالى: (قالت الأعراب آمنا ... ) باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: فقد تقدم مناقشة الأعراب في قولهم: (آمنا) : ﴿قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤] ، وتقدم التنبيه على هذه النكتة اللطيفة في قوله سبحانه: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤] ، بدلاً من أن يقول: (ولكن أسلمتم) ؛ لأن فيه هذا شهادة لهم من الله بإسلامهم، ولكن من حسبان القول: (قالت) لا، (قولوا) ، ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤] . وقدمنا بأن قوله سبحانه: ﴿قَالَتْ الأَعْرَابُ﴾ [الحجرات:١٤] ، قول عام مخصوص ببعض الأعراب، وهم جماعة من بني أسد أتوا إلى النبي ﷺ وقالوا: (آمنا) . والله قسم الأعراب إلى قسمين: منهم من آمن بالله وينفق في سبيل الله، ويتخذ ما ينفقه مغنماً وقربة عند الله، ومنهم من لم يؤمن، أو استسلم، أو نافق واتخذ ما ينفقه مغرماً وغرامة وقعت عليه. أي: لا يؤمن بجزائها ولا بالثواب عليها؛ لأنه لا يؤمن بالبعث الذي هو يوم الجزاء. وهذا القسم رجح والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه في الأضواء بأنهم كانوا منافقين، أظهروا الإسلام أو قول الإيمان بألسنتهم ولمّا يدخل الإيمان في قلوبهم، وقال: إنهم أتوا إلى النبي ﷺ معلنين ذلك رغبة ورهبة، رغبة أن يشاركوا في الغنائم مع المسلمين، ورهبة في أن يقاتلوا وتسفك دماؤهم وتسلب أموالهم. وبيّن في آخر السياق: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً﴾ [الحجرات:١٤] ، أي: مع قولكم (أسلمنا) ونفي الإيمان عنكم أن تطيعوا الله وتطيعوا الرسول ﷺ ، فإن الله ﴿لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤] ، أي: لا ينقصكم من أجورها. والله ليس بظلام للعبيد، حتى إن الكافر المعلن كفره إذا عمل من أعمال الخير فإن الله يجازيه عليها ولكن في الدنيا، أما في الآخرة، فكما قال في الآية الكريمة: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣] . وعلى هذا فالقرآن يبين لهؤلاء الناس الذين قالوا بألسنتهم، وصحح مقالتهم من الإيمان إلى الإسلام، ومع عدم وجود الإيمان المطابق لأقوالهم فإنهم إن أطاعوا الله وأطاعوا رسول الله ﷺ فإن أعمالهم محسوبة لهم ومحفوظة عليهم، ولا ينقص من أجورهم شيئاً؛ لذا سبق هذه الآية بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:١٣] ، عليم بصدق ما قلتم، خبير بضمائركم وما تخفيه صدوركم، ليبين لهم حقيقة الموقف وما ينبغي أن يقولونه وهو مقالة الإسلام لا مقالة الإيمان. وهناك من يقول: (لما) أخت (لم) في النفي، ولكن لما تشعر بأن النفي مؤقت وليس قطعياً أبدياً، وينتظر أو يرجى حصول هذا المنفي تدريجياً، ويمثلون لذلك بقول القائل: أثمر الشجر ولما يينع الثمر. أي: أصل الثمرة موجودة ولكنها لا زالت ثبجة لا تصلح للأكل ولما تنضج، فهي في طريق النضج تدريجياً، وهكذا الثمار تبدأ ثبجة أولاً، ثم تتدرج في النضج إلى أن تستوي في نهايته وتكون ثمراً جنياً. ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الحجرات:١٤] ، هذا على العموم والإطلاق؛ لأن طاعة الله وطاعة الرسول ﷺ واجبة مطلقة، ولكن يأتي هناك استثناءات فيما إذا عجز الإنسان، أو حال دون ذلك حائل فإنه يغفر له ويسامحه في ذلك ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ، ويقول ﷺ : (إذا أمرتكم بشيء فائتوا منه ما استطعتم) ، فالفعل على الاستطاعة، والترك على القطع (وإن نهيتكم عن شيء فاجتنبوه) ، ليس هناك تبعيض في الاجتناب؛ لأن الترك سلبي، بخلاف الصلاة، فإنه عمل تكليف، والتكليف قد يشق على المكلف، وعند المشقة يأتي التيسير.

стр. 108

صفات المؤمنين وأعمالهم ثم بين الحقيقة: لما رد على الأعراب مقالتهم: (آمنا) ولم يستقر الإيمان في قلوبهم، ولم يصدقوا مقالتهم بألسنتهم وبأفعالهم بين لهم سبحانه، فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ [الحجرات:١٥] ، أي: حقيقة المؤمنين.

стр. 109

اللطائف البلاغية في قوله تعالى: (إنما المؤمنون إخوة) ويقولون في علم العربية (إنما) أقوى أدوات الحصر، وكذلك النفي والإثبات، تقول: لا شاعر إلا زيد، (لا) نفي، و (إلا) استثناء، وكذلك تقديم ما حقه التأخير: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة:٥] ، أصلها: نعبدك ونستعينك، فكاف الخطاب محلها التأخير، فلما فصلت وقدمت جاءتها (إيا) من أجل النطق بها؛ لأنه لا ينطق بكاف الخطاب مجردة، فقدمت كاف الخطاب عن محلها فكان دليلاً على القصر، قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة:٥] لا نعبد غيرك، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] لا نستعين بسواك. فهذه كما يقولون: أدوات القصر، وكذلك تعريف الطرفين لو قلت: زيد كاتب، قد يكون كاتب من الكتاب، ولكن إذا قلت: الكاتب زيد، فهذا قصر، ويقولون: القصر نسبي وحقيقي، والقصر النسبي ما كان بالنسبة إلى أشخاص آخرين يدَّعون الكتابة، تقول: الكاتب أي: حقيقة هو فلان، وهكذا (إنما) النفي والإثبات تقديم ما حقه التأخير تعريف الطرفين. هذه هي أدوات القصر في علم البلاغة، وأقواها (إنما) . ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ [الحجرات:١٥] ، أي: حقيقة المؤمنين ما هي؟ من هم المؤمنون حقاً لا ما يدعي أولئك الأعراب الذين لم تصدق قلوبهم منطق لسانهم، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ﴾ [الحجرات:١٥] (الَّذِينَ) اسم موصول. ﴿آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات:١٥] ، هنا لطائف بلاغية كما يقول علماء التفسير: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات:١٥] ، كان ممكن، أن يقال: (ولم يرتابوا) ، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات:١٥] ، و (ثم) هنا كما يقولون: للتعقيب والتراخي. أولاً: الريب إنما هو الشك، والشك التردد، والتردد والشك هما نتيجة وسوسة الشيطان للعبد، يوسوس إليه فيوجد عنده شكاً في الحقائق فيتردد ويرتاب، فإذا ارتاب كان مذبذباً بين هذا وذاك، ولم يستقر حاله على أمر، وقد قدمنا بأن الشك هو تعادل الكفتين في العلم، والظن ترجيح إحدى الكفتين، والوهم هو الكفة الراجحة، والعلم هو ما لا يوجد مقابله وهم، فالشك تردد، والمتردد لم يجزم ولم يستقر على ما يريده. وأخطر ما يكون في هذه الحياة من أمور الدنيا والدين إنما هو التردد والريب، ولهذا يجد المتأمل في كتاب الله أن المصحف الشريف بدأ بنفي الريب باليقين، وانتهى بنفي الشك والريب والوسوسة، ويهمنا هنا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ . ثم بين سبحانه: (ثُمَّ لَمْ) ومجيء (ثم) هنا يبين به سبحانه بأن المؤمنين حقاً الذين آمنوا إيمان يقين ولم يقم مع إيمانهم شك ولا تردد، ثم هم يثبتون على الإيمان القاطع من أول إيمانهم إلى آخر أمرهم في الحياة حتى يخرجون من الدنيا. (ثُمَّ لَمْ) ، أي: لم يطرأ على إيمانهم فيما بعد ريب، فهم مؤمنون على يقين من أول لحظة، ويستمرون على اليقين في إيمانهم، ولم تزعزعهم القضايا التي تعرض عليهم، ولم تزعزعهم الشدائد التي تضر بهم، بل يثبتون على يقينهم، ثم مهما طال الزمن، ومهما واجهوا من أحداث لن يأتي الريب إلى قلوبهم، ولن يجد الشك إلى يقينهم مدخلاً ولا طريقاً.

стр. 110

يقين المؤمنين في الأمم السابقة يقول العلماء: وقريباً من ذلك قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت:٣٠] ، أي: استمروا على مقالتهم واعتقادهم هذا إلى النهاية، كما جاء عن الصديق رضي الله تعالى عنه أنه قال: (قالوا ربنا الله ثم استقاموا على هذا القول قولاً وفعلاً إلى أن ماتوا، ولم تتغير مقالتهم، ولم تتغير استقامتهم في منهجهم الذي سلكوه) . وإذا نظرنا إلى عنصر اليقين مع المؤمن: نجد من أول الدنيا وفي الأديان جميعاً أن اليقين هو عنصر النجاح والثبات، ونجد الشدائد التي وقعت بالأمم مهما كانت يكون علاجها باليقين، كما وقع مثلاً في قضية أصحاب الأخدود؛ حينما أوقد ملكهم النار، وعرض عليهم الرجوع عن الإيمان، فامتنعوا، فقال: من امتنع سألقيه في تلك الأخاديد الموقدة، فما ارتابوا، ولا ترددوا، وقضية الطفل الرضيع، لما عُرِضت أمه على النار أو أن ترجع عن دينها فأبت، ولكنها رأت طفلها فأشفقت عليه أن تلقي بنفسها وهو معها في النار، لم تفكر في نفسها ولكن طفلها ما ذنبه؛ لأنه لم يبلغ مبلغ الإيمان، ولكن الله أنطق هذا الطفل وهو ثالث ثلاثة نطقوا في المهد، قال: قعي في النار يا أماه ولا تتقاعسي فإنك على الحق، فهذه الأم على هذا الوضع ألقت بنفسها في النار وهي على يقين من أنها على الحق، فما ترددت ولا رجعت. ومن قبل ذلك أيضاً سحرة فرعون: جاءوا مناصرين للباطل ويعرضون على فرعون: ﴿أَئِنَّ لَنَا لأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الشعراء:٤١-٤٢] ، فجاءوا أعواناً للباطل، مشمرين ليدحضوا رسول الله وبما جاءهم به من الآيات، ولكنهم لما عاينوا الحق وهم أعرف بفن السحر، وعلموا أن ما جاء به موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ليس من باب سحرهم، وإنما هو فوق ما يظنه العقل أو يتداركه، حين ذلك آمنوا بالله . ولما هددهم فرعون قال: ﴿لأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١] ، سبحان الله! النخل أشد ما يكون خشونة، تلمسه بيدك تتألم، وهو يريد أن يصلبهم على جذوع النخل، قالوا: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه:٧٢] ، استهانوا بتعذيب فرعون بعد أن كانوا نصراء له وانقلبوا عليه ووقفوا ضده يقيناً بالله؛ لما وجدوا الآية الكبرى مع موسى ﵇. ولهذا يقولون في قصتهم: كان كبير السحرة في ذلك الوقت قد هرم ولم يستطع أن يحضر ذلك النادي، فلما قيل له ذلك؛ وذكروا له إيمان السحرة وعابوهم، قال: أخبروني عن تلك الحية التي ابتلعت الحبال والعصي، أبقيت على حجمها الأول قبل أن تلتقمها، أم أنها انتفخت وكبرت بعد أن التقمتها؟ قالوا له: لم يتغير حجمها وكانت على ما هي عليه، قال: إذن هذه آية وليست سحراً. ولهذا يقول والدنا الشيخ الأمين: هذا علم قد يكون حراماً، ولكنه نفع السحرة بأن عرفوا بأن حقيقة ما جاء به نبي الله موسى ﵊ ليس من نوع سحرهم، فآمنوا؛ لعلمهم بحقيقة السحر. وهكذا هؤلاء يهددهم فرعون الطاغية بأنه سوف يصلبهم وسيقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وكل أنواع التهديد عرضه عليهم، ومع ذلك قالوا: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:١٢١] قالوا: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه:٧٢] ، بخلاف الآخرة ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر:٣٦] ، لا يخرجون من النار ولا يموتون فيها. يعني: عذاب دائم مستمر. إذاً: هؤلاء دخل اليقين إلى قلوبهم، حتى مع مجيء الشدائد عليهم لم يرتابوا فيما آمنوا به.

стр. 111

يقين المؤمنين في عهد النبوة لما اشتد الأمر على المسلمين في مكة، وجلس ﷺ بالحجر، ومعه بعض أصحابه، قالوا: يا رسول الله! ادع الله لنا أن ينصرنا على المشركين، فضحك ﷺ وقال: (والله ليتمن الله هذا الأمر حتى تسير الضعينة من صنعاء إلى حضرموت لا تخشى إلا الله والذئب على الغنم) ، كيف يحصل ذلك وهم يعذبون ومضطهدون؟ إنه اليقين بالله. ونأتي إلى حدث كان قبل ذلك، حينما جاءوا إلى عمه ليكلمه في أن يترك ذلك، وقالوا: إن كان يريد مالاً جمعنا له، وإن كان يريد ملكاً نصبناه علينا، وإن كان يريد زواجاً زوجناه أجمل من في العرب، وإن كان وإن كان إلى آخره، فقال: (فرغت يا عم؟ قال: بلى، قال: والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى تذهب هذه عن هذه) ، سبحان الله! قال ذلك وهو أحوج ما يكون إلى عمه، ومع ذلك يتحدى ولو جاءوا بالشمس والقمر، لا بأموالهم ولا بنسائهم ولا بجاههم وملكهم، لن ينظر لذلك قط حتى يتم الله هذا الأمر، وعلى هذا فعلاً كان على يقين من ربه سبحانه. وليلة الهجرة حينما يأتي عشرة شبان بسيوفهم على بابه، ويأتيه جبريل ويخبره، فيخرج يقيناً بالله مستخفاً بهؤلاء، ولم يكتف بالخروج من تحت أيديهم، بل أخذ التراب من تحت أقدامهم ووضعه على رءوسهم، ويقرأ قوله سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس:٩] ، سبحان الله العظيم!! يحجب الله رسوله عن أبصارهم، عشرون عيناً تنظر فلم تره! ثم يذهب ويصل إلى الغار، ويأتي الطلب وراء ذلك، ويقول الصديق: يا رسول الله! والله لو نظر أحدهم أسفل نعليه لأبصرنا، فماذا كان رده ﷺ ؟ كان منطق اليقين يتجسم في كلامه حتى يملأ الغار أمناً وطمأنينة: (ما بالك باثنين الله ثالثهما) ، ومن كان الله ثالثهما هل يخافا؟! لا والله، آمناً مطمئناً، وكتب السيرة تذكر أحداثاً عجيبة في هذا الغار المبارك.

стр. 112

صدقة عائشة ﵂ دلالة على إيمانها خرج ﷺ من مكة إلى المدينة، وانتشر الإسلام، ثم يكون هناك من بعض الأفراد اليقين الجازم كما قدمنا مراراً عن أم المؤمنين عائشة ﵂ في قصتها مع بريرة وقرص الشعير، وكانت صائمة، وجاء مسكين، فقال: صدقة يا آل بيت رسول الله، قالت عائشة: يا بريرة أعطي السائل، قالت: ما عندي ما أعطيه، إلا قرص شعير تفطرين عليه في المغرب، فماذا قالت أم المؤمنين؟ هل قالت: احفظيه لنا؟! لا، بل قالت: أعطي السائل القرص وعند المغرب يرزق الله، فذهبت بريرة وهي تتغنى بقول عائشة: عند المغرب يرزق الله، لم ترتفع بريرة إلى مستوى أم المؤمنين في اليقين بالله سبحانه، ثم جاء المغرب ما رزق الله، قامت تصلي أمامها، وبريرة جلست تريد أن ترى رزق الله، فما خرجت أم المؤمنين من صلاة المغرب والتفتت إلا وشاة كاملة أمامها بقرامها، قالوا: القرام هو أطرافها وما معها، أو أن القرام هو أنهم إذا أرادوا شوي الشاة بعد سلخها جاءوا بالعجين وطلوها به من جميع الجوانب، ووضعوا عليها الجمر، فإذا جف هذا العجين نضجت الشاة من داخله، وبقي العجين يتلقى الأتربة وغير ذلك، فيقشرون هذا العجين عنها كما تقشر البيضة أو حبة الموز، والآن يستبدلونه بالقصدير، فيدخلون اللحم في الفرن بالقصدير، ويبقى على ما هو عليه. فقالت أم المؤمنين لـ بريرة: ما هذا يا بريرة؟ قالت: والله أهداه إلينا رجل، والله ما أهدى إلينا قبل ذلك قط. يعني: شيء عجيب، لو أنه معتاد أنه يأتي له حسب العادة، لما فوجئ أهل البيت، لكنه على العكس ما أتى لنا بشيء أبداً من قبل. إذاً: شيء ساقه الله بخصوصه، ماذا قالت أم المؤمنين؟ قالت: (يا بريرة! كلي فهذا خير من قرصك) ، أنت كنت حريصة على أن يبقى قرص الشعير؛ لأنك صائمة، فأعطيت قرص الشعير وجاءت الشاة. ثم قالت -وهو محل الشاهد-: (والله لا يكمل إيمان العبد حتى يكون يقينه فيما عند الله أقوى من يقينه فيما في قبضة يده) ، الخبز بيدها، ولكنها تصدقت به، ويقينها وإيمانها عند الله أقوى في قلبها من هذا الذي في قبضة يدها، وهذا هو حقيقة الإيمان.

стр. 113

اليقين هو مبدأ السعادة وهكذا لو تأملنا أن تمرة تقبض عليها بيديك الاثنتين، ثم جئت لتتناولها فضرب إنسان على كفك فطارت فالتقطها وأخذها وصلت إلى باب فيك ولكن لم تمضغها ولم تأكلها، ولكن هو ما عند الله، والله لو اجتمع الإنس والجن على أن يحولوا بينك وبينه والله ما استطاعوا ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة:٥١] . وعلى هذا اليقين هو مبدأ السعادة والنجاة في كل شيء، ونجد هذا من أول الحياة الدنيا مع الرسل وأتباعهم، وفي هذه الأمة، ومع النبي ﷺ ، ومع بعض الأفراد، نجد اليقين هو منطلق الإيمان، وهو مبدأ السعادة في حياة الإنسان. ثم نجد ما أشرنا إليه من ارتباط اليقين في كتاب الله، نجد مبدئياً بعد فاتحة الكتاب قوله سبحانه: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة:١-٤] ، اليقين موجود عند هؤلاء بالآخرة، واليقين بالآخرة هو منطلق فعل كل خير علامَ يتحمل الناس الالتزام بالصلوات الخمس؟ علام يلتزم الناس صوم رمضان جوعاً وعطشاً؟ علام يلتزم الإنسان إخراج جزء من المال بكفه وعرق جبينه ويعطيه إلى غيره؟ علام يتحمل الإنسان السفر الطويل من كل فج عميق، ويأتي في حل وارتحال للحج؟ علام يتحمل الناس مسئولية الجهاد وسفك الدماء؟ كل ذلك لأي شيء؟!! لدافع لذلك الإيمان بالغيب واليقين بما فيه من عند الله سبحانه، ولولا ذلك اليقين ما حصل شيء من ذلك، ولهذا المنافق لعدم يقينه يعمل ما كان ظاهراً أمام الناس، وإذا خلا بينه وبين أصحابه جحد ما كان يظهره بلسانه. وهكذا جاء الحديث خاصة في المال على ما سيأتي ﴿بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ﴾ [الحجرات:١٥] ، وأن الصدقة برهان. أي: دليل قاطع على صدق من يقول: آمنت بالله، وسيأتي إيضاحه إن شاء الله. إذاً: هنا ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ﴾ [الحجرات:١٥] ، (ثم) هنا إنما جاءت للتراخي بعد نقطة مبدأ الإيمان، فقد صدر إيمانهم بيقين في وقتها، ثم ثبتوا على هذا اليقين، ومع استمرارهم ومضي الزمن وطوله. وننظر في الأمر الجماعي في غزوة الأحزاب، في حفر الخندق لما اعترضت صخرة جماعة سلمان الفارسي أو أبي هريرة، وتكسرت عليها معاولهم، والغريب أن صخرة اعترضتهم طريقهم مع أن مكان الخندق في أرض سهلة، وهو ما بين طرف الحرة الغربية عند المعهد الوطني، عند كلية أمين مدني ومعرض العامر، ويمتد إلى مقابله إلى الحرة الشرقية -وهي كلها أرض سهلة- لكن اعترضت صخرة في طريقهم في الحفر، لتكون آية من عند الله، وتكسرت عليها معاولهم، واشتكوا إلى النبي ﷺ ، قال: أنا آتي، فلما رآها طلب ماءً وتوضأ، ونثر الماء على الصخرة، ثم أخذ المعول وضرب ثلاث ضربات، فأول ضربة أبرقت وتكسرت، والثانية تفتت، والثالثة صارت كثيباً من الرمل، وفي كل ضربة تبرق برقة ويكبر رسول الله معها. قالوا: ما هذه البرقة وما هذا التكبير يا رسول الله؟ قال: (أرأيتم؟ قالوا: بلى، قال: إن الله قد أراني صنعاء والشام وبصرى العراق) ، أي: إن الله سيفتح للمسلمين هذه الأمصار الثلاثة، في هذه الحالة مع شدة الخوف والجوع والبرد، ظهر النفاق والارتياب، فقال المنافقون: يعدنا قصور بصرى والشام وصنعاء وإن أحدنا ليخاف على نفسه أن يذهب فيقضي حاجته. هذه مقالة المنافقين. أما أهل الإيمان فقالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٢٢] ، وما زادتهم تلك الشدة وهذا الواقع إلا إيماناً وتسليماً لله، فهذا هو الإيمان الحقيقي، تلك الشدة ما زعزعت إيمانهم، ولا أضعفت يقينهم، بل زادتهم إيماناً، وكما يقولون: الشدة تورث اليقين، أو تدعم التضامن والتجمع. لما تكون أقلية إسلامية في بلد، ويحسون بالشدة والضغينة من الأكثرية ينضم بعضهم إلى بعض، ويقوى ارتباطهم ببعض للدفاع عن النفس، وهؤلاء المؤمنون جاءتهم وواجهتهم تلك الشدائد، ولكنهم لم يرتابوا.

стр. 114

اليقين في كتاب الله نجد اليقين كما أسلفنا من أول كتاب الله إلى آخرة وما بين الطرفين عمل بمقتضى ذلك اليقين، أشرنا إلى الطرف الأول ﴿وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة:٤] ، وافتح المصحف وقلب أوراقه إلى أن تأتي إلى الصفحة الأخيرة، ماذا تجد في المصحف الكريم؟ المعوذتين، تجد الأولى: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١] ، صفة عامة، ولكن (فلق) هنا تأتي على جميع الخلق، فلق الرحم عن الجنين، فلق الحبة عن النبات، فلق الليل عن الفجر، فلق وفلق إلى كل ما تتصور في مخيلتك. ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق:٢-٥] ، فجيء بصفة واحدة أمام أربعة مضار ومفاسد يتعوذ منها. الأولى: العامة: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق:٢] ، حتى قال ابن عباس: المعاصي مما خلق، كأنك تستعيذ بالله أن تقع في معصية، (وغاسق إذا وقب) قال: القمر إذا غاب؛ لأنه وقت اتخاذ السحرة السحر لظلام الليل، (نفاثات) أي: سحرة، (حاسد إذا حسد) وكل ذلك من أضرار البدن المادية. تجد السورة الأخيرة التي ختم بها المصحف الشريف: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ﴾ [الناس:١-٣] هناك: (رب الفلق * من شر) ، وذكر أربع شرور يستعاذ منها، وهنا ثلاث صفات (رب ملك إله) ويقول العلماء: هذه صفات العظمة لله سبحانه؛ لأنها جامعة، الرب رب العالمين، والربوبية قاعدة توحيد الألوهية؛ لأنه يُستدل بفعل الرب لعباده على استحقاقه لإفراده بالعبادة، ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش:٣-٤] ، اعبدوه مقابل ما أطعمكم وآمنكم، وهكذا كثير من نصوص القرآن الكريم تسير على ذلك النمط. فنجد هنا (رب الناس) ، والرب هو الخالق المربي، أي: خلق الخلق ورباهم على نعمه ورزقهم. (ملك الناس) ، والملك هنا كامل؛ لأنه ملك قدرة وسلطان، لا ملك سياسة وإدارة كملوك الأرض وملوك الدنيا؛ لأن هنا الملك بالفعل والقدرة والسلطان، ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى:٤٩] . هذه حقيقة الملك، ولا تكون إلا لله، يهب أو يجعل. أي: إرادة فعالة بقدرة قادرة. ﴿مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ﴾ [الناس:٢-٣] أي: معبودهم ومألوههم، وهذه الثلاث كلها صفات العظمة لرب العالمين. تأتي تلك الصفات الثلاث أمام شر واحد، والمستعاذ منه شيء واحد، بينما سورة الفلق المستعاذ به صفة واحدة والمستعاذ منه أربع صفات، أربع مفاسد تستعيذ منها بصفة واحدة لله، وهنا ثلاث صفات العظمة لله تستعيذ بها جميعها من خصلة واحدة وهي أخطر ما تكون على الإنسان في دنياه وآخرته. ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ [الناس:٤] ؛ لأنه بالوسوسة في الصدر يكون الشك، وبالشك يكون الريب، وإذا شك الإنسان وارتاب في شيء لم يتم مشروعاً في حياته قط، تريد أن تبني بيتاً لكن ترددت: فيما بعد أبني هنا لا أعمل كذا، وهكذا ما دمت بين كفتي الشك والتردد ولم تستقر كفة اليقين عندك، وهكذا في أمور الدنيا والدين. ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ [الناس:٤-٥] أي: بما يبعدهم عن الله سبحانه، أو يضعف يقينهم فيما عند الله. ولهذا دليل لما جاء في أحداث التبشير، ومنذ حوالي أربعين سنة كتب الدكتور عمر فروخ ممن يعالج هذه القضية -التبشير والإسلام- وعقد مؤتمر المبشرين في بلد من البلاد العربية، واجتمع المستشرقون جميعاً في المنطقة، ثم عابوا على رئيس المؤتمر بأن جهودنا ضائعة، قال: لماذا؟ قالوا: لأننا زهاء أربعين سنة -هم يقولون ذلك من أربعين سنة، يعني: من ثمانين سنة من الآن- لم ننصر مسلماً، ماذا قال رئيس المؤتمر ورئيس المبشرين؟!! قال: لا، لا تتعجلوا، نحن لا نريد أن ننصر مسلماً، ولكن إذا استطعتم في هذه المدة أن تشككوا المسلمين في دينهم فقد نجحتم. وهكذا إن العالم المستعمر وأعداء الإسلام ما استطاعوا للمسلمين بقوة السلاح والحديد والنار، فأثاروا الشكوك والقضايا الشائكة التي تتردد بين العقل والمنطق والدين، فتثير الشكوك في نفوس الناشئة، أو في نفوس ضعاف العقول، أو من لم يتمكن في دينه وعقله ويقينه، فإذا ما وقع الشاب أو المسلم في الشك والحيرة بين ما يورده عليه هؤلاء وبين ما يأتي به الإسلام ماذا يكون الحال؟ ومن أمثلة ما يثيرون: يقولون: سلوا محمداً، الشاة التي ماتت من الذي أماتها؟ سيقول لكم: الله، الشاة التي نذبحها من الذي أماتها، تقولون: نحن، فقولوا له: ما أماته الله خير أم ما أمتناه نحن؟ إذاً: الذي نميته نحن نأكله والذي يميته ربه الذي خلقه محرم لا نأكله؟ انظروا إلى هذه الشبهة! فجاءوا وسألوا رسول الله: الشاة الميتة من الذي أماتها؟ قال: الله، قالوا: الشاة التي نذبحها من الذي أماتها؟ قال: أنتم ذبحتموها، قالوا: ما ذبحناه نحن خير مما أماته الله؟ قضية تشكيك. ثم يأتون الآن وفي الوقت الحاضر عن طريق المرأة، ويقولون: نصف المجتمع معطل، وهكذا ينادون بضرورة عمل المرأة، ونسوا أن عملها الحقيقي في بيتها، ولو أنها خرجت إلى عملها، عطللت وظيفتها الأساسية، لما وجد هذا وما وجد ذاك، وإذا ما انقطعت لتربية النشء وأرسلته للمجتمع مكتمل القوة بدنياً وعقلياً وتحت رعاية الأم وحنانها لكان خيراً من إنتاج المجتمعات الأخرى. إذاً: جاءوا بالشبهة، قالوا: هذه إنسان، وهذا إنسان، لماذا يكون ميراثها نصف ميراث الرجل، هذه زوجة وهذا زوج، لماذا يكون الطلاق بيد الرجل ولا يكون بيد المرأة؟ هذه زوجة وهذا زوج لماذا يكون للرجل أربع نسوة والمرأة ليس لها إلا الزوج؟ لماذا يستبيح الرجل الإماء بملك اليمين إلى ما شاء من عدد، والمرأة لا تستبيح عبيدها الذين ملكتهم بيمينها؟ ويشككون هؤلاء أنصاف العقلاء؛ ولكن لو رجعوا إلى منطق العقل وكما رجع البعض منهم الآن. ويعلم البعض أن هناك بعثة جاءت من الفاتيكان إلى هذه المملكة في زمن الشيخ محمد الحركان -رحمة الله تعالى علينا وعليه، حينما كان وزيراً للعدل، وسافر أيضاً رداً للزيارة- لكي يبحثوا في يبحثون نظام الإسلام في الطلاق والنكاح وعلاقة الرجل بالمرأة؛ لأنهم ضجروا وعجزوا عن معالجة قضايا المرأة في بلادهم، ورأوا أن منهج الإسلام في البلاد الإسلامية هو المنهج الأمثل، فجاءوا يدرسون هذا فقهياً أو قانونياً على ما يرونه. وقد حضرنا مؤتمراً مع الشيخ محمد بن عبد الوهاب وحضره من العالم قرابة أربعين دولة، منها: إنجلترا وأمريكا وإيطاليا من الفاتيكان، ومندوبٌ بلا تسمية، فلما سمع مندوبو بعض تلك الدول مناقشة إقامة الحدود وحفظ الإسلام للجواهر الست: · الأديان. · والأبدان. · والعقول. · والأعراض. · والأنساب. · والأموال. بشروطها والتحفظ فيها ونتائج ذلك، قام وأعلن: ما كان الغرب ليعلم أن الإسلام فيه هذا النظام الدقيق الشامل، وعهد عليَّ وأمانة لحضوري: أن أنقل هذا بعيد مرجعي إلى هناك، وأن أوصي بالأخذ به. فهذا -أيها الإخوة- حقيقة العقل حينما يباشر الإنسان تعاليم الإسلام عملياً. ولو أردنا التنبيه على فساد مقالاتهم: يقولون في الطلاق: لماذا لا تطلِّق المرأة؟ وهي ماذا تخسر؟ الرجل هو الذي دفع المال، وقام على حمايتها وإيوائها، والإنفاق عليها وعلى عيالها، والرجل أشد تحملاً وأضبط لنفسه عند الغضب، أما المرأة فلأتفه الأسباب تثور حماقتها، ولأتفه الأسباب تنسى الماضي؛ فلو كان الطلاق بيدها لطلقت الزوج عشرين مرة في اليوم الواحد. إذاً: يبقى الأمر بما فضل الله بعضهم على بعض، ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣٤] ، وبين سبحانه سبب القوامة، فقال: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا﴾ [النساء:٣٤] . ونأتي إلى الميراث: تريدون أن المرأة مثل الرجل في الميراث؟ فلو أن الرجل اقتسم مع المرأة المال بنظرهم وأخذ الولد ألفاً والبنت ألفاً، بعد لحظات البنت ستتزوج، ونفقتها ستكون على زوجها، والألف يذهب إلى الصندوق، أما الولد فسيتزوج والألف ستكون لمن؟ كانت لواحد ثم أصبحت لاثنين، الاثنان بعد سنة صاروا ثلاثة وبعد سنة صاروا أربعة، وهكذا الأولاد في زيادة، فالولد يتحمل مسئولية زوجة ستأتي أو هي موجودة بالفعل، وأولاد سيأتون، ويصبح رب أسرة. إذاً: لو كان له تسعة أعشار الميراث لم يكن ذلك كثيراً، وهذا فضل الله كما قسم . إذاً: كيف ترون أو تدعون أن المرأة هضمت في الإسلام، بل هي أُعطيت فوق حاجتها أو فوق حقها. والجواب على بقية الشبه التي ينادون بها بالعمل وغير ذلك أن يقال: لقد أصبحوا الآن ينادون بلزوم المرأة بيتها، وقد قرأت منذ ما لا يقل عن ثلاثين سنة مقالاً نشرته مجلة: (آخر ساعة) بأن مدير مكتب العمل دخل عليه صحفي فلم يجد في مكتبه فتاةً واحدة من ضمن عماله، فسأله: أنت تورد للدوائر الحكومية موظفين وموظفات، ولم أرَ في مكتبك أية فتاة! فلماذا؟ قال: إن الفتاة مهما كانت تأتي إلى العمل بقوة وحماس بشعور النقص فيها لتغطي نقصها وتثبت جدارتها، فإذا ما أثبتت جدارتها نوعاً ما بدأ رد الفعل وحينها تتراجع في التناقص عن الإنتاج، فضلاًَ عما يعتريها مما خلقت له من دورة شهرية تُثير أعصابها وتقلل تحملاتها، وتغير في أخلاقها، وإذا ما كان الحمل فنصف عمرها يضيع في مؤثرات الحمل، من مبدأ الوحم إلى الولادة إلى الرضاع، فأين إنتاجها إذاً؟ ولذا يقول: أنا لا أقبل في مكتبي أية فتاة، أما الشاب فإن بدأ في الإنتاج ضعيفاً وأقل من الفتاة فهو

стр. 115

تفسير سورة الحجرات [٦ - أ]

стр. 116

الجهاد في كتاب الله بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، أما بعد: قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات:١٥] ، في أي وضع من الأوضاع وثبتوا على ما هم عليه إلى أن يلقوا الله على ما آمنوا به. (وَجَاهَدُوا) الجهاد -كما يقولون-: من بذل الجهد، وبذل أقصى الطاقة عند الإنسان، ولهذا يقولون: اجتهد فلان في حمل الصخرة، ولا يقولون: اجتهد في حمل الدفتر في يده؛ لأن الدفتر لا يحتاج إلى بذل الجهد، والطفل الصغير يحمله، ولهذا كان الجهاد جهاداً؛ لأن الإنسان يبذل أقصى جهده أمام عدوه. (وَجَاهَدُوا) في سبيل الله، لا في سبيل حمية ولا وطنية ولا جنسية ولا عرقية ولا أي مبدأ دنيوي، إنما جاهدوا في سبيل الله. ولماذا يأتي بهذا القيد؟ لأن العدو يجاهد والمسلم يجاهد وكلٌّ له مبدأ، فهؤلاء يجاهدون في سبيل مبادئهم لنصرتها وحمايتها، الماركسي يجاهد لحماية مبدأ لينين وماركس والمسلم يجاهد لإعلاء كلمة الله، وجاء الحديث: (الرجل يقاتل حمية، يقاتل لغنيمة، يقاتل ليرى مكانه. ، من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا) ، هذا هو الذي في سبيل الله. بم يجاهدون؟ (بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ) . ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات:١٥] أي: صدَّق فعلُهم قولَهم. وهنا وقفة طويلة تحتاج إلى توسعة شاملة، وهي في قوله سبحانه: ﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحجرات:١٥] ، أي: أنهم لم تكن عندهم غاية في دنياهم إلا سبيل الله وإعلاء كلمة الله، أيَّاً كان موطن جهادهم، وأيَّاً كانت راية قائدهم، ومهما كان الأمر، فليس لهم مطمع، ولا غاية ولا حاجة، لا في استعباد البلاد، ولا في استعمارها، ولا في منصب ولا جاه، وقد بين ذلك أتم بيان القائد المسلم المظفر خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه حينما سئل: يا خالد! لقد خضت المعارك وفزت بالانتصارات العظيمة، فما هي أمنيتك؟ يعني: كأنهم يقولون: أنت لك أمنية وهي النصر في الجهاد، وهذه والله فعلاً عظيمة، ومن جهة المال أو الدنيا فلا يسألون عنها، والله قد أغناه، كما قالوا: (منع خالد زكاة ماله. قال: إنكم تظلمون خالداً، لقد احتبس أدرعه وسلاحه في سبيل الله) يعني: ليس عنده شيء. خالد يُسأل ما هي أمنيتك بعد هذا النصر؟ قال: أمنيتي هي: أن أقوم في ليلة شديدة البرد عاصفة الرياح مطيرة. تصوروا هذا! ليلة مطيرة شديدة البرد عاصفة الرياح، الناس في مثل هذه الليلة يستكنُّون وينزلون في الخنادق استتاراً من شدة البرد والريح العاصف والمطر. ولكن خالداً يقول في هذه الليلة التي يستكنُّ فيها كل إنسان: أتمنى أن أكون حارساً للجند، تالياً لكتاب الله. هذه الليلة ليست ليلة عادية مقمرة وربيع وهواء، لا. بل شديدة البرد والريح والمطر، يقوم في تلك الليلة حارساً للجند في تلك الحالة أيضاً وتلك الشدة. والرجلان اللذان أسند إليهما النبي ﷺ حراسة الشِّعب عندما قَفَل ﷺ من غزوة بالليل، فقال: (من يكلأ لنا هذا الشِّعب؟) وقام رجل ثقفي وآخر أنصاري فقال أحدهما للآخر: اكفني أول الليل أو آخره وتقاسما الليل، وقام الأنصاري يصلي وهو يحرس فم الشعب. هذا هو ترفيههم، وليس كالترفيه البريء الذي نعطيه للجنود في أثناء المعارك، ونلهيهم بما يسمى بريئاً، ووالله ما هو ببريء، على كلٍّ قام يصلي -لكي لا ينام- وهو يحرس الشعب، فجاء رجل كان المسلمون أصابوا زوجته بالنهار وهو غائب، فأقسم ليتبعنَّ المسلمين وليُصيبنَّ منهم ثأراً لزوجه، فلما جاء على فم الشعب سمع هذا يقرأ، فعرف أنه من المسلمين، فأخذ سهماً، فصوَّبه فأصاب؛ لكنه لم يقطع القراءة، ونزع السهم واستمر، فظن الرامي أنه لم يُصِب، فعدَّد الثاني والثالث، وكلها تصيبه، حتى تقاطر الدم على وجه صاحبه وهو نائم فانتبه، فلما انتهى قال: ما هذا الدم يا أخي؟ قال: كذا وكذا، قال: هلَّا أنبهتني أول ما رمى، قال: كنت أقرأ سورة كرهت أن أقطعها. هذا حاله وهو يجاهد في سبيل الله. وهكذا -أيها الإخوة- أمثلة عديدة. فهؤلاء هم الذي جاهدوا في سبيل الله حقاً. أما قوله سبحانه: ﴿بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ﴾ [الحجرات:١٥] ، فللعلماء مبحث في تقديم الأموال على الأنفس، والعادة أن التقديم له أهمية، فهل يكون الجهاد بالمال أهم من الجهاد بالنفس؟ سيأتي فيما بعد إن شاء الله تعالى.

стр. 117

نماذج من الإيمان الصادق قال الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات:١٥] . تقدم -أيها الإخوة- الكلام على الريب والشك، وأنه إذا طرأ على الإنسان فإنه يفسد عليه دنياه وآخرته، وذكرنا نماذج من الإيمان الصادق الذي لم يطرأ عليه ريبة ولا شك. ونظراً لخطورة هذا الأمر أحببنا أن نزيد بعض الأمثلة لقضية الريب واليقين، وهي قضية النفاق والإيمان.

стр. 118

غزوة الأحزاب وعناصر الإيمان الراسخة جاء في كتاب الله فيما يتعلق بغزوة الأحزاب أن الله بين أن الناس كانوا على قسمين حينما جاءوهم من فوقهم ومن أسفل منهم ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ [الأحزاب:١٠-١١] في هذه الشدة العصيبة برزت عدة عناصر: * العنصر الأول: عنصر الريب: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:١٢] ، المرض هو: الشك والريب وعدم اليقين، ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾ [الأحزاب:١٢] ، وآخرون يقولون: ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ [الأحزاب:١٣] ، يثبطون الناس عن القتال. * العنصر الثاني: عنصر الإيمان: بعد مشوار طويل مع هذا القسم في أحوالهم وبيان حقيقة أمرهم، وبعد التأسي بالرسول ﷺ ، وكما قال الله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة:١٢٨] إلى آخره، يأتي القسم الثاني: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٢] . ففي حدث واحد ومشهد واحد وشدةٍ عمت الجميع ينقسم الحضور إلى قسمين: * قسم يعتريه الريب يقولون: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً * يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ [الأحزاب:١٢-١٣] . وقسم يقول: (هَذَا) حقاً ﴿هَذا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب:٢٢] وأنه حق، وما زادتهم تلك الشدة وما زادهم ذاك الموقف لما ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب:١٠] ، ما زادهم ذلك ﴿إِلَّا إِيمَاناً﴾ [الأحزاب:٢٢] بالله وبوعد الله وبخبر الله ﴿وَتَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٢٢] لأمر الله. وجاء وبعدها ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب:٢٣] ، بخلاف المنافقين والذين في قلوبهم مرض بدَّلوا، كانوا يقولون: أسلمنا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، والآن بدلوا ويقولون: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾ [الأحزاب:١٢] ، ولكن المؤمنين حقاً ما بدَّلوا.

стр. 119

مقدار صدق بني إسرائيل مع أنبيائهم طالوت لما فصل بالجنود هناك، لما رءوا العدو انقسموا ففريق قالوا: ﴿قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ [البقرة:٢٤٩] ، والآخرون ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٥٠-٢٥١] . بنو إسرائيل لما قال لهم نبي الله موسى ﵊: ﴿ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة:٢١] وعد من الله، قالوا: ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا﴾ [المائدة:٢٤] ، ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ﴾ [المائدة:٢٢] ، ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا﴾ [المائدة:٢٤] ، فهذا من الريب ومن ضعف اليقين بالله. والمسلمون لما أتوا إلى بدر كانوا إنما خرجوا للعير، والرسول قال لهم في أول الأمر: (من كان ظهره حاضراً فليركب) ، وفي أثناء الطريق إذا بالمسألة تنقلب، ذهبت العير وجاء النفير، فماذا تقولون؟ أشيروا عليَّ أيها القوم، فيقعد المهاجرون جميعاً يتكلمون ويحسنون: لعلك خرجت إلى أمر وأراد الله أمراً، فامضِ إلى ما أراده الله، حتى قام قائم الأنصار يقول: والله لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤] ؛ ولكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، والله لو خضت بنا هذا البحر لخضناه معك. أعتقد أن هناك فرق كبير بين الفريقين في وبين الأمتين في بني إسرائيل وهذه الأمة المباركة.

стр. 120

فداء الصحابة لرسول الله بأنفسهم نأتي إلى بعض النماذج أيضاً في الإسلام، ونجد ذلك في بعض المواقف في عصر النبي ﷺ : النفر الذين أخذوا من قبل قريش، والشخص الذي أُخِذ منهم وخرجوا به إلى التنعيم ليصلبوه، واجتمع القوم، وجيء به عند الخشبة، فجاءه أبو سفيان وقال: أتود أن محمداً مكانك تُضرب عنقُه، وأنت آمن في أهلك؟ عند أحرج المواقف، وعند ضربة السيف والقضاء عليه يُعرض عليه هذا العرض، فماذا كان جوابه؟ قال: لا والله، ما أود ولا أرضى أن يكون محمدٌ ﷺ يُشاك بشوكة في رجله وهو في مكانه. لا أريد أن أستبدل حياتي بشوكة يُشاكها في قدمه وهو في بلده يفدي شوكة في رجل رسول الله بحياته. وأعتقد أن هذا شيء فوق الخيال. وفي غزوة أحد مواقف عديدة منها: الذين ترَّسوا على رسول الله، قيس بن النعمان انكسر قوسه، يقول: لم يبقَ معي ما أرمي به، فقوَّست على رسول الله. وقتادة بن النعمان أيضاً يقول: وما يأتي سهم إلا والتقيته وأملت وجهي ألتقي السهم عن وجه رسول الله، وكان آخرها سهماً اندلقت منه عيني على خدي. وهو الذي رد له رسول الله ﷺ عينه، كان يقول: (وانفض الجمع فجئت بها في كفي -وكما قال عمر بن عبد العزيز: كنا نُحَدَّث بأنها علقت بعرق وتدلت- فأخذها في كفه وجاء إلى رسول الله وقال: يا رسول الله، إن لي زوجة جميلة أحبها وتحبني وأخشى إن هي رأت عيني تقذرها، فأخذها ﷺ بيده ووضعها مكانها وغمزها بكفه فكانت أجمل وأحب عينيه) . وطلحة يعدون فيه فوق الثمانين حرجاً ما بين إصابة سهم وطعنة رمح ضربة بسيف، وأم عمارة امرأة أيضاً وأصابها شيء من هذا. فكل هؤلاء يفدُّون رسول الله بأنفسهم: هل كان في ذلك ريب أم أنه عين اليقين؟!

стр. 121

اليقين والإيمان يتمثل في عبد الله بن حذافة ﵁ نأتي إلى صورة يعجز إنسان أن يُقْدِرها قَدَرها إلا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في زمنه عبد الله بن حذافة كان في مواجهة جيش الروم، فأخذ أسيراً ومعه ثمانون رجلاً، فذكروا لملك الروم عن عبد الله ما لم يذكروا عن بقية الأسارى، فاستدعاه، فقال: هل لك أن تتنصَّر وتترك دينك وأشاطرك ملكي؟ قال: والله لو ضممتَ إلى ملكك ملك العرب لن أترك ديني لحظةً واحدة، قال: وأزوجك ابنتي، قال: وإن كان، قال: أقتلك، قال: لا باس بذلك فهو حق لك، وبيدك أن تعفو أو تقتل، ثم كان من شأنه أن أتى بقدر زيت وأوقد عليه النار، ودعا أسيراً من الأسارى أمامه، وعرض عليه أن يتنصر فامتنع فألقاه في ذلك القدر فذابت عظامه، قال: أتتنصر وتأخذ نصف الملك وتتزوج ابنتي أو ألقيك في هذا الزيت؟ قال: لا أرجع عن ديني ولا لحظةً واحدة، قال: اذهبوا به وألقوه في القدر، فلما وصل هناك بكى، فرجعوا به وقالوا: لقد أسِف ورجع وبكى، قال: أقبلت؟ قال: لا والله، قال: وما بالك تبكي؟ قال: أبكي؛ لأن لي نفساً واحدةً، وددتُ لو أن لي أنفساً أو نفوساً بعدد شعر جلدي كل نفس تلقى مثل هذا المصير في سبيل الله، فعجب الملك من أمره، قال: ردوه واحبسوه وامنعوا عنه الطعام والشراب، ثم قدموا إليه لحم الخنزير والخمر، ليأكل عند الاضطرار والجوع، فما أكل ولا شرب أربعة أيام، فقالوا للملك: إنه لم يأكل ولم يشرب، ومالت عنقه ويكاد أن يموت، فاستخرجوه، قال له: لماذا لم تأكل؟ قال: والله لقد علم الملك أن هذا الذي قدمتموه لي محرم في الإسلام، وأنه قد أبيح لي عند الضرورة وكان من الممكن أن آكل وأشرب بالرخصة ولكني كرهت أن تشمت في الإسلام بأن مسلماً أكل الخنزير وشرب الخمر وهما حرام عليه، فآثرتُ الموت على ذلك. قال: أتقبِّل رأسي وأفرج عنك؟ قال: وعن جميع الأسارى معي؟ قال: وعن جميع الأسارى معك. يقول عبد الله: فقلت في نفسي: كافر أقبل رأسه وأعتق نفسي وثمانين مسلماً من تحت يده فلا مانع، وقبَّلت رأسه، فأعتقه وأعتق الثمانين معه، وأجزل له العطية والهدايا. نقف هنا لحظة: ملك كافر عجز عن رجل مسلم بجميع أنواع صنوف الإغراء والتهديد. أي إغراء بعد نصف الملك والزواج بابنة الملك؟ وأي تهديد وقد سبق أيضاً أن قال: أصلبك، وعلقه على خشبة الصلب وقال للرماة: ارموا بجواره ولا تصيبوه، فكانت السهام تقع قريباً منه ولم تصبه، قال: أنزلوه. وما رهب ذلك كله. ويرى الأسير تذوب عظامه في الزيت ولا يرجع، ويظل على يقينه بالله، ولا يرجع عن دينه لحظة. نقول: إن الملك فعلاً قدَّر العظمة في هذا الرجل بصرف النظر عن كونه مسلماً أو غير مسلم، إنسان يعتز بدينه ويتمسك بمبادئه؛ لا تغريه المناظر ولا المادة ولا تلينه التهديدات. إذاً: فهو شخصية فذة أكبرها الملك في نفسه واكتفى منه أن يقبل رأسه، وتقبيل رأس الملك ليس بالأمر الهين، لو أن شخصاً عادياً طلب من الحرس أن يصل إلى الملك ليقبل رأسه ما سمح له الملك بذلك؛ لأنه شخص عادي، وتقبيل رأسه من عاديٍّ أمر عادي؛ لكن هذا شخص من نوع خاص، فكونه مع مكانته وقوة نفسه وعظمة شخصيته يتنازل ويقبل رأس الملك اعتبر الملك أن هذا انتصاراً عليه. فلما قدم المدينة ومعه الأسارى سأله عمر: ماذا فعلت؟ فأخبره، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: حق على كل مسلم أن يقبل رأس ابن حذافة، وقام عمر وقبل رأسه أمام الناس. تلك هي روح عظيمة ونفس كريمة ويقين ثابت، كل هذه المغريات ما غيَّرت في مبادئه، وكل هذه التهديدات ما أثرت في نفسه شيء، وآثر كل تلك الشدائد على البقاء على دينه. إذاً: الريب واليقين هما الحد الفاصل بين الإيمان والكفر، والإيمان حقيقةً: ما وقر في القلب وصدَّقه العمل. ومعنا في خبر هرقل خير شاهد، إذ لما ظهر النبي ﷺ وجاء أبو سفيان بتجارة إلى الشام وقال: أيكم أقرب نسباً لهذا الرجل الذي ظهر فيكم يدَّعي النبوة؟ قالوا له: أبو سفيان، ثم أجلسهم وراءه وقال: إني سائلك، إن صدق فصدِّقوه وإن كذب فكذبوه، ثم سأله عدة أسئلة، من ضمنها؟ أيرجع عن دينه من دخل فيه؟ قال: لا. فقال: هذا فعلاً إذا خالط الإيمان بشاشة القلوب، فإنه لا يرجع عن ذلك قط، يذوق حلاوة الإيمان، وإذا خالطت بشاشة الإيمان قلب العبد فلا يمكن أن يرتد عن هذا الدين ولا يتخلى عن تلك الحلاوة والبشاشة. إذاً: المنافق لم تخالط بشاشة الإيمان قلبه، كما قال تعالى في الأعراب: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤] ؛ لأنكم ما وصلتم بعد إلى هذا الحد.

стр. 122

الجهاد بالنفس والمال قال الله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ [الحجرات:١٥] حقيقة المؤمنين من آمن ﴿بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات:١٥] ، ونبهنا على ما تفيده (ثُمَّ) بأن الإيمان وقع منهم حقيقةً من أول لحظة، ومع التأخير والتراخي لم يطرأ عليهم ما يغير هذا اليقين، ﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات:١٥] . ثم جاء إثبات هذا اليقين الذي وقر في القلوب: (وَجَاهَدُوا) ، الجهاد هو علامة أو نتيجة ذاك اليقين الذي وقر في قلوبهم، ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا﴾ [الأحزاب:٢٣] . فهنا علامة اليقين في قلوبهم أنهم جاهدوا. وهل جاهدوا في أمر دنيا، أو منصب، أو مال؟ لا (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) . فهنا قال سبحانه: ﴿لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا﴾ [الحجرات:١٥] ، فكان الجهاد دليلاً على عدم الريب وعلى قوة اليقين، ثم جعل الجهاد قسمين: الأول: (بِأَمْوَالِهِمْ) . الثاني: (وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) . يبحث العلماء في التقديم والتأخير، والأصل في التقديم: العناية بالمقدَّم في المتساويين، كما جاء في دخول النبي ﷺ مكة في حجة الوداع، فطاف وقالوا: من أين نبدأ في السعي؟ هناك صفا ومروة متساويتان، من الأولى إلى الثانية شوط، ومن الثانية إلى الأولى شوط، فقال ﷺ : (أبدأ بما بدأ الله به) . إذاً: البداية لها تأثير، وهنا المال والنفس هل هما متساويان، حتى يقال: قدم أحد المتساويين فله أثر؟ هما يشتركان في الغاية؛ لأن المال صنو النفس، وفي الحديث: (من مات دون ماله فهو شهيداً) . إذاً: هناك من يقول: قُدِّم المال من باب التدرُّج؛ لأن الذي يجود بماله وبسخاء ولوجه الله يتدرج بعد ذلك ويجود بنفسه ويجاهد بنفسه ويعرِّضها إلى القتل شهادة في سبيل الله. والبعض يقول: قدَّم المال؛ لأنه أعم من تقديم النفس، والله رفع الحرج عن النفس في بعض الحالات: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور:٦١] ، ونعرف أن النسوة لسن داخلات في ذلك، كما قيل: كُتِب القتل والقتال علينا وعلى الغانيات جر الذيولِ القتل والقتال مكتوب على الرجال، والمرأة لا تقاتل بنفسها، والمريض والأعمى والأعرج لا يقاتل بنفسه؛ لأنه ليس أهلاً للقتال؛ ولكن هؤلاء الأصناف الأربعة: الأعمى والأعرج والمريض والمرأة: هل يمكن أن يقاتلوا بأموالهم أم لا؟ يمكن، يتبرع بجزءٍ من ماله، ويكون قد جاهد بماله. إذاً: الجهاد بالمال أعم وأشمل؛ لأنه يعم من عُذر في الجهاد بالنفس. ثم هؤلاء المجاهدون إذا لم يوجد مال يزودهم ماذا يفعلون؟ ونحن نعلم قضية البكائين الذين جاءوا إلى الرسول ﷺ وقال لهم: ﴿لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ﴾ [التوبة:٩٢] . إذاً: المال هو عصب الجهاد، ونحن في الوقت الحاضر هل الجهاد سيف ورمح، أم الجهاد آليات وكيماويات وإلى آخره، تلك الآليات بم تأتِ؟ كيف نحصل عليها؟ بالمال. بعض الطائرات الحربية تكلف عدة ملايين، والصواريخ الموجهة تكلف عدة ملايين أيضاً. إذاً: المال هو عنصر الجهاد الأساسي. وعثمان رضي الله تعالى عنه لما جهَّز جيش العسرة قال له ﷺ : (لا عليك ألَّا تعمل بعد اليوم) ، يكفيك من فعل الخير ما فعلتَه في هذا الجيش وجهَّزته. ثم ننظر أيضاً فيما بينه في صلاة الخوف: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ [النساء:١٠٢] ، ثم بين (وَأَمْتِعَتِكُمْ) ، بيَّن بأن أمتعة الغزاة أو أن أمتعة الجيش تعادل السلاح سواءً بسواء. ومن هنا: حراسة المرافق: الكباري والطرق والمستودعات وخطوط المياه ومولدات الكهرباء ومستودعات الذخيرة أو الطعام كل ذلك قرين السلاح سواءً بسواء؛ لأن الجيش إذا لم تؤمَّن له مطالبه ضاع، وفي عادة الجيوش أنها تسبق مجيء الجنود، حتى تمدَّد مواسير المياه، وخطوط الاتصالات، وكل ما يحتاجون إليه، وتبني لهم المخابئ والمستودعات وتؤمَّن الذخيرة، كل ذلك بالمال. إذاً: تقديم المال هنا لأهميته في الجهاد، ويمكن أن يساهم فيه من لا يستطيع أن يجاهد بالنفس، ولأن المال -كما يقال- عصب الجهاد. ﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ﴾ [الحجرات:١٥] : كما قيل: يجود بالنفس إن ضن الجبان بها والجود بالنفس أقصى غاية الجودِ ولهذا يقولون: كل شجاع كريم، وكل بخيل جبان؛ لأن الشجاع يلقي بنفسه ويضحي بها، والذي يضحي بنفسه لا يضن بالمال، وكذلك البخيل الذي يشح بالدرهم والطعام لا يعرِّض نفسه للهلاك.

стр. 123

تفسير سورة الحجرات [٦ - ب]

стр. 124

الإنفاق في سبيل الله قانون معاوضة في الخير لقد بين أن الإنفاق والجهاد بالنفس في سبيل الله علامة على قوم الإيمان واليقين في القلوب، وبين من ناحية أخرى: بأن الحياة مبنية على قانون المعاوضة، فكل شيء تراه في الدنيا من معاملة بين اثنين، فقانون المعاوضة هو الذي يحكمها تدفع درهماً تأخذ خبزاً، تدفع درهمين تأخذ ثوباً، وكان قبل أن توجد النقود كان البيع بالمقايضة، يذهب صاحب البر بصاع من البر إلى الجزار ويأخذ منه لحماً، أو يذهب بكذا من التمر ويأخذ قماشاً، ما كانت هناك دراهم، فقد كانت المعاملة على المقايضة، فجاءت الدراهم كعملة سائلة، فصارت الحياة مبنية على المقايضة. ولهذا لو رأيتَ إنساناً يتلف ريالاً ويشعل فيه النار أو يقطعه لقلتَ: هذا مجنون، ولو رأيتَ إنساناً يدفع الملايين في عقار لقلت: والله هذا ناجح، هذا رابح، مع أنه دفع الملايين؛ لكن في عوض يقابل ذلك، وهكذا. حتى قال بعض العلماء: المقايضة قائمة بين الإنسان والحيوان، وذكروا قضية التمساح مع الطائر الذي يأتي وينقب ما بين أسنانه وينظفها، والطائر يشبع. وذكروا قصة الرجل الذي جاء واشتكى بعيره إلى رسول الله ﷺ فقال: (قوموا بنا إلى بعيره، ولما وصلوا إلى البستان قال أبو بكر لرسول الله: على رسلك يا رسول الله، إن البعير هائج. قال له: على رسلك أنت يا أبا بكر. ودخل ﷺ البستان على الجمل الهائج، فإذا بالجمل -حينما رأى رسول الله- يقبل عليه هادئاً، فيتلقاه رسول الله فيضع الجمل رأسه على كتفه، ويصغي إليه رسول الله، فإذا رسول الله يترجم لنا المحادثة بينهما، ويقول: يا صاحب الجمل، جملك يشتكي. قِلة العلف، وكثرة الكُلف) ، العلف: هو المعاوضة للبعير، والعمل: هو المعاوضة لصاحبه، فلابد أن يتعادل العلف مع مقدار الكُلف، ونحن نعلم هذا، عندك فرس وتريد أن تسافر لا تجوِّعه؛ بل قبل السفر بأسبوع تزيد في علفه تحسباً لمدة السفر، وهكذا. فإذا كان قانون المعاوضة هو الذي يحكم قانون الحياة فهؤلاء الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله، من أين العوض لهم؟ أم أنه خرج عن القاعدة؟ ما خرج عنها، ولكن العوض كما بين سبحانه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة:٢٦١] ، وبيّن المولى بأن هذا تعامل وقرض مع الله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ [البقرة:٢٤٥] . إذاً: المنفق في سبيل الله والمتصدق على المحتاجين يتبادل العوض مع الله، وهذا بمقضى إيمانه ويقينه بالبعث والجزاء والأجر على ما أنفق، أما المنافق الذي لا يؤمن بالبعث ولا بالجزاء أتراه يتصدق بشيء ينفع؟ لا. فماله الذي ينفق منه خبيث، يذهب إلى أردء ما عنده من أنواع التمر ويجيء به، وكانوا فيما سبق يأتون بالحشف، والمؤمنون يأتون بعذق النخل فيه الرطب والبسر والتمر يعلقونه لأصحاب الصفة، والمنافق يأتي ويعلق الحشف، كما بيّن الله في حق الأعراب: منهم ﴿مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَماً﴾ [التوبة:٩٨] ، غرامة رائحة عليه، ومنهم من يعتبر ذلك مغنماً وقربات عند الله ورسوله. إذاً: الذي يتصدق هو يتعامل بقانون المعاوضة؛ ولكن مع الله وليس مع الخلق: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ﴾ [الإنسان:٨-٩] منكم، ما قال: لا نريد مطلقاً، لا. بل منكم أنتم؛ لأنكم فقراء فماذا نأخذ منكم؟! ﴿لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً﴾ [الإنسان:٩-١٠] هناك يوم عبوس، هو الذي نعمل من أجله، ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً﴾ [الإنسان:١١] . إذاً: تقديم الجهاد بالمال له أهميته، والجهاد بالنفس له خطورته.

стр. 125

تفسير قوله تعالى: (أولئك هم الصادقون) ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات:١٥] ، الذين آمنوا: داموا على الإيمان وثبتوا عليه، وأيدوا إيمانهم ويقينهم بالعمل وهو الإنفاق ينتظرون العوض يوم القيامة، والجهاد بالنفس ينتظرون الشهادة، ونعلم بأن قيمة الشهادة عظيمة ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩] . وكونهم أحياء عند ربهم جاء الواقع يصدِّق هذا، ونحن لسنا في حاجة إلى أن نختبر كلام الله بتصديق الواقع؛ ولكن كما قال إبراهيم: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠] : يذكر مالك في الموطأ في شهداء أحد لما جاءت قناة معاوية أو جاء السيل وكشف عن أرجلهم، قالوا: نرفعهم عن مجرى السيل، فالرسول ﷺ كان دفنهم في الربوة التي على حافة السيل، أو كانوا في بطن الوادي، وكان بقايا مبنى المصرع -كما يقال: الموضع- الذي صُرع فيه حمزة دُفن فيه في بطن الوادي، وبعد الأربعين سنة لما أرادوا نقلهم من مجرى السيل إلى الربوة وجدوا أبدانهم سليمة وكأنهم دفنوا بالأمس وهذا بعد أربعين سنة؟! وحدثني بعض الإخوان من أعضاء هيئة الأمر بالمعروف في تلك المنطقة، قال -كانت هناك هيئة ثابتة دائمة-: توفيت لنا طفلة فتكاسلنا أن ننزل بها إلى البقيع وقلنا ندفنها هنا بجوار الشهداء، وهي طفلة ولن تؤذيهم، فذهب أبوها يحفر لها فإذا به يفاجأ بالدم يفور في وجهه، فألقى المسحاة وأخذ يبحث فإذا المسحاة أصابت فخذ رجل وانبعث منه الدم، فأخذ غترته وعصب على محل الجرح وردم عليه التراب، وأخذوا البنت وذهبوا بها إلى البقيع. هذا في عام (١٣٧٠هـ) أو دون السبعين. يعني: بعد قرن وثلث والدم في جسمه. فإذا كان الإنسان مؤمناً وصادقاً في إيمانه أنفق المال في سبيل الله، والحسنة بسبعمائة ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٦١] ، وإن قتل فهو حي عند ربه يرزق. إذاً: لا يتوانى ولا يتأخر ولا ينهزم ويكون بيقينه هذا من جانب المال ومن جانب النفس ينطلق يجاهد في سبيل الله، ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات:١٥] .

стр. 126

تفسير قوله تعالى: (قل أتعلمون الله بدينكم ... ) قال الله: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات:١٦] . هذا تعقيب على مقالة الأعراب، ﴿آمَنَّا﴾ [الحجرات:١٤] ، والله قال: قل لهم يا محمد: ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤] ، ثم قل لهم: أتعلِّمون الله بحقيقة دينكم وتدعون أنكم آمنتم؟! هل هذا يروج عند الله؟! ﴿أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ [الحجرات:١٦] : والله لا يخفى عليه شيء؟ ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [الحجرات:١٦] ، ومن ضمن ذلك دينكم لا يخفى عليه، ما دام يعلم ما في السموات وما في الأرض على سبيل العموم والشمول. إذاً: فهو يعلم حقيقة دينكم، فتعلِّمون الله بشيء غير موجود؛ لأن الله يعلمه أنه غير موجود، وهذا رد على ادعائهم وبيان أن ادعاء غير الواقع لا يخفى على الله . ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحجرات:١٧-١٨] . بعدما بين موقف الأعراب وأظهر حقيقة حالتهم جاء إلى الرسول ﷺ ، ومن باب التسلية ومن باب الوقائع: هؤلاء جاءوا ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ [الحجرات:١٧] ، وأنت لا تتحمل منة أحد، وما لهم حق أن يمنوا عليك. دفاعاً عن رسول الله ﷺ . والمن هو: ذكر أيادي الشخص على شخص آخر؛ لأن ذكر ذلك فيه ثقل على النفس. وبعض العلماء يقول: المن: نوع من الوزن أكثر من القنطار، يقولون: قنطارٌ ومَنٌّ، والمن ربما يوجد في الشام وربما يوجد في نجد، فالمن نوع من الوزن أكثر من القنطار، (يَمُنُّونَ) ، يعني: يثقلون عليك بهذا الوزن الثقيل، وذلك لما جاء بعض الأعراب الذين تحدَّث عنهم من بني أسد فقالوا: (يا محمد! جئناك مسالمين ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان -يعني: يمنون عليه أن أسلموا بدون قتال ولا كلفة من المسلمين- قال لهم: لا) . وبعضهم يقول: المن ليس من الثقل وإن كان فيه نوعاً منه؛ لكنه العطاء دون أن تنتظر ممن أعطيت مكافأة ولا مجازاة ترفعاً عليه، فهنا لما قالوا: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ [الحجرات:١٧] ، قال: لا جميل لهم، أو لا يد لهم عليك في إيمانهم؛ لأن إيمانهم لهم إن كانوا فعلاً آمنوا. ﴿قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ﴾ [الحجرات:١٧] ، لماذا؟ لأن الرسول ﷺ يتمنى أن العالم كله قد أسلم، ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ [الكهف:٦] ؛ ولكن لا، هوِّن على نفسك، ما كلفناك مثل هذا. وهنا ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٧] : إن كانت هناك فعلاً منة على أحد من الأطراف أنا أو أنتم فلا، المنة لله عليكم. (أَنْ) وهذه للتعليل، ﴿هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ﴾ [الحجرات:١٧] ، يعني: وهل هم آمنوا حتى هداهم للإيمان؟ قالوا: هداهم، أي: الهدى الظاهر؛ لأن الهدى قسمان: * هدى بمعنى البيان والإرشاد. * وهدى توفيق وإيمان يستقر في القلب، ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦] ، يعني: لا توجد الهداية القلبية اليقينية في القلب؛ ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦] ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [فصلت:١٧] أي: بينا لهم ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى﴾ [فصلت:١٧] أي: الضلال ﴿عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت:١٧] . إذاً: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات:١٧] في دعواكم، وهذا يُشعر بعدم الصدق. ويبين لنا منة الله على العباد: ما جاء في غزوة حنين، لما رجع النبي ﷺ وقسم الغنائم ولم يعط الأنصار من غنائم حنين شيئاً؛ مع أنه أعطى بعض المؤلفة قلوبهم من مكة (١٠٠٠) شاة، و (١٠٠) بعير، والأنصار الذين جاءوا معه من المدينة لم يعط أي واحد منهم شاة واحدة، فقال بعضهم: لقي أهله فآثرهم علينا ولم يعطنا شيئاً، فبلغت المقالة رسول الله ﷺ ، فقال لـ سعد: اجمع لي الأنصار ولا تجمع معهم أحداً، فجمعهم إليه ليلاً وأتاهم، فقال: (هل فيكم من غيركم؟ قالوا: فلان خالنا، قال: خال القوم منهم، ثم خطبهم وقال: يا معشر الأنصار! ما مقالة بلغتني عنكم؟ قلتم: كذا وكذا، ثم قال: أتعتبون عليَّ في لعاعة من الدنيا أتألف بها قلوب أقوام؟! ثم ذكر: ألم آتكم ضُلالاً فهداكم الله بي؟! قالوا: المنة لله ولرسوله. ألم أجدكم عالةً فأغناكم الله بي؟! قالوا: المنة لله ولرسوله -هذا محل الشاهد، أن الله منَّ علينا بهذا- وذكر أشياء ثم قال: ما لكم لا تجيبونني؟! قالوا: وماذا نقول؟ قال:-وهذا الإنصاف-: تقولون: كفر بك قومك وآمنا بك، طردك قومك وآويناك، وو إلى آخره. قالوا: الله ورسوله أمنُّ، أو الفضل لله والمنُّ، ثم قال: يا معشر الأنصار! والله لولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار، الناس دثاري، والأنصار شعاري) الدثار: ما يُتَدثَّر به، ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر:١] والشعار: ما خالط البدن. الناس دثاري: الدثار: اللباس الخارجي. (والأنصار شعاري) : أي اللباسين أقرب للإنسان؟ الشعار. ثم ذكر: (والله لولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار، والله لو سلك الناس شِعباً أو وادياً وسلك الأنصار شِعباً أو وادياً لسلكت شعب الأنصار وواديهم، ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يرجع الناس إلى ديارهم بالشاة والبعير، وترجعون إلى رحالكم برسول الله؟ قالوا: رضينا، وبكوا حتى اخضلت لحاهم) . والشاهد في هذه الحادثة: (ألم آتكم كذا وكذا، فيقولون: المنة لله) . أي: لأن الله هو الذي امتن علينا بمجيئك إلينا، ومن علينا بما حصل لنا بهذا المجيء المبارك، والله أعلم. إذاً: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ﴾ [الحجرات:١٧] ؛ لأن إسلامكم راجع إليكم، لأنكم أنقذتم أنفسكم من النار، ولأنكم سلَّمتم أو ضمنتم سلامة دمائكم وأموالكم وأعراضكم بهذا. إذاً: إن كنتم آمنتم فبمنة من الله عليكم، ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات:١٧] في دعواكم: آمنا.

стр. 127

تفسير قوله تعالى: (إن الله يعلم غيب السموات والأرض ... ) ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحجرات:١٨] . يقول العلماء: هذا عَوداً على بدء، فقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الحجرات:١٨] تأكيداً لقوله: ﴿إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات:١٧] ، والله لا يخفى عليه الصدق من الكذب؛ لأنه ﴿يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الحجرات:١٨] ، وانظروا إلى أول السورة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات:١] ، في أول السورة ينبههم بصفات الله سبحانه ألَّا يقدموا بين يدي الله ورسوله وهو سميع عليم لما يقدمون أو يؤخرون. وفي آخر السورة أيضاً يرجع إلى هاتين الصفتين الكريمتين، وكأنه ينبه في أول السورة على مراقبة الله؛ لأنه يعلم ويسمع، وكذلك في آخر السورة بعد هذا المشوار الطويل. وبالله تعالى التوفيق. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد ﷺ . والحمد لله رب العالمين.