Полный текст (127 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
نهي الإسلام عن السخرية بين المجتمعات
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيد الأولين والآخرين، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات:١١] .
أيها الإخوة! في هذه الآية الكريمة نداء للمؤمنين بأحب الأشياء إليهم، قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونََ﴾ [الحجرات:١١] .
في هذه المقدمة من هذه الآية الكريمة ينادي المولى سبحانه عباده المؤمنين الذين التزموا بلوازم الإيمان، وهو: التصديق والعمل بكل ما جاء عن الله ورسول الله ﷺ ، ومن ذلك: هذا التعليم القرآني الكريم.
стр. 72
الإعجاز القرآني في قوله تعالى: (لا يسخر قوم من قوم)
نلحظ في هذه الآية الإعجاز القرآني اللفظي والتنبيهات اللطيفة في قوله: (لا يَسْخَرْ قَومٌ) ، المفروض أن الذي سيسخر هو فرد واحد، ولكن الله سبحانه أسند السخرية المنهي عنها بقوم، والقوم هم الجماعة، و (قوم) لفظ خاص بجماعة الرجال، وقالوا: إن مادة قوم والقيام والقوامة ممثلة في الرجال؛ لأنهم هم الذين يقومون بالواجبات، كما قال الله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣٤] ؛ فوصف الرجال بالقوامة؛ ولذا كان لفظ القوم خاصاً بالرجال فقط، ولذا عطف عليه القسيم الثاني وهم النساء، فقال: (وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ) فكون الإسناد هنا لجماعة أو لقوم وهم عدد، مع أن العادة جارية بأن السخرية لا تنشأ ولا توجد إلا من فرد واحد؛ فلماذا جاء اللفظ بالقوم -وهم الجماعة- نيابة على الواحد؟ أشرنا سابقاً بأن آيات القرآن يرتبط بعضها ببعض، ولذا لو رجعنا قليلاً لوجدنا قوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩] ، فهنا طائفة متقاتلة مع طائفة أخرى، والطائفة هي الجماعة، والجماعة هي القوم، ولما انتهى القتال وجاء الإصلاح وتدخل المؤمنون قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ َ﴾ [الحجرات:١٠] ، ثم جاء تصفية ما عساه أن يكون من بقايا القتال بين الطائفتين، فقد تكون طائفة أقوى من الأخرى فتفخر عليها وتسخر من الطرف الثاني، فجاء التعبير بالقوم بناء على أنه تقدم عندنا طائفتان.
стр. 73
اشتراك الراضي عن الفعل في الأثم
لو أن شخصاً من إحدى الطائفتين سخر بالطائفة الثانية؛ فإن إسناد السخرية يكون للطائفة التي منها الشخص الذي سخر، ويكون الإسناد للمجموع لا للفرد فقط؛ لأن الواحد يتكلم باسم جماعته، ومن هنا لو أن البعض لم يسخر ولم يرض لكنه مشارك بالسكوت كما قيل: وسامع الذم شريك لقائله ومطعم المأكول شريك الآكل الذي سمع ما ذم إنساناً لكنه سمع ورضي وتلذذ بذلك، كما قيل: لم آمر بها ولم تسؤني؛ فهو مشارك للذي سب، أو ذم غيره، وعليه فهو مشترك في الإثم، وهكذا هنا الجماعة الواحدة؛ فالذي يتكلم منهم ويسخر من الطائفة الثانية كأنه تكلم باسم الجميع، والجميع يتحمل الإثم؛ لأنه سكت ورضي.
وهكذا أي إنسان ذكر إنساناً بسوء وعنده من إخوانه من لم يرد عليه ولم يمنعه؛ فمن رضي بذلك فهو مشترك في الإثم معه بسكوته عنه وعدم نهيه عن فعله، ولذا جاء في بني إسرائيل: ﴿كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٩] ، ويقول علماء الأصول: الترك فعل في صحيح المذهب، فإذا رأى إنسان منكراً وهو يستطيع أن ينكره وترك النهي فهو كالذي فعله، ولو أن إنساناً وجد آخر يسبح في الماء وأوشك على الغرق، ويستطيع أن ينقذه دون مضرة عليه؛ فتركه حتى غرق فهو مشارك في مسئولية غرقه، ويقولون أيضاً: لو أن إنساناً في فلاة ووجد ظمآناً يكاد أن يهلك من العطش، وعنده فضل ماء يزيد على حاجته وتركه ولم يسقه فمات فهو مسئول عنه.
وأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول: (لو أن إنساناً مات جوعاً في حي من الأحياء لألزمتهم ديته لأنهم تركوا إطعامه) ، هم لم يقتلوه ولكنهم أمسكوا فضل طعامهم ومائهم؛ فبإمساكهم ما به حياة إنسان يكونوا قد فعلوا ما يوجب الموت بالفعل، وهنا إشارة لطيفة في التعبير بلفظ بدل من لفظ، كان ممكن أن يقول: لا يسخر إنسان من إنسان، مسلم من مسلم، مؤمن من مؤمن، وهي تؤدي المعنى، ولكن يأتي بلفظ: (قوم) ، والحاصل: أن السخرية لا تنشأ إلا من شخص واحد، إذا الواحد الذي أنشأ السخرية يمثل القوم، والقوم موافقون وراضون وساكتون، أما من ينكر ذلك فقد خرج منهم.
стр. 74
جهات الخيرية الموجودة في المسخور منه
(لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا) أي: المسخور منه خير من هؤلاء الذين سخروا، (عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ) .
وكما يقولون: السخرية لا تكون إلا في جمع من الناس؛ لأنه لا يسخر من إنسان بينه وبين نفسه، وقد يكون هذا يتنقصه في نفسه ولكن العادة أنه لا يسخر من إنسان إلا بحضور آخرين، ويسخر منه ويتنقص في أمر يسخر منه، قد يسخر قوي من ضعيف غني من فقير سليم من مريض، كل هذه الأنواع المتغايرة المتفاضل فيها قد يسخر من الناقص منها.
ولكن يقول سبحانه: (عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ) ، الخيرية هذه لها جهتان: خيرية في الدنيا، وخيرية في الآخرة.
عسى أن يكونوا خيراً منهم عند الله، أنت تسخر منه وهو خير منك عند الله، يبقى فالسخرية حينها ترجع عليك أنت، كما جاء عنه ﷺ أنه مر عليهم -وهو في أصحابه- رجل قوي جلد ذو هيئة فقال: (ما تقولون في هذا؟ قالوا: نعم الرجل، إن استأذن أذن له، وإن تحدث أصغي إليه وإن خطب زوج.
فسكت عنهم حتى مر إنسان مسكين نحيف الجسم ضعيف الحال، فقال: ما تقولون في هذا؟ قالوا: إن تحدث لا يصغى إليه، وإن استأذن لا يؤذن له، وإن خطب لا يزوج.
قال: لهذا خير من ملء الأرض من ذاك عند الله) ، فهذا الذي تنظرون إليه على أنه ضعيف أو تزدريه أعينكم خير من ملء الأرض من ذاك الذي ملأ أعينكم وأخذ إعجابكم.
هذه الخيرية عند الله.
لكن وإن قال جميع المفسرين هذا ولكن نقول: هذا في الدنيا؛ أنت غني تسخر من فقير، وما يدريك أن هذا الفقير على مكارم الأخلاق، وأحسن العادات صدوق في الحديث، وفيّ في العهود، محافظ على أوامر الله، يقيم الصلاة، يصوم رمضان، بينما أنت مفرط في بعض ذلك.
قد تسخر منه لصحتك وهو مريض، وما يدريك لعله في مرضه يقوم الليل ويناجي ربه، وأنت غارق في النوم.
إذاً: قد تكون الخيرية في الدنيا بجوانب أخرى، أنت استنقصته بفقره والله عوضه من ذلك، ولهذا جاء عن الإمام علي رضي الله تعالى عنه أنه قال: (إن الله تعالى قسم العطاء على الخلق، ولو نظرت في أحوال الناس لوجدتهم من حيث العطاء سواء) قد تقول: كيف هؤلاء متساوون: هذا فقير وهذا غني، وهذا صحيح وهذا مريض، قال: (إن أعطى هذا مالاً ومنعه من هذا، فقد يعطي هذا راحة بال وطمأنينة نفس خير من مال هذا) ، قد يكون المال مشغلاً لصاحبه، مقلقاً له، مؤرقاً إياه، ولكن هذا راض بما قسم الله له، والرضا عطاء من عند الله، فيبيت مطمئناً راضياً قانعاً، فيكون أسعد حالاً، وقد يعطي الله هذا مالاً ويمرض هذا ويعطيه من الحكمة والعلم ما يساوي مئات المرات مما أعطى هذا من صحة ومال.
وكما جاء عن عروة بن الزبير: أنه سافر إلى العراق إلى معاوية وحصل له في الطريق ما حصل، وهناك أصيبت ساقه، فجاء الطبيب فقال: لابد من بترها حتى لا يتفشى المرض في باقي الجسم فتقضي على حياتك، أخيراً: قطعت الرجل، فلما جاء إلى المدينة غطاها، وكان الناس يأتون يسلمون عليه ويعزونه في رجله، فدخل عليه أناس من أصحابه الأخصين، فقال لابنه: (اكشف عن رجلي ليراها فلان، فنظر إليه فضحك، قال: ما يضحكك على هذه المصيبة؟ قال: نحن ما أعددناك للسباق والصراع، ولكن أعددناك للعلم والفقه -وكان عروة أحد الفقهاء السبعة- قال: والله ما عزاني أحد فيها كما عزيتني أنت) ؛ فلئن ذهب جزء من الساق أو الساق بكاملها فقد أعطاه الله من العلم والحكمة ما يفوق على الدنيا وما فيها.
إذاً: عسى أن يكونوا في الدنيا بجوانب أخرى خيراً منكم؛ فلا يسخر قوم من قوم.
إذا رأى الإنسان من نفسه تطلعاً أو تطاولاً وجاء الشيطان وأغراه فليقمع الشيطان عنه، وليعلم بأن هناك صفات أخرى إما معنوية أو حسية هي خير مما يسخر به هذا الإنسان.
إذاً: فالأحمق وغير العاقل هو الذي يسخر من أخيه الإنسان، ألفقره وغناك تسخر منه؟ فالغنى ليس بمحض جهدك بل الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، لينظر هل يشكر أم يكفر، يصبر أم يضجر؟ فهو عطاء من عند الله، والصحة كذلك ليست من جهدك ولا من عطائك، وهكذا لا ينبغي لعاقل قط أن يسخر من إنسان آخر رآه في حسبانه هو أنه منقصة في هذا الشخص الآخر، لا وكلا، ولذا جاء عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: (والله إني لأخشى لو أنني سخرت من كلب أن يمسخني الله كلباً) .
стр. 75
الخيرية الموجبة لعدم السخرية بين النساء
ثم قال الله: (وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ) ، امرأة هي جميلة في نظرها تنظر إلى أخرى وترى أنها ذميمة، هي رابعة الطول وهي قصيرة، ذات حسب ونسب، وتلك خادمة مسكينة، وكذلك كل ما يقال ويوجد في الرجال للرجال يقال ويوجد في النساء للنساء، قد تسخر منها لجمالها وتكون إما عند الله هي خير منها، وإما أن تكون في الدنيا أيضاً.
أنس ﵁ لما تزوج ودخل على زوجه -ما كان رآها قبل ذلك- فلما نظر إليها كأنه كان يتوقع أحسن من هذا، فعرفت ذلك في وجهه، فقالت: يا أنس! إن الله تعالى يقول: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١٦] .
وهو رجل فقيه لما سمع كلام الله وفي وقت حرج مثل هذا قال: قبلنا، فرزقه الله منها بـ مالك فعوضه الله بأعلى من المستوى الذي كان يريد، ومالك جاء بجارية ورزق منها بهذا الولد الذي أصبح إمام دار الهجرة، والله لو كان سيزنها بالذهب فإنه لا يعادلها، لو أن امرأة أخرى في جمالها وحسبها رأت تلك المرأة التي تزوجها أنس لازدرتها، ولو كانت تعرف بأنها سوف تنجب مالك بن أنس، في تلك الساعة ازدرت نفسها عند تلك المرأة.
يقول بعض العلماء: إن القسمة هنا ثنائية رجال من رجال.
هذا قسم، نساء من نساء.
هذا قسم آخر، ولم يأت ذكر رجال يسخرون من نساء، ولا قسم نساء يسخرن من رجال؛ لأن بين الرجل والمرأة بون شاسع، وكمال الرجل لا يجعله يضع نفسه في مقارنة مع امرأة؛ لأنه ينظر نقائصها فلا يسخر منها، وكذلك المرأة مع الرجل؛ لأنها ترى أن الرجل أعلى منزلة منها، فلا تضع نفسها في رفعة حتى أنها تسخر من الرجل، فرجولته تغطي كل شيء، ولذا جاء بالفريقين فقط: قوم من قوم، ونساء من نساء.
стр. 76
السخرية أصل كل خطيئة
أشرنا سابقاً بأن كل الخطايا والجرائم والآثام الشخصية قد يقال: إن منشأها من السخرية؛ لأنك سخرت منه عندما رأيت نفسك أعلى منه وهو دونك، فاستنقصته فصار هناك الغمز واللمز، وصار هناك الاعتداء وكانت هناك الآثام، (بحسب امرئ مسلم من الإثم أن يحقر أخاه المسلم) ، يكفيه ذنب واحد في الدنيا لهلاكه وتعذيبه وهو الاحتقار، والاحتقار سيؤدي إلى السخرية، إذ السخرية نتيجة الاحتقار، ويحمله ذلك على معصية الله.
ويقولون: إن أول معصية وقعت إنما هي الحسد، أي: حسد إبليس أبانا آدم على ما أكرمه الله به من أنه خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأمر الملائكة بالسجود إليه، وأمر بسكناه الجنة، وإبليس لم يجد شيئاً من هذا، فحسده على تكريم الله إياه، وأقول: إن قبل الحسد كانت السخرية، فإبليس ما حسد آدم إلا من بعد ما سخر منه واحتقره، ولما احتقره استكثر نعم الله عليه وأنه لا يستحقها، وهذا الذي يجري عند الناس إذا رأوا نعمة الله على عبد قالوا: لا يستحقها.
وليس أهلاً لهذا، يعني: يسخر منه ويتنقصه ويستكثر نعم الله عليه، فهو محارب لله في عطائه لبعض خلقه.
أقول: إن السخرية سبقت الحسد، والحسد جاء بسب السخرية، وكانت نتيجة الحسد الكبر، ونتيجة الكبر العصيان ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَاسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنْ الْعَالِينَ﴾ [ص:٧٥] ، رجع إلى أصله الذي خلق منه، وسخر من آدم ومن أصله الذي خلق منه، وهو مخطئ في هذه المقدمات، ومخطئ في هذه النظرية، ويقول العلماء: إن الطين خير من النار، ولولا الطين ما كانت النار، ﴿أَفَرَأَيْتُمْ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنْتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ﴾ [الواقعة:٧١-٧٢] .
وقود النار من الشجر الذي ينبت في الطين، فالطين أصل، ويقولون: لو أخذت نواة وألقيتها في النار فإنها ستحترق ولا تنبت، ولكنها إذا رميت في الطين فإنها ستنمو وينتفع بها الغير، فأصل الطين ينبت ما هو خير، وأصل النار يهلك غيره، وعلى هذا يقول: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِلْمُقْوِينَ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة:٧٣-٧٤] ، وعلى هذا يحذر الإنسان العاقل من أن يقف موقف السخرية من أي إنسان كان حتى وإن كان كافراً، فإنك تستعيذ من حاله، وقد تشفق عليه لمآله، لكن لا تسخر منه، فإن الله كتب عليه هذا، ولو استطعت أن تدعو له بظهر الغيب أن يهديه الله ويأخذ بيده إلى الإسلام والإيمان كان خيراً من أن تسخر منه.
إذاً: هذا كله مبدأ عظيم في هذه السورة الكريمة، وكما أشرنا سابقاً أننا نسميها سورة الآداب أو سورة الأخلاق، وهذا من أعظم تهذيب أخلاق الأمة الإسلامية، بأن لا يسخر بعضها من بعض لا أفراداً ولا جماعات.
стр. 77
نهي الإسلام عن اللمز والغمز
قال الله تعالى: (وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ) ، اللمز -كما يقولون- التعريض بالكلمات، والغمز بالعين، وفي الحديث: (انتظرت لعل أحدكم قام يضرب عنقه، قالوا: هلا غمزت لنا؟ قال: ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين) الأنبياء صرحاء في مقالاتهم لا يأتون بالغمز ولا باللمز.
ومجيء النهي: (وَلا تَلْمِزُوا) ؛ لأن من سخر من إنسان في نفسه لمزه بلسانه عند غيره، فهذا مترتب على ذاك، وهذا من الإعجاز القرآني والسبك في الأسلوب، وترتيب الأحداث بعضها على بعض.
وهل الإنسان يلمز نفسه؟ يقول العلماء: نعم، وهذا بوجهين: الوجه الأول: كما في قوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء:٢٩] ، لا أحد يقتل نفسه إلا المنتحر والعياذ بالله.
حينما تلمز أخاك المسلم فكأنما لمزت نفسك؛ فأنت وهو شيء واحد، والأمة الإسلامية كلها كالجسد الواحد، (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد) ، أو كالبنيان المرصوص بعضه يربط بعضاً، فلما كان الإسلام يعتبر الأمة كياناً واحداً؛ فمن لمز فرداً من الأفراد فقد حمل نفسه في عموم الوحدة الإنسانية باللمز الذي طرأ على غيره، وهذا غاية الترابط والتراحم والتآلف.
الوجه الثاني: لا تلمز إنساناً ولو كان بشيء واقع فيه، ولا يرضاه، فسيلمزك بمقابل هذا سواء كان فيك أم لا، صدقاً أو كذباً؛ انتقاماً لنفسه وانتصاراً لشخصه؛ فتكون أنت قد لمزت نفسك بلمزك أخاك، كما قال الله: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:١٠٨] هذا سداً للذريعة، وجاء في الحديث: (لا يسب الرجل أباه ولا أمه، قيل: أو يسب أحد أباه أو أمه؟ قال: نعم، يسب أبا الرجل فيسب الرجل أباه، ويسب أمه فيسب أمه) ، فيكون هو المتسبب في سب أبيه وأمه.
وعلى كلا المعنيين -وكلاهما جليل- على الإنسان أن يتحفظ من ذلك.
стр. 78
نهي الإسلام عن التنابز بالألقاب
قال الله : (وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ) ، اللقب هو: اسم يشعر الإنسان بمدح أو ذم، فألقاب المدح لا بأس بها، كما يمثل العلماء بـ الصديق لـ أبي بكر، والفاروق لـ عمر، وذي النورين لـ عثمان، وأبي تراب لـ علي، ﵃ جميعاً، فهذه لا بأس بها، أما الألقاب التي يكرهها الإنسان، وكما جاء في كتب التفاسير عموماً: أن الرجل في الجاهلية كانت له عدة أسماء، وكان إذا نودي ببعضها يكره ذلك، فلما قدم النبي ﷺ وعرف أن للرجل عدة أسماء، فكان يناديه ببعضها، فيقولون: يا رسول الله! إنه يكره هذا، أي: يكره هذا الاسم من بين كل تلك الأسماء، فيناديه بالاسم الذي لا يتأذى منه.
(وَلا تَنَابَزُوا) ، أي: لا يلقي بعضكم على بعض الألقاب السيئة التي يتأذى منها صاحبها ولو كانت فيه حقيقة، وهذا يستثنى منه عند علماء الحديث في معرفة الرجال، وتجدون في بعض الروايات: عن فلان الأعرج، أو الزيات، أو الخرقي، يعني: بائع الزيت أو بائع الخرق، وهي ألقاب قد تستنكرها العرب لكن لكونه لا يعرف إلا بذلك أو اشتهر عند الناس بذلك فلا مانع أن يذكر للتعريف لا للنبز ولا للإهانة.
ويذكر ابن جرير الطبري عن مجاهد عند قوله تعالى: (وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ) بأن هذا داخل بالألقاب التي تتصل بالإسلام، كأن يقول إنسان لشخص لخطأ ما: يا فاسق.
يا منافق.
يا فاجر فيقولون: هذا هو التنابز بالألقاب -أي: الصفات التي لا يرضاها الإسلام، وبعضهم يقول: هي أعم من هذا، وعلى هذا الرأي: إذا كان التنابز بالألقاب يختص بصفات الإسلام ومخالفاتها فنحن نقول اليوم: لا تنابزوا بقولكم: فلان متعصب، فلان مقلد، فلان مجتهد، فلان صفته كذا، فلان يحمل كذا، لا ينبغي لطالب العلم أن يصف زميله في طلب العلم بصفة لا يرضاها لنفسه، وماذا في ذلك إذا كان ما يأخذه من المذهب حق، ومستند إلى مستند شرعي؟ نعم.
الحال أن يتمسك بما يراه حقيقة أو أرجح، لكن الذنب فيما إذا كان طالب علم ووجد مسألة خلافية والمذهب الذي هو ملتزم به أخذ بجانب لا دليل عليه، أو عنده دليل وعند المذهب الآخر ما هو أرجح وأقوى منه وأخذ به الجمهور؛ فلا يحق له أن يتعصب لهذا الرأي الضعيف لمجرد أنه مذهب صاحبه، لا ينبغي هذا، ولكن لا نعيبه في الدين، إنما هو أمر اجتهادي، ورأى إمامه هذا الرأي وأخذ به؛ فلا ينبغي أن نجعل ذلك موضع لمز وغمز وتنابز بالألقاب، ويأتي إنسان ويقول: هذا متطرف، لأنه يأخذ بكذا وكذا لا ينبغي أن يكون الاختلاف في الرأي موضعاً للتنابز بالألقاب، بل الواجب على طلبة العلم أن يصلوا الرحم الذي بينهم، ألا وهو العلم، فهو رحم بين أهله، وعلى هذا فإن الواجب على طلبة العلم أن يلتفوا حول العلم، فإذا كانت مسائل خلافية، أو اجتهادية؛ فلا ينبغي أن تكون سبباً في نبز البعض أو لمزه.
والفرق بين المسائل الاجتهادية والخلافية هو: أن المسائل الخلافية فيها نص واختلف في معناه، أو نصوص تعارضت واختلف فيما يؤخذ منها؛ لأن الذي بين المختلفين فيها الأدلة نفسها، أما المسائل الاجتهادية: فليس فيها نص، وإنما نظرها العلماء واجتهدوا فيما يحملونها عليه من قاعدة عامة، أو آية أو حديث، بمفهوم المخالفة، ومفهوم الموافقة، والقياس يكون هناك قرائن تحمل عليها؛ فهذه اجتهادية نشأت من اجتهاد العلماء فيها، وكلا الأمرين لا ينبغي الاختلاف فيه بين الناس، ولا يكون الاختلاف في الأدلة سبباً للنزاع والفرقة، وقد ذكرنا في رسالة: موقف الأمة من اختلاف الأئمة، وكان الأئمة إذا التقوا أو تلاميذهم على اختلاف ما بينهم بالمذهب لم يكونوا متفرقين، ومتخاصمين، ومتحزبين، ومن أغرب ما قرأت عن الشافعي ﵀: أنه لما جاء إلى بغداد، للأعظمية -حي الإمام الأعظم أبي حنيفة - وكان هناك مسجداً فلما صلى فيه لم يقنت في الفجر، فقيل: لم لم تقنت وهو مذهبك؟ قال: احتراماً لصاحب هذا القبر، وأبو حنيفة يرى القنوت في الوتر، والشافعي بعد وفاة أبي حنيفة يترك القنوت في الفجر حتى لا يكون مخالفاً لـ أبي حنيفة عند قبره.
وعندما قيل للإمام أحمد: أتصلي خلف من أكل لحم الجزور ولم يتوضأ؟ وأحمد يرى الوضوء من أكل لحم الجزور، فقال: كيف لا أصلي وراء مالك وسفيان وفلان وفلان، هل اختلافي معهم في مسألة يمنعني من أن أصلي وراءهم؟ وقد أطلنا في هذه النقطة؛ لأنها -في نظري- تخص طلبة العلم أكثر من عوام الناس، فعوام الناس قد يفعلون ما يفعلون بجهل أو بدافع غريزة ما، ولكن طلبة العلم يقعون في ذلك عن قصد، وهذه هي الداهية الكبرى؛ لأنها تفرق بينما يجب عليهم أن يجتمعوا ويعملون على اجتماع الأمة لا أن يكونوا هم مصدر الخلاف والفرقة.
إذاً: (وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ) أياً كان هذا اللقب، كما قيل عن مجاهد: يا فاسق يا منافق يا سارق يا زاني يا شارب أو أنه كان فيه معان أخرى ويلحق بذلك ما أشرنا إليه مما يجب أن يكون عليه طلبة العلم من الابتعاد من أن يلمز بعضهم بعضاً بألقاب لا يرضاها هو لنفسه.
стр. 79
وصف القرآن للعصاة
قال الله تعالى: ﴿بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ﴾ [الحجرات:١١] ، من هذا أخذ مجاهد بأن النبز بالألقاب: يا فاسق يا منافق، وهنا بئس الاسم، والاسم هو العلامة، مأخوذ من السمة ومن الوسم، فهو عند الإنسان اسم، وعند الحيوان وسم، فتسم الإبل على العنق أو الكتف أو الفخذ بحديدة محماة في النار، وتطبع طابعاً في ذلك المكان على أن هذا البعير لقبيلة كذا، فإذا هذا البعير شرق أو غرب ورأته القبائل الأخرى عرفوا بأنه ملك للقبيلة الفلانية؛ فهو هنا وسم.
وإذا ما شرق أو غرب إنسان يسأل: ما اسمك؟ يقول: اسمي فلان، فيعرف باسمه.
(بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ) بعد ما كان يقال: يا مؤمن، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ﴾ [الحجرات:١١] ، فإذا وقعت السخرية كانت السخرية معصية، والمعصية خروج عن طاعة الله، والخروج لغة: الفسق، والفسق أعم من المعاصي، فقد يكون مخرجاً من الملة، وقد يكون كبيرة من الكبائر، وقد يكون صغيرة من الصغائر، أو مطلق الخروج عن الجادة وعن الصراط المستقيم.
يا أيها الذي ينبز بالألقاب لقد كان فعلك فسقاً، والآن يقال لك: فاسق بتنابزك بهذا الاسم بعد أن كان يقال لك: يا مؤمن؛ لأنك لم تؤذ غيرك.
﴿بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ﴾ والمراد به: من وصف بالفاسق، أو المراد به من نبز غيره واستحق وصف الفسق بنبزه أخاه باللقب الذي يكرهه.
(وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ) .
أي: فتوبوا إلى الله من هذا العمل، وتوبوا إلى الله مما وقعتم فيه من سخرية واستهزاء ولمز وتنابز بالألقاب، توبوا من هذا كله.
﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات:١١] لم يقل الفاسقون، مع أنه معصية وفسق، ولكن جاء بالوصف الأخص.
يقول علماء اللغة: إن الظلم لغة: وضع الشيء في غير محله، فإذا جاء إنسان وظلم آخر وأخذ ماله ووضعه في غير موضعه، كيد الغاصب والأصل أن يكون في يد مالكه؛ فقد ظلمه.
فكذلك هؤلاء جميعاً، فمن سخر من إنسان فقد وضع السخرية في غير موضعها؛ لأنه سخر من شخص عسى أن يكون خيراً منه، فإذا كان خيراً منه فلا موضع للسخرية وهو ظلم له، وإذا لمز إنساناً بعينه بعيب فيه أيضاً فقد يكون ظلمه؛ لأن هذا العيب لم يأت به هو وإنما أنت الذي أشهرته، فأنت ظالم في نقله إلى الآخرين، ومثله التنابز بالألقاب؛ فأنت وضعت هذا اللقب في غير موضعه؛ لأن صاحبه يكرهه ويتبرأ منه، لكنه لصق به.
إذاً: ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون، فالظلم درجات، أعلاها الشرك، كما قال لقمان لابنه: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣] وكذلك الإنسان يظلم نفسه بالمعصية، وبالمكروه إلى غير ذلك.
стр. 80
أثر ظن السوء على المجتمع ووحدته
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات:١٢] .
تأملوا هذا النسق القرآني العظيم، بعد ذكره السخرية وما يتعلق بها من اللمز والنبز بالألقاب يأتي بقسم آخر من الأخلاق الفاضلة التي ينبغي أن يكون عليها المجتمع المسلم، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا﴾ هذه الخطوات الثلاث وما بعدها إيضاح لجريمة الغيبة.
قوله سبحانه: (اجْتَنِبُوا) بدل اتركوا أو لا تظنوا، يقول فيه والدنا الشيخ الأمين رحمة الله علينا وعليه: قال في الخمر: (فاجتنبوه) أبلغ في الزجر من اتركوه، أو لا تشربوه؛ لأن (تتركوه) قد يتركه وهو جنبه محتفظ به لكن (فاجتنبوه) .
أي: جنبوه عنكم بعيداً، وكونوا عنه عن بعد فإذا كان عنك بعيداً فلا أنت شارب له ولا محتفظ به.
وهنا: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ﴾ ، أي: كونوا على جانب من البعد من كثير من الظن، وهذا أبلغ من: لا تظنوا , و (كَثِيراً) مفهومه: لو كان هناك ظن قليل وكان الظن للخير فلا مانع، كما قال تعالى: ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور:١٢] .
جلس أبو أيوب وأم أيوب في تلك الحالة فقال: يا أم أيوب! لو كنت مكان عائشة أتفعلين ما يقال عنها؟ قالت: لا والله.
ولا أرضاه لنفسي، فقال: لـ عائشة خير منك، فقالت: وأنت يا أبا أيوب لو كنت مكان صفوان بن المعطل، أكنت تفعل ما يقال عنه؟ قال: لا والله، ولا أرضاه لنفسي، فقالت: لهو خير منكم، فظنوا بأنفسهم خيراً، وكذلك ظنوا بأم المؤمنين أنها لا تفعل ذلك، فهذا ظن في الخير، فالظن في الخير كله خير، أما في الشر فلا.
إذاً: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ﴾ ولا مانع أن يكون هناك بعض الظن في الخير، والظن هو: التوجس والتحسب، وأن يكون فقه على غير علم، لا عن محسوس بسمع ورؤيا.
ثم هذه السخرية وما يتبعها من الهمز واللمز والنبز بالألقاب جاء هنا مرة أخرى، فقال: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ﴾ ، فإذا لم تجتنب وغلبتك النفس، ورأيت بعض العلامات أو الأمارات ورأيت أن بعض الناس يدخلون ويخرجون من بيت ما، فتقول: ماذا عند هؤلاء؟ وذهبت تقدر بأنهم يجتمعون على كذا، وأنهم يعملون كذا، فظننت بهم شراً، فقلت: لماذا الظن؟ لم لا أتأكد؟ فذهبت تتجسس عليهم لتتحقق ما ظننته فيهم.
إذاً: التجسس مبني على سوء الظن، فجاء الترتيب منسقاً، ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ﴾ فإذا ظننتم ولا بينة عندكم فلا تتبعوا سوء الظن بالتجسس لتتحققوا فيما ظننتم فيه، وهذا في غاية من البلاغة والتنسيق القرآني الكريم، ظننت ثم ذهبت فتجسست لحب الاستطلاع، فستجد نتيجة إما سلباً أو إيجاباً، فلما لم تجد شيئاً رجعت بخفي حنين، أو أنك وجدت شيئاً مما كنت تظن، فماذا يكون موقفك؟ قف عند هذا ولا تذهب تغتاب أخاك فيما رأيته من تحقيق ظنك السابق.
إذاً: يبدأ سوء الظن وهو عمل القلب، ثم تأتي الخطوة الثانية وهي: التجسس وهو عمل الجوارح، وتأتي الخطوة الثالثة بمقتضى تجسسك بأن تغتابه بذكر ما رأيت من معايب.
أرأيتم هذا النسق القرآني العجيب؟ هذا هو الإعجاز.
ثم يأتي تصوير القبح في هذا العمل: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ﴾ [الحجرات:١٢] ، أي: بما رأى من تجسسه، أو كما بين الحديث بصفة عامة: (ما الغيبة يا رسول الله؟ قال: ذكرك أخاك بما يكره، قال: أرأيت إن كان حقاً ما ذكرته فيه؟ قال: إن كان فيه فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول: فقد بهته) ؛ ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ [الأحزاب:٥٨] ، فقد وسع الرسول ﷺ في موضوع الغيبة إما ابتداء وإما نتيجة للتجسس لا يغتب بعضكم بعضاً.
ثم جاء بالصورة التوضيحية: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً﴾ [الحجرات:١٢] ، هذا التمثيل التصويري صورة بصورة، جعل القرآن العظيم أن ذكرك أخاك في غيبته بما يكره كأن تنهش لحم أخيك الميت، بجامع أن الغائب لا يملك أن يرد عن نفسه حال غيبته، والميت لا يملك الدفاع عن نفسه لموته، وقبح الفعل يأتي بالتعبير عنه بقوله: (فَكَرِهْتُمُوهُ) .
هذا أكل لحم أخيه لا لحم الغير، وهنا يبرز معنى الأخوة؛ لأن معنى الأخوة: العاطفة والرحمة والتآلف والتراحم، أما أن تغمز وتلمز وتغتاب أخاك وتصفه بما يكره، فهذه ليست من معاني الأخوة في شيء، ويذكرون الحديث النبوي الشريف في قصة ماعز لما اعترف وأمر الرسول ﷺ برجمه، فسمع الرسول ﷺ شخصين يتحدثان ويقولان: (ما فتئ ستر الله عليه حتى جاء وفضح نفسه، حتى رجم رجم الكلب، فلما سمعها رسول الله ﷺ سكت عنهما، حتى إذا مر بجيفة حمار) وفي رواية: (تيس أسك ميت قد انتفخ فوقف عنده وقال: يا فلان ويا فلان -وسماهما- تعالا كلا من هذه الجيفة، قالا: يرحمك الله يا رسول الله، وهل هذه تؤكل؟ قال: والذي نفسي بيده! للذي قلتماه في أخيكم أشد عند الله من أكل هذه الجيفة، والله إنه الآن ليمرح في متع الجنة) .
إذاً: هذه صورة يجعلها القرآن الكريم لمن اغتاب أخاه في غيبته سواء كان فيه ما قال أو لا؛ ما دام أنه يكره ذكر هذا فلا تذكره له، وهو تابع للتنابز بالألقاب المنهي عنه؛ كل ذلك إبقاء على وحدة المسلمين ووحدة الأمة ووحدة الصف؛ لأن هذه التوافه هي التي تمخض القلوب وتنفر بعضها من بعض، وتأتي بالفرقة بعد الألفة، فبين الله أن هذا الفعل كريه: (فَكَرِهْتُمُوهُ) وهذا فعلاً شيء مكروه، فما دمتم تكرهون الأكل من جيفة الميت فكيف ترضون ذلك من لحم أخيكم؟ وكيف ترضون بالغيبة التي تعادل ذلك بالصورة والإنكار.
(وَاتَّقُوا اللَّهَ) اتقوا: الوقاية مما عند الله بترككم ذلك وبالعودة إلى الله بالتوبة، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات:١٢] سبحان الله! ما قال: أنا الغفور الرحيم، وإنما قال: (توبوا) وهذا يرجع إلى أحد أمرين: إما أن تكون راجعة لهذا الذي ظننت به السوء ونصبت نفسك شرطياً تتجسس عليه، فاعلم أن الله تواب رحيم، فإذا كان المولى ستر عليه ولم يفضحه فكن أنت صاحب سلطان؛ فالله الذي خلقه وخلقك تواب يتوب عليه ومرجعه إليه وأنت تذهب وتكشف سريرته، لا.
وإما راجعة إلى هذا الذي اغتاب وتجسس وسخر أنه إذا رجع إلى الله تاب الله عليه مما فعل.
فـ (تواب رحيم) صالحة أن ترجع إلى الطرفين، المعتدي والمعتدى عليه.
وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا وسيدنا محمد.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 81
الأسئلة
стр. 82
أدلة حفظ السنة
السؤال
هل ورد في القرآن الكريم دليل ظاهر على حفظ السنة المطهرة كما ورد في حفظ القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] ؟
الجواب
نعم، وهذا ظاهر من أمرين: الأول من قوله: (عليكم بسنتي) ، وكيف يكون معنى هذا؟ وكيف نلزمها إذا كانت معرضة للضياع؟ فما دام أنا ملزمون بالالتزام بالسنة يكون هناك كالعهد بحفظها لنلزمها دائماً، والشيء الثاني: الآية الكريمة (إِنَّا نَحْنُ) الذكر الكريم يقول: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر:٧] ، وكان والدنا الشيخ الأمين رحمة الله علينا وعليه يقول: السنة بمجموعها قطرة من بحر القرآن الكريم، فحفظ القرآن يتناول حفظ السنة، ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤] ، أي: يُبين لهم بالسنة، إذاً: تبيان القرآن محول على السنة، والقرآن فيه وعد من الله بالحفظ، فيكون وعد الله بحفظ القرآن وعد بحفظ السنة التي تبينه، والله تعالى أعلم.
стр. 83
جمع الإمام أحمد بين الحديث والفقه
السؤال
الإمام أحمد إمام في الحديث ولكنه ليس إماماً في الفقه كبقية المذاهب؟
الجواب
من قال هذا؟ بل هناك رسالة لأحد الإخوان من الجامعة الإسلامية وكنت مشرفاً عليها، فذكرت في صالة المحاضرات عند مناقشة الرسالة: أن الشائع عند الناس أن الإمام أحمد كان إماماً في الحديث، ولكن بهذه الرسالة وبالمسائل الفقهية التي ذكرها الطالب والمسائل الأخرى التي ذكرها أبو داود، وولده عبد الله في عدة كتب بعنوان: مسائل الإمام أحمد.
وهي المسائل الفقهية، تبين أن الإمام أحمد كان فقيهاً أكثر منه محدثاً.
إذاً: فالإمام أحمد كان يجمع بين الفقه والحديث وليس كما قيل: إنه لم يكن فقيهاً بل هو فقيه، والمسائل التي حصرت أو أخذت عنه تقوي هذا المذهب وزيادة، وما من مسألة فقهية عند الحنابلة أساسية إلا ولـ أحمد رأي فيها.
وهناك بعض المسائل كما يقول: الوجوه والنظائر كمصطلح عند العلماء، هذه وجوه على أصل آخر روي فيه عن أحمد عنه قول أو نظيره، أو قول قاله الإمام أحمد.
إذاً: ما خرجت عن فقه أحمد ﵀.
стр. 84
الفرق بين المحدث والفقيه
السؤال
ما الفرق بين الفقيه والمحدث، وهل يكون الفقيه محدثاً؟
الجواب
المحدث والفقيه يشتركان، إلا أن المحدث يكون شغله بالحديث وحفظه متناً وسنداً، والفقيه اشتغاله أكثر بالتفريعات الفقهية والجزئيات في أعمال الناس، وكلاهما فقيه محدث؛ لأن الفقيه لابد أن يكون له من الحديث استدلالاً في فقهه، والمحدث يكون فقيهاً بالحديث الذي يحفظه، لكن إذا غلب أحد الجانبين على أحدهما كان مشهوراً به، فالفقيه الذي كثرت مسائله في الفقه، والمحدث الذي كثر حفظه للأحاديث، وكلاهما يشترك في الحديث معاً وفي الفقه معاً، أي: أن الحديث والفقه شيء مشترك بين الجانبين، وكل بما اشتهر به، والله تعالى أعلم.
وقد تجدون في بعض الكتب: كل فقيه محدث، وليس كل محدث فقيه، وهذه المقولة فيها نظر؛ لأنهم يعنون بالمحدث الذي ليس بفقيه الذي يعنى بالأحاديث فقط، وقد وجدنا بعض الناس همه وشغله الشاغل بالأسانيد والرجال: صحيح، حسن، ضعيف، حسنه فلان، ضعفه فلان، أما الاشتغال بالفقه فيكونون في جانب واحد، فهذا الذي يقولون عنه: وليس كل محدث فقيه، أما المحدث الذي يعنى بالمتن مع السند فقهاً وحفظاً فكيف يكون غيره خيراً منه.
والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا وسيدنا محمد.
стр. 85
تفسير سورة الحجرات [٤ - ب]
стр. 86
من أحكام سوء الظن والغيبة
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فأعتقد أنه قد تقدم الكلام في هذه الآية الكريمة، وبقي التنبيه على جانب من جوانب دلالتها.
يقول المولى سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات:١٢] ، أي: ابتعدوا عن كثير من الظن، والمفهوم أنه قد يجوز بعض الظن.
ثم يبين السبب في اجتناب كثير من الظن فقال: (إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) فلا يمكن اليقين إلا بترك الأكثر.
стр. 87
وجوب اجتناب كثير من الظن
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات:١٢] فلو قال: اجتنبوا بعضاً من الظن لكان هناك حرج؛ لأننا لا نستطيع أن نحدد كيف يكون الاجتناب، لكن إذا اجتنبنا كثيراً من الظن تأكدنا من أننا اجتنبنا بعض الظن الذي فيه إثم، وهذه فيها القاعدة الأصولية: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
ولهذا نرى الفقهاء في مواطن التحديد في العبادات يطلبون الزيادة عن الحد للتأكد من استيعاب المحدود، فمثلاً: في قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة:٦] ، يقولون: حد الوجه من منبت الشعر طولاً من الجبهة إلى أسفل الذقن، لكن يقولون: ينبغي أن يزيد في منبت الشعر جزءاً بحيث أنه يتأكد بأنه استوعب الوجه كله، وكذلك في صوم رمضان في قوله سبحانه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧] ، يقول الفقهاء: ينبغي أن يمسك قبل أن يتبين ولو بلحظات ليتأكد أن إمساكه وقع في جزء من الليل، وأن كامل النهار سلم من أن يأكل أو يشرب فيه، ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ ، يكون إتمام الصيام إلى ما بعد نقطة الصفر من غروب الشمس، ليتأكد أنه استوعب النهار كاملاً بالإمساك، أما إذا جاء عند نقطة الصفر بالذات يمكن أن يكون أخذ جزءاً من النهار في أكله وشربه، فيكون ذلك إبطالاً لصيامه، لذلك لا يتم الصيام الواجب إلا بإتمامه وهو أخذ جزء من آخر الليل من الصباح، وأخذ جزء من أول الليل عند الغروب ليتأكد؛ لأن ذلك مما لا يتم الواجب إلا به، وهذه الآية الكريمة تدل على ذلك: اجتنبوا الكثير؛ لأن القليل إثم، ولا نستطيع أن نتجنب القليل إلا إذا تجنبنا ما هو أكثر منه، حتى نتأكد أننا استوعبنا القليل الذي فيه الإثم.
стр. 88
الفرق بين الظن والشك
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات:١٢] .
إشارة إلى أن المسلم لا يحق له أن يتجسس على أخيه المسلم، وأشرنا إلى الترتيب الطبيعي في ترتيب هذا الأسلوب حتى وإن رأيت من إنسان قرائن من سماع أو إشاعات، وكما سأل الأخ: ما الفرق بين الظن والشك؟ وقلنا: إن الشك وجود معرفة على وجهين متناقضين في كفتي ميزان متعادل، ويمثل علماء المنطق لذلك: إذا رأيت شخصاً من بعيد فلا تستطيع أن تجزم أكان رجلاً أو امرأة، وإن تأملت قلت: هذا رجل، وإن رجعت مرة أخرى قلت: هذه امرأة، فلم تستطع الجزم بذلك والكفتان بين الرجل والمرأة متعادلتان سواء، في هذه الحالة يكون إدراكك للشاخص شك لأنك لم ترجح أحد الجانبين، فإذا تعادل طرفا العلم بمعلوم فإن هذا العلم شك، ولكن إذا دنا الشاخص منك قليلاً ثم تبين لك أنه رجل، وأصبح عندك عشرة في المائة ترجح أنه رجل؛ حينئذ هذا الجانب الذي رجح ونزلت كفته عشرة في المائة يعتبر ظناً، والكفة المرجوحة التي نقص الإدراك فيها عشرة في المائة يعتبر وهماً، فالظن أحد الجانبين الذي رجح بعد أن كان شكاً متعادلاً، فإذا انتهى الوهم، وكان العلم لجانب واحد، بأن دنا منك ورأيته بملابسه وتأكدت (٩٩%) ونصف أنه رجل، والنصف الباقي احتمال أن تكون امرأة تلبس ملابس الرجل، لكن تأكد عندك أنه رجل، حين ذلك يكون علماً، والعلم مراتب: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين، فعلم اليقين الذي لا يقبل وهماً يطرأ عليه، ويمثلون بأن مسلمي روسيا أو واشنطن يتوجهون في صلاتهم إلى الكعبة، فهو يعتقد ويعلم بوجود الكعبة، فإذا قدر لهذا الإنسان أن جاء إلى مكة ووصل إلى المسجد الحرام ووقف عند الباب، ورأى البنية في وسط المسجد، فقال: ما هذه؟ قيل له: الكعبة، فهل يكون علمه وهو واقف في باب المسجد كعلمه وهو في بلده؟ لا.
فعلمه علمه بها وهو يراها بعينه أقوى من علمه بها وهو في بلده، ثم جاء وطاف حولها زاد علماً، ثم فتحت الكعبة ودخل الناس ودخل معهم وصلى في جوف الكعبة، فعلمه بالكعبة هو في جوفها أقوى من علمه وهو واقف في الباب، هذا هو حق اليقين.
стр. 89
ما يجب على المحتسب تجاه الظن السيء
﴿اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ﴾ وهو الوهم؛ لأنه لم يتمحض في باب العلم الحقيقي.
إذاً: لم يجتنبه، وأراد أن يمضي في الوهم، وأن ينتقل من الظن إلى العلم فذهب يتجسس، فوجد شيئاً أو ارتاب، عندها نجد أن القرآن ينهى عن التجسس، والسنة النبوية أيضاً نهت عن التجسس، (ولا تجسسوا، ولا تحسسوا، ولا يغتب بعضكم بعضاً.
وكونوا عباد الله إخوانا) .
وننبه هنا على نقطة مهمة جداً، وهي: ما يختص بالإخوان الذين يرون في أنفسهم الأهلية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو الذين نصبوا من طرف الإمام، والذين يقال لهم: أهل الحسبة، فالآمر والناهي إما محتسب -أي: منصب من جانب الإمام- وله سلطة من طرف الإمام، أو متطوع متبرع: (من رأى منكم منكراً فليغيره) ، وإذا ما أشيع عنده أو وقع عنده ظن ببيت فيه ما ينبغي الإنكار عليه لا يحق له شرعاً أن يذهب يتجسس ليتحقق من هذا الظن؛ لأن الله نهاه عن التجسس، كما يروي مالك في الموطأ: (من ابتلي بشيء من هذه القاذورات؛ فليستتر بستر الله، فمن أبدى لنا صفحته أخذناه بها) ، ويقول مجاهد ﵀: (خذوا ما ظهر لكم، واتركوا ما ستر الله عليه) .
وجاء عن ابن مسعود ﵁ أن رجلا أتاه، وقال: هذا فلان تقطر لحيته خمراً، قال: (نهينا عن التجسس، إن يبدي لنا صفحته أخذناه بها) .
وجاء عن كاتب عقبة بن عامر أنه قال له: (إن لنا جيراناً يشربون الخمر، وأنا ذاهب بالشرط ليأخذونهم، قال: لا تفعل وارجع وعظهم وانصحم وتهددهم، ولا تبلغ أمرهم إلى الشرط، فرجع ووعظهم وزجرهم، ثم رجع وقال: فعلت ولم ينتهوا، فإني ذاهب أستدعي لهم الشرط يأخذونهم، قال: لا تفعل، سمعت رسول الله يقول: (من ستر على مسلم خبأة -يعني: عيباً- كان كمن أحيا موءودة من قبرها) ، هذا الحديث يذكره علماء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلماء الحسبة والدعوة، ويذكره الخطيب البغدادي في الرحلة في طلب العلم، قال: إن أبا أيوب الأنصاري أخذ راحلته وذهب إلى مصر حتى أتى إلى الفسطاط، وجد محمد بن مسلمة وهو الأمير عليهم، قال: أين بيت عقبة؟ قال: ما الذي جاء بك أزائرا أم لحاجة؟ قال: جئت لحاجة عنده، أرسل معي من يدلني على بيته، فذهب إليه فرأى عقبة -وهذا أنصاري، وأبو أيوب أنصاري- فقال له: إن أبا أيوب الأنصاري في الباب، فأسرع إليه ولقيه وعانقه وقال له: ما أتى بك يا أبا أيوب؟ قال: جئت لأسمع منك حديثاً، لم يبق أحد سمعه من رسول الله ﷺ إلا أنا وأنت، فأردت أن أتثبت منه.
وانظروا: الهمة في طلب العلم: يرحل إلى القاهرة على بعيره في الصحراء، من أجل أن يسمع حديثاً كان قد سمعه من رسول الله ﷺ وطال عليه العهد، وأراد أن يتثبته ممن سمعه معه وهو عقبة بن عامر - قال: جئت لحديث لم يبق أحد ممن سمعه من رسول الله ﷺ إلا أنا وأنت، وهو فيمن ستر على مسلم، قال: نعم.
سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من ستر على مسلم في الدنيا - وقد جاءت له ألفاظ متعددة- ستره الله يوم القيامة، أو كان كمن أحيا موءودة من قبرها) ثم قال له: السلام عليك، ورجع إلى راحلته، وما أدرك أبو أيوب إلا في عريش مصر.
هكذا يقول الخطيب البغدادي في كتاب رحلة طلب العلم، ونحن نسمعكم لفتة بسيطة في طلب العلم، ونستطيع أن نقول: إن البعثات للدراسات الغير موجودة في البلد لا بأس بها ,وهذا أصل فيها، وهو أن نرحل لطلب العلم الغير موجود عندنا إذا كانت هناك خصوصيات أو اختصاصات والبلد بحاجة إليها وهي غير موجودة في بلد الإنسان فله أن يرحل إليها، ولكن هل إذا ذهب ليدرس يسترخي ويطمئن إلى الحياة هناك ويترك بلده ومهمته التي سافر من أجلها ويسكن في تلك البلاد؟ أو أنه يؤدي المهمة ويحصل على العلم الذي بعث له ويرجع به إلى بلده فينفع أهل بلده؟ هكذا أبو أيوب بعد ما سمع الحديث رجع إلى راحلته، وقال: جئت لقضاء حاجة وانتهت.
ويهمنا في هذا الحديث: (من ستر مسلماً) ويتفقون على روايات عن عمر كما جاء عن الزبير قال: (حرست أنا وعمر ليلة -وعمر ﵁ كان يعس ليلاًَ في المدينة ويتسمع الأخبار، ويتعرف على حال الناس في الليل، وقد يتصدق بدون أن يعلم به أحد، وقد يعرف أخبار الناس- فقال عمر: هذا بيت فلان -سماه- مجافىً عليهم الباب، وهناك سراج ولغط وشرب فما ترى؟ فقال له الزبير: أرانا يا أمير المؤمنين أتينا ما نهانا الله عنه، نهانا الله عن التجسس وقد تجسسنا، قال: فتركهم عمر وانصرف) .
وعلى كل فإن الآمر النهي بالمعروف له ما ظهر وليس من حقه أن يتتبع بالتجسس فيفسد أحوال الناس ما دام الأمر مستتراً، بخلاف ما إذا ظهرت آثاره بأصوات أو روائح.
إلخ؛ حينئذٍ لم يبق حيز الاستتار، فوجب تغييره لمن استطاع ذلك.
стр. 90
تحذير الإسلام من الغيبة
﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ ، تقدم البيان بأن الغيبة هي: ذكرك أخاك بما يكره ولو كان فيه، كما بين ﷺ : (إن كان ما ذكرته فيه فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته) ، والبهتان شيء عظيم، وبين المولى سبحانه صورة عملية مثالية، فقال: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ﴾ ألا تكرهونه، وأحدكم هنا فرد يعم الجميع على سبيل البدل -أي: كل واحد من المجموعة- أن يأكل لحم أخيه ميتاً حتى لو كان حياً يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه.
وأشرنا إلى قوله ﷺ للرجلين اللذين ذكرا ماعزاً لما اعترف ورجم فقالا: (لم يرض بستر الله عليه حتى جاء واعترف حتى رجم رجم الكلب) ، سمعها ﷺ ، فسكت حتى مر بتيس أسك أو بحمار قد انتفخ فقال: (فلان وفلان! قالا: نعم يا رسول الله، قال: انزلا فكلا من هذه الميتة، قالا: يرحمك الله يا رسول الله، أتؤكل هذه الجيفة؟ -استعظما الأمر- قال: والذي نفسي بيده، للذي قلتما في أخيكم -أي: ماعز - أشد من أكلكما هذه الجيفة، والله إنه الآن ليرتع في بحبوحة الجنة) .
لا ينبغي للإنسان أن يغتاب أخاه سواء كان عن عيب نشأ عن تجسس أو عن أمر ابتدائي، ومهما كان الأمر ولو كان إشارة باليد، كما جاء عن صفية ﵂: أن النبي ﷺ كان واقفاً مع إحدى نسائه فمرت من أمامهما صفية، فقالت: ما يعجبك منها؟ يكفيك أنها وأشارت بيدها -يعني: أنها قصير- فقال رسول الله ﷺ (والله لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته) ، والتعبير هنا بماء البحر دون ماء النهر لأن ماء النهر عذب، وأقل شيء يؤثر فيه، وماء البحر مالح لا يتأثر إلا بشيء غلب عليه، وكما يقولون: الماء المخلوط بالملح أو السكر يمنع أن يتشرب ما يدخل عليه من بكتيريا وغيره، فمثل بالبحر لبعد تأثره بما يقع فيه: (لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته) فكيف بأكبر من ذلك: (فكرهتموه) ؟!
стр. 91
بيان عظم رحمة الله ومغفرته
قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات:١٢] ، اتقوا الله: أي اتخذوا منه الوقاية بتلك الأمور التي من أولها: (لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ) و (وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ) و (وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ) ، لا تظنوا السوء بالناس، لا تجسسوا، لا يغتب بعضكم بعضاً، وتوبوا إلى الله من هذا كله، فاتقوا الله وخذوا الوقاية من عذاب الله، وقد أشرنا أن قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ ، يصح أن ترجع للمغتاب والذي وقعت عليه الغيبة، أو المتجسس والمتجسس عليه، أو الظان والمظنون فيه.
أنت تسخر منه لماذا؟ لضعفه.
أنت تظن به السوء لماذا؟ لأنك تنقصته بما سمعت عنه.
أنت تتجسس عليه لماذا؟ لتصل إلى نقص العلم الذي عندك لتكمله؛ فإذا كان الأمر كذلك والمولى سبحانه تواب رحيم فقد يتوب على ذلك الذي سخرت منه بسبب ما يوجد فيه، سخرت منه لمعصية، قد يتوب الله عليه.
فإذا كان المولى يتوب عليه وتأتي أنت وتعاقبه، فلا حق لك في هذا، وترجع أيضاً للفاعل (توبوا) فالله تواب يقبل توبة التائبين عن كل هذه الآفات الأخلاقية أو الدينية، فـ: (تَوَّابٌ رَحِيمٌ) ، يصح أن ترجع للمتنقص أمره والمتنقص الذي ارتكب تلك الآفات والآثام، والله تواب يقبل التوبة من عباده رحيم يكرم من تاب عليه بواسع رحمته، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾ [النساء:٤٨] ، وقصة الذي قتل تسعة وتسعين نفساً، فسأل إنساناً عابداً جاهلاً، ثم أفتاه بعدم قبول توبته، فقتله وكمل به المائة -وهذه نتيجة الفتوى بغير علم- ثم عندما سأل عالماً قال له: إن تبت إلى الله فإنه يقبل توبتك -وهذا هو الفقه- ولكن أرى أن تخرج من هذه البلدة التي ارتكبت فيها تلك الآفات إلى بلدة أخرى فيها أناس صالحون يعبدون الله فتعبد الله معهم -وهذه نتيجة الجليس الصالح- فخرج تائباً إلى الله، فمات في نصف الطريق، اختصمت فيه الملائكة، والله سبحانه حكم بينهما، وقال: قيسوا الأرض التي خرج منها والأرض التي ذهب إليها، وانظروا إلى أيهما أقرب، وفي بعض الروايات: بأن الله زوى الأرض التي هو خارج إليها فكانت المسافة أقصر، فأخذته ملائكة الرحمة بحنوط إلى الجنة.
إذاً: لا ينبغي لإنسان أن يقنط من رحمة الله، ولا أن يعرض عن باب التوبة إلى الله ولو تكرر منه الذنب مراراً، وقد بين رسول الله ﷺ أن كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون، ولو أنه ارتكب ما ارتكب ثم رجع بعزيمة صادقة من الذنوب ثم رجع بصدق، وتاب توبة، ثم رجع إلى الذنوب مرة أخرى، فرجع فتاب مرة أخرى وتاب نفس التوبة؛ فإن الله يتوب عليه في كل مرة ما دام يفعل ذلك.
ثم في قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات:١٢] صيغة مبالغة.
يعني: كثير التوبة على عباده واسع الرحمة بهم، والفرق بين الرحمان والرحيم: أن رحمان اسم فاعل، ورحيم صيغة مبالغة، وقال الرسول ﷺ : (الله قسم رحمته مائة جزء، فأنزل جزءاً من تلك المائة إلى الأرض بها تتراحمون، وبها ترفع الدابة حافرها أن تضعه على ولدها رحمة به، وادخر تسعة وتسعين رحمة لرحمة العباد يوم القيامة) ، ولذا يقول العلماء: رحمان الدنيا ورحيم الآخرة، والله أعلم.
стр. 92
تجلي قدرة الله في خلق الناس
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:١٣] .
إن المتابع لهذا السياق الكريم في هذه السورة المباركة، يرى أنه من أول السورة قال: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)) توجيه خاص بالمؤمنين في التطبيق العملي، وهنا قال: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ)) والناس أعم من المؤمنين؛ لأن فيها المؤمن والفاسق والفاجر والمنافق والكافر.
إلخ.
وقالوا: إن كلمة ناس من: ناس ينوس إذا تحرك، ومنه الوسواس يتحرك في صدر الإنسان، فشملت كل بني آدم.
لماذا غاير في المنادى؛ لأن موضوع النداء عام وليس خاصاً بطائفة المؤمنين.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا﴾ [الحجرات:١٣] النون هنا نون العظمة ﴿خَلَقْنَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] خلق جميع الأناسي من جميع الأمم، والقبائل، والأجناس دون تمييز بصفة من الصفات المعنوية من إيمان أو كفر أو غير ذلك.
وهنا: (خلق) ، والخلق في اللغة: التقدير، والعرب تقول: لأنت تفري ما خلق، والفري القطع.
تأتي إلى إنسان عنده قالب، ويريد أن يقص على مقداره، فيضعه على الخشب أو القماش، ويعلم على أطرافه بقلم، هذا هو الخلق: التخطيط، فيأتي ويقص على ما علم عليه، وهذا هو الفري، خلق واستطاع أن يفري، تقطع وتنفذ عملياً ما رسمت وخططت، وغيرك قد يستطيع أن يخطط ولكن لا يستطيع أن يفري.
إذاً: (خلق) بمعنى قدر، خلقناكم: أوجدناكم على تقادير معينة، فتجد الناس جميعاً أوجدوا من العدم على تخطيط مختلف لا يتفق اثنان في ملايين من البشر في تخطيط واحد، هذا طويل وهذا قصير، حتى الطوال لا يتفقون مع بعض، هذا متين وهذا نحيف، هذا أبيض وهذا أسمر، ولا يتفق أسودان، كل شخص له صفة خاصة مغايرة في الخلق وهذا آية من آيات الله وقدرته.
تجد العيون في محلها، والأنف والفم في محلهما، والأذن في محلها، ولك أن تنظر إلى اللون، فاللون واحد، السمة ما يتسم به وما يعرف به واحدة، ولا يمكن أن تجد اثنين على سمة واحدة، فلابد أن تجد هناك فوارق فتميز بين هذا وهذا، ولو لم تعرف اسمه فإنك تميز خلقه.
أي: تخطيطه وصورته وأنموذجه، وكان والدنا الشيخ الأمين رحمة الله علينا وعليه يقول: من أراد أن يعرف قدرة الخالق وقدرة خلقه وإحاطة علمه بخلقه، فليقف عند رمي جمرة العقبة عندما يأتي الناس يرمون الجمرات، فهل يجد اثنين من تلك الخلائق اتفقوا في الطبعة سواء، حتى التوأم قد يكون في نظر العين (٩٩%) ، ولكن قد يوجد نصف واحد في المائة من التغاير، فالأم تعرفهما به.
стр. 93
تفسير سورة الحجرات [٥ - أ]
стр. 94
تفاضل الناس عند الله تعالى بالتقوى
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، ﷺ وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد: ما زالت سورة الحجرات تنتقل في آداب الجماعة: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا﴾ [الحجرات:٩] ، ثم بيّن الدافع والواجب لهذه المسئولية فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠] ، ثم نهى عن بواعث القتال، أو نهى عن مخلفات القتال فقال: ﴿لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [الحجرات:١١] ، قد تسخر الطائفة القوية من الضعيفة، أو الأغنياء من الفقراء.
ثم بعد ذلك ذكر الأدب في معاملات الناس بالألفاظ، واحترام الشخصية بعدم اللمز ولا الغمز، ثم اجتناب الظنون، ثم النهي عن التجسس، ثم النهي عن الغيبة وانتهى من هذا إلى القاعدة التي يرد إليها عنصر التفاخر أو التعالي أو الافتخار بين الناس، والأصل في ذلك أن يفتخر بنسبه وبحسبه، ولكن تلك المفاخر النسبية لا مكان لها؛ لأن أصل خلقة الجميع من ذكر وأنثى، ثم إن كان هناك ولابد من تفاخر فالأصل سواء، كما جاء عن علي رضي الله تعالى عنه: الناس من جهة التمثيل أكفاء أبوهم آدم والأم حواء فإن يكن لهم من أصلهم نسب يفاخرون به فالطين والماء لماذا تتفاخر على أخيك وأنتما مشتركان في أصل الإيجاد، وهو: الماء والطين؟! إذاً: لا يتفاضل على نفسه إلا بصفات أخرى: تلك الصفات تكون خصوصية في الأفراد يختصهم الله بها، كما جاء في قول الشاعر: فإن تفق الأنام وأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزال فالدم من حيث هو جنس، ولكن المسك هو جزء من دم الغزال، انعقد في حلمته أو في الأنبوب الذي يتدلى عند حلقه، فينعقد فيه دم الغزال ويتحول إلى مسك، فهو بعض الدم ولكن فاقه، وهذا في امتداح الممدوح، وأصدق ما يكون على النبي ﷺ .
كم من أب علا بابن ذرا حسباً كما علت برسول الله عدنان كم من أب افتخر وارتفعت مكانته بابنه.
أي: أن الأصل يفتخر بالفرع على خلاف العادة، والعادة أن الفرع يفتخر بالأصل، ولكن في شخصية رسول الله ﷺ انعكست المسألة؛ فيفتخر الآباء بالأبناء، فتفتخر عدنان كلها بما فيها من القبائل والفخوذ والشعوب بذلك.
стр. 95
حكم المصاهرة مع فوارق الأنساب
في هذا المقام نحب أن ننبه على قضية اجتماعية لها خطرها في المجتمعات، وهي: ﴿خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى﴾ [الحجرات:١٣] ، أي: متساوون في الخلقة، ونظام التكارم أو المكارمة ليس في تلك الأنساب؛ لأن مردها إلى نسب واحد، ولكن حقيقة المكارمة في البشر إنما هي بالتقوى، (أتقاكم أكرمكم) ، في هذه القضية نجد بعض الناس فيما يتعلق بالأنساب والزواج يتشددون، ويفرقون بين جماعة أو طائفة من الجماعة وطائفة أخرى، فإذا كان النسب مسلسلاً إلى قبيلة من القبائل؛ فلا يزوج إلا من كان كذلك مسلسلاً نسبه إلى قبيلة من القبائل، ويقولون: نريد أن نحفظ أنسابنا.
وقد جاء عن عمر بن الخطاب ﵁: (تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم) ، فيقولون: حفظ النسب مطلوب لصلة الرحم.
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] ، قال: هذا عند الله، أما عندنا نحن وعند الناس وفي الدنيا لا؛ فلا يزوجون من لا يعرف انتسابه إلى قبيلة بعينها، ويفرقون بين هذا وذاك، فمن ثم وجدت تلك الطائفية أو هذا التقسيم في بني البشر، فلربما يأتي إنسان ويأخذه الحماس ويقول: هذا خطأ وهذا باطل، وهذا لا أصل له، والله يقول: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] وفي الحديث: (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه) ، والآن: إذا جاء من نرضى دينه وخلقه مع كونه نسيباً نزوجه، أما إذا كان ممن نرضى دينه وخلقه وليس نسيباً فلا نزوجه، وهذا مخالفة لظاهر الحديث.
أيها الإخوة! إذا جاء إنسان يخطب وهو لا يُعرف ما صلة نسبه إلى قبيلة سوى؛ (كلكم لآدم وآدم من تراب) ، وجاء يخطب ابنة إنسان نسيب في قبيلته، فهل يتعين ويجب على المخطوب من عنده أن يزوجه، أم أن له الحق في أن يرفض، ولو كان من قبيلة أعلى من قبيلته ولكنه لا يريد أن يزوجه، فهل هو ملزم أم أن له الاختيار؟ الواقع أن له الاختيار.
وما دام له الاختيار فيما لو تساوى معه في النسب الذي يتمسك فله الاختيار في غيره كذلك، ومعادات الناس ومحاربتهم فيها يجب أن ينظر فيها إلى النتيجة التي تترتب على ذلك، وخاصة في المباحات.
стр. 96
مراعاة النبي ﷺ لأحوال الناس في بناء الكعبة
لقد كان النبي ﷺ يراعي النتائج في المستقبل، فحينما حج ﷺ ومعه أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، فقالت: (أريد أن أصلي في الكعبة -أي: داخلها- فأخذ بيدها إلى حجر إسماعيل، وقال: صلي هاهنا فإنه من البيت) ، فلما صلت سألت: كيف يكون من البيت وهو خارج عنه؟ فقال ﷺ : (إن قومك حينما أرادوا بناء الكعبة قصرت بهم النفقة، فاحتجروا هذا الجزء وأقاموا البيت على قواعد إبراهيم من القسم الثاني، وقصروا البناء على هذا الحد على قدر نفقتهم، ثم حجروه بهذا الجدار) ، ولهذا سمي الحجر حجراً لكونه محجوراً داخل هذا السور، ولذا تسمى الغرفة في داخل البيت السفلي: حجرة، والعلية تسمى غرفة لارتفاعها.
فهنا سألته عائشة: لماذا لم يدخلوه في البيت؟ فبين لها السبب، وهو ناحية مادية، أنهم قصرت بهم النفقة، لا لعجز ولكنهم كانت يحتاجون إلى عملة صعبة بالنسبة إليهم، وهي المال الحلال الذي لم يدخله شبهة؛ لأنهم كانوا يجمعون إلى مكاسبهم حلوان الكاهن، ومهر البغي، والربا، وهم يعلمون بأن هذا ممنوع، لكن كانوا يدخلونه في كسبهم، فلما أرادوا بناء الكعبة قالوا: هذا بيت الله، ولا يمكن أن نبني بيت الله بمال فيه شبهة، وهذا مبدأ كما قال ﷺ : (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً) .
فهل تبني بيت الله بما حرم الله؟! لا يجوز هذا تسرق ثوب وتذهب تطوف بالبيت وأنت سارق لهذا الثوب؟! تسرق ثوب جارك ويعزمك في وليمة فتأتي وأنت لابس للثوب الذي سرقته من عنده فهذا تحدٍ.
قالت: (فما بالهم جعلوا باب البيت مرتفعاً؟ قال: ليدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا، من أعطاهم أجرهم أدخلوه، ومن لم يعطهم ولم يرضهم ركلوه بأرجلهم فسقط، ولولا حداثة قومك بكفر -وهذا محل الشاهد- لهدمت البيت، ولبنيته على قواعد إبراهيم -يعني: أدخلت فيه الحجر- ولجعلت له بابين، باب للداخل وباب للخارج) ، وقد حدث هذا التنظيم في المسجد النبوي، ووضع الباب الذي يسمى باب النساء، في عهد النبي ﷺ لما كثر الناس وكن النسوة يأتين لصلاة الجماعة عند رسول الله، وكان ﷺ يأمر الرجال أن لا يتعجلوا بالانصراف حتى ينصرف النساء قبلهم، ويذهبن إلى بيوتهن، فلما كثر الأمر وطال على الرجال الانتظار، قال: (لو جعلتم لهن باباً) ، فجعل لهن باب النساء، وكان في مؤخرة المسجد بالنسبة لحدوده من جهة الشمال، فكان هذا الباب الذي إلى الآن يسمى باب النساء بجوار باب جبريل ﵇.
فهنا خصص النبي ﷺ للنساء باباً يدخلن ويخرجن منه حتى لا يزاحمن الرجال في بقية الأبواب، وهناك يقول ﷺ : (لبنيت البيت على قواعد إبراهيم، ولسويت بابه بالأرض، وجعلت له بابين؛ باب للداخل وباب للخارج) ، ولو أن الناس اليوم في كل تلك الأبواب خصصوا للدخول فتحات وفتحات للخروج ما تزاحم الناس على الأبواب، وقبل سنوات حصل تزاحم عند باب السلام، وتسبب في وفيات.
إذاً: التنظيم من حيث الدخول والخروج مبدأ إسلامي، ومن سنة النبي ﷺ .
ويهمنا في هذه القضية: أن النبي ﷺ كان يحب أن يكون البيت على قواعد إبراهيم، وأن تكون الأبواب مساوية للأرض حتى يتمكن كل من أراد الدخول أن يدخل، ويكون هناك بابان للداخل وللخارج لكن.
ما الذي منعه أن يفعل ذلك؟ ترك ما يرغب فيه مخافة ما سيحدث من الفتنة: (إن قومك حديثو عهد بكفر) فهم لازالوا جدد، فإذا هدمت الكعبة وغيرت على ما كانت عليه، قالوا: هدم وغير وبدل، فيحصل في نفوسهم بعض الشيء، فترك هذا العمل.
ولما جاء ابن الزبير وبويع في مكة لما وقعت فتنة عثمان ﵃ أجمعين كان قد سمع من خالته عائشة ﵂ وصف رسول الله للبيت، فقام وعمل ذلك، وهدم الكعبة وبناها على قواعد إبراهيم، وأدخل الحجر، وجعل له بابين مساويين للأرض، ولما جاء الحجاج، وقتل ابن الزبير، وكان ما كان وراعى أن يعيد البيت على ما كان عليه من قبل، فبناه على ما كان عليه قبل الإسلام، وأخرج الحجر على ما كان، ولما زادت حجارة البيت لاختصاره، حار ما يفعل به، وهي حجارة مختصة بالبيت لا يستطيع أن يبيعها لأنها وقف، ولا يسمح لأحد باستعمالها، فأرسل إلى أسماء أم عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عن الجميع رسولاً، وقال: اذهب فسلها ماذا نفعل فيما بقي من الحجارة؟ انظروا إلى الاعتراف والإقرار لأهل الفضل ولو كانوا أعداء! قتل وصلب ولدها، ثم يرسل إليها يستشيرها، وحينئذٍ ما خانته المشورة، بل أشارت عليه بالصواب، ولكن بعبارة أرجفت الرسول وخاف أن ينقلها، فقالت: (ليضعها في فيه) فرجع الرسول وليس في ذاك الذكاء كـ الحجاج، فما استطاع أن ينطق، فقال الحجاج: قل ما قالت ولا عليك، فقال: قالت ما لا أستطيع أن أنطق به، قال: انطق به ولا عليك، قال تقول: يضعه في فيه، قال: صدقت هو خير مكان لها هي تعني: في فم البيت؛ لأن البيت جعل له باب مرتفع، وأصبح من الداخل مجوفاً إلى ارتفاع -عتبة الباب الأعلى- ما كان عليه من قبل، فأخذ الحجارة الزائدة وأدخلها في الكعبة، ورصها حتى سوات الباب الذي وضعه وأعاده على ما كان وهو ما عليه اليوم.
ولما جاء الرشيد إلى مالك وحصلت مناقشته في الموطأ وما يتبع ذلك، سأل الرشيد مالكاً واستنصحه واستشاره: إني أريد أن أعيد البيت على بناية ابن الزبير، تنفيذاً لرغبة رسول الله ﷺ ، وهنا أيضاً يأتي نظر مالك إمام دار الهجرة ويصدق عليه قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف:١٠٨] ، والبصيرة دون البصر؛ لأن البصر يرى المحسوسات المواجهة، والبصيرة ترى ما لا يرى المحسوس، وتستنتج بالفراسة نتائج الأمر لو حصل ماذا يكون.
قال: لا تفعل يا أمير المؤمنين، قال: ولم وأنا أنفذ رغبة رسول الله، وأعيد ما فعله ابن الزبير، قال: لا تفعل، إني أخشى أن تصبح الكعبة ألعوبة الملوك.
الحجاج لماذا أعاد الكعبة على ما كانت عليه؟ لأنه شكل ووضع مات عنه رسول الله ويجب أن يبقى على ما كان عليه، ولم يلتفت إلى الوصف الذي جاء، وهنا مالك يقول: أخشى أن تصبح الكعبة ألعوبة الملوك.
يأتي واحد بعدك يقول: لا.
يجب أن تعاد الكعبة على ما كانت عليه في حياة رسول الله، ويعيدها، ويأتي الآخر فيخشى أن تتزحزح الكعبة عن مكانها، ولهذا منع مالك الرشيد أن يعيدها على الوصف الذي أراده رسول الله، اتقاء للشر، وهذا ما يسمى في علم الأصول: سد الذرائع: (ترك ما لا بأس فيه مخافة ما فيه بأس) .
стр. 97
مراعاة الشرع لعادات الناس
أيها الإخوة: إن قضية التمسك بنسب القبائل قد تشبعت بها طوائف، وإن محاربتها أو انتزاعها بالقوة لا يأتي بنتيجة، وأذكر ونحن في الدراسة: تحمس زميل لنا لهذه الآية، فجاءه زميل له وافد إلى البلاد وخطب أخته، وهي في قرى نجد، فزوجه إياها، وذهب به إلى قريته، وأعلم أهله بأن هذا زوج أخته، فاعترضوا عليه، فقال: لا، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] ، فعلم بنو عمه وجماعته بالأمر فاجتمعوا بالسلاح عند باب البيت، وقالوا: إما أن تخرجه وإلا قتلناه، وكانت المسألة شديدة الخطورة، فاضطر أن يخرجه حفاظاً على نفسه، وقال له: أنا وأنتم أمام الشيخ محمد بن إبراهيم، وهو المفتي آنذاك رحمه الله تعالى، فما أفتى به على العين والرأس.
ثم ذهبوا إلى الشيخ محمد بن إبراهيم، فقال له: إن ما قمت وفعلته حق فيما بينك وبين الله، وهذا شرع الله، والرسول قال لبني فلان: زوجوا فلاناً -وكان حجاماً- فأبوا أن يزوجوه، والرسول ﷺ زوج زينب ابنة عمته وهي في الذروة من النسب إلى أسامة، وأبوه كان مولى، وأعتق فتبناه إلى غير ذلك، ثم انتهى الأمر إلى الطلاق، لكن ماذا تفعل في قومك وهم مستعدون أن يضحوا بك، وبضيفك؟ وهل أنت مفرط في صديقك، وهل ترضى أن يقع له ذلك؟ كما أن الحكومة لا تستطيع أن تمنعهم، ولا تستطيع أن تحميك ولا أن تحمي زميلك من هذا، فهذه الأمور ليس بالفرض اللازم الواجب أن يتزوج هذا الإنسان بتلك الفتاة، وممكن أن يتزوج غيرها، فدع عنك الفتنة وإثارتها فيما بينك وبين قومك وأهلك.
فحينئذٍ طلق تلك الفتاة، وانتهت المشكلة ورجع كل إلى حاله.
نذكر هذا يا إخوان؛ لأنه ربما أن تقع بعض الفتن أو الاعتراضات أو الشقاق بسبب ذلك، وطلبة العلم يتنازعون ويدعون بأن هذا هو الأصل، ويجب أن تلغى كل الاعتبارات المغايرة لذلك.
نقول: لا بأس، هو مقصد ونقول: هو مما تحكمت فيه العادات، لكن لا نستطيع أن نغفلها أو أن نميتها، أو أن نمنعها.
إذاً: ينبغي النظر في النتائج، كما نظر النبي ﷺ في النتائج لو أنه هدم الكعبة وبناها على قواعد إبراهيم، وكما نظر مالك ﵀ فيما لو أذن للرشيد أن يعيد البناء على ما حدث به عن رسول الله.
هذا الذي أحببت أن أنبه عليه في مفهوم هذه الآية فيما يتمسك به البعض في قضية معينة.
أما بقية القضايا والعلاقات فكما قال سبحانه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:١٣] ، عليم بمن يدعي التقوى والأصالة والقبيلة عليم بحاله وبسره وعلنه، خبير بداخلته وظاهره، والله تعالى أعلم.
стр. 98
تفسير قوله سبحانه: (قالت الأعراب آمنا ... )
تأتي الآية الكريمة على منهج جديد أيضاً في الآداب والأخلاق، والآداب الإسلامية من حيث هي، وتصحيح المفاهيم، فكل ما تقدم في حقوق الإنسان بعد حق الله ورسوله، وهنا في حق الإسلام في ذاتيته: ﴿قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤] ، إلى آخرها.
стр. 99
المعاني التي اشتمل عليها قوله تعالى: (قالت الأعراب)
﴿قَالَتْ الأَعْرَابُ﴾ ، الأعراب هم سكان البوادي، والحاضر: سكان الحاضرة وهي المدن، فالناس من حيث المساكن والإقامة قسمان: من يسكن البوادي فهو أعرابي، ومن يسكن الحضر فهو حضري، فهنا هذا القسم: ﴿قَالَتْ الأَعْرَابُ﴾ ، أي: الذين جاءوا من البوادي: ﴿آمَنَّا﴾ ، وهذا إعلان بالإسلام، فرد عليهم وكُلف ﷺ أن يقول لهم: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ ، لم يقل: (ولكن أسلمتم) لأنه لو قال ذلك: تكون شهادة لهم بإسلامهم حقاً، لكن كان الرد عليهم بمقتضى منهجهم: (قالوا آمنا) لا.
(قولوا أسلمنا) ، أسلمنا بدل آمنا، ويكون المرجع إلى مقالتهم هم لا إلى تصديق الوحي على دعواهم، فيكون إقراراً من الوحي بإسلامهم، وإسلامهم مناقش فيه.
وهنا مباحث أصولية: (قَالَتْ الأَعْرَابُ) (أل) هنا هل هي للاستغراق أو للجنس؟ وهل كل الأعراب على هذا النمط، وهل كل من قال من عموم الأعراب (آمنا) يقال لهم: لا.
لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا؟ الواقع أنه بخلاف ذلك، وأنه عام في الأعراب أريد به خصوص طائفة فقط من عموم الأعراب.
واتفقوا على أنها نزلت في أعراب من بني أسد لما جاءوا إلى النبي ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله! نحن أسلمنا وآمنا بدون قتال كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان، على ما سيأتي: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ [الحجرات:١٧] ، أي: بدون قتال، إذاً: (قَالَتْ الأَعْرَابُ) عام أريد به خاص.
وقد بين والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه في: أضواء البيان عند هذه الآية ما جاء في عموم الأعراب بالإجمال والتفصيل، جاء في عموم الأعراب: ﴿الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [التوبة:٩٧] ، ثم جاء بعد ذلك: ﴿وَمِنْ الأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمْ الدَّوَائِرَ﴾ [التوبة:٩٨] ، ثم جاء بعدها: ﴿وَمِنْ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ﴾ [التوبة:٩٩] ، فالآية أو السياق: ﴿الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً﴾ ، شملت الجميع، ثم فصلت من بعض الأعراب من يتربص بكم الدوائر، ومن بعض الأعراب من يؤمن وينفق ويتخذ ذلك مغنماً عند الله.
стр. 100
أسباب رد الله عليهم بالإسلام بدل الإيمان
(قَالَتْ الأَعْرَابُ) ، هل هم الذين يتخذون ما ينفقون مغنماً عند الله سبحانه، أم الذين يتخذون ما ينفقون مغرماً ويتربصون بكم الدوائر؟ هنا يختلف العلماء في نوعية هؤلاء الأعراب من حيث الإسلام وعدمه، فـ ابن جرير ﵀ يقول: ما السبب الذي من أجله أُمر صلى الله عيله وسلم أن يقول لهم: لا تقولوا آمنا، وقولوا أسلمنا؟ قالوا: إن السبب في ذلك ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ [الحجرات:١٧] ﴿قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ ، هم يمنون عليك أنهم آمنوا بك بدون قتال قال: لا، لا تقولوا آمنا، ولا تمنوا عليّ إيمانكم، لأنكم ما وصلتم إلى هذه الدرجة ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ .
والفرق بين (آمنا) و (أسلمنا) يبينه لنا الشيخ الأمين رحمة الله علينا وعليه: بأن هذه الآية من مواضع المباحث في العقيدة، وهو الفرق بين الإسلام والإيمان، ويقول كما يقول علماء الكلام الباحثين في العقائد: إن الإسلام والإيمان، والفقير والمسكين إذا أفرد أحدهما جمع الآخر معه، وإذا قرنا وذكرا معاً افترقا، أو كما يقولون: إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا، فإذا قيل: أعط هذه الدراهم لمسلم أو أعطها لمسلم ولمؤمن، وإذا قيل: أعط المسلم درهماً والمؤمن درهمين كان هناك مغايرة، فالمسلم متميز على حدة، والمؤمن متميز على حدة.
فعلى هذا: هؤلاء الذين قالوا: (أسلمنا) ، هل هم أسلموا فعلاً أم أنهم أسلموا كما في معنى: ﴿قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ بمعنى: استسلمنا إليك؟ قالوا: إما لأنهم يريدون أن يحفظوا على أنفسهم دماءهم وأموالهم وأعراضهم، أي: قالوا: (أسلمنا) ؛ ليأمنوا من المسلمين، وليغتنموا حالة المشاركة مع المسلمين، ويذكر ابن جرير نوعاً آخر: أنهم قالوا: (آمنا) ليتسموا باسم المهاجرين ولم يهاجروا، وكان ذلك في أول الهجرة، أو أنهم قالوا: (أسلمنا) رداً على أنهم يمنون على رسول الله بالإيمان.
﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤] ، أي: مخافة السبي والقتل، وحفظكم أموالكم بقولكم: (آمنا) ، وأنتم لم تؤمنوا، أو بكونهم يمنون على النبي ﷺ بإيمانهم، وهم فعلاً لم يؤمنوا، أو لأنهم إنما أظهروا هذا القول ولم يأت تصديق قولهم بالعمل.
стр. 101
الإيمان قول وعمل
قال ابن جرير: الإسلام كلمة، والإيمان كلمة وعمل، كما يقول جمهور علماء الكلام: الإسلام فعل أو نطق بالشهادتين، والإيمان: اعتقاد الجنان، ولفظ اللسان، وعمل الأبدان.
أي: أنه اعتقاد وقول وفعل، فالاعتقاد وحده لا يكفي؛ لأن النبي ﷺ جلس إلى عمه وقال: (يا عم! قل كلمة أحاج لك بها عند الله) فلم يقل، وهو قد أعلن من قبل: ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذار سبة لو جدتني سمحاً بذاك مبينا فهو يعتقد يقيناً بأن دين الإسلام الذي جاء به ابن أخيه محمد هو الحق، لكنه لم ينطق بكلمة الشهادتين، لذا كان يقول له: (يا عم! قل كلمة أحاج لك بها عند الله) ، فالاعتقاد وحده لا يكفي، ويجب أن يكون مع الاعتقاد النطق، ومع النطق والاعتقاد العمل، ولذا سمى الله العمل بالفروع إيماناً، ولما تحولت القبلة قالوا: ماذا يكون حال الذين ماتوا قبل أن يصلوا إلى الكعبة؟ لأنه ﷺ مكث قرابة ستة عشر شهراً يصلي إلى بيت المقدس، وفي هذه الأثناء مات بعض المسلمين، قالوا: ماذا يكون مصيرهم وهم لم يصلوا إلى الكعبة؟ فنزل قوله سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣] ، فسمى الصلاة إيماناً؛ لأنها تصديق بالقول، أي: صدق القول بالفعل.
وسيأتي: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات:١٥] ، بأن الإيمان بالقول يجب تصديقه بالفعل، ويهمنا في هذا المقام أن قول الأعراب: ﴿قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤] ، أسلمنا في الظاهر أم في الظاهر والباطن؟ الشيخ الأمين رحمة الله علينا وعليه في أضواء البيان يرجح بأن إسلامهم كان إسلاماً لغوياً وليس شرعياً؛ لأن الإسلام لغة الاستسلام، كما قال حكيم الجاهلية زيد بن عمرو بن نفيل: وأسلمت وجهي لمن أسلمت له الأرض تحمل صخراً ثقالاً دعاها فلما أطاعت أرسى عليها الجبالاً وأسلمت وجهي لمن أسلمت له المزن تحمل عذباً زلالاً إذا هي سيقت إلى بلدة أطاعت فصبت عليها سجالاً وأسلمت نفسي لمن أسلمت له الريح تصرف حالاً فحالاً هذا جاهلي يقول هذا قبل بعثة النبي ﷺ ، يقول: أسلمت وجهي؛ يعني: استسلمت لله الذي هذا صنعه من خلق الأرض بالجبال، ومن خلق المزن بالماء الزلال، ومن تصريف الرياح حالاً فحالاً.
هذا إسلام لغوي.
أما الإسلام الشرعي فهو: من التزم بحقوق الإسلام والإيمان، وطاعة الله ورسوله، فالشيخ يرى بأن قولهم: (آمنا) ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ لغوي، أما حقيقة الإسلام الشرعية فليست موجودة عندهم، فيقول: هؤلاء من صنف المنافقين الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر.
وابن جرير يقول هذا أيضاً، ويستدل ﵀ بقوله فيما بعد: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤] ، فإذا لم يدخل الإيمان وهو التصديق والالتزام بالعمل في قلوبهم، فهذا يكون إسلاماً لغوياً وليس إسلاماً شرعياً، وسيأتي مناقشة هذا الرأي عند قوله: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤] .
والذي يهمنا: بأن القرآن فرق بين الإسلام والإيمان، لما أفرد الإيمان جمع معه الإسلام، ولما نفى عنهم الإيمان وأثبت إليهم الإسلام حينها عرفنا أن هناك فرقاً بينهما.
هناك: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥-٣٦] .
إذاً: في هذه الآية يتفق معنى الإسلام والإيمان؛ لأنه بيت واحد هو الذي أخرج منها، فإذا انفرد لفظ الإيمان شمل الآخر معه، كما إذا انفرد لفظ الفقير أو انفرد لفظ المسكين شمل الآخر معه، أما إذا ذكرا معاً فيكون هناك التفرقة، إذا قال: أعط الفقير درهماً وأعط المسكين نصف درهم؛ كان هناك فرق بين الفقير والمسكين، وقد فرق العلماء بينهما، فقالوا: الفقير من فقار الظهر، كأن فقرات ظهره مكسورة؛ لأنه لا يستطيع التحرك مادياً، أما المسكين فهو الساكن عن الحركة، لكن مع المعافاة، وقد سمى الله سبحانه أصحاب السفينة التي يعمل عليها مساكين: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف:٧٩] ، فكذلك اليوم صاحب المرسيدس الأجرة، وصاحب التكسي عنده بعض الشيء لكنه مسكين، فقال الفقهاء: الفقير من لا يملك شيئاً، والمسكين من يملك أقل من حاجته، فإذا قيل: أعط الفقير كان له وصف مستقل، وأعط المسكين كان له وصف مستقل، وهكذا الإسلام والإيمان.
وقد جاء في حديث جبريل ﵇ في حديث عمر المشهور: (أخبرني عن الإسلام؟) ، فأخبره بأعمال محسوسة وهي أركان الإسلام الخمسة ثم قال: (أخبرني عن الإيمان) ، فذكر له ما لم يذكره في الإسلام، فعرفنا أن الإسلام من حيث هو يتميز عن الإيمان من حيث هو إيمان، وكذلك الإيمان يتميز بأركانه عن الإسلام، وكلٌ له فريقه، والجميع يسمى: الدين، وجاء الركن الثالث الذي يسيطر على الجميع عند الإحسان: أن تعبد الله، والعبادة بدنية وقولية ومالية.
أي: أثرٌ فعلي، وهو مع الإيمان والتصديق (كأنك تراه) .
أي: مع الاعتقاد، (فإن لم تكن تراه فإنه يراك) .
إذاً: (قَالَتْ الأَعْرَابُ) أولاً: هذا لفظ عام أريد به خاص، ويمثل له الأصوليون بقوله سبحانه: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء:٥٤] ، قالوا: إن لفظ (الناس) عام في بني البشر مراداً به شخصية واحدة ألا وهي رسول الله ﷺ ، قوله: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١] ، يعني: أنكم تحسدون محمداً على ما أنزل عليه؟! لا، وكذلك: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران:١٧٣] ، القائل: (إن الناس قد جمعوا لكم) ما هو إلا من ليسوا عموم الناس الذين قالوا، وعلى هذا فهذه الآية تصدق على هذا المثال أنه عام أريد به الخصوص، (قَالَتْ الأَعْرَابُ) والمراد به بعض الأعراب وهم أعراب من بني أسد.
(آمَنَّا) أي: التزمنا وصدقنا واتبعنا، ولكنهم لم يكونوا على هذا المستوى.
﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤] ، أسلمنا على ما بينا سابقاً، إسلاماً لغوياً، وأشرنا بأن الشيخ ﵀ في الأضواء يرجح بأن: (قُولُوا أَسْلَمْنَا) أي: استسلمنا إسلاماً لغوياً.
стр. 102
معنى قوله تعالى: (ولما يدخل الإيمان في قلوبكم)
﴿وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤] ، الجمهور يقولون: (لم) و (لما) كلاهما أداة نفي، ولكن يفترقان في المعنى، لو شئتم رجعتم إلى المغني في معاني الحروف، (لم) للنفي القاطع، و (لما) تنفي مع وجود احتمال أن المنفي سيوجد فيما بعد، أو أنه سيوجد بالتدريج، ويمثلون لذلك بقولهم: أثمرت الشجرة ولما تينع الثمرة، والثمرة موجودة ولكن الإيناع ونضجها لم يحصل، ولما قالوا: ولما تنضج الثمرة.
معناها: أن النضج آتٍ، لكن بالتدريج، وهكذا في هذه الآية، يقول الجمهور: هم لم يؤمنوا ولكن سيأتي الإيمان إليهم تدريجياً، فالنفي هنا عن وجود الإيمان بالفعل عند قولهم: (آمَنَّا) ، قال لهم: لا، ليس الآن، أنتم في أول الطريق، فقولوا: (أسلمنا) ؛ يعني: هذا يصدق عليكم سواء استسلاماً وإسلاماً لغوياً، أو استسلاماً حقيقياً، وعلى هذا فإن قوله: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ، نفي لوجود الإيمان في تلك اللحظة مع احتمال مجيئه إليهم، وأن يدخل في قلوبهم تدريجياً.
﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الحجرات:١٤] ، أي: على مقتضى قولكم: (أسلمنا) ، وتطيعوا وتطبقوا القول بالعمل، وتؤيدوا ادعاءكم الإسلام والإيمان بتطبيق العمل، فحينذٍ: ﴿لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً﴾ ، أي: لا ينقصكم من أعمالكم شيئاً؛ بناء على مجيء الإيمان التدريجي الذي تلتزمون به بمقتضى العمل بأركان الإسلام.
﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ في ادعائكم الإيمان، أو فيما تقولون من الإسلام مع هذا كون الإيمان لم يدخل في قلوبكم لا يمنعكم من أن تؤجروا على ما تفعلونه من طاعة الله ورسوله، ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ، وأنتم على هذه الحالة في قولكم: (أسلمنا) فيما علمتم أن تقولوه، وقلتم: (أسلمنا) ، وأطعتم الله ورسوله مع مقالتكم تلك، ﴿لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً﴾ [الحجرات:١٤] ، لن ينقصكم من أعمالكم شيئاً، وسيؤجركم على أعمالكم وأنتم على هذه الحالة.
﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات:١٤] في دعواكم الأولى، أو في غيرها، أو في عمومها أو في خصوها.
وهذا بيان من الله لهؤلاء الذين ادعوا الإيمان ولما يدخل الإيمان في قلوبهم، أن حقيقة الإيمان هي كذا وكذا؛ لأن (إنما) أداة حصر، فالمؤمنون حقاً هم ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا﴾ [الحجرات:١٥] ، عدة شروط في صدق دعواهم الإيمان، وقولهم: (آمنا) ، وهذا رد على الأعراب؛ لأنهم إلى الآن ما صدقوا القول بالعمل، فهي بيان من الله لحقيقة المؤمنين الذين إذا قالوا: آمنا كانوا صادقين في قولهم، كما في سورة الحشر: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر:٨] .
стр. 103
الأسئلة
стр. 104
شمول التقوى لعموم البشر
السؤال
عندما أقرأ قول الله ﵎: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] ، يتبادر إلى ذهني أن المقصود هو رسول الله ﷺ ، فهل هناك مؤاخذة؟
الجواب
حصرها على الرسول أقول فيه: نعم وأقول فيه: لا.
لا شك عند أدنى المسلمين أن في ميزان التقوى أن الرسول عال فوق كل أحد ولا يلحق به أحد، قال: (والله إني لأعلمكم بالله وأتقاكم لله) ، وذلك في قضية الثلاثة الذين ذهبوا وقالوا: نرى أعمال الرسول ما هي، فأخبرتهم أم المؤمنين، فقالوا: هذا رسول الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال حينها ما قال، وهذا ليس فيه شك أن الرسل هم أتقى الناس في أممهم، والرسول ﷺ سيد الخلق، وخاتم الرسل، وسيدهم أجمعين، فلا شك أنه أتقى الناس، لكن هل هي خاصة به ﷺ أم لعموم المسلمين المتقين ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [النحل:١٢٨] ، التقوى ليست خاصة برسول الله ﷺ ، إنما تعم جميع من اتصف بها من البشر من أمة رسول الله، وعلى هذا تكون الآية عامة.
لكن إذا جئنا لما ذكر من قبل: (من خير الناس يا رسول الله؟ قال: يوسف بن يعقوب بن إبراهيم -نبي ابن نبي ابن نبي- قال: ما عن هذا سألت، قال: عن الجاهلية؟ خيركم في الإسلام خيركم في الجاهلية إذا فقهوا) ولكن الرسول ﷺ لا شك أنه إمام المتقين، وسيدهم وأكرمهم عند الله، وأتقاهم لله، ولكن ليست قاصرة على شخصه ﷺ .
وقد جاء في أبي بكر ﵁: (لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان الأمة لرجح بها) .
إذاً: أتقاهم بعد رسول الله ﷺ ، وهكذا تفاوت الناس.
стр. 105
توجيه كيفية معرفة الأطباء لما في الرحم
السؤال
بعض الأطباء المتخصصين يميز جنس المولود وهو في رحم أمه، فما رأي فضيلة الشيخ في من يذهب إليه لمعرفة ذلك؟
الجواب
كونهم الآن يعلمون ما في الرحم من ذكر أو أنثى، نقول: إن بعض المغرضين وأعداء الدين عارضوا ذلك بما جاء في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ﴾ [لقمان:٣٤] ، فعلم ما في الأرحام لم تعد مختصة بالمولى، وأصبح الناس يعلمونها أيضاً، وشوشوا على بعض الناس على ما سيأتي عند قوله: ﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات:١٥] ، فارتاب بعض الناس في مدلول الآية في علم الله بالأرحام؛ لأن البشر صاروا يعلمونها، ولكن لم يعلم البشر ما في الأرحام من حمل أو دم جامد أو هواء متكور أو ذكراً أو أنثى بطبيعة الحال، ولكنهم ما علموا ذلك إلا بأحد أمرين: إما أن يقتحموا الرحم ويدخلونه بأشعة ونحوها، وإما أن يخرجوا ما في الرحم وينظرونه بأعينهم، أما الاقتحام على الرحم فبالأشعة كأنهم سلطوا الأضواء على ما في الرحم، وأصبح منظوراً إليهم، لكن منعوا هذه الأشعة وأبعدوها وأخبرونا، ليس لهم علم.
وإذا كان شيء وراء الجدار وأنت نظرت بما يخرق الجدار، هل أصبح غيباً عليك، قبل الجهاز الذي يكشف لك ما وراء الجدار هو غيب عنك، لكن لما خرقت الجدار ونفذت ونظرت بعينك لم يعد غيباً، سواء خرقته بآلة ونظرت بعينيك، أو أرسلت من يخترق الجدار كأشعة وغيرها.
الشيء الثاني: يأخذون عينة من ماء الرحم ويحللونه على ما فيه من هرمونات الذكورة أو الأنوثة، فيكونون أخرجوا ما في الرحم إلى الخارج، ونظروا في ماهيته، أما ما عدا ذلك فلا.
وهناك وجه آخر، ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ [الرعد:٨] قالوا: يغيض البويضة حينما تلصق في جدار الرحم لا يتبين فيها ذكورة ولا أنوثة، وكذلك أيضاً الطفل قبل ستة أسابيع لا يمكن أن يوجد فيه خلقة ذكورة ولا أنوثة، وإنما يذهب هذا الجهاز فيما وراء ذلك.
والله تعالى أعلم.
стр. 106
تفسير سورة الحجرات [٥ - ب]
стр. 107
تفسير قوله تعالى: (قالت الأعراب آمنا ... )
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد: فقد تقدم مناقشة الأعراب في قولهم: (آمنا) : ﴿قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤] ، وتقدم التنبيه على هذه النكتة اللطيفة في قوله سبحانه: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤] ، بدلاً من أن يقول: (ولكن أسلمتم) ؛ لأن فيه هذا شهادة لهم من الله بإسلامهم، ولكن من حسبان القول: (قالت) لا، (قولوا) ، ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤] .
وقدمنا بأن قوله سبحانه: ﴿قَالَتْ الأَعْرَابُ﴾ [الحجرات:١٤] ، قول عام مخصوص ببعض الأعراب، وهم جماعة من بني أسد أتوا إلى النبي ﷺ وقالوا: (آمنا) .
والله قسم الأعراب إلى قسمين: منهم من آمن بالله وينفق في سبيل الله، ويتخذ ما ينفقه مغنماً وقربة عند الله، ومنهم من لم يؤمن، أو استسلم، أو نافق واتخذ ما ينفقه مغرماً وغرامة وقعت عليه.
أي: لا يؤمن بجزائها ولا بالثواب عليها؛ لأنه لا يؤمن بالبعث الذي هو يوم الجزاء.
وهذا القسم رجح والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه في الأضواء بأنهم كانوا منافقين، أظهروا الإسلام أو قول الإيمان بألسنتهم ولمّا يدخل الإيمان في قلوبهم، وقال: إنهم أتوا إلى النبي ﷺ معلنين ذلك رغبة ورهبة، رغبة أن يشاركوا في الغنائم مع المسلمين، ورهبة في أن يقاتلوا وتسفك دماؤهم وتسلب أموالهم.
وبيّن في آخر السياق: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً﴾ [الحجرات:١٤] ، أي: مع قولكم (أسلمنا) ونفي الإيمان عنكم أن تطيعوا الله وتطيعوا الرسول ﷺ ، فإن الله ﴿لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤] ، أي: لا ينقصكم من أجورها.
والله ليس بظلام للعبيد، حتى إن الكافر المعلن كفره إذا عمل من أعمال الخير فإن الله يجازيه عليها ولكن في الدنيا، أما في الآخرة، فكما قال في الآية الكريمة: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣] .
وعلى هذا فالقرآن يبين لهؤلاء الناس الذين قالوا بألسنتهم، وصحح مقالتهم من الإيمان إلى الإسلام، ومع عدم وجود الإيمان المطابق لأقوالهم فإنهم إن أطاعوا الله وأطاعوا رسول الله ﷺ فإن أعمالهم محسوبة لهم ومحفوظة عليهم، ولا ينقص من أجورهم شيئاً؛ لذا سبق هذه الآية بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:١٣] ، عليم بصدق ما قلتم، خبير بضمائركم وما تخفيه صدوركم، ليبين لهم حقيقة الموقف وما ينبغي أن يقولونه وهو مقالة الإسلام لا مقالة الإيمان.
وهناك من يقول: (لما) أخت (لم) في النفي، ولكن لما تشعر بأن النفي مؤقت وليس قطعياً أبدياً، وينتظر أو يرجى حصول هذا المنفي تدريجياً، ويمثلون لذلك بقول القائل: أثمر الشجر ولما يينع الثمر.
أي: أصل الثمرة موجودة ولكنها لا زالت ثبجة لا تصلح للأكل ولما تنضج، فهي في طريق النضج تدريجياً، وهكذا الثمار تبدأ ثبجة أولاً، ثم تتدرج في النضج إلى أن تستوي في نهايته وتكون ثمراً جنياً.
﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الحجرات:١٤] ، هذا على العموم والإطلاق؛ لأن طاعة الله وطاعة الرسول ﷺ واجبة مطلقة، ولكن يأتي هناك استثناءات فيما إذا عجز الإنسان، أو حال دون ذلك حائل فإنه يغفر له ويسامحه في ذلك ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ، ويقول ﷺ : (إذا أمرتكم بشيء فائتوا منه ما استطعتم) ، فالفعل على الاستطاعة، والترك على القطع (وإن نهيتكم عن شيء فاجتنبوه) ، ليس هناك تبعيض في الاجتناب؛ لأن الترك سلبي، بخلاف الصلاة، فإنه عمل تكليف، والتكليف قد يشق على المكلف، وعند المشقة يأتي التيسير.
стр. 108
صفات المؤمنين وأعمالهم
ثم بين الحقيقة: لما رد على الأعراب مقالتهم: (آمنا) ولم يستقر الإيمان في قلوبهم، ولم يصدقوا مقالتهم بألسنتهم وبأفعالهم بين لهم سبحانه، فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ [الحجرات:١٥] ، أي: حقيقة المؤمنين.
стр. 109
اللطائف البلاغية في قوله تعالى: (إنما المؤمنون إخوة)
ويقولون في علم العربية (إنما) أقوى أدوات الحصر، وكذلك النفي والإثبات، تقول: لا شاعر إلا زيد، (لا) نفي، و (إلا) استثناء، وكذلك تقديم ما حقه التأخير: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة:٥] ، أصلها: نعبدك ونستعينك، فكاف الخطاب محلها التأخير، فلما فصلت وقدمت جاءتها (إيا) من أجل النطق بها؛ لأنه لا ينطق بكاف الخطاب مجردة، فقدمت كاف الخطاب عن محلها فكان دليلاً على القصر، قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة:٥] لا نعبد غيرك، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] لا نستعين بسواك.
فهذه كما يقولون: أدوات القصر، وكذلك تعريف الطرفين لو قلت: زيد كاتب، قد يكون كاتب من الكتاب، ولكن إذا قلت: الكاتب زيد، فهذا قصر، ويقولون: القصر نسبي وحقيقي، والقصر النسبي ما كان بالنسبة إلى أشخاص آخرين يدَّعون الكتابة، تقول: الكاتب أي: حقيقة هو فلان، وهكذا (إنما) النفي والإثبات تقديم ما حقه التأخير تعريف الطرفين.
هذه هي أدوات القصر في علم البلاغة، وأقواها (إنما) .
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ [الحجرات:١٥] ، أي: حقيقة المؤمنين ما هي؟ من هم المؤمنون حقاً لا ما يدعي أولئك الأعراب الذين لم تصدق قلوبهم منطق لسانهم، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ﴾ [الحجرات:١٥] (الَّذِينَ) اسم موصول.
﴿آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات:١٥] ، هنا لطائف بلاغية كما يقول علماء التفسير: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات:١٥] ، كان ممكن، أن يقال: (ولم يرتابوا) ، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات:١٥] ، و (ثم) هنا كما يقولون: للتعقيب والتراخي.
أولاً: الريب إنما هو الشك، والشك التردد، والتردد والشك هما نتيجة وسوسة الشيطان للعبد، يوسوس إليه فيوجد عنده شكاً في الحقائق فيتردد ويرتاب، فإذا ارتاب كان مذبذباً بين هذا وذاك، ولم يستقر حاله على أمر، وقد قدمنا بأن الشك هو تعادل الكفتين في العلم، والظن ترجيح إحدى الكفتين، والوهم هو الكفة الراجحة، والعلم هو ما لا يوجد مقابله وهم، فالشك تردد، والمتردد لم يجزم ولم يستقر على ما يريده.
وأخطر ما يكون في هذه الحياة من أمور الدنيا والدين إنما هو التردد والريب، ولهذا يجد المتأمل في كتاب الله أن المصحف الشريف بدأ بنفي الريب باليقين، وانتهى بنفي الشك والريب والوسوسة، ويهمنا هنا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ .
ثم بين سبحانه: (ثُمَّ لَمْ) ومجيء (ثم) هنا يبين به سبحانه بأن المؤمنين حقاً الذين آمنوا إيمان يقين ولم يقم مع إيمانهم شك ولا تردد، ثم هم يثبتون على الإيمان القاطع من أول إيمانهم إلى آخر أمرهم في الحياة حتى يخرجون من الدنيا.
(ثُمَّ لَمْ) ، أي: لم يطرأ على إيمانهم فيما بعد ريب، فهم مؤمنون على يقين من أول لحظة، ويستمرون على اليقين في إيمانهم، ولم تزعزعهم القضايا التي تعرض عليهم، ولم تزعزعهم الشدائد التي تضر بهم، بل يثبتون على يقينهم، ثم مهما طال الزمن، ومهما واجهوا من أحداث لن يأتي الريب إلى قلوبهم، ولن يجد الشك إلى يقينهم مدخلاً ولا طريقاً.
стр. 110
يقين المؤمنين في الأمم السابقة
يقول العلماء: وقريباً من ذلك قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت:٣٠] ، أي: استمروا على مقالتهم واعتقادهم هذا إلى النهاية، كما جاء عن الصديق رضي الله تعالى عنه أنه قال: (قالوا ربنا الله ثم استقاموا على هذا القول قولاً وفعلاً إلى أن ماتوا، ولم تتغير مقالتهم، ولم تتغير استقامتهم في منهجهم الذي سلكوه) .
وإذا نظرنا إلى عنصر اليقين مع المؤمن: نجد من أول الدنيا وفي الأديان جميعاً أن اليقين هو عنصر النجاح والثبات، ونجد الشدائد التي وقعت بالأمم مهما كانت يكون علاجها باليقين، كما وقع مثلاً في قضية أصحاب الأخدود؛ حينما أوقد ملكهم النار، وعرض عليهم الرجوع عن الإيمان، فامتنعوا، فقال: من امتنع سألقيه في تلك الأخاديد الموقدة، فما ارتابوا، ولا ترددوا، وقضية الطفل الرضيع، لما عُرِضت أمه على النار أو أن ترجع عن دينها فأبت، ولكنها رأت طفلها فأشفقت عليه أن تلقي بنفسها وهو معها في النار، لم تفكر في نفسها ولكن طفلها ما ذنبه؛ لأنه لم يبلغ مبلغ الإيمان، ولكن الله أنطق هذا الطفل وهو ثالث ثلاثة نطقوا في المهد، قال: قعي في النار يا أماه ولا تتقاعسي فإنك على الحق، فهذه الأم على هذا الوضع ألقت بنفسها في النار وهي على يقين من أنها على الحق، فما ترددت ولا رجعت.
ومن قبل ذلك أيضاً سحرة فرعون: جاءوا مناصرين للباطل ويعرضون على فرعون: ﴿أَئِنَّ لَنَا لأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الشعراء:٤١-٤٢] ، فجاءوا أعواناً للباطل، مشمرين ليدحضوا رسول الله وبما جاءهم به من الآيات، ولكنهم لما عاينوا الحق وهم أعرف بفن السحر، وعلموا أن ما جاء به موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ليس من باب سحرهم، وإنما هو فوق ما يظنه العقل أو يتداركه، حين ذلك آمنوا بالله .
ولما هددهم فرعون قال: ﴿لأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١] ، سبحان الله! النخل أشد ما يكون خشونة، تلمسه بيدك تتألم، وهو يريد أن يصلبهم على جذوع النخل، قالوا: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه:٧٢] ، استهانوا بتعذيب فرعون بعد أن كانوا نصراء له وانقلبوا عليه ووقفوا ضده يقيناً بالله؛ لما وجدوا الآية الكبرى مع موسى ﵇.
ولهذا يقولون في قصتهم: كان كبير السحرة في ذلك الوقت قد هرم ولم يستطع أن يحضر ذلك النادي، فلما قيل له ذلك؛ وذكروا له إيمان السحرة وعابوهم، قال: أخبروني عن تلك الحية التي ابتلعت الحبال والعصي، أبقيت على حجمها الأول قبل أن تلتقمها، أم أنها انتفخت وكبرت بعد أن التقمتها؟ قالوا له: لم يتغير حجمها وكانت على ما هي عليه، قال: إذن هذه آية وليست سحراً.
ولهذا يقول والدنا الشيخ الأمين: هذا علم قد يكون حراماً، ولكنه نفع السحرة بأن عرفوا بأن حقيقة ما جاء به نبي الله موسى ﵊ ليس من نوع سحرهم، فآمنوا؛ لعلمهم بحقيقة السحر.
وهكذا هؤلاء يهددهم فرعون الطاغية بأنه سوف يصلبهم وسيقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وكل أنواع التهديد عرضه عليهم، ومع ذلك قالوا: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:١٢١] قالوا: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه:٧٢] ، بخلاف الآخرة ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر:٣٦] ، لا يخرجون من النار ولا يموتون فيها.
يعني: عذاب دائم مستمر.
إذاً: هؤلاء دخل اليقين إلى قلوبهم، حتى مع مجيء الشدائد عليهم لم يرتابوا فيما آمنوا به.
следующие страницы →