← Джавами‘

Джавами‘ · id 7716

دروس للشيخ سفر الحوالي

سفر الحوالي

Полный текст (2 843 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

أسباب طرح الموضوع وأهميته الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد: فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،، نسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن ينفعنا جميعاً بهذا الموضوع، وأن يكتب لنا ولكم الأجر والثواب إنه سميع مجيب. إن الموضوع الذي نريد الحديث عنه هو: نبذة مختصرة عن (جوانب من توحيد الألوهية)، وهذا الموضوع قد تكون له تتمة لاحقة - بإذن الله - فيما يتعلق بهذا الأصل العظيم والركن الركين من أركان الدين: ألا وهو (توحيد الألوهية). إن الكلام فيه لا جديد فيه على بعض منا، فماذا عسانا أن نأتي من جديد في أمر ندعو إليه جميعاً، لكن -أولاً- لأهمية الموضوع كان لا بد من التذكير به. ثانياً: لغموض بعض قضاياه وغموض جوانب أو مسائل تتصل به، فكان لابد أن تجلى، ولا يضيرنا شيئاً أن يتكرر فيه الكلام؛ فإن الله ﵎ قد أكثر من الحديث والبيان والتفصيل فيه بما لم يأت على أمر آخر من أمور الدين، فعامة القرآن المكي وجملة من القرآن المدني إنما يتحدث عن توحيد الألوهية.

стр. 1052

التوحيد هو دعوة الرسل جميعاً التوحيد هو الذي بعث الله ﵎ به رسله أجمعين، ومن أجله كانت الخصومة وكانت المعركة بين الرسل -صلوات الله وسلامه عليهم- وبين أممهم. وقد بين الله ﵎ ذلك بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥] فبين أن التوحيد هو دعوة الرسل جميعاً؛ وهذا على سبيل الإجمال، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦] أي عبادة الله وحده لا شريك له واجتناب الطاغوت الذي هو: كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع، أو مطاع، فهذه هي حقيقة توحيد الألوهية وشهادة أن لا إله إلا الله. وقد ذكر الله ﵎ التوحيد على سبيل التفصيل، فإن الله أنزل على خاتم رسله -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين محمد ﷺ القرآن العظيم، وهذا الكتاب كما وصفه الله هو: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ [هود:١ - ٢]. فهذه الآية هي خلاصة هذا الكتاب، الذي أنزله الله ﵎ مفصلاً على عبده ورسوله محمد ﷺ ، وفيه ذكر وتفصيل لتوحيد الألوهية.

стр. 1053

موقف المشركين من توحيد الألوهية ذكر القرآن هذا التوحيد على سبيل التفصيل على لسان أول الرسل نوح ﵇؛ فإن الله ﵎ أخبر عنه في السورة نفسها أنه دعا قومه بنفس الدعوة، فقال تعالى على لسانه: ﴿أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ [هود:٢٦] وقال في آيات الأعراف: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف:٥٩] ثم أخبر الله ﵎ عن بقية الرسل بأنهم جاءوا بهذه الدعوة أيضاً، فقال: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف:٦٥] وقال أيضاً: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٧٣] وقال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٨٥]. فكل الرسل -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- كانت دعوتهم هي التوحيد وقد فهم أقوامهم وأممهم ذلك وعرفوه. ولهذا قال قوم هود ﵇ له: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [الأعراف:٧٠] فهم أنفسهم قد عرفوا ما معنى قوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩] ولذلك قالوا: أجئتنا لنعبد الله وحده أي (لنفرده وحده بالعبادة) ونذر ما كان يعبد آباؤنا (من الشرك)، فقد كانوا يعبدون الله ويعبدون معه تلك الأصنام والمعبودات، ولكنهم لما عُرِّفوا توحيد الألولهية فعرفوه، أنكروه. وهذا ما أنكره -أيضاً- قوم محمد ﷺ كما قال تعالى عنهم: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥] أي كيف يكون ذلك؟! فهم بذلك قد ردوا كل دعوة إلى تحقيق توحيد الألوهية، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات:٣٥ - ٣٦] وهكذا هي كل الأمم استكبرت على الدعوة إلى توحيد الله عبادته، وإلى شهادة أن لا إله إلا الله.

стр. 1054

موقف المشركين من توحيد الربوبية وأما ما يتعلق ببعض جوانب الربوبية، وما ينسب إلى الله ﵎ من أفعال؛ فإن المشركين أنفسهم كانوا مقرين بها إلا من شذ، ومن جعل هذا التوحيد هو الغاية التي من أجلها بعثت الرسل وأنزلت الكتب وخلق الخلق كما يفعله المتكلمون في كتبهم التي يسمونها -العقيدة والتوحيد- وهي كتب كلام، فذلك من الضلال المبين ولا ريب في ذلك؛ لأن الله ﵎ أخبر في كثير من الآيات، أن المشركين كانوا يقرون بأن الله هو الذي يرزق، ويخلق، ويتصرف، ويملك قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس:٣١]. فهم يقرون بتوحيد الربوبية فلماذا إذاً كانوا كفاراً؟ ولماذا كانوا مشركين؟ لأنهم عبدوا غير الله، ولهذا قال تعالى: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس:٣٢] أي إذا كانت هذه هي أفعاله ، وإذا كنتم كما قال الله عنكم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥] وقال أيضاًَ: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف:٩] فلماذا تعبدون غير الله؟! ولماذا تدعون غير الله؟! ولماذا تتوجهون بقرباتكم وصلاتكم ونسككم ودعائكم إلى غير الله ﵎؟! إذاً: فالقضية واضحة بالنسبة لما كان بين الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، وبين أقوامهم، وما هذه إلا آيات قليلة من جملة آيات عظيمة في كتاب الله، توضح أهمية هذا الجانب وهو (توحيد الألوهية، وضرورة الدعوة إليه، والتذكير به.

стр. 1055

الشرك وإذ قد ذكرنا ذلك فلابد أن نتعرض للشرك وخطورته وبعض شبه أهله.

стр. 1056

التحذير من الشرك وتتجلى شدة التحذير من الشرك في قوله ﵎: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥] هذا الكلام يخاطَبُ به رسول الله ﷺ أكمل الخلق عبودية لله، وأعلم الخلق بالله، وأتقى الخلق لله ﵎ ولم يقل ذلك له وحده؛ بل قد قيل لمن هم قبله من الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، فكلهم خوطبوا بهذا، فبعد أن ذكر الله أولئك الأنبياء بالتوحيد في سورة الأنعام عقب بقوله: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٨٨] ويخاطب الله نبيه ﷺ بهذا وهو الأبعد من الناس عن الوقوع في الشرك ﷺ ؛ لتكون لنا نحن من بعده العبرة والعظة. فنحن أولى بأن نحذر من الوقوع في الشرك، وأن نلتزم ونؤمن ونعتقد وندعو إلى توحيد الألوهية، وهو عبادة الله وحده لا شريك له؛ وألا يعبد غيره ولا يدعى غيره في كل ما شرع من أنواع العبادات الكثيرة والمتنوعة التي يجمعها جميعاً أنها الدعاء؛ كما قال ﷺ : ﴿الدعاء هو العبادة﴾ وكما قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠] فجعل الدعاء هو العبادة، وهو كذلك. فهذا أصل عظيم يقرَّر في كتاب الله ﵎ لأهمية هذا النوع من أنواع التوحيد الثلاثة. إذاً: يجب علينا أن نعلم لماذا وقع من وقع في الشرك من هذا الجانب؟ لماذا أشرك المشركون؟ ولماذا أخلُّوا بتوحيد الألوهية؟ وبماذا رد الله ﵎ عليهم هذه الشبهات؟ وما هذه الحجة الواهية التي سوغت الشرك بالله في هذا الجانب من جوانب التوحيد.

стр. 1057

سبب الشرك لقد بين الله هذه الحجة، وأنهم قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] وقالوا أيضاً: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس:١٨]. إذاً: أصل الشرك الأول الذي وقع في الأرض يرجع لهذا السبب وهذا الأصل، فقد عبد قوم نوح وداً، وسواعاً، ويغوث، ويعوق، ونسراً، وهؤلاء هم رجال صالحون عبادٌ لله ﵎ عُبِدُوا من دون الله، واستمر الشرك بعد ذلك وتطور؛ فعُبدت الملائكة وعُبد بعض الأنبياء، وأصل هذا كله وسببه هو اعتقاد أولئك أن هؤلاء سوف يقربونهم إلى الله زلفى؛ فإذا عبدوا هؤلاء الأولياء قربوهم إلى الله. ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله. فمعنى كلامهم: أننا لا نستطيع أن نعبد الله مباشرة، وهذا ما يقوله بعض العامة، ممن يقع في هذا الشرك الآن فيقول: (أنا ضعيف وأنا مذنب وكلي خطايا فكيف أدعو الله مباشرة. كيف! لا أستطيع! لكن أدعو الله بواسطة هؤلاء وأتوسل إلى الله ﵎ بهؤلاء) مثل: الحسن أو الحسين أو علي وغيرهم أو حتى الرسول ﷺ ، أو بقية من يُعبَدُون من دون الله ﵎ سواء أكانوا من الأولياء أم من العباد الصالحين أم ممن جعلوا كذلك، مثل: عبد القادر الجيلاني أو أحمد الرفاعي أو البدوي أو غيرهم.

стр. 1058

شبهة الشرك كثير هم في أنحاء العالم الإسلامي -مما لا يدخل تحت الحصر- من يدعون غير الله ويقول: (إنما أريد التوسل بهم إلى الله ﵎ وربما قال بعضهم: إن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة:٣٥] فيقول: لا أستطيع أن أدعو الله مباشرة، والله أمرني أن أتخذ إليه الوسيلة؛ وهي الواسطة التي بيني وبين الله، فأنا أتوسل إليه بهؤلاء الصالحين هذه هي شبهتهم. وقد رد الله ﵎ عليها أعظم الرد فيقول الله : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ [الإسراء:٥٧] فهؤلاء المدعوون من الأنبياء ومن الملائكة والصالحين، هم أنفسهم يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب. إذاً: الوسيلة ليست هؤلاء لأنهم يبتغون إلى الله الوسيلة. فما هي الوسيلة؟ وما الذي اتخذه الأنبياء والملائكة والصالحون عموماً وسيلة إلى الله؟ إنما اتخذوا العمل الصالح (الإيمان، والتقوى، واليقين، والإخلاص، والصبر، والاستقامة على دين الله ﵎ فهؤلاء عبدوا الله وتقربوا إلى الله ﵎، فهم بذلك يبتغون إلى ربهم الوسيلة، أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه؛ لأنهم لا يأمنون على أنفسهم، ولا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً، ولا يملكون جنة ولا ناراً، فكيف يتخذون آلهة؟ كيف يتخذون مدعوين من دون الله بدعوى أنهم وسطاء أو شفعاء وهم أنفسهم لا يملكون ذلك؟ بل هم يرجون رحمة الله ويخافون عذابه ﵎، قال تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ [الإسراء:٥٧] أي يحذر منه كل أحد وكلٌ يخاف من عذاب الله . فإذا كان هذا حال هؤلاء المدعوون الذين يُدعون من غير الله، فكيف يجوز لأحد أن يدعوهم؟! فقطع الله تعالى بذلك كل حبائل المشركين المتعلقين بهؤلاءالصالحين ووسائلهم وشبهاتهم.

стр. 1059

التوسل وحقيقته لقد بين الله حقيقة توسل عباده المؤمنين، فأعظم عبدٍ وأعلى من وصل إلى درجة من درجات العبودية لله ﵎ وهو محمد ﷺ ، فلو كان لأحد أن يتوسل بأحد لكان أحق الناس بالتوسل به هو محمد ﷺ . لكن ماذا قال الله ﵎؟ وماذا أخبر عن المؤمنين؛ لقد ذكر عنهم أنهم يقولون: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ [آل عمران:١٩٣]، فمن هذا المنادي إلا محمد ﷺ . قالوا: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران:١٩٣]. فلماذا نتوسل إلى الله ﵎ به ﷺ ولا نتوسل إلى الله ﵎، بهذا الإيمان الذي هو أعظم وسيلة امتثالاً لقول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة:٣٥] أي: تقربوا إلى الله ﵎ بالأعمال الصالحة والطاعات المشروعة وهكذا فسرها السلف الصالح رضوان الله ﵎ عليهم؟! إذاً ينبغي أن نعلم هذه الحقيقة، وأعظم الناس اتباعاً للنبي ﷺ هم أقرب الخلق إلى الله ﵎ بعد الأنبياء وهم الصحابة الكرام ﵃. فكيف كان توسلهم؟ إنما كانوا يعبدون الله ﵎، وإنما توسلوا إلى الله ﵎ بأعمالهم الصالحة، اجتهاداً منهم في متابعة رسول الله ﷺ ، وفي محبته التي تستلزم وتقتضي اتباعه، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١]. فمن أراد حقيقة التوسل؛ فعليه باتباع رسول الله ﷺ ، فمن اتبعه وآمن به وصدقه فيما أخبر ولم يعبد الله ﵎ إلا بما شرع؛ فإنه قد توسل إلى الله ﵎ توسلاً صحيحاً.

стр. 1060

أنواع التوسل والتوسل أنواع: (أ) توسل شركي وهو: دعاء غير الله ﵎ كما أوضحنا. (ب) بدعي وهو: التوسل بالذوات. وإنما يكون التوسل إلى الله ﵎، بأسمائه وصفاته وبالأعمال الصالحة، كما فعل الثلاثة الذين أطبقت عليهم الصخرة في الغار؛ فتوسلوا إلى الله ﵎ بصالح أعمالهم، وهذا لأنهم عملوا ذلك من أجل الله تعالى. فالأمر جليٌ وواضح -ولله الحمد- إلا من أغشى الله ﵎ بصيرته من دعاة (الرفض والتشيع والتصوف وأمثالهم) الذين ضلوا وأضلوا هذه الأمة، وجعلوها أشبه ما تكون بأمم الكفر والشرك التي لم تعرف الله ﵎، ولم تعرف التوحيد ولم يأتها رسول منذ أحقاب من الدهور! إنما ورثته من عادات وتقاليد وضلالات وشركيات، كحال أهل الهند والصين وأمثالهم ممن لم يهد الله قلوبهم ولم يشرح صدورهم للإسلام! فهؤلاء قد ضلوا وأضلوا، وهذا الجانب قد وضح إن شاء الله ﵎.

стр. 1061

السحر والكهانة الجانب الآخر من جوانب هذا التوحيد وهو جانب عظيم ونحتاج للحديث عنه في هذه الأيام -وأيضاً في كل الأيام- وهو ما يتعلق بإتيان الكهان والسحرة والمشعوذين، فقد عم هذا البلاء وطم -ولا حول ولا قوة إلا بالله- حتى أصبحت البيوت تضج وتشتكي، والهواتف والرسائل تأتي تباعاً إلى أهل العلم والدعوة ممن يشكون مما حل بهم.

стр. 1062

لا يظهر على غيبه أحداً بعد أن كان هذا الأمر من أقل ما يمكن، وإذا به ينتشر وإذا بشره يستطير -ولا حول ولا قوة إلا بالله- فما هو موقفنا جميعاً من هؤلاء؟ وما حقيقة ما يقوله أولئك أو ما يدعونه؟ وهل يعلم الغيب أحد غير الله ﵎؟. سبحان الله العظيم! يذهب الناس إليهم ويسألونهم عن ضالة فقدت أو عن أمر يريدونه أو عن عمل أو عقد يريدون أن يبرموه، وهل الزواج سيكون موفقاً أم غير موفق؟ فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! هل هؤلاء يعلمون الغيب؟! ألم يقل الله ﵎: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام:٥٩] وتقديم الظرف أو المعمول دائماً يشعر بالاختصاص، كما في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة:٥] أي وحدك نعبد ولا نعبد غيرك، ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ [الأنعام:٥٩] أي ليست عند أحد سواه، ولا يعلمها إلا هو، فلا يعلم الغيب أي (الغيب المطلق) إلا الله ﵎، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل:٦٥] فكيف يليق هذا بمن يعلم أن رسول الله ﷺ بنفسه لا يعلم الغيب، بل قال: ﴿وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [الأنعام:٥٠] وقال: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف:١٨٨] سبحان الله! ولو كان النبي ﷺ يعلم الغيب أكان يبعث سبعين من خيار الصحابة من القراء، إلى بئر معونة فيقتلون جميعاً ولا يرجع منهم أحد؟!! هذا لا يمكن أن يفعله النبي ﷺ ، ولو كان يعلم الغيب أكان يوم أحد يخرج ويقع له ولأصحابه ما وقع؟! أم كان سيبقى في المدينة كما أشار عليه من أشار -أمور كثيرة واضحة- وفي حادثة الإفك لما افتري على أم المؤمنين عائشة ﵂، كان ينتظر أعظم الانتظار وهو موقف ما أشده على النفس وما أشقه على قلوب أهل الغيرة والإيمان -وهو ﷺ أغير هذه الأمة ولا أغير منه إلا الله ﵎ لكنه انتظر حتى نزلت براءتها من عند الله ﵎؛ فلو كان يعلم الغيب -أيضاً- لأخبرهم وانتهى الأمر وهكذا أمور كثيرة جداً في سيرته ﷺ . إذاً فهو لا يعلم الغيب، فيا سبحان الله! إذا كان النبي ﷺ لا يعلم الغيب، ولا يعلمه أبو بكر ولا عمر ولا من دونهم؛ فكيف يعلمه هؤلاء الذين يدَّعون ذلك الآن من الدجالين المشعوذين الذين يذهب إليهم ولا حول ولا قوة إلا بالله؟!!

стр. 1063

حكم إتيان السحرة والكهان أما حكم من يذهب إليهم فليس هيناً كما يحسبه بعض الناس؛ فالنبي ﷺ أوضح ذلك وبينه بقوله: ﴿من أتى عرافاً أو كاهناً لم تقبل له صلاة أربعين يوماً أو أربعين ليلة﴾ وفي الحديث الآخر: ﴿من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ﴾ ولا تعارض بين الأمرين، فلو أن أحداً ذهب إلى عراف أو إلى كاهن أو إلى قارئة الفنجان أو خطاط رمل أو منجم أو فلكي -كما يسمونهم أحيانا الفلكيين! - أو إلى أي شيء من هذه الأمور، كمن يذهب إليه في مقابلة صحفية، أو يذهب إليه ليرى أحواله وليتفقد ما عنده، من غير أن يصدقه بما يقول، فإن هذا لا تقبل له الصلاة أربعين يوماً والعياذ بالله!! فبالله عليكم! أفضل الأعمال التي بها نرجو النجاة عند الله ﵎ بعد توحيده والتي هي كالنهر الغمر الجاري نغتسل كل يوم فيه من الخطايا والذنوب التي تقترفها جوارحنا تذهب هكذا ولا تتقبل، ويكون قد أداها فقط، لأن هذا بدافع الفضول، يقول: أذهب لأرى ماذا يفعل هذا، ولماذا يتجمع هؤلاء عنده؟ بهذا فقط، أما لو ذهب إليه فصدقه بما يقول كأن يقول مثلاً: أنت ستتزوج فلانة وتنجب منها أولاداً؛ والوظيفة ستترقى فيها لمرتبة كذا، أو كذا، أو يقول: عندما ضاع منك الشيء الفلاني أخذه فلان، أو عندما وقع لك المرض الفلاني كان بسبب فلان، أو أي أمر من هذه الأمور، فإن صدقته بما يقول؛ فقد كفرت بما أنزل على محمد ﷺ . إذاً فالأمر عظيم وعظيم جداً ولماذا كفر؟ لأن مما أنزل على محمد ﷺ قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام:٥٩] فمن زعم أن أحداً يعلم الغيب فقد كفر بهذه الآية وأمثالها.

стр. 1064

آثار السحر والكهانة وأضرارهما من اعتقد أو ظن أن هؤلاء السحرة والكهان يعلمون الغيب فقد وقع في الفتنة العظمى فيفتن الناس في دينهم، ولا سيما ضعفاء العقول من كبار السن مثلاً أو الصغار أو النساء، وكل ضعيف عقلٍ أياً كان. وهذه صورة أخرى لهذا الشرك، فهو شرك مركب: لأنه قد خوف بعض الناس من هذا الكاهن أو الساحر، بأنه قد أخبر عن فلان، وحدَّث بما وقع لفلان، وما سيقع لفلان إذاً: فيمكن أن يراني الآن؛ فتجد -والعياذ بالله- أن الخوف من غير الله واضح جداً. والخوف المقصود به: هو ما دون الطبيعي، أما الخوف الطبيعي: فهو أن تخاف من وحش أو حادث أو بئر؛ لكن الخوف الذي هو عن غيب، فيقال: فلان كاهن فلا تتكلم، ولا تجعله يفعل بنا كذا فيؤذينا؛ فيجعله كأنه رب، وكأنه إله فوق رأسه -والعياذ بالله- بل وكأنه ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد؛ وكأنه الذي له الكرام الكاتبين يكتبون ما يقول ولو كان في أبعد مكان، حتى والله إن بعضهم -من بعد مئات الأميال أو ألوف الأميال- يقول: لا تتكلم في كذا، لا نستطيع أن نقول على السادة الفلانيين كذا! فهذا لا يكون إلا عبودية لغير الله، فأي خوف مثل ذلك إلا الخوف من الله؟! فهؤلاء -أيضاً- قد ضلوا وأضلوا، ولهذا جعل الشيخ محمد بن عبد الوهاب الإمام الداعية المجدد الذي جدد الله ﵎ به التوحيد والملة -من أنواع الطواغيت الخمسة الكبار- أي رؤساء الطواغيت الكبار (من ادعى شيئاً من علم الغيب) فليس هو مجرد كافر فحسب؛ بل هو أفظع من ذلك، فهو طاغوت والطاغوت: مادة الكفر وسبب الكفر؛ فلأجله وبه وبتصديقه يقع الكفر في فئام عظيمة من الناس، وهذا هو الواقع في كل الأوقات ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 1065

حكم تعلم السحر وتعليمه وعن حكم تعلم السحر وتعليمه فقد قال الله ﵎: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة:١٠٢] فقال ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة:١٠٢] إذاً: فتعليم السحر وتعلمه كفر، قال تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة:١٠٢] الله أكبر! جعل الله ﵎ الحجة قائمة على من يتعلم هذا العلم الخبيث أنه من فتنة الملكين اللذين جعلهما الله ﵎ فتنة، فيقولان: إنما نحن فتنة فلا تكفر، أي: لو علمناك هذا العلم وذهبت لتفعل ذلك، فقد كفرت؛ فلا تكفر. ولذلك من تعلم ذلك فقد تعلم السحر، والحجة قائمة عليه؛ لأن هذا التعلم كفر -والعياذ بالله- فهل هناك زاجر للمؤمن عن هذا العمل الخبيث أشد وأعظم من الكفر ومن تعلم ذلك؟ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة:١٠٢] فأصحاب الذنوب -وكلنا مذنبون- يرجى لهم في الآخرة خيرٌ، فيخرج من النار من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان، بتيسير الله ﵎ للشافعين أن يشفعوا فيه؛ فكل هؤلاء مهما ارتكبوا من الأعمال يرجى لهم الخير، أما الكافر أو المشرك فهو الذي لا يرجى له الخير وما له في الآخرة من خلاق؛ وليس له في الآخرة إلا النار، فمن هم هؤلاء؟ إنهم الكفار الذين ارتدوا عن الدين ووقعوا في الشرك المبين -والعياذ بالله- إذاً: فمن تعلَّم هذا العلم وعلمه وعمل به أو صدق أصحابه فهو داخل في هذا الوعيد الشديد، وقد خسر الدنيا والآخرة، وما له من حيلة إلا أن يستغفر الله ﵎ ويتوب إليه، ويرجع عما كان يعمل، ويتدارك قبل أن يدركه الأجل ويأتيه الموت، وهو على هذا الكفر العظيم، نسأل الله ﵎ أن يحفظنا وإياكم من ذلك.

стр. 1066

نصائح وتوجيهات أولاً: علينا أن نحفظ أبناءنا ونساءنا وأمهاتنا وآباءنا من هذا الداء العظيم الذي انتشر في زماننا هذا؛ لأن كثيراً من الناس ربما ذهب بعض أهله إلى هؤلاء الكهان أو السحرة وهو لا يعلم، فيقعون في الشرك وهم يصلون ويصومون ويحجون ويزكون، وبيوتهم تخلوا من المنكرات وفيهم خير كثير، ولكن لن ينفعهم شيء من ذلك إذا وقعوا في هذا الشرك، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢] أي أن الشرك: يحبط الأعمال ويحرم من دخول الجنة ويستحق صاحبه الخلود في النار؛ وهذا أمر عظيم يجب أن نذكِّر به وألا نمل من التذكير به. ثانياً: يجب علينا أن نحارب هؤلاء بالإبلاغ عنهم، ومكاتبة الجهات المسئولة حتى نقضي عليهم، سواء كانت الهيئات أو وزارة الصحة، أو أي جهة تستطيع أن تضبطهم وترفعهم إلى من يقيم عليهم حد الله ﵎، كما يجب أن يمنع هؤلاء وأن يزجروا لأنهم مادة الكفر وسببه في هذه الأرض والعياذ بالله. ومما لا شك فيه أن هذا الكفر يكون عظيماً وشنيعاً فكيف إذا كان في بلد مقدس (مكة، أو المدينة) فإنه أشد ما يكون في هذا البلد الطاهر المقدس، نسأل الله ﵎ أن يحفظ بلاد المسلمين ويطهرها منهم.

стр. 1067

السحرة وترويج الأكاذيب إن هؤلاء السحرة والكهان لهم شبهات وطرق معروفة لدى كثير من الناس إلا عند بعض العامة وضعاف الإيمان الذين قد تمر عليهم هذه الأكاذيب. فمن هذه الشبهات: صدقهم في بعض الأخبار، وهي لا تذكر بالنسبة إلى كذبهم، وهذا ما جعل البعض يصدقهم؛ فبعض الناس يقول: أخبرني أن الضالة الفلانية في مكان كذا، وأنه حصل لي كذا، وهذا حق وصدق. فنقول: هذه شبهة شيطانية باطلة؛ لأن النبي ﷺ أخبرنا أن هذه الفتنة ستقع؛ فقال: ﴿فربما ألقيت الكلمة قبل أن يدركه الشهاب﴾ والشهاب يرسله الله ﵎ رجوماً للشياطين -حتى يعلم الناس أن ما أنزل إلى النبي ﷺ حق وصدق- ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء:٢١٠ - ٢١٢]. ولهذا لما وجد الجن (السماء) ﴿مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً﴾ [الجن:٨] أيقنوا وآمنوا؛ وكان ذلك إيحاءً وإرهاصاً ببعثته ﷺ ، ولذلك فإن هذا الجني أو الشيطان قد يدركه الشهاب قبل أن يقول الكلمة، وربما لا يدركه إلا بعد أن يقولها، ويلقيها إلى الكاهن؛ يقول النبي ﷺ : ﴿فيكذب معها مائة كذبة﴾ فهذه كلمة واحدة متيقن منها؛ لأن الشيطان استرق السمع من الملائكة؛ فإذا قضى الله ﵎ الأمر في السماء وحدث به جبريل، ثم حدث جبريل به من دونه تتحدث به الملائكة أن الله ﵎ قضى بكذا، فيلتقطه هذا الخبيث (الشيطان) ويهوي به؛ فيهوي الشهاب وراءه فربما ألقاها إلى وليه (الكاهن) قبل أن يدركه الشهاب. فمثلاً: كانت هذه الكلمة (سيموت فلان أو سيقع كذا) فماذا يحدث؟ يأتي هذا الكاهن المتمرس المتدرب على الكذب فيكذب معها مائة كذبة، وهذه فتنة من الله ﵎، - فإذا تاب وقال له الناس: أتذكر ذاك اليوم فيعلم أنه قد وقع في شر أعماله؛ وهناك كثير ممن مَنَّ الله عليهم بالهداية، ففي الفتاوى ذكر شَيْخ الإِسْلامِ ﵀ أن بعض من هداه الله بَيَّنَ هذه الأكاذيب كلها. وفي زماننا هذا يذكر أحدهم فيقول: (والله ما كنت كاهناً ولم يلْقِ لي أحد بكلمة؛ لكني رأيت أن بعض الأحيان يقول: أحدهم كلمة فتقع) وهكذا صارت مهنة يتكسب منها فيكذب ويكذب وتقع كلمة مما قاله؛ فيذكر الناس بها ويترك المائة كذبة. فهؤلاء الكهان هم أولياء الشياطين وهذه هي شبهتهم في ادعائهم أنهم يطلعون على أمور الغيب، نسأل الله أن يعافينا وأن يعيذنا منهم.

стр. 1068

شبهة السحرة والرد عليها وأما شبهة السحرة فهم يقولون: (نحن إنما نكتب الآيات ونرقي بالآيات، وليس عندنا شيء إلا القرآن)! وكلهم يقولون ذلك. أولاً: هذا كذب، لأن هناك فرق بين من يرقي بكتاب الله ﵎ وبين هؤلاء السحرة؛ فلو أن أحد الناس فتش وقرأ ما يكتبون له؛ لعرف أنهم لا يكتبون قرآناً وآيات فقط، بل إنهم يكتبون، ما لا يفهم معناه، وهذا يدل على أنه الشرك. وهذه الكتابات استغاثات بطواغيت الجن، وفيها خطوط ومربعات ومثلثات أو حروف أو أعداد معينة ثم يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] فيكون مثل الكاهن ويوهم الناس أنه قرأ قرآناً وآيات؛ ولكن لماذا لا ينظر هؤلاء الناس إلى باقي ما كتب من الطلاسم الشركية. أما القرآن فيمكن أن يقرأهُ الكافر، بل وحتى المستشرق يمكن أن يستشهد به، لكن ماذا بعده؟ وماذا معه مما لا يفهم معناه؟! فهذا هو الخطأ وهذه هي المصيبة. فـ (كتب السحر) و (علم السحر) توارثته السحرة من أيام تلك الفتنة (أيام الملكين بـ بابل) إلى الآن، فقد جعلوا فيه الرموز والطلاسم باللغات القديمة -السريانية أو الآرامية أو غير ذلك- والمهم أنها رموز تدل على هذا الشرك.

стр. 1069

كيفية الوقاية من السحر إذاً فما هو الحل وما هو العلاج لهذا الداء؟ أولاً: أن نعرف أن الله ﵎ غفور رحيم، وأنه أرحم بنا من الأم برضيعها، وأن الله ﵎ علمنا عداوة الشيطان وأولياءه، فقال: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً﴾ [فاطر:٦] فحذر منه أبانا آدم وحذرنا منه؛ لأن الله ﵎ يعلم ما له من تأثير حين قال ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف:٢٧] وهو يعلم أنه يزين ويمكر ويوسوس، وله كيد، فهو ذو شأن في هذه الأمور فهل يترك الله ﵎ عباده المؤمنين بلا وقاية؟! كلا والله، فالله هو الرحيم بعباده المؤمنين، وهو الذي يحفظ أولياءه؛ فهل يتركهم بغير سلاح يقاومون به عدوه الأكبر وحزبه الذين هم أعداء الله؟! لا يمكن أبداً؛ فلننظر إلى رحمة الله ﵎ وهي أنه (كلما كانت حاجة البشر إلى أمر من الأمور أعظم، كلما جعله الله ﵎ أيسر وأرخص وأسهل) فمثلاً نحن نحتاج الهواء وكل منا يحتاج أن يتنفس، ولذلك فقد جعل الله ﵎ الهواء مجاناً، فالحمد لله أنه في كل مكان ولو كان الهواء يشترى ويباع؛ لما تنفس منه إلا الأغنياء، لكنها حكمة من الله ﵎، وكذلك (الماء) فهو ضروري للحياة، وقد جعله الله ﵎ ميسراً ومجاناً، وإن كان أقل من الهواء لكن المهم أنه موجود وسهل ورخيص، ومثال آخر وهو (الملح) فلو كان الملح في الغلاء مثل الأرز لما سهل علينا الحصول عليه؛ فيمكن أن تأكل أكل اليوم من غير أرز؛ لكن! لا يمكن أن تأكل أكلاً من غير ملح؛ فلشدة الحاجة إلى الملح جعله الله ﵎ سهلاً وميسوراً ورخيصاً وهكذا. فنحن أحوج ما نكون إلى شيءٍ نتحصن به من هذا العدو الخبيث الماكر الذي كما قال النبي ﷺ عنه: ﴿إنه يجري من ابن آدم مجرى الدم﴾ فبالتأكيد أنه لا يليق برحمة الله وبحكمة الله أن يكون المحصن لنا من هذا العدو الخبيث فيه صعوبة، مثلاً: كأن يجتمع الآلاف أو الأمة أو القبيلة أو القرية عند واحد -فقط- يقرءون عليه شيئاً من القرآن؛ ولو كان كذلك لكانت رحمة الله ﵎ ضيقة، وتعالى الله عن ذلك، لكنه إنما شرع لنا جميعاً ما نتحصن به، وليس كما حدث أيام الكوليرا والحمى الشوكية حينما انتشر التحصين في كل شارع وفي كل مكان وفي الحرم وعند أبواب المساجد وفي المدارس؛ وباء عظيم؛ لكنه ليس أكبر من وباء الشياطين؛ الذي جعل الله تعالى علاجه عاماً ميسوراً وسهلاً ودواءً موجوداً في كل بيت؛ فما هو هذا الدواء؟ (إنه قرآن أو ذكر) فهذا أو ذاك، الكبير والصغير حتى لو لم يقرأ فيمكن أن تعلمه بعض الآيات، والأذكار السهلة الميسورة، التي تقيه وتكون حصناً وحرزاً له من الشيطان، ومنها آية الكرسي، وأذكار أخرى، والأدلة في ذلك كثيرة ومعروفة. فمثلاً قول: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) من الذي لا يستطيع أن يقول ذلك، وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] وقراءة المعوذتين, وغيرها؛ وقول: ﴿باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء إلخ﴾ وكذلك ﴿أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق﴾ فهي كثيرة ميسرة -والحمد لله- أيضاً فأيها حفظت وأيها قلت؛ فأنت إلى خير -والحمد لله- ولكثرة طرق هذا العدو ولشدة بأسه علينا فلابد أن يكون هذا السلاح في القلب، لأنه لو أن الجندي -مثلاً- كان في معركة ونام أو غفل عن سلاحه، وداهمه العدو فأسره فسيكون استخراجه من الأسر فيه صعوبة؛ وكذلك الشيطان إذا دخل عن طريق السحر.

стр. 1070

حقيقة السحر السحر: هو النفث في العقد قال تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق:٤] والنفاثات في العقد هن: السواحر؛ لأن الغالب أن الذي يتعاطاه إما نساءٌ من الإنس أو من الجن، وأما قوله تعالى ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق:٥] فهي العين، فإذا غفل الإنسان عن سلاحه؛ وقع وأصيب بالسحر أو أصيب بالعين وصعب علاجه، وأما الذي لا يغفل عن سلاحه ولا يتركه أبداً، وإنما يتحصن به ويتوكل على الله ﵎ فلا خوف عليه إنما كان؛ فالله حافظٌ له، لأنه قد عمل بما علَّمه النبي ﷺ في هذا الشأن، واحتاط به فإن وقع له بعد ذلك أمر فليعلم أنه ابتلاء من الله ﵎. فكما يبتلى فلان بسرطان -عافانا الله وإياكم- أو بحادث؛ فيموت أو يمرض -أيضاً- يقع الابتلاء بهذه العين، أو بهذا السحر، أو بأي شيء فمن ابتلي بذلك فلا يقنط ولا يجزع، بل يصبر ويتعالج ويحتسب، ولا يجعل هذه الأمور الخفية تذهب به؛ فيضيع إيمانه وتوحيده ويذهب إلى الكهان والمشعوذين والدجالين، -نسأل الله العفو والعافية-.

стр. 1071

طرق الشيطان في الإغواء إن مادة الشرك محسومة ومقطوعة -بفضل الله ﵎ بذكر الله ﵎، وباليقين في الله ﵎، وبمعرفة أن هذا الشيطان الخبيث لا سلطان له على المؤمنين أبداً، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل:٩٩] فلا سلطان له عليهم ولا يطيقهم، بل يخافهم هو وأولياؤه. فـ عمر ﵁ كان إذا سلك فجاً سلك الشيطان فجاً آخر الله أكبر! لا يمكن أن يلتقي به أبداً!؛ لقوة إيمانه. وهكذا فكل من ذكر الله ﵎ وأكثر من ذكر الله فله نصيب من هذا، ولذلك إذا ذُكر الله خنس الشيطان، وإذا نسي العبد عاد ووسوس -والعياذ بالله- ولكن كيده ضعيف؛ ولهذا يقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح لما شكا إليه الصحابة من الوسوسة وما يجدون مما لا يستطيعون الحديث عنه، قال: ﴿الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة﴾ فالشيطان لا يأتي أحداً من الناس ويذهب به ليفعل كذا، إنما هي خواطر تأتي؛ فإذا استعاذ بالله وأعرض عنها ذهبت، ولهذا لا نسترسل معه في أية وسوسة. فمثلاً: يقول لك: اعمل معصية كذا وذنب كذا، وهذا هين وهذا كذا، وهذا ليس شركاً، وهذه ليست بدعة، وهذه ستستغفر الله ﵎ منها وتتوب إليه. فكل هذا يجب أن نتوب منه، وأن نحذر وأن نعلم أنه -أي الشيطان- عدونا كما أخبر الله ﵎ بقوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر:٦] فإنه يوم القيامة يتبرأ منا، ويقول: ما دعوتكم ولا أغويتكم كما ذكر الله ﵎ ذلك في سورة إبراهيم وغيرها. كانت هذه بعض الجوانب المهمة من جوانب التوحيد، وهناك جوانب أخرى كجانب (التشريع والطاعة والاتباع) نتطرق إليها -إن شاء الله- في وقفات أخرى. وإن شاء الله تعالى نجيب على جملة من الأسئلة التي تكون نافعة للتحذير من هذه الأمور، وتعين على نشر هذه الدعوة والدين والتوحيد، وكل ما يتعلق بالألوهية يجب أن نجعله أهم وأول ما ينشر في المجتمع، وبعد ذلك تأتي بقية الأوامر والنواهي، نسأل الله ﵎ أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى.

стр. 1072

الأسئلة

стр. 1073

كيفية معرفة السحر السؤال ما حكم من يذهب إلى هؤلاء السحرة والكهان لغرض إبطال السحر إذا عرفه أو وجده، فيذهب إليهم من أجل أن يتأكد من أن ما وجده سحراً؟ الجواب لا يذهب إليهم، ومن كان يريد التأكد من أن ذلك سحر أم لا؛ نقول له من الآن: كل ما كان من باب الرموز الكتابية كحروف، أو أعداد، أو مربعات، أو مثلثات، فهو من هذا القبيل؛ فلا تذهب إليهم، لأنه سحر، وزيادة في التأكيد عليه الذهاب إلى أي شيخ من المشايخ ويسأله عما وجده. أما إذا وجده وعرف أنه سحر فعليه أن يتلفه ليحرق العين التي بها السحر؛ -والمعلوم أنهم -أي السحرة- إنما يفعلون ذلك على شعر من شعر الإنسان، أو شيء من ملابسه الداخلية أو أظفار أو ما أشبه ذلك، مما له علاقة، فينفث فيه -والعياذ بالله- ثم توضع الرقى والعزائم ويُستغاث بغير الله، ويُلفُّ ويوضَعُ في شيء كما فُعل بالنبي ﷺ في مشط ومشاطة. وأما إتلاف السحر: فإنه تتلف مادته فتدق وتحرق، حتى ينتهى منها، ثم يعالج صاحبها. وبإذن الله ﵎ لو وضعت لأحد وهو ممن يداوم على ذكر الله -كما ذكرنا-؛ فإنه لا يضره ذلك شيئاً لأن كيدهم ضعيف.

стр. 1074

حكم الأبراج وتوقعات مشجعي الكرة السؤال ما رأيكم في توقعات مشجعي الكرة حول نتيجة المباراة القادمة، فكل واحد منهم يحدد النتيجة بالتقدير؟ وما حكم الأبراج وما يكتب عنها في الجرائد والمجلات؟ الجواب أما الأبراج فلا شك أنها كهانة، والعجيب -حتى نعرف أن هذا كذب ودجل- أن المجلة تطبع -أحياناً- مليون عدد، وفيها هذه الأبراج مثل (الثور أو الميزان) فيقرؤها مليون من البشر، فكيف يكونون كلهم في برج واحد؛ فهل ولدوا كلهم في يوم واحد؟! ويقع لهم الشيء نفسه؟! وهذا دليل واضح على أن هذا كذب، وإنما هو ضحك على الناس فقط لتُقرأ وتشترى هذه المجلة، ثم إنها تكون دائماً بكلام عام، فبعضها يقول: (لا يمكن لك أن تقدم على العمل الذي تريد، أو لا تتردد فيما تتوقع) فهو كلام عام يصلح لكل أحد، فيقول أحدهم: فعلاً -والله- قرأت وما ترددت فكان ذلك، وهذا كذب وبهتان -والعياذ بالله- من هذا الشيطان وأوليائه؛ فهذه من الكهانة وكما في الحديث ﴿ومن اقتبس شعبة من النجوم، فقد اقتبس شعبة من السحر﴾ فهذه شعبة من الكهانة ومن التنجيم ومن السحر. أما توقعات المحللين الرياضيين أو المشجعين من أن النتيجة قد تكون (٢/ ٣) أو (٤/ ١٠) أو غير ذلك؛ فهذا يدخل في باب الرجم بالغيب من مكان بعيد، فهم إن ادعوا أن هذه النتيجة عن علم عندهم دخل ذلك في الكهانة؛ وإن قالوها تقديراً، أي لأن هذا فريق قوي مثلاً وهذا فريق ضعيف فهو رجم بالغيب وهذا كلام باطل، وبعض النوادي وبعض المشجعين، قد تعامل فعلاً مع الكهان ليخبروه بذلك. وننقل لكم قصة واقعية تماماً نقلها لنا اثنان من الثقات، عن رجل يأتيه الناس وهو ليس بكاهن، ولكنه يتكهن بالكذب فيضحك على الناس. والقصة هي: أنه تحدث أحدهم إلى رئيس نادٍ من النوادي، فقال له: إذا لم ينتصر الفريق غداً فلك عليَّ كذا وكذا، وأموالكم مرجوعة، وأنا متأكد من ذلك تماماً، وبعد ما وضع السماعة قال: هذا كلام فاضٍ يمتحننا هؤلاء الناس به (عن رأينا في النتائج) ويقول هذا الدجّال: ونحن نريد أن نعيش ونأخذ من هؤلاء، والمشكلة هي إذا لم يصح الخبر فماذا أفعل؟ ثم يقول: لكن هذا سهل ستمر وتنقضي المسألة! فهم يقولون هذا؛ لأن الشرك يولد الفجور، والفجور يولد بعضه بعضاً؛ فإذا لم تأتِ النتيجة كما توقع، يقول: أكيد أن الفريق الثاني ذهب إلى كاهن آخر له علاقة بملك الجن الأكبر الذي يملك السبع السفلى كلها. ومعلوم أن حدود السيطرة الشيطانية لا تتعدى إلى هذه الدرجة، فيضحك عليهم بهذا. فأمثال هؤلاء يأكلون الأموال ويوقعون غيرهم في التصديق بأخبارهم الكاذبة؛ فيكذبون على هؤلاء ثم يبحثون عن غيرهم وهكذا فوالله أن هذا لا ينبغي ويجب التنبيه عليه دائماً؛ فنسأل الله ﵎ أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يجنبنا شرور هؤلاء.

стр. 1075

حكم شد الرحال إلى المساجد السؤال يقول النبي ﷺ : ﴿لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد الحديث﴾. فكيف نرد بهذا على من يقول: إنه ليس في هذا الحديث دلالة على عدم قصد زيارة قبر النبي ﷺ ، وكذلك قولهم: لو كان قبر أمي في المدينة فهل أسافر لأزور قبرها؛ لأن الرسول ﷺ أمر بزيارة القبور، هذا وهو قبر أمي، فكيف بقبر النبي ﷺ ، فكيف أرد عليه؟ الجواب هذا الحديث الكلام فيه طويل، لأن أهل البدع أكثروا من تأويله كما أولوا أحاديث الصفات وغيرها، فمعنى الحديث لا تشد الرحال بغرض العبادة والتقرب إلى الله والتعبد له إلا إلى هذه الثلاثة المساجد؛ لما لها من أفضليه؛ أما إذا كنت في مسجد في مدينة ثم ذهبت إلى مسجد آخر في مدينة أخرى غير هذه المساجد الثلاثة، وليس له أي مزية على مسجدك الذي أنت فيه، فلماذا تشد الرحال إليه؟! وأما إذا شددت الرحال إلى مدينة رسول الله ﷺ أو إلى مسجده وهنالك زرت قبره الشريف ﷺ وهو من أفضل ومن خير ما يزار، وزرت البقيع أيضاً، وزرت شهداء أحد فلا بأس، فالإشكال في نية زيارة القبر، والمشروع أن تنوي زيارة المسجد، وليس زيارة القبر، أما إذا زرت المسجد أو كنت في المدينة فزرت القبر؛ فلا بأس أيضاً.

стр. 1076

حكم الحزن على المبتدع إذا مات السؤال مات صوفي عندنا فرق قلبي لموته وحزنت لهذا، فهل هذا قدح في توحيدي؟ الجواب إن كان هذا الذي مات ممن تعلم عنه الشرك؛ فلا تأس على القوم الكافرين؛ فقد قامت عليه الحجة؛ ولكن إذا تألمت أو حزنت أو تحسرت لمجرد الموت لأنه موت، وليس لأن الميت فلان، فهذا من التذكر ومن الاعتبار؛ ومعلوم أن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يعتبرون ويتعظون حتى بجنازة اليهود أو غيرهم فالاعتبار والاتعاظ شيء آخر. أما أن تحزن له وهو قد كان من الواقعين في الشرك، فلا. وإذا كان من أقربائك وحزنت، فهذا يعني أن الجهة منفصلة، فتكون قد حزنت وتألمت لأنه قريبك، وتحزن لما وقع فيه من شرك وبدع -والعياذ بالله- إذا مات على ذلك؛ وليس لمجرد أنك فقدته فقط، ويمكن أن تحزن لهذا ولا تحزن لذاك، فالناس يرون الحزن ويرون الدمع ولا يدرون لأي شيء هو.

стр. 1077

طلب الدعاء من الغير وأحوال الداعي السؤال زوجتي مصابة بمرض نفسي، فنطلب منكم ومن الإخوة الأفاضل الدعاء لها بالشفاء؟ الجواب ينبغي أن لا ينسى بعضنا بعضاً من الدعاء، كلما دعوت الله ﵎ ورأيت أنك في ساعة إجابة وتوفيق من الله ﵎ وسددت في الدعاء، فقد تعين به إخوانك المسلمين، من الدعاة والصالحين. والملك يقول لك: آمين ولك مثل ذلك، فادع الله لأخيك منفرداً، وادع الله لأخيك مع دعائك لنفسك، وأنت الرابح إن شاء الله ﵎. ونحن لا نحب -في الحقيقة- أن يعتمد الإنسان على دعاء الآخرين، وهذا مما يجعل بعض العلماء يكره ذلك ويزجر عنه؛ لأن الإنسان قد يتوكل ويعتمد على دعاء الآخرين فلا يدعو الله ﵎، فحاله: (يا شيخ: ادع الله لي، أو يا فلان بالله ادع لي) فنقول: أنت أولى وأرجى من يدعو، ونحن ندعو الله ﵎ جميعاً أن يشفيها ويشفي أمراض المسلمين إنه سميع مجيب، فادعو الله ﵎ دائماً بهذا. ولكن تأكد أن صاحب الحاجة والضرورة هو الذي يدعو ويستجاب له قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل:٦٢] فالمضطر يدعو لأن هذه القضية وهذا المرض في أهله: في أمه في أبيه فيدعو باضطرار لأن الدعاء بدون ضراعة وانكسار لا يرجى منه الإجابة كالذي يدعو ويشك بالإجابة، فالضراعة والانكسار والذل بين يدي الله، وإظهار الافتقار إليه سبحانه وشدة الحاجة مما يرجى به إجابة الدعاء إن شاء الله ﵎.

стр. 1078

تأويل الرؤى والأحلام السؤال هل تأويل الرؤى والأحلام من ادعاء الغيب؟ الجواب لا ليست ادعاءً للغيب، بل هي علم علمه الله ﵎ لنبيه يوسف ﵇ ومكنه منه، ويعلمه لمن يشاء وكذلك علمه محمداً ﷺ ، وكثير من الصالحين ومن أهل الخير والفضل في هذه الأمة يعبرون الرؤى، ولها موازين ومعايير منضبطة لا مجال الآن لشرحها.

стр. 1079

من أحكام التوبة السؤال يقول الأخ أنت تقول من أتى كاهناً أو عرافاً فقد كفر، فهل لهذا الرجل توبة؟ الجواب نعم ندعوه إلى التوبة، فكل مذنب مدعو إلى التوبة ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ [الزمر:٥٣] هذه الآية في حق التائب، لأن الله يغفر الذنوب جميعاً، ولو كانت شركاً أو كفراً، ولو كان ممن قاتل الأنبياء وقتل من أصحابهم وفعل ما فعل إذا تاب كما حدث لبعض الصحابة ﵃ مع النبي ﷺ ، أما من لقي الله ﵎ وهو غير تائب، فينطبق عليه قول الله ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] لأنه لم يتب من الشرك، فالله قد يغفر الذنب لمن لم يتب إذا كان دون الشرك. وحتى القاتل له توبة -وقد فصلنا هذا في شرح الطحاوية في موضوع التوبة- فالصحيح أن القاتل أيضاً له توبة، وأن الله ﵎ يتجاوز عما كان له من حق، ويتحمل عنه ما للمقتول إذا تاب وصدق في ذلك. أما من قال من العلماء: إنه لا توبة له، فإنهم إنما نظروا لكون ذلك حقاً للمقتول، فقالوا: هذا حق للمقتول والله ﵎ إنما يعفو ويصفح عن حقه، وهذا مرجوح فإن الله ﵎ قادر بفضله أن يعفو عما له، وأن يتحمل ما لغيره وأن يرضيه بما يشاء.

стр. 1080

حكم وجود الكفار في جزيرة العرب السؤال ما هو موقفنا من الهندوس الموجودين في هذا البلد؟ الجواب عندما تقول: في هذا البلد فليس مكة فقط، إنما نعني جزيرة العرب، كما في الحديث ﴿لا يجتمع في جزيرة العرب دينان﴾ فيجب أن يخرجوا من هذه البلاد الطاهرة ولا نعني مكة، بل ومن جزيرة العرب كلها- وهي تشمل من أطراف الفرات وبلاد الشام إلى قعر عدن، ومن الخليج إلى البحر الأحمر، فكل هذه جزيرة العرب، ولا يجوز أن يبقى فيها مشرك إلا لضرورة أو عابر سبيل فقط، فقد كان عمر ﵁ يعطيهم ثلاثة أيام، ليبيعوا خارج المدينة، فيشتري منهم المسلمون ثم ينصرفون، أما الإقامة فلا يجوز لهم ذلك.

стр. 1081

حكم الشرك بعلم أو بغير علم السؤال تعلم أن الشرك بالله أمر عظيم، وإذا أشرك الإنسان بالله وهو يعلم، فهو خالد مخلد في النار -والعياذ بالله-؛ لكن إذا أشرك بالله وهو لا يعلم فما عقابه؟ الجواب من أشرك بالله وهو لا يعلم، فالواجب عليه وعلينا أن نقول: كما في الحديث ﴿اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم﴾ فمن وقع في شيء وهو لا يعلم أنه شرك؛ فإن رحمة الله ﵎ واسعة قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء:١٥] فمن حلف بغير الله ﵎ -مثلاً- وهو لا يعلم أن هذا من الشرك، فإن الله لا يؤاخذه، ولكن عليه أن يتقِ الله ﵎ وأن يتعلم التوحيد. فعلينا أن نعلم الناس التوحيد، لأن القضية ليست أن نتناقش: هل يعذر أو لا يعذر؟ أهو جاهل أم لا؟ فإذا صرفنا عن هذا الجدل العقيم، واشتغلنا بدعوة الناس التوحيد وإقامة الحجة، وتركنا أمورهم إلى الله ﵎، لكان هذا هو الواجب، وهو الذي فعله النبي ﷺ وأصحابه.

стр. 1082

حكم مناصرة الكفار على المسلمين السؤال إن من نواقض الإسلام معاونة الكفار ومناصرتهم على المسلمين. نريد منكم الشرح المفيد لهذا الناقض؟ الجواب هذا واضح، وليس فيه شيء، ولا يحتاج إلى شرح، فكون الإنسان معاوناً ومناصراً للمشركين على المؤمنين إما بيده، أو بقلمه، أو لسانه، أو ماله، فهذا واضح، وكلما كانت الراية متميزة؛ كان الحكم أوضح؛ فإذا تميزت راية الإيمان من راية الكفر، وجاء من اختار أن يكون مع أهل الكفر على أهل الإيمان؛ فهذا لا شك أنه أصبح منهم، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١] والعياذ بالله. وأما مناصرتهم بدواعي الشهوة وحب الدنيا، كأن ينم إليهم بشيء أو يتجسس إلى الكفار بشيء، أو يتتبع عورات المسلمين لمصلحة يظنها أو ما أشبه ذلك؛ فهذا كما وقع لـ حاطب ﵁، وهذا ذنب عظيم، بلا شك، ولهذا أقر النبي ﷺ عمر لما قال: ﴿يا رسول الله دعني أضرب عنقه فإنه منافق﴾ فأقر عمر على شدة الإنكار، لكن لم يأذن له بقتله، وجعل المانع شيئاً آخر، قال: ﴿إنه من أهل بدر﴾ إذن فليس المانع أن هذا ليس ذنباً أو أن صاحبه ليس منافقاً أو أن صاحبه لا يستحق العقوبة، بل المانع أمر آخر خارج عن القضية وهو في قوله ﷺ : ﴿وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم﴾

стр. 1083

توسل الأعمى بالنبي ﷺ السؤال إن في أمة محمد ﷺ من يتوسلون به (بذاته) ويستغيثون به، وحجتهم حديث الأعمى حيث قال: ﴿اللهم إني أتوسل إليك بنبيك﴾ أي: يا محمد نتوسل بك إلى الله؟ الجواب الحديث صحيح صححه شَيْخ الإِسْلامِ وغيره، ولكن كيف نفهم هذا الحديث؟ هذا الحديث هو توسل بدعاء النبي ﷺ في حياته وهذا ما يعنيه الرجل. وللتوضيح نقول: كم كان في عهد النبي ﷺ من المكفوفين؟ أليسوا كثيراً؟! فلو أن كل أعمى يدعو بهذا الدعاء ثم يرد الله ﵎ عليه بصره، لكان الدعاء عاماً، لكن لأنه خاص بهذا الرجل، ولأنه خاص بالنبي ﷺ وفي حياته فلا يقاس عليه غيره من العميان في هذا الزمان، وهذا من باب أولى.

стр. 1084

اعتقاد أحقية الشرع مع الحكم بغيره السؤال هل يكفر كفراً مخرجاً من الملة من لم يحكم شرع الله، ولو كان يعتقد أن حكم الله هو الحق؟ الجواب هناك قاعدة عظيمة تنفع الجميع وهي أنه (لا يكفي أن يعتقد الإنسان أن هذا هو الحق، بل لا بد من الانقياد والإذعان والاتباع له) ولو كان الاعتقاد بأن هذا هو الحق يكفي، لكان أهل الكتاب كلهم مؤمنين وفي الجنة؛ لأن الله ﵎ يقول: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦] ويقول عن فرعون وقومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾ [النمل:١٤] فيمكن لأحدهم أن يحكم ويأمر وينهى ويقتل ويسجن ويفعل كل شيء بأحكام الجاهلية والطاغوت، وإذا كُلّمِ قال: أنا أعتقد في داخل نفسي أن الشريعة حق. قال شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية: هذا مثل الذي يحارب النبي ﷺ أو أي نبي ويقاتله ويعين أعداءه عليه، وإذا سئل قال: أنا أعلم أنه نبي، فما الفائدة من هذا العلم؟ ولهذا لما جاء إلى النبي ﷺ حبران من اليهود وقالا: يا محمد ما هي الآيات التي أنزل الله ﵎ على موسى وهارون؟! فقرأ عليهم النبي ﷺ الوصايا العشر، فقالا: نشهد إنك نبي، ثم انصرفا، (فشهدا أنه نبي وذهبا) فقال النبي ﷺ : ﴿ما يمنعكما أن تتبعاني﴾ إذاً: هما شهدا ولكنهما ما أذعنا وما انقادا واستسلما وما دخلا في الدين؛ فلا يكفي أن يقول الإنسان: أشهد أن الشريعة حق، وأن الشريعة رائعة وعظيمة، فمهما قال فلا يمكن أن يدخل في الشريعة حتى ينقاد ويسلم، وهذا مثل أي أحدٍ من المشركين يشهد بصدق النبي ﷺ وفضله كـ أبي طالب الذي قال: ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا فبالرغم أنه قال ذلك، لكن هل هو مؤمن؟ وهو الذي أنزل الله ﵎ في حقه: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦]، وما ذاك إلا لأنه أقر ولم يذعن، فلا يكفي مجرد الإقرار أو النطق، ولهذا لعلكم -إن شاء الله- تسمحون لي بهذه الفائدة وهي: أنه عندما نقول: الإقرار بالشهادتين شرط الدخول في الإسلام، فماذا نعني بالإقرار؟ الإقرار له معنيان: الأول: بمعنى: (إنشاء الالتزام والإذعان) وهذا الذي جاء في القرآن، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران:٨١] وهذا الإقرار معناه (التزمنا وانقدنا وأذعنا) فإذا جاء هذا الرسول آمنا به. والإقرار -أيضاً- بمعنى الإخبار عن الحقيقة، وهذا ما يستعمله الفقهاء فمثلاً: إذا ادعى رجل على رجل وقال: لي عنده ألف دينار، فقال له الرجل: أقر أن له عندي ألف دينار، ولكن لا أدفعها له، فهذا الإقرار مجرد إخبار عن الواقع، ولا يستلزم الإذعان، فإذا قال أقر فقط، فإنه يمكن أن يستدرك ويقول: أقر ولكن لا أدفع له ذلك، أو أقر ولكنني قد أديت حقه. إذاً هذا مجرد إخبار عن الواقع. فالإخبار عن الواقع ليس إيماناً، فلو أن أحداً قال: شرع الله أفضل، والقرآن هو كتاب الله المبين من باب الإخبار عن الواقع -وهو الواقع أصلاً- فلا يؤدي ذلك إلى شيء ولا ينفعه في شيء؛ إلا أن يقوله على سبيل الانقياد له، والإذعان والإيمان به واتباعه. وانظروا المستشرقين! ما أكثر ما يكتبون أن الإسلام حق، وأن الإسلام عظيم، وأن محمداً ﷺ يحل مشاكل الدنيا جميعاً وهو يشرب فنجان قهوة! فهذا الكلام حق وإخبار عن الواقع، بأن الإسلام يحل مشاكل الإنسانية، وأنه ﷺ حق، لكن! هل ينفعهم هذا؟! وهل نعدهم بذلك مؤمنين؟ لا ليسوا بمؤمنين.

стр. 1085

حكم الصلاة خلف المبتدع السؤال هناك إمام مسجد في مكة يعمل أشياء عجيبة، يقول هات فنجان شاي أقرأ لك فيه فيكون أمرك ميسراً؛ ويكتب أوراقاً ويقول: ضعها فوق الباب وربنا سيعطيك سؤالك، إلخ؟ الجواب هذا الذي ذكرناه سابقاً، هو نفس الكلام. وأما كونه إماماً فهذا شيء آخر؛ فالأصل أن نصلي خلف كل مسلم مستور الحال، أما من علمنا عنه يقيناً أنه كاهن أو ساحر أو أنه جهمي، أو خارجي، أو رافضي، فمن علم ذلك فإنه يتجنب الصلاة خلفه، بل ربما كانت الصلاة خلفه باطلة، فإذا خرج من الملة، فالصلاة خلفه تكون باطلة، لكن هذا في حق من يعلم ذلك، أما من لم يعلم وصلى خلف إنسان مجهول الحال وسلم ومضى، فصلاته صحيحة؛ وذاك عليه الإثم؛ لكن الواجب ألا يولَّى أحد من هؤلاء الصلاة، وإمامة المسلمين الصغرى، والواجب أن يكون في الجهات المسئولة عن المساجد من ينقب ويفتش ويتأكد من ذلك حتى يكون الأئمة جميعاً كلهم على العقيدة الصحيحة الصافية بإذن الله ﵎. فمن علم ذلك فلا يتعمد الصلاة خلفه، أما من صلى خلفه وهو لا يعلم؛ فهذا أمر آخر، لكن إذا علمت أنه مبتدع، ولا نعني به الذي لم يتلبس بشيء من البدع؛ بل مبتدع بمعنى: أنه على أصل من أصول بدعية؛ فهذا لا تصح ولا تجوز الصلاة خلفه، إلا إذا لم يكن هناك غيره، أما إذا كانت بدعته مغلظة، وتخرج به إلى حد الشرك، (بحيث إن صلاته باطلة)؛ فالصلاة خلفه أيضاً باطلة في حق من علم ذلك، فإذا كان في بلد بعيدة، وليس أمامه إلا أن يصلي في البيت أو خلف هؤلاء المشركين؛ فليصل في البيت، لكن -الحمد لله- في أغلب بلاد الإسلام تجد من تصلي خلفه وتطمئن إليه بإذن الله ﵎، وينبغي الإبلاغ عن هؤلاء. أما الوسائل التي نستطيع بها محاربة هؤلاء في هذا الوقت: فمنها: نشر التوحيد، وإحياء السنة، والدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وبيان خطر الشرك ونواقض الشهادتين وغير ذلك، وبكل الوسائل الممكنة لدينا -وهذا أعظم ما يحارب به هؤلاء- ومن ذلك التبليغ عنهم أيضاً ورفعهم إلى المحاكم لتحكم فيهم بحكم الله.

стр. 1086

الخوف من السحرة والكهان السؤال بعض الناس إذا قلت له: تعال لنشتكي هذا الساحر وهذا الكاهن، تجده يخاف أن يصيبه أذى من السحر أو من الجن، فماذا تقول لهؤلاء؟ الجواب هذا الخوف هو من الشرك -والعياذ بالله- قال تعالى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥] فيجب علينا ألا نخاف إلا الله، وأن نحذر من هذا الشرك -كما ذكرنا-.

стр. 1087

جهل الناس بالسحرة وخطرهم السؤال يوجد في قريتنا رجل يخرج الجن، وجميع أهل القرية يذهبون إليه، فتتوافد إليه الجموع من القرية ومن القرى الأخرى، فهم يقطعون المفاوز البعيدة لكي يذهبون إليه، ويحترمونه ولا يسمحون لأحد أن يتكلم عليه، وإذا سبه أحد يقولون: إنه سوف يضرك. والعجيب أن له نتائج في علاج المصابين بالجن! ومن العجائب أنه إذا كانت المريضة فتاة مصابة بالجن؛ فإنه يأخذها عنده حتى تشفى من المرض بدون محرم؟! الجواب قد يوجد ذلك ويسكت عنه، وهكذا المجرمون وقطاع الطريق إلى الله، ليس لهم في الآخرة من خلاق، فيتمتعون في الحياة الدنيا بالحلال والحرام؛ فيأكلون المال الباطل بهذا العمل الباطل والمحرم، ويرتكبون الفواحش والموبقات، ويقولون: نحن أولياء الله. والمصيبة أنهم ليسوا مثل قاطع الطريق الحقيقي، الذي يقف على طريق المسلمين بسلاحه، وربما انتهك الحرمات أو أكل الأموال؛ فهذا مجرم واضح. بل المشكلة أنه بالرغم من الأفعال يدعي الولاية، بل ويعظمه الناس ويخافونه. ونحن نتكلم عن مثل هذه الحالة، وليس عن أي إنسان يقرأ ويرقي بالرقى الشرعية.

стр. 1088

توبة الساحر السؤال هل يستتاب الساحر وتقبل توبته؟ الجواب الصحيح أن كل مذنب تقبل توبته، وأنه يُدعى إلى التوبة، لكن قال بعض العلماء: إن مثل الزنديق، أو الساحر أو غيرهم لا ندري كيف يتوبون؛ لأن الزنديق هو المنافق في عهد النبي ﷺ ، فهو يقول: أنا مؤمن وكذلك الساحر لأنه أمر خفي، فقالوا: لأجل ذلك وحسماً لمادة هذا الفساد في الأرض! فإنه يقتل ولا تقبل توبته في أحكام الدنيا، أما عند الله فكل من تاب من ذنب فإن الله ﵎ يقبله كائناً ما كان ذنبه.

стр. 1089

حكم الفتوى بغير علم السؤال ما حكم الفتوى على الله ﵎ بغير علم؟ الجواب هذه كثيرة في كل مكان، ولا يجوز لأحد أن يفتي على الله بغير علم، فلا يفتى بجواز تقصير اللحية أو بجواز إطالة الثوب أو بجواز الكشف على غير المحارم، فليتق الله ﵎ ولا يتحمل آثام الناس.

стр. 1090

التحذير من الكتب المشبوهه السؤال هذا سؤال طويل، لكن مضمونه يقول: إن هناك كتباً مؤلفة حديثاً وحتى قديماً، تنتشر في المكتبات، تبرر للصوفية عملهم، وكذلك جميع المشعوذين وأن بعض أعلام السلف كانوا متصوفين إلخ؟ الجواب هذه مما يجب أن تحارب وينبه عليها. فأما ما كان تصوفاً محضاً وغلب شره، فهذا يمنع بالكلية، وأما ما كان فيه خير -كما في حلية الأولياء - ففيه خير وأحاديث نافعة عظيمة، ولكن فيه خبط من هذا القبيل، فهذا ينبه كل طالب علم أو كل مشترٍ له؛ بأن هذا الكتاب ليس كل ما فيه من الأحاديث المرفوعة صحيحاً، ولا ما يذكر فيه عن التصوف وغيره.
следующие страницы →