Полный текст (2 843 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
تطهير عرقي أم حرب على الإسلام
السؤال
هناك ما يُدعى تطهيراً عرقياً في البوسنة والهرسك مع أن النصارى قالوا: نريد القضاء على دولة الإسلام في أوروبا؟!
الجواب
يُغلِّفون دائماً الحرب على الإسلام بأغلفة، يقولون: حرب التطهير العرقي، فإذا رأيت الواقع رأيت الصرب البوسنيين الذين على دين النصارى وهم من البوسنة لا يُطردون! والصرب المسلمين يطردون! إذاً القضية ليست قضية العرق، وإنما القضية قضية دين وإيمان، والعجيب أنهم يصرحون -كما تسمع أحياناً في كلام أويل المندوب الدولي وفي كلام غيره- تصريحاً واضحاً بأنهم يعادون الإسلام، فيقولون: استئصال المسلمين، ويقولون: القوات المسلمة حتى في إذاعة لندن وأمريكا! وفي الإذاعات العربية يقولون: قوات البوسنة أو القوات البوسنية الكرواتية المشتركة، أو القوات المشتركة، كأننا نخاف ونتحرج من كلمة إسلام! مثل أخبار حرب بيروت قديماً.
كنا نسمع إذاعة لندن في كل ليلة تقول: بيروت الغربية، أو القسم الإسلامي من بيروت، وتقول: بيروت الشرقية النصرانية، أما الإذاعات العربية فلا نتكلم، لا نصراني ولا مسلم! بيروت هي بيروت شرقية وغربية.
стр. 1017
حكم مشاركة الكفار في أعيادهم
السؤال
ما حكم الله تعالى فيمن يشترك في لجنة لتقييم وإجازة الحفلات المسيحية النصرانية -ليست مسيحية- المقامة في ينبع الصناعية سواءً بعيد الميلاد أو غيره من الحفلات الغنائية؟
الجواب
إذا كان مسلماً ويشترك في إجازةٍ لحفلة من حفلات المشركين -من النصارى أو غيرهم- فهذا العمل محرمٌ ولا يجوز بأي حال من الأحوال، فإن كان هذا الرجل يعتقد أن دينهم حق، ويعتقد أنه يجوز لهم أن يتدينوا وأن يتعبدوا بذلك، فهذا خروج من الملة -والعياذ بالله- لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ لن يقبل منه أبداً ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥] وإن كان لا يعتقد ذلك لكن لشهوة أو رغبة، فهذه من المحرمات كما في الفتوى التي نرجو أن تكون قد وصلت إليكم إن شاء الله.
стр. 1018
حكم التعامل مع غير المسلمين
السؤال
في مجال عملي يتحتم الاحتكاك بكثير من الأجانب الذين لا يدينون بالإسلام فبعضهم هندوس وبعضهم نصارى فما حكم الحديث معهم في غير مجال العمل وكذلك المزاح معهم والأكل معهم؟ وإذا دعوني إلى وليمة هل يجوز لي قبول دعوتهم، وهل يجوز أن أدعوهم لمنزلي؟
الجواب
التعامل مع غير المسلمين لا بد له من ضوابط، منها: أن تكون علاقتك بهم بغرض دعوتهم وهدايتهم للإسلام فتحب المسلم من أي بلد كان، ونحبه بقدر إيمانه، وبقدر تمسكه -حتى ولو كان عامل نظافة- لا يجوز أن نحتقر مسلماً، كما حذر من ذلك النبي ﷺ بقوله: ﴿بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم﴾ عامل النظافة المسلم الذي يصلي خيرٌ ألف مرة من مدير شركة يأخذ مليون ريال راتب، وهو كافر لا يؤمن بالله، فلا بد أن نراعي هذا الأمر.
إذاً القاعدة هي مصلحة الدعوة، لا بحسب رغبة النفس وميلها، فإذا كنت تطمع أن يهديه الله، -مع أنَّ الأصل أن يطردوا من هذه البلاد- فيجوز ذلك، أما الأكل معهم وقد ذُكر الهندوس فلا يجوز للمسلم أكل ذبائحهم مطلقاً، وأما النصارى -في هذا العصر- فإن كانت ذبائحهم ليست من أسواق المسلمين فأيضاً لا يجوز لك أن تأكل منها، حتى تتأكد أنهم يذبحون، لأن النصارى الآن يخنقون ولا يذبحون! ويأكلون اللحم المعلب والمستورد من الجيف، فلا بد لك من ضوابط معينة وما ذكرنا فيه إجمال فقط.
стр. 1019
الجمع بين أعمال الدنيا وأعمال الآخرة
السؤال
نرجو أن تشرح لنا كيف الجمع بين أعمال الدنيا وأعمال الآخرة، وهل هذا جائز؟
الجواب
لا يوجد عداوة عندنا بين الدنيا والآخرة كما هو حال الرهبانية النصرانية، نحن عندنا الدنيا مزرعة للآخرة، وممر ومعبر إليها، وهذا واضح في قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الجمعة:١٠] فإذا صليت الفجر، فاذهب إلى عملك الدنيوي ما دام حلالاً، وأخلص فيه، وانصح للأمة، واجتهد فيه، فإذا أذَّن الظهر، صلِّ لربك ﵎، فهذا كله للدنيا وللآخرة معاً، حتى عملك في الدنيا انوِ به وجه الله كما قال النبي ﷺ لـ سعد بن أبي وقاص: ﴿وإنك لا تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا كان لك بذلك أجر حتى اللقمة تضعها في فيِّ امرأتك﴾ أي: في فم زوجتك لك بها أجر، ويقول ﷺ : ﴿وفي بضع أحدكم صدقة﴾ أي: أن يأتي الرجل أهله له فيه أجر، ﴿قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟، قالوا: نعم.
قال: فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر﴾.
إذاً ديننا ليس فيه انفصال، ليست هناك عداوة.
لكن بشرط ألاَّ يشتغل بها، كما قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المنافقون:٩] أما أنك تحب المال، وتحب الزوجة، وتُنمي مالك، وتلاعب أهلك، وتُقبل أبناءك وتداعبهم، وتنزههم، وتشتري لهم الهدايا، وتكون علاقتك بهم علاقة الأب الرءوف الحنون المشفق، هذا من الدين، ومن هدي رسول الله ﷺ ، وليكن شعارنا في حياتنا كلنا هو قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢] كل حياتك لله، حتى ما كان فيها من حظ النفس، فاجعله ترويحاً لها لكي تستقيم على طاعة الله ﵎.
стр. 1020
حكم انتقال المنفرد إلى إمام
السؤال
هل يجوز للمنفرد أن يصير إماماً في الفريضة؟
الجواب
لو جاء رجل بعد انقضاء الصلاة وكان منفرداً، فجاء أناس آخرون، فجعلوه إماماً لهم -يصلون معه- فذلك جائز إن شاء الله.
وأما إذا كان قصد السائل عن المؤتم الذي يتم صلاته بعد سلام الإمام وقد فاتته ركعة أو ركعتان فهل نجعله إماماً ونصلي خلفه؟ العلماء في هذا على وجهين: فبعضهم يجيز، وبعضهم يمنع، لكن لو نقَّبنا في سيرة رسول الله ﷺ وسنته لم نجد لهذا سابقةً من قبل، إلا عموم الائتمام فعلى هذا أرى أن ذلك لا ينبغي، وليس له أصل، وإنما يتم كما أخبر النبي ﷺ ، والداخل يصلي منفرداً، فإن كان أعاقه عذر فله أجر الجماعة بإذن الله.
стр. 1021
التوفيق بين وجوب قتال الكافرين وعدم إكراههم على الدين
السؤال
يقول: كيف نوفق بين قول رسول الله ﷺ : ﴿أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله﴾ وقوله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّين ِ) [البقرة:٢٥٦] والرضى بالجزية من أهل الكتاب وتركهم على دينهم؟
الجواب
لا تعارض بين هذه الأحكام، فالأصل أننا ندعو الناس، حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن لم يرضوا بذلك دعوناهم إلى الجزية التي ذكرها الله تعالى بقوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩].
وأما قول الله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦] فالمقصود بها القلوب، فلا يمكن أن تكره أحداً على اعتقاد ما لا يريد أن يعتقد بقلبه، وأما أن نجاهدهم فلا، الجهاد حق، وهو ذروة سنام الإسلام، ولا بد منه، وقد جاهد رسول الله ﷺ وجاهد أصحابه، فنحن نجاهد الكفار.
أما الواحد منهم فلا نستطيع أن نكرهه أو أن نحمله على أن يؤمن وقلبه مظلم بالكفر، لا نكرهه أن يعتقد الإسلام وهو لا يريد أن يعتقده، وإنما ندعوه، ونبين له، فإن أصر إلا أن يدفع الجزية قبلنا منه، وأما إن أظهر الإسلام وهو في الباطن كافر، قبلنا منه ذلك ونكل أمره إلى الله ﵎ فلا تعارض بينها في الحقيقة.
стр. 1022
حكم تداوي النساء عند الرجال
السؤال
عندما نذهب -أحياناً- بالمرأة إلى المستشفى، لا نجد من يكشف عليها سوى طبيب رجل، ويمنع دخول محرمها معها بحجة أن ذلك ممنوع حسب تعليمات مدير المستشفى، فما رأيك في ذلك؟
الجواب
لا تقر بهذا أبداً! هل هناك شيء -بعد ديننا وإيماننا- أغلى من أعراضنا؟ سبحان الله العظيم!! لو وُضع علينا ضريبة، صغيرة على رغيف الخبز، أو قالوا: لا نعطيكم السكر إلا من النوع الرديء، والله لن نهدأ، سنعمل احتجاجاً، أو صياحاً، ونستورد سكراً ممتازاً! والعرض نغض الطرف عنه! وهو أغلى شيء بعد الإيمان، نتهاون فيه! إذا كنا جميعاً لا نرضى هذا، فلا بد أن الوزارة تأتي بنساء، ولا بد أن تفصل بين الرجال وبين النساء، لكن إذا تهاونا وسكتنا استسهلوا هذا.
فيجب أن نطالب، وأن نؤسس -إذا استطعنا- المستشفى النسائي الخاص.
لماذا لا يكون في ينبع مستشفى نسائي متكامل منفصل فصلاً كلياً؟ كما أنه يوجد في بعض المستوصفات مولدات نساء، فأذهب إلى المرأة، وإن كان علاجها واهتمامها أقل، نحتسب عند الله ونذهب إليها، أما أن نتساهل ونقول: مثلي مثل الناس، وماذا نعمل؟ هذا هو الذي يجعل هؤلاء المجرمين الهندوس والنصارى وأمثالهم يتغطرسون ويفعلون ما يشاءون، لا بد أن نطالب جميعاً بهذا الشيء، ويوجد -والحمد لله- الطبيبات في باكستان يوجد مسلمات في الهند، وفي كل مكان، نأتي بهن، أو من تعلمت من بنات هذه البلاد، ولكن في انفصال كامل عن الرجال، ويقوم هؤلاء بمعالجة النساء.
стр. 1023
هل النصارى الموجودون من أهل الكتاب
السؤال
هل النصارى الموجودون الآن من أهل الكتاب؟ حيث إن أكثرهم ليسوا من بني إسرائيل الذين بعث فيهم عيسى ﵇ ورسالة عيسى ﵇ خاصة لبني إسرائيل وليست عامة للناس؟
الجواب
لا شك أن رسالة عيسى ﵇ ليست عامة، لكن كل من دان بـ النصرانية فقد جعله الله ورسوله منهم، حتى نصارى بني تغلب وحتى نصارى نجران الذين أنزل الله ﵎ فيهم صدر سورة آل عمران هم من العرب، فكل من دان بـ النصرانية فهو من أهل الكتاب، وأهل الكتاب هم أهل الكتاب في القديم والحديث، شركهم قديماً وحديثاً موجود فيعدّون أنهم أهل كتاب، إلا من ألحد منهم وكفر بـ النصرانية، وأصبح شيوعياً -مثلاً- أو مجوسياً أو بوذياً أو ما أشبه ذلك، فهذا يكون مرتداً عن دينه ولا يعامل معاملة أهل الكتاب.
стр. 1024
حكم التداوي بالسحر
السؤال
ما قولكم فيمن يقول: لا يحل السحر إلا ساحر، نرجو التفصيل في المسألة؟
الجواب
السحر في هذه الأيام انتشر -والعياذ بالله- وشكا منه الناس بشكل فضيع جداً، ولما اشتكوا منه جاء الشيطان بالعلاج الآخر، قال: هناك ناس يعالجون ويفكون السحر، فيهرب الناس من السحرة إلى السحرة! والواجب علينا جميعاً أن نتحصن من شر الشيطان -وهو رأس السحر والشر- ومن أعوانه بما أعطانا الله من أذكار الصباح والمساء وهي بين أيدينا، والمعوذات، وقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، في اليوم مائة مرة، وقول: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، إلى آخر الأذكار وهي معروفة عندكم، فمثلاً: كتاب صحيح الكلم الطيب موجود بثلاثة ريالات أو بأربعة، ينبغي أن يكون في كل بيت وتقرأ الأذكار الصحيحة التي فيه.
ثم إذا وقع الإنسان في شيء من ذلك، وابتلاه الله به فليصبر! أما أصيب بعضهم بالسرطان؟ -نسأل الله أن يعافينا وإياكم- أو بتلوث في الرئة! فنصبر ونحتسب، فكذلك إذا ابتلينا بالسحر، فلنصبر، ونلجأ إلى الله ونتخذ الأسباب المشروعة من: قراءة القرآن وخاصةً سورة البقرة والمعوذتين وما أشبه ذلك، نقرأ ونجتهد وندعو الله ومن استطاع منا أن يرقي أخاه أو ينفعه، فليفعل.
أما الذهاب إلى الذين يرقون بغير الكتاب والسنة، وإن قرأ أول الأمر آيات، ثم همهم بعد ذلك وغمغم ودندن بكلمات غير معلومة وغير مفهومة، فنعلم أن هذا ساحر، ولا يجوز أن نذهب إليه.
وإذا قال: خذ كذا، وضع حجاباً وعلقها، أو احتجب عن الناس أربعين يوماً، ولا تأكل كذا، وافعل كذا، واذبح دجاجة سوداء أو تيساً أسود، ولا تتفل عليه امرأة، وكذا إذا بدأت الصكوك الوثنية، فاعلم أن هذا سحر.
أما المؤمن فإنه إنما يقرأ من كتاب الله، ومن الأدعية الواردة وينفث ويدعو، وهذا في إمكانك أنت أن تقوم به لقريبك إذا ابتلي الله أنت تقرأ وتخلص وتجتهد في الدعاء ويحفظه الله، من غير أن تذهب إلى أحد من الناس.
وأنصح طلبة العلم أن لا ينساقوا وراء بعض ما قد يسوله الشيطان، فيفرغوا أوقاتهم ويتخلوا عن دعوتهم وعن طلب العلم من أجل هذه القراءة! وربما أدَّى بهم ذلك إلى الفتنة والعياذ بالله.
стр. 1025
كيفية التعامل مع الخطأ في الاجتهاد
السؤال
يذم بعض المسلمين شباب الانتفاضة، ويقولون: إنهم على غير هدى، فهل من كلمة توجهها إلى شباب الانتفاضة، وهل هذه الانتفاضة إسلامية؟
الجواب
ما حدث في فلسطين يسمونه انتفاضة، ونحن نسميه بدايةً جهاد -إن شاء الله- ولا يجوز أن نذم من يريد الإسلام وعز الإسلام وإن أخطأ في الاجتهاد، ولكن ننصحه، ونقول: يا إخواننا! نريد منكم أن تكونوا كذا، اعملوا كذا، وجههم إن كان لديك رأي، وقدم لهم خطة حكيمة، وحظهم على اتباعها، أما أن يعابوا ويذموا ويطعن فيهم، فلا، لأنه لن يستفيد من ذلك إلاَّ الكافرون، والطواغيت، والمجرمون، واليهود، والنصارى.
فهل يرضى المسلم أن يكون هو واليهود والنصارى والعلمانيون وأعداء الله أجمعون في خندق واحد، يحاربون المسلم المسكين الذي لا يملك حولاً ولا طولاً إلا بعض وسائل اتخذها كأطفال الحجارة أو الانتفاضة وغير ذلك؟ لا! شتان بين أن يكون لنا ملاحظات على الانتفاضة، وبين أن نذمها ونعيبها، وربما أن بعضهم يفرح لو قضي عليها أو استُؤْصلت! لا يا أخي! لا يجوز ذلك وهذا إجحاف وليس من العدل في شيء.
стр. 1026
بشائر الصحوة
السؤال
يقول الأخ: هل هذا الزمان الذي نحن فيه هو الذي قال فيه النبي ﷺ : ﴿يمر أحدكم بالقبر يتمرغ عليه ويتمنى أن يكون هو الذي في القبر من البلاء﴾؟
الجواب
أي: الحديث قال: ما به الدَّين وإنما البلاء، لا يا أخي! الحمد لله، نحن في خير، ما جاء هذا الوقت إن شاء الله بل نحن والحمد لله في نعمة، نستطيع أن ندعو إلى الله، وأن نبلغ كلمة الله، بل نحن أمام بشائر صحوة قوية بإذن الله، تشرق دعوة الإسلام من جديد في هذا الكون، فما وصلنا إلى هذه الدرجة أو الحالة من ضعف الدين أو كثرة البلاء والحمد لله على ذلك.
стр. 1027
كيفية التعامل مع الشرك
السؤال
رجل موحد بالله لكنه يذهب إلى السيد البدوي والسيدة زينب وغيرها من باب الجهل، هل عليه إثم؟ وهل يعذر على جهله؟
الجواب
كيف يكون موحداً بالله ويذهب إلى هؤلاء!! إذا كان جاهلاً لا يعرف التوحيد، فالواجب أن يعلم.
لماذا نُفكر هل يعذر أو لا يعذر؟ كونه يعذر أو لا يعذر هذا بينه وبين الله، لكن أنا وأنت لا نعذر، وعلماء الأزهر، وكلية أصول الدين لا يعذرون؛ لأن المهم ألاَّ نترك هؤلاء يذهبون إلى تلك الأضرحة، يدعون، ويستغيثون بغير الله، ويذبحون لغير الله.
ونحن نختلف حول مسألة عذره من عدمها، بل ندعوهم إلى الله ونبين لهم حقيقة التوحيد، ويجب هدم هذه الأضرحة، لأن إقرار هذه الأضرحة، والمزارات، ووضع رسوم عليها، والاعتراف بها، هو إقرارٌ للشرك، وهذا يجعل الدولة المقرة لهذه الأضرحة دولة شركية، وليست دولة إسلامية، يجب أن يكون للدولة وللعلماء في هذه البلاد وفي أي بلد دور وعمل إيجابي في القضاء على هذه الشركيات وهذه الأصنام المعبودة من دون الله ﵎.
стр. 1028
توظيف الكافرين مع وجود المسلمين
السؤال
كيف نوظف المسلمين، ومكاتب العمل في أنحاء العالم تسهل إجراءات توظيف النصارى، وتحول دون توظيف المسلمين؟ حتى يقول بعضهم: الكافر أرخص في التكلفة وفي المرتب الشهري! فهل من كلمة تبين فيها للناس؟
الجواب
نقول للأخ الكريم: يا أخي! الإجراءات بيد من؟ أليست بيدنا؟ بلى.
كثير من الإجراءات إنما تتخذ بناءً على مطالب الناس.
إذا طالبنا نحن بإجراءات معينة سهلت لنا، هنا أو في الهند -مثلاً- إذا قلنا للدولة هنا نطالب بألا يُسمح باستقدام أي كافر، ثم قلنا للهند: لا نسمح لأي هندي نصراني أو مجوسي أن يتعاقد معه، فإذا فرضنا أن الكافر أرخص، هل نرضى أن نضحي بديننا من أجل دراهم؟ فالفرق دراهم، مع أن البشر سواء، ليس لأنه كافر فهو رخيص، أو لأنه مسلم فهو غالٍ في الأجر، لا، فمن الممكن أن تجد نصرانياً وراتبه أضعاف أضعاف المسلم، ولكن نفرض أنه -فعلاً- أمام اختيارين: إما مسلم بألف ريال، أو كافر بثمانمائة! يجب ألاَّ أنظر إلى المائتين وأنسى الإسلام، وأنسى أن النبي ﷺ قال: ﴿أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب﴾ فانتبهوا بارك الله فيكم.
стр. 1029
حكم استقدام الخادمة بدون محرم
السؤال
هل يجوز للضرورة استقدام الخادمة المسلمة بدون محرم؟ وهذه الضرورة هي على الزوجة لحاجتها إلى المرتب؟
الجواب
ليست حاجة الإنسان للمرتب في هذه الحالة ضرورة، ويمكن استقدام الخادمة ومعها محرم، وليكن سائقاً أو حارساً وهي معه، لكن على الرجل ألاَّ يراها ولا تراه، ولا يخلو بها، والسائق الذي معه محرمها يجب أن لا يرى أهلك، ولا يخلو بهم، ففي هذه الحالة فقط يجوز، أما ما عدا ذلك فلا تجوز، ولا يستطيع أحد أن يقول: إنها تجوز؛ مع ما يترتب على ذلك من فتن ومفاسد عظيمة، والبديل كثير ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ [الطلاق:٢] البديل موجود لكل هذه الأمور، سنجد من يريد أن يعمل من أهل هذا البلد لو أقفلنا باب الاستقدام، سواء من المقيمين المسلمين أو حتى من السعوديات، بأن تأتي ساعات معينة من النهار، وتخدم أهله في حالة ولادة، أو في حالات ضرورة فعلاً، تخدم أهله ثم تخرج قبل أن يعود صاحب المنزل من عمله، فهذه أشياء كانت موجودة لدينا، وضرورات كانت موجودة من قبل، وما احتجنا إلى هؤلاء، إما كافرة! وهذا لا يجوز أصلاً، أو مسلمة ويكون هناك من الفتن ما يكون! وبعد أيها الإخوة الكرام لا نريد الإطالة عليكم، ولكن نحمد الله على هذا اللقاء، وإنني والله ما جئت إليكم إلا محبة فيكم، ثم لما رأيتكم بهذا الإقبال وهذا الجمع الطيب ازددت حباً، وأسأل الله أن يجعل محبتي ومحبتكم خالصة لوجهه الكريم، وأن يجدد هذا اللقاء الطيب المبارك، وألاَّ ينسى بعضنا بعضاً من الدعاء.
والله يا إخوان نحن أحوج إلى دعاء بعضنا لبعض من حاجتنا إلى الطعام والشراب، أن يدعو كل منا للآخر بظهر الغيب، وأن ندعو لإخواننا المسلمين، وأن تكون يدنا وقلوبنا وغايتنا واحدة على توحيد الله، وعلى سنة رسول الله ﷺ ، حرباً لمن حارب الله ورسوله، وسلماً ومحبةً ومودة لمن وادّ الله ورسوله.
نسأل الله أن يمن علينا جميعاً بعفوه وجوده ومنَّه وكرمه والمعذرة إن أطلت عليكم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد.
стр. 1030
التوحيد (ندوة)
في هذه المادة بدأ الشيخ بتوضيح معنى التوحيد من حيث اللغة والشرع بأقسامه الثلاثة، كما ذكر حال المشركين واليهود والنصارى في عبادتهم لغير الله، مع إقرار البعض منهم له بالربوبية، وما دخل على الأمم السابقة من عبادة الأحبار والرهبان.
ثم بين ما يجب على الإنسان لتحقيق التوحيد الكامل المطلق، محذراً خلال ذلك من الغلو الذي كان ولا يزال آفة الأمم ومدخلها إلى الشرك.
стр. 1031
معنى التوحيد
قال الشيخ: سفر الحوالي حفظه الله.
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد: فإن خير الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
فضيلة الشيخ سفر: كلنا نسمع عن التوحيد ولا نعرف ما المقصود بتوحيد الله، فما هو التوحيد وما معناه؟ التوحيد: كلمة نرددها جميعاً ونحن -ولله الحمد- والأمة الإسلامية أمة التوحيد، لو أطلق علينا أي اسم فإننا أمة التوحيد، بخلاف غيرنا من الأمم التي أشركت بالله .
فالتوحيد من حيث اللغة هو: مصدر وحد يوحد، بمعنى أفرد يفرد، فعندما نقول: التوحيد، أو توحيد الله، معناه: إفراد الله ﵎ بالعبادة، فقد جاءت هذه الكلمة في حديث معاذ رضي الله تعالى عنه لما أرسله النبي ﷺ إلى اليمن فقال له: ﴿إنك تأتي إلى قوم من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله تعالى﴾ فالتوحيد الذي جاء تفسيره في نفس روايات الحديث: ﴿فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يعبدوا الله﴾، وفي رواية أخرى: ﴿فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله﴾.
وليس هناك أوضح وأبين من كلام النبي ﷺ ، ومن تفسيره، ففسر التوحيد بأنه عبادة الله وحده، فشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله هي كلمة التوحيد.
فالتوحيد هو: إفراد الله ﵎ وحده بالعبادة.
والعبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، من أعمال القلب، كالمحبة، والرضا، والإنابة، والتوكل، والخوف، والرجاء، أو من أعمال الجوارح مثل الصلاة، والصيام، والزكاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والتسبيح، وذكر الله ، والسعي إلى المساجد، وبر الوالدين، والإحسان إلى الفقراء والمساكين وأمثال ذلك، كل هذه من العبادة، ويجب أن تفرد كلها جميعاً لله وحده لا شريك له.
فالتوحيد إذاً: هو أن يفرد الله ﵎ وحده بالعبادة، وهذه العبادة تشمل كل ما أمر الله ﵎ به، وكل ما يحبه الله ويرضاه من أقوالٍ وأعمالٍ بالقلب أو باللسان أو بالجوارح.
ومن هنا نعلم أن الدين كله داخل في موضوع التوحيد، ولكن الكلام عادة عندما يكون في التوحيد يكون عن أصل الدين، ومعناه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
стр. 1032
دعوة الناس إلى نصرة الحق
وقال الشيخ: سفر الحوالي حفظه الله.
هذا موضوع حساس، ويجب أن يقوم به العلماء؛ لأن التوحيد لا يستطيع الإنسان أن يخطئ فيه، لأن خطأ التوحيد قد يؤدي إلى هلاك الإنسان، ولكن أستعين بالله ، وأسأل الله أن يعينني.
فعندما ينظر الإنسان إلى شباب اليهود والنصارى، كيف أنهم يجتهدون لنصرة باطلهم، وكيف يتقاعس شباب المسلمين عن نصرة الحق، عند ذلك يتأثر المسلم، فلا يجد الشاب المسلم إلا أن يقول: والله سوف أفعل كل ما في وسعي لنصرة هذا الدين، والله لن يجتهد الشاب اليهودي أكثر مما يجتهد الشاب المسلم، ولن نقبل -في شباب المسلمين- أن يحب الشاب اليهودي إسرائيل أكثر مما نحب نحن شباب الإسلام هذا الدين، بل والله لو يجتهد هذا الكادر الشاب في باطله أربعة وعشرين ساعة في اليوم، فوالله لنجتهدن ثمانية وأربعين ساعة، حتى نريهم، وليريهم الله ما يصنع شباب الإسلام إذا أحبوا هذا الدين.
وأنتهز هذه الفرصة وأطلب من الشباب المسلم أن يجتهدوا لنصرة هذا الدين؛ فهذه الأوقات التي تضيع من شباب الإسلام محسوبة عليهم، والأعداء يجتهدوان بجدٍ وحزم في الليل والنهار، فكما تعلمون أن اليهود يتحكمون في كثير من اقتصاد العالم ويسخرون هذا الأمر من أجل الباطل، ويتعرض أحدهم للقتل في أي لحظة، في الليل والنهار؛ فهذه محبة إسرائيل في قلوبهم.
فيجب على شباب الإسلام أن يُروا هؤلاء كيف يحبون الحق، وكيف ينصرون الحق، وكيف يسعون لإعادة شباب الإسلام إلى حظيرة الإسلام مرة أخرى.
стр. 1033
أقسام التوحيد
قال الشيخ: حسّان الراضي.
أقسام التوحيد ثلاثة وهي: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات.
стр. 1034
توحيد الربوبية
توحيد الربوبية: هو توحيد الله بأفعاله، أي أن يعتقد الإنسان أنه لا معين إلا الله، ولا مغيث إلا الله، ولا ناصر إلا الله، ولا معز إلا الله، ولا مذل إلا الله، ولا خالق إلا الله.
وهذا الاعتقاد لا يأتي بالسهل كما يظن كثير من الناس، ولنا عبرة في قصة بني إسرائيل عندما نصرهم الله ، لم يكن عندهم الأسباب المادية للنصر، ولكن الله نصرهم على فرعون وجنوده، وشق لهم البحر، وخاض بنو إسرائيل مع موسى ﵇ البحر بأنفسهم، ما سمعوا هذا الكلام ولا قرأوه، بل مارسوه بأنفسهم، وعندما جاءوا إلى البحر، ورأوا فرعون أمامهم والبحر خلفهم قالوا: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١].
فلم يكن قد تحكم في قلبهم توحيد الربوبية وأن الله هو الناصر، صحيح أن الأسباب طريق للنصر، ولكن الله ليس في حاجة إلى الأسباب لينتصر، فقالوا: إنا لمدركون، ولكن موسى ﵇ كان في قلبه كمال التوحيد، قال: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢]، فالله أوحى إليه، فضرب البحر بعصاه فانشق له البحر، فكانت اثنا عشر طريقاً لبني إسرائيل.
وحتى نرى أن هذا التوحيد لا يأتي بالسهولة كما يظن كثير من الناس، فإنه لما خرج بنو إسرائيل من الناحية الأخرى أتى أمر الله لبني إسرائيل أنفسهم، كما قال الله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ [المائدة:٢١]، وقال عنهم: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ﴾ [المائدة:٢٢].
سبحان الله! فيها قوم جبارون، والله قد نصرهم عندما لم يكن عندهم أسباب النصر على فرعون وجنوده، فرغم ما لمسوه بأنفسهم من قدرة الله على النصر، وأن الله هو المتصرف، إلا أن هذا التوحيد -توحيد الربوبية- ليس بالأمر السهل، كما قال تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ [المائدة:٢٢]، وقالوا: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤] فعندها أتاه الله بني إسرائيل أربعين سنة، فجلسوا في التيه أربعين سنة.
وهذا ليس عقاباً فقط من الله بل كان الله ينمي في قلب بني إسرائيل توحيد الربوبية، حتى يعلموا أن الله لا يحتاج إلى الأسباب لنصرة بني إسرائيل، ففي الصحراء لا يوجد أكل ولا شرب، ولكن الله أنزل عليهم المن والسلوى، وفجَّر لهم الينابيع ليشربوا منها، حتى قيل: إنه في كل يوم كان الله يذهب هذا الماء، ويأتي في اليوم الآخر فيضرب موسى ﵇ الحجر حتى تنشق الينابيع مرة أخرى وهكذا أربعين سنة، حتى ينمو في قلب بني إسرائيل حقاً أنه لا ناصر إلا الله، ولا محيي إلا الله، ولا مميت إلا الله.
وبعد الأربعين سنة يأتي أمر الله وهو نفس الأمر الأول: ادخلوا الأرض المقدسة، وفي هذه المرة تأدب بنو إسرائيل ودخلوا الأرض المقدسة ونصرهم الله بتوحيد الربوبية.
стр. 1035
توحيد الألوهية
توحيد الألوهية: هو إفراد الله تعالى بأفعال العباد، أو هو إفراد الله تعالى بالعبادة.
فالأنبياء عندما أرسلوا كانوا يدعون الناس إلى توحيد الألوهية، وهو توحيد الله بأفعال العباد، بأن الإنسان لا يسجد إلا لله ، ولا يستغيث ولا يدعو إلا الله ، وهكذا لا يفعل شيئاً من العبادة إلا لله .
إن الباب الذي يدخل منه الإنسان إلى توحيد الألوهية هو توحيد الربوبية، فإذا اعتقد الإنسان يقيناً أنه لا ناصر إلا الله، فهو لا يسأل النصر من غير الله، وإذا اعتقد الإنسان أنه لا رازق إلا الله، فإنه لا يدعو أحداً غير الله للرزق، وإذا وحَّد الإنسان ربه وكان في قلبه توحيد الربوبية، فهذا يكون بداية الطريق إلى توحيد الألوهية.
стр. 1036
توحيد الأسماء والصفات
والقسم الثالث من أقسام التوحيد هو: توحيد الأسماء والصفات، وهو إفراد الله تعالى بالأسماء والصفات، وأن يثبت الإنسان لله تعالى ما أثبته لنفسه، بدون تشبيه ولا تمثيل، فالله أعلم بصفاته، فإذا قال الله : إنه سميع بصير، فإن الله سميع بصير وليس هناك للفلسفة أن تفسر هذه الألفاظ كما تريد، وهؤلاء الفلاسفة كأنهم يعلمون صفات الله أحسن مما يعلمها هو .
فلا نشبه صفات الله بصفات المخلوقين؛ لأن صفات المخلوقين فيها العيب، فمثلاً: نظر الإنسان ناقص فهو لا يرى إلا إلى مسافة معينة، وهكذا صفات الإنسان كلها فيها التقصير، فلا ينبغي للإنسان أن يشبه صفات الخالق بصفات المخلوق؛ كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، ولا أن يعطل أسماء الله فلا تقول: الله ليس له يد، وهكذا كما يقول بعض المعطلة.
стр. 1037
نواقض التوحيد
وقال الشيخ: سفر الحوالي حفظه الله.
وبعد أن عرفنا أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، سوف نتكلم عن نواقض هذه الأقسام.
стр. 1038
إقرار المشركين بتوحيد الربوبية
إن توحيد الربوبية: هو اعتقاد أن الله هو الخالق والرازق والمحيي والمميت والذي يدبر الأمر، والذي ينفع ويضر عند الكرب والشدة، وهذا التوحيد كان المشركون الذين بعث فيهم النبي ﷺ وحاربهم، واستحل دماءهم وأموالهم وبشرهم بالنار، إلا من آمن به واتبعه؛ كانوا مقرين بهذا التوحيد أو بعضاً منهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر:٣٨]، فهم مقرون أن الله هو الذي خلق السماوات والأرض.
ولم يقل أحد من الأنبياء ممن بعثه الله إلى أي أمة من الأمم: إن الله موجود، ولم توجد أمة من الأمم تنكر وجود الله ﵎ -بشكل أمة ولا نقول: أفراداً- إلا عندما انتشرت الشيوعية قبل قرنين تقريباً، ثم انتشر الإلحاد والشيوعية في العالم الغربي وأوروبا التي كانت على دين نصراني محرف فرفضته، وانتقلت إلى لا دين، وهو: إنكار وجود الله ﵎.
أما قبل ذلك فلم يكن هناك أمة تنكر وجود الله، وإنما كانت تعبد مع الله غيره، فكانوا يعبدون الله وقت الشدة فقط، فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين، وإذا احتاجوا إلى الغوث في حالة الشدة والضيق والكرب، دعوا الله مخلصين له الدين، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت:٦٥]، فإذا نجوا وخرجوا إلى البر بدأوا يدعون آلهتهم التي يعبدونها من دون الله، سواء كانت هذه الآلهة أحجاراً، أو أولياءً، أو أنبياءً، أو عباداً صالحين، أو كواكب، أو أياً كانت تلك المعبودات من دون الله .
وكانوا كذلك كما أخبر الله ﵎ عن اليهود والنصارى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١].
ولهذا لما كتب النبي ﷺ إلى ملوك الأرض يدعوهم إلى الإسلام، كتب إلى هرقل عظيم الروم: ﴿بسم الله، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، أما بعد: أسلم يؤتك الله أجرك مرتين، ثم كتب النبي ﷺ الآية: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:٦٤]﴾.
فكان الأنبياء يأتون ليدعون أقوامهم إلى أن يعبدوا الله، وأن يكون الرب هو الله المعبود وحده لا شريك له، لكن أولئك كانوا يعبدون الأحبار والرهبان من دون الله ﵎.
стр. 1039
أنواع عبادة الأحبار والرهبان
عبادة الأحبار والرهبان على نوعين: النوع الأول: السجود للأحجار، أو الأشجار، أو الأصنام، أو الدعاء، أو الاستغاثة في حالة الكرب.
والنوع الآخر: أن هؤلاء الناس كانوا يطيعونهم، فيحللون ما حرم الله، ويحرمون ما أحل الله وفق آراء وأهواء الأحبار والرهبان.
ولذلك لما جاء عدي بن حاتم -وكان على دين النصرانية - إلى الرسول ﷺ ، فتلا عليه النبي ﷺ هذه الآية ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة:٣١] قال له عدي: ما عبدناهم.
لأن عدياً ومن كان معه ما كانوا يسجدون للأحبار والرهبان، وما كانوا يستغيثون بالأحبار والرهبان، فذهب نظره وانطلق ظنه إلى أن هذه العبادة ليست موجودة عندهم، فكيف يقول الله ﵎ ذلك؟ فقال له النبي ﷺ : ﴿ألم يحلوا لكم الحرام، ويحرموا عليكم الحلال، فأطعتموهم؟ قال: بلى، قال: فتلك عبادتكم إياهم﴾.
стр. 1040
حقيقة التوحيد
وهكذا يأتي الأنبياء ليبينوا للناس أن يعبدوا الله وحده لا شريك له، وأن يكون المطاع هو الله وحده لا شريك له، وطاعة أي أحدٍ غيره، حتى الرسول ﷺ إنما هي سبب لطاعة الله، ولهذا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
ولهذا حتى الأنبياء لو خالفوا شيئاً من أمر الله عن اجتهاد منهم ينزل العتاب من السماء ليصحح ما يجب أن يكون؛ ليوافق الكل أمر الله ﵎، فلا مجال لأن يكفر الإنسان ببعض التوحيد ويؤمن ببعض، والله ﵎ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨]، أي: ادخلوا في الإسلام كله، والسلم هو الإسلام، كما قال جل شأنه في الآيات الأخرى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال:٣٩].
والطاعة والتشريع، والموالاة والمعاداة لله ﵎.
فحقيقة التوحيد الذي هو توحيد الأنبياء الذي جاءوا به هو: الاستسلام والانقياد لأمر الله ﵎ في كل أمر وفي كل شأن، بلا اعتراض ولا منازعة، ولا مدافعة ولا طاعة لشيطان، ولا لهوى، ولا لطاغوت ولا لأي مخلوق كائناً من كان.
فأمَّا من أقر بتوحيد الربوبية أو ببعضه وقال: أنا أؤمن بأن الله هو الخالق والرازق والمحيي والمميت، ولكن يدعو غير الله، فهذا وإن جاء بتوحيد الربوبية أو بعضه، لكنه نقض توحيد الألوهية.
وكما قلنا ما جاء الأنبياء ليقولوا للناس إن الله موجود، لا؛ بل جاءوا ليدعوا الناس إلى عبادة الله وحده، كما قال تعالى: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩]، قالها: نوح، وصالح، وهود، وشعيب، ومحمد ﷺ ، وجاهد الناس عليها ثلاث عشرة سنة، والرسول ﷺ يدعو إلى هذا التوحيد وإلى شهادة أن لا إله إلا الله.
فمعنى ذلك: أنه يجب علينا أن نتفطن إلى حقيقة التوحيد وأهميته، وأنه لا بد أن نأتي بجميع أنواع التوحيد، وإلا فلو أن الأمر كلمة تقال باللسان كما يظن كثير من الجهال -وقد فشى الجهل في المسلمين- لكان الأمر أهون.
ولهذا لما عرض النبي ﷺ نفسه على بعض القبائل -كما جاء في السيرة- فكان يقول: قولوا كلمة واحدة، كلمة تستجيب لكم بها العجم وتخضع لكم بها العرب، والكلمة هي: لا إله إلا الله، قالوا: أما هذه فلا.
رفضوها؛ لأن معناها أن تتخلى عن كل شيء، لا تؤله نفسك على القبيلة، ولا تؤله أعراف وعادات القبيلة، ولا تؤله الأحبار ولا الرهبان، ولا تؤله الشياطين، ولا تؤله الجن، فالعرب كانوا إذا مروا في وادٍ، قالوا: نعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه، ولا تؤله الكهان.
فقد كان العرب يتحاكمون إلى الكهان، وكانوا يذهبون إليهم في كل أمر، ويدعون أن عندهم علم الغيب ويطلعونهم عليه، وهكذا أمور كثيرة من أمور الشرع، والحديث الصحيح المعروف لما رقى النبي ﷺ على جبل الصفا ودعا الناس إلى شهادة أن لا إله إلا الله، قالوا: تباً لك! ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله : ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١].
وهؤلاء هم قومه ﷺ الذي يعرفون صدقه، وسمّوه بالصادق الأمين، وكان العرب أحرص الناس على الشرف والفخر، ولم يبعث في العرب نبي قبله ﷺ وإنما كانت النبوة في ذرية إسحاق، وكان اليهود أهل الكتاب يتطاولون على العرب دائماً بأن المبعوث من الأنبياء منا، وما منكم أحد.
وكان اليهود يستفتحون على الذين كفروا -أي على المشركين- بأن الأنبياء والنبوة والعلم والكتاب فيهم؛ فكانوا أثرى القبائل بأن يفخروا بهذا، والعرب كان إذا نبغ فيهم شاعر افتخروا وضجوا وصاحوا وعلموا أبناءهم القصائد التي يقولها هذا الشاعر؛ لأنهم يريدون الفخر، فكان حرياً بقريش أن تفخر بهذا المبعوث الصادق الأمين، الذي يدعوها إلى أمر عظيم، تخضع لها به الأرض كلها.
لكن لما قال: لا إله إلا الله لم تستجب قريش، وكانت الحرب مع قريش ثلاث عشرة سنة، ثم في المدينة حاربوه وحاربهم، إلى أن فتح الله ﵎ له مكة في السنة العاشرة.
стр. 1041
أهمية توحيد الله
وقال الشيخ: سفر الحوالي حفظه الله.
توحيد الله هو أهم من كل أمر، فعندما أقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، فمعناه أن أوحد الله في كل أمر، وأن أستمع إلى أي أمر يأمر به الله، كما قال بعض السلف: [[إذا سمعت: يا أيها الذين آمنوا؛ فأرع لها أذنك]]، لأن هذا الخطاب من الله ، ويجب أن تعبده وتطيعه وحده، فإن الأمر الذي سيأتيك بعد ذلك يجب أن تنفذه.
فلو أن أحداً أخلَّ ببعض أنواع التوحيد، فإنه بلا شك قد أخلَّ بالتوحيد، مما قد يخرجه من الإسلام نهائياً؛ كمن يدعو غير الله، أو يستغيث بغير الله، أو أمثال ذلك، وحتى في الطاعات فمن يقصر في بعض الطاعات لا شك أن إيمانه ينقص، والذي يعترض على الله في بعض التشريعات، فإنه كمن يعترض على شرع الله كله، وهذه من الأشياء التي تخفى على كثير من الناس، فيجب أن توضح ويجب أن نعرف حقيقتها.
كثير من الناس يحب الإسلام والتوحيد والدين، ويحافظ على بعض الأمور كالصلاة، أو الصيام، أو الحج، أو الصدقة، وما أشبه ذلك، لكنه لا يريد ولا يطيق أن يسمع من يقول له: اتق الله! ودع الربا -مثلاً- لأنه يتعامل بالربا فهو يحب كل ما أنزل الله إلا الربا، لا يريد الناس أن تتحدث عنه، بعض الناس يحب ما أنزل الله من صلاة، وصيام، وزكاة، يوحد الله في ذلك، لكن لا يطيق أن تحدثه عن الحجاب، أنه لا يجوز له أن يخرج امرأته متبرجة، أو لا يراها فقط إلا المحارم ممن ذكر الله، هذا صعب فهو يكره هذا الجانب.
وهكذا لو أن كل مسلم فتش في نفسه، لوجد أنه رغم ادعائه للتوحيد لكن الانقياد والاستسلام لله على الحقيقة فيه خلل، قد يكبر، وقد يصغر؛ لكن هذا الخلل موجود عند أكثر المسلمين، ولا يحتاج دليل في ذلك، فانظروا إلى حال المسلمين اليوم، إن كان حالنا اليوم في عزة ومنعة وقوة، فإننا محققون للتوحيد، وإن كنا في ذل وانحطاط وتفرق، فاعلموا أننا لم نحقق توحيد الله ﵎.
فبقدر ما نحقق التوحيد يكون الانتصار بإذن الله ، وبقدر ما يكون عندنا من الشرك والبدع والمنكرات والمعاصي التي تبعد الإيمان نهائياً، بقدر ما يكون حالنا من الفتور والانحطاط.
стр. 1042
تحقيق التوحيد
وقال الشيخ: سفر الحوالي حفظه الله.
إذا أراد الفرد منا كفرد أن يرضي الله ﵎، وينال ما وعد الله به من العزة والتمكين في الأرض وفي الدنيا، وبالفوز برؤيته وبالجنة في الآخرة، فما علينا إلا أن نوحد الله التوحيد الكامل المطلق، وأن نستسلم لأمر الله ولقدره ولقضائه ونرضى بكل ما أنزل الله ﵎، كما في الحديث ﴿من قال حين يمسي وحين يصبح: رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ رسولاً، كان حقاً على الله أن يرضيه﴾ هذا معنى الرضا، لكن ما معنى رضيت بالله رباً؟ أقول: معنى ذلك أنه -مثلاً- إذا سمعت آية من آيات الله فإذا لم أنفذها، ولم أتبع ما فيها، لم يكن هذا من الرضا، لا بد عندما أقول في الصباح والمساء: رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ رسولاً، أن أضع كل ما يأتيني عن الله، وعن رسول الله، في محل الطاعة والقبول والالتزام في نفسي -ما استطعت- كما قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، وفي زوجتي وأهلي ومجتمعي، ومن حولي، وأدعو إلى الله ، وأنكر المنكر بقدر ما أستطيع.
إذاً: لا بد من توحيد الله ﵎ التوحيد الكامل المطلق، وإلا فالمشركون لم ينفعهم شيء، مع أنهم كانوا مقرين بأنه الخالق، والرازق، والمحيي، والمميت، والذي يدبر الأمر، لكنهم كانوا لا يقرون بالعبادة، وكانوا يتبعون الأعراف والعادات والتقاليد، ويتركون أوامر الله ورسوله، وكانوا يعبدون الأحبار والرهبان، يتبعونهم في تحليل الحرام، وتحريم الحلال، فكل ذلك لم ينفع المشركين، ولم ينفع اليهود والنصارى، ولم يصيروا موحدين، بل كانوا مشركين، وتوعدهم الله بالنار، أعاذنا الله وإياكم منها.
стр. 1043
كيف يزرع التوحيد
قال الشيخ: حسّان الراضي كما يعلم الجميع أن الرسول ﵊ مكث ثلاث عشرة سنة في مكة يدعو الناس إلى التوحيد، وكان الناس في مكة يعبدون آلهة مع الله ، وكانوا يحبونها، ويصرفون عليها أموالاً كثيرة، ويعطرونها، ويظنون أن هذه الآلهة سوف تنفعهم.
والمحبة تأتي إذا خلط الإنسان الجهد والمال من أجل الشيء، فمثلاً: إنسان يعمل عشر سنوات لجمع المال، حتى صار ثلاثين أو أربعين ألف ريال، فهو يحب هذه الأربعين ألف ريال؛ لأنه اجتهد من أجلها، فإذا أخذ هذا المال ووضعه في سيارة، فإن هذا الإنسان يحب هذه السيارة، فتنتقل المحبة من المال إلى سيارته، فيصبح يلمع السيارة ويحافظ عليها ولا يريد أن يلمسها أحد.
فهؤلاء بذلوا أموالاً كثيرة، وأوقاتاً كثيرة من أجل هذه الآلهة، فجاءت محبة الآلهة في قلوبهم، فكانت عملية إخراج هذه المحبة من قلوبهم عملية ليست بالسهلة أبداً، ولكن يسَّر الله أن تخرج بإذن الله هذه المحبة من قلوبهم، وتُستبدل بمحبة الله وباليقين بأنه لا إله ولا معبود يستحق العبادة حقاً إلا الله ، فيسهل عليه امتثال أوامر الله .
ولهذا عندما اكتمل التوحيد في قلوب الصحابة، كان امتثال أمر الله أمر سهل، فكان الرسول ﷺ عندما يأمرهم بأمر كان جميع الصحابة يمتثلون أمر الله سبحانه، فإذا جاء الأمر أن صلوا في المسجد فإنهم كلهم يصلون في المسجد، أو جاء الأمر بأن لا تشربوا الخمر، كلهم يريقون الخمر، وعندما نزلت آية الحجاب التزمت جميع النساء المسلمات بالحجاب.
لقد كان الجهد في زرع التوحيد في القلوب، وفي إخراج المحبة لهذه الآلهة، التي لا تسمع ولا تنفع ولا تضر، وهذا كان فيه سب لآبائهم وتسفيه لأحلامهم، وسب لآلهتهم أيضاً؛ لأن الرسول ﷺ لا بد أن يتكلم، ويقول: إن هذه الآلهة لا تسمع ولا تبصر ولا تستطيع أن تنفعكم شيئاً.
كما قال إبراهيم ﵊: بأن هذه الأصنام لا تسمع ولا تبصر، ولا تنفع شيئاً، فهذا سب للآلهة، وتسفيه لأحلامهم، القائلة: بأن هذه الآلهة تشفع لنا، كما قال تعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، فكان في هذا تحطيم لأحلامهم كلها.
فعندما يأتي محمد ﷺ إلى المشرك وهو يعبد هذه الآلهة ثلاثين سنة، وهو يعلم أنها ليست الخالقة، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الزخرف:٨٧]، فهو يعلم أن الله هو الخالق والرازق، ولكنه يظن أن هذه الآلهة تقربه إلى الله، ولهذا بذل الأموال والأوقات، من أجل هذا، ويأتي الرسول فيقول له: إن هذا كلام ضلال، فهذا تسفيه وتحطيم لأحلامه كلها، ولهذا كانوا يرفضون هذا الشيء.
وكان فيه أيضاً سب لآبائهم، لأنهم وجدوا آباءهم على ملة، وعلى طريقة، وهم يتبعون طريق آبائهم، فكأنما محمد ﷺ يقول لهم: إن آباءكم لا يعقلون ولا يفهمون شيئاً، فكان هذا سب للآباء، وهذا ما كان يقوله كفار قريش: إن محمداً سفَّه أحلامنا، وسبَّ آباءنا، وعاب آلهتنا، وهو في الحقيقة ما سب الآباء، وما قال: أنت أبوك كذا أو كذا، فكانت العملية في غاية الصعوبة في إخراج هذا اليقين، وهذه المحبة من هذا القلب، وإبدالها بالتوحيد.
فالرسول ﷺ كان يدعو إلى توحيد الألوهية، ولكن هذا التوحيد يدخل عن طريق باب توحيد الربوبية فيجب أن يعلم الإنسان أنه لا يقربه لله لا ولي، ولا ملك، ولا جن، ولا نبي، فلقد كان إبراهيم ﵇ أسوة حسنة، فعندما أوقدوا له النار، وأرادوا أن يقذفوا به فيها، وقد كانت ناراً عظيمة جداً، ما رأى أحد مثلها.
وضعوا إبراهيم على المنجنيق وهو وحيد، كل العالم ضد إبراهيم ﵊، فعندما ضربوا المنجنيق، وكان إبراهيم ﵊ في الهواء، جاء إليه جبريل، وقد انقطعت جميع الأسباب المادية -لكن انظر إلى هذا الاختبار- وهو في طريقه إلى النار يأتي جبريل إليه بالحبل المادي الوحيد.
فيقول: هل لك إلينا حاجة؟ تريد مني خدمة؟ فهذا جبريل الملك العظيم، الذي يستطيع بإذن الله أن يطفئ هذه النار، أو أن يحول طريق إبراهيم إلى مكان آخر، ولكن عندما يكتمل التوحيد في الشخص، ويعلم أنه لا ينجيه إلا الله، فلا يستعين بأحد إلا بالله ، فيقول: أما منك فلا! لا حاجة لي بك، ولكن من الله .
فلا يستطيع الإنسان ولا للحظة أن يسأل الله أن لا يستعين بالله .
وكذلك الرسول ﷺ عندما كان في غزوة من الغزوات، ونام تحت الشجرة، وعلق سيفه ﵊ والصحابة نائمون، فجاء أحد المشركين وسلَّ سيفه؛ فاستيقظ ﵊، -وكما تعلمون عندما يستيقظ الإنسان من النوم، لا يكون مسيطراً على فكره وقلبه- وهذا المشرك قد سلَّ سيف الرسول ﵊، وهو يقول له: من يمنعك مني؟ فما تردد عليه الصلاة السلام؛ لأن قلبه مملوء بعظمة الله ، ويعلم بأن الله هو الناصر، وهو المميت، وهو المحيي، وأن هذا السيف والله لا يتحرك ولا يقطع، إلا بأمر الله ، فهو لا يخاف إلا الله، ولا يعبد إلا الله ، فقال للمشرك: الله، هذا التوحيد يجب أن ينمو في قلوب شباب المسلمين.
стр. 1044
مراتب التوحيد
قال الشيخ: سفر الحوالي حفظه الله.
الإيمان أو التوحيد، قد يكونان مترادفين، إذا علمنا وعرفنا كيف فسر النبي ﷺ الإيمان لجبريل ﵇، كان هذا آخر عمله ﷺ ، فإن جبريل ﵇ أتى النبي ﷺ بعد عودته من حجة الوداع، ومعلوم أن النبي ﷺ توفي بعد حجة الوداع بفترة وجيزة، في شهرين وكذا من الأيام.
وفي الحديث ﴿بينما نحن عند الرسول الله ﷺ ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ﷺ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع يديه على فخذيه -جلسة المتعلم أمام الشيخ المعلم- فقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام، فقال له النبي ﷺ : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً، فقال: صدقت، فقال الصحابة: عجبنا له يسأله ويصدقه، فقال: أخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره، فقال: صدقت إلخ﴾.
فالتوحيد هو: تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله.
فهذا الحديث جاء فيه أن مسميات مراتب الدين ثلاثة: الإسلام والإيمان والإحسان، فلما علمه قال الرسول ﷺ لأصحابه: ﴿هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم﴾.
إذاً ديننا بهذه الثلاثة، بالإيمان وبالإسلام وبالإحسان، ولو تأملنا في هذه المراتب الثلاثة، لوجدنا أن الناس يتفاوتون فيها، ولوجدنا العلاقة بين هذه الأنواع جميعاً، فإن الإنسان الذي يشهد أن لا إله إلا الله، ويصوم ويصلي، لا بد أن يكون مؤمناً بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وهذا الإيمان قد يبلغ ببعض الناس إلى أن يصل إلى درجة الإحسان، وهو أن يصبح الإنسان يعبد الله كأنه يراه، فهذا التوحيد على نوعين: توحيد الأعمال الظاهرة، وتوحيد الأعمال الباطنة.
стр. 1045
توحيد الأعمال الظاهرة
الأعمال الظاهرة: هي التي سماها النبي ﷺ في هذا الحديث بالإٍسلام، فهو الأعمال الظاهرة للتوحيد، أن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ونصلي ونصوم ونحج ونزكي، فتكون جميع أنواع العبادات من الأعمال الظاهرة التي هي أعمال الجوارح خالصة لوجه الله .
стр. 1046
توحيد الأعمال الباطنة
الأعمال الباطنة هي: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر، أن يكون الإنسان رجاؤه وخوفه وتوكله وإنابته ويقينه وإخباته وإذعانه، وكل الأعمال القلبية لله .
стр. 1047
الإيمان يزيد وينقص
وهذان الركنان: الأعمال الظاهرة والأعمال الباطنة، منهما تترتب حقيقة تفاوت الإيمان وأنه يزيد وينقص، مثلاً لو نظرنا إلى الصلاة، نجد أن بعض الناس أكثر أجراً في صلاته من بعض، فالواحد منا -أحياناً- يصلي الفجر صلاةً خاشعةً ويستيقن ويحمد الله على ذلك؛ لأنه استحضر قلبه، فهذه صلاة أداها بما يرضيه ويريده، لكن قد يأتي يوم ثانٍ أو فريضة أخرى، وإذا به ينشغل ويهتم ويوسوس في الصلاة، ولا يدري إلا وقد سلم الإمام، وربما لو سهى الإمام لا ينتبه إلى ذلك.
إذاً: هذا دليل على أن الأعمال تتفاوت، فحركات الجوارح نفس الحركات تقريباً، أنت وراء الإمام في الفريضة ما الذي جعل صلاتك في وقتٍ عالية، وصلاتك الأخرى قليلة جداً؟! فبعض الناس لا يكتب له إلا عُشر الصلاة، وبعضهم لا يكتب له شيء، لكن من الناس من تكتب له كلها، نصفها، أو ثلثها، أو ربعها، إلى عشرها كما قال النبي ﷺ .
إذاً: هذا التفاوت ما سببه؟ سببه أعمال القلب، وإيمان القلب، فعندما يكون الخشوع واستحضار القلب لله ، تكون العبادة أكفأ.
وكذلك لا يمكن أن يوجد عمل في القلب حقيقي، وإيمان في القلب حقيقي، إلا ويظهر أثره على الجوارح، تجد أحدهم يقول: أنا موحد لله تماماً، لكنه يحلف بغير الله، فلو وحد الله ما حلف بغير الله، فإذا ذهب يدعو غير الله فهذا أعظم، فلو كان التوحيد في قلبك كما تقول لما دعوت إلا الله، وكيف يكون التوحيد متكاملاً في القلب وتدعو غير الله ؟ فإذاً بهذا يعرف الإنسان إيمانه عندما يشعر أن صلاته أحياناً تزداد، وأحياناً تقل، فالإيمان يزيد وينقص، ولذلك الله قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣]، لما حول الله القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، قال بعض الصحابة ما حال صلاتنا التي صليناها إلى الشام، وقال بعضهم: إخواننا الذين ماتوا قبل أن تتحول القبلة ليس لهم شيء حتى لو صلوا؛ فأنزل الله : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣] أي صلاتكم.
فإن الصلاة هي الإيمان، والإيمان هو الصلاة، لأنها جزء منه، فكل عمل من الأعمال يطلق عليه الإيمان، فبر الوالدين من الإيمان، والصيام من الإيمان، والزكاة من الإيمان، والإحسان إلى الفقراء من الإيمان، فكل هذه الأعمال الصالحة من الإيمان، عمل الجوارح مع عمل القلب جميعاً، فإذا كانت هذه الأعمال تزيد وتنقص، فالإيمان يزيد وينقص.
وكذلك التوحيد يزيد وينقص، فعندما يأتي جبريل إلى إبراهيم ﵇، فيقول: ألك حاجة؟ فيقول: أما إليك فلا، فهذا غاية التوحيد، لكن من الذي يحقق مثل هذه الدرجة، إنهم قلة قليلة.
ولذلك قال الله ﵎: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾ [البقرة:١٢٤].
وفي الموقف الآخر لما رأى في المنام ما رأى -ورؤيا الأنبياء وحي- لم يأته جبريل، بل أعظم من ذلك، لقد خاطبه الله ، فقال: يا إبراهيم! اذبح ابنك، فأضجعه إبراهيم وأخذ السكين، حتى أنزل الله تعالى عليه: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات:١٠٥].
فلما حقق إبراهيم ﵇ هذ التوحيد، صار إمام الموحدين، ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٣]، فنحن الآن ننتسب إلى محمد ﷺ ، وإلى إبراهيم ﵇، إمام الموحدين الأول.
فإبراهيم ﵇ دعا الله ﵎ أن يبعث إمام الموحدين وهو محمد ﷺ ، الذي نشر هذا التوحيد، ولهذا يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران:٦٨]، فنحن أولى الناس بإبراهيم، وقال رداً على اليهود والنصارى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران:٦٧]، إذاً التوحيد درجة عالية جداً، فمحمد ﷺ لما كان في الغار ومعه الصديق، كما قال تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]، كان فؤاد أبي بكر ﵁ يرجف، ويقول: ﴿يا رسول الله! والله لو أن أحدهم نظر إلى موضع قدمه لرآنا﴾، وإذا رأوهم انتهت الجهود والاحتياطات التي بذلت، في لحظة واحدة، لو أن أحدهم نظر إلى موضع قدمه فقط.
فقال النبي ﷺ : ﴿لا تحزن إن الله معنا﴾، هذا هو التوحيد، لكن هل كل النفوس تطيق ذلك؟ لا، الأدلة على ذلك أن التوحيد درجات تتفاوت، ويزيد وينقص.
وعندما جاءت الأحزاب وأحاطوا بـ المدينة، والرسول ﷺ محاصر هو وأصحابه فيها، في تلك اللحظة ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً، هذا الزلزال الشديد ظهر فيه الموحد الصادق، الذي يؤمن بالله وواثق من نصر الله وسقط من سقط، وما أكثر من يسقط ممن يدعون الإيمان حين يصطدم بلحظة الاختبار وفي لحظة الابتلاء، كما قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٢ - ٣]، فهذه الآية تبين أن هناك اختباراً وابتلاءً، فعندما جاءت الأحزاب، ظهرت حقيقة المنافقين، كما قال تعالى: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَاراً﴾ [الأحزاب:١٣].
وهكذا نحن نريد أن ندعو إلى الله، ونغير منكراً من المنكرات، وأن نذهب إلى إخوانٍ لنا في الله في الشارع، هذا يبيع أفلاماً خليعة، وهذا أغاني محرمة، وهذا فاتح المقهى وقت الصلاة، نكلمه بالحسنى، بالمعروف، ونعرفه ونعرف الآخر، فكلنا إخوان ومسلمون بحمد الله، ونعرف بعضنا بعضا، هذا ولد عمي، وهذا رفيقي، وهذا زميل أخي، كلهم في الحي، لا نحاول بسلطة ولا بعسكري، نحن نكلمه بالمحبة والأخوة.
فعلينا أن نخاطب قلوبنا، هل نحن فعلاً عندنا الجرأة وعندنا الإيمان؟ نحن لا تحيط بنا الأحزاب، ولا الأعداء، ولا شيء من ذلك، بل والله إذا نصحت أحداً، فإنه يشكرك ويحترمك، ونحن ما نريد الشكر والاحترام لنا، نحن نريد أن يطاع الله.
لكن أقول: هذا عاجل بشرى المؤمن، ومما يشجع الإنسان أن يقال له: يا أخي! اتقِ الله تعالى، أنت دائماً تأكل من الحرام، يا أخي! اتقِ الله، جزاك الله خيراً، الدنيا فانية والمال الحرام، أو يا أخي! الناس تبيع الفاكهة، وتبيع أدوات كهرباء، وتبيع أشياء فيها فائدة، وأنت تبيع أفلاماً! من أول الفلم عشق وغرام وهيام؟ يا أخي، أنت إنسان عاقل، وأنت كذا، جزاك الله خيراً، وإن شاء الله يتقبل هذا منك، وهذا أقل شيء، فأنت أديت ما عليك نحو أبناء هذه الأمة.
كذلك جارك الذي لا يصلي، متى ضربت عليه الباب؟! وقلت له: يا أخي نريدك أن تصلي، عندما نريد أن نعرف إيماننا، فإننا نقيسه بإيمان الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم- نعرف أننا ندعي أننا فقط أدعياء، إلا من ﵀ .
الشاهد من هذا كله هو أن الإيمان يزيد وينقص، وأن التوحيد يزيد وينقص، فإذا انطبق توحيد الله ؛ فإنه يظهر على الأعمال، والجوارح، وفي الدعوة، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتضحية والجهاد من أجل هذا الدين، ومن أجل التقرب إلى الله وحده، وبقدر نقص التوحيد ونقصان حقيقته، نجد أن الخلل وقع.
انظروا إلى الرزق الذي كان المشركون يؤمنون به، كان المشركون يؤمنون بأن الله هو الرازق وحده، مع أنه يوجد في هذه الأمة من يدعو غير الله أن يرزقه، وبعض الناس لو قلت له: يا أخي! اتق الله، أو قلت له: يا أخي! إن العمل في هذا المكان حرام، وهذه فتاوى العلماء، وهذا كلام الله ورسوله، لا يجوز أن تعمل في هذا المكان تجده يقول: أين أذهب؟ هذا مصدر رزقي.
ولو أتيته وقلت له: يا أخي! اتق الله وانه عن المنكر، أنت -مثلاً- تعمل في هذا المحل وفيه المنكرات، ادع صاحب المحل عندما يأتي، وقل له: هذا منكر، يقول: لو كلمته يقطع رزقي، يا سبحان الله! إذاً: ما كانت الجاهلية تُقُّر به وهو أن الله هو الرازق، نجعله نحن للمخلوق دون أن نشعر، فنقول: المخلوق هو الرازق، ولو أنك لو تركت العمل في هذا المكان المحرم، أو عند هذا الإنسان الذي لا تستطيع أن تقول له: اتقِ الله! لربما يعوضك الله خيراً منه، ولو لم يكن لك أي عوض، إلا أنك وحدت الله حقيقة التوحيد، وآمنت بالله حقيقة الإيمان لكفى.
والخلاصة من ذلك: أن الإيمان يزيد وينقص، وأن التوحيد يزيد وينقص، ونسأل الله أن يوفقنا وإياكم جميعاً لتحقيق التوحيد، والعمل به، والدعوة إليه، والصبر على الأذى فيه، إنه سميع مجيب، والله أعلم.
стр. 1048
إنا خلقناكم من ذكر وإنثى
قال الشيخ: حسّان الراضي ِِخلق الإنسان للرجل والمرأة له أربع حالات: إما أن يخلق من الرجل والمرأة، وإما أن يخلق من الرجل دون المرأة، وإما أن يخلق من المرأة دون الرجل، وإما أن يخلق بدون الرجل وبدون المرأة.
وأصعب الحالات بلا شك هو الخلق بدون رجل ولا امرأة، والله على كل شيء قدير، والله يرينا بعض قدرته فينا، فالله قادر على كل الأربع الحالات، أما التي بدون رجل وبدون امرأة كخلق آدم ﵇، خلقه من تراب ونفخ فيه من روحه وقال الله له: كن، فكان آدم ﵇، وخلق الله حواء من ضلع آدم، فخلقت من رجل بدون مرأة، وخلق الله بقية الخلق من آدم وحواء، من رجل وامرأة، فلم يتبق إلا خلق إنسان من امرأة دون رجل، فالله أكمل بخلق عيسى ﵊ الحالة الرابعة وهي خلق الإنسان من امرأة دون رجل.
ولقد ضل النصارى وهم يحسبون أنهم مهتدون، فقالوا: إن عيسى ﵊ ابن الله!! وهذا القول كفر والعياذ بالله، فالله أوضح أن من قال هذا: أنه كافر، وكذلك من قال: إن الله ثالث ثلاثة أنه كافر، فالله إله واحد لا شريك له، لم يلد ولم يولد، ليس له صاحبة؛ فإذا كان له ولد، فأين الصاحبة؟! فالله واحد، ولا يحتاج إلى ولد، ولا إلى صاحبة ولا إلى أحد.
стр. 1049
الغلو من أسباب الضلال
قال الشيخ: سفر الحوالي حفظه الله.
من أكبر أسباب الضلال في الأمم التي قبلنا وفي هذه الأمة، الغلو في المخلوقين والبشر، فآدم ﵇ خلقه أعظم من خلق عيسى، ولذلك قال الله ﵎: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران:٥٩] قالها في سورة آل عمران في معرض الرد على أهل الكتاب، لما جاء قسيس نجران والوفد الذين معه إلى المدينة، إلى النبي ﷺ وناظروه في ذلك، فأنزل الله ﵎ صدر سورة آل عمران، رداً على النصارى في آي كثيرة، منها هذه الآيات.
دعوى النصارى بأن الآلهة ثلاثة، وإشراكهم بالله في ذلك، من أسبابها المشكلة التي يعاني منها المسلمون اليوم، وهي مشكلة الغلو في الصالحين، وفي الأنبياء.
إن الغلو في أي إنسان بأن يزيد من قدره الذي جعله الله له، هذا من باب الضلال والشرك، فالمسيح ﵇، وأمه ﵍ كانوا من بني إسرائيل -كما تعلمون- فماذا كان موقف القوم منهما، بعد أن أكرمهما الله بما أكرم الأنبياء؟ كانوا على فئتين: أما اليهود فقالوا والعياذ بالله: إن مريم زانية! وأن هذا المسيح ابن زنا! والعياذ بالله، وهذا غلو في غاية الدناءة، أما الطرف الآخر فقالوا: إن هذا ليس بشراً، هذا إله، فرفعوه إلى أعلى؛ ولهذا رد الله ﵎ عليهم بأعظم مما رد على أي بدعة أو شبهة، فقال: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة:٧٥].
هذه الآية لها مغزى، "كانا يأكلان الطعام" معناه: وجود الحاجة البشرية فيهما والفقر يظهر في أكل الطعام، فالإنسان أكثر شيء يحتاجه في حياته اليومية أن يأكل الطعام.
لذلك فإنَّ الرئيس، والحقير، والصغير، والكبير، والغني، والفقير، وكل مخلوق هو يسعى إلى الرزق لأكل الطعام، فيجد الحاجة إلى الطعام وإلى التقوت به، فمن كان في حاجة إلى أكل الطعام، لا يمكن أن يكون إلهاً أبداً، وأكثر من ذلك فالذي يأكل الطعام، تخرج منه الفضلات فهل يليق بالإله أن ينسب إليه هذا الشيء -والعياذ بالله- فلو فكَّر هؤلاء، وحكَّموا عقولهم، لكان ََََالتوحيد هو دينهم، لكن أضلهم الله بسبب هذا الغلو.
وهؤلاء -كما تسمعون- في صوت الإنجيل، وفي مونتكارلو، وفي ساعة الإسلام، وفي الإذاعات التي تصلهم ليلاً ونهاراً، وفي كل ليلة، وفي كل وقت، وفي كل خطبة، وفي محاضرة، وفي نظرة في الكنائس، يرددون أن المسيح إنما كان إلهاً، وإنما كان بهذه المكانة، لأنه خلَّص البشرية، خلص بني الإنسان من الخطيئة.
بعض الناس يقول: ما دامت أمريكا وأوروبا وفرنسا صنعوا الطائرات والصواريخ والأقمار الفضائية وكذا، كيف ستكون عقائدهم رديئة مفتقرة؟ ما دام هناك هذا الإنتاج المادي والتكنولوجي والكمبيوتر؛ فلا بد أيضاً أن عقائدهم ودينهم وفكرهم يكون على هذا المستوى!! وهذا غير صحيح أبداً، هذا ظلم، هذا له مجال، وهذا له مجال آخر، الدين اتباع وهدى من الله ، أما الصناعة فكل إنسان يعمل أكثر، ويفكر أكثر، وينتج أكثر، يحقق فيها أكثر، أياً كان دينه، الصينيون صنعوا القنبلة الذرية، بل وعباد البقر الهنود صنعوا القنبلة الذرية، إذاً: القنبلة الذرية ليست حكراً على أصحاب الفكر الغربيين، يمكن أن المجوسي، وعابد البقر، وعابد الشجر، وعابد الحجر، وأي إنسان أن يعمل ويحقق.
الشبهة أن النصارى قالوا: آدم أكل من الشجرة فوقعت البشرية في الخطيئة، فلما أراد الله أن يخلص الإنسان من الخطيئة، ضحَّى بابنه الوحيد -تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا- وذبحه صلباً، فكفرت الخطايا عن البشرية.
جواب الشبهة: فلو ناقشناها بالعقل حتى بدون نقل مع أي إنسان عنده عقل لقلنا: أولاً: آدم هو الذي أخطأ، والذي أغواه بالخطيئة هو الشيطان، لو كان الذي ضحى به الله هو ابن الشيطان، فلن يكون هذا من العدل، لكن يقتل الذي أغواه وهو الشيطان، فهم يدعون أنه لم يقتل الشيطان الذي أغواه ولا ابن الذي أغواه، وإنما قتل الله ابنه الوحيد للتكفير عن الخطيئة، فلماذا؟ ومن يقبل هذا الكلام؟ الأمر الثاني: أن الله ليس بعاجز أن يغفر الخطيئة، فالله يقول: يا عبدي! قد غفرت لك، أما أن يضحي بابنه فهذا عجيب! فمثلاً واحد أخطأ عليك -ولله المثل الأعلى- هل تذبح ولدك من أجل أن تغفر له، اعف عنه وسامحه وانتهت الإشكالية، لكن كيف يقبل العقل هذا؟ أما أعداؤه اليهود الذين قالوا: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١] وقالوا: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة:٦٤].
فاليهود قالوا: إنه ابن زنا، وأنتم تقولون أيها النصارى: إنه ابن الله، فصلبوه وذبحوه، بكل راحة وسهولة، فكيف يكون هذا ابن الله؟ تعالى عن ذلك علواً كبيراً، ما قدروا الله حق قدره، وما عظموه حق تعظيمه، فأي عاقل يسمع كلام النصارى هؤلاء لا يمكن أن يصدقه.
لكن المصيبة ليست في النصارى، بل المصيبة أن هذه الأمة غلت في عباد الله الصالحين، في أوليائها، وصلحائها، وأنبيائها، كما غلا أولئك، فهناك من يدعي لمحمد ﷺ أنه يتصرف في هذا الكون، وأن روحه تدور في كل مكان، ومن يقول: إن محمداً ﷺ من أجله خلق الكون، وأنه يعلم الغيب كله، وكل شيء، حتى الخلق استأثر به، وأن على الإنسان أن يستغفره، وأن يطلبه في أي مكان، وهكذا.
حتى إن بعضهم، أو من غير هذه الأمة، جعل العبادة لغير الله، فتجده يستغيث بغير الله، ويدعو غير الله، ويقول: إن الله أعطى هؤلاء الناس التصرف في الكون، وأن هؤلاء أولياء، ولهم كرامات، وهم أحياء في قبورهم، فمن أتاهم إلى قبورهم، ودعاهم وذهب إلى الصلاة عندهم فهو كذا وكذا، مثلما غلا النصارى في عيسى، لكن هؤلاء قالوا: ابن الله، وهؤلاء قالوا: نبي الله، فالفرق أن كلمة ابن منهية عند المسلمين.
ولذلك قال النبي ﷺ : ﴿لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله﴾ قولوا: عبد الله ورسوله فقط.
الرسول لا يرضى أن يأتي فيجاهد الناس هذا الجهاد الطويل، ليترك الناس الشرك، ثم يأتي هؤلاء الناس ليدعوه هو، وهو الذي جاء لمحاربة الشرك، فيدعوه ليشرك بينه وبين الله، فلا يرضى الرسول ﷺ بذلك أبداً، ولا يرضى بذلك أي أحد من عباد الله الصالحين، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء:٥٧].
فالمدعوون والمعبودون من الأولياء الصالحين هم أنفسهم يبتغون إلى الله الوسيلة، وهم أنفسهم يدعون الله، ونحن لا ندري ما حالهم عند الله، إلا من كان نبياً، أو من شهد له النبي بأنه من أهل الجنة، وغير ذلك لا ندري ما حاله عند الله، هو خائف من عذاب الله، ويرجو رحمته، فكيف يعبد هؤلاء من دون الله؟ نسأل الله أن يجنبنا ويجنب المسلمين -جميعاً- طرائق أهل الكتاب وسنن أهل الكتاب، ويجعلنا من المؤمنين الموحدين، إنه سميع مجيب.
стр. 1050
جوانب من توحيد الألوهية
في هذه المادة يبتدئ الشيخ ببيان أن التوحيد هو دعوة الرسل جميعاً، موضحاً موقف المشركين من توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، ثم حذر من الشرك وبين أسبابه وبعض صوره ومظاهره، مبيناً حكم إتيان السحرة والعرافين والكهان، وبعض أحوالهم وأضرارهم على الفرد والمجتمع، وطرقهم في ترويج أكاذيبهم، ثم بيَّن حكم تعلم السحر وتعليمه، مع ذكر بعض شبه السحرة والكهان والرد عليها.
стр. 1051
أسباب طرح الموضوع وأهميته
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد: فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،، نسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن ينفعنا جميعاً بهذا الموضوع، وأن يكتب لنا ولكم الأجر والثواب إنه سميع مجيب.
إن الموضوع الذي نريد الحديث عنه هو: نبذة مختصرة عن (جوانب من توحيد الألوهية)، وهذا الموضوع قد تكون له تتمة لاحقة - بإذن الله - فيما يتعلق بهذا الأصل العظيم والركن الركين من أركان الدين: ألا وهو (توحيد الألوهية).
إن الكلام فيه لا جديد فيه على بعض منا، فماذا عسانا أن نأتي من جديد في أمر ندعو إليه جميعاً، لكن -أولاً- لأهمية الموضوع كان لا بد من التذكير به.
ثانياً: لغموض بعض قضاياه وغموض جوانب أو مسائل تتصل به، فكان لابد أن تجلى، ولا يضيرنا شيئاً أن يتكرر فيه الكلام؛ فإن الله ﵎ قد أكثر من الحديث والبيان والتفصيل فيه بما لم يأت على أمر آخر من أمور الدين، فعامة القرآن المكي وجملة من القرآن المدني إنما يتحدث عن توحيد الألوهية.
стр. 1052
التوحيد هو دعوة الرسل جميعاً
التوحيد هو الذي بعث الله ﵎ به رسله أجمعين، ومن أجله كانت الخصومة وكانت المعركة بين الرسل -صلوات الله وسلامه عليهم- وبين أممهم.
وقد بين الله ﵎ ذلك بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥] فبين أن التوحيد هو دعوة الرسل جميعاً؛ وهذا على سبيل الإجمال، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦] أي عبادة الله وحده لا شريك له واجتناب الطاغوت الذي هو: كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع، أو مطاع، فهذه هي حقيقة توحيد الألوهية وشهادة أن لا إله إلا الله.
وقد ذكر الله ﵎ التوحيد على سبيل التفصيل، فإن الله أنزل على خاتم رسله -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين محمد ﷺ القرآن العظيم، وهذا الكتاب كما وصفه الله هو: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ [هود:١ - ٢].
فهذه الآية هي خلاصة هذا الكتاب، الذي أنزله الله ﵎ مفصلاً على عبده ورسوله محمد ﷺ ، وفيه ذكر وتفصيل لتوحيد الألوهية.
стр. 1053
موقف المشركين من توحيد الألوهية
ذكر القرآن هذا التوحيد على سبيل التفصيل على لسان أول الرسل نوح ﵇؛ فإن الله ﵎ أخبر عنه في السورة نفسها أنه دعا قومه بنفس الدعوة، فقال تعالى على لسانه: ﴿أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ [هود:٢٦] وقال في آيات الأعراف: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف:٥٩] ثم أخبر الله ﵎ عن بقية الرسل بأنهم جاءوا بهذه الدعوة أيضاً، فقال: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف:٦٥] وقال أيضاً: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٧٣] وقال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٨٥].
فكل الرسل -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- كانت دعوتهم هي التوحيد وقد فهم أقوامهم وأممهم ذلك وعرفوه.
ولهذا قال قوم هود ﵇ له: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [الأعراف:٧٠] فهم أنفسهم قد عرفوا ما معنى قوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩] ولذلك قالوا: أجئتنا لنعبد الله وحده أي (لنفرده وحده بالعبادة) ونذر ما كان يعبد آباؤنا (من الشرك)، فقد كانوا يعبدون الله ويعبدون معه تلك الأصنام والمعبودات، ولكنهم لما عُرِّفوا توحيد الألولهية فعرفوه، أنكروه.
وهذا ما أنكره -أيضاً- قوم محمد ﷺ كما قال تعالى عنهم: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥] أي كيف يكون ذلك؟! فهم بذلك قد ردوا كل دعوة إلى تحقيق توحيد الألوهية، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات:٣٥ - ٣٦] وهكذا هي كل الأمم استكبرت على الدعوة إلى توحيد الله عبادته، وإلى شهادة أن لا إله إلا الله.
стр. 1054
موقف المشركين من توحيد الربوبية
وأما ما يتعلق ببعض جوانب الربوبية، وما ينسب إلى الله ﵎ من أفعال؛ فإن المشركين أنفسهم كانوا مقرين بها إلا من شذ، ومن جعل هذا التوحيد هو الغاية التي من أجلها بعثت الرسل وأنزلت الكتب وخلق الخلق كما يفعله المتكلمون في كتبهم التي يسمونها -العقيدة والتوحيد- وهي كتب كلام، فذلك من الضلال المبين ولا ريب في ذلك؛ لأن الله ﵎ أخبر في كثير من الآيات، أن المشركين كانوا يقرون بأن الله هو الذي يرزق، ويخلق، ويتصرف، ويملك قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس:٣١].
فهم يقرون بتوحيد الربوبية فلماذا إذاً كانوا كفاراً؟ ولماذا كانوا مشركين؟ لأنهم عبدوا غير الله، ولهذا قال تعالى: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس:٣٢] أي إذا كانت هذه هي أفعاله ، وإذا كنتم كما قال الله عنكم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥] وقال أيضاًَ: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف:٩] فلماذا تعبدون غير الله؟! ولماذا تدعون غير الله؟! ولماذا تتوجهون بقرباتكم وصلاتكم ونسككم ودعائكم إلى غير الله ﵎؟! إذاً: فالقضية واضحة بالنسبة لما كان بين الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، وبين أقوامهم، وما هذه إلا آيات قليلة من جملة آيات عظيمة في كتاب الله، توضح أهمية هذا الجانب وهو (توحيد الألوهية، وضرورة الدعوة إليه، والتذكير به.
стр. 1055
الشرك
وإذ قد ذكرنا ذلك فلابد أن نتعرض للشرك وخطورته وبعض شبه أهله.
следующие страницы →